Return to Article Details Statistical Analysis in Sociology: The New Positivist Approach

التحليل الإحصائي في علم الاجتماع: المقاربة الوضعية الجديدة

Statistical Analysis in Sociology: The New Positivist Approach

محمد فاوبار *

وخالد الزغاري **

Mohamed Faoubar & Khalid Zaghari

الملخّص

اعتمد علم الاجتماع منذ تأسيسه على استخدام الأساليب الإحصائية لمعالجة البيانات وتحليلها، وقد طرأت على هذه الأساليب تطوّرات كبيرة بسبب الثورة الإحصائية الحاصلة في مجال تحليل البيانات في القرن العشرين؛ إذ كان لأعمال علماء الإحصاء الإنكليز، أمثال فرانسيس غالتون وكارل بيرسون ورونالد آيلمر فيشر، الأثر الكبير في تيار الوضعية الجديدة في علم الاجتماع، حيث أصبح التحليل الكمي للمعطيات يفرض نفسه بقوة، خاصة في الحقبة بين عامَي 1920 و1960. بعد هذه الحقبة، جرى تطوير أساليب إحصائية جديدة لدراسة العلاقات والتأثيرات المشتركة والمتشابكة من خلال نماذج بنائية يجري افتراضها بناءً على الأبحاث النظرية والميدانية الرصينة في إطار علم الاجتماع الرياضي بفضل الإسهامات المنهجية التي أفاضت بها دراسات هربرت سيمون وبول لازارسفيلد وجيمس صامويل كولمان ودودلي دانكان، وآخرين.

Abstract

Abstract: Since its establishment, sociology has relied on statistical tests to process and analyze data, and these tests underwent great developments due to the statistical revolution in the field of data analysis in the twentieth century. The works of English statisticians such as Francis Galton, Karl Pearson, and Ronald Fisher had a significant impact on the trend of neo–positivism in sociology by which quantitative data analysis came to the fore, especially from 1920 to 1960. Thereafter, new statistical tests were developed to study relationships via structural models proposed based on theoretical and applied research, notably the contributions of Herbert Simon, Paul Lazarsfeld, Samuel Coleman, Dudley Duncan, and others to mathematical sociology.

الكلمات المفتاحية:
  • الأساليب الإحصائية
  • تحليل البيانات
  • العلاقات الارتباطية والتأثيرية
  • النماذج البنائية
Keywords:
  • Statistical Tests
  • Data Analysis
  • Correlations and Effects
  • Structural Models

محمد فاوبار * وخالد الزغاري ** |

Statistical Analysis in Sociology:

The New Positivist Approach

ملخص: اعتمد علم الاجتماع منذ تأسيسه على استخدام الأساليب الإحصائية لمعالجة

البيانات وتحليلها، وقد طرأت على هذه الأساليب تطوّرات كبيرة بسبب الثورة الإحصائية

الحاصلة في مجال تحليل البيانات في القرن العشرين؛ إذ كان لأعمال علماء الإحصاء

الإنكليز، أمثال فرانسيس غالتون وكارل بيرسون ورونالد آيلمر فيشر، الأثر الكبير في تيار

الوضعية الجديدة في علم الاجتماع، حيث أصبح التحليل الكمي للمعطيات يفرض نفسه

بقوة، خاصة في الحقبة بين عامَي 1920 و 1960. بعد هذه الحقبة، جرى تطوير أساليب

إحصائية جديدة لدراسة العلاقات والتأثيرات المشتركة والمتشابكة من خلال نماذج بنائية

يجري افتراضها بناءً على الأبحاث النظرية والميدانية الرصينة في إطار علم الاجتماع

الرياضي بفضل الإسهامات المنهجية التي أفاضت بها دراسات هربرت سيمون وبول

لازارسفيلد وجيمس صامويل كولمان ودودلي دانكان، وآخرين.

النماذج البنائية.

Abstract: Since its establishment, sociology has relied on statistical tests to process and analyze data, and these tests underwent great developments due to the statistical revolution in the field of data analysis in the twentieth century. The works of English statisticians such as Francis Galton, Karl Pearson, and Ronald Fisher had a significant impact on the trend of neo–positivism in sociology by which quantitative data analysis came to the fore, especially from 1920 to 1960. Thereafter, new statistical tests were developed to study relationships via structural models proposed based on theoretical and applied research, notably the contributions of Herbert Simon, Paul Lazarsfeld, Samuel Coleman, Dudley Duncan, and others to mathematical sociology.

Professor of Sociology, Faculty of Arts and Social Sciences (Sais); Fes, Morocco (Corresponding Author). Email: faoubarmohamed@yahoo.fr

PhD in Sociology, Faculty of Arts and Social Sciences (Sais); Fes, Morocco. Email: khalidzaghari@gmail.com

تمهيد

يستهدف الخطاب الإبستيمولوجي في العلوم الاجتماعية، وعلى نحو خاص علم الاجتماع، دراسة الشروط التي يحظى وفقها هذا العلم بخصائص العلمية والنسقية والنفاذ المعرفي، وأن يطوّر باستمرار الآليات المعرفية التي تؤهّله لاكتساب تلك المواصفات بما يتلاءم وخصوصيات هذا العلم المعرفية والاجتماعية والإنسانية. يكتسب كل حقل معرفي شرعيته العلمية عند اقتدار الباحثين فيه على تقديم نماذج تحليلية دالّة وكاشفة لموضوعاتهم البحثية، سواء عند فحص البنى المعلن منها والمضمر، أو بموجب رصد دقيق لرهانات الفاعلين وسلوكهم، وحين تُضبط، كذلك، العلاقات بين هؤلاء الفاعلين وهذه البنى من مؤسسات وهياكل وتنضيدات اجتماعية وثقافية في إطار مقتضيات الزمان والمكان. ولعل الوعي الإبستيمولوجي في ميدان علم الاجتماع بما يتيحه من نقاشات معرفية حول الحدود النظرية والالتباسات المفاهيمية، وخصائص الموضعة المتوخّاة، أي إمكانات الملاحظة والوصف والمفهمة والنمذجة، لا يتأتى إلّ عند الإقرار بفضيلة التعدد المنهجي خارج منطق الدحض لكارل بوبر، جريًا على توصيف جون كلود باسرون، مع مراعاة التقيّد ببعض القواعد والتقنيات المنهجية المطابقة لموضوعها، وبالمراقبة الفعالة

للّغة السوسيولوجية التي يكتب بها الباحث، بما يسمح بإجراء المقارنات التي تتطلّبها التصنيفات السوسيولوجية. بناءً عليه، تختص هذه الدراسة برصد التطور المنهجي الحاصل في المعالجة الإحصائية للبيانات

في علم الاجتماع المعاصر؛ وتبيّن مساهمات علماء الاجتماع الأميركيين، وفي الخصوص، بالارتكاز

على بعض الأساليب الإحصائية المعتمدة لتحليل البيانات، وتقوم الدراسة على إشكالية رئيسة مفادها إبراز قيمة التحليل الإحصائي للبيانات في إطار المنهج الكمي وعلاقته بجودة المعطيات وصدقيتها والنتائج المتوصل إليها في أفق تحليل أدق للظواهر الاجتماعية وكشف المنطق الخفيّ لاشتغالها،

ومن ثمّ، صوغ تركيبها الحجاجي والإثباتي، لكون فاعلية المنهج التحليلي لا تنحصر في توظيف العمل التقني (إدخال المعطيات وإخراج النتائج)، وتدبير كمي محض للمعطيات في علم الاجتماع، دونما رصد أبعادها الدالّة، إنما تتجلّى أساسًا عبر الخطوات المنهجية المعتمدة في عملية تجميع البيانات ومعالجتها وتحليلها، والتي تبلورت مع أعمال روّاد الوضعية الجديدة، واستمرت بعد ذلك في الكتابات المتعلقة بتحليل النماذج والبنى الكامنة Structures Latent، خاصة من خلال أعمال بول لازارسفيلد Lazarsfeld Paul وجيمس صامويل كولمان James Coleman Samuel دودلي دانكان أوتيس Otis Duncan Dudley؛ وذلك برصد أهم الإسهامات التي كشف عنها المنهج الإحصائي لتحليل المعطيات في إطار تنامي الاتجاه الوضعي الجديد في علم الاجتماع، ابتداءً من الربع الثاني

من القرن العشرين. فما طبيعة التأثيرات التي أحدثتها الدراسات الإحصائية في الأعمال التي قدّمها روّاد هذا الاتجاه؟ وما التطوّرات التي شهدتها المقاربة الكمية بداية من النصف الثاني من القرن

(1) Jean Claude Passeron, Le raisonnement sociologique (Paris: Editions Albin Michel, 2006), p. 94.

العشرين، في خصوص طبيعة المعالجات والتحليلات الإحصائية للبيانات، استنادًا إلى إسهامات علم الاجتماع الرياضي؟ وما العلاقات التي تربط تصميم أدوات جمع البيانات بالأساليب الإحصائية المنوعة لتحليلها وتأثير ذلك في جودة النتائج المتوصل إليها؟ والأهم هو رصد طبيعة الافتراضات التي تشترطها هذه الأساليب في البيانات من أجل استعمالها في التحليل الإحصائي وآليات تقديم النماذج البنائية لمطابقتها مع البيانات الميدانية وتوصيف كيفية الانتقال من العلاقات الارتباطية إلى العلاقات التأثيرية، ومنها إلى النماذج البنائية المفسّرة لمسار الظاهرة المدروسة.

أولا: التحليل الإحصائي في علم الاجتماع: خلفية تاريخية

من المفيد التذكير بالاتجاه الوضعي لأوغست كونت الذي دعا إلى تطبيق منهج الملاحظة في علم الاجتماع، واقترن ذلك بتصنيف علم الاجتماع في قمة تراتب العلوم في إطار تصوّره الميتافيزيقي

لوحدة العلوم ووحدة الفكر، وسعي دوركهايم وآخرين في إطار الوضعية الكلاسيكية لتطوير قواعد المنهج في علم الاجتماع، لكن من دون تجاوز إطار الإحصاء الوصفي. غير أن انبناء المعارف العلمية وتزايد استخدام الإحصاء في علم الاجتماع، نتيجة ترابط العلوم وتداخل مناهجها وتوالي نشر مصنّفات منهجية وتطبيقية بفضل الطفرة الرقمية، ساهم ذلك كله، على نحو فعّال في تطوّر الإنجازات المعرفية

للوضعية الجديدة وتسارعها في اتجاه القياس والتكميم وتوظيف الابتكارات التقنية لأجل ذلك. وفي هذا الإطار، نذكر إعلان وليام أغبورن، أحد ممثّلي تيار الوضعية الجديدة في علم الاجتماع، في خطابه الرئاسي أمام الجمعية الأميركية لعلم الاجتماع في عام 1929، بقوله إن "جميع علماء الاجتماع سيصبحون إحصائيين، ولن يقتصر الإحصاء على الإحصائيين، بل سيصبح عالميًا وسيذوب في باقي

الحقول الاجتماعية الأخرى، وليس في علم الاجتماع وعلم الاقتصاد فحسب، وسيظهر ذلك في المقالات المنشورة في مختلف المجالات ضمن العلوم الاجتماعية". ويبدو من خلال هذا الخطاب الذي يتنبأ فيه أغبورن بمستقبل الإحصاء في علاقته بعلم الاجتماع؛ تطور أداء المقاربة الكمية في علم الاجتماع، التي ستحقّق تطورًا كبيرًا نتيجة اعتمادها المنهج الرياضي والإحصائي في معالجة البيانات

وتحليلها. شدّد نيكولاس تيماشيف على أن تيار الوضعية الجديدة نشأ نتيجة تزايد الاهتمام العلمي في أميركا بإخضاع علم الاجتماع لمقتضيات البرهان الرياضي بفعل الاختصاص المعرفي للعديد من علماء الاجتماع في ميدان علم الرياضيات، ومنهم هورنيل هارت Hart Hornell وجورج زيف Zipf Kingsley George،

(2) William Ogburn, "The Folk–ways of a Scientific Sociology," The scientific Monthly , vol. 30, no. 4 (April 1930), p. 303.

(((لقد ظهر هذا التيار أول الأمر مع الكتابات الأخيرة لعالم الاجتماع الأميركي فرانكلين غيدينجز Giddings Franklin، وقد شهد انتشارًا كبيرًا مع بداية الربع الثاني من القرن العشرين، بفضل إسهامات مجموعة من الباحثين الذين اكتشفوا أهمية المقاربتين

الرياضية والإحصائية في علم الاجتماع، ومن ثم بروز مصطلح "الوضعية الجديدة" إلى جانب مصطلح "علم الاجتماع الرياضي"، وسنحاول في الفقرة المقبلة تقديم لمحة مختصرة عن بعض هذه الإسهامات، للاطلاع على أهم الأعمال والإسهامات التي قدّمها

هؤلاء الباحثون الذين ينتمون إلى مدرسة الوضعية الجديدة في علم الاجتماع. ينظر الفصل الخامس عشر من كتاب:

Nicholas Timasheff, Sociological Theory: Its Nature and Growth (New York: Random House, 1967), pp. 193–211.

وهو ما انعكس على رؤية هوية علم الاجتماع في إطار منحى وضعي، وقد برز هذا التوجه كذلك مع جورج لاندبيرغ Lundberg George من خلال نزوعه البراغماتي والكمي، وتأكيده المفهوم الإجرائي لتجاوز التعريفات القبلية في أفق إيجاد لغة علمية للتداول مع العلوم الأخرى. علاوة على ذلك، برز التوجّه المعتدل لأغبورن داخل هذا التيار (في جامعة شيكاغو) في عمله الشهير عن "التغير الاجتماعي"، ويعتبره تيماشيف صاحب الفضل في استبدال مصطلح "التطور الاجتماعي" ذي الخلفية التطورية بمصطلح "التغير الاجتماعي" المتضمن أبعادًا ثقافية مادية وغير مادية، واهتمامه الرئيس بقضايا الخلق والابتكار الاجتماعي والتكنولوجي، وقد كان هذا الكتاب بمنزلة أرضية فكرية، أثار نقاشات بصدد أطروحات كانت متداولة حول التغير الاجتماعي، وقد سبق بذلك كتاب ميرتون عن العلم والتكنولوجيا في إنكلترا خلال القرن السابع عشر. اهتم كولمان بدوره بمشروع الارتقاء بعلم الاجتماع من اللغة الخطابية إلى لغة العلم والقياس، معترفًا بفضل بول لازارسفيلد عليه (مؤسس الاتجاه الإمبريقي في علم الاجتماع، بما في ذلك تطويره طريقة المسح الاجتماعي وبحث قضايا الطلب المؤسساتي، ومنها التصويت الانتخابي ودور وسائل الإعلام في المجتمع)، داعيًا إلى إرساء النظرية السوسيولوجية على أساس نموذج دقيق لدراسة العلاقات

الاجتماعية، ومن ثم، العمل على ربط التصنيفات بالمفاهيم العامة، ومن ذلك ما يتعلق بالتفاعل والصداقة وعلاقات السلطة والسلوك الملاحظ، وغيرها. في الظرف الراهن، يتطوّر الأداء الرياضي والإحصائي في علم الاجتماع، مستفيدًا من الطفرة الرقمية والتحولّات المعرفية في كل مرحلة من مراحل الانعطاف العلمي، وذلك مع تبلور النماذج المحوسبة مع نورمان هومون Hummon.  P Norman وتوماس فرارو Fararo. J Thomas، واقترن ذلك بدراسة عمل التنظيمات والشبكات الاجتماعية مع باتريك دوريان Doreian Patrick، ومن ثم، تطور استعمال النماذج الرياضية، فهذه النماذج لم تعد تدرس بطريقة تحليلية، لكن بطريقة رقمية، لكونها أضحت معقدة، نقصد بذلك اعتبار البرامج الحاسوبية مدخلً جديدًا في حقل السوسيولوجيا الرياضية. ساهمت الكتابات المنهجية لأنصار الوضعية الجديدة في علم الاجتماع، في التقعيد النظري للمقاربة الرياضية والإحصائية في علم الاجتماع، ويرجع السبب في الاستناد إلى هذه الإسهامات مع بداية ظهور هذا التيار، وليس قبل ذلك، إلى التطور الذي عرفته الأساليب الإحصائية لتحليل البيانات، مقارنة بالفترة السابقة، كما سنرى لاحقًا، ونتيجة لذلك، عرفت الأبحاث السوسيولوجية التي راهنت

(4) Ibid., p. 197. (5) Ibid., p. 207. (6) Robert King Merton, The Sociology of Science , Norman Storer (ed.) (Chicago: The University of Chicago Press,1973) , p. 16. (7) James Coleman, Introduction to Mathematical Sociology (London: Free Press,1964), p. 105. (8) Christofer Edling, "Mathematics in Sociology," Annual Review of Sociology , vol. 28 (August 2002), pp.198–200. (9) Ibid., p. 202.

على التحليل الإحصائي للبيانات تزايدًا كبيرًا بفضل الباحثين الذين ساروا على نهج هذه المدرسة،

والذين يُدرجون في إطار ما عُرف بعلم الاجتماع الرياضي، حيث انصرف الاهتمام نحو النماذج البنائية Models Structural في الأبحاث السوسيولوجية وتوصيفها وتصميم الأدوات وتأثيرها في طبيعة البيانات المجمعة، وعلاقة ذلك بطبيعة الأساليب الإحصائية المعتمدة في التحليل، ومنه النتائج المتوقّع الحصول عليها.

ثانيًا: الإحصاءات وتحديات المعرفة الوضعية

سعى علم الاجتماع منذ بداياته الأولى، باعتباره علمًا يصبو إلى العلمية والنسقية، للانفتاح على المنطق الرياضي والإحصائي لتحليل المعطيات الميدانية من أجل بناء معرفة علمية رصينة في إطار تفسيره الظواهر الاجتماعية، يظهر ذلك من خلال تعلّق إميل دوركهايم البالغ بمسألة المنهج المتّبع لتفسير هذه الظواهر. انتقد دوركهايم في كتابه قواعد المنهج في علم الاجتماع، الأعمال التي قام بها العلماء الذين سبقوه، والذين ساهموا في بلورة النظرية السوسيولوجية، خاصة دراسة هربرت سبنسر مدخل إلى العلوم الاجتماعية، حيث غاب الاهتمام بتحديد مواصفات المنهج المستخدم لدراسة الظواهر الاجتماعية، وتتجلّى أهم القواعد المنهجية عند دوركهايم في "ملاحظة الظواهر الاجتماعية باعتبارها أشياء"؛ بإرساء قاعدة الفصل بين ذات الباحث وموضوع دراسته، بوصفها شرطًا إبستيمولوجيًا أساسيًا لبناء

المعرفة السوسيولوجية. ويدل هذا التوصيف الذي اعتمده دوركهايم، على أن الظاهرة الاجتماعية كونها ظاهرة مرئية، ملاحظة ومقيسة تتولّد عبر البيانات المجمّعة التي يمكن التحقق منها إمبريقيًا

لتفسير الظاهرة المدروسة. وحاول دوركهايم، في دراسته عن الانتحار، استخدام الأساليب الإحصائية في إطار نموذج سببي، لتحديد العوامل المفسرة للظاهرة، والتنبؤ بمكمن الميل الجمعي لفعل الانتحار، من خلال تحليل المعطيات الإحصائية المتعلقة بمعدلات الانتحار، حيث رصد أهمية الربط بين المتغيرات التي تفسّر نموذج الانتحار، بعلاقات سببية؛ أي من الأسباب إلى النتائج (يتعلق الأمر بربط الانتحار بتراجع التلاحم الاجتماعي)، بمعنى أن هذا الربط السببي هو ما يتيح التنبؤ بالعوامل المفسرة للظاهرة الانتحارية؛ إذ يقول في هذا الخصوص إن "معرفة طبيعة الأسباب، تؤدي إلى استنباط طبيعة النتائج"، ومنه يمكن استخراج الخصائص الكامنة من تلك المرئية في التحليل السوسيولوجي للمعطيات الإحصائية.

(10) Émile Durkheim, Les Règles de la méthode sociologique (Paris: Les Presses universitaires de France, 1967, Édition numérique réalisée le 2 novembre 2018 à Chicoutimi, Québec), p. 33. (11) Ibid., p. 46. (12) Émile Durkheim, Le Suicide, Étude de Sociologie (Paris: Félix Alcan, 1897), p. 143. (13) Ibid., p. 142.

لاقت طبيعة هذه الأعمال التي استهدف من خلالها دوركهايم اعتماد المنطق الرياضي والإحصائي لدراسة الواقعة الاجتماعية، قبولً كبيرًا من مجموعة من الباحثين الذين ينضوون في إطار الوضعية

الجديدة، والذين أقرّوا بضرورة المعالجة الإحصائية للوقائع الاجتماعية، خاصة مع الأعمال التي

قام بها جورج لاندبيرغ ووليام أغبورن وستيوارت تشابين وآخرون في النصف الأول من القرن العشرين، ثم من جهة أخرى، نشير إلى الإسهامات التي تُدرج في إطار علم الاجتماع الرياضي، ومن أهمها أعمال هربرت سيمون وبول لازارسفيلد وكولمان وتوماس فرارو ودودلي دانكان في النصف الثاني من القرن العشرين. تظهر فاعلية المنطق الرياضي والإحصائي بوضوح في مقالة هربرت سيمون بشأن استخدام الرياضيات في العلوم الاجتماعية، حيث شدّد على عدم جدوى تحمّل الباحثين مسؤولية الدفاع عن فائدة استخدام

الرياضيات في العلوم الاجتماعية، لكون المنظور الإحصائي الحديث يُعدّ أداة رئيسة للتنبؤ في العلوم الاجتماعية، ويمكن النظر إلى هذا التوجه على أنه يأذن باستلهام الثورة التي أحدثها الإحصاء في علوم القرن العشرين، خاصة في ما يتعلق "بمجال التحليل الإحصائي للبيانات العلمية"، مع الأعمال التي قدّمتها ثلةٌ من علماء الرياضيات والإحصاء، أمثال فرانسيس غالتون وكارل بيرسون Pearson Karl ورونالد أيلمر فيشر ووليام سيلي غوسيت، وآخرين. أثارت عالمة الإحصاء البريطانية ستيلا كانليف Cunliffe Stella في خصوص عملية تحليل البيانات، فكرةً مهمةً، تتعلق بمبدأ المرونة الذي يجب على الإحصائيين أن يعتمدوه، وتقصد بذلك، تفاعل علماء الإحصاء مع باقي الحقول العلمية الأخرى، طبيعية كانت أم اجتماعية. وتَعتبر أن الإحصائي بصفته خبيرًا في النمذجة الرياضية، قادر على المساهمة في تطوير نماذج عملياتية بحثية وتوظيفها في عملية

اتخاذ القرارات. وقد ربطت في هذا الخصوص بين التصميمات الدقيقة للأدوات، والنتائج المتوقع الحصول عليها؛ حيث اعتبرت أنه لا بد من صوغ الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات، من خلال الاعتماد على الأساليب المتاحة للباحث. ويظهر ذلك في أثناء فحصها وتحليلها البيانات المتعلقة بالسجون

(14) Timasheff, pp. 193–211. (15) Herbert Simon, "The Uses of Mathematics in the Social Sciences," Mathematics and Computers in Simulation , vol. 20, no. 3 (1978), p. 159. (16) David Salsburg, The Lady Tasting Tea: How Statistics Revolutionized Science in The Twentieth Century (New York: W. H. Freeman and Company, 2001), p. XI.

(((1 تعتبر ستيلا  كانليف أول سيدة بريطانية حصلت على لقب رئيسة الجمعية الملكية للإحصاء Society Statistical Royal؛ إذ اشتغلت في قسم الإحصاء لتخمير "البيرة" (الجعة) التابع لشركة "غينيس" الذي أنشأه عالم الإحصاء الشهير وليام سيلي غوسيت الذي كان ينشر نتائج تحليلاته للبيانات الإحصائية، تحت اسم مستعار "طالب" Student. بعد ذلك اتّجهت نحو تحليل

البيانات المتعلقة بالسجناء وعلاقتها بالعودة إلى السلوك الإجرامي في وحدة الأبحاث التابعة لوزارة الداخلية البريطانية في عام

1970. وتوجد المعطيات المتعلقة بها عالمة إحصاء في كتاب ذواقة الشايلديفيد سالزبورغ؛ حيث خصص  لذلك فصلً كاملً

بعنوان Advice from the Lady in Black" " "نصيحة من السيدة ذات الرداء الأسود". للمزيد، ينظر الفصل 25 من كتاب:

Salsburg, pp. 257–266. (18) Ibid., p. 261. (19) Ibid., p. 265.

والسجناء التابعة لوحدة الأبحاث في المكتب البريطاني، المتمثلة في توصيف بعض النماذج التي قامت في إثرها بقياس علاقة الارتباط، وعلاقة التأثير بين طبيعة المدة التي يقضيها السجناء والعودة إلى السلوك الإجرامي. تكمن المشكلة في تصميم التجربة، هكذا عبّر ديفيد سالزبورغ في كتابه ذواقة الشاي، حيث وصف

لنا موقف إحدى السيدات التي أفادت بأن مذاق خلط الشاي بالحليب، يختلف عن مذاق خلط الحليب بالشاي، متطرّقًا في الوقت نفسه إلى بعض الأعمال التي قدّمها رونالد فيشر في خصوص  نظريته

بشأن تصميم التجارب، استنادًا إلى تجربة ذوّاقة الشاي، وتأثير ذلك في طبيعة البيانات المجمعة، ومنه طبيعة النتائج التي يمكن تحقيقها؛ حيث إن نوعية الأدوات المستعملة تحدّد طبيعة البيانات، وهذه الأخيرة تحدّد نوعية الأساليب الإحصائية التي يجب اعتمادها في عملية التحليل، ومنه الوقوف عند النتائج التي يمكن استخراجها، ما يدل على وجود علاقات ارتباطية دالّة بين التصميم والبيانات والأساليب الإحصائية والنتائج المتوقع الحصول عليها، هكذا يشتغل منطق التحليل الإحصائي للبيانات العلمية الذي أحدث – كما سبقت الإشارة مع سالزبورغ – ثورة في علوم القرن العشرين. تبدو فاعلية المنهج الرياضي والإحصائي في تحليل البيانات العلمية، جليًّة من خلال هذه الأعمال،

وتتجلّى فائدة هذا المنهج في بحث مختلف الحقول العلمية ودراستها، بما في ذلك علم الاجتماع. ولقد تدعّمت عملية توظيف هذا المنهج عند أنصار الوضعية الجديدة في علم الاجتماع بصورة واضحة بظهور أعمال فرانسيس غالتون وتلميذه كارل بيرسون، التي أصبحت بمنزلة المرجع الأساسي لتيار الوضعية الجديدة في علم الاجتماع. يستطيع المنطق الرياضي والإحصائي من منظور أنصار الوضعية الجديدة في علم الاجتماع، أن يقيس بصورة كمّية الظواهر الاجتماعية المعقدة، من خلال تجلية علاقاتها في صيغ رياضية، للتنبؤ بالظاهرة المدروسة والتحكم فيها، على حد تعبير ستيوارت دود. ثم أتى بعده السوسيولوجي الأميركي هربرت سيمون في كتابه نماذج الإنسان الذي يوصي فيه بخصوبة استخدام الرياضيات التطبيقية

(20) Ibid., p. 263. (21) Ibid., p. 3.

((2(يقدم فيشر في الفصل الثاني من كتابه تصميم التجارب Experiments Of Design The بعض النماذج التي تفسر طرائق تصميم

التجارب، مستلهمًا تجربة ذواقة الشاي. كان يودّ اختبار طبيعة الفروق في المذاق التي أصرّت زوجة أحد علماء الرياضيات على

وجودها، بعد أن قُدّمت لها على نحو عشوائي ثمانية فناجين مختلطة، أربعة بالشاي والحليب، والأربعة الأخرى الحليب مع الشاي،

لتحديد قدرة السيدة على تصنيف هذه الفناجين الثمانية مجموعتين. للمزيد من التفاصيل، في:

Ronald Fisher, The Design of Experiments (New York: Hafner Press, 1971), pp. 11– 26. (23) Francis Galton, English Men of Science: Their Nature and Nurture (London: Macmillan, 1874); Francis Galton, Genius Hereditary: An Inquiry into Its Laws and Consequences (New York: Barnes & Noble, 2012); Karl Pearson, The Grammar of Science (London: Adam and Charles Black, 1911). (24) Timasheff, p. 139. (25) Stuart Dodd, "The Application and Mechanical Calculation of Correlation Coefficients," Journal of Franklin Institute , vol. 201, no. 3 (March 1926), p. 337.

أداةً للاكتشاف والتحليل في العلوم الاجتماعية. ويبقى هورنل هارت من ضمن الباحثين الذين قدّموا إسهامات نظرية كبرى من داخل هذه المدرسة، حيث يؤكد نجاعة المنهج الإحصائي لدراسة المشكلات الاجتماعية، ويُعدّ هذا المنهج في نظره الطريقة الوحيدة للتحليل الكمي للظواهر التي تتعقد فيها العوامل السببية. سار على هذا النهج أيضًا جورج لاندبيرغ الذي يُعدّ من أهم علماء الاجتماع داخل هذا التيار الوضعي، حينما أقرّ بحصول تحوّل كبير على مستوى مناقشة المناهج الكمية في علم الاجتماع في الفترة 1960–1920. ويبدو واضحًا من قوله إن المقاربة الكمية في علم الاجتماع في هذه الفترة لم تعد في حاجة إلى تقديم تبريرات متواصلة للمنظورات المناوئة لها، أو تلك التي تتطلب براهينَ وحججًا تدعم علمية المقاييس المعتمدة في البحث السوسيولوجي، مؤكدًا ذلك بقوله: "لدينا الآن فائض من المقالات والكتب في خصوص هذا الموضوع [...]، ولدينا مؤلفات نقدية كثيرة تتعلق بتقنيات بناء هذه المقاييس وتصميمها وتحليل البيانات، والمنطق الكامن وراء بناء هذه المقاييس". وهذا ما يفسر، بحسب نيكولاس تيماشيف، هيمنة الوضعية الجديدة على علم الاجتماع الأميركي، نظرًا إلى المقالات الكثيرة التي نُشرت في مجلات علم الاجتماع في هذه الحقبة. يدل التوظيف المتزايد للأساليب الإحصائية لمعالجة البيانات وتحليلها على أن هذا المجال قد حقق تراكمًا في المعرفة السوسيولوجية التي تقوم على المنهج الرياضي والإحصائي لتفسير الظواهر الاجتماعية والتنبؤ بالمسارات التي تسلكها. إلا أن هذا الإسهام لم يجنّب أنصار هذا التيار النقد؛ وقد أفاد عالم الاجتماع الأميركي دونالد هورثون بأن من أكثر الانتقادات التي تعرّض لها أنصار هذا

المنهج تلك التي وجّهها بيتريم سوروكين، في كتابه بدع ونقائص في علم الاجتماع المعاصر. ويعتبر

(26) Herbert Simon, Models of Man: Social and Rational (New York: John Wiley & Sons, 1957), p. 1. (27) Hornell Hart, "What is a Social Problem?" American Journal of Sociology , vol. 29, no. 3 (November 1923), p. 350. (28) George Lundberg, "Quantitative Methods in Sociology: 1920–1960," Social Forces , vol. 39, no. 1 (1960–1961), p. 19. (29) Ibid., p. 19. (30) Timasheff, p. 201.

(((3 شكّلت أعمال سيمون النظرية، وأعمال لازارسفيلد وكولمان ودانكان، قيمة كبرى في التقعيد الإبستيمولوجي لعملية بناء

النماذج السببية في علم الاجتماع التي تهتم بتفسير العوامل ومقدار تأثيرها والتنبؤ بالمسارات التي تسلكها الظاهرة المبحوثة في إطار ما يعرف الآن بمنهجية النمذجة بالمعادلة البنائية. وسنحاول التطرق في الفقرة الأخيرة من هذه الدراسة إلى مسألة استخدام هذه المنهجية في الأبحاث السوسيولوجية، ونقترح بعضًا من هذه الإسهامات المنهجية التي قدّمها هؤلاء الباحثون في إطار المقاربة

الرياضية والإحصائية في علم الاجتماع:

Simon, Models of Man ; Simon, "The Uses of Mathematics in the Social Sciences," pp. 159–166; Paul Lazarsfeld, "Recent Developments in Latent Structure Analysis," Sociometry , vol. 18, no. 4 (1955), pp. 391–403; Paul F. Lazarsfeld, "Regression Analysis with Dichotomous Attributes," Social Science Research , vol. 1, no. 1 (1972), pp. 25–34; Coleman; Dudley Duncan, "Path Analysis: Sociological Example," The American Journal of Sociology , vol. 72, no. 1 (July 1966), pp. 1–16; Otis D. Duncan, Introduction to Structural Equation Models (New York: Academic Press, 1975).

هورثون أن سوروكين لم يكتف بمعارضته استخدام المناهج الإحصائية في علم الاجتماع، ولم يوجّه نداءً إلى علماء الاجتماع يبيّن فيه الأسباب، بل إنه، على حد تعبير هورثون، مارس هجومًا قويًا، سلك

فيه أسلوبًا ديماغوجيًا هو أقرب إلى الدعاية منه إلى العلم ضد السوسيولوجيين الذين يدافعون عن

فاعلية هذه المناهج. ويتجلّى هذا الهجوم بوضوح في توظيف سوروكين بعض الألفاظ التي يصف من خلالها أنصار المقاربة الكمية في علم الاجتماع بالمهووسين بالكمّ والاختبارات Testomania، وبأنهم عبيد للأعداد والقياسات الكمية Cult of Numerology، ويعانون اضطرابات استخدام الكمّ

Quantophrenia، وغير ذلك.

بناءً على ذلك، نهتم في هذا الإطار بتسليط الضوء على فاعلية المنهج الكمي لتحليل المعطيات في

علم الاجتماع، باعتماد العيّنات المتوسطة والكبيرة، وبتوظيف الإمكانات المعرفية والتقنية المتجددة

التي أصبح يتيحها للباحثين، علمًا أن فائدة المنهج الكيفي بأشكاله المختلفة تبقى ضرورية وخصبة، من منظور اعتبار هذا المنهج رديفًا وسندًا للمنهج الكمي في أفق امتلاك معرفة علمية أعمق بظواهر البحث. من الواضح أن التطور المؤسساتي لعلم الاجتماع راهنًا سيساعد في تطوير النقاش المعرفي والمنهجي، ويتجلّى ذلك في تنظيم المختبرات وإنشاء الفرق البحثية والمراهنة على تكوين معايير الجماعة العلمية، وبلورة مشاريع بحثية مموّلة أحيانًا، واعتماد مناهج بحثية ميدانية وعيّنات كبيرة الحجم. ومن خلال هذه

الأبحاث، يفضّل مراعاة استخدام المناهج المناسبة والتحقق من درجة فاعليتها على مستويَي التحليل والنتائج، وعلى الباحثين أن يضعوا في الحسبان العلاقة الارتباطية بين الجوانب النظرية والمنهجية، والبيانات المنوّعة التي يجري تجميعها بوسائل مختلفة ومصمَّمة، وتفسير الظاهرة المدروسة والتنبؤ بالمسارات التي تسلكها. يوجد اليوم كمٌّ هائلٌ من البيانات الكمية التي يوفّرها العديد من الأبحاث والتقارير الإحصائية، غالبًا

ما يجري عرضها على نحوٍ وصفي من خلال جداول أو رسومات بيانية، أو على شكل قاعدة بيانات خام، بيانات تهم على سبيل المثال حقل التربية والتعليم وميادين الجريمة والسجون والانتحار والصحة والهشاشة والفقر والتنظيمات والشغل والبطالة والسكن والطلاق والإجهاض وقضايا الانتخابات والأحزاب السياسية والإنترنت والتواصل الاجتماعي والشبكات الاجتماعية Social Networks، والمعتقدات الدينية، والهجرة، وغير ذلك، يتاح للباحثين في علم الاجتماع استعمالها علميًا من

خلال إعادة تحليل هذه البيانات الخام، لتحديد طبيعة المتغيرات المؤثرة في الظاهرة، مثلً في حقل

(32) Donald Horton, "Fads and Foibles in Modern Sociology and Related Sciences. By Pitrim Sorokin," The American Journal of Sociology , vol. 62, no. 3 (November 1956), p. 338.

((3(لقد أطلق بيتريم سوروكين مجموعة من الأوصاف المعبّرة عن انتقاده ال ذااع في خصوص  استخدام المنهج الرياضي

والإحصائي في علم الاجتماع، ولقد جرى اقتباس العبارات السابقة من الفصلين الرابع والسابع من كتابه بدع ونقائص  في علم

الاجتماع المعاصر، للمزيد، ينظر:

Pitrim A. Sorokin, Fads and Foibles in Modern Sociology and Related Sciences (Chicago: Gateway, 1965).

سوسيولوجيا التربية، يمكن الباحثين الاشتغال على قاعدة المعطيات التي توفّرها الدراسة الدولية لمكتسبات التلامذة في الرياضيات والعلوم، المعروفة اختصارًا باسم TIMSS وتحليلها للوقوف عند حجم التفاوتات في حصيلة المكتسبات الدراسية لدى التلامذة، ومنه تحديد أهم العوامل المفسرة لهذه التفاوتات. وفي سوسيولوجيا الجريمة، يتعيّن أيضًا تحليل المعطيات الإحصائية الجنائية المتعلقة

بأنواع الجرائم والجنح، والسلوك الإجرامي، أو المعطيات المتعلقة بحالة عودة الجانحين إلى السجن؛ للتنبؤ بالمسارات التي يسلكونها. لا يفيد تحليل البيانات ومعالجتها الاعتماد على الأساليب الإحصائية المنوعة في إطار المنهج الكمي على نحو آلي، بل تكمن الفائدة المُثلى في التوظيف الفعال من الباحثين لهذا المنهج وأساليبه الدالّة

عليه؛ أي في قدرتهم المنهجية للتعامل مع نوعية البيانات المجمّعة في إطار علاقتها بالأساليب

الإحصائية. فالباحث يجب عليه أن يكون على خبرة ودراية بكيفية توظيف هذه البيانات وآليات توصيف النماذج النظرية المقترحة والقابلة للاختبار الإمبريقي، وآلية استنباط المؤشرات التي يمكن رصدها وقياسها وصوغ أبعادها التي تشكلها وتصميم أدوات جمع البيانات وطبيعة البيانات التي يتعيّن

تجميعها وتحديد مصادر هذه البيانات والأساليب الإحصائية الملائمة لتحليلها والشروط الإحصائية الواجب توافرها في البيانات لاعتماد هذا الأسلوب أو ذاك، وهذا ما يرفع من صدقية النتائج التي يتم التوصل إليها لتفسير الظاهرة المبحوثة.

ثالثًا: أهم الأساليب الإحصائية الحالية والمعتمدة في دراسات علم الاجتماع

سبقت الإشارة إلى أن استخدام الأساليب الإحصائية لتحليل البيانات في علم الاجتماع يستلزم أن يكون الباحث على دراية كافية بمجموعة من الشروط والخطوات المنهجية التي تسبق عملية تحليل البيانات، استنادًا إلى هذه الأساليب. ومن أهم هذه الخطوات طبيعة تصميم الأدوات المعتمدة من أجل تجميع البيانات لقياس المتغيّرات التي تشكّل النماذج الموصَّفة، انطلاقًا من الأدبيات السابقة. وسبقت

الإحالة كذلك إلى أن على الباحثين في علم الاجتماع إعداد بياناتهم، إما من خلال بعض الأبحاث والتقارير الإحصائية التي توفّر معطيات كمية خامًا، وإما من خلال استبيانات ومقاييس واختبارات جاهزة، أو تصمَّم لهذا الغرض. سنحاول، في هذا الإطار، تسليط الضوء على معالجة البيانات المجمّعة في علاقتها بالأساليب

الإحصائية من خلال التركيز على بعض الأساليب الإحصائية، من دون التطرّق إلى التطبيقات العملية

لطريقة إجرائها؛ لكون هذه العملية الوصفية ترمي إلى تكوين رؤية استباقية واضحة، تكشف أمام الباحثين كيفية اختيار الأساليب المناسبة لتحليل البيانات في الأبحاث السوسيولوجية؛ فالغاية لا تتعلّق

(((3 لا يمكن التقليل من تفسير منطق اشتغال الأساليب الإحصائية وشرح خطواتها واقتراح نماذج تطبيقية وإدخال البيانات والخروج بالنتائج. وفي هذا الإطار، سنحلل كيفية التعامل مع البيانات المجمّعة في علم الاجتماع، بدءًا بعملية الوصف الإحصائي،

ومرورًا ببعض الأساليب الإحصائية المستخدمة لتحديد العلاقات الارتباطية والتأثيرية، وانتهاءً بتحديد النماذج السببية المفسرة لها.

بتعددية هذه الأساليب، بل تخص كيفية استثمارها سوسيولوجيًا، والهدف من استخدامها، والخصوبة

التحليلية التي ستقدّمها لتحليل مقتضيات إشكالية البحث وتفسيرها وعلاقتها بطبيعة الفرضيات البحثية التي ينطلق منها الباحث، سواء أكانت جزئية (متغير أو متغيرات مستقلّة مع متغير تابع واحد)، أم كلّية (دراسة مجموع الفرضيات في نموذج بنائي واحد دفعة واحدة) أم كلتيهما، والافتراضات الإحصائية المشترطة في البيانات، حتى يُستخدَم هذا الأسلوب الإحصائي أو ذاك، والفائدة التي ستقدمها أساليب الإحصاءات الوصفية لتوصيف البيانات، ثم معرفة شروط استخدام الأساليب الإحصائية الملائمة لقياس الفروق أو التباينات، أو علاقات الارتباط، أو التأثيرات، وشروط استبدال الأساليب التي تقيس النماذج البنائية المفسّرة للعوامل. غرضنا من تقديم هذه القضايا تعيين وظائفها قبل الإقدام على اختيار أساليب إحصائية بعينها عوض أخرى. وتُعدّ مسألة تصميم الأدوات المعتمدة لجمع البيانات على قدر كبير من الأهمية؛ لكونها تُعطي تنوّعًا في طبيعة البيانات نتيجة تنوّع الأسئلة أو المقاييس أو الاختبارات، فقد يتكوّن الاستبيان

من متغيرات اسمية لتصنيف الأفراد إلى فئات على نحو غير ترتيبي، كالنوع والمستوى التعليمي والتخصص الدراسي والحالة الاجتماعية والمهنة، وغير ذلك. وقد تأخذ شكلً ترتيبيًا، مثل تقييم

التلامذة لأدائهم الدراسي (مرتفع، متوسط، منخفض)، أو قياس آرائهم في خصوص الطرائق التدريسية للأساتذة (مقياس ثلاثي أو أكثر، بحسب الصياغة المعتمدة للعبارات/ المؤشرات الدالّة على الطرائق التدريسية)، أو يتضمن أسئلة ستفضي إلى إجابات كمية، مثل أعمار المستجيبين بالسنوات أو الدخل أو النتائج المدرسية، وغير ذلك. وتتجلّى فاعلية التصميم ودقته – كما سبقت الإشارة – في المعرفة المسبقة للباحثين بطبيعة البيانات التي سيتحصلون عليها، استنادًا إلى معرفتهم بطبيعة الأساليب الإحصائية التي سيعتمدون عليها. قبل تحليل البيانات المدخلة إلى البرنامج الإحصائي، لا بد من التمييز بين طبيعة المقاييس وحدودها؛ بمعنى طبيعة المتغيرات التي يحتويها المقياس الاسمي Scale Nominal ومستوى الانتقال من المقياس الاسمي إلى المقياس الترتيبي Scale Ordinal والمتغيرات التي يشملها، ثم حدوث الانتقال إلى المقاييس التي تضم داخلها المتغيرات كلها التي تأخذ شكل أرقام متصلة Continuous Variables؛ فإذا أخذنا على سبيل المثال متغيرات الوزن أو الطول أو الدخل أو السنّ، أو متغيرات تعبّر

عن درجة مكتسبات التلامذة المدرسية، وغيرها، فإن البيانات الأصلية لهذه المتغيرات هي بيانات كمّية،

ومنه تصبح هذه المتغيرات كمّية، وليس هناك ما يمنع من تحويلها إلى متغيرات فئوية Categorical

Variables اسمية أو فئوية ترتيبية؛ بمعنى آخر، هناك سلاسة في المراوحة بين المقاييس، من مقياس كمي بمتغيراته الكمّية المتصلة، إلى مقياس ترتيبي بمتغيراته الفئوية، فالقيم العددية الدالّة مثلً على

متغير المكتسبات المدرسية التي حققها التلامذة، يجوز تجميعها إحصائيًا، ويمكن أن يحصل العكس؛

أي في استطاعة الباحثين أن يعتمدوا مقاييس ترتيبية جاهزة، أو يصمموا بأنفسهم مقاييس تخص قياس

(((3 نقصد بها دراسة مجموعة من المتغيرات المستقلة ومجموعة من المتغيرات التابعة والوسيطية ضمن نموذج بنائي سببي دفعة واحدة، وسنفصل هذه الفكرة أكثر في أثناء حديثنا عن منهجية النمذجة بالمعادلة البنائية.

الظاهرة المدروسة، بناءً على أبحاث ونظريات، ومنه تجميع البنود/ المؤشرات التي تشكّل عاملً بعينه

من خلال إنشاء متغير تجميعي كمّي. إضافةً إلى قيم التكرارات والنسب المئوية لوصف متغيّرات البحث، من حيث كيفية توزيع البيانات

الشخصية لأفراد العينة، أو بعض المتغيرات الأخرى التي تتضمنها أدوات جمع البيانات، تبقى قيمة كل من المتوسط الحسابي والانحراف المعياري، بوصفها أهم مقاييس النزعة المركزية بالنسبة إلى الأول، ومقاييس التشتت بالنسبة إلى الثاني، ضرورية للوقوف على الشكل التوزيعي لقيمة المتوسط الحسابي بدلالة قيمة الانحراف المعياري، بمعنى كيفية تأثير قيمة الانحراف المعياري إذا اقتربت من الصفر، أو إذا ارتفعت عنه، في تمركز القيم حول المتوسط الحسابي أو ابتعادها وتشتتها عنه. فإذا جرى الاعتماد مثلً على مقياس يتشكل من مجموعة من العبارات التي تدل على بعد أو عامل معيّن

طبقًا لمقياس ليكرت Likert الثلاثي أو أكثر، فإن أول ما  يقوم به الباحث قبل القيام بأساليب إحصائية لقياس العلاقات الارتباطية أو التأثيرية، هو استخدام أساليب الإحصاء الوصفي من خلال حساب المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية المتعلقة بكل عبارة على حدة، ثم حساب المتوسط الكلي لعدد الإجابات المتعلقة بالعبارات كلها الدالّة على بُعدٍ ما، حتى تتمّ معرفة تمركز استجابات المستجيبين، ومنه وصف الاتجاه العام الذي يحدد تموقع تصوّراتهم (المستجيبين) أو آرائهم أو

مواقفهم؛ يعني تحديد التموقعات في الحدود المنخفضة أو المتوسطة أو المرتفعة، إذا كانت طبيعة المقياس ثلاثية مثلً. تستوجب عملية تحليل البيانات لاختبار الفرضيات البحثية، بوساطة الأساليب الإحصائية المعلمية في أول الأمر، التحقق من توافر بعض الشروط الإحصائية في هذه البيانات، أهمها شرط اعتدالية البيانات؛ حيث يبقى التحقق حول ما إذا كانت البيانات تتبع التوزيع الطبيعي، أم لا، على قدر كبير من الأهمية، وأن تَحققه من عدمه، يقرر إلى حد بعيد إمكان إجراء الاختبارات المعلمية. وبهذا، يُعتبر التوزيع الطبيعي مدخلً أساسيًا لوصف الشكل الذي تتّخذه البيانات وتحديده. فالبيانات التي تتوزّع

توزيعًا طبيعيًا أو غوسيًا (نسبة إلى عالم الرياضيات والفلك الألماني كارل فريدريك غوس)، يعبّر عنها

(((3 يمكن تعيينها ب "التجميع الإحصائي"، لكونها تضم مجموعة من المتغيرات عن طريق حساب مؤشراتها، ثم القيام بعملية القسمة على المجموع الكلي لهذه المؤشرات المجمّعة، فنحصل بذلك على المتوسط الحسابي لكل مؤشر من هذه المؤشرات،

تحت إطار متغير واحد يحتويها (أي متغير واحد متصل من جهة، ومفيّئ من جهة أخرى)، ويستطيع الباحث أن يختبره بأكثر من

اختبار؛ أي متغيرٌ واحد ونتائج شتّى، ونعتقد أن برنامج الحزمة الإحصائية للعلوم الاجتماعية، يقدم مرونة كبيرة في ما يتعلق بعمليتَي

التجميع والتفييئ، شرط أن يعرف الباحث ماذا يجمّع؟ وماذا يفيّئ؟ وكيف يجمّع؟ وكيف يفيّئ؟ ولماذا يجمّع؟ ولماذا يفيّئ؟ أي أن

يعرف بعد العمليتَين نوعية الأساليب الإحصائية المناسبة لمعالجة ما جرى تجميعه أو تفييئه، حينما تتكوّن هذه الصورة الواضحة في

خصوص طبيعة البيانات المجمّعة في ذهن الباحث، عندئذ يستطيع أن يقوم بإحصاءات وصفية، وكذا إحصاءات استدلالية منوعة،

تجيب عن أسئلة البحث وفرضياته. (((3 الأساليب الإحصائية المعلمية أو الباراميترية هي أساليب تعتمد على معادلات رياضية قابلة للتمثيل البياني، وتعتبر هذه النوعية من الأساليب شديدة الحساسية تجاه حجم العينة، حيث إن كبر حجم العيّنة يُعدّ شرطًا ضروريًا لاعتماد هذه النوعية من

الأساليب، مثل اختبار (ت) بمختلف أنواعه، واختبار التباين الأحادي والثنائي، ونماذج الانحدار الخطية، سواء البسيطة أم المتعددة، وضدّها الأساليب الإحصائية اللامعلمية أو اللاباراميترية، وتستعمل حينما تنتفي الشروط الموضوعة لإجراء الأساليب الإحصائية

المعلمية، وتسمى اختبارات التوزيع الحر، لعدم اشتراطها أن تكون البيانات موزّعة توزيعًا طبيعيًا.

بمنحنى يأخذ شكلً جَرسيًا، وتتمركز غالبية قيمه حول المتوسط الحسابي (µ)، وبهذا يكون دوره بارزًا

على نحو خاص في إجراء مجموعة من التحليلات الإحصائية، مثل تحليل الارتباط وتحليل الانحدار وتحليل التباين وتحليل التباين المشترك. يتعيّن دراسة طبيعة العلاقة التأثيرية بين متغيّر واحد أو مجموعة من المتغيرات المستقلة على المتغير

التابع (المتنبأ به) بوساطة نموذج تحليل الانحدار الخطي، سواء البسيط أم المتعدد. ويمكِّن هذا الأسلوب من استكشاف المتغيرات المؤثرة من تلك التي لا تؤثر، ومنه التنبؤ بقيمة المتغير التابع بدلالة المتغيرات المستقلة، خاصة مع تحليل الانحدار المتعدد، لكن ذلك لا يتم إلّ من خلال التأكد مما إذا كانت البيانات الدالّة على المتغير التابع تتوزّع على نحو طبيعي، إضافةً إلى التحقق من شرط كمية البيانات الدالّة على هذا المتغير؛ أي أتتشكل هذه البيانات من أرقام متّصلة، أم هي على شاكلة متغيّر

فئوي (يتكوّن من فئات)؟ والتحقق كذلك من بعض الافتراضات الإحصائية الأخرى التي تشترطها هذه

النوعية من الأساليب الإحصائية. يشترك كل من نموذج تحليل الانحدار وأسلوب تحليل الارتباط في الشروط الإحصائية التي جرى التعرض لها، لكن يبقى نموذج تحليل الانحدار بمنزلة خطوة متقدمة، مقارنة بأسلوب تحليل الارتباط؛ ويتّضح ذلك من خلال عامل التنبؤ الذي يتميّز به؛ إذ يدل على أن المتغير المستقل (X) هو سبب

أو متنبِّئٌ بالمتغير التابع أو المتنبأ به (Y)، في حين يكتفي تحليل الارتباط بدراسة الفرضيات التي

تحاول الإجابة عن علاقات الارتباط بين المتغيرات المعتمدة من خلال استخدام اختبار كاي تربيع Chi–square test، ويرمز إليه بالرمز x 2، ويسمى أحيانًا بهذا الاسم نسبة إلى كارل بيرسون، ويستخدم لقياس مدى استقلالية متغيرين فئويين، حيث إنه كلما زادت قيمة كاي تربيع، زادت احتمالية ارتباط المتغيرين الفئويين بعضهما ببعض، أو مع معامل الارتباط بيرسون Correlation Pearson Coefficient، ويرمز إليه بالرمز (r)؛ إذ ينحصر بين 1– و 1+ حيث تدل المعاملات القريبة من،) 0(على علاقة ضعيفة، في حين تحيل المعاملات القريبة من (1 أو) (1–) على علاقة ارتباط قوية، وترمز الإشارة السالبة في هذه العلاقة، إلى أنه كلما زادت درجات المتغير الأول، ينتج من ذلك انخفاض في المتغير الثاني، بينما تمثل الإشارة الموجبة زيادة الدرجات في المتغير الأول بزيادتها في المتغير الثاني. يتعيّن الإقرار بأن معرفة وجود علاقة ارتباط بين متغيرين أو أكثر لا يكفي للحسم في طبيعة المتغيرات

المؤثرة من تلك التي لا تؤثر في الظاهرة، ولا يصح أن نسقط العلاقة الارتباطية على العلاقة التأثيرية،

(38) Yadolah Dodge, Statistique, Dictionnaire encyclopédique (Paris: Springer, 2007), p. 310. (39) Robert L. Miller et al., SPSS for Social Scientists (London: Palgrave Macmillan, 2002), p. 165. (40) Cramer Duncan & Dennis Howitt, The Sage Dictionary of Statistics: A Practical Resource for Students in The Social Sciences (London: SAGE Publications, 2004), p. 22. (41) Brian C. Cronk, How to Use SPSS: A Step– By– Step Guide to Analysis and Interpretation (Glendale: Pyrczak Publishing, 2006), p. 42. (42) Duncan & Howitt, p. 38.

فإذا جرى إنشاء متغير تجميعي، يتكوّن من خمسة متغيرات فرعية تدل عليه مثلً، وكانت النتائج تشير

إلى أن هناك علاقة ارتباط قوية بين هذا المتغير التجميعي والمتغير التابع، فهذا لا يعني الحكم بأن هذا المتغير المستقل في صيغته التجميعية يؤثر في المتغير التابع؛ فقد يكون ذلك، مثلً، بسبب متغيرين فرعيين أو ثلاثة أو أربعة، وليس كلها؛ إذ إن الأساليب الإحصائية المتعلقة بتحليل علاقات الارتباط لا تتيح إمكان تحديد طبيعة المتغيّر الفرعي من داخل هذا المتغيّر التجميعي، باعتباره مساهمًا أو

مؤثرًا، ولا تتيحها الأساليب الإحصائية المتعلقة بالفروق والتباينات، بل إنها من مميزات أسلوب تحليل

الانحدار المتعدد وخصائصه أولً، ثم أسلوب تحليل المسار من داخل منهجية النمذجة بالمعادلة البنائية ثانيًا، كما سنوضح في الفقرة التالية. نستخلص ممّا سبق حصر عدد المتغيرات الفرعية المؤثرة من تلك التي لا تؤثر، وكذا مقدار تأثيرها،

كل واحدة على حدة، وعلى نحو مستقل بينها، من أجل التنبؤ بمن يساهم أكثر، وما يؤثر أكثر في المتغير المتنبَّأ به، مثل درجة تأثير المستوى التعليمي للأب، والمستوى التعليمي للأم، ومستوى الدخل

عند الأسرة، ومهنة الآباء، وغيرها، باعتبارها متغيرات مستقلة، في الأداء المدرسي عند التلامذة بوصفه

متغيرًا متنبَّأ به، وهو ما  يتيحه أسلوب تحليل الانحدار المتعدد، وينظر إلى هذا التمرين الإحصائي

بمنزلة إجراء أوّلي استكشافي قد يساعد الباحثين في عملية انتقاء المتغيرات المستقلة المؤثرة التي يمكن الاعتماد عليها في تفسير النماذج البنائية بوساطة أساليبها الإحصائية المعتمدة بوصفها خطوة متقدمة عن نموذج تحليل الانحدار.

رابعًا: اعتماد النماذج البنائية في البحث السوسيولوجي

يسمح العمل بوساطة المنهج الإحصائي لدراسة الظواهر الاجتماعية باعتماد نماذج نظرية تؤسّس على

أبحاث نظرية وميدانية سابقة،؛ حيث يبقى الهدف من ذلك، هو التحقق من مدى مطابقتها وتوافقها مع البيانات الميدانية، ثم معالجة طبيعة العوامل المؤثرة في مسار الظاهرة المدروسة والمفسّرة لها. وتُعدّ

عملية توصيف هذه النماذج التي يجري اقتراحها من أصعب المراحل المتعلقة ببناء النماذج التفسيرية؛ حيث يكون الباحث في هذه المرحلة ملزمًا بمراجعة الأدبيات السابقة لاستخراج المفاهيم والأبعاد والمؤشرات التي تشكّل النموذج النظري المفترض. بناءً عليه، يتعيّن توصيف الأساليب الإحصائية المتعلقة بتحليل الارتباط وتحليل الانحدار

بوصفهما من آليات الانتقال من مرحلة دراسة العلاقات الارتباطية إلى مرحلة استكشاف المتغيّرات

المؤثرة. وقد رأى هربرت سيمون ونيكولاس ريشير أنّ هذا الانتقال يدل على المرور من العلاقة الارتباطية إلى العلاقة السببية، وأن هذه الأخيرة لا ترمز إلى علاقة بين قيم المتغيرات، لكنها علاقة دالّة لمتغير (السبب) على متغير (الأثر)؛ أي كلما زادت X زادت Y، ومنه تقدير قيم المتغير المتنبَّأ به Y بدلالة قيمة المتغير المستقل X. وهذا ما  حاول تأكيده كولمان في عمله مقدمة نحو

(43) Herbert Simon & Nicholas Rescher, "Cause and Counterfactual," Philosophy of Science , vol. 33, no. 4 (December 1966), p. 324.

علم الاجتماع الرياضيمن خلال عرض الدراسة التي قام بها دوركهايم عن الانتحار، والتي حاول من خلالها معالجة البيانات المتعلقة بمعدلات الانتحار لتحديد أسبابه الاجتماعية، حيث لم يهتم دوركهايم بتحديد العلاقات الارتباطية أكثر من اهتمامه بتحديد المتغيرات المؤثرة في معدلات الانتحار. لكن كولمان في عمله هذا، يؤكد أنه على الرغم من أهمية تحديد المتغيرات المؤثرة في معدل الانتحار، فإن ذلك ليس كافيًا من أجل تطوير نظرية مثمرة؛ إذ يقول في هذا الخصوص،

"إن هذه النقطة المهمة تدل على أن هناك مزيدًا من العمل، يعني أن تحديد موقع المتغيرات المهمة (يقصد المؤثرة)، لا يُعدّ سوى بداية الطريق". ما يراهن عليه كولمان بقوله "بداية الطريق" هو الذهاب إلى أبعد من عملية تحديد العوامل المؤثرة، إنها منطلق نحو بناء وتوصيف النماذج التي يفترضها الباحثون لتفسير السلوك الاجتماعي المعقد، وبهذا تصير الرياضيات لغة تتّسم بالدقة، وأداة مفيدة، بل فعّالة، في حال اختيار الطريقة المناسبة لتوظيف هذه الأداة على نحو يفيد البحث السوسيولوجي، حيث تسمح البرامج الإحصائية المتقدمة الآن بدراسة هذه النماذج البنائية، لكن مع الأخذ في الحسبان – كما سبقت الإشارة – مبدأ الافتراضات الإحصائية التي تشترطها الأساليب الإحصائية لمعالجة هذه النماذج وتحليلها. من هنا، تظهر أهمية التحديد الدقيق للمفاهيم التي يمكن معالجتها بوصفها نظمًا رقمية، ما يسهّل

عملية رصدها وقياسها. ويتجلّى ذلك في تحديد الأسس المفاهيمية لتحليل البنية الكامنة Structure Latent في البحث السوسيولوجي، بحسب تعبير بول لازارسفيلد، حيث المؤشرات الواضحة والمرئية هي الموضوع الرئيس لتحليل البنية الكامنة، أو التعامل مع النماذج البنائية باعتبارها متغيرات مقيسة وملاحَظة من خلال تجميع المؤشرات الدالّة على الأبعاد الكامنة،

وإدراجها بصورة مباشرة في النموذج المراد تحليله؛ من أجل تحديد العلاقات التأثيرية والتأثّرية المباشرة وغير المباشرة بينها كلها. في خصوص توصيف النماذج البنائية، يستدل دودلي دانكان أوتيس بأهمية تحديد المعلمات Parameters بين مختلف العوامل الممكنة التي تشكّل النموذج البنائي. ويضيف أن ما يحتاج إليه الباحث لتحقيق ذلك، هو الاستناد إلى بعض النظريات لاستخراج المتغيرات المناسبة. ويفهم من ذلك أن الغاية من توصيف هذه المتغيرات في نماذج بنائية هي التأكد من مطابقة،

(44) Coleman, p. 4. (45) Ibid., p. 7. (46) Ibid., pp. 2–4. (47) Lazarsfeld, "Latent Structure Analysis," p. 392.

(((4 المقصود هنا المتغيرات، أو الأبعاد، أو العوامل غير المرئية التي يجري قياسها من خلال مجموعة من المؤشرات الدالّة عليها، مثل المؤشرات التي تعبّر عن الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للمستجيبين، ثم من جهة أخرى المتغيرات الملاحظة والمقيسة في

الأصل، أي التي تتخذ شكلً كمّيًا متصلً، مثل أعمار المستجيبين أو الدخل الفردي وغير ذلك، أو بوساطة اختفاء المؤشرات الدالّة

على الوضعية الاجتماعية والاقتصادية والتربوية للمستجيبين من خ لاا تجميع متوسطات هذه المؤشرات، فينقلب المتغير غير المرئي المصحوب بالمؤشرات إلى متغير مرئي لا يحتاج إلى مؤشرات.

(49) Duncan, Structural Equation Models , p. 152.

أو عدم مطابقة، النماذج النظرية المفترضة مع البيانات المجمعة، ومنه اختبار منطوقات الأبحاث النظرية والميدانية في ضوء هذه النماذج المفترضة. يتعلق الأمر بتفسير قيمة تحديد المعلمات التي تحدّث عنها دانكان؛ حيث إن الأبحاث النظرية والميدانية القوية هي التي توجّه الباحثين في خصوص المتغيرات التي يمكن ربطها بعلاقة تأثيرية، ولهذا يدعو دانكان إلى عدم اختيار الطريق السهلة المتمثلة في إجراء الإحصاءات وتحليل البيانات، من دون الاستناد إلى النموذج النظري القوي. يصنف ريكس كلاين المتغيرات في منهجية النمذجة بالمعادلة البنائية، قسمين رئيسين، هما: المتغيرات غير المرئية/ الكامنة، والمتغيرات المرئية/ الملاحظة. ويرى أن الأساليب الإحصائية المدرجة في إطار هذه المنهجية، قادرة على تحليل هذه المتغيرات دفعةً واحدة، عكس بعض الأساليب الإحصائية الأخرى، مثل "تحليل التباين" ونموذج "الانحدار المتعدد". ويُعدّ أسلوب

تحليل المسار Analysis Path، بحسب الباحثَيْن في منهجية النمذجة بالمعادلة البنائية راندل

شوماخر وريتشارد لوماكس، امتدادًا وتطويرًا لأسلوب تحليل الانحدار المتعدد؛ حيث يبقى من

أجدى الأساليب الإحصائية لدراسة العلاقات والتأثيرات المشتركة والمتشابكة، المباشرة وغير المباشرة دفعة واحدة، وهذا ما يفسّر أهمية استخدام هذا الأسلوب في إطار النماذج البنائية، الذي أصبح، بحسب لازارسفيلد، يحظى بجاذبية عالية عند علماء الاجتماع، نظرًا إلى سهولة تمثيل

متغيرات هذه النماذج بيانيًا. يُستفاد من أسلوب تحليل الانحدار المتعدد قابلية تحديد حجم التأثيرات التي يُحدثها كل متغير من المتغيرات المستقلة في المتغير التابع، ومنه الوقوف عند حجم التقديرات التي يساهم بها كل متغير على حدة في تفسير التباين الحاصل في المتغير التابع (المتنبَّأ به). وهذا معناه أنه ليس في مقدور

الباحثين أن يتعاملوا مع أكثر من متغير متنبَّأ به واحد، وسيجري الركون إلى إعادة هذا الاختبار، مراتٍ

(((5 يجري هذا التأكد من خلال مجموعة من المؤشرات الإحصائية التي يطلق عليها مؤشرات جودة المطابقة Fit – of – Goodness Index، اختصارّا GFI، تحدد هذه المؤشرات المجال الذي من خلاله يجري تقييم مدى جودة مطابقة النماذج المقترحة مع البيانات

المجمعة من عيّنة البحث، وذلك بهدف إعطاء تقديرات للنماذج المفترضة. ل طااّعاا على بعض مؤشرات جودة المطابقة الأكثر

شيوعًا، ينظر:

Randall Schumacker & Richard Lomax, A Beginner’s Guide to Structural Equation Modeling (New York: Routledge; Taylor & Francis Group, 2010), pp. 73–123; Rex B. Kline, Principles and Practice of Structural Equation Modeling (New York: The Guilford Press, 2011), pp. 193–212. (51) Duncan, Structural Equation Models , p. 154.

(((5 لقد استُخدمت منهجية النمذجة بالمعادلة البنائية Modeling Equation Structural، أول مرة، مع عالم الوراثة الأميركي سيوول

رايت Wright Sewall في عام 1918، حيث كان له الفضل في تطوير نموذج تحليل المسار لتحليل نظرية الجينات في البيولوجيا، وقد شهدت هذه المنهجية في الستينيات والسبعينيات نهضة كبرى في علم الاجتماع بفضل الأعمال القيمة لعالم الاجتماع الأميركي دانكان التي سبقت الإشارة إليها.

(53) Kline, Structural Equation Modeling , pp. 8–9. (54) Schumacker & Lomax, p. 143. (55) Lazarsfeld, "Regression Analysis," p. 25.

متعددةً إذا ثبت أن المتغيرات المستقلة التي وضعت في نموذج الانحدار تؤثر في عوامل متعددة. لكن، يمكن الاعتماد على تحليل الانحدار المتعدد مدخلًاستكشافيًا؛ لتَبيُّن طبيعة المتغيرات المؤثرة

والمتأثرة التي يمكن الاعتماد عليها في بناء نموذج مفترض من خلال أسلوب تحليل المسار. ذلك كله من أجل اختبار التأثيرات المباشرة وغير المباشرة التي تُحدثها المتغيرات المستقلة والمتغيرات الوسيطية في المتغيرات التابعة، كما جرت الإشارة إلى ذلك سلفًا. سبق التعرض أيضًا للحدود التي تقوم بها الفرضيات التي تدرس علاقات الارتباط أو العلاقات التأثيرية، حيث أوضحنا اختلاف العلاقة الارتباطية عن العلاقة التأثيرية، وأوضحنا أن الإجابة عن الفرضيات الارتباطية أو التأثيرية على نحو مباشر غير كافية لتفسير هذه العلاقات، على اعتبار أن الظاهرة الاجتماعية تتميز بالتعقيد والتشابك في العلاقات. من هنا إذًا تظهر أهمية وقيمة دراسة العلاقات الارتباطية والتأثيرية بين المتغيرات في إطار نموذج بنائي، ميزته أنه يدرس العلاقات المباشرة وغير المباشرة بين المتغيرات كلها التي تشكّل هذا النموذج.

خامسًا: حدود المقاربة الوضعية والإحصائية في علم الاجتماع

من المهم الإشارة هنا إلى أن المقاربة الوضعية في علم الاجتماع تعرّضت، عمومًا، إلى نقد

كبير، خلال تطور الحقل المعرفي السوسيولوجي، وذلك على ثلاثة مستويات: مستوى التمثل المعرفي للظاهرة الاجتماعية الذي يجعل منها شيئًا خارجيًا مستقلً عن الأفراد (تيار التفاعل

الرمزي)؛ ومستوى فرضية تفسير الاجتماعي بالاجتماعي، من دون اعتبار لقيمة الفعل الفردي (تيار الفردانية المنهجية)؛ ومستوى القيمة المنهجية للمعرفة الشائعة للظواهر الاجتماعية ولفكرة الحياد الأكسيولوجي (التيار التأويلي). ومع ذلك، بقي استخدام الإحصاءات مرافقًا للعلوم الاجتماعية مهما اختلفت تياراتها. غير أنه في الحالات كلها، بقي استخدامها يمثّل أداة ذات حدّين في التفسير السوسيولوجي للظواهر الاجتماعية؛ فالاتجاه الوضعي الذي دأب منذ نشأته على استخدام الرياضيات والإحصاء قد عرف تطوراتٍ إبستيمولوجيةً استحثّت الباحثين على وضع حدود معرفية

(((5 يكشف تحليل الانحدار للباحثين طبيعة المتغير/ المتغيرات المستقلة التي تؤثر في المتغير التابع، عكس ذلك، تحليل المسار الذي وإن كان يشترك مع تحليل الانحدار في مفهوم التأثيرات، فإنّه يتّجه نحو هدف آخر مغاير ل وأأل، مع تحليل المسار يكون

الهدف هو التحقق من النموذج النظري المعتمد، وهذا النموذج النظري يفترض أن هناك علاقات متشابكة بين المتغيرات المستقلة والمتغيرات الوسيطية والمتغيرات التابعة، وبين المتغيرات التابعة بعضها مع بعض، حيث ثمة من يؤثر بصورة مباشرة، وهناك من يؤثر على نحو غير مباشر، وهناك من يُفتَرض، بناءً على النموذج النظري المستند إليه، أنه يؤثر في المتغير أو المتغيرات المتنبَّأ بها بدلالة

متغير وسيطي وهكذا. المزيد من التفاصيل، في: Schumacker & Lomax, p. 2. (((5 يمكن الإشارة هنا إلى دراسات:

Erving Goffman, Asylums: Essays on the Social Situation of Mental Patients and Other Inmates (New York: Doubleday, 1961); James Samuel Coleman & Thomas J. Farraro, Rational Choice Theory: Advocacy and Critique , Key Issues in Sociological Theory (Thousand Oaks: SAGE Publications,1992); Clifford Geertz, The Interpretation of Cultures (New York: Basic Books, 1973); Pierre Bourdieu, Jean–Claude Chamboredon & Jean–Claude Passeron, Le métier de sociologue (Paris: EHESS, 2021); Bruno Latour, Enquête sur les modes d’existence, une anthropologie des modernes (Paris: La découverte, 2012).

ليس للمقاربة الوضعية فحسب، بل لاستخدام الإحصاءات في حد ذاتها، وذلك انطلاقًا من ثلاث زوايا نظر على الأقل: 1. الزاوية الأولى تتعلق بالكيفية التي تبنى بها المدونة الإحصائية الصادرة عن مؤسسات الضبط والإدارة والاستشراف التابعة للدولة، أو تلك التابعة لمنظمات مدنية مختلفة مهمتها متابعة قضايا محددة، وأحيانًا الدفاع عنها. هنا تكون هذه المدوّنة الإحصائية نتاج عمليات تقسيم وتصنيف وتركيب سابقة، قام بها فاعلون وفق رؤية اجتماعية وثقافية وأيديولوجية محددة، ومن ثمّ، أصبح من الضروري أن يعي الباحث حدود ما يستخلصه من نتائج تُظهرها الترابطات المتعالقة بين المتغيرات وتفرزها التحليلات الكمية. 2. الزاوية الثانية تتعلق بعلاقة الباحث بموضوع بحثه من منظور علم الاجتماع الانعكاسي، كما حدده بيار بورديو. في هذا المستوى يمكن أن تتقاطع التصنيفات الإحصائية وكيفية تأويلها بتاريخ معايشة الباحث للظاهرة في حد ذاتها، ولموقعه الخاص داخل الصراعات التي تشملها. وللاعتبارات المعيارية بمفهوم ماكس فيبر، فإن اختيار الباحث لزاوية المشاهدة وكيفية بناء التقاطعات بين المتغيرات المختارة، موضوع التحليل والفهم، يمكن أن يكون لها تأثير كبير في نتائج البحث الذي يقدّم تحت شعار الموضوعية العلمية. 3. الزاوية الثالثة، وهي ربما الأشد إثارة من منظور القضايا المعرفية التي يطرحها استخدام الإحصاءات، تتلخص في مفهوم "التكميم" في حد ذاته؛ فالتكميم لا يكون إلّ بالحساب، والحساب يقوم على عدّ وحدات منعزل بعضها عن بعض وذات خاصية "شيئية"، وبذلك تغادر مكوّنات الظاهرة تركيبتها

الأصلية لتدخل في تركيبة إحصائية جديدة ذات وجود يكاد يكون ميتافيزيقيًا، ما يخلق مسافة بين

دينامية الواقع ودينامية الأرقام.

خاتمة

في إطار السيرورة الإبستيمولوجية التي رافقت طرائق استخدام الأساليب الإحصائية لمعالجة البيانات وتحليلها، حاولنا توصيف فاعلية المنهج الرياضي والإحصائي عند دراسة الظواهر الاجتماعية في علم الاجتماع على وجه التحديد، وذلك من خلال عرض بعض الإسهامات النظرية والمنهجية في هذا المجال لبعض الباحثين الذين يصنّفون ضمن تيار الوضعية الجديدة في علم الاجتماع، والذين عملوا من خلالها على تدعيم حججهم في خصوص ضرورة اعتماد المقاربة الرياضية والإحصائية في علم الاجتماع، وهي المقاربة التي انتشرت منذ عشرينيات القرن الماضي.

(58) Maryse Marpast, "Les apports réciproques des méthodes quantitatives et qualitatives: Le cas particulier des enquêtes sur les personnes sans domicile," Institut National d’étude démographique, Collection: Documents de travail, no. 79 (1999), p. 16, accessed on 16/2/2023, at: https://bit.ly/3kiwfh4

((5(بيار بورديو، "الموضعة المشارِكة... أو: في موضعة الشروط الاجتماعية للموضعة"، ترجمة الحبيب الدرويش، عمران، مج  9، العدد 34 (خريف 2020)، ص.154–139

تجلّى امتداد التوجّه الوضعي في أعمال بيرسون وفيشر حول التحليل الإحصائي للبيانات العلمية

الذي أحدث ثورة في علوم القرن العشرين، إضافة إلى الكتابات المنهجية التي رسّخت عملية

تحديد النماذج البنائية، والتي تستند إلى مراجعة النظريات والأبحاث السابقة لاستخراج الأبعاد والمؤشرات المشكّلة لهذه النماذج من أجل مطابقتها مع البيانات المجمّعة والمستخلصة من

مساءلة عيّنة البحث، ثم تحديد الارتباطات والتأثيرات المباشرة وغير المباشرة and Direct

Effects Indirect بين المتغيرات كلها المدرجة في إطار هذه النماذج البنائية لتفسير الظواهر الاجتماعية المعقدة. نستخلص، من خلال مسار هذه الأعمال النظرية والمنهجية، أنّ الاعتماد على الأساليب الإحصائية في عملية المعالجة والتحليل الإحصائيَين للبيانات في علم الاجتماع لا يتوقف عند الحدود التقنية

المتمثلة في "المدخلات والمخرجات"، بل ثمة رؤية إبستيمولوجية تسند العلاقة القوية القائمة بين شكل تصميم الأداة والبيانات وطبيعة الأساليب الإحصائية والنتائج المتوقع الحصول عليها، حيث إن طريقة التصميم تحدد طبيعة البيانات المجمعة، وهذه الأخيرة تحكمها شروط وافتراضات إحصائية، لا بد من التحقق منها، ومنه اعتماد الأساليب الإحصائية الملائمة للبيانات المقترنة بالشروط، إضافة إلى عملية تفريغ النتائج وفرزها عن طريق انتقاء القيم المناسبة للإجابة عن أهداف البحث من تلك التي سيجري استبعادها. هذه، إذًا، خطوات منهجية وظائفها متمفصلة ومترابطة، تشتغل عناصرها كلها لمصلحة النتائج التي يمكن استخراجها. هذه المزايا كلها التي يختص بها المنهج الكمي في صيغته الجديدة تتيح للباحث مواجهة الإكراهات التي تفرضها الخصائص المعقدة للظاهرة الاجتماعية، خاصة ما يتعلق منها بمسألة التغير، أي خاصيتها الدينامية والمتغيرة؛ الشيء الذي يقتضي العمل بالدراسات الطولية لرصد الظاهرة في الزمان، مع ضرورة الاعتراف بالتعدد المنهجي في علم الاجتماع، وفق ما تقتضيه طبيعة الظاهرة وخصائصها وسياقها وتموضعها في الإطار التاريخي والاجتماعي.

References

المراجع

العربية

بورديو، بيار. "الموضعة المشارِكة.. أو: في موضعة الشروط الاجتماعية للموضعة". ترجمة الحبيب الدرويش. عمران. مج  9، العدد 34 (خريف.)2020

الأجنبية

Bourdieu, Pierre, Jean–Claude Chamboredon & Jean–Claude Passeron. Le métier de sociologue. Paris: EHESS, 2021. Coleman, James. Introduction to Mathematical Sociology. London: Free Press,1964. Coleman, James & Thomas J. Farraro.  Rational Choice Theory: Advocacy and Critique. Key Issues in Sociological Theory. Thousand Oaks: SAGE Publications, 1992.

Cronk, Brian C. How to Use SPSS: A Step– By– Step Guide to Analysis and Interpretation. Glendale: Pyrczak Publishing, 2006. Dodd, Stuart. "The Application and Mechanical Calculation of Correlation Coefficients." Journal of Franklin Institute. vol. 201, no. 3 (March 1926). Dodge, Yadolah. Statistique, Dictionnaire encyclopédique. Paris: Springer, 2007. Duncan, Cramer & Dennis Howitt. The Sage Dictionary of Statistics: A Practical Resource for Students in The Social Sciences. London: SAGE Publications, 2004. Duncan, Dudley. "Path Analysis: Sociological Example." The American Journal of Sociology. vol. 72, no. 1 (July 1966). ________. Introduction to Structural Equation Models. New York: Academic Press,

Durkheim, Émile. Le Suicide, Étude de Sociologie. Paris: Félix Alcan, 1897. ________. Les Règles de la méthode sociologique. Paris: les Presses universitaires de France, 1967. Édition numérique réalisée le 2 novembre 2018 à Chicoutimi, Québec. Edling, Christofer. "Mathematics in Sociology." Annual Review of Sociology. vol. 28 (August 2002). Fisher, Ronald. The Design of Experiments. New York: Hafner Press, 1971. Galton, Francis. English Men of Science: Their Nature and Nurture. London: Macmillan,

_______. Genius Hereditary: An Inquiry into Its Laws and Consequences. New York: Barnes & Noble, 2012. Geertz, Clifford. The Interpretation of Cultures. New York: Basic Books, 1973. Goffman, Erving. Asylums: Essays on the Social Situation of Mental Patients and Other Inmates. New York: Doubleday, 1961. Hart, Hornell. "What is a Social Problem?." American Journal of Sociology. vol. 29, no. 3 (November 1923). Horton, Donald. "Fads and Foibles in Modern Sociology and Related Sciences. By Pitrim Sorokin." The American Journal of Sociology. vol. 62, no. 3 (November 1956). Kline, Rex B. Principles and Practice of Structural Equation Modeling. New York: The Guilford Press, 2011. Latour, Bruno.  Enquête sur les modes d’existence, une anthropologie des modernes. Paris: La découverte, 2012. Lazarsfeld, Paul. "Recent Developments in Latent Structure Analysis." Sociometry. vol. 18, no. 4 (1955). ________. "Regression Analysis with Dichotomous Attributes." Social Science Research. vol. 1, no. 1 (1972). Lundberg, George. "Quantitative Methods in Sociology: 1920–1960." Social Forces. vol. 39, no. 1 (1960–1961).

Marpast, Maryse. "Les apports réciproques des méthodes quantitatives et qualitatives: Le cas particulier des enquêtes sur les personnes sans domicile." Institut National d’étude démographique. Collection: Documents de travail, no. 79 (1999). at: https://bit.ly/3kiwfh4 Merton, Robert King. The Sociology of Science. Norman Storer (ed.). Chicago: The University of Chicago Press, 1973. Miller, Robert L. et al. SPSS for Social Scientists. London: Palgrave Macmillan, 2002. Ogburn, William. "The Folk–ways of a Scientific Sociology." The scientific Monthly. vol. 30, no. 4 (April 1930). Passeron, Jean Claude. Le raisonnement sociologique. Paris: Editions Albin Michel,

Pearson, Karl. The Grammar of Science. London: Adam and Charles Black, 1911. Salsburg, David. The Lady Tasting Tea: How Statistics Revolutionized Science in The Twentieth Century. New York: W. H. Freeman and Company, 2001. Schumacker, Randall & Richard Lomax. A Beginner’s Guide to Structural Equation Modeling. New York: Routledge; Taylor & Francis Group, 2010. Simon, Herbert. Models of Man: Social and Rational. New York: John Wiley & Sons,

________. "The Uses of Mathematics in the Social Sciences." Mathematics and Computers in Simulation. vol. 20, no. 3 (1978). Simon, Herbert & Nicholas Rescher. "Cause and Counterfactual." Philosophy of Science. vol. 33, no. 4 (December 1966). Sorokin, Pitrim A. Fads and Foibles in Modern Sociology and Related Sciences. Chicago: Gateway, 1965. Timasheff, Nicholas. Sociological Theory: Its Nature and Growth. New York: Random House, 1967.