مقدمة في نزع الاستعمار عن علم الاجتماع
Decolonizing Sociology: An Introduction
الملخّص
عنوان الكتاب: مقدمة في نزع الاستعمار عن علم الاجتماع. عنوان الكتاب في لغته: Decolonizing Sociology: An Introduction . المؤلف: علي مقجي Ali Meghji. الناشر: لندن: بولتي براس Polity Press. سنة النشر: 2021. عدد الصفحات: 202 صفحة.
Abstract
Book title: Decolonizing Sociology: An Introduction . Author: Ali Meghji. Publisher: London: Polity Press. Date of Publication: 2021. Pages: 202.
- علم الاجتماع
- نزع الأبعاد الاستعمارية
- Sociology
- Decolonizing Dimensions
عنوان الكتاب: مقدمة في نزع الاستعمار عن علم الاجتماع.
المؤلف: علي مقجي. الناشر: لندن: بولتي براس. سنة النشر: عدد الصفحات:
أولا: إشكالية موضوع الكتاب
قد يثير عنوان الكتاب في حد ذاته انتباه العديد من علماء الاجتماع؛ فعبارة "مقدمة في نزع الاستعمار عن علم الاجتماع" في العنوان لا تكاد تُقبل لديهم، لأنهم يعتقدون أن علم الاجتماع يتصف بالموضوعية والحياد في دراسة المجتمعات والظواهر الاجتماعية فيها، بغض النظر عن الفروق والاختلافات بينها في اللون والعرق والدين واللغة وغيرها من العوامل. ومن ثم، تطرح هذه العبارة إشكالية لعلماء الاجتماع، خاصة في المجتمعات الغربية، حيث ظلّ علماؤها يقودون مسيرة تأسيس منظومة هذا العلم المعاصر، ويواصلون الهيمنة الفكرية في الفترة الحديثة من خلال شبكة وسلسلة لسلطان مقولاتهم ونظرياتهم ومفاهيمهم، وغيرها من أدوات البحوث الميدانية/ الإمبريقية. يشتمل هذا الكتاب على خمسة أقسام: مقدمة، وثلاثة فصول، وخاتمة. تعالج المقدمة علاقة علم الاجتماع الغربي بالاستعمار وتواصله، استنادًا إلى بعض الظواهر ذات العلاقة بالاستعمار واستعمال مفاهيم فكرية في طرح مقولة تحرير علم الاجتماع وتحليلها في الكتاب. تبدأ المقدمة بالنظر في العلاقة بين علم الاجتماع والاستعمار، وما يسميه المؤلف "الفرق الاستعماري" الذي يعني أن المستعمَرين مختلفون أصلً من البداية في طبيعة سلالتهم عن المستعمِرين الغربيين وأدنى منهم بصفتهم جنسًا بشريًا. نشأ هذا الاعتقاد والتصور، نتيجةً لوجود الإمبريالية والاستعمار والإمبراطوريات الغربية وعواصمها التي أدّت دورًا حاسمًا في تشكّل علم الاجتماع الاستعماري. وفي هذا السياق، يبرز المؤلف معالم محددة، ساهم بها علماء الاجتماع الغربيون في مساندة رؤية علم الاجتماع الغربي الاستعماري.
ثانيًا: أفكار فصول الكتاب
جاء الفصل الأول من الكتاب بعنوان "تحدي التحرر لعلم الاجتماع"، وفيه يبرز المؤلف كيفية تأثير هذه الرؤية المعرفية الاستعمارية في علم الاجتماع الكلاسيكي والمعاصر، وتحدي التحرر من الاستعمار في هذه الرؤية لعلم الاجتماع. ولبلوغ ذلك، يثير المؤلف عدة مواضيع وقضايا ويناقشها؛ فيبدأ بموضوع "وجهة النظر الأوروبية في علم الاجتماع" ليعرفها كالتالي: تحتوي وجهة النظر هذه رؤية استشراقية ترى أن العالم غير الغربي متأخر وأقل تحضرًا من العالم الغربي، كما أنها تتبنى ثنائية فكرية في تقسيمها للعالم تتمثل في النظر إلى الغرب باعتباره مختلفًا عن بقية العالم (ص. 30). فمفهوم الاستشراق أنشأه مفكرون بعد المرحلة الاستعمارية، مثل إدوارد سعيد، وهومي بهبها Bhabha Homi، وستيورت هال Hall Stuart. وقد كان الفكر الاستشراقي Orientalism جزءًا مركزيًا من علم الاجتماع الكلاسيكي. فمثلً، استعمل كل من كارل ماركس وماكس فيبر Weber Max في نظريتهما الرؤية الاستشراقية لتفسير تحوّل الغرب إلى الرأسمالية والحداثة، وفقدان التغيير في المجتمعات الشرقية. في المقابل، يفنّد المؤلف ذلك الادعاء، بالاستشهاد بتحليل عبد الرحمن بن خلدون لحركية المجتمعات العربية الإسلامية المتمثلة في تحولها من مجتمعات بدوية إلى مجتمعات حضرية. ويشرح المؤلف على نحو مفصّل فكرة الثنائية في وجهة النظرية الأوروبية. وهذه الفكرة تمثّل
الاعتقاد أن المرء يستطيع أن يفصل العالم الغربي عن بقية العالم، ويحلله خارج علاقاته وروابطه العالمية بالمجتمعات الأخرى خارجه. نجد هذه الثنائية لدى ماركس وفيبر في نقاشهما للكيفية التي حللّا بها عمومًا ظهور الرأسمالية الغربية، باعتبارها منفصلة عن المشاريع الاستعمارية للدول الغربية وعن تصدير التراكم الرأسمالي الذي قامت به أنظمة الحكم الاستعمارية (ص. 37). وينتقدُ العديد من المفكرين مفهوم الثنائية، مثل راوين كونال Connell Raewyn، وجروميندر بهامبرا Bhambra Gruminder، وجولين جو Go Julian (ص 44–42)، التي نجدها في المقابل لدى مفكرين غربيين آخرين، أمثال يورغن هابرماس Habermas Jurgen، وماكس هوركهايمر Horkheimer وثيودور أدورنو Adorno Theodor، ثم ميشال فوكو Foucault Michel، وأنثوني جدنس Giddens Anthony، وألريخ باك
بعد عرض بعض معالم وجهة النظر الغربية مع رؤيتها الثنائية للعالم، ننتقل إلى معالم وجهة النظر الجنوبية عند المؤلف. إنها وجهة نظر في الاتجاه المعاكس لوجهة النظر الأوروبية. فهي ترفض رؤية الاستشراق، ومن ثم تعترف بالشعوب والمعارف الموجودة في العالم الجنوبي وتقدّرها، والفكر الاجتماعي الخلدوني (علم العمران البشري) مثال على ذلك. وتتطلب وجهة النظر الجنوبية أن نُقِرَّ بوجود بنى هرمية عالمية، تكوّنت من علاقات إمبريالية في الماضي والحاضر. وهكذا، فإن مفهوم الحداثة/ الاستعمار المتواصل يفسر كيفية وقوع التنمية الاقتصادية الغربية الهائلة (بواسطة الرأسمالية والحداثة)، من خلال بث التأخر/ التخلف في بقية العالم بواسطة الاستعمار والإمبريالية والعبودية. ومن ثمّ، تركز مقاربة وجهة النظر الجنوبية على أهمية فكرة العلاقات المركزية بين مجتمعات الشمال والجنوب في فهم ظاهرتَي الحداثة والاستعمار المتواصل. ويُعتبر ستيوارت هال أبرز المفكرين الذين كتبوا في هذا الموضوع، من خلال دراساته للطبقة والعِرْق والخطاب السياسي في بريطانيا. ومع ذلك، فإن لمقولة وجهة النظر الجنوبية بعدًا رئيسًا آخر يتمثل في اعترافٍ بالجوانب غير المادية لسكان الجنوب وتقدير لها. ويتجلى هذا السلوك في عبارة المؤلف "من العلاقة بالآخر إلى الاعتراف بالفاعلين في الجنوب"، وهو ما يعني أنّ أي جهود لتحرير علم الاجتماع يجب أن تبدأ من نقطة الاعتراف والتقدير للمعالم الذاتية لأهل الجنوب (ص. 52). لقد دعا بقوة إلى ذلك عدد من المفكرين، منهم: وليم إدوارد بورغهارت دوبوا كوكس Cox Oliver، وأملكار كبرال Amilcar Cabral، وإيمي سيزار Cesaire Aime، وغيرهم كثيرون ممن ساندوا مقاربة وجهة النظر الجنوبية. ويرى المؤلف أنه يمكن إدراك ذلك عبر مناهج سوسيولوجية مختلفة، مثل مقاربة جومو كِنياتا من كينيا في كتابه مواجهة جبل كينيا Facing Mount Kenya، الذي يعارض المبادئ المركزية للرؤية المعرفية الاستعمارية السائدة في علم الاجتماع الغربي. فيدرس في وسط المجتمع الكيني النظام والممارسات الاجتماعية لشعب جيكويو People Gikuyu ليجد أنّله نظامًا ديمقراطيًا قبل التدخل الاستعماري. ويتجلى ذلك أيضًا في المعالم التالية: حرية الناس في مِلك الأرض وتنميتها بواسطة مِلك الأسرة والعضوية القبلية الكاملة، وإلغاء مكانة الملِك والإنسان النبيل، ثمّ إنّ الحكومة تتكون
من المجلس الذي ينتمي إليه جميع أعضاء المجتمع، ويقع في الانتخابات تداول للمناصب الحكومية (ص. 58). كان يمكن أن يعزز المؤلف تحليله للمجتمع الكيني بذكر بعض العناصر الثقافية التي ربما ساعدت على بروز تلك المواصفات الديمقراطية في هذا المجتمع، لكنه لم يفعل ذلك. فقد اعتبر مواصفات المجتمع الكيني تلك مسلّمَات حقيقية، لا يتسرب إليها الشك في صحتها؛ ما جعله لا يتبنى تحليلً نقديًا لحيثيات وجودها في هذا المجتمع. ويُختم هذا الفصل بشرح لتجاوز وجهة النظر الجنوبية للرؤية الاستشراقية والثنائية بين الشمال والجنوب؛ وهي وجهة نظر تحتضن علم اجتماع العلاقات بين المجتمعات الذي يعطي كل شعوب الجنوب اعترافًا وتقديرًا كبيرين. يركز الفصل الثاني من الكتاب على الإمبريالية الفكرية، وعلى علمَي اجتماع السكان الأصليين وعلم الاجتماع المستقل. وفيه ناقش المؤلف المواضيع التالية: مبادرة طرح إطار فكري (قانون) عالمي يضع معايير محددة ينبغي أن يستعملها الباحثون في علم الاجتماع Canon، وتواصل استعمار المعرفة وقتل الرؤية المعرفية العالمية والإمبريالية الفكرية وماضي الإمبريالية الفكرية لعلم الاجتماع وحاضرها، والتنظير المتعلق بالعقل السجين، والاهتمام بخارج الذات، وإزاحة مركزية النظرية الشمالية أو إعادة مركزيتها، فضلً عن الرجوع عن السؤال "ماذا؟" إلى السؤال "لماذا؟". يعرّف المؤلفُ بعض تلك المواضيع مثل الإمبريالية الفكرية التي يرى عالم الاجتماع سيد حسين العطاس أنها عملية تجري من خلالها سيطرة معرفة قُطر ما ا على معرفة جزئي قُطر آخر. أما عملية الاهتمام بخارج الذات، فتتمثل في وضع الأكاديميين من الجنوب أنفسهم في علاقة تبعية لنظرائهم في الشمال (ص. 79). وفي هذا السياق، يدعو المؤلف إلى تأصيل علم الاجتماع في مجتمعات الجنوب؛ وذلك بإعطاء الطرائق والتقاليد المحلية في التفكير والمعرفة أولويةً، بحيث يصبح الرصيد المعرفي الذاتي هو السبيل إلى تفسيرات محلية لظواهر محلية. فبدلً من تفسيرات ماركس وفيبر، ينبغي النظر في تفسيرات ابن خلدون وغيره من مفكري الجنوب، أمثال جوزاي مارتي Marti Jose وأكتافيا باز
. Octavia Paz
بعبارةٍ أخرى، ترى المقاربات الجنوبية لعلم الاجتماع أن علم الاجتماع الشمالي لا يستطيع دائمًا إدراك حقائق/ وقائع مجتمعات الجنوب. وهكذا، يرى سيد فريد العطاس أن التفكير، انطلاقًا من محليات مجتمعات الجنوب، يمكّن الباحثين من إنشاء نظريات ومفاهيم لا تظهر في الغرب، لأنها لا تتأثر بوجهة النظر الغربية (ص. 89). وينهي المؤلف هذا الفصل بتقييم مشروعية وجود علم اجتماع منبثق من مجتمعات السكان الأصليين، وحضور علم اجتماع مستقل في العالم الثالث بصفة عامة؛ فيرى أن هناك مشكلات في مجابهة إزاحة مركزية علم الاجتماع الغربي في العالم. ويحتاج هذا الأمر إلى تحدي الإمبريالية الفكرية التي لا تزال سائدة في علم الاجتماع. وللنجاح في كسب رهان هذا التحدي ينبغي إثارة مسألة إرساء المرجعيات/ القوانين التي يستند إليها علماء الاجتماع في أفكارهم وتحليلاتهم. ويتطلب ذلك حوارًا بين مفكري علم الاجتماع في الشمال والجنوب، لإثراء رؤى فكر علم الاجتماع في الفهم والتفسير. يطرح الفصل الثالث من الكتاب كيفية النجاح في مسألة الحوار المشار إليها في الفصل
السابق. ويعدّد المؤلف بعض المواضيع المهمة للظفر بذلك الحوار: نقاش حول ماركس، وعالم الاجتماع دوبوا والرأسمالية العنصرية، والمفكران فرانتز فانون Frantz Fanon وعلي شريعتي ومساهمتهما في توسيع المنظور الماركسي، والروابط الخفية في الفكر الاجتماعي لبيار بورديو Bourdieu Pierre وفوكو، والتقاطع وتواصل الرؤية الاستعمارية للجنسين وعلم اجتماع بلا حدود. يكفي هنا ذكر بعض ما يدعو إليه المؤلف لإصلاح علم الاجتماع عالميًا. وفي حين تنتمي الماركسية الكلاسيكية إلى الاستشراق وثنائية تقسيم المجتمعات، فإننا نحتاج إلى هؤلاء المفكرين الذين يتبنون ماركسية ضد الاستعمار تتمثل في تحليل الاستعمار والإمبراطوريات والإمبريالية الفكرية بعدسات ماركسية. فقد عارض فانون، بصفته مُنظّرًا مهمًّا، فكر ماركس، من أجل إفساح مفهوم الاغتراب لاستعماله في الوضع الاستعماري الذي يمارس عنفًا نفسيعلى ا المستعمَرين فيجعلهم في حالة اغتراب مع أنفسهم (ص. 106). أما شريعتي، فيرى أن الدين ليس أفيون الشعوب كما يقول ماركس، بل هو أساس صلب في المجتمعات؛ إذ هو سبب ا ا وجماعيًّرئيس يدفع إلى الحركة والعمل فردي في المجتمعات البشرية. ومن ثم، فشريعتي ليس ضدّ الفكر الماركسي الكلاسيكي وإنما يرى أن هذا الفكر لا يساعد إلّ على فهم نصف الواقع الاجتماعي (ص. 110). فعلم اجتماع الدين عند شريعتي هو مثال آخر لكيفية عمل علم الاجتماع المتحرر؛ إذ إنه يضع الماركسية الكلاسيكية في حوار مع علم اجتماع الدين عند شريعتي ومع فكر فانون؛ ما يجعلهما يناديان بأهمية العرق والدين في تشكيل المجتمع الرأسمالي. وفي هذا السياق، يؤكد المؤلف أن فكر بورديو وفوكو متأثر في العمق بالمنظومة المعرفية الفرنسية السائدة في الإمبراطورية الفرنسية. فنشأة مفهومَي الهابيتوس والحقل لبورديو كانت نتيجة للدراسة النقدية للاستعمار الفرنسي. وبالمثل، فإنّ فكر فوكو متأثر أيضًا بالعوامل الاستعمارية بالنسبة إلى كتاباته المتعلقة بالسلطة/ القوة. فقد درّس في الجامعة التونسية في أثناء حرب الأيام الستة بين إسرائيل والعرب التي أثارت احتجاجات الطلبة التونسيين وحركاتِ نقدٍ ومعارضةٍ للاستعمار والإمبريالية والصهيونية؛ وهكذا، تعامل فوكو في دراسته للسلطة بربطه بين القوة والمقاومة في فرنسا والقوة والمقاومة في تونس (ص. 120). ويلاحظ في هذا الصدد أن تأثر فكرَي بورديو وفوكو بعوامل استعمارية لا تكاد تُذكر رغم أهميتها في علم اجتماع نزع الاستعمار الذي تتبناه بقوة وتطنب فيه مقولة فصول هذا الكتاب.
ثالثًا: المعالم الاستعمارية لعلم الاجتماع الغربي
يتساءل المؤلف: لماذا يحتاج علم الاجتماع السائد إلى ضرورة التحرر من المعالم الاستعمارية؟ وكيف يجري ذلك؟ يأتي في طليعة تلك المعالم تأثرُ علماء الاجتماع الغربيين الرواد، مثل ماركس ودوركهايم وفيبر، بأيديولوجيا الاستعمار الغربي التي تنظر إلى الشعوب المستعمَرة نظرة دونية (شعوب متخلفة وبربرية) مقارنة بالشعوب الغربية البيضاء المتقدمة والعصرية. ويبرز المؤلف كيف كان علم الاجتماع الغربي أرضية عضوية لإعادة إنتاج النظام الاستعماري، كما يتجلى ذلك في تفاصيل عديدة وتشهد عليه نظريات ومفاهيم الرؤى المعرفية/ الإبستيمولوجية لعلماء الاجتماع الكبار الذين اعتقدوا الشعوب المستعمَرة متخلفة
وبربرية أو برهنوا على ذلك. ويؤكد المؤلف أن تلك الرؤية الاستعمارية تواصل اليوم تأثيرها الكبير في علم الاجتماع، عبر هيمنتها على النظرية الاجتماعية وتطبيق علم الاجتماع. ونتيجةً لذلك، فإن منظور التراث الفكري لعلم الاجتماع الغربي فسخ النظريات الاجتماعية التي توصّل إليها مفكرو مجتمعات الجنوب مثل ابن خلدون، وإن علماء الاجتماع الغربيين تجاهلوا أيضًا أن يأخذوا في الحسبان ظاهرة الاستعمار في مؤلفاتهم. ويوصي المؤلف المُدرِّسين والطلبة بهدم المعالم الاستعمارية لعلم الاجتماع؛ فمن خلال إصلاحات في برامج علم الاجتماع ومنهجية مبتكرة في تدريسه ووعي قوي بالقضايا المذكورة، يمكن أن يصبح علم الاجتماع أكثر إنصافًا على المستوى العالمي (ص. 150)–147
خاتمة: نداء بديل لنزع فكر علم الاجتماع الاستعماري
لقد اتبع المؤلف في فصول الكتاب الأربعة نمط التحليل والنقاش، ويعتبر الفصل الأخير (الخامس) خاتمة لما ورد في الفصول السابقة، وفيه يناقش عددًا من المواضيع: احتضان البديل التحرري بالنسبة إلى علم الاجتماع، والاستعمار المتواصل، وأزمة المناخ، وتوسيع مجال المناهج السوسيولوجية، ومسألة وضع تطور علم الاجتماع في ميدان العلاقات الاستعمارية الإمبريالية، ورفض عولمة أي قانون/ منظور لعلم الاجتماع، وقد تساءل: هل حان وقتُ طردِ القانون/ المنظور المهيمن لعلم الاجتماع؟ يدعو المؤلف كذلك إلى البحث عن روابط، فحتى إذا لم يقع تدريسك إياها، ثمّنْ الرؤية الجنوبية العالمية بغض النظر عن تقييم الأساليب الشمالية، لا تجدد ليبرالية العمل التحرري، شجّعْ الطلبة والعلماء على معرفة لغات متعددة، اقبلْ أن علم الاجتماع نزع الاستعمار ليس له نقطة نهاية، طريق مستقبلي طويل مع طريق طويل وراءنا. ويصمت المؤلف هنا عن الحيثيات السلبية لتعلّم اللغات التي قد تؤثر في العقل السجين والتبعية الأكاديمية – بحسب سيد حسين العطاس وسيد فريد العطاس – لدى الباحثين في المجتمعات الجنوبية. فحالة علماء الاجتماع في المغرب العربي مثال لذلك، وعلماء الاجتماع الأولون قد درسوا الفكر السوسيولوجي الغربي باللغة الفرنسية؛ ما جعل عقلهم السجين سجينًا بقوة، بسبب تعلّم ذلك الفكر في السجن اللغوي في لغة المستعمر. فجاءت بعض مفاهيمنا لتلقي الضوء على ذلك، ومن بينها "التخلف الآخر" الذي يعني عندنا عدم الاستعمال الكامل للغات الأم أو اللغات الوطنية في مجتمعاتها، بسبب استعمال لغات أجنبية بديلً منها. أما الفرنكوآراب الأنثوية، فتتمثل في رغبة النساء في المغرب العربي في استعمال اللغة الفرنسية أكثر من الرجال، بنبرة باريسية أيضًا. ويتمثل مفهوم الاستيطان اللغوي في أن الفرنسية لغة المستعمر بقيت في المجتمعات المغاربية بعد رحيل فرنسا، وذلك خاصة عبر احتضان نخب تلك المجتمعات لها. تلك هي فقط بعض من مفاهيمنا المستلة من التربة الاجتماعية للمجتمعات المغاربية. وهي مفاهيم لها علاقة متينة بتشكيل العقل السجين والتبعية الأكاديمية. ألم تثبت البحوث الحديثة العلاقة الوثيقة بين اللغة والفكر لدى البشر؟
ينتقد المؤلف صمتَ علم الاجتماع الغربي بخصوص أزمة المناخ العالميةالتي تؤثر سلبيًا في حياتنا الجماعية العالمية؛ كما تجلت معالم ذلك في عام 2022 في ارتفاع درجة الحرارة (الانحباس الحراري) عالميًا، وانتشار حرائق الغابات، والفياضات المدمرة، وتلوّث البيئة وهدمها على مستوى عالمي. فهذه الكوارث ذات علاقة بظاهرة التصنيع الواسعة، وبالحداثة والاستعمار الغربيين عالميا. وهي أزمة ذات أولوية كبرى في علم اجتماع الجنوب (ص. 134). ويعود هذا الإهمال في أزمة المناخ في علم الاجتماع الغربي إلى تبنّيه منظورًا ثنائيَّ الرؤية (البشر والطبيعة) نجده في الماركسية وغيرها من التيارات الفكرية؛ وهو موقف مخالف لرؤية شريعتي التي تنادي بمفهوم التوحيد الذي يؤكد حضور علاقة وجودية بين الإنسان والطبيعة. ويتساءل المؤلف في الخاتمة: هل حان وقتُ التخلص من قانون/ منظور علم الاجتماع الغربي؟ نجد الإجابة عن ذلك في مؤلفات عديدة حول ما يسمى النظرية الجنوبية. ويمثل كتاب سيد فريد العطاس وفينيتا سنها
المراجع
العربية
تونس: الأطلسية للنشر،.2002
الأجنبية
آخر الكتب التي تدعو بوضوح كبير إلى تجاوز قانون علم الاجتماع الغربي. فغاية المؤلف التي يدعو إليها تتمثل في أن هدف علم الاجتماع المتحرر/ التحرري (الساعي لنزع المعالم الفكرية الاستعمارية لعلم الاجتماع الغربي) هو إعادة بناء علم الاجتماع نفسه، وهو أمر ليس بالسهل. لكن يبقى أن تحرير علم الاجتماع السائد يجري من خلال النظر إلى أصوله الاستعمارية، من أجل فهمٍ أفضل لحضور مركزيته الغربية اليوم التي تدّعي القدرة على إنشاء نظريات اجتماعية عالمية/ كونية مبنية على تقييمات وتفسيرات محلية غربية ذات رؤية مزدوجة للعالم (الغرب وبقية العالم)، ولا تأخذ في الاعتبار وجهة النظر الجنوبية التي توسع مجال علم الاجتماع حتى يتجاوز الحدود الضيقة لعلم الاجتماع الحالي لبناء فكر مختلف يحتضن الحوار الأفقي بين التيارات السوسيولوجية المتعددة من الشمال والجنوب (ص. 162)
References
الذوادي، محمود. التخلف الآخر: عولمة أزمة الهويات الثقافية في الوطن العربي والعالم الثالث.