عن المثقف الإسلامي والأمراض العربية: تأملات في المحنة المعاصرة
On the Islamic Intellectual and Arab Maladies: Reflections on Contemporary Tribulations
الملخّص
عنوان الكتاب: عن المثقف الإسلامي والأمراض العربية: تأملات في المحنة المعاصرة. المؤلف: عبد الوهاب أحمد الأفندي. الناشر: الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية. سنة النشر: 2022. عدد الصفحات: 383 صفحة.
Abstract
Book title: On the Islamic Intellectual and Arab Maladies: Reflections on Contemporary Tribulations . Author: Abdelwahab El-Affendi. Publisher: Doha: The Forum for Arab and International Relations. Date of Publication: 2022. Pages: 383.
- الثقافة الإسلامية
- الثقافة العربية
- الربيع العربي
- الانتقال الديمقراطي
- السودان
- Islamic Culture
- Arab Cultural
- Arab Spring
- Democratic Transitions
- Sudan
عنوان الكتاب: المؤلف: عبد الوهاب أحمد الأفندي. الناشر: الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية. سنة النشر: عدد الصفحات:
عن المثقف الإسلامي والأمراض العربية: تأملات في المحنة المعاصرة.
مدخل
يُعتبر دور النخب الفكرية والثقافية في عملية صناعة النهضة والارتقاء بالأمم من أهم الأدوار والأركان الرئيسة التي تستحق دراسة أبعاد هذا التأثير ومقوماته من جانب، والتأكيد على هذا الدور والمسؤولية الملقاة على هذه الفئة من جانب آخر. ولا يعني البحث في دور النخب الثقافية والفكرية بالضرورة حصر صناعة النهضة في جهود هذه النخب، بل ينزع إلى تقييم الدور المحوري والوزن النسبي الحرج الذي تتمتع به هذه الفئة. في هذا السياق، يأتي كتاب عن المثقف الإسلامي والأمراض العربية: تأملات في المحنة المعاصرة، وفيه يسعى عبد الوهاب أحمد الأفندي لتشريح الأمراض التي تعانيها المجتمعات العربية والإسلامية من زوايا متعددة؛ عبر البحث في دور النخب الثقافية والفكرية والسياسية، والتركيز على الخلل في تركيبة الدول العربية، ودراسة طبيعة الأسس المكونة لهذه الدول، والعلاقات بين الجهات الفاعلة فيها. وإضافة إلى ذلك، يعيد المؤلف طرح بعض الأبعاد التاريخية المتعلقة بالديمقراطية، وأفق الانتقال الديمقراطي في العالم العربي، ومدى اتساق النظريات المفسرة لهذه الظاهرة مع السياق العربي. ويتكون الكتاب من 10 فصول، هي في أصلها مقالات علمية منشورة للمؤلف في فترات زمنية متفاوتة. ينطلق المؤلف من فرضية أساسية، تتمثل في كون المخططات الخارجية التي تستهدف العالم العربي – الإسلامي تجري مناقشتها في العلن، فهي ليست سرية مثلما يُروَّج من جهة، ومن الطبيعي جدًّا أن تكون هناك مخططات للدول الكبرى لاستمرار مصالحها في المنطقة وتحقيق أهدافها من جهة أخرى؛ ما يحتم ضرورة التعامل مع هذه المخططات على نحوٍ طبيعي، والحذر من تهويلها والمبالغة في استحضارها، وضرورة التركيز على الأدوار الداخلية، ومدى المساهمة التي يمكن أن تقدمها في سبيل تحقيق النهضة (ص. 15)–13
أولا: حول المثقف الإسلامي واقتصاديات الحرية
بدأ المؤلف في الفصل الأول (ص. 74)–41 بتناول الدور المفترض للمثقف عمومًا، والمثقف الإسلامي خاصة، في الوفاء بمتطلبات النهضة المعاصرة، وتأكيد الدور المزدوج الذي يجسده المثقف بصفته سلطة معرفية وسلطة أخلاقية، فضلً عن تأكيد أن الواقع يثبت انحسار دور المثقفين، وغيابهم عن المشهد، أو خيانتهم الفكرية والثقافية في بعض الأحيان (ص. 48)–47 يهدف المؤلف من هذا الفصل أساسًا إلى تأكيد وجود "مثقفين إسلاميين" على أرض الواقع. ويعترض على قولين: أحدهما يرى ضرورة أن يكون المثقف علمانيًا؛ ليؤكد استقلاله عن كل السلطات بما فيها السلطة الدينية. والآخر يرى في المثقف الإسلامي تغولً غير مقبول على مكانة عالم الدين. ويقدم المؤلف أمثلة حيّة ساهمت على نحوٍ أساسي وحيوي في تاريخ الأمة، وجمعت بين العلم والفكر، والانخراط في الحياة العامة؛ لدحض الفكرتين السابقتين (ص –56 58). يؤكد ذلك ضرورة كون أطروحات المثقف معبرة عن ذاته، ومبنية على أسس هويته وتجاربه العملية، بعيدًا عن تبني أطروحات لا ترتبط بهويته وتجربته، إلى جانب أهمية وعي المثقف بالسياق الجغرافي والتاريخي لمجتمعه، ووعيه بحدوده
الزمانية والمكانية، والحذر من اجتلاب الحلول الجاهزة المرتبطة بمجتمعات أخرى؛ في محاولة لتحليل مشكلات المجتمع. يستند المؤلف في تأكيده دور المثقف الإسلامي إلى تنامي الدور المنوط به مع تراجع دور المؤسسة الدينية التقليدية لنقص معرفتها بالحداثة ومتطلباتها (ص. 72). ويشدد على أن المرء لا يكون مفكرًا مثقفًا إلا إذا أصبح عالميَّ النظرة والجمهور، وأنه لا يكون إسلاميًا إلا إذا قام بالتعبير عن ذلك عبر رؤية متجذرة في إطار التراث الإسلامي، وامتلك القدرة على إشعاع "السلطة الروحية" من جهة، والسلطة الأخلاقية – الدينية من جهة أخرى (ص. 73)، علاوة على أن تحقيق المثقف لأي أثر حقيقي في مجتمعه يتصل بمدى قدرته على احتواء مختلف الأفراد في المجتمع، بعيدًا عن النخبوية، وعن أي أفكار إقصائية. يستخدم المؤلف بشأن المثقف مفهومين هما "مثقف" و"مفكر" ويعتمدهما بصفتهما مترادفين في ثنايا الفصل. وفي المقابل، هناك من يرى أنه توجد فوارق بين المفهومين، ويحصر استخدام الأخير في من ينتج إنتاجًا فكريًا كونيًا وأصيل. في الفصل الثاني من الكتاب (ص 110–75)، يناقش المؤلف مفهوم الحرية وعلاقتها بالممارسة السياسية، ويسعى لشرح هذا المفهوم، وتوضيح أبعاده. ويؤكد أن مفهوم الحرية والممارسات المتعلقة به لا يمكن فهمها من دون أخذ الإطار المستخدم في الاعتبار. يشير المؤلف إلى العلاقة الترابطية بين مفهومي العدل والحرية؛ ويشير إلى أن رفاعة الطهطاوي يعتبر من أوائل من تنبه لهذه العلاقة. ولشرح هذه الفكرة، يستحضر المؤلف الحرب الأهلية الأميركية في القرن التاسع عشر؛ نظرًا إلى كونها حرب دفاع عن حرية امتلاك الرقيق بالنسبة إلى أهل الجنوب، وحربًا لتحرير الرقيق بالنسبة إلى أهل الشمال (ص 81–80)، فالإجابة عن سؤال مدى عدالة استرقاق الناس يحدد أطر الحرية في هذه الحرب. يرى المؤلف أن الحرية هي "القدرة على فعل ما هو 79 حق" (ص)، ويربط مفهوم الحرية بالسلطة؛ فيؤكد أن مفهوم "صناعة الفرد الحر" الذي تتبناه النظم الليبرالية ليس في الأساس سوى خلق لفردٍ عاملٍ ومستهلك، ومتحررٍ كذلك من الارتباطات والولاءات؛ حتى يسهل صهره في بوتقة الاقتصاد الحديث، ولإخضاعه لسيطرة الدولة الحديثة (ص. 83) يؤكد في هذا السياق أن مفهوم الحرية لم يكن غائبًا عن المجتمعات العربية، قبل الإسلام أو بعده، ويناقش الأدبيات العربية والغربية التي ترى عكس ذلك. ويخلص من ذلك إلى أن مفهوم الحرية شبيه بالغريزة الفطرية لدى الإنسان؛ فهي مغروزة في ذاته وكيانه، وليست أمرًا واردًا عليه من الخارج (ص. 89)–84 ويطرح المؤلف في هذا الفصل مفهوم "اقتصاديات الحرية" الذي يقصد به التعامل مع الحرية على أنها عملية توازن بين خيارات مترابطة تعتمد على طبيعة المعادلة الحاكمة. وتعتمد الحرية أيضًا على قدر كبير من الضبط والانضباط معًا (ص. 109)–108
ثانيًا: المناعة المرتدة العربية وحزيران الأسود
في الفصل الثالث من الكتاب (ص 146–111) يطرح المؤلف تفسيرات لظاهرة تعدد الأنظمة الاستبدادية في المنطقة، ويطلق على هذه الظاهرة "المرض العربي". ويؤكد أن إشكالية هذا المرض لا تكمن فقط في التخلف السياسي والاقتصادي، ووجود الأنظمة الجائرة المتنكرة للقيم الأخلاقية، بل كذلك في وجود شرائح اجتماعية واسعة تدعم هذه الأنظمة (ص. 114)–112 يفند المؤلف في هذا الفصل المقولات الأكاديمية القائلة بتجذر الإشكاليات النفسية في المجتمعات العربية، ويؤكد استحالة كون منشأ هذه الإشكالية نفسيًا أو اجتماعيًا، بل كون منشأ هذه الإشكالية سياسيًا في المقام الأول (ص 115–112). ويطرح في إجابة عن الإشكالية السابقة فرضية ترى أن التركيبة السياسية للمجتمعات العربية – الإسلامية مصابة بمرض "المناعة المرتدة"؛ بحيث إنها أصبحت لا تميز بين الأجسام الضارة والنافعة، وأصبحت تهاجم الداخل والخارج (ص –125 128). ويميز هنا بين المناعة النسبية التي يفترض أن تتمتع بها الكيانات الاجتماعية والحية، والمناعة المرتدة التي تعتبر خللً في الكيان الذي توجد فيه، وذلك على عكس ما ذهب إليه جاك دريدا (ص 133–131). ويؤكد المؤلف أن الربيع العربي برهن على إمكانية الشفاء من هذا المرض، وذلك في حالة الاعتماد على الاستراتيجيات الصحيحة (ص. 144) وفي الفصل الرابع (ص 174–147 سعى)، المؤلف لدراسة أحد تجليات "المرض العربي" الذي تمثل في نكبة يونيو/ حزيران 1967، ويروم من هذا الطرح رد الاعتبار إلى المجتمعات التي اتُّهمت بأنها السبب وراء هذه الهزيمة، وكيلت لها العديد من الأوصاف السلبية. ويبين أنه لا معنى حقيقي لهذه التهم؛ لإغفالها الدور الأساسي الذي اضطلع به الجيش وقياداته والأنظمة العربية في هذه الهزيمة (ص. 157)–155 ويشير المؤلف إلى أن السبب وراء الصدمة الكبيرة التي سببتها النكبة يرجع إلى عدم توقع المجتمعات العربية هذه الهزيمة، نظرًا إلى الوضع التاريخي حينئذ؛ المتمثل في تراجع القوى الاستعمارية، واستقلال العديد من الدول العربية وغيرها من دول العالم أيضًا، إضافة إلى زخم الخطاب الناصري وقتها، وتعلق قلوب المجتمعات العربية به (ص 152–150). ويؤكد المؤلف أن أهم درس يمكن أن يستفاد من تلك الهزيمة هو أن الحروب لا تدار بالمدافع، وإنما بحسن الإدارة السياسية، والاقتصاد، والدبلوماسية، والثقافة، والفكر، والعلم. ويحتم ذلك على الدول العربية – الإسلامية ضرورة بناء المؤسسات وتعزيز فعاليتها، وتقوية الجبهة الداخلية وتوحيد الشعوب، وأن عدم تعلم هذه الدروس سينتج منه تكرر هذه الظاهرة بشكل أو بآخر (ص. 173)–171
ثالثًا: دولة الثقب الأسود، والدولة المتخندقة، وصناعة التقسيم الطائفي
يمكننا قراءة الفصول الثلاثة من الكتابباعتبارها فصولً مفاهيميّة يعيد بعضها إنتاج بعضها الآخر في
العالم العربي خاصة؛ فتحت عنوان: "في صعود دولة الثقب الأسود"، قدّم المؤلف الفصل الخامس (ص 208–175) الذي سعى فيه لاختبار فرضية "دولة الثقب الأسود" استنادًا إلى تجربة الربيع العربي، وذلك بعد استعراض الأدبيات المتعلقة بهذا السياق على نحوٍ مستفيض. يقصد المؤلف بدولة الثقب الأسود الدولَ التي تُحصر فيها السلطة في محيط يضيق باستمرار – بغض النظر عن منشأ هذه السلطة – والتي تجاهد لإبقاء السلطة في هذا المحيط الضيق باستخدام كل أدوات القمع المتاحة (ص. 180)–177 يرى المؤلف أن فرضية دولة الثقب الأسود ترى أنه لا مناص من تفجر الوضع بطريقة ما؛ نظرًا إلى انكماش الدولة في بؤرة صغيرة وبعدها عن المجتمع (194–193). تقوم هذه الدول في حالة تفجر الوضع باستخدام أدواتها الدفاعية للحيلولة دون حصول أي تغيير، وقد تجلى ذلك بصفة واضحة في الثورات العربية؛ فقد قامت الأنظمة في ذلك الوقت بتحريك أدوات نظامها الدفاعية: كالإعلام، والشرطة، والجيش، وأجهزة المخابرات، وغيرها من الأدوات (ص –195
ويؤكد المؤلف أن دولة الثقب الأسود هي دولة معادية للمؤسسية بكل أشكالها؛ نظرًا إلى كون المؤسسية تتطلب الكفاءة والمهنية؛ وهو ما لا يتسق مع منطق هذه الدولة (ص. 202). ويشير كذلك إلى أن دولة الثقب الأسود تكتنز في جوهرها تركيبة ذاتية التدمير، تعرقل مدى إمكانية استمرارها، وإلى أنها ظلت في حرب دائمة مع الدولة والشعب في آن واحد (ص. 207)–205 في الفصل السادس (ص 251–209 يسلط)، المؤلف الضوء على علاقة القوات المسلحة بالسلطة المدنية ويستعرض النظريات التي تحاول تفسير هذه العلاقة، ويطرح سؤ لً: كيف يمكن حماية الدولة من القطاع المخصص لحمايتها في الأصل؟ ثم إنه يؤكد ضرورة وجود ضمانات وآليات واضحة لإخضاع القوات المسلحة للسلطة المدنية؛ لضمان عدم ابتلاع الجيش للدولة. وتجدر الإشارة إلى أن المؤسسات العسكرية تعتبر مؤسسات غير سياسية وغير منتخبة، وهي تخضع رسميًا للسلطة التنفيذية المنتخبة. تعتبر الجيوش في العادة أولى ضحايا الانقلابات؛ نظرًا إلى تلاعب قائد الانقلاب بنظام الرتب، وتغلغل المحسوبية في النظام العام للجيش؛ حتى لا تتكرر عملية الانقلاب. يضاف إلى ذلك أن الحاكم الفعلي هو الذي يكون على رأس الجيش؛ فالجيش ليس جهة ديمقراطية تتشاور وتقرر كما يشير إلى ذلك المؤلف (ص. 243) ويؤدي تدخّل الجيش في السياسة إلى تقويض الشرعية التي يستند إليها في الأساس، إضافة إلى أن تدخّل الجيش في العملية السياسية مرهون بمستوى الأمننة (تحويل مسألة غير أمنية إلى مسألة أمنية من أجل السماح باستخدام تدابير استثنائية) في النظام السياسي؛ ما يستدعي ضرورة ضبط خطوط الأمننة في مستويات عقلانية (ص. 248)–246
يصل المؤلف في نهاية الفصل إلى استنتاج يتمثل في كون تدخل الجيوش في الشأن السياسي يرجع إلى عجز النخب السياسية عن التوافق، وعدم القدرة على استيعاب مختلف الأطراف، والفشل في إرساء أسس النظام السياسي الذي يضمن إبعاد العنف عن الساحة السياسية (ص. 251)–250 وفي الفصل السابع (ص 289–253)، ينتقل المؤلف إلى الحديث عن التخندق بين أفراد المجتمع، ويرى أنه قائم على أسس طائفية وعرقية ودينية وسياسية، ويشير إلى أن هذا التخندق يمثل إحدى العقبات الأساسية في وجه التوافق المطلوب لتأسيس الدولة في المنطقة العربية – الإسلامية، ويبحث في جذور نشأة الطائفية في المجتمعات العربية – الإسلامية، ويتساءل عن أسباب ظهور حركات طائفية شرسة في المنطقة تدعي الاستناد إلى الدين الإسلامي، في حين أن ذلك يتعارض مع جوهر الإسلام الذي يستنكر الطائفية ويعاديها (ص. 256) يميز المؤلف بين الطائفية القديمة والطائفية الحديثة، ويرى أن هذه الطائفية تتميز بإسقاطها محورية الدين والمذهب لمصلحة سردية تاريخية متعلقة بهوية متخيلة للجماعة. ثم يتطرق إلى الأثر الجسيم الذي سببته الحقبة الاستعمارية في المنطقة، وما خلفته من تركة تمثلت في كيانات سياسية جديدة قوضت جميع التوافقات السابقة على مسألة الهوية (ص. 260)–257 ويدرس المؤلف في هذا الفصل أيضًا تجليات مختلفة لأشكال متعددة من الاستقطاب "الطائفي" في الحالة السودانية. ويستعرض الحركات المختلفة التي مرت على تاريخ السودان الحديث، ويبرز تحولاتها إلى حركات طائفية تنافح عن أهدافها غير المتسقة مع الأساس الذي أنشئت من أجله في بادئ الأمر (ص 273–270). ويستعرض كذلك تطورات مشابهة في العراق ومصر. ويخلص من هذه المقارنات إلى أن ديناميات الاستقطاب الطائفي متشابهة إلى حد بعيد، وتستند في أساسها إلى اصطناع الطائفة وتوحيدها حول روايات التخويف من الآخر، واسترجاع أساطير تاريخية تشحذ الطائفة بروح جماعية. ويؤكد أن الفكر الطائفي يكتنز في داخله ضرورة وجودية تدفعه إلى الإيمان بثنائية "إما نحن وإما هم". لقد ساهم الوضع الحالي للدولة الحديثة في خلق إطار مؤسسي للطائفية؛ لكونها أساس الصراع، والمكسب الذي يسعى له الجميع، فهو قد أتاح احتكار مشروعية القهر والتصرف، وغيرها من الامتيازات (ص. 288)–284
رابعًا: السودان: تجربة الإسلاميين في الحكم
يهدف المؤلف، في الفصل الثامن من الكتاب ص (325–291)، إلى دراسة تجربة الحركة الإسلامية في حكم السودان، ويقدّم هذه التجربة نموذجًا يحاول من خلاله التأمل في أزمة الدولة وأسبابها وتجلياتها المختلفة في المنطقة، وتشخيص المرض العربي – الإسلامي، إلى جانب دراسة مآلات الظاهرة الإسلامية الحديثة، وأثر الهوية الوطنية في التوجهات السياسية. ويبين أن الحركة الإسلامية في السودان تخففت من إسلاميتها في طريقها إلى السلطة، وتماهت مع الهوية العربية الشمالية في السودان، فنتج من ذلك صدام مع هويات سودانية أخرى ذات توجه إسلامي، وتقارب في الوقت نفسه، مع أنظمة علمانية في المنطقة، ومع الحركات الراديكالية العربية في وقت لاحق (ص 302–297). ويؤكد أن تبني أجندة وطنية على حساب الأجندة
الإسلامية لم يكن مقتصرًا على الحركة الإسلامية في السودان، بل له شواهد أخرى في المنطقة؛ خاصة في ظل ثورات الربيع العربي (ص. 324) يطرح المؤلف بعد هذا العرض تساؤلً مفاده إنْ كان ما يحدث من فشل لبعض الحركات الإسلامية في علاقتها بالحكم فشلً لحركات وتجارب إسلامية أو فشلً لتجارب وطنية. وفي مقابل هذا التساؤل، يمكننا أن نجادل بأن هذا التساؤل يستلزم افتراض وجود تعارض بين كون جماعة ما إسلامية، وكونها وطنية في الوقت نفسه، بمعنى آخر، هل أنّ إبراز هذه الثنائية بهذه الصيغة المتضادة يمكن أن يُنطلق منه لبناء افتراضات أخرى؟ ونجد في هذا الصدد من يؤكد أن إشكالية سعي الحركات الإسلامية لتكوين دولة إسلامية راجعة إلى الأفكار المرتبطة بمفهوم الدولة في عالمنا العربي – الإسلامي، وليس إلى الأفكار المرتبطة بمدى إسلامية هذه الدولة؛ ما يعني عدم اتساق مفهوم الدولة الوطنية بمحدداتها الوستفالية مع واقع الدول العربية – الإسلامية. وفي السياق نفسه، يذكر المؤلف أن الثغرة الأساسية في فشل العديد من الحركات الإسلامية يرجع إلى تقديمها التنازلات الخاطئة في المكان والزمان الخاطئين وللأطراف الخاطئة كذلك. وفي مقابل ذلك، تتشدد هذه الحركات في مواضع كان يمكن فيها ممارسة نوع من المرونة لا يؤدي إلى نتائج كارثية كما نتج من التنازلات التي قدمتها في كثير من الأحيان. السؤال الذي يُطرح في ظل هذا الافتراض – والذي لم يجب عنه المؤلف – ويمكننا أن نعتبره جوهر النقاش في مثل هذه السياقات – هو: ما الأساس والمحك الذي يتحدد من خلاله كون سياسة ما مرنة تستحق الإشادة، أو تنازلً يتسبب في نتائج كارثية؟ بتعبير أكثر وضوحًا، من الطبيعي جدًّا أن كل من ينتهج سياسة ما لتحقيق أهداف معينة يرى فيها نوعًا من التكتيك الاستراتيجي الذي قد يحقق أهدافًا مرحلية معيّنة؛ ما يُعقد إمكانية الحكم على ما اتُخذ قبل ظهور مخرجاته ونتائجه. أما في الفصل التاسع (ص 355–327)، فيستعرض المؤلف تحولات العلاقات السودانية – الأميركية خلال حكم نظام الإنقاذ. ويؤكد أن الحالة السودانية تمثل استثناءً في نسق العلاقات العربية الأميركية نتج منه إدراج السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفرض عقوبات عليه، إلى جانب دعم الحركات المسلحة ضد النظام، ودفع الدول المجاورة إلى إسقاط النظام السوداني. يخلص المؤلف في نهاية الفصل بعد مناقشة البيانات المتوافرة إلى أن آليات صنع القرار تجاه السودان في الإدارة الأميركية شهدت ممارسة نفوذ مكثف لجماعات الضغط غير الحكومية (ص 333–331)، وأن سياسات السودان الداخلية استعْدت على نحوٍ مباشر جماعات الضغط الكنسية والحقوقية. وتوصل المؤلف إلى أن سياسات السودان استعْدت كذلك حلفاء الولايات المتحدة الأميركية في الجوار العربي والأفريقي (ص 339–336). بعد ذلك، يسوق المؤلف شواهد تظهر تغيرًا في طبيعة هذه العلاقة، في وقت لاحق، كادت تسفر عن تقارب شديد بين البلدين لولا كارثة دارفور.
خامسًا: مآلات الثورات العربية وواقع نظريات الانتقال الديمقراطي
يعود المؤلف في الفصل الأخير من الكتاب (383–357 ص) إلى الجانب التنظيري، ويقوم بتتبع مفهوم الديمقراطية، ونظريات الانتقال الديمقراطي في الأدبيات، ومن ثَم يطرح مدى قابليتها للتطبيق في الحالة العربية – الإسلامية. ويخلص من ذلك إلى أن عملية الانتقال الديمقراطي تفترض درجة من اللايقين؛ لكونها تمثل فترات بدأ فيها النظام القديم في التداعي، وفي الوقت نفسه لم تظهر ملامح النظام الجديد (ص 364–363). ويؤكد أن ما يزيد الوضع في العالم العربي لبسًا وغموضًا، إضافة إلى حالة التعقيد بسبب درجة اللايقين الناتجة من الانتقال الديمقراطي، هو التباين المتنامي بين القوى السياسية، وحدّة نقاط الخلاف بينها وعدم القدرة على التوافق على حد أدنى من الضمانات لمصالح الجهات المختلفة وقيمها (ص –367 368)، إضافة إلى حالة عدم الشعور بالأمان السائدة؛ بسبب الاستقطاب على أسس الهويات الدينية والعرقية والطائفية والسياسية (ص. 382) يشير المؤلف كذلك إلى دور الفاعل الخارجي في الانتقال الديمقراطي، وحقيقة استحالة تحقيق انتقال ديمقراطي يوصل إلى الحكم قوى معادية للرأسمالية أو للمصالح الغربية المهيمنة. ويستدل بتجربة دول أميركا اللاتينية، التي لم يتحقق فيها الانتقال الديمقراطي إلا بعد تحوّل التيارات اليسارية الراديكالية المناهضة للرأسمالية إلى الاعتدال. عربيًّا، يؤكد عزمي بشارة أن تدخل العامل الخارجي على نحوٍ سلبي في عملية الانتقال الديمقراطي يرتبط بعلاقة طردية مع كون البلد ذا موارد نفطية، إضافة إلى بعده عن جبهات الصراع مع إسرائيل. يختم المؤلف الفصل والكتاب بتأكيد عدم ملاءمة نظريات الانتقال الديمقراطي "الأورو–مركزية" للحالة العربية؛ فهي لا تراعي خصوصية المنطقة وسياقاتها المختلفة. ثم إن هذه النظريات، في أكثر أحوالها، تتعامل مع النتائج على أنها شروط، وتستصحب مسلمات غير مثبتة ومدروسة. ويرى أن أساس الانتقال الديمقراطي في المنطقة يبدأ من السعي لبناء تحالفات واسعة يجب أن تشمل القوى الفاعلة في المجتمع، بما في ذلك القوى المهيمنة، على أساس الاعتدال في المطالب، وعدم استعداء أصحاب المصالح من القوى المهيمنة.
خاتمة
حرص المؤلف في هذا الكتاب على مناقشة العديد من المواضيع المتداخلة والمتشابكة التي يصعب في بعض الأحيان فهم النسق العلمي وراء جمعها في كتاب واحد. إلا أنه يمكن إيجاد الخيط الناظم لهذه المواضيع، بقدر من التبصر، ذلك أنّ فلكها يدور جميعًا في محاولة الإجابة عن سؤال النهضة الذي أرّق النخب الثقافية والفكرية في مختلف الحقب الزمنية، إلى جانب التركيز على مسؤولية الأمة ودور قياداتها الفكرية والسياسية في تحقيق هذه النهضة، ودورهم الأساسي في تعميق المعرفة بجوانب القصور وأوجهه التي تعانيها المجتمعات، ومن ثَم السعي لمعالجتها.
ختامًا، لا تقاس قيمة أي عمل بحثي أكاديمي بعدد الأسئلة التي أجاب عنها فقط، بل بعدد التساؤلات والإشكالات التي أثارها في ذهن القارئ أيضًا، وهو ما يُلمس عند قراءة الكتاب؛ بسبب النقاشات المستفيضة الواردة في ثناياه. في إمكاننا أن نعتبر
المراجع
العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 _______. "عن المثقف والثورة". تبين. مج 2، العدد 4.)2013(الحضاري. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2013 للأبحاث ودراسة السياسات،.2016
للأبحاث والنشر،.2015
المسلحة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 الكتاب مهمًّا لكل المهتمين بالعلوم السياسية، وعلم الاجتماع، ومختلف الحقول العلمية الناتجة من تقاطع الحقلين السابقين، ويمكن اعتبار الكتاب في جوهره محاولة للتجسير بين هذين الحقلين الأكاديميين، وربطهما كذلك بسياقهما العربي.
References
الأفندي، عبد الوهاب. الثورة والإصلاح السياسي في السودان. لندن: منتدى ابن رشد، 1995
بشارة، عزمي. الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز صافي، لؤي. الحرية والمواطنة والإسلام السياسي: التحولات السياسية الكبرى وقضايا النهوض عثمان، عمرو ومروة فكري. المثقف العربي ومتلازمة ميدان تيانانمن. الدوحة/ بيروت: المركز العربي عزت، هبة رءوف. الخيال السياسي لإسلاميين: ما قبل الدولة وما بعدها. بيروت: الشبكة العربية ماضي، عبد الفتاح. الديمقراطية والبندقية: العلاقات المدنية – العسكرية وسياسات تحديث القوات