Return to Article Details Typology of Digital Religious Identity: A Sociological Study of Youth's Religious Expressions on Facebook

تيبولوجيا الهوية الدينية الرقمية: دراسة سوسيولوجية لتعبيرات الشباب الدينية عبر فيسبوك

Typology of Digital Religious Identity: A Sociological Study of Youth’s Religious Expressions on Facebook

نادية العالية| Nadia Elalia *

الملخّص

يهدف هذا البحث إلى دراسة الحسابات الشخصية لمتديّنين على موقع فيسبوك، باعتبارها تجسيدًا للهوية الدينية في بُعدها الرقمي، وذلك من أجل الوصول إلى وضع تيبولوجيا لهذه الهوية. ويتمحور السؤال المركزي حول الكيفية التي تُبنى بها الهوية من خلال هذه الحسابات. وللإجابة عن هذه الإشكالية، اعتمدنا الملاحظة النتنوغرافية لأربعين حسابًا. وبناء عليه قمنا بنمذجة للهوية الدينية الرقمية، تقوم على أشكال متعددة من الحسابات، تختلف من حيث درجة الخصوصية والعمومية، وكذا مستوى حضور المظاهر الدينية. واستنتجنا أن بناء الهوية الدينية من خلال الحساب الشخصي لا يخضع لمحددات النسق وحده، بل يتحدّد باختيارات صاحب الحساب باعتباره فاعلًا.

Abstract

Abstract: This study analyses the religious profile of Facebook users as an expression of digital religious identity. The principal research question is: How do Facebook users construct their digital religious identity through their personal profiles? To answer this question, the paper utilizes a netnographic approach by observing and analysing 40 Facebook accounts of Moroccan young people. The conclusion of the study defines a typology of digital religious identity based on these profiles, which differ in terms of privacy/publicity and the presence of religious indicators. The study concludes that the construction of religious profiles is not determined only by system settings, but also by choices of the users, as active agents navigating technology.

الكلمات المفتاحية:
  • الشبكات الاجتماعية
  • الهوية الدينية الرقمية
  • الحساب الشخصي للمتدين
  • الخصوصية
  • العمومية
Keywords:
  • Social Networks
  • Digital Religious Identity
  • Religious Profile
  • Privacy
  • Publicity

Typology of Digital Religious Identity:

A Sociological Study of Youth’s Religious

Expressions on Facebook

ملخص: يهدف هذا البحث إلى دراسة الحسابات الشخصية لمتديّنين على موقع فيسبوك،

باعتبارها تجسيدًا للهوية الدينية في بُعدها الرقمي، وذلك من أجل الوصول إلى وضع

تيبولوجيا لهذه الهوية. ويتمحور السؤال المركزي حول الكيفية التي تُبنى بها الهوية من

خلال هذه الحسابات. وللإجابة عن هذه الإشكالية، اعتمدنا الملاحظة النتنوغرافية لأربعين

حسابًا. وبناء عليه قمنا بنمذجة للهوية الدينية الرقمية، تقوم على أشكال متعددة من

الحسابات، تختلف من حيث درجة الخصوصية والعمومية، وكذا مستوى حضور المظاهر

الدينية. واستنتجنا أن بناء الهوية الدينية من خلال الحساب الشخصي لا يخضع لمحددات

النسق وحده، بل يتحدّد باختيارات صاحب الحساب باعتباره فاعلً.

الخصوصية، العمومية.

Abstract: This study analyses the religious profile of Facebook users as an expression of digital religious identity. The principal research question is: How do Facebook users construct their digital religious identity through their personal profiles? To answer this question, the paper utilizes a netnographic approach by observing and analysing 40 Facebook accounts of Moroccan young people. The conclusion of the study defines a typology of digital religious identity based on these profiles, which differ in terms of privacy/publicity and the presence of religious indicators. The study concludes that the construction of religious profiles is not determined only by system settings, but also by choices of the users, as active agents navigating technology.

PhD Researcher in the Society, Territory, Environment and Practices laboratory, Faculty of Arts and Humanities, Meknes, Morocco. Email: elalianadia@gmail.com

مقدمة

عرفت المجتمعات مع ظهور الإنترنت، أو ما أطلق عليه كلاوس شواب Schweb Martin Klaus اسم الثورة الرابعة "التي أحدثت تغيرًا جذريًا في علاقة الإنسان

بالمعلومة، التواصل والمعرفة"، تحولّت عميقة، مسّت مختلف مجالات الحياة. وقد امتد هذا

التأثير ليشمل ما هو اقتصادي واجتماعي وفكري وأخلاقي وديني وثقافي. وعلى المستوى الديني، بدأ الباحثون في العلوم الاجتماعية في الحديث عن "التدين الرقمي" أو "الشبكي"، وهو مفهوم يرجع الفضل في بلورته إلى هايدي كامبل من خلال دراستها "العلاقة بين التديّن عبر الإنترنت وخارجه في المجتمع الشبكي". وقد أوصلنا هذا التحوّل الديني نحو الويب إلى درجة "أن أي مؤسسة أو تنظيم

ديني تنقص صدقيته وهويته إذا لم يكن حاضرًا في الإنترنت". وتجسّد هذا المعطى جليًا في كم

المعلومات التي تُنشر وتُتَداول حول الدين في مواقع شبكات التواصل الاجتماعي، والارتفاع المطّرد لعدد الصفحات والمواقع الدينية. وقد شهد المجتمع المغربي، شأنه شأن بقية المجتمعات، مجموعة من التحولّات على المستوى

الرقمي، حيث ارتفعت نسبة مستخدمي الإنترنت ارتفاعًا ملحوظًا في السنوات الماضية، خصوصًا مع جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–)؛ فقد بلغ عدد مستخدميه 31.59 مليونًا في عام 2022، وفي العام نفسه ارتفع عدد مستخدمي الشبكات الاجتماعية إلى 23.80 مليونًا؛ أي بزيادة تقدّر ب 6.8 ملايين، مقارنة بعام 2019، فظهرت استعمالات دينية جديدة لهذا الفضاء الذي أصبح يحتضن النقاش العمومي حول التدين، ويؤشر هذا كله إلى حجم التحوّل الذي عرفه المشهد الديني في المجتمع

المغربي. وقد دفعنا ذلك إلى التفكير في دراسة الطريقة التي يُعبّر بها الشباب عن هويتهم من خلال

حساباتهم الشخصية على المنصة الأكثر شعبية عالميًا "فيسبوك". يتمثل الهدف الأساسي لهذه الدراسة، إذًا، في وضع تيبولوجيا للهوية الدينية الرقمية من خلال الوقوف على نماذج من حسابات شخصية لمتديّنين على فيسبوك والخصائص التي تتميز بها. وتدور حول سؤال مركزي يستهدف الوقوف على كيفية بناء الحساب الشخصي على فيسبوك للتعبير عن الهوية الدينية، وذلك من خلال الإجابة عن السؤال التالي: كيف تُبنى الهوية الدينية

(1) Francis Justand & Carine Dartiguepeyrou, La métamorphose numérique vers une société de la connaissance et de la coopération (Paris: Alternatives, 2013), p. 23.

(((يراجع:

Heidi Campbell, "Les relation entre religion en ligne et hors ligne dans une société en réseaux," in: Fabianne Duteil– Ogata et al. (dir.), Le religieux sur internet (Paris: L’Harmattan, 2015). (3) Isabelle Jonveaux, Dieu en ligne: Expériences et pratiques religieuses sur Internet (France: Bayard, 2013), p. 48. (4) Digital 2019, 2020, 2021, 2022 Morocco Slides we are Social and Hootsuite.

(((احتُفظ بالمفهوم من دون ترجمته بالصنافة أو التصنيف، لأنه يبدو في نظرنا أكثر دقة من المفاهيم السابقة، ونقصد بالتيبولوجيا

عمومًا محاولة نمذجة حسابات شخصية لمتدينين على فيسبوك باعتبارها تجسيدًا للهوية الدينية الرقمية من أجل اعتمادها في

شبكات الملاحظة الخاصة بهذه الحسابات.

الرقمية من خلال الحسابات الشخصية لمستخدمي فيسبوك؟ وما الاعتبارات التي تتحكم في هذا البناء؟ وفي سبيل ذلك، انطلقنا من فرضية مفادها أن الهوية الدينية الرقمية يُعبَّر عنها من خلال حسابات

شخصية متعددة، تتحدّد، من جهة، بالاختيارات التي تُتيحها مواقع التواصل الاجتماعي؛ ومن جهة أخرى، باختيارات المستخدم ذاته. وما دام الأمر يتعلق بفيسبوك بوصفه فضاءً رقميًا، فقد اخترنا اعتماد

تقنية الملاحظة النتنوغرافية وتحليل المضمون من أجل الإجابة عن الإشكالية. وقبل إجراء الملاحظة، عرّفنا أولًالمفاهيم المركزية للدراسة، وعلى رأسها مفهوم الشبكة الاجتماعية الرقمية، وما يرتبط به من

مفاهيم أخرى، مثل مفهوم الحساب الشخصي للمتديّن، والخصوصية، والعمومية، إضافة إلى مفهوم الهوية الدينية الرقمية. جرت ملاحظة عيّنة الحسابات على فيسبوك واختيارها قصديًا اعتمادًا على شبكة ملاحظة بُنيت تدريجيًا

مع تطور فكرة البحث، وقد توسلنا في جمع المعطيات الرقمية بتقنية "تصوير الشاشة" Screenshot. ولتخزينها على الحاسوب، أوجدنا ملفًا خاصًا بكل مستخدم من أجل تسهيل عملية التحليل. وسنعود لاحقًا إلى الحديث بالتفصيل عن خطة البحث ونتائجه في محلّ ذلك.

أولا: مدخل نظري: في اتجاه بناء مفاهيم الدراسة

قبل الحديث عن التقنية المعتمدة في هذه الدراسة والعيّنة التي اشتغلنا عليها، نقوم أولً في هذا المدخل

بتأطير الدراسة نظريًا من خلال الوقوف على المفاهيم المركزية فيها؛ "لأننا نشتغل بوساطة المفاهيم، وليس لدينا إمكانية اختيار الاشتغال من دونها، فلا وجود لعلم من دون مفاهيم، كما أكد هربرت بلومر Blumer Herbert في نقده النزعة الإجرائية". تمثّل المفاهيم بهذا المعنى العمود الفقري لأيّ دراسة علمية، خصوصًا في العلوم الإنسانية والاجتماعية. غير أن تحديد المفاهيم لا يتم كما يُعتقَد بتقديم تعريف نظري لها، وذلك عن طريق تتبّع الجدل الذي خلّفه المفهوم بين الباحثين، بل يجب ربط هذه

المفاهيم بالنظريات التي أنتجت في كنفها، وبالوقائع الميدانية. وهذا ماُ يُحتّم علينا الانتقال بالمفهوم من المستوى النظري المجرد، إلى مستوى إجرائي ملموس يمكّن من إخضاعه للفحص، ومن الحصول على مظاهر تساهم في بناء موضوع الدراسة.

1. شبكات التواصل الاجتماعي

لا يمكن فصل المفهوم عن تاريخه، أو عن المعنى الذي اتّخذه في البداية؛ "فقد ظهر مفهوم الشبكة الاجتماعية Social Network أول مرة في دراسة للأنثروبولوجي البريطاني جون أ. بارنز John A. Barnes

(6) Howard S. Becker, Les ficelles du métier comment conduire sa recherche en sciences sociales , préface à l’éditon française de Howard S. Becker & Heneri Peretz, Jacques Mailhos (trad.), revisée par Heneri Peretz (Paris: la Découverte, 2002), p. 180.

في عام 1954، بعنوان "العلاقات الإنسانية"، حيث حلّل فيه "العلاقات التي تربط بين أفراد جزيرة صغيرة في النرويج". يُحيل مفهوم الشبكة في هذا السياق إلى مجموع العلاقات بين الأفراد، أو بين مجموعات

اجتماعية، وهي علاقات مباشرة تتجسّد في شبكات تقليدية تجد تمظهراتها في الروابط والعلاقات

التفاعلية بين أفراد المجتمع، حيث يمكن أن يكون أساس هذه العلاقات: القرابة أو الصداقة أو العمل أو غيرها من الروابط الاجتماعية. وهذا هو المعنى الذي يُستشفّ من تعريف بيير ميركلي للشبكة باعتبارها

"تشير إلى مجموع العلاقات غير الرسمية بين أفراد متساوين، معارف، أصدقاء، جيران أو آباء". حصر التعريف السابق معنى الشبكة في مفهوم العلاقات والروابط، وهذا ما انتقده سيغفريد نادل Nadel Siegfried الذي اعتبر أن مفهوم الشبكة لا يُختزل في الروابط والعلاقات بين الأفراد فحسب،

فمفهوم العلاقة في نظره كافٍ للإشارة إلى هذا المعنى، من دون الحاجة إلى الرجوع إلى مفهوم الشبكة. ويؤكد نادل وجود ارتباط بين العلاقات، حيث إن ما يحدث ضمن سلسلة منها يؤثّر في الأخرى. وهذا ما  جعل مانويل كاستلز يُعرّف الشبكة باعتبارها "مجموعة من العقد المتداخلة في ما  بينها، حيث

تتغير أهمية الدور الذي تقوم به هذه العقد داخل كل شبكة، ويتحدّث بعض المنظرين عن 'مراكز' من أجل تحديد الأكثر أهمية بينها". يشدّد التعريف على الترابط والتداخل بين العقد، حيث تربط بينها علاقات تفاعلية لا تتخذ فيها هذه العقد المكانة والأهمية نفسيهما؛ فقيمة العقدة "لا تعود إلى مميزاتها الخاصة، بل إلى قدرتها على مساعدة الشبكة في تحقيق أهدافها، هذه الأخيرة مرسومة بوساطة القيم والاهتمامات المبرمجة في الشبكة". ويجب ألا نفهم مما سبق أن الشبكة هي العقد، بل هي "كيان"، بدليل أن الشبكة تقوم بحذف بعض العقد التي لم تعد ضرورية في تحقيق أهدافها، أو بتعبير آخر ليست فاعلة، وإضافة أخرى جديدة. يتبيّن من

خلال ما سبق أن العقد مجرد عناصر في الشبكة يمكن الاستغناء عنها وتعويضها بأخرى. نخلص، إذًا، أن مفهوم الشبكة الاجتماعية لم يعد يُحيل إلى تلك العلاقات التقليدية المحدودة زمانيًا

ومكانيًا، بل اتّسع ليشمل علاقات اجتماعية افتراضية تتجاوز حدود الزمان والمكان، ومن أمثلة هذه

الشبكات الرقمية: فيسبوك وتويتر وإنستغرام ويوتيوب وغيرها. لتدقيق تعريف المفهوم، يمكن القول إن الشبكة الاجتماعية "تُحيل إلى مجموع العلاقات التي تربط مجموعة من الفاعلين عبر منصّات الإنترنت التي تعتبر دعامات تكنولوجية للتنمية وللتواصل

(7) Pierre Mercklé, La sociologie des réseaux sociaux (Paris: La Découverte et Syros, 2004), p. 3. (8) Ibid., p. 12. (9) Ibid. (10) Ibid., p. 8. (11) Manuel Castells, Communication et pouvoir , Margaret Rigaud–Drayton (trad.), préface d’Alain Touraine (Paris: La maison de science de l’homme, 2013), p. 49. (12) Ibid., p. 50. (13) Ibid.

الاجتماعي". ترتبط الشبكة بهذا المعنى بالإنترنت، فهي موقع إلكتروني يفترض اتصال المستخدم بشبكة الإنترنت التي تُمكّنه من تشكيل هوية رقمية خاصة به، ومن ربط علاقات مختلفة شخصية أو عاطفية أو مهنية. وهذا هو المعنى الإجرائي الذي يتّخذه مفهوم الشبكة الاجتماعية في دراستنا؛ إذ نقصد تحديدًا فيسبوك بوصفه موقعًا إلكترونيًا لشبكة اجتماعية تتيح لمستخدميها ربط علاقات صداقة

وتشارك محتويات رقمية مختلفة والتفاعل مع ما يُنشر.

2. في حد الهوية الدينية الرقمية

ارتبطت الرقمنة بتطور التكنولوجيات الحديثة في الاتصال، وقد شملت مختلف مناحي الحياة، فغيّرت

جذريًا علاقتنا بذواتنا وبالمعرفة والعالم؛ ف "الرقمي يُعيد تحديد المعارف ويُغيّر أشكال ولوج المعلومة،

والتصورات التقليدية للمعرفة. ويُعيد تشكيل هويتنا الشخصية بوساطة الأشكال الجديدة للحضور وللمرئية Visibilité ". تساهم الرقمنة بهذا المعنى في إعادة رسم ملامح هويتنا جذريًا؛ فقبل الثورة الرابعة كنّا نتحدث عن أشكال من الهوية تتمثل في الهوية المدنية "التي يتم تأطيرها وتحديدها من طرف الدولة، وعن الهوية الاجتماعية التي تتحدد بموقع كل فرد بالنظر إلى الآخرين، وتوضح ما هو مشترك بينه وبين مجموعة الانتماء، والهوية الثقافية التي تؤسس على اللغة والمعتقدات والأخلاق والعادات". أما  اليوم، فأضحينا نتحدث عن هوية رقمية إلى جانب هوية الشخص الواقعية، "وهي ظاهرة اجتماعية ظهرت مع الاتصال الرقمي والأشكال الأولى للملف الشخصي لمستخدمي الإنترنت على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث يجري جمع المعلومات التي تُحدّد هوية المستخدمين وتُعرّفهم: اللقب، الاسم

الأول، الجنس، مراكز الاهتمام والأنشطة والمزاج وغيرها... إلخ". تتحدد الهوية الرقمية بهذا المعنى، "بوصفها سيرورة لا حالة، وعملً لا معطى"، يتميز بالثبات والاستقرار، بل يخضع للتحول والتغير باستمرار. ف "الهوية من منظور توركل Turkle Sherry متعددة وقابلة للاصطناع والمراجعة مرارًا وتكرارًا، لأنها تُبنى على الإنترنت، كما تُبنى قواعد التفاعل الاجتماعي ولا تُتلقى، فاستخدام شبكة الإنترنت يعني أن نبتدع ذواتنا على نحو متواصل".

(14) Lucile Merra, "Pour une sociologie des médias sociaux: Internet et la révolution médiatique: Nouveaux médias et interaction," Thèse de doctorat de sociologie, Sciences humaines et sociales, Dirigée par Brigitta Orfali, 15/11/2013, accessed on 25/7/2023, at: https://bit.ly/3DqreZM (15) Rémy Rieffel, Révolution numérique, révolution culturelle? (Paris: Gallimard, 2014), p. 31. (16) Maude Bonenfant et al., L’identité et multiplicité en ligne (Québec: Presse de l’université de Québec, 2015), p. 15. (17) Imad Saleh et al., Les frontières numériques (Paris: l’Harmattan, 2014), p. 34. (18) Dominique Cardon, "Le design de la visibilité: Un essai de cartographie du web 2.0," Réseaux , vol. 152, no. 6 (2008), p. 100.

(1((دارن بارني، المجتمع الشبكي، ترجمة أنور جمعاوي، مراجعة ثائر ديب (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.188

تعتبر الهوية الرقمية، على غرار الهوية الشخصية الواقعية، مصدر وحدة الفرد واختلافه أيضًا، ف "هي التي تعطي للمستخدم فرادته وتجعله متميزًا من باقي الأفراد، وتتكوّن من معطيات رسمية (شهادات، ومعلومات شخصية) وغير رسمية (تعليقات، وإعجاب، وصور... إلخ)، فترسم بذلك الهوية أو الشيفرة الوراثية DNA الرقمية للفرد. إلى جانب المعلومات التي يقدّمها المستخدم، والتي تحدد الحساب الخاص به، مثل الاسم الذي يختاره لنفسه ومعلوماته الشخصية وصوره... إلخ، نجد ما تحتفظ به هذه التطبيقات الرقمية من آثار وفقًا لقوانين استعمالها التي يكون المستخدم مُجبرًا على الموافقة عليها من أجل الاستفادة من

خدماتها. تحدّثنا في السابق عن الهوية الرقمية عمومًا، لكن ما يهمّنا في هذه الدراسة هو نوع مخصوص من الهوية الرقمية، هو الهوية الرقمية الدينية. وفي هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى ندرة الكتابات التي تناولت المفهوم بهذه الصيغة التركيبية، خصوصًا في العالم العربي، فغالبًا ما يجري التركيز

في مختلف الأدبيات على مفهوم الهوية عمومًا، أو على الهوية الرقمية. أما مفهوم الهوية الدينية الرقمية، فبقي في منأى عن التعريف حتى من لدن المهتمين بالتديّن الرقمي، مثل هايدي كامبل وميا

لوفهيم Lövheim Mia.

يتطلّب منا تحديد المفهوم، إذًا، مجهودًا إضافيًا يتمثل في محاولة بناء تعريف له، استنادًا إلى ما كُتب

حول موضوع الهوية عمومًا، وإلى ما نقصده بالهوية الدينية الرقمية في سياق دراستنا. إن عملية بناء المفهوم عملية مركبة، تستوجب الخضوع لمجموعة من القواعد، وتستحضر ثلاثة أبعاد أساسية من منظور هيرفيه دوميز، يتعلق البعد الأول بالتسمية، والثاني بالفهم، والثالث بالامتداد. يتحقق البعد الأول الخاص بالتسمية بمجموعة من الإجراءات، حيث يمكن أن نأخذ اسمًا من اللغة المتداولة ونحوّله إلى مفهوم، أو إنتاج لفظ جديد من خلال الرجوع إلى جذوره اللاتينية، أو الإغريقية،

مثل مفهوم الأنيميا الذي أبدعه إميل دوركهايم في كتابه الانتحار، بالرجوع إلى اللغة الإغريقية، أو بالجمع والتركيب بين لفظين. إذا كانت الهوية الرقمية تشير إلى الحساب الذي يُنشئه الفرد على شبكة الإنترنت، والذي يشمل معلوماته الشخصية، وصوره، وأنشطته وممارساته على هذه الشبكة، فإن إضافة لفظ أو وصف الديني إلى الهوية الرقمية يُحيل إلى نوع خاص من الهوية، أو إلى بعد خاص من أبعادها، وهو البعد الديني. ومن ثم، فإن بناء المفهوم قيد التعريف يؤسس من خلال البعد الأول؛ أي التسمية بالتركيب بين ثلاثة مفاهيم هي: الهوية والديني والرقمي.

(20)  Myriam Quéméner, Cybersociété entre risque et espoire (Paris: l’Harmattan, 2013), p. 37. (21) Hervé Dumez, "Qu’est–ce qu’un concept," Le Libellio d’AEGIS , vol. 7, no. 1 (2011), p. 68.

يفترض البعد الثاني في بناء المفاهيم، بحسب دوميز، تعريف المفهوم، وهو ما يُطلق عليه الفهم. وفي

هذا الإطار يمكن تعريف الهوية الدينية الرقمية باعتبارها التمثلات والمواقف والأنشطة والممارسات كلها التي يُعبّر بوساطتها الفرد عن انتمائه الديني رقميًا؛ أي على شبكة الإنترنت وبوساطتها. فهي تمثّل

الطريقة التي يتصور ويتمثل بها ذاته بوصفه متدينًا داخل الفضاء الرقمي، والتي تتخذ أشك لً وصورًا

متعددة. أما البعد الثالث، فيطلق عليه دوميز الامتداد، ويتعلق بالحالات الإمبريقية التي يُطبّق عليها المفهوم؛

أي امتداداته. استنادًا إلى التعريف الذي قدّمناه عن الهوية الدينية الرقمية، تتحدد المظاهر التي سندرس من خلالها هذه الهوية في طريقة بناء الحساب الشخصي لمتديّنين على فيسبوك من خلال صفحاتهم الشخصية،

وذلك بالتركيز على مستوى الخصوصية والعمومية وحضور المظاهر الدينية. ومن ثمّ، يتحدّد مفهوم

الهوية الدينية الرقمية في سياق هذه الدراسة باعتباره يُحيل إلى التعبيرات كلها التي تُفصح عن الهوية

الدينية في الحساب الخاص بمستخدمي فيسبوك.

3. في اتجاه بناء مفهوم الحساب الشخصي للمتديّن

ارتبط مفهوم الحساب أو الملف الشخصي عمومًا بظهور شبكات التواصل الاجتماعي والويب 2،

ويشير إلى "صفحة فردية تُمكّن المستخدم من تسجيل نفسه في الوجود الافتراضي الممكن"، وقد تكون هذه الصفحة عمومية مفتوحة أمام الجميع، أو شبه عمومية؛ أي مفتوحة أمام بعض الأصدقاء فحسب، كما هو الشأن في Space My. ويتطلّب تسجيل الفرد في شبكة اجتماعية معيّنة وانتماؤه إليها

تقديم مجموعة من المعلومات الخاصة به، مثل الاسم والجنس ومكان الإقامة والاهتمامات وغيرها من المعلومات التي تؤسس حسابه الشخصي وهويته الرقمية. ويمكن أن يضع المستخدم صورة للملف الشخصي تُعرّف بهويته، ويمكنه تغييرها متى شاء. إضافة إلى ذلك، يستطيع المستخدم تحديد

الأشخاص الذين تربطهم به علاقة، وتختلف هذه العلاقات بحسب المواقع والشبكات، فيذهب كثير منها إلى تسميتهم بالأصدقاء، وهي كلمة لا تُحيل إلى الصداقة بمعناها اليومي والواقعي، حيث إن الغاية من الاتصال تكون مختلفة. وقد أعادت شبكات التواصل الاجتماعي رسم العلاقة بين مفاهيم مثل الخصوصية والعمومية، فماذا نقصد بالخصوصية، وما هو خاص في السياق الرقمي؟ أترتبط الخصوصية بالمعلومات كلها التي يتركها مستخدمو الإنترنت، أم أنها ترتبط بمجموعة فرعية من المعلومات الشخصية والحميمية والحساسة؟

(22) Dumez, p. 68. (23) Ibid. (24) M. Boyd Danah et al., "Social Network Sites: Definition, History and Scholerschip," Journal of Computer– Mediated Communication , vol. 13, no. 1 (October 2007), p. 211. (25) Ibid., p. 213.

لا يمكن الإمساك بمفهوم الخاص من دون استدعاء مقابله العام، و"يشير مفهوم الفضاء العام أو العمومي إلى المكان الذي يجتمع فيه الناس لمناقشة القضايا المرتبطة بتنظيم العيش المشترك. وقد ارتبط المفهوم تاريخيًا بأوروبا الحديثة، "وذلك بتكوين فضاءات ضدّ سلطة المونارشية تحت

تأثير أفكار الفيلسوف إيمانويل كانط". وما  يميّز الفضاء العام هو كونه مفتوحًا أمام الجميع،

وهو مكان بالمعنى الفيزيقي للكلمة، يتحدّد بأبعاد واقعية. غير أن المفهوم شهد تغيرًا جذريًا

بظهور تكنولوجيا المعلومات والتواصل، وأصبحت الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي بمنزلة فضاءات عمومية افتراضية، وغدت الحدود بين العام والخاص مخترقة. فمن منظور أنابيل كلاين، المجال العام مسكون دائمًا بالحميمي، فهو والحميمية يرتبطان بوساطة طرائق جديدة في التفاعل

مع وسائل التواصل الحديثة. هذه الرهانات الهوياتية هي في قلب الإشكاليات المتعلقة بتسليع معطيات على الإنترنت وتسويقها، وذلك باستغلال الغموض والضبابية الموجودة بين المجالين العام والخاص. ويشير هذا الأخير إلى ما  يخص الذات؛ أي ما يدخل في باب الحميمية والحياة الخاصة، ويتعلق الأمر في المجال الرقمي بالمعلومات الشخصية للمستخدمين الذين يحرصون على حمايتها. ويشير مصطلح حماية الخصوصية، بالنسبة إلى العديد من الباحثين في المجال، "إلى تقييد الوصول إلى المعلومات الشخصية على نحو يتيح للأشخاص الحق في التحكم في معلوماتهم بأنفسهم". وقد غريّتشبكات التواصل الاجتماعي العلاقة بين الخاص والعام، حيث أصبحت الحدود

بينهما ضبابية ومخترقة على نحو يصعب معه تحديد ما يدخل ضمن الخاص وما يُدرج ضمن العام،

وأصبحت معلومات عديدة كانت تُصنّف ضمن الخصوصية تُعرض على شبكات التواصل الاجتماعي.

وقد عبّر سيرج تيسرون عن هذا التوجه نحو عرض ما كان يُصنّف في السابق ضمن الخاص والحميمي

ب "استعراض الحياة الخاصة" L’extimité، وهذا النزوع نحو الانكشاف الذاتي موجّه بالحاجة إلى

إثبات الذات ونزع الاعتراف بها. أما في ما يتعلق بدرجة مرئية الحساب ومستواه، فتختلف من موقع إلى آخر، فيمكن أن تحدد المواقع قبليًا ما يمكن رؤيته من طرف العموم، وما لا يمكن رؤيته والوصول إليه إلّ من طرف الأصدقاء. فعلى

سبيل المثال يتحكّم موقع لينكد إن LinkedIn في ما يراه المتصفح، نظرًا إلى طبيعة الحساب وإذا

ما كان مؤدّى عنه أم لا. أما  فيسبوك، وهو الشبكة التي استندنا إليها، فيتميز باعتماد مقاربة مختلفة،

(26) Francis Justand et al., La métamorphose numérique vers une société de la connaissance et de la coopération (Paris: Alternatives, 2013), p. 55. (27) Nathalie Walczak, "La protection des données personnelles sur l’internet: Analyse des discours et des enjeux sociopolitiques, thèse de doctorat en Sciences de l’information et de la communication," Université Lumière Lyon 2, France, 4/7/2014, p. 58. (28) Helen Nissenbaum, Privacy in Context Technology, Policy, and the Integrity of Social Life (Redwood City: Stanford University Press, 2010), p. 1. (29) Annabelle Klein, Nos jeune à l’heure numérique (Genève: Academia L’harmattan, 2016), p. 88. (30) Danah et al., p. 213.

حيث يتيح لمستخدمي الشبكة نفسها رؤية الحسابات الشخصية لبعضهم البعض، باستثناء الحساب الذي يختار صاحبه أن يتوافر له إذن لرؤية المحتوى. يتحدد الحساب الشخصي، إذًا، بمجموعة من المعطيات الشخصية التي يقدّمها المستخدم لبناء هويته الرقمية، وهو يختلف من حيث درجة الخصوصية أو العمومية، وكذا مستوى المرئية. لا يوجد تعريف للحساب الشخصي للمتديّن بقدر ما سنعمل على بنائه من خلال ما سبق، فهو يشير في دراستنا إلى

صفحة شخصية يُنشئها المستخدم بناءً على معايير ذاتية ترتبط باختياراته، وأخرى موضوعية ترتبط

بما تفرضه الشبكات السوسيو–رقمية، ويتحدد الحساب الشخصي للمتديّن بوجود مظاهر دينية

صريحة أو ضمنية.

ثانيًا: منهجية الدراسة

تساهم طبيعة الموضوع بنصيب وافر في الاختيارات المنهجية للباحث، ومن ثم "لا وجود لمنهج واحد ووحيد يصلح لأيّ موضوع، فكل بحث هو قبل كل شيء بحث عن المناهج". ومن المعلوم أن دراسة

السياق الرقمي تفترض اعتماد مناهج وتقنيات تتلاءم مع طبيعة الممارسات والظواهر الرقمية؛ لذلك لجأنا إلى اعتماد الإثنوغرافيا الافتراضية، أو ما يطلق عليه المهتمون بالمناهج الرقمية ب "النتنوغرافيا" Netnographie La التي ظهرت في تسعينيات القرن العشرين، وانتشرت ابتداء من عام 2000 على يد كريستين هاين. والإثنوغرافيا عمومًا هي طريقة انغماسية، تعتمد على مشاركة الإثنوغرافي لبناء

صورة متعددة الأوجه لمجال البحث. وتُعد مشاركة الإثنوغرافي جانبًا مهمًا في عملية توليد المعرفة

الإثنوغرافية، لأنها تتيح له أن يراقب بالتفصيل وبدقة كيفية حدوث الأنشطة، بدلً من الاعتماد على الحسابات الانتقائية فحسب، بأثر رجعي من المشاركين. هناك من يميز الإثنوغرافيا الافتراضية من الكلاسيكية بالمجال أو بالسياق الذي تجري فيه؛ أي الإنترنت، في حين يذهب آخرون إلى أن ما يميز الإثنوغرافيا الافتراضية من الكلاسيكية ليس السياق الذي تجرى فيه، بل كونها لا تهتم إلّ بما يحدث على الإنترنت. بهذا المعنى، فإن ما  يهمّ الإثنولوجي هو الأنشطة

والممارسات التي تتم على الفضاء الرقمي، وليس ما يحدث خارجه، وهذا بدوره يطرح إشك لً آخر يتعلق بالعلاقة بين الافتراضي والواقعي. فإذا كانت الدراسات التي تنتمي إلى الموجة الأولى والثانية من سوسيولوجيا الدين والإنترنت لم تُعر الانتباه للعلاقة بين الواقعي والافتراضي، حيث ركّزت الأولى على وصف مختلف أشكال التديّن الرقمي، في حين ركّزت الثانية على اقتراح تصنيفات له، فإن

(31) Ibid. (32) Paul Paskon, Conseils pratiques pour la préparation des mémoires et thèses à l’usage des étudiants (Rabat: Recherches en Sciences Humaines, 1981), p. 15. (33) Christine Hine, Ethnography for the Internet: Embedded, Embodied and Everyday (London: Bloomsbury, 2015), p. 41. (34) Vincent Berry, "Ethnographie sur Internet: rendre compte du 'virtuel'," Les Sciences de l’éducation – Pour l’Ère nouvelle , vol. 45, no. 4 (2012), pp. 35–58.

دراسات الموجة الثالثة اتجهت نحو مقاربة العلاقة بين الرقمي وخارجه، وذهبت في معظمها إلى اعتبار الافتراضي امتدادًا للواقعي، وهي تبحث في علاقات التأثير المتبادلة بينهما. ويمكن أن نسوق على سبيل المثال دراسة هايدي كامبل حول موقف جماعات دينية مختلفة (مسيحية، مسلمة، يهودية) من الإعلام الجديد وموجة الهواتف الذكية، والدراسة التي توقفت من خلالها لوفهيم على الكيفية التي يُتناول بها الدين في المدوّنات النسائية. ولا تخرج دراسة إيزابيل جونفو حول المواقع الرهبانية عن هذا الإطار، فهي تؤكد كلّها أن العلاقة بين الواقعي والافتراضي هي علاقة استمرارية لا قطيعة. تشمل عيّنة هذا البحث أربعين حسابًا على فيسبوك، تتوزع على مستخدمين نصفهم من الذكور،

ونصفهم الآخر من الإناث. وجرى اعتماد العيّنة القصدية، وهي تدخل ضمن العيّنات غير الاحتمالية،

وتُعرف في الأدبيات الميثودولوجية باعتبارها عيّنةً يختارها الباحث من مجتمع الدراسة اختيارًا حرًا،

يتناسب مع أهداف البحث ويستجيب للمميزات التي يريدها. لم يكن اختيار هذا النوع من العيّنات بمحض الصدفة، أو أمرًا اعتباطيًا، بل لأن إشكالية الدراسة

وأهدافها لا يمكن أن تتحقق باختيار عيّنة احتمالية، فالهدف من دراستنا هو رصد الكيفية التي

تُبنى بها الحسابات الشخصية للمتديّنين على فيسبوك، لذلك كانت الميزة الأساسية التي بنينا عليها اختيار وحدات العيّنة الملاحظة هي حضور الدين في هذه الحسابات ونسبة هذا الحضور،

وفي المستوى الثاني مراعاة سن صاحب الحساب، لأن دراستنا تهمّ فئة الشباب (34–15 عامًا)، وأخيرًا جنس صاحب الحساب، لأننا ارتأينا أن يكون عدد الذكور والإناث في العيّنة متساويًا كي

لا يطرح تفاوتهما إشكالات على مستوى التحليل والمقارنة. وقد حُدّدت مفردات أو وحدات العيّنة

عن طريق كرة الثلج، حيث تُعتمد قائمة أصدقاء الحساب الذي جرى اختياره في البداية من أجل الوصول إلى حسابات أخرى تتم ملاحظتها. امتدت عملية الملاحظة بالمشاركة مدة ثلاث سنوات، جرت على نحو متقطع، وابتدأت بملاحظة عفوية غير منظمة لحسابات شخصية لمتديّنين على شبكات أخرى غير فيسبوك، مثل إنستغرام وتيك توك، قبل أن يستقر اختيارنا على فيسبوك، وانتهت بملاحظة نتنوغرافية اعتمادًا على شبكة ملاحظة جرت تهيئتها خصيصًا لهذا الغرض. وهي ملاحظة بالمشاركة، تقتضي أن يكون المبحوث ضمن قائمة الأصدقاء أو أصدقاء الأصدقاء حتى نتمكّن من ملاحظة حسابه. ويتجاوز الأمر مجرد الملاحظة السكونية إلى تسجيل الإعجاب والتفاعل مع ما ينشر في الصفحة. وسنعمل في ما يلي على عرض النتائج التي جرى التوصل إليها، والمقاربة النظرية المعتمدة من أجل وضع تيبولوجيا الهوية الدينية الرقمية.

((3(للمزيد من التوضيحات حول هذه الموجات وتاريخ دراسة الدين والإنترنت، ننصح القارئ بالرجوع إلى:

Heidi A. Campbell, "Introduction: The Rise of the Study of Digital Religion," in: Heidi A. Campbell (eds.), Digital Religion Understanding Religious Practice in New Media Worlds (London: Routledge, 2013), pp. 8–9.

ثالثًا: نتائج الملاحظة النتنوغرافية

اعتمدنا في وضع تيبولوجيا للهوية الدينية الرقمية على التمييز الذي وضعته جورج فاني للهوية الرقمية، وطبّقناها على الهوية الدينية في بُعدها الرقمي. وفي هذا السياق، ميّزت فاني بين ثلاثة أقسام للهوية

الرقمية: الهوية التصريحية، والهوية الفاعلة، والهوية الحسابية. "تتكوّن الهوية التصريحية من المعطيات

المكتوبة أو المقدمة من طرف المستخدم (الاسم، السن، تاريخ الميلاد، الصورة)، وتتكوّن الهوية

الفاعلة من البيان الصريح لأنشطة المستخدم الذي يؤسسه النظام. أما الهوية الحسابية، فتتمظهر في متغيرات كمية ناتجة من حسابات يُقيمها النظام (عدد الأصدقاء مثلً"). واستندنا إلى هذا التقسيم في ملاحظة الحسابات على فيسبوك ودراستها، خصوصًا الهوية المعلنة أو التصريحية والهوية الفاعلة. أما الهوية الحسابية، فتدخل في مجال المناهج الرقمية وما يتعلق بالمعطيات الضخمة التي تتكفل إدارة فيسبوك بها، ولا يمكن الحصول عليها إلّ وفق شروط تحترم أخلاقيات البحث في الفضاء الرقمي وبوساطته، وتحترم أيضًا الحياة الخاصة لمستخدمي فيسبوك. تتحدد الهوية الدينية الرقمية لمستخدمي فيسبوك، إذًا، بثلاثة مستويات أساسية: يتعلق المستوى الأول بما يُصرّح به المستخدم من معلومات شخصية، ويتعلق المستوى الثاني بما يتشاركه ويتفاعل

معه من منشورات ومضامين دينية، ويهتم المستوى الثالث بعمل الخوارزميات وإدارة فيسبوك التي تسجل أنشطة المستخدم كلها، مثل إضافة الأصدقاء أو الإعجابات أو التعليقات وكل أثر رقمي يتركه المستخدم.

1. الهوية الدينية الرقمية التصريحية

تتحدّد الهوية التصريحية عمومًا، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، بالمعلومات التي يصرّح بها صاحب

الحساب، مثل السن، والجنس، والاسم، والمدينة... إلخ. وهي معلومات تشكّل الحساب الخاص بكل مستخدم. وقد عملنا من خلال الملاحظة النتنوغرافية للحسابات على فيسبوك على القبض على هذا القسم من الهوية الدينية الرقمية، إضافة إلى الهوية الفاعلة التي تتحدّد من خلال الأنشطة التي يقوم بها المستخدم، والتي تتخذ مظاهر متعددة، مثل نشر الصور أو التدوينات أو الفيديوهات أو التفاعل مع منشورات الغير بالإعجاب أو التعليق أو إعادة النشر. سنركز في هذا المستوى على المعلومات التي صرّح بها المبحوثون في حساباتهم في الجزء المخصص

للمعلومات الشخصية التي تشمل معلومات منوّعة، وقد اخترنا منها: اسم صاحب الحساب، والصورة

الشخصية للحساب وصورة غلافه، وسنّ صاحب الحساب، وجنسه، وعمله. وتمثّل هذه المعلومات ما تُطلق عليه فاني الهوية التصريحية، إضافة إلى عدد الأصدقاء، ودرجة التفاعل مع المنشورات التي تمثل، بحسب التيبولوجيا الهوياتية السابقة، الهوية الحسابية.

(36) Fanny Georges, "Représentation de soi et identité numérique Une approche sémiotique et quantitative de l’emprise culturelle du web 2.0," Réseaux , no. 154 (2009), p. 168.

أ. صورة الحساب والغلاف

إن أول ما يثير انتباه الملاحظ هو صورة الحساب والغلاف الخاصة بالحساب على فيسبوك باعتبارهما تمثلان القسم الأول من الهوية الدينية الرقمية المصرّح بها، إلى جانب المعلومات المكتوبة،

فلهذه الصور أبعادها ودلالاتها، وهي جزء من الهوية الرقمية لصاحب الحساب. وبلغة رولان بارت، فإن ما يثير انتباهنا أول وهلة عندما ننظر إلى صورة الحساب الخاصة بالمستخدم هو "الوخزة" Punctum، ويمكن أن نتوقف على دلالتها من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية: ما الذي يلفت انتباهنا بشأن الصورة أول وهلة؟ ما التأثير العاطفي الذي تُحدثه فينا؟ أو ما الذي "يعلق" لدينا؟ إلى جانب هذا العنصر المسمى ""الوخزة"، تحدّث بارت في تحليله التصوير الفوتوغرافي عن" الإستوديو"، ويشير إلى وصف الصورة، مع التركيز على محتواها ومعناها. ويمكن أن نصنّف صور الحساب على فيسبوك

من منظور جيريمي ساراشان في خانة الوخزة، لأنها تؤثر آنيًا وتخلق ردة فعل معيّنة لدينا. وفي ملاحظتنا

صور الحساب الخاصة بالمبحوثين وتحليلها، ركّزنا على ما أثار انتباهنا أول وهلة في هذه الصور، ويتعلق الأمر بموضوع دراستنا، وهو حضور المظاهر الدينية في هذه الصور أو غيابها. صنّفنا هؤلاء المستخدمين وفقًا لحساباتهم الشخصية من خلال الحمولة الدينية للصور الموظّفة،

فهناك صور حساب حاملة لمظاهر دينية، وأخرى تغيب فيها هذه المظاهر. ونقصد بالمظاهر الدينية كل ما من شأنه أن يُعرّفنا بالهوية الدينية للمبحوث، من قبيل المظهر الخارجي وطبيعة اللباس إذا كان

المستخدم يوظّف صورة شخصية. ويجب أن نُميّز في هذا المقام بين الذكور والإناث، فإذا تعلّق الأمر

بالذكور نُخضع الصورة للمساءلة من خلال طرح الأسئلة التالية: أيرتدي المستخدم لباسًا عصريًا عاديًا

أم لباسًا تقليديًا؟ هل لديه لحية؟ وما طبيعتها؟ أما إذا تعلّق الأمر بالإناث، فنتساءل: هل تضع حجابًا؟

وما شكله؟ بمعنى أننا لم نكتفِ بالوقوف عند ما  يثير انتباهنا أول مرة في صورة الحساب، بل حاولنا أن نصف ونُحلّل محتوى الصور للوقوف على معناها، وهو ما سمّاه بارت "الإستاديوم" Studium، فتوصلنا إلى

أن المظهر الخارجي للمستخدم يمثّل، في حالة استعماله صورته الشخصية، مؤشرًا مهمًا من مظاهر

قراءة الهوية الدينية الرقمية لصاحبه. فغالبًا ما ترتبط طبيعة اللباس والمظهر عمومًا بمستوى التديّن لدى

الأفراد، فنجد الذكور منهم يرتدون لباسًا تقليديًا قصيرًا يعتبرونه اللباس الشرعي، أما الإناث فيضعن

الحجاب الذي تختلف أشكاله بحسب اختيارات كل واحدة منهن. أما إذا كانت الصور غير شخصية، فيتم التركيز على العبارات المتضمنة في الصور، من قبيل ورود اسم من أسماء الله أو الرسول أو آية قرآنية أو حديث نبوي أو دعاء... إلخ، أو التركيز على الصور في حد ذاتها وحمولتها الدينية الضمنية أو الصريحة. والهدف من ذلك هو تصنيف هذه الحسابات الشخصية في خانة الحسابات الحاملة لمظاهر دينية، ومن ثم تعبيرها على نحو صريح عن الهوية الدينية لصاحبها، أو في

(37) Jeremy Sarachan, "Profile Picture, Right Here Right Now, Facebook and Philosophy, What’s on your Mind?" Popular Culture and Philosophy , vol. 50 (2010), p. 52. (38) Ibid.

خانة الحسابات غير الحاملة لهذه المظاهر، وهي بذلك تخفي معالم هذه الهوية المُعبَّر عنها بأشكال

ومظاهر أخرى في الحساب. ويمثل الشكل (1) ما توصلنا إليه في هذا الخصوص. الشكل (1) حضور المظاهر الدينية في صور الحساب

المصدر: من إعداد الباحثة.

شكلت النسبة العامة للمستخدمين الذين استعملوا صورة حساب موحية دينيًا 60 في المئة؛ أي أكثر

من نصف العيّنة المدروسة، في حين لم تشكّل صور الحساب الخالية من المظاهر الدينية سوى 40 في

المئة. ومن بين المظاهر الدينية التي تحضر في حسابات المبحوثين الذكور، نجد مجموعة من العبارات أو الكلمات مثل اسم الرسول أو الدعوة إلى الصلاة عليه أو آيات قرآنية أو صور للقدس/ فلسطين. أما الإناث، فغالبًا ما يستعملن صورًا لحساباتهن إما صورًا شخصية بالحجاب، وهذه الحالة نادرة في

العيّنة المدروسة، وإما صورًا لفتيات محجبات أو منقبات مع عبارات تدعو إلى الاحتجاب أو تُعلي

من شأن النقاب، مثل عبارة "النقاب جماله لن تراه عيون أدمنت أجسادًا عارية"، إضافة إلى عبارات من قبيل "الحياة تحتاج صبرًا، فصبر جميل والله المستعان، فصبر جميل، لله الخفايا ولنا حسن الظنون،

اللهم إنا نسألك حسن الخاتمة". حضور هذه العبارات في صور الحساب له دلالته، فهي تُعبّر عن تديّنهن. وهنا يُطرح سؤال: لماذا

يتمحور جلّ العبارات الموظّفة من طرف الإناث حول الصبر وحسن الظن بالله؟ أكيد أن هناك ما يفسر هذا الأمر، بالنظر إلى وضعية المرأة في المجتمع المغربي والمجتمعات العربية عمومًا. وربما نجد

تفسيرًا لذلك في اللامساواة والتمييز في حق المرأة في مختلف المجالات، ومن ثم تجد المستخدمات

عزاءهن في التشبّث بالدين والصبر لنيل ما يطمحن إليه في الآخرة. يمكن القول، بناء على ملاحظتنا، ومن خلال تحليل الصور الشخصية، إن اختيار هذه الصور ليس أمرًا

خاضعًا للصدفة، بل محكوم بمجموعة من الاعتبارات، وهو ما يتناسب مع نتائج دراسات أخرى، مثل تلك التي قامت بها كريستي يونغ حول العوامل المتحكمة في اختيار صور الحساب على فيسبوك لشباب تُراوح أعمارهم ما بين 18 و 25 سنة (752 مبحوثًا)، حيث توصلت إلى وجود سبعة عوامل تتحكم في هذا الاختيار، من بينها: اختيار الصورة التي تبدو جميلة في نظرهم ومثيرة للاهتمام، ومن ثم فهم يُنشئون

صور الحساب الشخصي بناءً على القيم المرتبطة ب "الذات المثالية" أو "الذات التي يجب أن تكون".

كما يجري اختيار صورة الحساب في الغالب من الصور التي تؤرّخ لمناسبة معيّنة، أو صور مع أصدقاء

أو أشخاص مشهورين، وهناك من يتّجه نحو الحفاظ على بعض المجهولية. ويمكن ألا تكون صورة الحساب لصاحب الملف الشخصي، بل يُعبّر من خلالها عن إعجابه بشخصية معيّنة، مثل الممثلين

أو اللاعبين، وفي الحالة التي ندرسها تكون عبارة عن صور لدُعاة وشيوخ وعلماء دين. وقد صادفنا صورًا

للحساب من هذا الصنف الأخير لدى بعض المبحوثين، وتحديدًا صورًا شخصية لهم مع الداعية المغربي

ياسين العمري، وهو أحد الدُعاة الذين أصبحت لهم شعبية واسعة بين الشباب المغربيين اليوم، وآخر وضع صورته مع الشيخ سعيد الكملي الذي يتقاسم مع العمري هذه الشعبية. نخلص من خلال ما قلناه إلى ما خلصت إليه كريستي يونغ، وهو أن اختيار صورة الحساب أو الملف الشخصي لمستخدمي الشبكات السوسيو–رقمية "في غالبية الأحيان، قرار واعٍ وهادف". فهو لا يجري على نحو عشوائي وغير مفكَّر فيه من طرف المستخدم، بل بعناية فائقة، حيث تؤدي هذه الصور وظائف محددة في سياق عرض الذات عبر الإنترنت. ومن ثمّ، فإن استخدام الأشخاص للصور

لا يكون بهدف تصوير مظهرهم الخارجي (إذا كانت الصور شخصية) فحسب، بل أيضًا لتأكيد الأشياء والصفات التي تعتبر مهمة بالنسبة إليهم. ومن بين هذه الصفات التي تعتبر مهمة بالنسبة إلى 60 في المئة من العيّنة المدروسة الدين. لذلك، فحضور المظاهر الدينية في صور حسابهم دليل على المكانة

التي يحتلّها الدين في تحديد هويتهم. إذا احتكمنا إلى متغير الجنس، فسنجد أن ما يعتبره الذكور مهمًا في تحديد هويتهم ليس هو بالضرورة

ما تعتبره الفتيات كذلك، فبالعودة إلى صورة الحساب الخاصة بالإناث نجد التركيز على الحجاب، وهذا يدل على تمثّل معيّن للباس المرأة المسلمة عمومًا ولذواتهنّ باعتبارهنّ يمثّلن النموذج، حتى

إن كانت الصور ليست شخصية. فقد وجدنا لبعض الحسابات صورًا لفتيات افتراضيات محجبات أو

منقّبات، وفي ذلك إشارة إلى احتفاظ المعنيات بالأمر بالمجهولية بخصوص صورة الحساب، لكنها في الوقت نفسه تُعبّر عن تصور معيّن للذات، أو عن حقيقتها الهوياتية. في المقابل، نجد حسابات بصور شخصية لفتيات محجبات، بعضها لا يُبرز ملامح واضحة للمستخدمة

(تصوير من الجانب)، ويُعبّر هذا الأمر عن درجة معيّنة من المجهولية اختارتها المبحوثات، تتمثل في

الظهور الجزئي، كما يمكن أن يُعبّر هذا الاختيار عن موقف معيّن من نشر المرأة لصورها على مواقع

شبكات التواصل الاجتماعي أو على عدم الإحساس بالأمان، لأن الصور يمكن أن يستخدمها آخرون للتشهير أو بطريقة لاأخلاقية. وهناك حسابات تضع صورًا شخصية للمبحوثات بلباس الحجاب.

(39) Andra Siiba, "Constructing the Self through the Photo Selection: Visual Impression, Management on Social Networking Websites," Cyberpsychology , vol. 3, no. 1 (January 2009), p. 1. (40) Ibid., p. 3. (41) Ibid. (42) Ibid., p. 21.

فإذا كان النموذج الأول من الفتيات يتحفّظ عن نشر الصور ويحتفظ بدرجة معيّنة من المجهولية

والخصوصية، فإن النموذج الثاني لا يمانع في ذلك، ومن ثم فقد اختارت المعنيات بالأمر الكشف عن هويتهنّ الواقعية من خلال الصور. أما بالنسبة إلى الذكور، فالصفة المهمة لبعضهم هي "اللحية" أو "اللباس الشرعي"، حيث وجدنا حسابات بصور شخصية لشبان ملتحين بلباس شرعي، أو من دونه، وأخرى من دون صور خاصة. وهنا تُثار أسئلة كثيرة حول دور المظهر الخارجي في التديّن، سواء تعلّق الأمر بالرجال أم بالنساء. تطرح صور الحساب إشكالية أخرى تتعلق بمدى واقعيتها، وهل تعكس حقيقة صاحب (ة) الحساب، فإذا كانت هذه الصور تقوم بوظيفة تأكيد المعلومات الخاصة التي يقدّمها المستخدم عن نفسه، فإنها تطرح مشكلات التحقق من هوية صاحبها. وعلى الرغم من كون الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي يتيحان إمكانية الاختباء خلف هوية وهمية، وعلى الرغم من اعتبار العالم الافتراضي "مكانًا للتستر والأكاذيب، فإنه يمكن أن يشكل مكانًا متميزًا للوقوف على حقيقة الشخص، وفي هذا السياق

يقول فاليري ما مفاده أن حقيقة الشخص تتمظهر أكثر في ما يعرضه، وليس في ما يخفيه". ومن ثم، يمكن أن نجد في صور الحساب والغلاف حتى إن لم تكن صورًا شخصية ما لا يمكن أن نجده في

ما يخفيه المستخدم بحسب وجهة النظر هذه. من بين ما خلصنا إليه، من خلال الحسابات المدروسة، أن بناء الهوية الدينية الرقمية لمستخدمي فيسبوك يخضع لاختيارات المستخدم ضمن الإمكانيات التي يتيحها التطبيق، ويمثّل التوجّه نحو الكشف

عن مكوّنات الهوية ما يسمى "استعراض الحياة الخاصة". ويجب هنا عدم الخلط، بحسب سيرج

تيسرون، بين "استعراض الحياة الخاصة" واستعراض الذات، ويُعرّف الحميمية باعتبارها "ما لا يُعرض

لأيّ شخص، أو ما يعرض لعدد قليل من 'الأصدقاء المقربين' فحسب. وتتضمن الحميمية بُعدًا آخر

يتمثل في ما لا يعرفه الجميع عن أنفسهم". يفترض بناء الهوية الرقمية، إذًا، الانتقال من الحميمية والخصوصية إلى العمومية التي تتخذ درجات ومستويات مختلفة، فبخصوص صورة الحساب مثلً، يتيح فيسبوك اختيار درجة الخصوصية بمشاركتها مع الأصدقاء فحسب، وليس مع العموم، كما يتيح إمكانية تعيين أسماء الأصدقاء الذين يمكنهم رؤية صورتك، والذين لا يمكنهم ذلك. يترك فيسبوك بهذا المعنى للمستخدم إمكانية اختيار مستوى الخصوصية ودرجتها التي تتناسب مع أهدافه وغاياته، ومع الهوية الرقمية التي يريدها لذاته، والتي قد تكون استمرارية للهوية الحقيقية أو تتناقض معها. قلنا سابقًا إن حضور المظاهر الدينية في صور الحساب والغلاف هو تعبير صريح عن الهوية الدينية للمستخدم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وإبراز للمكانة التي يحتلّها الدين في تحديد هذه الهوية.

(43) Serge Tisseron, "L’intimité et l’extimité," Communications , vol. 1, no. 88 (2011), p. 83. (44) Ibid., p. 84. (45) Ibid.

وما سجّلناه بخصوص صور الحساب الخاصة بالمستخدمين يؤشر إلى الحضور القوي للدين بوصفه

اعتقادًا داخليًا، وهو الأمر الذي أثبتته دراسات سوسيولوجية مغربية حول الهوية الدينية الواقعية، مثل

الدراسة التي قام بها محمد أعبابو، والتي خلص من خلالها إلى أن نصف المبحوثين يقدّمون أنفسهم

بوصفهم مسلمين، وإن لم يوازِ ذلك الالتزام بالواجبات والطقوس الدينية. وإلى جانب هذا المعطى، يحضر الدين في دراستنا بوصفه تعبيرات خارجية نجدها في صور الحساب وفي المنشورات الدينية وغيرها. وهذه التعبيرات الجديدة مرتبطة أساسًا بظهور الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، وهي

وسيلة جديدة للتعبير عن الهوية والانتماء الديني للفرد. أما في ما يخص النسبة التي يمثّلها الذكور والإناث في هذا المستوى، فيمكن الوقوف عليها من خلال الشكل.)2(الشكل (2) وجود مؤشر ديني في صورة الحساب بحسب الجنس

المصدر: المرجع نفسه.

كما هو مبيّن في الشكل (2)، شكّلت نسبة حضور المظاهر الدينية لدى الإناث 32.5 في المئة، في

حين بلغت عند الذكور 27.5 في المئة من مجموع العيّنة. وعلى الرغم من أن الفارق بين الجنسين ليس

كبيرًا (5 في المئة)، فإنه يدعونا إلى طرح العديد من التساؤلات، من قبيل: هل هناك فوارق واختلافات

في مظاهر التديّن لدى الجنسين؟ وهل يمكن أن نجازف فنقول إن الإناث أكثر تديّنًا من الذكور؟ أم أن

الأمر لا يتعلق بدرجة التديّن، بل بمستوى التعبير عنه فحسب؟ تقودنا التساؤلات السابقة إلى الدراسات التي أنجزت حول التديّن لدى الشباب المغربي، ومن بينها

الدراسة التي قام بها محمد العيادي وحسن رشيق ومحمد الطوزي حول القيم والممارسات الدينية لدى

(46) Mohamed Ababou, Changement et socialisation de l’identité islamique (Maroc: Publié avec le soutien du Ministère de l’enseignement Supérieur de la Formation des Cadres de la Recherche Scientifique sur les fonds gérés par le CNCPRST, 2001), p. 37.

الشباب، وتوصلت إلى "أن تديّن النساء يتميز بسمات خاصة، لكنه يعرف تحولّلً مهمًا، وهذا التحوّ

متشابه مع التشكيلات الجديدة للمجتمع، ومع المفاوضات الجارية بين الخصوصي والعمومي، وبين تقسيم العمل ووضع المرأة في المجتمع". على الرغم من المدة الزمنية الطويلة التي تفصلنا عن هذه الدراسة، فإنها ما زالت تتميز بالراهنية، فبالفعل يساير تديّن النساء اليوم ما عرفه المجتمع المغربي من تغيّرات تتعلق بموقع المرأة ومكانتها

ضمن المجتمع، وبإعادة النظر في التقسيم الكلاسيكي للفضاءات، الذي يقوم على اعتبار الفضاء العمومي خاصًا بالرجل، في حين أن الفضاء الخاص هو للمرأة، وغير ذلك من التحولّات التي شهدها

المجتمع. ولا نقصد بالفضاء العمومي الفضاء الواقعي في الشارع والمقهى، بل إنه امتد بفعل الثورة الرقمية ليشمل الفضاء الافتراضي؛ أي الفضاء السيبراني الذي يستعمله الرجل والمرأة على حد سواء. وستتيح لنا هذه الدراسة التعرف إلى مظاهر التديّن عند الجنسين، وستجيبنا على نحو أدق وأوضح عن

الأسئلة التي طرحناها سابقًا. إلى جانب صورة الحساب، نجد صورة الغلاف Photo Cover وهي أقل خصوصية من صورة الحساب، حيث غالبًا ما يتّجه مستخدمو فيسبوك إلى استعمال صور لمقولات أو مناظر طبيعية؛ أي صور غير شخصية. إذا كان أكثر من نصف المبحوثين تحضر في صور حساباتهم مظاهر دينية، فإننا نلمس العكس بالنسبة إلى صورة الغلاف، حيث إن 53 في المئة غير حاملة لأيّ مؤشر ديني، بينما 47 في المئة فقط تحضر

فيها هذه المظاهر. ويمثل الشكل (3) النتيجة المتوصل إليها في هذا الخصوص. الشكل (3) حضور المظاهر الدينية في صورة الغلاف للمبحوثين

المصدر: المرجع نفسه.

يتبيّن أن النسبة متساوية تقريبًا، فالفارق بينهما لا يمثل سوى 3 في المئة. ولقراءة ما توصّلنا إليه في

خصوص صورة الغلاف، افترضنا أن المستخدم الذي يوظف صورة موحية دينيًا في الحساب، غالبًا

ما لا يلجأ إلى استعمال صورة ذات دلالة دينية في الغلاف. وكي نتأكد من صحة هذه الفرضية، عمدنا

4(((محمد العيادي وحسن رشيق ومحمد الطوزي، الإس ماا في الحياة اليومية: بحث حول القيم والممارسات الدينية بالمغرب (الدار البيضاء: دار النشر ملتقى الطرق، 2013)، ص.242

إلى جدول يجمع بين صورة الحساب والغلاف لتسجيل مدى حضور المظاهر الدينية فيهما، فخلصنا إلى أن 14 (35 في المئة) مبحوثًا من أصل 40، تحضر لديهم المظاهر الدينية في صورتي الحساب والغلاف معًا، و 10 (25 في المئة) منهم تحضر في الحساب فحسب، بينما تحضر هذه المظاهر لدى

5 منهم (12.5 في المئة) فقط في الغلاف وحده دون الحساب. يتبيّن، إذًا، أن هناك اهتمامًا من طرف المبحوثين أكثر بصورة الحساب، وما يثبت ذلك هو أن 60 في

المئة من العيّنة المدروسة تحمل صور الحساب لديها مظهرًا دينيًا، وفي المقابل هناك من ترك صورة

الحساب فارغة. ويمكن تفسير ذلك بكون صورة الحساب أكثر خصوصية وتعبيرًا عن هوية المستخدم،

في حين تكمل صورة الغلاف الصورة التي قدّمها المستخدم عن ذاته، إضافة إلى المعلومات المكتوبة، مثل السن والمهنة ومكان الإقامة... إلخ؛ ما يعني أن التعريف بالهوية الرقمية للمستخدمين عمومًا،

ولهويتهم الدينية خصوصًا، يجري من خلال صورة الحساب الأكثر خصوصية وتعبيرًا عن الذات،

بينما تدعم صورة الغلاف ملامح هذه الهوية وتُكمّلها. عمومًا، يمكن القول بصحة الفرضية التي انطلقنا منها نسبيًا، لأن 25 في المئة من المبحوثين تحضر

لديهم المظاهر الدينية في الحساب فحسب، مع فارق 10 في المئة فقط ممن تحضر المظاهر الدينية فيهما معًا. في مقابل 12.5 في المئة منهم ممن تحضر المظاهر الدينية في صورة الغلاف فقط، دون

الحساب، وبناءً عليه نؤكد فكرة اهتمام مستخدمي فيسبوك عمومًا بصورة الحساب أكثر، لأنها انعكاس

لهويتهم الرقمية، سواء استعملوا صورهم الخاصة أم صورًا أخرى.

ب. اسم الحساب على فيسبوك

يتيح الفضاء الرقمي لمستخدميه إمكانيات متعددة للكشف عن الهوية الحقيقية أو إخفائها، لذلك تكثر في فيسبوك وغيره من الشبكات الاجتماعية المماثلة الحسابات الوهمية التي تظهر وتختفي بأسماء تكون أحيانًا مسروقة، أو أسماء مستعارة لا علاقة لها بحقيقة المستخدم. وما أثار انتباهنا في الحسابات على فيسبوك التي لاحظناها هو كون 77 في المئة منها تستعمل أسماء حقيقية، وتُقسم قسمين: الأول، وهو الغالب، يستعمل الاسم الكامل الشخصي والعائلي، والقسم الثاني يستعمل الاسم الشخصي مكررًا مرتين. ومن الضروري الإشارة إلى أن اكتشاف حقيقة هذا النوع الثاني من

الحسابات يكون إما بما يصرّح به المبحوث وما نلاحظه على امتداد صفحته انطلاقًا من تفاعل

أصدقائه، أو لمعرفتنا الشخصية بصاحبه، وهناك حالات جرى اكتشافها بطريقة غير مباشرة من خلال المنشورات. وفي مقابل النسبة السابقة، نجد 22 في المئة فقط منهم استعملوا أسماء مستعارة (م. واك (نسبة إلى الرجاء البيضاوي/ هوية رياضية)، أختكم (مفهوم الأخ والأخت وما يحمله من دلالات دينية وأيديولوجية/ إليس نتمزيرت (هوية أمازيغية)، يا فلسطين صبرًا، ياقوتة الرمال، عابرة السبيل، وغيرها). واللافت أن الإناث هنّ اللائي يلجأن، في الغالب، إلى استعمال أسماء مستعارة، وليس الذكور. وتؤكد هذا الأمر نتائج بعض الدراسات المنجزة حول استعمال فيسبوك، التي تبيّن توجّه الفتيات نحو

المجهولية والتحفظ عن استخدام أسمائهنّ الحقيقية وصورهنّ. وفي هذا السياق، أكدت مجموعة

من المبحوثات في دراسة أجريت علىُ 16 طالبًا في جامعة بجاية، اعتمادًا على مقابلات كيفية، "أنهن

لا يستعملن أسماءهنّ الحقيقية، ولا يضعن صورهنّ؛ تجنّبًا للمشكلات المحتملة مع محيطهنّ، أو

خوفًا من قرصنة الحساب واستعمال صورهنّ من طرف أشخاص خبيثين. مبحوثة واحدة فقط وضعت صورتها، لكنها كانت متخفية بقبعة وشعر على وجهها". يعود ذلك إلى عوامل ثقافية، حيث يشرعن المجتمع للذكور ممارسات لا تُقبل من الإناث؛ ففي إمكان الذكور إنشاء حسابات على فيسبوك ونشر صورهم والتعبير عن هويتهم، باعتبار فيسبوك مج لً عامًّا، بينما يمارس المجتمع على المرأة نوعًا من الرقابة، تبدأ من الأسرة. ويرجع ذلك إلى التمييز

الجنسي بين الذكور والإناث الذي يتحول بفعل ثقافة المجتمع إلى تمييز اجتماعي، يمرَّر عبر مجموعة

من الأفكار والقيم التي ترسّخه وتُشرعنه. فالذكر يمكنه أن يقتحم هذه الفضاءات الافتراضية بهويته

الواقعية، ويمكنه نشر صوره من دون إدانة من طرف المجتمع، في حين أن الإناث غالبًا ما يدخلن

بأسماء مستعارة، ولا ينشرن صورهنّ على فيسبوك إلّ نادرًا، وفي حالات خاصة، لأن المجال الخاص

هو الفضاء المخصص للمرأة. تحضر عبارات دينية في أسماء الحسابات على فيسبوك، إما من خلال الاسم في حد ذاته (الأخت فلانة، يا فلسطين صبرًا... إلخ)، وإما من خلال العبارات المرفقة باسم الحساب، وقد قدّمنا أمثلة عنها

عندما  تحدّثنا عن صورة الحساب، ومن بين هذه العبارات اسم الرسول أو الدعوة إلى الصلاة عليه، أو آيات قرآنية منوّعة، أو صور للقدس/ فلسطين، أو عبارات "النقاب جماله لن تراه عيون أدمنت أجسادًا

عارية"، "الحياة تحتاج صبرًا"، "فصبر جميل والله المستعان"، "فصبر جميل"، "لله الخفايا ولنا حسن

الظنون"، "اللهم إنا نسألك حسن الخاتمة".

2. الهوية الرقمية الحسابية

إذا كانت الهوية التصريحية تقوم على ما يصرّح به المستخدم من معلومات شخصية، فإن الهوية

الحسابية يتدخل فيها النسق، وتتمظهر في متغيرات كمية، مثل عدد الأصدقاء ودرجة التفاعل مع المنشورات بالإعجاب أو بالتعليق أو المشاهدة وغيرها من المتغيرات الكمية التي يسجّلها النسق

ويقوم بحسابها. وسنقتصر في دراستنا على تناول عدد الأصدقاء ومستوى التفاعل مع المنشورات.

أ. قائمة الأصدقاء

من بين المعلومات التي تدخل في إطار الهوية الرقمية الحسابية، كما سبقت الإشارة، عدد الأصدقاء الذين يمثلون شبكة علائقية لا تبقى حكرًا على صاحب الحساب وحده، بل تكون مشتركة بين مجموعة

من الحسابات الأخرى، فنتحدث عن الصداقات المشتركة، وقبلها عن قائمة الأصدقاء، وضمن هذه

(48) Warda Daim–Allah, Les jeunes et Facebook: Le lien social au cœur du réseautage numérique entre sociabilité interactive et interaction sociale , Médias et technologies numériques au sud de la Méditerranée Constructions identitaires et interculturalités (Paris: L’Harmattan, 2015), p. 32.

الفئة نجد المقرّبين؛ أي الذين تربطنا بهم علاقات اجتماعية قوية افتراضية أو واقعية أو هما معًا، وعن

أصدقاء الأصدقاء. ويطور فيسبوك باستمرار الإعدادات الخاصة باستعماله لتتناسب مع متطلبات المستخدمين، وفي هذا السياق مكّن مستخدميه من إخفاء قائمة الأصدقاء وعدم الكشف عنها، ونجد أن 65 في المئة من العيّنة المدروسة اختارت المجهولية وإخفاء قائمة الأصدقاء، في مقابل 35 في المئة

فقط ممن تمكنّا من معرفة عدد أصدقائهم. الشكل (4) توزيع المبحوثين بحسب متغيّر التصريح بقائمة الأصدقاء

المصدر: المرجع نفسه.

لا بد من الإشارة إلى وجود حسابات على فيسبوك تُصرّح بعدد متتبّعيها الذين تجاوزوا في بعض

الحسابات ألفَي متابع، لكنها في الوقت نفسه تخفي قائمة الأصدقاء، وهناك من أشار من خلال حسابه إلى أن عدد أصدقائه بلغ الحد المسموح به، ويطلب من المستخدمين الذين يطلبون صداقته متابعته. تشمل النسبة التي تُخفي قائمة الأصدقاء الذكور والإناث، وقد وجدنا أن متغير الجنس هنا غير دالّ، حيث ليست هناك اختلافات في هذا المستوى بين الجنسين. ويقودنا هذا الأمر إلى القول إن هناك توجهًا لدى مستخدمي فيسبوك عمومًا نحو الاستفادة من اختيارات الخصوصية التي يتيحها فيسبوك،

ومن بينها إخفاء قائمة الأصدقاء. وهناك "موضة" أخرى يعرفها فيسبوك مؤخرًا، وهي ميزة قفل الحساب

حتى لا يتمكّن من رؤية الحائط الشخصي والصور إلّ الأصدقاء، وتحميل تطبيقات تمنع المتصفح من أخذ صورة لشاشة الهاتف وغيرها من الممارسات التي تدخل في باب تأمين الحساب، ولا سيما أنه يُخترق بسهولة بخلاف تطبيقات أخرى. ويتدرج مستوى إخفاء الأصدقاء من خلال اختيار من يمكنه

رؤية أصدقائك من "العموم"، مرورًا ب "الأصدقاء"، وانتهاءً ب "أنا وحدي". يمكن النظر إلى هذا التوجه نحو الخصوصية بدلً من العمومية بإخفاء قائمة الأصدقاء وقفل الحساب وممارسات أخرى باعتباره تأسيسًا لقواعد طقوسية خاصة بمستخدمي فيسبوك، فكما أن المجتمع

يضع قواعد ومعايير للسلوك تنظّمه وتؤسس ثقافته، يمكن الحديث أيضًا عن "ثقافة فيسبوك"،

((4(استُلهم مفهوم "ثقافة فيسبوك" من السوسيولوجي ريتشارد هوغار الذي استعمله في سياق دراسته نمط الحياة عند الفقراء في

إنكلترا، واستعملناه في سياق جديد لنتحدث عن" ثقافة فيسبوك"، ونقصد ذلك السلوك والممارسات والقواعد المتعارف عليها والمشتركة بين مستخدمي فيسبوك التي لا ترتبط بقواعد التطبيق وسياسته فحسب، بل تتجاوزها إلى أخرى يتم التعاقد حولها أو وضعها، فتؤسس لثقافة فيسبوك أو على نحو أعم "ثقافة مواقع شبكات التواصل الاجتماعي".

"فبقدر ما يتم القيام بأشياء معيّنة على هذه الشبكة والامتناع عن أخرى، يمكن تصور هذه الطقوس

السلوكية باعتبارها أنواعًا من قواعد السلوك الجيد، وهي آداب فعلية، من شأنها أن تُعزّز الانتماءات الفئوية. يتعلق الأمر بتعلم المعايير والقيم التي تحكم هذه العالم الرقمي واستيعابها من خلال شكل من أشكال التجنيس". المقصود بالتجنيس هنا توطين هذه الممارسات وجعلها خاصة بفيسبوك، ويسمح الجانب التقني لهذه الشبكة بالقيام بذلك، نظرًا إلى التطور السريع الذي تشهده إعدادات فيسبوك الخاصة بالأمان

والخصوصية وغيرهما من أجل تأمين استعمال هذه الشبكة الأكثر شعبية في العالم. قد يرتبط عدد الأصدقاء بطبيعة الحساب ودرجة المرئية، وفي هذا السياق "أكدت دراسة قام بها تشارلز ستانفلد Steinfeld Charles وآخرون حول الحسابات على فيسبوك أن عدد  الأصدقاء يرتبط بعدد المعلومات الشخصية المعلن عنها في الحساب، فكلما تم الكشف عن الهوية أكثر، زادت المرئية". وتنطبق النتيجة التي توصّل إليها هؤلاء الباحثون مع ما  لاحظناه، فعندما يفصح المستخدم عن هويته كاملة، بما في ذلك الاسم والصورة الشخصية وباقي المعلومات الأخرى إلى جانب المظاهر الدينية في حسابه، تزداد طلبات الصداقة، ومن ثم عدد الأصدقاء، ولدينا حسابات من هذا النوع. وسنعرض من خلال الجدول نماذج لحسابات على فيسبوك تتميز بارتفاع عدد الأصدقاء أو المتابعين. جدول يبيّن عدد الأصدقاء والمتابعين لعيّنة من الحسابات الملُاحظة على فيسبوك اسم الحساب (بعد الترميز)

عدد الأصدقاء

عدد المتابعين

اسم الحساب (بعد الترميز)عدد الأصدقاءعدد المتابعين
الصحراوية أ. إسغير مصرح به5286
م. هوارة4952
ع. ع.4404
الخفاش2أ565
ح. ي.بلغ العدد المسموح به من الأصدقاء (5000)2706
أخ. ه.1379
رياضي مكناس4701

المصدر: من إعداد الباحثة.

إذا أخذنا حساب "ح. ي." الذي تجاوز عدد أصدقائه 5000، فهو يدعم بقوة فكرة "أن الكشف عن الهوية الحقيقية للمستخدم قد يساهم في ارتفاع عدد المتابعين والأصدقاء"، إضافة إلى طبيعة المحتوى

(50) Marie–Agnès De Gail, "La ritualisation des interactions sur Facebook Cooptation et exposition de soi," Les Cahiers du numérique , vol. 9, no. 3 (2013), p. 112. (51) Dominique Cardon, Culture numérique (Paris: Presse de la Fondation Nationale des sciences Politique, 2019), p. 176.

الذي يقدّمه، والذي يتميز بالتنوع وملامسته مواضيع تتميز بالراهنية، وبمناسبات دينية معيّنة، مثل

الأعياد وشهر رمضان، أو بأحداث عامة ترتبط بما هو محلّي ودولي أيضًا. على الرغم من أن صاحب الحساب لم يصل إلى مستوى شعبية بعض الدُعاة الذين أصبحوا مؤثّرين دينيين من الدرجة الأولى، فإنه يمكن أن نقول إنه مؤثّر ديني من الدرجة الثانية، لأن عدد متتبّعيه قليل،

مقارنة بالمؤثّرين من الدرجة الأولى. وكل حساب من الحسابات على فيسبوك المدرجة في الجدول يؤثّر بطريقته في الأصدقاء والمتتبّعين. نخلص من خلال ما سبق إلى الحديث عن درجات ومستويات من التأثير الديني، فالمستخدم الذي يتمكّن من خلق قاعدة أصدقاء ومتتبّعين واسعة، سنطلق عليه اسم المؤثر الديني من الدرجة الثانية،

وهو لا يتميز من باقي الأصناف بارتفاعٍ في عدد الأصدقاء فحسب، بل بانخراط هؤلاء في مناقشة ما ينشره وتفاعلهم معه بالإعجاب أو التعليق، وتجاوز ذلك إلى مشاركة منشوراته على شبكات التواصل الاجتماعي أيضًا. أما المستوى الثاني، فهو المؤثر من الدرجة الثالثة الذي يتشارك مع الصنف الأول الارتفاع النسبي في عدد الأصدقاء، غير أنه يكون أقل من الأول من حيث درجة تفاعل الأصدقاء والمتتبّعين. وعمومًا، يمكن أن ندرج الحسابات الملاحظة ضمن الصنف الأول أو الثاني.

ب. درجة التفاعل مع المنشورات

خلقت شبكات التواصل الاجتماعي مساحات كبيرة للتفاعل الاجتماعي الذي اتخذ صيغًا جديدة تختلف عن التفاعلات اليومية وجهًا لوجه. وقد طوّر فيسبوك أشكال التفاعل مع ما يُنشر على هذه

الشبكة، على نحو يتيح للمتفاعل التعبير عن درجة إعجابه بما ينشر وعن إحساسه، فنجد الإعجاب يتدرّج بين الإعجاب j’aime، والإعجاب الشديد j’adore، والانبهار، والتضامن، والضحك،

والتعبير عن عدم الرضا عن فعلٍ ما يُراوح بين التعبير عن الحزن، أو عن الامتعاض المطلق

من خلال سبع أيقونات وصور يقترحها فيسبوك. وما يهمّنا هنا هو مستوى التفاعل ودرجته مع

المنشورات الدينية، عن طريق تسجيل الإعجاب والتعليقات، في الصفحات الملاحظة، ويوضح الشكل (5) هذا الأمر. الشكل (5) تفاعل الأصدقاء مع المنشورات

المصدر: المرجع نفسه.

نخلص من الشكل (5) إلى أن نسبة التفاعل مع المنشورات ضعيفة عمومًا، فمعظم المنشورات الدينية

للحسابات على فيسبوك لا تحظى بتفاعل كبير عن طريق تسجيل الإعجاب من الأصدقاء، باستثناء بعض الحسابات التي كانت درجة الإعجاب فيها مرتفعة، وهي التي مثّلت نسبة 18 في المئة من العيّنة

المبحوثة، وقد يتجاوز عدد الإعجابات المسجّلة فيها المئة. ويمكن أن نفسّر هذا التدني في تسجيل

الإعجاب أولً باختلاف اهتمامات مستخدمي فيسبوك، وما يبحثون عنه في هذه الشبكة أو تلك. ولفهم هذا المعطى، يمكن العودة إلى بردايم الاستخدامات والإشباعات "الذي قلب بردايم الآثار effets Les، فبدلً من التساؤل بشأن ما تفعله الميديا بالأفراد، أصبح التساؤل يتمحور حول ما يفعله الأفراد بالميديا". ومن ثمّ، تؤكد هذه النظرية أن استعمال الميديا عمومًا، سواء كانت كلاسيكية أم

حديثة، يتحدد باختيارات المستخدم، وهذه الأخيرة بدورها تتحدد بطبيعة الإشباعات التي يستهدفها. ما يعني أن المستخدم ليس مجرد متلقٍّ سلبي، بل له القدرة على التمييز والاختيار بوعي وفقًا لتمثلاته وتصوّراته. لذلك ف "الاستخدام يشير إلى ما يفعله الناس حقيقة بالتقنية؛ أي يحيل إلى مسألة التملك

الاجتماعي للتكنولوجيا ويسائل علاقة الأفراد بالأشياء التقنية ومحتوياتها، كما أن الاستخدام فيزيائيًا

يُحيل إلى استعمال وسيلة إعلامية أو تكنولوجية قابلة للاكتشاف والتحليل عبر ممارسات وتمثلات

خاصة". نخلص إلى أن الاستخدام هو الاستعانة بوسيلة أو تقنية، مصحوب بوعي، وموجّه بتمثلات، ويستهدف

تحقيق غايات معيّنة تختلف من فرد إلى آخر. وما يوحّد هذه الغايات هو كونها تتّجه نحو إشباع

حاجات معيّنة لدى الفرد. وكي نربط ما قيل بما لاحظناه، يمكن القول إن عدم تسجيل الإعجاب

بالمنشورات الدينية يعود إلى طبيعة الاستخدام لدى كل مبحوث، وإلى نوع الإشباعات التي يستهدفها. وما يؤكد ما قيل هو ملاحظة أثارت انتباهنا في الحسابات على فيسبوك موضوع الملاحظة، حيث إن عدد الإعجابات التي يسجلها الأصدقاء عندما يتعلق الأمر بصورة شخصية لصاحب الحساب يتجاوز مئة إعجاب حتى في الحسابات التي تعرف تدنّيًا في التفاعل وضعفًا. ما يعني أن التفاعل مع المنشورات

أو الحساب هو شخصي، فغالبًا ما يُسجّل الإعجاب من باب المجاملة؛ أي إن الإعجاب الذي يسجّل

لا  يخص المنشور، بل صاحبه. ويمكن أن نتحدث عن ظهور مستخدمين لهم سلطة وكاريزما  تدفعان الأصدقاء نحو تسجيل الإعجاب ومشاركة تدويناتهم ومنشوراتهم باعتبارهم يمثلون مرجعًا وقُدوة. وقد

وجدنا هذا النوع من الحسابات في العيّنة المدروسة، لكنه قليل، مقارنة بباقي الحسابات الملاحظة.

رابعًا: مناقشة النتائج

نخلص من خلال دراسة حسابات المتديّنين الملاحَظة على فيسبوك إلى التمييز بين ثلاثة أنواع: أطلقنا

على النوع الأول اسم حساب الكشف الهوياتي، وعلى الثاني حساب الإخفاء الهوياتي، ويتعلق الإخفاء

(52) Josiane Jouet, "Retour critique sur la sociologie des usages," Réseaux communiquer à l’ère des réseaux , vol. 18, no. 100 (2000), p. 493.

(5((محمد بوخاري وإبراهيم قاسمي، "الإع ماا التقليدي والإع ماا الجديد من خ لاا نظرية الاستخدامات والإشباعات"، مجلة

روافد للبحوث والدراسات، مج  4، العدد 2 (كانون الأول/ ديسمبر 2019)، ص.29

بعدم التصريح بالمعلومات الشخصية وغياب المظاهر الدينية الصريحة في الحساب. أما الثالث فهو وسط بينهما، ويمثل الشكل (6) توضيحًا لهذا التصنيف. الشكل (6) تصنيف الحسابات الشخصية للمتدينين على فيسبوك بحسب مستوى الخصوصية والعمومية

المصدر: المرجع نفسه.

وبناءً عليه، يُجسّد كل حساب ديني مستوى معيّنًا من مستويات الهوية الدينية الرقمية، ويتعلق

الأمر تحديدًا بالهوية التصريحية؛ أي بالمعلومات التي يقدّمها المستخدم. ومن خلال هذا التقسيم تتبيّن لنا خاصية أساسية تميّز الويب، وهي خاصية الحرية، فهو يتيح للمستخدم إظهار هويته أو

إخفاءها، "بعبارة أخرى، أولئك الذين يريدون إظهار أنفسهم هناك يمكنهم فعل ذلك، وأولئك الذين يريدون الاختباء يمكنهم القيام بذلك أيضًا". ومن ثمّ، نخلص إلى أن الفضاء الرقمي

ساهم في تغيير أشكال التعبير عن الهوية الدينية على نحو يتناسب مع طبيعة الفضاء الرقمي المستعمل من جهة، ومع اختيارات المستخدم ذاته، حيث "يوضح العرض الذاتي على الويب بوضوح تعليمات واجهات التسجيل والحسابات التي يقوم بها المستخدمون لإنتاج أفضل انطباع

(54) Tisseron, p. 86.

عن أنفسهم، كما يُبيّن أن الهوية الرقمية هي إنتاج مشترك تلتقي فيه استراتيجيات النظام الأساسي

وتكتيكات المستخدم". لا  تختلف هذه الدراسة، إذًا، عن الدراسات التي أجريت على الإنترنت، والتي أثبتت أن عالم مستخدمي هذا الفضاء عمومًا مقسّم إلى قطبين متقابلين: يتمثل القطب الأول في أولئك الذين

يختارون أن تكون الأسماء والصور والحالة وعناوين البريد الإلكتروني عامة ومكشوفة ومرئية للجميع، في حين يتمثل القطب الثاني في أولئك الذين يختارون عدم الكشف عن هويتهم واستخدام قناع على شكل أسماء مستعارة. ويمكن أن نضيف قطبًا وسطًا بينهما  هو الذي يختار

الكشف عن بعض المعلومات الحميمية أو الشخصية، بينما يخفي أخرى، فيتأرجح بذلك بين العمومية والخصوصية. تُراوح الحسابات المدروسة على فيسبوك، إذًا، بين هذه الأقطاب الثلاثة، إما الكشف أو العمومية، وإما الإخفاء أو الخصوصية، وإما القطب الوسط بينهما الذي نُسمّيه

نصف عمومي. نذهب إلى التأكيد أن بناء الهوية الدينية الرقمية للمستخدم لا يتم بحرّية مطلقة، فهو "ليس المسؤول

الوحيد عن بناء هويته على منصّات شبكات التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك، حيث تؤدي هذه

الأجهزة دورًا في تحديد هوية المستخدمين وتوجيههم لبنائها وفق إملاءات سوسيوثقافية واقتصادية".

بمعنى أنها تساهم في بلورة هوية مستخدميها بحسب أهدافها وغاياتها، لكن هذا لا يمنع من وجود هامش من الحرية يتمتع به المستخدم يتعلق بما يكشف عنه وما يخفيه بحسب اختياراته. إن مسألة فاعلية المستخدم وقدرته على التأثير في التكنولوجيا كانت على مدار التاريخ مثار جدل نظريات الاتصال، فمنها ما أثبت أن المستخدم مجرد متلقٍّ سلبي لتأثير التقنية وتعليماتها، ونستحضر في هذا الباب نظرية ماكلوهان الحتمية التكنولوجية ونظرية التأثيرات المباشرة. وفي مقابل ذلك، ظهرت نظرية الاستخدامات والإشباعات لتُعيد النظر في التصوّر الماكلوهاني السالب لحرية الإنسان،

وذلك بتأكيدها أن المستخدم يوظف التقنيات على نحو يستجيب لحاجاته وأهدافه، ومن ثمّ يجب

تسليط الضوء والاهتمام بالبحث في الاستخدامات، بدلً من التساؤل عن التأثير الذي تمارسه التقنية أو الميديا. ومن خلال هذا الجدل يمكن أن نستنتج "درسًا كبيرًا في تاريخ التكنولوجيا: المستخدمون

أيضًا منتجون، يكيّفون كل تكنولوجيا مع استعمالاتهم ومع قيمهم الخاصة، وينتهي الأمر بتغيير هذه

التكنولوجيا، كما أوضح ذلك فيشر كلود Claude Fisher بخصوص تاريخ الهاتف. وما  ينطبق على الهاتف ينطبق على الميديا الجديدة. ومن ثمّ، فالاستعمال الديني لفيسبوك يجسد في حدّ ذاته تطويع

المستخدمين لهذه الشبكة لتستجيب لأغراضهم المتعلقة بما هو ديني، كما أن طريقة بنائهم هويتهم

(55) Cardon, "Le design de la visibilité," p. 98. (56) Ibid., p. 86. (57) Rania Aoun, "Le profil Facebook a–t–il un sexe? quand le design performe l’identité de l’usager," in: Bonenfant et al., p. 120. (58) Manuel Castells, La galaxie internet , Paul Chemla (trad.) (Paris: Fayard, 2001), p. 42.

الدينية المتجسّدة في حسابهم الشخصي تخضع لمنطق مزدوج: فمن جهة يؤثّر النسق وإعداداته في

اختياراتهم، ومن جهة أخرى تشرط اختياراتهم وتغيّر النسق ذاته الذي يسعى دائمًا لتغيير إعداداته

لتستوعب متطلّبات المستخدمين. تحتّم علينا هذه الثورة الرقمية والتحولّات التي عرفتها تعبيرات الهوية الشخصية والجماعية/ الرقمية في

مختلف أبعادها، إعادة النظر في دلالة مفاهيم، مثل العمومية والخصوصية؛ فظهور شبكات التواصل الاجتماعي أدى إلى توسيع المجال العمومي، وأصبح هذا المفهوم يتخذ أبعادًا جديدة، فهو عمومي، لكن ليس بالمعنى الذي كنّا نعطيه للمفهوم قبل مجيء الرقمي؛ إذ يمكن أن ينشر مستخدمو فيسبوك صورهم الخاصة، ويتمكن الجميع من رؤيتها، لكن هذا لا يعني أن من حق الآخرين استعمال هذه الصور أو مشاركتها بدعوى أنها عمومية، فلم يعد هذا اللفظ محتفظًا بمعناه السابق، كما "أن الحدود بين الحياة الخاصة والعامة أصبحت غير واضحة وضبابية على نحو جعل بعض المحللين يذهب إلى الحديث عن اختفاء الحياة الخاصة وذوبانها.

خاتمة

تضعنا هذه الدراسة في قلب علاقة الدين بالإنترنت، متمثلةً في شبكات التواصل الاجتماعي، وهي علاقة بقيت في المجتمعات العربية عمومًا، وفي المغرب خصوصًا، في منأى عن الدراسة، باستثناء بعض الدراسات القليلة المحتشمة. في حين حظي الموضوع بدراسة معمّقة في العالم الأنكلوسكسوني

في البداية، وبعده الفرنكوفوني، وهو موضوع يفرض ذاته اليوم نظرًا إلى تطور استعمالات الشبكات

السوسيو–رقمية، وحجم الإقبال عليها. إنّ دراسة الدين والميديا الجديدة تجعلنا أمام مجموعة من الإشكالات، وتدعونا إلى إعادة النظر في مجموعة من الثنائيات التي تحكم هذه العلاقة، على رأسها: علاقة المقدس بالدنيوي، والافتراضي بالواقعي، والخاص بالعام... إلخ. وهذه الثنائيات التي كنا ننظر إليها من منظور المنطق الأرسطي على أنها متناقضة، أصبحت اليوم مع الفضاء الرقمي خاضعة للتفاوض ويخترق بعضها بعضًا. ويتبيّن لنا

هذا الأمر بجلاء من خلال التحولات التي عرفتها أشكال التعبير عن الهوية الدينية وصوره، من خلال الحساب الشخصي لمستخدمي فيسبوك، الذي اتخذ بحسب نتائج الدراسة أبعادًا ثلاثة: • البعد الأول: يتمثل في الكشف الصريح عن الهوية الشخصية والدينية، وذلك بعرض المعلومات كلها المرتبطة بالمستخدم وحضور مظاهر دينية تفصح عن هويته. • البعد الثاني: يتمثل في الكشف الجزئي عن الهوية الشخصية والدينية، وذلك من خلال حضور بعض المعلومات الشخصية ومظاهر دينية غير صريحة؛ أي ضمنية.

(59) Cardon, Culture numérique , p. 164. (60) Ibid., p. 177.

• البعد الثالث: يتجلّى في المجهولية التامة، حيث الغياب التام للمعلومات الخاصة بالمستخدم، إضافة إلى الغياب التام للمظاهر الدينية في الحساب الشخصي. وتظهر الهوية الدينية لهذا النوع من الحسابات في منشوراتهم، وما يتم تداوله على صفحاتهم، وهو ما يدخل ضمن الهوية الفاعلة التي سنفرد لها دراسة خاصة. إلى جانب ما قيل سابقًا، مكّنتنا الدراسة من التموقع ضمن الجدل الدائر حول علاقة المستخدم بالتكنولوجيا، ففي الوقت الذي تذهب فيه معظم النظريات الكلاسيكية في الاتصال إلى النظر إلى المستخدم باعتباره متلقّيًا سلبيًا غير قادر على التحكّم في استعمالاته للإنترنت، نجد نظريات أخرى،

مثل الاستخدامات والإشباعات ونظرية رائدة لهايدي كامبل في سوسيولوجيا الدين والإنترنت، تسمّى

التشكيل الاجتماعي والديني للميديا، تؤكد أن المستخدم يكيّف التكنولوجيا مع متطلباته، فيؤثّر فيها

ويغيرها. ويظهر هذا الأمر من خلال الاستعمال الديني لشبكات التواصل الاجتماعي الرقمية التي جرى تطويعها لخدمة أهداف المستخدم. ومن ثمّ، فنحن نؤكد في هذا الباب أن مستخدمي الشبكات يُعبّرون

عن هويتهم الدينية من خلال حساب شخصي تجري بلورته ذاتيًا بناءً على اختيارات المستخدم ذاته

ووفق الاختيارات التي تتيحها الشبكة، والتي يمكن أن يكيّفها المستخدم لتتناسب مع ما يختاره. "يمثل

الإنترنت بهذا المعنى تكنولوجيا للحرية"، غير أننا لا  ننكر إمكانية تأثير الميديا في الفرد، لكننا نؤمن بأن الفرد بدوره يؤثر في التكنولوجيا، وما تطوير فيسبوك والشبكات عمومًا لإعداداتها والاختيارات

التي تتيحها إلّ دليل على ما قلناه. ما دام السؤال المركزي الذي يُطرح بصدد كل دراسة علمية، خصوصًا في مجال العلوم الاجتماعية،

هو سؤال الإضافة أو القيمة العلمية التي تقدّمها، فإننا نؤكد في هذا السياق أن مجال البحث في علاقة الفضاء الرقمي بالدين في العالم العربي عمومًا، وفي السياق المغربي على وجه الخصوص،

مجال فتي، ولا ندّعي من خلال هذه الدراسة أننا قد أحطنا بالموضوع من جوانبه كلها. فوضع هذه التيبولوجيا للهوية الدينية الرقمية من خلال الحسابات الشخصية هو خطوة أولية في اتجاه التأسيس لدراسات أعمق حول الموضوع. وإذا كانت الانعكاسية تقتضي وعي الباحث بحدود دراسته، فإننا على وعي بأن بلورة تيبولوجيا للحسابات الشخصية للمتدينين على فيسبوك كتعبير عن الهوية الدينية في الفضاء الرقمي من خلال دراسة عدد محدود منها لا يسمح لنا بإمكانية تعميم نتائج هذه الدراسة، لأن هذه التيبولوجيا قد لا تصلح لدراسة أنواع أخرى من الحسابات، ومن ثم محدوديتها التي تعود في المستوى الأول إلى طبيعة العيّنة التي جرى الاعتماد عليها وخصائصها، وفي المستوى الثاني إلى عدد مفرداتها الذي

لا يسمح لنا بالتعميم. وعلى الرغم من محدوديتها، فإن هذا لا يقلل من قيمتها العلمية، لأنها تمثّل مدخلً لفهم تمظهرات الهوية الدينية الرقمية وتفسرها ولو على نحو أولي، كما أن أهميتها تكمن في طبيعة المقاربة المنهجية المعتمدة فيها والمتمثلة في النتنوغرافيا.

(61) Castells, La galaxie internet , p. 333.

المراجع

References

العربية

بارني، دارن. المجتمع الشبكي. ترجمة أنور جمعاوي. مراجعة ثائر ديب. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015. بوخاري، محمد، وإبراهيم القاسمي. "الإعلام التقليدي والإعلام الجديد من خلال نظرية الاستخدامات والإشباعات". مجلة روافد للبحوث والدراسات. مج  4، العدد 2 (كانون الأول/ ديسمبر.)2019 العيادي، محمد، وحسن رشيق ومحمد الطوزي. الإسلام في الحياة اليومية بحث حول القيم والممارسات الدينية بالمغرب. الدار البيضاء: دار  النشر ملتقى الطرق،.2013

الأجنبية

Ababou, Mohamed. Changement et socialisation de l’identité islamique. Maroc: publié avec le soutien du Ministère de l’enseignement Supérieur de la Formation des Cadres de la Recherche Scientifique sur les fonds gérés par le CNCPRST, 2001. Becker, Howard S. Les ficelles du métier comment conduire sa recherche en sciences sociales. préface à l’éditon française de Howard S. Becker & Heneri Peretz. Jacques Mailhos (trad.). revisée par Heneri Peretz. Paris: la Découverte, 2002. Berry, Vincent. "Ethnographie sur Internet: rendre compte du 'virtuel'." Les Sciences de l’éducation – Pour l’Ère nouvelle. vol. 45, no. 4 (2012). Bonenfant, Maude & Charles Perraton (eds.). L’identité et multiplicité en ligne. Québec: Presse de l’université de Québec, 2015. Campbell, Heidi A. (eds.). Digital Religion Understanding Religious Practice in New Media Worlds. London: Routledge, 2013. Cardon, Dominique. "Le design de la visibilité: Un essai de cartographie du web 2.0." Réseaux. vol. 152, no. 6 (2008). Cardon, Dominique. Culture numérique. Paris: Presse de la Fondation Nationale des sciences Politique, 2019. Castells, Manuel. Communication et pouvoir. Margaret Rigaud–Drayton (trad.). préface d’Alain Touraine. Paris: La maison de science de l’homme, 2013. Castells, Manuel. La galaxie internet. Paul Chemla (trad.). Paris: Fayard, 2001. Daim–Allah, Warda. Les jeunes et Facebook: Le lien social au cœur du réseautage numérique entre sociabilité interactive et interaction sociale. Médias et technologies numériques au sud de la Méditerranée Constructions identitaires et interculturalités. Paris: L’Harmattan, 2015. Danah, M. Boyd et al. "Social Network Sites: Definition, History and Scholerschip." Journal of Computer–Mediated Communication. vol. 13, no. 1 (October 2007).

De Gail, Marie–Agnès. "La ritualisation des interactions sur Facebook Cooptation et exposition de soi." Les Cahiers du numérique. vol. 9, no. 3 (2013). Dumez, Hervé. "Qu’est–ce qu’un concept." Le Libellio d’AEGIS. vol. 7, no. 1 (2011). Fabianne Duteil–Ogata et al. (dir.) Le religieux sur internet. Paris: L’Harmattan, 2015. Georges, Fanny. "Représentation de soi et identité numérique Une approche sémiotique et quantitative de l’emprise culturelle du web 2.0." Réseaux. no. 154 (2009). Hine, Christine. Ethnography for the Internet: Embedded, Embodied and Everyday. London: Bloomsbury, 2015. Jonveaux, Isabelle. Dieu en ligne: Expériences et pratiques religieuses sur Internet. France: Bayard, 2013. Jouet, Josiane. "Retour critique sur la sociologie des usages." Réseaux communiquer à l’ère des reseaux. vol. 18, no. 100 (2000). Justand, Francis & Carine Dartiguepeyrou. La métamorphose numérique vers une société de la connaissance et de la cooperation. Paris: Alternatives, 2013. Justand, Francis et al. La métamorphose numérique vers une société de la connaissance et de la coopération. Paris: Alternatives, 2013. Klein, Annabelle. Nos jeune à l’heure numérique. Genève: Academia L’harmattan,

Mercklé, Pierre. La sociologie des réseaux sociaux. Paris: La Découverte et Syros, 2004. Merra, Lucile. "Pour une sociologie des médias sociaux: Internet et la révolution médiatique: Nouveaux médias et interaction." Thèse de doctorat de sociologie. Sciences humaines et sociales, Dirigée par Brigitta Orfali. 15/11/2013. at: https://bit.ly/3DqreZM Nissenbaum, Helen. Privacy in Context Technology, Policy, and the Integrity of Social Life. Redwood City: Stanford University Press, 2010. Paskon, Paul. Conseils pratiques pour la préparation des mémoires et thèses à l’usage des étudiants. Rabat: Recherches en Sciences Humaines, 1981. Quéméner, Myriam. Cybersociété entre risque et espoire. Paris: l’Harmattan, 2013. Rieffel, Rémy. Révolution numérique, révolution culturelle? Paris: Gallimard, 2014. Saleh, Imad et al. Les frontières numériques. Paris: l’Harmattan, 2014. Sarachan, Jeremy. "Profile Picture, Right Here Right Now, Facebook and Philosophy, What’s on your Mind?" Popular Culture and Philosophy. vol. 50 (2010). Siiba, Andra. "Constructing the Self through the Photo Selection: Visual Impression, Management on Social Networking Websites." Cyberpsychology. vol. 3, no. 1 (January

Tisseron, Serge. "L’intimité et l’extimité." Communications. vol. 1, no. 88 (2011). Walczak, Nathalie. "La protection des données personnelles sur l’internet: Analyse des discours et des enjeux sociopolitiques, thèse de doctorat en Sciences de l’information et de la communication." Université Lumière Lyon 2. France, 4/7/2014.

ملحق يبيّن شبكة الملاحظة النتنوغرافية الخاصة بالحسابات الفيسبوكية

عناصر الملاحظةمعلومات الحساب الفيسبوكي
مصرّح بهغير مصرّح به
السن
مكان الإقامة
المهنة
عدد الأصدقاء
صورة الحساب
صورة الغلاف
اسم الحساب الفيسبوكيحقيقيمستعار
الوضعية العائليةأعزبمتزوجغير مصرح بها
درجة التفاعل مع منشوراتهضعيفةمتوسطةقوية

المصدر: من إعداد الباحثة.

معلومات الحساب الفيسبوكي