Return to Article Details Development and Settler Colonialism: Perpetuating Neo-colonial Domination and Apartheid

التنمية وشرط الاستعمار الاستيطاني: إدامة للسيطرة النيوكولونيالية والفصل العنصري

Development and Settler Colonialism: Perpetuating Neo–colonial Domination and Apartheid

* Hasan Ayoub & **

Eleyan Sawafta حسن أيوب وعليان صوافطة|

الملخّص

تنطلق هذه الدراسة من مشكلة التأطير المفاهيمي لوجود إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلّة عام 1967، وعلاقة فهمها بواقع تجارب التنمية، فإذا ما كانت إسرائيل هجينًا بين خصائص الاستعمار الاستيطاني والنيوكولونيالية والاحتلال العسكري، فإنّ الفرضية المركزية تقول إنّ الاستعمار الاستيطاني قد عمل بوساطة أدوات القوّة الإكراهية المادّية والمعنوية على خلق بنًى اقتصادية وغير تنموية تتلاءم مع علاقات القوّة في سياقها الاستعماري الاستيطاني، وتعيد إنتاجها في إطار منظومة الفصل العنصري.

Abstract

Abstract: This paper examines the relationship between the conceptual framing of the state of Israel in the occupied Palestinian territories in 1967 and its development practices. It argues that the Israeli regime represents a hybrid of settler-colonialism, neocolonialism, and military occupation, this paper posits that settler-colonialism employs both physical force and coercion to establish economic structures that hinder development. These structures are aligned with and perpetuate power dynamics inherent to a settler-colonial context, echoing elements of apartheid.

الكلمات المفتاحية:
  • الاستعمار الاستيطاني
  • التنمية
  • النيوكولونيالية
  • الفصل العنصري
  • احتلال
Keywords:
  • Settler Colonialism
  • Development
  • Neocolonialism
  • Apartheid
  • Occupation

* Hasan Ayoub & ** Eleyan Sawafta حسن أيوب وعليان صوافطة|

Development and Settler Colonialism:

Perpetuating Neo–colonial Domination and

Apartheid

ملخص: تنطلق هذه الدراسة من مشكلة التأطير المفاهيمي لوجود إسرائيل في الأراضي

الفلسطينية المحتلّة عام 1967، وعلاقة فهمها بواقع تجارب التنمية، فإذا ما كانت إسرائيل

هجينًا بين خصائص الاستعمار الاستيطاني والنيوكولونيالية والاحتلال العسكري، فإنّ

الفرضية المركزية تقول إنّ الاستعمار الاستيطاني قد عمل بوساطة أدوات القوّة الإكراهية

المادّية والمعنوية على خلق بنىًاقتصادية وغير تنموية تتلاءم مع علاقات القوّة في سياقها

الاستعماري الاستيطاني، وتعيد إنتاجها في إطار منظومة الفصل العنصري.

Abstract: This paper examines the relationship between the conceptual framing of the state of Israel in the occupied Palestinian territories in 1967 and its development practices. It argues that the Israeli regime represents a hybrid of settler-colonialism, neocolonialism, and military occupation, this paper posits that settler-colonialism employs both physical force and coercion to establish economic structures that hinder development. These structures are aligned with and perpetuate power dynamics inherent to a settler-colonial context, echoing elements of apartheid.

Assistant Professor of Political Science at An–Najah National University, Palestine. Email: hasan.ayoub.@najah.edu

Graduate research assistant at peace and conflict studies department, University of North Carolina, US (Corresponding Author). Email: ersawafta@uncg.edu

مقدمة

إذا ما نُظر إلى بناء التنمية بوصفها "عملية متعدّدة الأبعاد، وقد تشمل إنشاء الهياكل والعمليّات الاجتماعية والسياسية، وإعادة تشكيلها و/ أو إعادة توجيهها بما يتجاوز الأصول

الاقتصادية"، فإنّ نقدها أو دراستها – بوصفها عمليّة – يتطلّب أيضًا استنطاق مجمل العوامل التي

تُقيِّد الهياكل الاجتماعية والسياسية ذاتها، كالاستعمار الاستيطاني في السياق الفلسطيني. إنّ تقديم

هذه الدراسة متعلّق بمحاولة فهم العلاقة المركّبة بين التنمية بوصفها بنى وسياسات، وبين شروطها الإكراهية التي تسعى بحكم الانتقال النيوكولونيالي إلى خلق نظام اقتصاديّ – اجتماعيّ في خدمة دولة

الاستعمار الاستيطاني. وبحكم الضرورة، فإنّ الدراسة ستنطلق من نقد الفهم المرتبك للتنمية، الذي استمرّ عدّة عقود في المناطق الفلسطينية المحتلّة بعدوان عام 1967؛ إذ بات الفهم المعاصر للتنمية

في هذه المناطق رهين المقاربات النظرية السائدة في الدراسات الفلسطينية لوصف إسرائيل باعتبارها احتلالً و/ أو نظام فصل عنصريّ، ومن ذلك تبدأ إشكالية الدراسة الأساسية. تنطلق هذه الدراسة من النظر إلى الوجود الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 بوصفه نظامًا يجمع بين خصائص الاستعمار الاستيطاني النيوكولونيالي وخصائص الاحتلال؛ إذ من الملاحظ

أنّ نموذج الاستعمار الاستيطاني الصهيوني للمناطق المحتلّة عام 1967 قد دخل في تطوّر نوعي مخالف

لذاك الذي ساد حتّى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، فبينما ارتكز مشروع الاستعمار الاستيطاني على الهيمنة والإقصاء والفصل، شأنه شأن أيّ استعمار استيطاني، فإنّ التطوّرات التي حلّت ببنية الاقتصاد

الإسرائيلي بالتزامن مع الانتفاضة الأولى، قد جعلت من عملية التسوية السياسية الإقليمية أمرًا ممكنًا؛

وكلّ ذلك شكّل فرصة أمام إسرائيل لتبنّي استراتيجية نيوكولونيالية. وقد فتحت المعطيات الجديدة إمكانيّة دخول إسرائيل إلى النظام الإقليمي من بوّابة ما عُرف باسم المفاوضات المتعدّدة الأطراف،

وبما يحقّق لها شرط الوجود "الطبيعي"، وتطلّب ذلك تحو لً في استراتيجية التعامل مع الفلسطينيّين

بوصفه احتياطيًّا اقتصاديًّا من حيث العمالة وتعزيز الهيمنة الإسرائيلية على الاقتصاد الفلسطيني، وهو

ما يبرّر النظر إلى التنمية الفلسطينية من زاوية هذا التحوّل. وقد كان التصوّر الذي قدّمه رئيس الوزراء

الإسرائيلي الأسبق شمعون بيرس (1986–1984، 1996–1995) حول "الشرق الأوسط الجديد"، هو الأساس النظري والسياساتي لهذا التحوّل. لم يعد الوجود الإسرائيلي مجرّد احتلال عسكري، بسبب استدامته وتخلّيه عن الطابع المؤقّت

لحالات الاحتلال العسكري، وكذلك بحكم بناه وتصميمه الجيوسياسي القائم على العزل الداخلي للفلسطينيّين، عن طريق التحكّم في الأرض والحيّز ومجالات الحياة. ومثلما يشير عزمي بشارة،

فإنّ الاحتلال الإسرائيلي لما تبقّى من فلسطين بعد عام 1967، هو امتداد واستمرار للاستعمار الاستيطاني، وقد تحوّل إلى نظام أبارتهايد بفعل المشروع الاستيطاني الذي قام منذ البدايات (ما قبل

(1) Basim Ezbidi, "Is Sustainable Development Possible Under Occupation? The case of Palestine," in: Larbi Sadiki (ed.), Routledge Handbook of Middle East Politics (Abingdon: Routledge, 2021), p. 605. (2) Shimon Peres, The New Middle East (New York: Henry Holt, 1993).

قيام دولة إسرائيل) على ثنائية احتلال الأرض والعمل في سياق ادّعاء قوميّ إقصائيّ بطبيعته. ومن

هذا المنظور فإنّ دولة إسرائيل بطبيعتها تجسّد واحدًا من أبرز الأمثلة على الفكر الجيوسياسي

للمدرسة الألمانية، وخاصّة فكرة "المجال الحيوي Lebensraum " للمنظّر فردريك راتزل

Ratzel Friedrich، التي يقع الاستيطان في قلبها بوصفه من أهمّ وسائل تشكيل الأمّة. يشير إيلان بابيه Ilan Pappé إلى أنّ الاستعمار الاستيطانيّ يبقى المنظور الأكثر قدرة من غيره من

المقاربات الكلاسيكية على فهم الصِراع الإسرائيلي – الفلسطينيّ بوصفه نموذجًا للاستعمار

الاستيطانيّ. إنَّ ديناميات الاستعمار الاستيطانيّ تسعى للاستغلالِ والبقاء، بعدَ محاولة القضاء على

السكّان الأصليّين، الأمر الذي – كما يقول باتريك وولف – يُعطي الاستعمار الاستيطاني سمة البنية،

وليس الحدث المؤطّر زمنيًّا؛ أي إنَّ الاستعمار الاستيطاني عند الغَزْوِ يضعُ بنيةً مستدامة تاريخيًّا،

وذات ميل مؤسّسي هادف إلى السيطرة على خيارات التنمية بقوّة السلاح، إلى جانبِ سيطرته على

الأرضِ ذات الرمزية السياسية والمادّية باعتبارها من أهمّ وسائلِ الإنتاج. ولذلك يعدّ الاحتلال والنظام الكولونيالي في المناطق الفلسطينيّة المحتلّة عام 1967 صنائع للاستعمار

الاستيطاني وللدولة التي تسعى نحو مزيد من التوسّع. إلّ أنّ الفرق بينهما (أي الاحتلال والنيوكولونيالة)

لافت للانتباه من الناحية النظرية، لا سيّما بعد تعزّز معالم النيوكولونيالية التي أخذت خصائصها تتبلور

أكثر فأكثر منذ بدء عملية "أوسلو" في عام 1993، والتي عزّزت في أحد أكثر أوجهها عمقًا علاقات

اللاتساوي والتتبيع بين المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 وبين النظام الإسرائيلي على المستويات الاقتصادية والمعيشية، وسواها من جوانب النشاط الاجتماعي. إذًا، ثمّة تمييز نظري بين الاستعمار

الاستيطاني الذي يعتبر اللبنة الأوّلية والأساسية لوجود إسرائيل، والنيوكولونيالية التي يُمكن تأطيرها

لاحقًا بأدوات القوّة المادّية والمعنويّة. في سياق ما تقدّم، فإنّ إشكالية البحث تتمثّل في تمسّك السلطة الفلسطينية، على مستوى الخطاب

والسلوك السياسي، بوصف الواقع القائم في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 بأنّه احتلال. يتّفق معها في ذلك بقيّة اللاعبين الدوليّين أصحاب رؤية "حلّ الدولتين"؛ ولكلٍّ أسبابه. ولعلّ الأكثر

لفتًا للانتباه في سياق واقع إسرائيل، المقاربات التنموية التي تنتهجها السلطة الفلسطينية لمواجهة هذا الواقع الذي يفرض على الفلسطينيّين معدلّات مرتفعة من البطالة والفقر وتدنّي الإنتاجية والتبعية

للسوق الإسرائيليّة. وعلى سبيل المثال، فإنّ آخر المحاولات الفلسطينية للتغلّب على تحكّم إسرائيل

بالاقتصاد الفلسطيني، هي ما يُعرف بخطّة "الانفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي" التي انتهجتها حكومة

محمّد اشتيّة، وقد جاءت في سياق يفتقر إلى الاستراتيجية الشاملة لإنشاء نموذج اقتصاد مقاوم ينطلق

(((عزمي بشارة، "استعمار استيطانيّ أم نظام أبارتهايد: هل علينا أن نختار؟" عمران، مج  10، العدد 38 (خريف 2021)، ص.15 (((أشرف بدر، "المعضلة الجيوبوليتيكية الإسرائيلية"، دراسة مقدّمة في مؤتمر إسرائيل في عقدها الثامن: أبعاد القوّة وحدودها،

مركز رؤية للتنمية السياسية، إسطنبول، تركيا، 2020، ص.86–50

(5) Rachel Busbridge, "Israel–Palestinian and the Settler Colonial 'Turn': From Interpretation to Decolonization," SAGE Journal , vol. 35, no. 1 (2017).

من مقاربة تحرّرية تسعى لتفكيك الاستعمار، إذ بات من الواضح أنّ السلطة الفلسطينية تتمسّك،

في كلّ الأحوال، بفكرة حلّ الدولتين، والمطالبة بالسيادة لفظيًّا وبمعزل عن استراتيجية مقاومة تتعامل

مع الواقع بوصفه استعمارًا – استيطانيًّا ينبغي أن يكون التحرّر الوطني نقيضه الموضوعي. تجادل هذه الدراسة بأنّ الاستعمار الاستيطاني قد عمل بوساطة منظومات السيطرة الخاصّة به (أدوات

القوّة المادّية والإكراهية) – كاستغلال عملية التسوية باشتراط الأمن لتحقيق السلام، والجدار، وسياسات

الإغلاق والحصار، ومصادرة الأراضي وتفتيت الجغرافيا؛ والتشريعات والبنية القانونية – على خلق بنى اقتصادية وغير تنموية تتلاءم مع إنتاج علاقات القوة وتعيد إنتاجها في سياقها الاستعماري الاستيطاني في إطار منظومة الفصل العنصري. تُفهم التنمية، حصرًا في هذه الدراسة، عن طريق محاولة وصف خطاب التنمية الفلسطينية وتحليله

ونقده، والانتقال من مقاربات التنمية الشاملة إلى مقاربة التنمية التحرُّرية. وتتفحّص الدراسة الآليّات

السببيّة التي أدَّت إلى إعاقة النموذج التنموي محلّ الدراسة، وذلك عن طريق إدراج مؤشّرات قياسية

تفسيريّة لربطِ تأثير المتغيّر المستقلّ الأساسي المُتمثِّل في الاستعمار الاستيطاني في المتغيّر التابع

(التنمية). ولأنّ تفسير العجز التنموي في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 عمل مُركّب، فإنّ خطّة البحث

تأتي في ثلاثة أجزاء: (1) الإطار التحليليّ المنهجي للتنمية وإسرائيل؛ وعرض جذور العجز التنموي

وتصنيفها إلى قدرة الفلسطينيّين على الوصول إلى مواردهم الطبيعية، ثمَّ حجم التجارة الخارجية،

ومستويات العمالة والبطالة والفقر؛ (2) كيف أنتجت إسرائيل نموذجًا اقتصاديًّا تنمويًّا يلائم بنية

الاستعمار الاستيطاني؛ (3) وتختم الدراسة بتحليل وخلاصات.

أولا: الإطار التحليلي المنهجي للهيمنة الاستعمارية والتنمية

تُفهم التنمية بكلّ أبعادها، التي تجد في البنية الاقتصادية مقوّمها المادّي، فلا يمكن الحديث عن الحيّز

المكانيّ أو الأبعاد الاجتماعية والسياسية للاقتصاد الفلسطينيّ بمعزل عن معاملات القوّة والهيمنة

الاستعمارية الاستيطانية الإسرائيلية المشار إليها، حيث لا يوجد مجال حيوي واحد في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 غير خاضع للسيطرة الإسرائيلية. ولا تميّز إسرائيل بين منطقة جغرافية

وأخرى، إذ تعتبرها كلّها أراضي إسرائيلية أو أراضي متنازَعًا عليها، بينما نجد التمييز والفصل يشمل كلّ شيء آخر له علاقة بالناس (السكّان)، وهذا يشمل الترتيبات الاقتصادية التي تتّبع فيها إجراءات وقوانين وسياسات على الفلسطينيّين مختلفة تمامًا عن تلك المطبّقة على "المستوطنين"، وهذا

هو جوهر الارتباط بين الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري والتنمية، ففي إطار نظام الهيمنة الجيوسياسي الذي تتّسم به بنية الاستعمار، أقامت إسرائيل بنى مجالها الحيوي التوسّعيّ، مستخدمة

(6) Ibrahim Fraihat, "The Palestinian Economic Disengagement Plan from Israel: An opportunity for progress or an illusion?" Third World Quarterly , vol. 43, no. 7 (2022), p. 1706.

أدوات هيمنة تظهر المحتوى التطهيري لهذا المشروع الاستعماري، وتترجم التحوّل العضوي في

المجتمع الاستعماري الاستيطاني إلى مشروع سيادة دائم على كلّ البقعة الجغرافية الخاضعة له، وتبرز إملاءات القوّة السياسية والمادّية على الكيفيّة التي بها يعيش/ يموت الناس في المناطق الفلسطينية

المحتلّة عام 1967. هذا يشمل فهم الاستعمار الاستيطاني بوصفه مشروعًا دائمًا عماده الأساسيّ

الاستحواذ على الأرض والقضاء على السكّان الأصلانيّين إمّا بالمعنى المادّي المباشر، أو بالمعاني

السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فبحكم عدم قدرة إسرائيل على تحييد الفلسطينيّين وتحويلهم

إلى سكّان أصلانيّين بلا طموح قوميّ، تحوّلت استراتيجيّتها نحو الأبارتهايد الّذي يجري في إطاره

تفتيت الفلسطينيّين وتحويلهم إلى مجموعات لا فرصة لها لتحقيق أيّ تطوّر اقتصادي أو اجتماعي أو

سياسي. منذ توقيع اتفاقية "أوسلو" وإنشاء السلطة الفلسطينيّة، انحصر الحديث بشأن التنمية في المناطق

الفلسطينية المحتلّة عام 1967 بين اتّجاهين: الأوّل يعتبر أنّ في الإمكان إحداث التنمية أو بعض

جوانبها على الرغم من الاحتلال (حسب تعبيرها) بوساطة البناء المؤسّساتي، وبشكل خاصّ بناء

مؤسّسات. بينما  تجادل المدرسة الأخرى بعدميّة احتمال إحداث التنمية في ظلّ الواقع المرتهن

لسيطرة إسرائيل على موارد الفلسطينيّين وإمكانيّاتهم، وعلى مفاتيح السياسات الاقتصادية والمالية

والنقدية للسلطة الفلسطينية. إلا أنّ الانطلاق من فهم مختلف للواقع بأنّه استعمار – استيطانيّ

إسرائيليّ أنتج نظامًا للفصل العنصري في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967، سيقودنا إلى استنتاج

مختلف مفاده أنَّ هذا النظام يدفع نحو بنى اقتصادية وتنموية تتلاءم مع أولويات الاستعمار الاستيطاني المركّب: أي القائم على الفصل وعلى الاستغلال معًا، وهي الاستراتيجية التي وضع أسسها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شمعون بيرس في مفاوضات أوسلو. وهذه حالة أكثر تعقيدًا في فهمها، فالتنمية ليست تعارضات ثنائية بين إعاقة واضحة للتنمية من جانب بنى الاستعمار وتنمية منقوصة في ظلّ وجود مأسسة ضيّقة أو محدودة السيادة تحت وطأة الاحتلال، بل هي تنمية موجّهة ذات جوهر

مقصود وتتحكّم فيها سياسات "المركز المتروبولي للاستعمار الاستيطاني". وهي تنمية تهدف إلى خلق أشكال بعينها لما يمكن أن يوصف بأنّه تنمية، في حين أنّ العلاقات الهيكلية بين الاقتصادين الإسرائيلي المهيمن والفلسطيني التابع تفصّل التنمية على مسطرة إدامة السيطرة النيوكولونيالية. تجادل هذه الدراسة بأنّه ثمّة ما يكفي من الدلالات الوصفية على أنّ نموذج التنمية المعمول به حاليًّا

في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 لا يمكنه التحرّر من الطبيعة الاستعمارية الاستيطانية

النيوكولونيالية التي تأخذ شكل الفصل العنصري. ثمّة ارتباط وثيق بين هذه البنية النيوكولونيالية

(((من أبرز مؤيّدي هذه المدرسة رئيس الوزراء الفلسطيني محمّد اشتيّة (2019–)، والخبير الاقتصادي يوسف الصايغ (–1916 (((يُنظر: أعمال إياد الرياحي، آن لي مور، فراس جابر، أميرة سلمي، حازم النملة، ليندا طبر، توفيق حدّاد، رجا الخالدي، إبراهيم

الشقاقي، طارق دعنا. (((بشارة، ص.18

وتصميم بُنى تنمويّة تُلبّي شروط استدامة الاستعمار الاستيطاني جيوسياسيًّا واقتصاديًّا وقانونيًّا. ومن

هنا، فإنّ اختيار الموارد الطبيعية يُبرَّر باهتمام الأدبيّات الصهيونية بالأرض والمياه بوصفهما أهمّ

عناصر الإنتاج، ومرتبطتين بالأمن المائيّ والغذائي، في حين أنّ التجارة الخارجية مؤشّر صريح على

قدرة/ عدم قدرة الاقتصاد على مراكمة رأس المال. وكلا المؤشّرين يُحدّدان السيطرة النيوكولونيالية

على خيارات المجتمع الفلسطيني في العمل والحياة. ولا يُقصد منهجيًّا بفهم العجز التنمويّ من

خلال الزوايا الثلاث السابقة اختزال واقع التنمية العامّ، أو تضييق العوامل المؤثّرة تأثيرًا مباشرًا في

ترويض روافع التنمية، بل هو انتقاء مقصود ومرتكز على أساس فهم بعض البنى الاقتصادية والتنموية التي أصبحت تتلاءم مع أولويات النيوكولونيالية وخصائصها.

1. الموارد الطبيعية: الأرض والمياه وأملاح البحر الميت

إنَّ النظر إلى أصل العلاقة بين بدايات الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي من زاوية السيطرة على الموارد الطبيعية، ليس تبريرًا اعتباطيًّا للقول إنّ وجود الموارد الطبيعية في الأراضي الفلسطينيّة قد حرّك قيام

حركة استعمارية استيطانية مرتبطة بحدث زمني فحسب، بل هو إعادة دراسة لأهمّ الأدبيات الصهيونية

التي قالت آنئذ: "شعب بلا أرض، لأرض بلا شعب"، و"حدود الدولة اليهودية تمتدّ شم لً إلى مياه نهر الليطاني"، وتمتدّ "حتّى ضفاف نهر الأردنّ شرقًا ". وقد برزت بشكل مبكر في الفكر والممارسة

الصهيونية تلك الأبعاد الجيوسياسية للاستعمار – الاستيطاني، مثل نظرية "الستار الحديدي" عند زئيڤ جابوتنسكي Ze’ev Jabotinsky (1940–1880)، الذي وضع أوّل أطلس لفلسطين باللغة العبريّة، وفي

أفكار الصهيونيّين المكانيّين وسياساتهم مثل حاييم وايزمان Weizmann Chaim)1952–1874(.

وكانت أولى ثمرات هذا المنحى الجيوسياسي هي إقامة مدينة تلّ أبيب على تخوم مدينة يافا، وقد كانت تلّ أبيب نموذجًا للسيطرة المكانيّة والاستقلالية الاقتصادية والمالية للحركة الصهيونية. وإذا كان المشروع الاستعماري الاستيطاني قبل عام 1967 قد حقّق الكثير من النجاحات حتّى العام

ذاته – ليس بحكم تجلّيه الأساسي في هيئة دولة فحسب، بل كذلك بحكم أنّه ترافق مع إعادة تكوين الحيّز المكانيّ، والمكوّن الديموغرافيّ في فلسطين لمصلحة الحركة الصهيونية، وذلك بفعل تهجير

أكثر من 800 ألف فلسطيني، ومسح أكثر من 400 قرية فلسطينية عن الوجود – فإنّه أضاف إلى مكوّناته

البنيوية بعدًا أمنيًّا ثابتًا واستراتيجية فصل في الأراضي الفلسطينية بعد عام 1967. وتؤكّد ذلك مبكّرًا

خطّة يِغآل آلون Allon Yigal (1974–1968)، الذي قدّم تصوّرًا لمشروع استيطاني سياسي – أمنيّ

(1((هيثم أبو  الغزلان، "المياه.. مدخل لاختراق الأمن القومي العربي وإشعال الحروب"، الوحدة الإسلامية، العدد  131 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2013)، شوهد في 2023/6/4، في: https://bit.ly/3cHt9tS 1(((نبيل السهلي، "إسرائيل وسرقة المياه الفلسطينية"، الجزيرة نت، 2010/1/24، شوهد في 2023/6/4، في: https://bit.ly/3dPzTWQ

(12) Ze’ev Jabotinsky, "The Iron Wall," Jabotinsky Institute in Israel, 4/11/1923, accessed on 4/6/2023, at: https://bit.ly/3d0tpJX (13) Yiftachel, Oren, Ethnocracy: Land and Identity Politics in Israel/Palestine (Pennsylvania: University of Pennsylvania Press, 2006), pp. 80–82. (14) Ilan Pappé, The Ethnic Cleansing of Palestine (Oxford: One World, 2006), p. 35.

يقوم على ضمّ أجزاء واسعة من الضفة الغربية والقدس. ومؤخّرًا – على يد عضو الكنيست الإسرائيلي

إيتمار بن غفير (2021–) – ثمة أفعال حديدية مبنيّة على جغرافية الأمن في كلّ من نابلس وجنين

في الضفة الغربية. وبذلك، فإنّ جذور الاستعمار الاستيطاني في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 تتجسّد بشكلٍ جلي في وجود قوّة استعمارية – استيطانية تقوم على الإكراه في السيطرة على

الموارد الطبيعية وتحديد قدرة الوصول إليها، وفي سياق تبريرات توراتية تمنح المشروع عمقًا ثقافيًّا

وأيديولوجيًّا. إنَّ دراسة الموارد الطبيعية، بوصفها مؤشّرًا من مؤشّرات العجز التنموي في المناطق الفلسطينية المحتلّة

عام 1967، تحتاج إلى أمرين: أو لً، تضييق مساحة بحثها في الأرض والمياه وأملاح البحر الميت،

وذلك بالرجوع إلى مادّة القانون الفلسطيني رقم (1) لعام 1999. وثانيًا، النظر إليها من عدسة غطاء

"أوسلو" والاقتصاد السياسي لبنى الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي الذي يقوم على أساس تجريد الفلسطينيّين من إمكانيات الحياة والتطوّر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. مهّد غطاء "أوسلو" للطبيعة النيوكولونيالية سياسيًّا واقتصاديًّا وجغرافيًّا وحتّى قانونيًّا، إذ فتّتت اتّفاقية

"أوسلو" (2)، الموقّعة عام 1995، الأراضي الفلسطينية إلى (أ)، و (ب)، و (ج) وفق منطق السيطرة النيوكولونيالية على الموارد الطبيعية. وجاءت المأسسة المجزوءة لدور السلطة الفلسطينية الوظيفي على مساحة أقلّ من 22 في المئة من أراضي فلسطين التاريخية، وفق انطلاق ماجريات "العملية

السلمية" التي دشَّنها اتّفاق "أوسلو" (1) عام 1993، بعد ترسيخ قواعد لعبةٍ جديدة للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، قواعد لعبة بقيت من بعدها السلطة الفلسطينية تصرخ مطالبة المجتمع الدولي بتخليص المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 من الاحتلال، في حين ظلّت إسرائيل تصرّ على أنّ السياق

الفلسطيني أصبح سياق ما بعد النزاع في ظلّ حركة ضخمة من الأموَلة الغربية. تضمّ المنطقة (ج) أكثر من 87 في المئة من موارد الضفّة الغربية، وبذلك رفع تفرّد الاستعمار الاستيطاني

بها من تكاليف العديد من العناصر اللازمة للإنتاج. ويقدّر البنك الدوليّ احتمالية زيادة الناتج

المحلّي الإجمالي للفلسطينيّين بنسبة 35 في المئة في حال أنّهم تمكّنوا فيها. ومن هنا، تجادل هذه

(1(("المشاريع الاستيطانية"، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، شوهد في 2021/5/26، في: https://bit.ly/30EfaSD 1(((سعيد الآغا، "حماية الموارد الطبيعية طبقًا لأحكام القانون الدولي العامّ: الحالة الفلسطينية نموذجًا"، مجلة الجامعة العربية

الأميركية، مج  3، العدد 1 (2017)، ص.43–42 (1((المرجع نفسه، ص.41 (1((وليد مصطفى، الموارد الطبيعية في فلسطين: محدّدات الاستغلال وآليّات تعظيم الاستفادة (رام  الله: معهد أبحاث السياسات

الاقتصادية الفلسطيني "ماس"، 2016)، ص.5–4 (1(("اتفاقية أوسلو (إع ناا المبادئ – حول ترتيبات الحكومة الذاتية الفلسطينية)"، منظّمة التحرير الفلسطينية – دائرة شؤون المفاوضات، شوهد في 2023/4/7، في: https://bit.ly/2VG2W8x 2((("كم قضم الاستيطان من أرض فلسطين؟"، الجزيرة نت، 2017/5/22، شوهد في 2020/8/12، في: https://bit.ly/39AMVF7 (2(("تقييم التعديلات الأخيرة (2014) لقانون تشجيع الاستثمار الفلسطينية"، طاولة مستديرة، رام الله: معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" (2014)، ص 6، شوهد في 2023/6/13، في: http://bitly.ws/HJyi

الدراسة بأنّ دراسة الأرض الفلسطينية ليست مجرّدة بوصفها قراءة جغرافية – جيولوجية فقط، بل لها

أبعاد سياسية واقتصادية واستراتيجية مرتبطة بإعادة ترتيب السكّان وقوى الإنتاج، والوصول إلى الموارد الطبيعية، وإعادة توزيع العمالة على القطاعات الاقتصادية، والتحكّم في مستويات البطالة والفقر، وفهم الارتباطات الهرمية بين الإنتاج الوطني والبنى الإنتاجية الاستعمارية الاستيطانية أيضًا، والأهمّ من ذلك مآلات فقدان السيطرة على الأرض في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 على الأمن المائي الفلسطيني. ترتبط آفاق وجود المجتمعات البشرية بقضايا الأمن المائي. وقد بقيت قضية المياه وشحّها في

المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 متمحورة في الأساس حول السيطرة الاستعمارية الاستيطانية على الأرض، ولذلك، فإنَّ سببها الرئيس هو الإنسان وليس الطبيعة، إذ إنَّ ترحيل ملفّ المياه الفلسطينية في مرحلة "أوسلو" إلى قضايا الحلّ النهائي، يُبيّن مَدى إدراك إسرائيل لأهمّية انعكاساتها

على صعيد قيام دولة فلسطينية مُستقلّة من جهة، وعلى المجتمع كلّه من ناحية الازدهار والتنمية من

جهةٍ أخرى. وأطّرت العملية ذاتها الصلاحيات الفلسطينية المشوّهة التي انبثقت من ولادة سلطة المياه

الفلسطينية. وفي دراسة للبنك الدولي "نحو أمن مائيّ للفلسطينيّين"، ثمّة نصّ صريح يقول إنّ

"ترتيبات الحكم الحالية تمنح إسرائيل حقّ النقض على تطوير الفلسطينيّين لقطاع المياه وخدماته وترك

الضفة الغربية تعتمد على إسرائيل للحصول على المياه الكافية". إذًا، تتحكّم إسرائيل بشكلٍ مطلق في المياه، ويُشار إلى أنَّ حجم مُجمل الموارد المائية التي يُحرم منها المواطن الفلسطيني في الضفة الغربية قد بلغ أكثر من 85 في المئة، وقدّرت منظّمة الصحّة العالمية

نوعية المياه القابلة للاستخدام الآدميّ في حوض غزّة الساحلي بنسبة 5 في المئة فقط. وعلى الرغم

من أنّ للفلسطينيّ الحقّ في استخدام 250 مليون متر مكعب من المياه السطحية في نهر الأردنّ حسب

خطّة جونستون" عام 1955، فإنّه يحرم منها بشكل كامل. وقد بقي وصول الفلسطينيّ إلى موارد

مياه البحر الميت معضلة، خاصّة أنّ جميع المناطق الفلسطينيّة المُشاطئة له تقع ضمن نطاق المنطقة

المُصنّفة (ج)، الخاضعة للسيطرة المدنية والأمنية الإسرائيلية؛ فهي إمّا مناطق معلنة أراضي دولة، أو

(2((فؤاد عبده، "التنمية ومشكلة المياه"، ورقة مقدّمة في مؤتمر المياه العربية وتحدّيات القرن الحادي والعشرين، مركز دراسات

المستقبل، أسيوط، 1998، ص.838–837 2((("السيادة الفلسطينية على الثروات الطبيعية من الثوابت"، وكالة معًا الإخبارية، 2018/2/2، شوهد في:2020/6/9، في

https://bit.ly/2yPyXTd

(2((عبد  الغني سلامة، "الصراع على المياه في فلسطين: واقع وحلول"، شؤون فلسطينية، العدد  257 (صيف 2014)، ص.34–33

(25) World Bank Group, Toward Water Security for Palestinians: West Bank and Gaza Water Supply, Sanitation, and Hygiene Poverty Diagnostic (Washington, DC: World Bank, 2021), p. 101.

2(((منى دجاني، "'المقاربة ال سااياسية' لأزمة المياه في فلسطين"، شبكة السياسات الفلسطينية، 2017/7/30، شوهد في

2023/6/13، في: https://bit.ly/2UCrJJC

(2(("المياه الجوفية"، الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية، شوهد في 2022/7/21، في: https://bit.ly/3b1jwF8 ((2(سلامة، ص.36

مُسجّلة أراضي دولة. وبذلك، حسب تقديرات البنك الدولي في عام 2013، فإنّ الفلسطينيّ يخسر

قرابة 918 مليون دولار أميركيّ سنويًّا، في حين أنّه يدخل على الاقتصاد الإسرائيلي نحو 2.5 مليار

دولار أميركي سنويًّا. ولّد تقويض الحقّ في الوصول إلى مصادر المياه بوساطة القوّة غير المشروعة، ديناميّات قهر وحرمان،

وذلك باستعمال المصادر ذاتها من جانب الاستعمار الاستيطاني في مجالات ظاهرة للعيان، أهمّها

الإنتاج والزراعة والشرب. وفي متتالية من الأحداث والسياسات النيوكولونيالية، أصبح الفلسطيني يستهلك 73 لترًا/ فرد (يوميًّا)، وفي بعض المناطق المهمّشة يستخدم 20 لترًا/ فرد (يومي ا)، وهذا أقلّ

بكثير من الحدّ الأدنى الذي أوصت به منظّمة الصحّة العالمية، والذي لا يقلّ عن 100 لتر/ فرد،

ليكون ذلك فصلً عنصريًّا، وتعارضًا صارخًا مع الحدّ الأدنى من متطلّبات العيش الكريم، ومحاربة

الفاقة، والحقّ في التنمية والإنتاج.

2. التجارة الخارجية

يُنظر إلى الصادرات والواردات باعتبارهما قطارين يسيران على سكّتين متوازيتين ويقودان عربة التنمية،

مع تحديد أنَّ الواردات المقصودة تسهم في تحريك عجلة التنمية، مثل أدوات الإنتاج المادّي والمعرفة الرقمية ووسائلهما. ولذلك، فإنَّ تطوّر التجارة الخارجية المتأتّية من استقلال الإرادة السياسية

والضرورات الوطنية، يسهم في توسيع آفاق العمل التنموي وفرص الرسملة الناجحة، إذ يعتبرُ تراكم

رأس المال قوّة مُحرّكة للتَّنمية سواءٌ أكان ذلك التراكم سلعيًّا أو نقديًّا. وإذْ لا يُمكن أيضًا استمرار

التنمية دون ذلك التراكم، فإنّ التوسّع الإنتاجيّ هو شرط مسبق للرسملة خصوصًا في ظلّ وجود

نشاط اقتصادي تتفكّك فيه السلعة إلى نقد بهدف القيمة التبادلية في حدّ ذاتها. وبهذا المعنى، تفهم التجارة الشاملة بأنّها عملية يتحوّل فيها النقد إلى سلعة، ثمّ تتحوّل فيها السلعة إلى نقد، وتُفرز فائض

(29) Roubina Ghattas et al., Opportunities and Challenges of Palestinian Development Actions in Area C (Jerusalem: The Applied Research Institute 'ARIJ', 2016), p. 21, accessed on 13/6/2023, at: http://bitly.ws/HJFJ

(3((مصطفى، ص.46

(31) Orhan Niksic et al., Area C and the Future of the Palestinian Economy (Washington, DC: The World Bank, 2014), p. 23.

3(((الأمم المتحدة، الجمعية العامة، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، "الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية ل حاات لاا الإسرائيلي على الأحوال المعيشية للشعب الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلّة بما فيها القدس الشرقية والعرب في الجولان السوري المحتلّ"، 2017/5/23، ص 13، شوهد في 2023/6/13، في: https://bit.ly/3fCGgyp (3((عبد  المعطي زعرب، "التجارة الخارجية الفلسطينية: واقعها وآفاقها المستقبلية"، وزارة الاقتصاد الوطني ([تشرين الثاني /] نوفمبر 2005)، ص 3، شوهد في 2023/6/13، في: http://bitly.ws/HUcW 3(((محمود ملك، "الواقع التجاري للضفة الغربية وإمكانيات التطوير"، ورقة مقدّمة في المؤتمر الفلسطيني للتنمية وإعادة

الإعمار، رام الله، 2005، ص 2، شوهد في 2023/6/13، في: https://bit.ly/2Uh0xzU (3((روزا لوكسمبورغ، ماهو الاقتصاد السياسي؟ ترجمة إبراهيم العريس (بيروت: دار  ابن خلدون، 1980 ص)،.26–25 3(((وسام سعادة، " تراكم رأس المال وإشكاليته: 'إعادة الإنتاج' من ماركس إلى لوكسمبورغ"، بدايات، العدد  22 (2019)، ص –53

القيمة، وتحدث الرسملة. وهذا ما  يقودنا إلى طرق باب الحديث عن التجارة الخارجية من زاوية الاقتصاد التقليدي المادّي. تتمثَّلُ خصوصيّة السياق الفلسطيني في فقدان الحلقة الأهمّ والمتمثّلة في القدرة على التحكّم في

الأسواق الخارجية والداخلية، في ظلّ وجود بنية اقتصاد سياسي نيوكولونيالي قائم على تقويض الاقتصاد الفلسطيني، بالرغم من إقرار "أوسلو" بوحدة الجغرافيا الوطنية بين كلّ من الضفة الغربية وقطاع غزّة، ونصّ اتفاقية "باريس" الاقتصادية لعام 1994 على "تشكيل أرضية عمل من أجل تقوية الاقتصاد الفلسطيني، إلى جانب محاولة ممارسة الفلسطينيّين اتخاذ القرار الاقتصادي وفقًا لخططهم

التنموية وأولوياتها". أصبحت التجزئة الجغرافية والسياسية والاجتماعية أكثر عمقًا بالاختلاف في روح عمل الاقتصاد وفي طبيعة الأنظمة السياسية التي تدور في فلك الاستعمار الاستيطاني. وتناقش هذه الدراسة الاقتصاد الفلسطيني من زاوية التجارة الخارجية في كلّ من الضفة الغربية وقطاع غزة بوصفه اقتصادًا واحدًا، بالنظر إلى ارتهانه في كلا الجانبين لمنظومات السيطرة ذاتها خصوصًا في ظلّ توجّه فلسطينيّ نيوليبرالي شجّع "الأمولة" على حساب "الرسملة"، وميّز النخب الكمبرادورية على

حساب البنى الإنتاجية، وأعاد تراتبية البنية الاجتماعية، وجعل التساؤل الدائم هو: كيف يمكن أن تكون طبيعة النظام الاقتصادي – السياسي الفلسطيني المحدّد في نصّ القانون الأساسي الفلسطينيّ بأنَّه

"يقوم على أساس مبادئ الاقتصاد الحرّ"، في بلد مقيّد بسياسات نيوكولونيالية؟ يُبيّن الشكل التالي حركة الصادرات والواردات السلعيّة الفلسطينية مع العالم الخارجي إبّان عام 1995

وحتّى أفول عام 2021. ويلُاحَظ أنّ ثمّة تذبذبًا في الميزان التجاري السلْعيّ مرتبطًا بعدّة عوامل، أهمّها

حالة الاستقرار السياسي. ويلاحظ أنَّ "أوسلو" كان غطاءً أعطى الاقتصاد الفلسطيني ثمارًا محدودة

حتّى عام 1999، ليعيد تأطيره بشكلٍ كبير بعد عام 2000، خصوصًا مع اندلاع "انتفاضة الأقصى".

إذًا، بقي الميزان التجاري السلْعيّ منحدرًا لصالح حركة الواردات السلْعيّة، في حين أنّ حركتها لم

تسهم في تطوير عجلة الإنتاج الفلسطيني إَّلَّ بشكلٍ طفيف جدًّا. وتبيّن قراءة منحنى صافي الميزان

التجاري السلْعيّ اعتمادية الاقتصاد الفلسطيني على الاقتصاد الإسرائيلي، خصوصًا في ظلّ تصدير

ضئيل للسلعة، وتزايد عدد الأيدي العاملة الفلسطينية المُتّجهة نحو سوق العمل الإسرائيليّة، والتي فاق

عددها 100 ألف.

(37) Giovanni Arrighi & Jason Moore, "Capitalist Development in World Historical Perspective," in: Robert Albritton et al. (eds.), Phases of Capitalist Development (New York: Palgrave, 2001), p. 69.

(3((محمّد قرش، "أثر اتفاقية باريس الاقتصادية على التجارة الخارجية الفلسطينية"، مجلة شؤون فلسطينية، العدد  257 (2014)،

ص.80 ((3(رجا الخالدي، "تطوّر 'الاقتصاد الفلسطيني 2 '"، السفير العربي، 2017/12/5، شوهد في:2023/6/13، في

https://bit.ly/2WVjQlb

(4(("نصّ الدستور الفلسطيني"، المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، شوهد في 2020/6/16، في:

https://bit.ly/2wRr5QB

(4((الخالدي.

شكل يبيّن صافي الميزان التجاري الفلسطيني السلْعي (2021–1995)

المصدر: من إعداد الباحثَين، استنادًا إلى بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

إذًا، ثمّة قصور فلسطيني موضوعي واضح في مأسسة اقتصاد قويّ، خصوصًا في ظلّ عدم ظهور أيّ نجاح لأيّ استراتيجية تنموية بمعناها الشامل. وقد تمخّضت عن صيرورة قوى الإنتاج داخل المجتمع الفلسطيني اختلافاتٌ للبُنى الاجتماعية ومآلات على مستويات العمالة والتشغيل والعوز. وعلى مدار سنواتٍ مديدة، بقيت نسب البطالة ومعدلّاتها في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 ضمن أعلى المستويات على الصعيد العالمي، ولا سيّما نسبة البطالة في قطاع غزّة. مع الإشارة إلى أنَّ المُعضلة الأساسية ليست في وجود البطالة في حدّ ذاتها، بل في نسبها المتغوِّلة في صفوف المجتمع الفلسطيني، وارتباطاتها التفسيرية بحالة الجمود السياسي والاقتصادي.

3. العمالة والبطالة والفقر

تمحورت السيطرة الإسرائيلية حول أهداف نفي المواطن الفلسطيني وتشريده وجعله دائمًا في دائرة العوز والحاجة. ولذلك بقي الاستعمار الاستيطاني عاملً مُتأص لً في تفاقم مشكلة الفقر وتعاظم مستويات البطالة في صفوف قوى العمل الفلسطينية. ومن الملاحظ ارتفاع نسب البطالة في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 في أوقات الحرب، فبينما كانت معدلّات البطالة تنخفض تدريجيًّا بين عامي 1996 و 1999 لتصل إلى 12 في المئة، فإنَّها أخذت في الصعود مرّة أخرى في عام 2000 نظرًا إلى التهاب الأوضاع السياسية، وتوقّف عجلة الاقتصاد الفلسطيني، وانحسار المساعدات، وتحجيم نطاق الأعمال الخاصّة، وعودة جزء كبير من العمال الفلسطينيّين الذين يعملون لدى السوق الإسرائيليّة. وقد

وصلت معدلّات البطالة إلى أوجها في عام 2002، وكانت أكثر من 31 في المئة، وبات لافتًا للنظر أنّ البطالة في قطاع غزة أكبر منها في الضفة الغربية. وبينما وصلت نسبتها في الضفة الغربية في عام 2021 إلى 15.5 في المئة، فإنّها كانت في قطاع غزة نحو 46.9 في المئة. وعلى طول المقطع الزمني المُمتدّ منذ ما بعد "أوسلو"، كانت مُشكلة البطالة بنيوية متأصّلة في بنية العمالة. تتزامنُ مشكلة البطالة في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 مع مستويات معيشة متدنّية، وبالرغم من عدم الوضوح المنهجي في آليات العلاقة السببيّة بينهما، فإنّ المدّة الزمنيّة الطويلة الأمد تظهر تفاعلهما سويًّا من خلال فقدان الدخل، واستخدام المدّخرات، ولهذا بات مهم ا إدراج مستوى المعيشة ضمن مؤشّرات العجز التنموي. وتشير البيانات الرسمية الخاصّة بالجهاز المركزي للإحصاء الفلسطينيّ إلى أنَّ نسبة الفقر، بالاعتماد على أنماط الاستهلاك الشهريّ في فلسطين، قد وصلت إلى 29 في المئة في عام 2017. يمكن القول من خلال العرض التوصيفي السابق، بالمعنى الاقتصادي البحت المعزول عن سياقاته الإكراهية في ظلّ الاستعمار الاستيطانيّ، إنّ الاقتصاد الفلسطينيّ يعاني ثلاثة تشوّهات بنيوية رئيسة: قطاع خاصّ غير منتج، يقوم جلّ نشاطه على ما يُعرف باسم "الاقتصاد الطفيلي" سريع العوائد والأرباح مثل العقارات والخدمات والسمسرة والأعمال التجارية، ومعدّل عجز تجاري كبير مع إسرائيل (القوة الاستعمارية)، وبنية عمالة مشوّهة في ظلّ اقتصاد لا  يستطيع توليد فرص العمل وقوى عاملةٍ تنمو بشكل مطرد. إنّ كلّ واحد من هذه الأبعاد الثلاثة يخلق فجوة بنيوية في هيكل التنمية بمعناها الشامل، وهي فجوة ليست ناجمة عن قصور ذاتي، بقدر ما هي نتيجة لتصميم ممنهج لتتبيع الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي من موقع ما دون تنمويّ، وهذا أصل مقاربة أمارتيا سن عندما حدّد التنمية بوصفها حرية، إذ إنّها، في أحد أهمّ أبعادها، تحرّر من الفقر والعوز. ومن هنا، نقدّم في الجزء الثاني من هذه الدراسة عرضًا للسياسات المنهجية التي تتّبعها إسرائيل للحفاظ على هذه العلاقة في سياقها الاستعماري الاستيطاني، والتي تحمل مضامين اقتصادية وتنموية إلى جانب المضامين الثقافية التي تعزّز الإحساس العامّ لدى الفلسطينيّين بالدونية مقارنةً بمستعمريهم اليهود.

(4(("مسح القوى العاملة الفلسطينية: التقرير السنوي 2013 "، الجهاز المركزي ل حإإصاء الفلسطيني (رام الله: نيسان / أبريل 2014)، ص 57، شوهد في 2023/6/13، في: https://bit.ly/39hogXu (4(("د. علا عوض، رئيسة الإحصاء الفلسطيني تستعرض الواقع العمّالي في فلسطين لعام 2021 بمناسبة اليوم العالمي للعمال

(الأوّل من أيّار)"، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 2022/4/28، شوهد في 2022/7/18، في: https://bit.ly/3uplxah

(44) Muhammad David, "The Relationship between Poverty and Unemployment in Niger State," IImu Ekonomi Journal , vol. 8, no. 1 (2019), p. 72.

((4("الإحصاء الفلسطيني يستعرض أوضاع السكّان في فلسطين بمناسبة اليوم العالمي للسكّان"، الجهاز المركزي للإحصاء

الفلسطيني، 2019/7/11، شوهد في 2023/6/13، في: https://bit.ly/2xfBSnc

(46) Amartya Sen, "Development as Freedom," The New York Times (1999), accessed on 13/6/2023, at: https://nyti.ms/3TWgc5D

ثانيًا: تنمية على مقاس الاستعمار الاستيطاني

تُوِّجت فكرة الحركة الصهيونية بالاستعمار الاستيطاني المباشر عن طريق تدشين مستعمرات صهيونية

يهودية مُقامة على أراضي الفلسطينيّين لعودة "الأبناء الضالّين"، ونفي المنفى، ونفي الآخر في الوقت

ذاته. وبعد أن تأسّست إسرائيل، بدأت تتعامل مع ذاتها على أنّها دولة أصلانيّة، وأنّ محيطها – رغم

عدم تعريفها جغرافيًّا، وإنّما يقصد بها محيط الضفة الغربية، وقطاع غزّة، والجغرافيا العربية المجاورة –

يمكن السيطرة عليه بحربٍ أخرى، وبهذا رسَّخت من طبيعة الاحتلال العسكري في مناطق الضفة الغربية

وقطاع غزّة وسيناء والجولان، وأصبحت تتبنّى تسويق ذاتها على أنّها دولة ديمقراطية تمنح فلسطينيّيها

حقوقهم الفردية. وبذلك حجبت إسرائيل طابعها الاستعماري التمييزي، ومثلما يلاحظ عزمي بشارة، فإنّ إسرائيل قد حجبت هذا الجوهر الاستعماريّ بغطاء الحقوق الفردية المدنية والسياسية للمواطنين

العرب (حقّ التصويت). لكنّه انكشف في الثقافة السياسية المعادية للعرب والمواقف العنصرية تجاههم والتمييز اليومي في تقديم الخدمات لهم (الذي يستحوذ على أغلبية العمل التشريعي لأعضاء الكنيست العرب)، ويتّضح هذا التمييز جليًّا في طريقة تعامل الدولة مع الاحتجاجات السياسية التي تعبّر عن

الهوية الفلسطينيّة للمواطنين العرب، وفي سياسات مصادرة الأراضي، ففي كلتا الحالتين، تتعامل

إسرائيل مع مواطنيها العرب بوصفهم خصومًا، إن لم يكن بوصفهم أعداءً. بينما  استقرّ المشروع

ذاته على صيغة أبارتهايد في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 من خلال عملية فصل قانوني، جيوسياسي، وسياسي واقتصادي بين المستعمرين اليهود/ الإسرائيليّين والفلسطينيّين من جهة، وبين

الفلسطينيّين وأرضهم ومواردهم وفي ما بينهم من جهة أخرى. وما هو لافت للنظر أنّ الاحتلال العسكري المباشر ذاته تحوّل إلى نظام نيوكولونيالي بالتزامن مع انطلاق

العملية السلمية في عام 1993، وأصبح يسيطر على المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 بمنطقٍ هجين بين تقنيات الأمن وقوّة الإكراه، وجعل خيارات التنمية الفلسطينية محكومة بالسقف الأعلى الذي تسمح

به النيوكولونيالية من خلال منظومات سيطرة، وقوانين عسكرية، ومستوطنات ومعازل. ويمكن تقسيم الآليات المستخدمة لإدامة واقع الإلحاق والدونيّة قسمَين، استنادًا إلى فهم عوامل القوّة: آليات القوّة

القهرية المعنوية، وتشمل البنى القانونية والقوة السياسية وأدوات القمع، وآليات القوّة المادّية وتشمل

الموارد الطبيعية والاستيطان والتجارة والعمالة. وتعمل الطائفة الأولى من الآليات على إخضاع الأفراد بوصفهم أعضاء في هذه الجماعات لما يسمّيه ميشيل فوكو Foucault Michel بقوّة السيادة، لأنّ حالة

يجادل  السكّان الأصلانيّين من حيث الحجم والتموضع المكاني والنموّ الطبيعي والهجرة والبنية – كما

فوكو – هي التهديد الرئيس لنشوء الدول الجديدة أو لبقائها. بينما  تهدف الثانية إلى التحكّم في مستوى معيشة الأفراد وخلق حقائق مكانية ومادّية تديم تبعيّتهم التامّة للمستعمر صاحب القوّة.

4(((رائف زريق، "إسرائيل: خلفية أيديولوجية وتاريخية"، في: رائف زريق [وآخرون]، دليل إسرائيل العام 2020 (بيروت: مؤسّسة

الدراسات الفلسطينية، 2020)، ص.74–1 ((4(بشارة، ص.19

(49) Marianne Constable, "Foucault & Walzer: Sovereignty, Strategy & the State," Polity , vol. 24, no. 2 (1991), p. 198.

1. أدوات القوّة الإكراهية المعنوية

استخدمت إسرائيل المراقبة، والتهويد، والتحكّم السياسي، وإنفاذ نظام الهيمنة، والتشريعات والقوانين أدواتٍ لتبرير قوّتها القهرية على روافع التنمية الفلسطينية، وفي سياق ذلك، كان يُنظر

إلى فهم إسرائيل من عدسات مختلفة بوصفها دولة الاستثناء التي تضع نفسها فوق اعتبارات القوانين الدولية، أو دولة التمويت التي تهدف إلى التطهير العرقي، أو دولة سياسات النخر، أو دولة مخابرات كما يقول إيلان بابيه، أو دولة إثنوقراط. ومهما  كانت طبيعة إسرائيل، أو مهما كان منهج الفهم، فثمّة تميّز، منذ بداياتها في عام 1948، واضح في وضع بنية قانونية، قائمة

على الطوارئ والأمن بهدف توفير الحماية لمستقبل الاستعمار الاستيطاني. وكلّ ما جاء بعد ذلك من قوانين وتشريعات سواء أكانت متعلّقة بالأرض أو التجارة أو العمالة، فإنّه يُفهم في

إطار خطّة "دالت"، ويُدرس من زاوية استدامة الوجود "الإسرائيلي" على حساب وجود المجتمع الفلسطيني. راوحت إسرائيل، لتعزيز الوجود، بين منطق ابتكار قوانين عسكرية، ومنطق الاستخدام والتزوير لقوانين قديمة لتكييفها مع رؤية الاستيطان والنيوكولونيالية، متحكّمةً في الأرض عن طريق اقتناص عيوب قوانين الحكم العثماني والانتداب البريطاني والقوانين الأردنية، في حين أنّ "قانون أملاك الغائبين" لعام 1950، و"قانون استملاك الأراضي" لعام 1953، يعدّان من أبرز الأمثلة على القوانين الجديدة التي مكّنت من إبقاء المنفى حالة دائمة ملفوفة بقشرة القانون. تعامل نظام الهيمنة مع الأرض باعتبارها أحد أهمّ عناصر الإنتاج، وضمانة للأمن الغذائي والمائي، إذ أصدرت إسرائيل القرار الخاصّ بتأميم المياه في آب/ أغسطس من عام 1949، وقرار رقم (92)، لعام 1967، القاضي بتعيين ضابط مسؤول عن المياه في الأراضي الفلسطينية من طرف المحكمة الإسرائيلية، وقرار رقم (158) لعام 1967، الهادف إلى منع قيام أيّ منشأة مائية فلسطينية دون إذن أو ترخيص من الضابط المُعيّن. وكلّها جعلت المياه

ملكًا حصريًّا لدولة الاستعمار الاستيطاني. وبالمراجعة الدقيقة فإنّ منطق استحداث سلطات الاستعمار الاستيطانيِّ القوانينَ العسكريةَ كان يفضي

إلى ترسيخ الأمن عن طريق التحايل على التشريعات الدولية، بينما كانت تستخدم روافع التنمية (كالأرض والمياه وغيرهما) من أجل توفير مساحات آمنة لبناء مستوطنات يهودية لا تخضع للقوانين العسكرية ذاتها التي تخضع لها الأراضي الفلسطينية في منطقتي (ب) و (ج) تحديدًا، وبذلك فإنّ سلطات الاستعمار الاستيطانيّ تُمأسس عملية إعادة إنتاج الجغرافيا الفلسطينية من منظور جيوسياسي

(50) Ronit Lentin, "Palestinian Lives Matter: Racialising Israeli Settler–Colonialism," Journal of Holy Land and Palestine Studies , vol. 19, no. 2 (November 2020), pp. 133–149.

(5((وليد الخالدي، "خطة دالِتْ مجدّدًا"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد  96 (خريف 2013)، ص.381–303 (5((يارا هواري، "الاستيلاء الإسرائيلي المستمرّ على الأراضي: كيف يقاوم الفلسطينيّون"، شبكة السياسات الفلسطينية، 2018/4/9،

شوهد في 2023/6/13، في: https://bit.ly/2zyzqd9 ((5(يُنظر: أبو الغزلان.

استراتيجي جديد قائم على تغيير قواعد لعبة الصراع في سياق عملية السلام. إنّه تفتيتٌ استراتيجي

للأرض، وإضفاءٌ لصفة المحليّين على السكّان. لا يمكن الحديث عن البنية القانونية التي مأسسها الاستعمار الاستيطاني في أحداث مختلفة دون الاستئناس باتفاقيات عملية السلام، إذ إنّ "أوسلو" لم تكن كافية لتجميد هلامية المخطّطات الاستعمارية الاستيطانية على الأرض، بل بقيت فاتحة لشهيّتها نحو التوسّع ومصادرة الأرض في ظلّ

تقسيمات الضفة الغربية. لقد عملت "أوسلو" على نقل صفة إسرائيل إلى نظام نيوكولونيالي بارع في التحكّم السياسي. والأخطر من ذلك أنّ النيوكولونيالية لم تسيطر ماديًّا على مساحات بعينها

من أراضي الفلسطينيّين فحسب، بل أنتجت رمزية مغايرة تمسّ بشكل مباشر طبيعة الهوية الوطنية

والوعي الفلسطينيّ وذلك بعزل التجمّعات الفلسطينية بعضها عن بعض، وحصر السكّان في مناطق

جغرافية صغيرة، وبذلك فقد أطَّرتهم بالمعنى الديموغرافي للوجود وتحكّمت فيهم سياسياًّ. وقد

تعاظمت منظومة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 بشكل خاصّ بعد توقيع "اتفاقيات أوسلو" في عام 1993، مبتكرة أشك لً من التحكّم البنيوي قلّ – إن لم نقل

انعدم – نظيرها في نماذج الاستعمار الاستيطاني المعروفة تاريخيا، بحيث أصبح الفلسطينيّون من

الناحية الظاهرية المحضة كأنّهم يتمتّعون بحقّ التحكّم في حياتهم، وكأنّهم يقفون على مسار التحرّر

من قيود الاحتلال. بهذا المعنى، فإنّ بقاء الاستعمار الاستيطاني المشفوع بأدوات القوّة الإكراهية

المعنوية هو المعوّق الأوّل للتنمية. شيّدت أدوات القوّة المعنوية بنيةً غير ملموسة. لكنّها مواتية ومتكاملة مع تطوير واقعة السيادة وتغلغل

التحكّم والفصل العنصري وإنتاج المعازل. وهذا هو التفسير المنهجي للجمع، في هذه الدراسة، بين أدوات القوة المادّية والقهرية. وهو تفسير مغاير لكثير من الأدبيات التي تحاول مفهمة واقع إسرائيل، وارتباطات التنمية الفلسطينية بها من زاوية الاستغلال الاقتصادي والسيطرة المؤقّتة على الأرض (الاستعمار الكلاسيكي)، أو من زاوية منطق "الإبادة" لدى الاستعمار الاستيطاني الذي قدّمه باتريك وولف، بينما تبيّن هذه الدراسة أنَّ طبيعة إسرائيل تحمل خصائص كل.ٍّ من التفسيرين

2. أدوات القوة الإكراهية المادية

يؤكّد باتريك وولف أنّ الاستعمار الاستيطاني في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 لا يهدف إلى السيطرة على السكّان الأصلانيّين، أو إبادتهم ماديًّا ومعنويًّا فحسب، بل ثمّة خيار "عقلاني" يجعله

يفكّر في مزايا الاستغلال الاقتصادي الذي يراكم رأس المال في جيوب المركز. ومن الملاحظ في

((5("المناطق (ج)"، الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية، شوهد في 2023/6/13، في: https://bit.ly/3cVVtcJ ((5(مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلّة (بتسيلم). "سياسة التخطيط في الضفّة الغربيّة."

2017/11/11، شوهد في 2020/8/15، في: https://bit.ly/3dgzfli ((5(المرجع نفسه.

(57) Patrick Wolfe, "Settler colonialism and the elimination of the native," Journal of Genocide Research, vol. 8, no. 4 (2006), p. 389.

المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 أنّ السكّان الأصلانيّين بقوا في حالة حضور دائم غير منقطع

الهوية، وبذلك فإنّ أدوات القوّة المادّية في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 هي أكثر وضوحًا

في تفصيل تنميةٍ تتماشى مع منطق أمن النيوكولونيالية. تسهل عملية قياس أدوات القوة المادّية ومراقبتها، فهي ملموسة في تأثيرها المباشر في روافع التنمية الفلسطينية كالسيطرة على الأرض والتجارة الخارجية مثلً. وهي سيطرة متأصّلة في الوجود الأوّل

للاستعمار الاستيطاني على الأرض على شكل تخوم فرديّة Frontiers Individual، وقد استمرت

بعد اتفاقيات "أوسلو". وتشير "آن لي مور" إلى واقع اللاتنمية، الذي عملت إسرائيل على خلقه بعد اتّفاقيات "أوسلو" عن طريق مجموعة من السياسيات التي يمكن اعتبارها بمنزلة نظام من المعوّقات المادّية، مثل السيطرة على الأرض، وسياسات الفصل والإغلاقات، والبناء الاستيطاني

وبنيته التحتية بما فيها الجدار الفاصل، وتقييد الحركة والتجارة والاقتصاد، والتي تصبّ كلّها في

الاستراتيجية الأشمل لحرمان الفلسطينيّين من التحكّم في حياتهم ومعيشتهم، وبكلّ تأكيد حرمانهم

من فرص التنمية.

أ. إنتاج المعازل: الاستيطان، الفصل العنصري، الجدار، ضمّ الأراضي

يعتبر الاستعمار الاستيطاني في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 تطبيقًا عملي ا لاستراتيجية

الشرذمة الصهيونية التي تعود أصولها إلى عام 1882، الأمر الذي عرقل عملية التطوّر والنموّ في ظلّ

صراع يأخذ نزعة العسكرة المفرطة خصوصًا بعد وصول عدد المستوطنين في مناطق (ج) من الضفّة

الغربية (مع القدس الشرقية) إلى أكثر من 620 ألف مستوطن في نهاية عام 2017. وبذلك، فإنَّ الاستيطان قضى على المجال الحيوي للتقدّم والازدهار الفلسطيني، وأصبح يسيطر بشكل مطلق على 39 في المئة من مساحة الضفة الغربية. كانت عبقرية الأمن، في نظر الإسرائيليين، حجّة كافية لتبرير كلّ ممارسات العنف لدى نظام استعمار

استيطاني يريد أن يُسقط عن نفسه عبء السكّان الأصلانيّين وجرائم الحرب، ويتحكّم في تفاصيل

حياتهم اليومية بوساطة منظومات سيطرة. وسرعان ما شرع الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي في عام 2002، بقيادة أرئيل شارون (2006–2001)، في بناء جدار الفصل العنصري على الجهة الغربية من الضفة الغربية، من شمالها إلى جنوبها، مخالفًا الأساس النظريّ لما جرى الاتفاق عليه في "أوسلو."

(58) Ibid., p. 392. (59) Anne Le More, International Assistance to the Palestinians after Oslo: Political Guilt, Wasted Money (New York: Routledge, 2008), p. 38.

(6((راسم خمايسي، "استراتيجيا الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلّة وأثره في التخطيط القُطري والتنمية في فلسطين"،

مجلة الدراسات الفلسطينية، مج  10، العدد 37 (1999)، ص.17

(61) "Settlements," B’tselem, 11/11/2017, accessed on 13/6/2023, at: https://bit.ly/3L83XPu

6(((هاني المصري، "الضفة الغربية: بين انحسار السلطة الفلسطينية ومخاطر التوسّع الإسرائيلي"، المركز الفلسطيني لأبحاث

السياسات والدراسات الاستراتيجية – مسارات، 2019/5/20، شوهد في 2023/6/13، في: https://bit.ly/2UtvwJK

وكان جدار الفصل العنصري أداة سيطرة جديدة، إذ سلب 733 كيلومترًا مربعًا من الأرض، ونهب

مصادر مياه وموارد طبيعية، ومأسس العزل بين المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967. لا يُمكن فهم العزل أو الضمّ في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 باعتباره فصلً جغرافيا

واجتماعيا بين وجود المستعمِر والمستعمَر فحسب، بل هو فصل اجتماعيّ بين المستعمَرين أيضًا،

لإضعاف هويّتهم الوطنية، فإزاء انسحاب الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي من قطاع غزة، جرى عزل التجمّعات السكّانية الفلسطينية بعضها عن بعض ما بين الضفة الغربية وقطاع غزّة، وفُتِّتت خطوط

المواجهة، وكذلك جزِّئ الهمّ الوطني. وبذلك، أمسى التواصل بين فلسطينيّي الضفة الغربية محكومًا

بمنظومات سيطرة إسرائيل (كالحواجز وغيرها). وأصبح التواصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة معدومًا

في ظلّ حصارٍ على القطاع يعارض الحدّ الأدنى من حقّ الإنسان في العيش الكريم. وعلى غرار عزل الجغرافيا، يعني الضمّ كثيرًا لدراسة التنمية الفلسطينية، فعلى سبيل المثال، ثمّة مشروع لضمّ الأغوار

الفلسطينية أعلنه بنيامين نتنياهو (1999–1996، 2021–2009، 2022–) عام 2020، يمكن أن يأخذ 29 في المئة من مساحة الضفة الغربية، و 50 في المئة من مساحاتها الزراعية، و 45 في المئة من مساحتها الرعوية، ويهدّد أيضًا 60 في المئة من إنتاجها للخضار، و 50 في المئة من موارد مياهها، و 40 في المئة من حجم ثروتها الحيوانية.

ب. السطوة على المياه الجوفية والسطحية ومجال البحر الميت

ثمّة ربط إسرائيلي وثيق بين المياه والوجود، أي أمن الوجود الذي يُحقّق ديمومة الدولة المستعمِرة.

ا واحدة من ركائز الفكر الصهيوني التوسّعي التي يتمحور حولها الأمن الغذائي كانت المياه تاريخي

الإسرائيلي. وإضافة إلى السيطرة على الأرض، جرت السيطرة الإسرائيلية على المياه الفلسطينية فور إعلان قيام الدولة في عام 1948. ويقول الجيولوجي الألماني كليمنس مسرشميد Clemens Messerschmid، إنّ السلطات الإسرائيلية لم تسمح بحفر آبار جوفية عميقة في الضفة الغربية منذ

احتلالها عام 1967، وكلّ مشاريع آبار المياه التي حُفِرَت، أو تُحفر، لا  تتعدّى كونها آبارًا سطحية.

في حين أنّ سياسات الاستعمار الاستيطاني، المتمثلة في حفر 24 بئرًا في غلاف قطاع غزّة، جعلت

حوض غزّة الساحلي غير ملائم للاستعمال البشري، وخلقت أزمة مياه عامّة، بحيث لا يحصل سكّان القطاع على أكثر من 8–5 ساعات من الماء كلّ ثلاثة أيام.

(6(("مخطّط جدار العزل العنصري الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلّة"، معهد الأبحاث التطبيقية (أريج) (2009)، ص 3–1، شوهد في 2023/6/13، في: http://bitly.ws/Iitj 6(((زهران معالي، "الأغوار الفلسطينية حقائق وأرقام"، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، 2018/10/4، شوهد في

2023/6/13، في: https://bit.ly/2Azh6Bg

((6(يُنظر: سلامة. 6((("الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية ل حاات لاا الإسرائيلي على الأحوال المعيشية للشعب الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلّة بما  فيها القدس الشرقية والعرب في الجولان السوري المحتلّ"، المجلس الاقتصادي والاجتماعي ل مأأم

المتحدة، 2017/5/3، ص 12، شوهد في 2023/6/13، في: https://bit.ly/3fCGgyp

قسَّمت اتفاقية أوسلو الثانية، في بندها الأربعين، كمّيات المياه التي يُفترض استخدامها سنويًّا في الضفة

الغربية. وكانت حصص الفلسطينيّين والإسرائيليّين، على الترتيب، كما يلي بالمليون متر مكعب/ سنة:

الحوض الشمالي (42، 103)، الحوض الشرقي الجنوبي (54، 40)، الحوض الغربي الجنوبي (22، 340). وتظهر الأرقام السابقة سيطرة إسرائيل على الحصّة الأكبر من موارد المياه. لم تكن المياه السطحية أقلّ تأثّرًا من الجوفية، إذ عملت إسرائيل على حرمان الفلسطينيّين من استخدام

مياه نهر الأردن. وسيطرت على ما  يُقارب 90 في المئة من مياه الينابيع في الضفة الغربية. واحتلّت

المجالَين البرّي والبحري للبحر الميت في عام 1967 بالتزامن مع احتلال كلّ من الضفة الغربية وقطاع

غزّة والقدس الشرقية. ومع إرهاصات الاحتلال، سلبت السلطات الإسرائيلية الأراضي الفلسطينية التي

لم يجرِ تسجيلها بأسماء مالكيها الفلسطينيّين في السجلّ العقاريّ الأردني وصادرتها، فسجَّلَت العديد

من الأراضي الفلسطينية الواقعة في منطقة البحر الميت وأعْلنَتها "أراضي دولة"، أو محميّات طبيعية،

أو مناطق عسكرية مُغلقة. وعلى الرغم من أنَّ الاتفاقيات والمواثيق الدولية حظرت على دولة الاحتلال قيامها باستهلاك الموارد الطبيعة في الأرض المُحتلّة واستنفادها (لاهاي 1907؛ جنيف الرابعة 1949؛ أوسلو 1995)، فإنَّ ذلك

لم يشكّل رادعًا لمنع إسرائيل من سيطرتها، واستخدامها المُفرط لمياه البحر الميت والقيام بنشاطات

استثمارية من شأنها أن تُحدث رسملة استيطانية على حساب الاقتصاد الفلسطيني. إذًا، ثمّة سيطرة

"إسرائيلية" مُفرطة على الموارد المائية الفلسطينية، وهذا تعبير عن حجم الحساسية القصوى التي

تستبطنها العقيدة الإسرائيلية بالنسبة إلى ملفّ المياه. وهذا هو جوهر الاقتصاد السياسي في فهم المياه الفلسطينية، الذي أصبح يُختزل في معضلة التوزيع بين طرفي "العملية السلمية"، وهو ما جعل

الفلسطينيّين في حاجة ملحّة إلى التعامل مع شركة المياه الإسرائيلية (مكروت)، لسدّ جزء من النقص

اليومي للمياه عن طريق الشراء، الأمر الذي جعل تكاليف الإنتاج ومُستلزمات الحياة اليومية باهظة

جدةًّا، بحيث أمسى الفلسطيني يُنفق على المياه قراب 8 في المئة من حجم إنفاقه الشهري، وهذا إنفاق

عالٍ إذا ما قورن بالمتوسّط العالمي الذي يُقارب 3.5 في المئة فقط.

ج. الاستعمار الاستيطاني والتجارة الخارجية

يُمهّد تقديم السيطرة على الأرض والمياه للإسهاب في تفكيك حالة التجارة الفلسطينية، لأنّ حالة

الإنتاج بقيت قاصرة منذ اللحظة الأولى التي سيطرت فيها الحركة الصهيونية على الأرض، ثمّ سيطرت

(6(("إنتاج حوض مياه الضفة الغربية"، سلطة المياه الفلسطينية، شوهد في 2023/6/13، في: https://bit.ly/3bNuVby ((6(يُنظر: أبو الغزلان. (6((هاشم كاظم، "مياه الضفة الغربية وقطاع غزة بين الأطماع الصهيونية والاحتياجات الفلسطينية"، مجلة آداب البصرة، العدد 64 (2013)، ص.287

(70) "Pillage of the Dead Sea: Israel’s Unlawful Exploration of Natural Resources in the Occupied Palestinian Territory," Al–Haq (July 2012), p. 17, accessed on 13/6/2023, at: https://bit.ly/2USCOab (71) Ibid. p. 18.

(7(("الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية للاحتلال الإسرائيلي..."، ص.14–13

بقوّة السلاح على المعابر والحدود التي تفصل الجغرافيا الفلسطينية بعضها عن بعض، وتفصلها عن الإقليم العربي، وعن العالم الخارجي أيضًا؛ إذ ثمّة العديد من التعقيدات الصارمة التي تتّخذها السلطات الإسرائيلية أداةً مركزيةً للسيطرة على حرية التنقل والحركة للمواطنين والبضائع. لكن أصبح لوجود جسم السلطة الفلسطينية نقطة مرجعية يستطيع من خلالها المتابع أن يجيب عن سؤال تسويق صناعة السيادة منذ العملية السلمية، وفشلها في "كامب ديفيد 2"، وما تبعها من اندلاع انتفاضة الأقصى عام.2000 شكّلت إجراءات الاستيطان والإغلاقات والفصل والضمّ تشويهًا مقصودًا لواقع التجارة الخارجية الفلسطينية، إذ بلغ عدد الحواجز ونقاط التفتيش في الضفة الغربية حوالى 98 حاجزًا، وفقًا لمعطيات مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلّة (بتسيلم) في عام 2017. وبذلك مُسّت حيوية العلاقات الاقتصادية الفلسطينية بشكلٍ مُباشر، الأمر الذي عقَّد من تحكّم الفلسطينيّين في حركة السلع في الاستيراد والتصدير من العالم وإليه، وعقّد حركة المواطنين أيضًا من أماكن عملهم وإليها. ولذلك، تجادل هذه الدراسة بأنّ العجز في صافي الميزان التجاري السلعيّ يرتبط بشكلٍ كبير

بإجراءات الإغلاق والحصار المفروضة على الفلسطينيّين، فقطاع غزّة يفتقر لأيّ اتّصال طبيعي ومنتظم مع العالم الخارجي، وكذلك شأن الحدود والمعابر الملاصقة للضفة الغربية الّتي تتحكّم فيها الشركات الأمنية الإسرائيلية. وبذلك، فإنَّ اختلال التجارة الخارحية لصالح الواردات يقودنا إلى محاولة أخرى لفهم واحدة من أدوات القوّة المادّية. في سياق "أوسلو"، ظهر توافق على تصميم اتفاقية اقتصادية لطرفي الصراع، ووضع البنك الدولي الإطار القانوني الناظم للعلاقة الاقتصادية بين كلّ من السلطة الفلسطينية وإسرائيل، وحدَّد أيضًا طبيعة النشاطات الاقتصادية الفلسطينية ذاتها. وبهذا، وُقِّعَتْ اتفاقية "باريس" الاقتصادية في 29 نيسان/ أبريل لعام 1994. وجرى فيها تحديد السياسات التجارية الفلسطينية وتأطيرها، لتُمسي

محكومةً بسقفٍ من البنود والموادّ المُتَّفق عليها نظريا بين طرفين غير مُتكافئين في موازين القوى الاقتصادية والسياسية. تنطلق "باريس" الاقتصادية في ديباجتها من تقريرٍ نظري يهدف إلى تشكيل "أرضية للعمل من أجل تقوية القاعدة الاقتصادية للجانب الفلسطيني، ولممارسة حقّه في اتخاذ القرار الاقتصادي وفقًا لخطّته

(7((مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلّة (بتسيلم). "قيود على الحركة والتنقّل"، 2017/11/11،

شوهد في 2023/6/13، في: https://bit.ly/2Vydqqt (7((جيرمي وايلدمان، "فعالية مساعدات المانحين وسياسة عدم إلحاق الضرر في الأرض الفلسطينية المحتلة: تحليل شفوي

ووثائقي لمنظور الداعمين الغربيين المتمثل في التنمية وبناء الس ماا في برامجهم لمساعدة الفلسطينيين (2010–2016)"، متابعة

الدعم الدولي، 2018/11/10، ص.28 ((7("اتفاقية باريس الاقتصادية 1994/4/29 "، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، شوهد في، في:2023/6/13

https://bit.ly/2W4HCKr

الخاصّة بالتنمية". إلّ أنّه تتمحور حولها سياسات وإجراءات ناظمة بطريقةٍ غير عادلة للتجارة

الخارجية الفلسطينية، وللعلاقات الاقتصادية الفلسطينية – الإسرائيلية، ولآفاق العلاقات الدولية الخارجية أيضًا. وقد نصّ البروتوكول على شرط قاهر للتجارة الخارجية الفلسطينية يتمثّل في التزام

الفلسطينيّين بجوهر الإطار الجمركي الإسرائيلي. وحدّد أيضًا كمّ السلع المستوردة ونوعها بحيث

تكون مناسبة لتلبية الحاجة الفلسطينية دون أن يكون هناك فائض في بعض السلع التي تُسهم في تراكم المال الفلسطيني أو تؤثّر في السوق الإسرائيليّة. منذ بداية نفاذ بروتوكول باريس في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967، لم يُتعامل مع الاقتصاد

الفلسطيني من زاوية ضرورة وجود تمييز إيجابيّ لصالحه، بل شجّع على اللجوء إلى التجارة غير

المباشرة مع الدول العربية من إسرائيل وعن طريقها كذلك. وذلك ما  يُعلّل حجم الواردات من

العالم الخارجي الّذي يُقدّر ب 30 في المئة من مجمل حجم الواردات الكلّية، بينما وصلت الواردات

من إسرائيل إلى أكثر من 70 في المئة من مجمل الواردات الكلّية. وفي سياق ذلك، أصبحت إسرائيل تسيطر على ما يُقارب من 90 في المئة من مجمل حجم الصادرات والواردات الّتي تشكّل

التجارة الخارجية الفلسطينية. وبذلك استطاعت أن تربط بين التجارة الفلسطينية من جهة، والسلوك السياسي الفلسطيني من جهة أخرى، وهذا هو المعنى الحرفي لأمننة هامش التنمية المشوهة. بات واضحًا أنَّ السلطة الفلسطينية لم تستطع الانعتاق من شروط باريس الاقتصادية لخلق تجارة

خارجية بالحجم المطلوب، خصوصًا في ظلّ السيطرة الإسرائيلية على كلّ نقاط العبور الفلسطينية

البرّية والبحرية والجوّية مع العالم. ومنعها من التجارة مع دولٍ لا  تقيم علاقات دبلوماسية وسياسية

مع إسرائيل. ويجيب إبراهيم فريحات عن التساؤل حول فعالية خطّة فكّ الارتباط الاقتصادي عن الاحتلال، بأنّها غير ممكنة في ظلّ قصور الفهم لمعنى السيادة الفلسطينية على الأرض، وبأنَّ أيّ

تفكير للهروب من القيود الاقتصادية الإسرائيلية يجب أن يكون في ظلّ استراتيجية وطنية عامّة متعدّدة

الأبعاد.

(7((عمر عبد  الرازق، تقييم الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية الفلسطينية الدولية (رام  الله: معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس"، 2002)، ص.79 (7((المرجع نفسه، ص.35–10 ((7(المرجع نفسه، ص.37–36 ((7(جابر أبو  جامع، "أثر التجارة الخارجية على النمو الاقتصادي والتنمية"، مجلة جامعة النجاح ل بأأحاث، مج  30، العدد 9 (2016)، ص.1853 (8((نبيل السهلي، "المساعدات الدولية ومستقبل السلطة الفلسطينية"، الجزيرة نت، 2013/3/10، شوهد في 2023/6/13، في:

https://bit.ly/2EMbQvE (81) Denoeux Brynen, "A very political economy: Peacebuilding and foreign aid in the West Bank and Gaza," Middle East Policy , vol. 7, no. 4 (2000), p. 187.

((8(عبد الرازق، ص.14 ((8(رائد أبو  عيد، "قراءة في بروتوكول باريس الاقتصادي"، مجلة دراسات شرق أوسطية، مج  62، العدد 62 (2013)، ص.98

(84) Fraihat.

وبالرغم من وجود خطط تنموية عديدة، فقد بقي بروتوكول باريس الاقتصادي الناظم لأصل العلاقة الاقتصادية بين إسرائيل والفلسطينيّين. وعلى إثر مجموعة كبيرة من السياسات والقيود والإجراءات،

فقد انخفضت مساهمة قطاعات الإنتاج الفلسطيني في الناتج المحلّي الإجمالي مقابل تكثيف عمل قطاعات خدمية، إذ تراجع قطاع الزراعة من 13.3 في المئة في عام 1994، إلى 3.5 في المئة في عام 2018. وانخفض أيضًا قطاع الصناعة من 22.3 في المئة في عام 1994، إلى 12 في المئة في عام 2018. ويُعبِّر هذا الانخفاض عن السيطرة على رأس المال الاجتماعي الفلسطيني، وتزايد معدلّات

البطالة والفقر.

د. التحكّم في سوق العمالة وصيرورة العيش

يشير أماراتيا سن إلى أنّ التنمية، وبشكل خاصّ في دول الجنوب، لا يمكنها أن تحلِّق إلّ بجناحين:

القضاء على الفقر (فالتنمية تهدف أساسًا إلى تحسين مستوى معيشة الناس)؛ والحرّية (الخلاص من

الاستعمار الاستيطاني والاحتلال الذي يحتكر السيطرة على الموارد والمعابر). ولذلك فقد عمل الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي في كلّ من الضفة الغربية وقطاع غزّة، بوساطة الأدوات السابقة، على

جعل الأراضي الفلسطينية سوقًا استهلاكية بحتة، غير قادرة على إدراج الأيدي العاملة الفلسطينية ضمن بنى الاقتصاد الوطني الفلسطيني، بل أمست العمالة الفلسطينية الرخيصة تُستخدم من جانب البنى الإنتاجية الإسرائيلية، الأمر الذي ألحق خسائر فادحةً بمستويات المعيشة وسوق العمل الفلسطيني. قدّم غيرشون شافير عام 1989 دراسته المعنونة ب "الأرض والعمل وأصول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني (1914–1882)". وأشار إلى أنّ دراسة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، من زاوية الاقتصاد والعمل، تجعله يختلف في الشكل والجوهر عن أنواع أخرى من الاستعمار قامت في مناطق مختلفة من العالم، فالاستعمار و/ أو الاستعمار الاستيطاني، في تجارب عالمية مختلفة، دأب في إنشاء مستعمرات تعتمد: إمّا على عمالة نقية من السكّان الأصلانيّين (كالاستعمار الإسباني للمكسيك)؛ أو على عمالة

خارجية (كالاستعمار الأوروبي لأميركا الشمالية الّذي جلب الأفارقة)؛ أو على احتكار العمل من جانب

المستعمِر (كالاستعمار الأوروبي لشمال أميركا الشمالية). ولكن ما  هو لافت للنظر أنّ الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي قد اعتمد على بناء مستعمرات استيطانية إثنية لكنّها تميل إلى استخدام العمالة الفلسطينية المحلّية دون دمجها في المجتمع الاستعماري الاستيطاني.

(8((واقع القطاع الزراعي في فلسطين، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، 2020/8/6، شوهد في 2023/6/13، في:

https://bit.ly/2QAKUSs

((8(أوس أبو  عطا، "الاقتصاد الفلسطيني منذ توقيع 'اتفاق باريس الاقتصادي'، إنجازاته ومعوّقاته"، سبوتنك عربي، 2019/9/2،

شوهد في 2023/6/13، في: https://bit.ly/3jr6SDU

(87) Mzingaye Xaba, "A Qualitative Application of Amartya Sen’s 'Development as Freedom' Theory to an Understanding of Social Grants in South Africa," African Sociological Review/ Revue Africaine de Sociologie , vol. 20, no. 2 (2016), pp. 102–121. (88) Gershon Shafir, Land, Labor, and the Origins of the Israeli–Palestinian Conflict, 1882–1914 (version Updated ed.) (Berkeley: University of California Press, 1996), pp. 14–20.

إن الدراسة الميتافيزيقية لوجود إسرائيل تجعل الرائي يفكّر برأسمالية الاستيطان التي بقيت على الدوام تتعامل مع الأرض الفلسطينية والمواطن الفلسطيني بوصفهما أدوات يمكن بواسطتها بناء بنى الاستعمار، بعد تفكيك البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الأصلانيّة والقائمة أساسًا. إذًا،

ا إلى فالاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي ليس محض أيديولوجيا أو فكرة سياسية تُرجمت براغماتي

مستوطنات ومستعمرات، بل ثمّة بعد اقتصادي تجذّر بالعمل والأرض. ولهذا يقول شافير إنّ الحركة

الاستعمارية الاستيطانية على أرض فلسطين قامت على ركيزتين أساسيّتين: أو لً، "احتلال الأرض" عن

طريق الهجرات الصهيونية الجماعية منذ القرن التاسع عشر، ثمّ "احتلال العمل" بعد أن سيطرت الحركة

ذاتها على الأرض، وبدأت الصهيونية العمّالية تتجلّى في بناء "الكيبوتسات" ومرافق الزراعة. إلّ أنّ

الاستعمار الاستيطاني لم يستطع بناء مستوطنات استعمارية تعتمد اعتمادًا كلّيًا على عمل المستوطنين

فقط، فقد نجح في خلق نظامين مختلفين يعملان وفق التمييز العرقي بين العرب واليهود بهدف إعادة إنتاج العمالة الرخيصة والمحافظة على تقسيم العمل داخل المجتمع الإسرائيلي. سيطر الاستعمار الاستيطاني على سوق العمالة، ولم تكن نظرته (أي الاستعمار الاستيطاني) إلى العمالة في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 مجرّد حدثٍ ارتبط بقيام الدولة الإسرائيلية، بل هي

ممتدّة إلى يومنا هذا في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 من خلال إنتاج أدوات السيطرة على العمال الفلسطينيّين الذين يعملون في السوق الإسرائيليّة. وقد بقيت في مجمل المناطق الفلسطينية

المحتلّة عام 1967. إنّ أدوات القوّة المادّية والمعنوية من أهمّ أسباب تشويه العمالة الفلسطينية وتوليد

الفقر ورفع معدلّات البطالة. كانت السيطرة على العمالة الفلسطينية مزيجًا بين أدوات القوّة الإكراهية والمادّية، وقد بدأت العمالة

الفلسطينية في إسرائيل عام 1970 عن طريق تصريح عامّ مفوّض من الحاكم العسكري، ثمّ تغيّر النظام

ليكون التصريح فرديًّا في عام 1991، وفي عام 2016 أصدرت السلطات الإسرائيلية قرارًا برقم 2174

لزيادة عدد العمّال الفلسطينيّين وتطوير نظام دفع الأجور ليجري ربطه بالبنوك بدلً من النقد التقليدي

المباشر. وتنظر السلطة الفلسطينية إلى القرار من زاوية حلّ مشكلة تراكم نحو مليارَي دولار لدى

الفلسطينيّين. ولأنّ العمالة الفلسطينية لدى إسرائيل في ازدياد مستمرّ (ارتفعت تصاريح العمل من 71

ألف تصريح عام 2016 إلى 141 ألف تصريح عام 2022)، فإنّها تنظر إليها باعتبارها أداة قياس لفعالية ضبط الأوضاع الأمنية من خلال تعميق ربط الفلسطيني بثمار الاقتصاد الإسرائيلي المشوّهة. إنّ أشدّ الأدلّة على ربط سوق العمل الفلسطينيّة بالحالة السياسية هي ظروف انتفاضةِ الأقصى، إذ

شكّلت لحظة انطلاق شرارتها في عام 2000 مرارةَ الواقع الفلسطيني، وحُرِمَ آنئذ أكثر من 120 ألف

عاملٍ فلسطينيّ من الدخول إلى مناطق عملهم في إسرائيل، إلى جانب فقدان الآلاف من الفلسطينيّين

لوظائفهم، وقدّرت الخسارة الاقتصادية بحوالى 16.5 مليار دولار أميركيّ تراوح في شدّتها ما بين

(8((ميساء الأشقر، "منظور الاستعمار الاستيطاني في فلسطين"، ملتقى فلسطين، 2020/8/11، شوهد في 2023/6/13، في:

https://bit.ly/3U1nqp5

مباشرة وأخرى غير مباشرة، الأمر الذي لم ينعكس على سوق العمل الفلسطينيّة فحسب، بل

ألحق خسائر فادحة وصلت ارتداداتها إلى مستويات المعيشة والفقر. إذًا، سعت سلطات الاستعمار الاستيطاني إلى إغراق الحياة الفلسطينية بمشكلات البطالة والفقر حتى تكون الحالة الفلسطينية حالة معيشية يومية أكثر منها حالة اشتباك وطني – سياسي. تظلّ دراسة العمالة الفلسطينية ركيزة أساسية في دراسة الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، لمحاولة قياس قدرة المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 على الانفصال عن الاستعمار الاستيطاني في ظلّ نظام فصل عنصري حوّل المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 إلى احتياطات عمالية لا يستطيع

الفلسطيني أن يخرج منها دون إذن إسرائيلي. وتربط أمل فرسخ بين تعريف عزمي بشارة "للبانتوستان" وتدفّقات العمالة الفلسطينية على الاقتصاد الإسرائيلي. وتجادل بأنّ السيطرة الإسرائيلية الاقتصادية على الفلسطينيّين، قبل اتفاقيات "أوسلو" وبعدها، تمرّ عبر ثلاث بوّابات رئيسة: السيطرة على الأرض

(كما وصفناها سابقًا باحتلال الأرض)؛ والتحكّم في نفاذ العمّال الفلسطينيّين إلى الاقتصاد الإسرائيلي

(التحكّم في العمّال بعد الفشل في احتلال العمل)؛ وتوسيع مستوطنات الضفّة الغربية في ظلّ وجود عمالة فلسطينية رخيصة (أي استخدام البشر). لم تُنتج ثمار العملية السلمية واقعًا اقتصاديًّا فلسطينيًّا أكثر ازدهارًا، وتحديدًا عندما نستعرض مؤشّرات

البطالة والفقر والارتفاع الحادّ فيهما، إذ تظهر تعقيدات المشهد المعيشي الفلسطيني بوصفها نتائج موضوعية لواقع الاستعمار الاستيطاني المتغوّل بقواه المادّية والإكراهية على سوق العمالة، والذي قاد

على المستوى الفلسطيني إلى الابتلاع الهيكلي للاقتصاد، وانهيار البنى التحتية والخدمات، والتبعية الماليّة، والافتقار التكنوقراطي الفنّي في التخطيط والإدارة، وضعف القطاع الخاصّ في ظلّ فقدان

الاستقرار السياسي، وسوء إدارة السلطة للأموال الفلسطينية، وتركيز الثروة في يد قلّة قليلة، وتضخّم فاتورة الأجور الضخمة، والأهمّ أنّ الاقتصاد الفلسطيني أصبح يسهّل توفير فرصة العمل في إسرائيل أكثر من

إيجاد عمل وطني.

ثالثًا: تحليل وخلاصات

إنّ فهم واقع التنمية وآفاقها في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 وتقويمه يتطلّب معالجة سياسية قبل أن تكون اقتصادية. إنّها مسألة ترتبط بشكل وثيق بعاملين مترابطين: الأوّل هو الاقتصاديّ –

السياسيّ للاستعمار الاستيطاني ونظام الفصل العنصري الذي يجد مبرّر وجوده واستمراره وإعادة

إنتاجه في إبقاء الفلسطينيين على هوامش تطوّره الاقتصادي والاجتماعي والعلمي، وتحييد قدرتهم

((9("الفقر في الأراضي الفلسطينية"، المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار (بكدار)، ص 3، شوهد في 2023/6/13،

في: https://bit.ly/2D03r76 (91) Leila Farsakh, "Palestinian Labor Flows to the Israeli Economy: A Finished Story," Journal of Palestine Studies , vol. 32, no. 1 (2002), p. 16.

((9:(يُنظر More Le.

على النهوض بوصفهم قومية (شعبًا)، وحيث يجري تعزيز هذا التفاوت بنيويالًّ عن طريق نظام الفص

ومنظومة القوانين المزدوجة التي تطبّق على الفلسطينيّين من جهة، وعلى المستوطنين اليهود من

جهة أخرى. أمّا الثاني، الذي يشكّل أساس الاستراتيجية الجيوسياسية الاستعمارية، فهو كيفية تدبّر

الوجود الفلسطيني البشري والمادّي في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 أو معالجته، وذلك بتحويل الفلسطينيّين إلى مجموعات معزولة بعضها عن بعض في سياق جيوسياسي يمنع خلق كيانية

سياسية ومعنوية وقانونية للفلسطينيّين عن طريق منظومات الفصل المكاني، والتحكّم في الحيّز. وفي

المقابل يجري – وبوتائر متسارعة – تحويل البنية الاستيطانية في هذه المناطق إلى كيان شبه مستقلّ، ومرتبط عضويًّا بإسرائيل بوصفها المركز المتروبولي لهذه البنية، فإذا كان من غير الممكن (على الأقلّ

من الناحية العملية) التخلص من الفلسطينيّين أو غالبيّتهم بعملية تهجير قسريّ جماعي من الضفة

الغربية، مثلما حدث في عامَي 1948–1947، فإنّ الحلّ الأمثل بالنسبة إلى هذه الاستراتيجية هو تحويل

الفلسطينيّين إلى مجموعات لا صلة لها بالمورد الأوّل والأهمّ لكلتا الغايتين: تحقيق التنمية بمعناها

الواسع، وقبل ذلك تحقيق التحرّر الوطني؛ وهذا المورد هو الأرض. في التعامل مع هذه الاستراتيجية، ينظر التيّار السائد في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967، شأنه

شأن العديد من المؤسّسات والدارسين أصحاب العلاقة، إلى مسألة التنمية بوصفها موضوعًا خاضعًا

للإجراءات الإدارية والاقتصادية التي يمكن بشكل ما تمريرها إمّا بالتنسيق مع السلطات الإسرائيلية، أو

بمعزل عنها في إطار الهامش المتاح من طرف هذه السلطة. وتستحوذ مقاربة البناء المؤسّسي للدولة

يشير – بأيّ شكل – إلى أنّ الصراع يمكن مقاربته من زاوية  والسيادة على المقاربة الفلسطينية لواقع لا

البناء المؤسّسي والسيادي. فما تراه السلطة الفلسطينية، على أنّه احتلال عسكري ونظام فصل عنصري

له صفة المؤقّت ويمكن من خلال الهوامش الضيّقة التي يتركها ابتداع مقاربة تنمويّة سيادية، هو في

حقيقة الأمر بنية مركّبة لها صفة الاستدامة. وتعمل هذه البنية على الاستعمار والتوسّع بوصفهما قيمة

مادّية ومعنوية في بناء أمّة من المستعمرين. وإذا كان من الصحيح أنّ الاحتلال الإسرائيلي بعد عام 1967 قد حقّق نجاحًا جزئيًّا فقط، بحكم أنّه

لم يتمكّن من تكريس شرعية أطماعه الجغرافية، وأنّ الفلسطينيّين لم يتحوّلوا، في حالة وجودهم

السياسية والاجتماعية، إلى نموذج السكّان الأصليّين في الولايات المتّحدة الأميركية، بل حافظوا على

شخصيّتهم القومية، فإنّ ما  حقّقته إسرائيل بفعل اتفاقيات "أوسلو"، وخاصّة ما يتعلّق بتعميق البنية

الاستيطانية وتعزيزها مكانيًّا وعدديًّا، يشير إلى تطوّر مغاير من حيث الأطماع الجغرافية والديموغرافية.

ومع ذلك فإنّ إسرائيل لم تنجح حتى الآن في تحويل الفلسطينيّين إلى مجموعة أصلانية تسعى وراء

حقوق فردية أو مدنية، ومن هنا تحقّق لها الفصل بين الجغرافيا والبشر ماديايًّ وقانون ا وعلى المستوى

النفسي. وهذا هو جوهر الصراع القائم اليوم، الّذي لن تفيد معه الخطط والبرامج التنموية التي تعمل عليها السلطة الفلسطينية و/ أو تتبنّاها أطراف محلّية ودولية من قبيل خطّة "الانفكاك الاقتصادي" عن

إسرائيل، وسابقتها "أجندة السياسات الوطنية 2022–2017"، التي وضعت الاستقلال الاقتصادي هدفًا

((9(بشارة، ص.18

أوّل تسعى لتحقيقه في إطار "تجسيد الدولة وإنهاء الاحتلال". لا  تقدّم هذه المقاربات التنموية

ما يمكن اعتباره النقيض لأطروحة الاستعمار الاستيطاني، بل إنّها تستبطن التسليم بوجوده حقيقة قابلة للالتفاف عليها، متجاهلة طابعه الإقصائي الذي يقوم على التفوّق اليهودي إذا ما استعرنا تعبير المنظمة

العالمية لحقوق الإنسان Watch Rights Human، وتقرير منظّمة "بتسيلم ". إنّ استمرار نظام الهيمنة اليهودي بشكله الاستعماري الاستيطاني معزّزًا بالفصل العنصري، لا يتطلّب

مقاربات اقتصادية تهرب من المواجهة السياسية والفكرية لحقيقة وجود دولة واحدة على أرض فلسطين، وهي دولة استعمار – استيطاني، بل يستدعي استراتيجية رفض قائمة على بناء الهيمنة المضادّة عن طريق إنشاء بنىًاقتصادية مقاومة تجد مصادر قوّتها في تمكين المجتمع الفلسطيني من

مواجهة منظومة التحكّم والإلحاق الاقتصادي الإسرائيليّين. وهذا ما  يمكن استقراؤه بوساطة تحليل

مؤشّرات العجز التنموي بوصفها سمات مفتعلة للاقتصاد الفلسطيني ومجالات التنمية. إنّها ذلك الهامش الذي تتيحه بنية الاستعمار والفصل العنصريّ للحفاظ على الوضع القائم وتعميقه لصالح

إعادة إنتاج العلاقات غير المتكافئة بين المستعمِر والمستَعمَر. ويتجلّى ذلك في علاقات القوّة ببعديها

المعنوي والمادّي الإكراهيّين بوساطة الآليات التالية التي يرتبط بعضها ببعض ارتباطًا عضويا:ًّ

1. التحكّم في الموارد والحيّز

منذ أن كانت إسرائيل في طور الحركة ما قبل الدولة، أي بوصفها فعلًاستيطانيًّا محضًا، امتلكت

تصوّرًا يقوم على استراتيجية الاستيلاء على الأرض والعمل، والتحكّم في الموارد. تتشابك في هذه

الاستراتيجية الأبعاد الجيوسياسية والديموغرافية والأمنية في تعريف واحد شامل للمعنى الوجوديّ

"للشعب اليهودي" على أرض فلسطين. وبوصفها دولة، ترى إسرائيل أنّ مسألة الجغرافيا والتفوّق

الديموغرافي العرقيّ مسألة وجودية أمنية. وتجري تغذية هذه المقاربة وتعزيزها بمقولات توراتية. إنّها

استراتيجية تتخطّى الحسابات العقلانية الكولونيالية القائمة على الاستغلال والنهب والإحلال، إلى التبريرات الإثنية – الدينية، التي قامت عليها الدولة وصاغت علاقاتها مع الأقلّية الفلسطينية التي بقيت على أرض وطنها بعيد النكبة عام.1948 أخذت هذه الاستراتيجية المنحى التدرّجيّ المثابر ذاته في الاستيلاء على الأرض والموارد

((9(دولة فلسطين، "أجندة السياسات الوطنية (2022–2017)" (كانون الأول/ [ديسمبر] 2016)، شوهد في 2023/6/13، في:

http://bitly.ws/Iiv9

((9("تجاوزوا الحدّ: السلطات الإسرائيلية وجريمتا الفصل العنصري والاضطهاد"، هيومن رايتس ووتش، 2021/4/27، شوهد في

2023/6/13، في: https://bit.ly/3qqvzpy

((9(مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلّة (بتسيلم)، "نظام تفوّق يهوديّ من النهر إلى البحر: إنّه

أبارتهايد"، 2021/1/12، شوهد في 2023/6/13، في: https://bit.ly/3U0HMyq ((9(يتقاطع استخدام مفهوم الهيمنة المضادة مع أدبيات المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي Gramsci Antonio)1937–1891(عندما أطّر ديناميات التغيير ضدّ الفاشية في القرن العشرين، مع الإشارة إلى أنّ الهيمنة المضادّة المطلوبة في السياق الفلسطيني

لا تأخذ بالضرورة بعدًا طبقيًا كما عبّر عنها غرامشي، بل هي حالة جماعية ترفض القبول الاجتماعي لطبيعة علاقات التتبيع الاقتصادية

والاجتماعية والسياسية التي يفرضها المستعمِر على المستعمَر.

الطبيعية والحيّز في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967، لكنّها واجهت صعوبات أكبر في هذه

المناطق بحكم الغالبية العددية الكبيرة للفلسطينيّين، وقدرتهم على بناء حركة وطنية ذات توجّهات

قومية، وبحكم أنّ التوافق الدولي جاء ليحدّد خريطة جيوسياسية جديدة للتسوية تعترف لإسرائيل بحدودها وفق قرار التقسيم، مضافًا إليها 22 في المئة من مساحة فلسطين. إلّ أنّ ذلك لم يمنع إسرائيل من إطلاق عملية استيطان اتّسعت تدريجيًّا لتستولي على الموارد الطبيعية وأهمّها الأرض

والمياه والمواقع الجيوستراتيجية الأكثر حيوية في الضفة الغربية والقدس. وقد جرّدت هذه

الاستراتيجية الفلسطينيّين من أهمّ الموارد اللازمة ليس لممارسة حقّ تقرير المصير بمعناه الواسع

فحسب، بل كذلك لإمكانية تحقيق أيّ مظهر من مظاهر التنمية يتجاوز المسموح به إسرائيليا. وقد

تمكّنت إسرائيل أكثر فأكثر من التحكّم في الموارد والحيّز بفعل اتفاقيات "أوسلو". فقد انتقلت

إسرائيل في علاقتها مع الفلسطينيّين في مناطق (أ) و (ب) و (ج) من منطق الفصل البسيط بينهم

وبين إسرائيل إلى منطق الفصل المركّب بين الفلسطينيّين أنفسهم، وبينهم وبين المستوطنين،

وبين الفلسطينيّين وأرضهم. إنّه نظام أبارتهايد أكبر apartheid Grand، لا يقوم على مجرّد الفصل

Segregation، بل أيضًا على تفكيك عرى المجتمع الفلسطينيّ وفصلها، والسماح له بما يكفي

من الموارد للعيش فقط.

2. فصل الفلسطيني عن أرضه

مع بداية الاحتلال العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزّة والقدس، كان السؤال الأهمّ بالنسبة

إلى إسرائيل هو: كيف ستتمكن من البقاء في هذه المناطق مع وجود أعداد كبيرة من الفلسطينيّين

الّذين يعيشون فيها. فالاستنتاج الذي يقول إنّ إسرائيل بمعنى ما وقعت في حيرة، أو إنّها لم تكن تخطّط لهذا البقاء هو استنتاج في غير محلّه، خاصّة في ظلّ الأيديولوجيا القومية الدينية التي كانت

في حالة صعود في الأعوام التي تلت عام 1967، وتوّجت بوصول حزب الليكود إلى الحكم عام

1977. حقّقت إسرائيل باحتلالها هذه المناطق واحدةً من أهمّ خصائصها بوصفها دولة لأمّة معسكرة،

أو مثلما وصفها أوري بن ألعيزر. إنّ حرب 1967 ذاتها كانت بمنزلة انتصار القوى المركزية في دولة إسرائيل التي رأت في الحرب فرصة لاستكمال مشروعها الاستعماري الاستيطاني في المناطق التي تدور حولها معظم المقولات التوراتية. وقد تعمّقت تلك النزعة القومية – الدينية أكثر منذ سبعينيات

القرن الماضي، وتجلّت في المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 على شكل تغيير جوهري في الاستراتيجية الجيوسياسية للاستيطان بقيادة حركة "غوش أمونيم"، بحيث تجاوزت كم ا ونوعًا خطّة

"آلون" نحو عملية استيطانية شاملة جغرافيًّا، وعملت على إعادة تعريف العلاقة بين الفلسطيني وأرضه

عن طريق تقطيع أوصال المناطق الفلسطينية المحتلّة عام 1967 بالمستوطنات، وعمليات مصادرة الأراضي والاستيلاء عليها بمختلف الوسائل. وفي هذا السياق، حلّ التطهير العرقي الداخلي محلّ التهجير في نفي الفلسطينيّين وعزلهم عن أرضهم.

(98) Uri Ben–Eliezer, War Over Peace: One Hundred Years of Israel’s Militaristic Nationalism, Shaul Vardi (trans.) (Oakland: University of California Press, 2019), pp. 18–25.

شهدت السنوات الماضية تطوّرات نوعية في بنية الاستيطان وخصائصه في المناطق الفلسطينية المحتلّة

عام 1967، كان من شأنها تعميق حالة اغتراب الفلسطيني عن أرضه، فقد جاء بناء جدار الفصل ليمثل الجانب الفيزيائيّ الأكثر عنفًا للاستعمار والفصل، ومعه تعاظمت عمليّات التوسّع الاستيطاني أفقيًّا

بالمعنى المكاني والجغرافي، وعموديًّا بالمعنى البشري والسياسي – القانوني، وإضافة إلى الارتفاع

المستمرّ في عدد المستوطنين في هذه المناطق، فقد حولت الطرق الالتفافية والحواجز العسكرية

الضفة الغربية إلى معازل مفتّتة يجري إغلاقها والتحكّم فيها في أضيق حيّز مكاني. وبالمعنى

القانوني والسياسي، لم تعد إسرائيل تبدي أيّ حرج من الإعلان عن عدم استعدادها للتخلّي عن هذه

المستوطنات. وقد جاء قانون القومية في عام 2018 ليعلن بوضوح أنّه ليس ثمّة علاقة حقوقية أو قانونية

بين الفلسطيني وأرضه استنادًا إلى أنّ الجماعة الوحيدة والحصرية التي لها حقّ تقرير المصير على هذه الأرض هي اليهود، وإلى أنّ الاستيطان قيمة قومية يهودية.

3. السياسات النيوكولونيالة في مجالات العمالة والتجارة

ثمّة استنتاج يُعرّف الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي بالارتكاز على حقائق استبطان منطقيّ ل "احتلال

الأرض" و"احتلال العمل" بهدف خلق بنى اقتصاد سياسي رأسمالية استيطانية مواتية لحالة التوسّع

والديمومة. ولكن بعد قيام دولة إسرائيل وما تلاها من احتلال الضفة الغربية وقطاع غزّة والقدس عام

1967، ثمّة رؤية جديدة طرأت بعد أن نجح المستعمِر جزئياًّا – كم يقول غيرشون شافير – في "احتلال

الأرض" وفشل جزئيًّا أيضًا في "احتلال العمل" بسبب فشله في تنفيذ عقيدة "الإبادة"، التي أطّرها

باتريك وولف ضدّ السكّان الأصلانيّين، وهي رؤية استخدام المواطن الفلسطينيّ بهدف إنتاج/ وإعادة

إنتاج عمالة رخيصة تساعد في توسيع المستعمرات والمستوطنات. وبذلك، وبالعودة إلى أدبيات أمارتيا سن في فهم التنمية بوصفها حرّية، نستنتج أنّ الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي قد وضع التنمية

الفلسطينية في قالبٍ مضغوط بين فكّي كمّاشة؛ تفاقم الفقر أو لً، وضبط الحرّية عن طريق احتكار

السيطرة على المعابر والحدود ثانيًا؛ أي إنّها تنمية ترسمها سياسات نيوكولونيالية بالمعنى الدقيق. وكانت أهداف النيوكولونيالية في مجالات التجارة والعمالة من أهمّ محرّكات بناء مستعمرات استيطانية

إثنية تميل إلى استخدام موارد الفلسطينيّين ورأس مالهم الاجتماعي موادّ وعمالة متدفّقة نحو الاقتصاد

الإسرائيلي. ولم تدمج إسرائيل العمالة الفلسطينية المحلّية ببنى مجتمع الاستعمار، بل أبقتها في معازل أطلق عليها عزمي بشارة اسم "بانتوستانات"، وسمَّتها ليلى فرسخ "احتياطات عمّالية"، لضمان نقاء

المجتمع الاستعماري الاستيطاني والحفاظ على القومية اليهودية والتفوّق العرقي أو لً، ثمّ التحكّم في

العمالة وإعادة إنتاجها بأبخس الأثمان وبالطريقة التي يراها المستعمِر مناسبة ثانيًا. ثمّة وراء طبيعة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي المألوفة والمتمثّلة في الأيديولوجيا السياسية والدينية

والفكرة القومية، لعبة عقلانية تمأسست قواعدها بقوّة السلاح فيما بعد احتلال عام 1967 عن طريق

(99) Xaba, pp. 105–112. (100) Shafir, pp. 35–42.

تحقيق الأمن المائي والأمن الغذائي. وترسّخت بقوّة التشريعات والقوانين الإكراهية بعد اتفاقيات

"أوسلو" وبروتوكول "باريس"، عن طريق ضمان مجموعة من المكاسب المادّية التي يُمكن أن تجنيها

إسرائيل بتغيير دورها من احتلال مباشر يأخذ على عاتقه مسؤولية الإدارة المحلّية للمُستَعمَرين إلى

نظام نيوكولونيالي يقوم على أولوية الفصل العنصري، ويتحكّم في معابر التجارة والاقتصاد الرقمي والأرض والعمل والإنتاج، ويضمن التوسّع دون دفع تكلفة الاحتلال المباشر.

4. التحكّم السياسي والإداري

تعامل الاستعمار الاستيطاني مع المجتمع الفلسطيني من منطلق تساؤل ميشيل فوكو حول التهديد الرئيس لنشوء الدول الجديدة وبقائها، وتجادل هذه الدراسة بأنّ الاستعمار الاستيطاني أجاب عن التساؤل ذاته بالافتراض ذاته، مشيرًا في حوادث عديدة، إلى أنّ حالة الفلسطينيّين، بوصفهم سكّانًا أصلانيّين، هي

التهديد الرئيس لدولة الاستعمار الاستيطاني، ولهذا تبنّت الدولة ذاتها أنّ عودة "الأبناء الضالّين" لا يمكن

أن تتمّ إلّ في حالة نفي المنفى، ونفي الآخر في الوقت ذاته. جمعت إسرائيل، بهدف التحكّم السياسيّ

والإداري، بين مزيج من الأنظمة في آنٍ واحد، وبهذا المعنى فإنّ الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي يخلق من تركيب بنيته وتعقيدها نظامًا فريدًا يسعى للبقاء في ظلّ إعطاء الفلسطينيّين حكمًا ذاتيًّا مشوّهًا

تستطيع من خلاله النخب الفلسطينية أن تفترض أمل الاستقلال أو التنمية، في حين أنّ الآمال ذاتها تُؤنسن الاستعمار الاستيطاني وتبقيه متحكّمًا رئيسًا في الهامش الاقتصادي – السياسي الذي يسمح به.

خاتمة

في سياق كلّ ما تقدّم، وبالعودة إلى الفرضية الرئيسة التي ارتكزت عليها الدراسة، نجد أنّ الاستعمار الاستيطانيّ قد ابتكر أدوات قوّته المادّية والإكراهية ووظَّفها من أجل خلق وهم التنمية، في حين أنّ

الوهم ذاته قد وفَّر بيئة غير تنموية بالمعنى الفلسطينيّ، ومواتية لإعادة إنتاج علاقات القوّة في سياقها

الاستعماري الاستيطاني ضمن إطار منظومة الفصل العنصري. وأصبح المشهد التنموي الفلسطيني الشامل اليوم جملة من التناقضات في ظلّ استعمار استيطاني يستخدم كلّ أدوات السيطرة للمضيّ

قدمًا نحو احتلال مزيدٍ من الأرض والسيطرة على العمل وإبقاء الاقتصاد الفلسطيني هامشًا صغيرًا

على جسم الرأسمالية الاستيطانية الهائل، وفي ظلّ سلطة فلسطينيّة تتمتّع بحكم ذاتي مشوّه وتظلّ

تصرّ على إمكانية الانعتاق من شروط أمن ذلك الاستعمار عن طريق البناء والمأسسة. وبين الحالتين

تغيب النقيضة الأساسية للاستعمار الاستيطاني التي يجب التفكير بها في إطار استراتيجية وطنية شاملة ومستدامة توفّق بين السياسة والاقتصاد والجغرافيا والمجتمع بهدف التحرّر من أدوات القوّة المفروضة،

والتحرّر من الفقر والعوز. ومن هنا، وفي ظلّ الارتكاز الأوّلي للاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي على

استراتيجيات "احتلال الأرض" و"احتلال العمل"، تبرز الحاجة إلى تنمية تحرّرية يكون فيها المواطن

العاديّ الغاية والوسيلة في أيّ عمل.

(10((يُنظر: زريق. (10((يجادل في هذا كلّ من إدوارد سعيد وإيلان بابيه وباتريك وولف وإيليا زريق.

المراجع

References

العربية

الأمم المتحدة. الجمعية العامة. المجلس الاقتصادي والاجتماعي. "الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية للاحتلال الإسرائيلي على الأحوال المعيشية للشعب الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلّة بما فيها القدس الشرقية والعرب في الجولان السوري المحتلّ." 2017/5/23:. في fCGgyp /3 ly. bit:// https أبو  جامع، جابر. "أثر التجارة الخارجية على النموّ الاقتصادي والتنمية". مجلّة جامعة النجاح للأبحاث.

مج 30، العدد 9.)2016(أبو  عيد، رائد. "قراءة في بروتوكول باريس الاقتصادي". مجلّة دراسات شرق أوسطية. مركز دراسات الشرق الأوسط. مج 62، العدد 62 (2013). أبو  الغزلان، هيثم. "المياه.. مدخل لاختراق الأمن القومي العربي وإشعال الحروب". الوحدة الإسلامية. العدد  131 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2013). "اتفاقية أوسلو (إعلان المبادئ – حول ترتيبات الحكومة الذاتية الفلسطينية)". منظمة التحرير الفلسطينية – دائرة شؤون المفاوضات. في: x 8 W 2 VG /2 ly. bit:// https الآغا، سعيد. "حماية الموارد الطبيعية طبقًا لأحكام القانون الدولي العامّ: الحالة الفلسطينية نموذجًا".

مجلة الجامعة العربية الأميركية. مج  3، العدد 1.)2017(بدر، أشرف. "المعضلة الجيوبوليتيكية الإسرائيلية". ورقة مقدّمة في مؤتمر إسرائيل في عقدها الثامن: أبعاد القوّة وحدودها. مركز رؤية للتنمية السياسية. إسطنبول، تركيا،.2020 بشارة، عزمي. "استعمار استيطاني أم نظام أبارتهايد: هل علينا أن نختار؟" عمران. مج  10، العدد 38 (خريف 2021). "تقييم التعديلات الأخيرة (2914) لقانون تشجيع الاستثمار الفلسطينية". طاولة مستديرة. رام الله: معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس"، 2014:. في HJyi / ws. bitly:// http الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. "الإحصاء الفلسطيني يستعرض أوضاع السكّان في فلسطين بمناسبة اليوم العالمي للسكّان". رام الله: 2019/7/11، في: xfBSnc /2 ly. bit:// https ______."مسح القوى العاملة الفلسطينية: التقرير السنوي 2013". رام الله: نيسان/ أبريل 2014.

في: hogXu /39 ly. bit:// https

______. "د. علا  عوض، رئيسة الإحصاء الفلسطيني تستعرض الواقع العمالي في فلسطين لعام 2021 بمناسبة اليوم العالمي للعمال (الأول من أيار)". رام الله: 2022/4/28:. في uplxah /3 ly. bit:// https

الخالدي، وليد. "خطّة دالتْ مجددًا". مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد  96 (خريف.)2013 خمايسي، راسم. "استراتيجيا الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلّة وأثره في التخطيط القطري والتنمية في فلسطين". مجلة الدراسات الفلسطينية. مج  10، العدد 37.)1999(دجاني، منى. "المقاربة 'اللاسياسية' لأزمة المياه في فلسطين". شبكة السياسات الفلسطينية. 2017/7/30:. في UCrJJC /2 ly. bit:// https دولة فلسطين. "أجندة السياسات الوطنية (2022–2017)". (كانون الأول / [ديسمبر] 2016:). في

http:// bitly. ws / Iiv 9

زريق، رائف [وآخرون]. دليل إسرائيل العام 2020. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2020 زعرب، عبد المعطي. "التجارة الخارجية الفلسطينية: واقعها وآفاقها المستقبلية". وزارة الاقتصاد الوطني. [تشرين الثاني/] نوفمبر 2005:. في HUcW / ws. bitly:// http سعادة، وسام. "تراكم رأس المال وإشكاليته 'إعادة الإنتاج' من ماركس إلى لوكسمبورغ". بدايات. العدد 22.)2019(سلامة، عبد  الغني. "الصراع على المياه في فلسطين: واقع وحلول". شؤون فلسطينية. العدد 257 (صيف.)2014 صبيخي، هاشم كاظم. "مياه الضفة الغربية وقطاع غزة بين الأطماع الصهيونية والاحتياجات الفلسطينية". مجلة آداب البصرة. العدد  64 (آذار/ مارس.)2013 عبد  الرازق، عمر. تقييم الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية الفلسطينية الدولية. رام  الله: معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس"،.2002 عبده، فؤاد. "التنمية ومشكلة المياه". ورقة مقدّمة في مؤتمر المياه العربية وتحدّيات القرن الحادي والعشرين. مركز دراسات المستقبل. أسيوط،.1998 قرّش، محمد. "أثر اتفاقية باريس الاقتصادية على التجارة الخارجية الفلسطينية". مجلّة شؤون

فلسطينية. العدد  257 (صيف.)2014 لوكسمبورغ، روزا. ما هو الاقتصاد السياسي؟ ترجمة إبراهيم العريس. بيروت: دار  ابن خلدون،.1980 المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار "بكدار". الفقر في الأراضي الفلسطينية. رام  الله: 2008:. في 76 r 03 D /2 ly. bit:// https المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية. نصّ الدستور الفلسطيني. في:

https:// bit. ly /2 wRr 5 QB

مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلّة (بتسيلم). "سياسة التخطيط في https:// bit. ly /3 dgzfli الضفّة الغربيّة 2017/11/11."في:. ______. "قيود على الحركة والتنقّل." 2017/11/11:. في Vydqqt /2 ly. bit:// https ______. "نظام تفوّق يهوديّ من النهر إلى البحر: إنّه أبارتهايدفي.":2021/1/12.

https:// bit. ly /3 U 0 HMyq

مصطفى، وليد. الموارد الطبيعية في فلسطين: محدّدات الاستغلال وآليات تعظيم الاستفادة. رام  الله: معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس"،.2016 ملك، محمود. "الواقع التجاري للضفة الغربية وإمكانيات التطوير". ورقة مقدّمة في المؤتمر الفلسطيني للتنمية وإعادة الإعمار. رام الله، 2005:. في xzU 0 Uh /2 ly. bit:// https هواري، يارا. " الاستيلاء الإسرائيلي المستمرّ على الأراضي: كيف يقاوم الفلسطينيون". شبكة

السياسات الفلسطينية. 2018/4/9:. في 9 zyzqd /2 ly. bit:// https وايلدمان، جيرمي. "فعالية مساعدات المانحين وسياسة عدم إلحاق الضرر في الأرض الفلسطينية المحتلة: تحليل شفوي ووثائقي لمنظور الداعمين الغربيّين المتمثل في التنمية وبناء السلام في

برامجهم لمساعدة الفلسطينيين (2016–2010)". متابعة الدعم الدولي.2018/11/10.

الأجنبية

Albritton, Robert et al. (eds.). Phases of Capitalist Development. New York: Palgrave,

B’tselem. "Settlements." 11/11/2017. at: https://bit.ly/3L83XPu Ben–Eliezer, Uri. War Over Peace: One Hundred Years of Israel’s Militaristic Nationalism. Shaul Vardi (trans.). Oakland, CA: University of California Press, 2019. Bryne, Denoeux. A very political economy: Peacebuilding and foreign aid in the West Bank and Gaza. Middle East Policy Council, 2000. Busbridge, Rachel. "Israel–Palestinian and the Settler Colonial 'Turn': From Interpretation to Decolonization." SAGE Journal. vol. 35, no. 1 (2017). Constable, Marianne. "Foucault & Walzer: Sovereignty, Strategy & the State." Polity. vol. 24, no. 2 (1991). at: https:// bit. ly /3 cVmcuV David, Muhammad. "Relationship between Poverty and Unemployment in Niger State." IImu Ekonomi Journal. vol. 8, no. 1 (2019). Farsakh, Leila. "Palestinian Labor Flows to the Israeli Economy: A Finished Story?" Journal of Palestine Studies. vol. 32, no. 1 (2002). Fraihat, Ibrahim. "The Palestinian Economic Disengagement Plan from Israel: An opportunity for progress or an illusion?" Third World Quarterly. vol. 43, no. 7 (2022).

Ghattas, Roubina et al. Opportunities and Challenges of Palestinian Development Actions in Area C. Jerusalem: The Applied Research Institute (ARIJ), 2016. at: http://bitly.ws/HJFJ Le More, Anne. International Assistance to the Palestinians after Oslo: Political Guilt , Wasted Money. New York: Outledge. 2008. Niksic, Orhan et al. Area C and the Future of the Palestinian Economy. Washington, DC: The World Bank, 2014. Pappé, Ilan. The Ethnic Cleansing of Palestine. Oxford: One World, 2006. Peres, Shimon. The New Middle East. New York: Henry Holt, 1993. "Pillage of the Dead Sea: Israel’s Unlawful Exploration of Natural Resources in the Occupied Palestinian Territory." Al–Haq (July 2012). at: https:// bit. ly /2 USCOab Ronit, Lentin. "Palestinian Lives Matter: Racialising Israeli Settler–Colonialism." Journal of Holy Land and Palestine Studies. vol. 19, no. 2 (November 2020). Sadiki, Larbi (ed.). Routledge Handbook of Middle East Politics. Abingdon: Routledge,

Shafir, Gershon. Land, Labor, and the Origins of the Israeli–Palestinian Conflict. 1882–1914 (version Updated ed.). Berkeley: University of California Press, 1996. Wolfe, Patrick. "Settler colonialism and the elimination of the native." Journal of Genocide Research. vol. 8, no. 4 (2006). World Bank Group.  Toward Water Security for Palestinians: West Bank and Gaza Water Supply, Sanitation, and Hygiene Poverty Diagnostic. Washington, DC: World Bank, 2021. Xaba, Mzingaye. "A Qualitative Application of Amartya Sen’s 'Development as Freedom' Theory to an Understanding of Social Grants in South Africa." African Sociological Review/ Revue Africaine de Sociologie. vol. 20, no. 2 (2016). Yiftachel, Oren. Ethnocracy: Land and Identity Politics in Israel/Palestine. Pennsylvania: University of Pennsylvania Press, 2006.