Return to Article Details A Brief History of Equality

تاريخ مختصر للمساواة

A Brief History of Equality

عثمان عثمانية| Otmane Atmania *

الملخّص

عنوان الكتاب في لغته الأصلية: Une brève histoire de l’égalité . عنوان الكتاب: تاريخ مختصر للمساواة . المؤلف: توماس بيكيتي Thomas Piketty. الناشر: باريس: Seuil. سنة النشر: 2021. عدد الصفحات: 368.

Abstract

Lecturer in economics department, Eshahid Larbi Tebessi University, Tebessa, Algeria. Email: o.atmania@univ–tebessa.dz

الكلمات المفتاحية:
  • اللامساواة
  • المساواة
  • الضرائب التصاعدية
  • الاشتراكية الديمقراطية
Keywords:
  • Inequality
  • Equality
  • Progressive Tax
  • Democratic Socialism

عنوان الكتاب في لغته الأصلية: عنوان الكتاب: تاريخ مختصر للمساواة. المؤلف: الناشر: باريس: Seuil. سنة النشر: عدد الصفحات:

مقدمة

في عام 2014، نقل المترجم والأكاديمي بجامعة هارفرد الأميركية آرثر غولدهامر Goldhammer Arthur كتابًا فرنسيًا يحمل عنوان رأس المال في القرن الحادي والعشرينإلى اللغة الإنكليزية، وكانت كلمة رأس المال في الغلاف أكبر من الكلمات الأخرى بشكلٍ واضح، حتّى اعتقد الكثيرون أنّها طبعة جديدة من كتاب رأس المالالشهير لكارل ماركس Marx Karl. لكن، في الواقع، كان الكتاب للاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي Piketty Thomas، وقد حقّق بعد عدة أشهر من صدور النسخة الإنكليزية مبيعات خيالية تجاوزت 2.5 مليون نسخة، وسارع علماء اقتصاد كبار، على غرار الأميركيَين الحائزين على جائزة نوبل في الاقتصاد بول كروغمان Paul إلى مدحه واعتباره أهم كتاب في العقد، إن لم يكن في القرن كله. ومنذ ذلك الحين، صدرت عشرات الكتب التي تدافع عن أطروحاته أو تهاجمها، وقد أصبح بيكيتي أخيرًا نجم الاقتصاد الجديد. وما  ميّز كتب بيكيتي السابقة، على الأقل ثلاثة منها: الدخول العليا في فرنسا في القرن العشرين؛ رأس المال في القرن الحادي والعشرين؛ رأس المال والأيديولوجيا، إلى جانب طروحاتها غير المسبوقة حول المساواة، هو كبر حجمها، حيث بلغ عدد صفحاتها 788، و 976، و 1232، على التوالي. وقد كتب بيكيتي في عام 2021 كتابًا مختصرًا بعنوان تاريخ مختصر للمساواة، صدر باللغة الفرنسية، ونُقل إلى الإنكليزية عام 2022. يقع الكتاب في عشرة فصول: "المسيرة نحو المساواة: المعالم الأولى"؛ "عدم التركيز البطيء للسلطة والملكية"؛ "إرث العبودية والاستعمار"؛ "مسألة التعويضات"؛ "الثورات والمكانة والطبقات"؛ "إعادة التوزيع الكبير 1980–1914 "؛ "الديمقراطية والاشتراكية والضريبة التصاعدية"؛ "المساواة الحقيقية في مقابل التمييز"؛ "الخروج من الاستعمار الجديد"؛ "نحو اشتراكية ديمقراطية وبيئية ومختلطة".

أولا: أهو تاريخ للمساواة أم للامساواة؟

يُبين لنا علماء الأنثروبولوجيا عدم توفّر أي إشارة إلى اللامساواة الاجتماعية قبل العصر الحجري القديم. مع ذلك، تقودنا العديد من الدراسات إلى الجزم بأنّ المجتمعات القديمة عانت من اللامساواة. مثلً، يشير بير مولندر إلى أنّ المجتمعات التقليدية، مثل المجتمع الأثيني، تميزت بتفاوت كبير، فقد قُدّر معامل جيني coefficient Gini لبيزنطة بحوالى 0.41 في عام 1000، وكانت نسبة ما يمتلكه الأغنياء حوالى 30 في المئة من الدخل، بينما كان يقدر ب 16 في المئة فقط في روما.

(4) Brian Hyden, Naissance de l’inégalité: L’invention de la hiérarchie (Paris: CNRS éditions, 2008), p. 24. (5) Per Molander, The Anatomy of Inequality: Its Social and Economic Origins and Solutions , Saskia Vogel (Trans.) (London: Melville house Publishing, LLC., 2016), pp. 35–36.

وفي الوقت الحالي، يُقدم لنا تقرير اللامساواة العالمية لسنة 2022 نظرةً لا غنى عنها عن حالة اللامساواة بين دول العالم. يحصل أغنى 10 في المئة من سكان العالم حاليًا على 52 في المئة من الدخل العالمي، بينما يكسب النصف الأفقر من السكان 8.5 في المئة منه. في المتوسط يكسب الفرد من أعلى 10 في المئة من توزيع الدخل العالمي 122,100 دولار أميركي في السنة، في حين يكسب الفرد من النصف الأفقر من توزيع الدخل العالمي 3920 دولارًا سنويًا. وهذا يعكس درجة اللامساواة الموجودة في العالم اليوم. وإذا أردنا توضيح ذلك أكثر، يمتلك النصف الأفقر من السكان 4100 دولار أميركي بتعادل القوى الشرائية لكل شخص بالغ في المتوسط، ويمتلك أعلى 10 في المئة 771,300 دولار في المتوسط. ومن الواضح أنّ الهوة بين الفئتين كبيرة جدًا، ويصعب علاجها من خلال سياسات ظرفية. ما الذي يريد بيكيتي أن يوضحه لنا في كتابه؟ أهو كتاب حول المساواة أم اللامساواة؟ أهو كتاب حول إصلاح الرأسمالية أم مرافعة لصالح الاشتراكية؟ يقدم الكتاب "تاريخًا مقارنًا للامساواة بين الطبقات الاجتماعية في المجتمعات الإنسانية، أو بالأحرى هو يقدم تاريخًا للمساواة" (ص. 9)، ومن البداية لا يتضح الفرق بين الاثنين، إذ يرى بيكيتي أن تاريخ اللامساواة هو بالضرورة تاريخ المساواة، والعكس صحيح (ص). 9 وعلى الرغم من أنّ أطروحة بيكيتي السابقة تُشير إلى أنّ اللامساواة ستستمر خلال القرن الحادي

(6) Lucas Chancel et al, "World Inequality Report 2022 , " World Inequality Lab , p. 10, accessed on 20/7/2023, at: https://tinyurl.com/2h9k4t9t

والعشرين، فإنّه يعترف أنّ اللامساواة اليوم هي أقل ممّا كانت عليه قبل خمسين سنة أو قرن (ص. 9). وبناءً عليه، إن مسار المساواة واضح ولا يمكن إنكاره، وفي ذات الوقت لا يعني ذلك أنّ عصر اللامساواة انتهى، بل ينتظرنا عمل كثير للوصول إلى مستويات أعلى من المساواة أو أقل من اللامساواة، ويتعمد بيكيتي ذكرهما سويةً هنا حتى نعرف أنّهما وجهان لعملة واحدة، حيث يمكن إحلال الأولى محلّ الثانية مع تغيير اتجاه المصطلحات فحسب. يرى بيكيتي أنّ عالم العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين "مهما كان غير عادل فهو أكثر مساواة من عالم عام 1950، الذي كان أكثر عدلً من عالم عام 1900" (ص. 9)، وهو بذلك يقدم تبريرات غير ضرورية للامساواة في القرن الحادي والعشرين، ومن ثم يوحي بأنّه علينا قبول اللامساواة الحالية ما دامت أقل ممّا كانت عليه سابقًا، وفيما بعد طرح أفكارًا لمعالجة المستويات الحالية من اللامساواة. لكنّ الأطروحة الأساسية في الكتاب هي أنّ العالم يتجه نحو مساواة أكثر في الملكية، والدخل، والنوع، والعرق، في أغلب مناطق الكرة الأرضية. وعلى الرغم من أنّ بيكيتي وضّح بشكل لا يعتريه الشك أنّ الحروب والأزمات، مثل الحربين العالميتين الأولى والثانية، وأزمة الكساد العظيم في سنة 1929، وثورة المحافظين بداية ثمانينيات القرن العشرين، هي عوامل أو أحداث أسهمت إسهامًا كبيرًا في تعزيز المساواة في منتصف القرن العشرين، فإنّه يعتبرها هنا سببًا في تلك الحروب، وهي أطروحة ينقصها ما يُثبتها.

(8) Thomas Piketty, Capital in the Twenty First Century , Arthur Goldhammer (trans.) (Cambridge: Harvard University Press, 2014), p. 356. (7) Ibid. (9) Ibid.

ثانيًا: معالم المسيرة نحو المساواة

يمكن أن تظهر المسيرة نحو المساواة جليةً من خلال أول المعالم المتمثلة في التقدم الإنساني من خلال التعليم والرعاية الصحية للجميع. والحقيقة أنّ التطور الذي أحدثته البشرية خلال القرن الماضي وبداية القرن الحالي مثير للإعجاب. مثلً، بالنسبة إلى الوفيات بين المولودين حديثًا، كانت النسبة تتعدى العشرين في المئة في بداية القرن التاسع عشر، وهي لا تصل إلى الواحد في المئة اليوم. كما ارتفع العمر المتوقع عند الولادة من 26 في عام 1820 إلى 73 في عام 2020. وفي نفس الفترة، انتقلت نسبة الذين يجيدون القراءة والكتابة من أقل من 10 في المئة من سكان العالم إلى أعلى من 85 في المئة (ص 31–29)، وأصبح الناس اليوم أكثر صحةً ممّا كانوا عليه في السابق، وما كان يُعد امتيازًا لطبقة من الأغنياء في بداية القرن الثامن عشر، أصبح أمرًا متاحًا لشرائح واسعة من أفراد المجتمع في القرن الحادي والعشرين. ويشير بيكيتي إلى أنّ الجزء الأكبر من المساواة بكل أشكالها قد تحقّق في القرن العشرين؛ في الفترة التي توسعت فيها دولة الرفاه الاجتماعي، وتأسّس فيها التأمين الاجتماعي والضرائب التصاعدية على الدخل. وبعد هذا التقدم الذي عرفته البشرية، يأتي توزيع الملكية بوصفه أحد معالم المسيرة نحو المساواة. وهنا يُقصد بالملكية، كل ما يمكن أن يمتلكه الشخص عند نقطة زمنية معينة، كما تعتمد على "الطريق التي يحدد بها كل مجتمع الأشكال الشرعية للملكية (الأرض، والمنازل، والمصانع، والآلات، والبحار، والجبال... إلخ)، وأيضًا الإجراءات القانونية والممارسات التي تهيكل من علاقات الملكية والسلطة وتحد منها، بين المجموعات الاجتماعية المعنية" (ص. 49) كان تركيز اللامساواة عاليًا جدًا بداية القرن التاسع عشر وصولً إلى الحرب العالمية الأولى. لو نأخذ فرنسا مثلً، نجد أن تركيز الثروة تزايد بعد الثورة الفرنسية، وكان الواحد في المئة الأغنى يمتلكون 45 في المئة من إجمالي الممتلكات عام 1810، وحوالى 55 في المئة من الإجمالي عام 1910، وارتفع ذلك إلى 65 في المئة عند بداية الحرب العالمية الأولى. لكن خلال القرن العشرين، تراجع تركيز الملكية إلى أقل من 20 في المئة في بداية ثمانينيات القرن العشرين، قبل أن ترتفع قليلً إلى 25 في المئة في عام 2020 (ص. 52) لكنّ الأمر لا يتعلق بحجم الملكية فقط، بل بالسلطة والفرص التي تمنحها تلك الملكية. فمع الثورة الفرنسية، كانت الطبقة الأرستقراطية التي تمثل أقل من 1 في المئة فقط من إجمالي السكان، تمثل أكثر من 50 في المئة من كبار الملاك، فضلً عن تمتعهم بامتيازات جبائية وقانونية وسياسية هائلة، على عكس الملّك الأثرياء. في المقابل، لا يزال الخمسون في المئة الأفقر فقراءً، بمعنى أنّ حصتهم من الملكية لا تزال ضعيفة منذ القرن الثامن عشر، ولكنّهم ليسوا تحت رحمة الملّك، سواء كانوا أرباب عمل أو مستعمرين، كما كان عليه الأمر سابقًا (ص. 54) أسهم التوزيع الذي عرفه القرن العشرين في تخفيض اللامساواة تخفيضًا كبيرًا، لكن ليس بالنسبة إلى الخمسين في المئة الأفقر، بل بالنسبة إلى الأربعين في المئة الذين يقعون بينهم وبين العشرة في المئة الأغنى، حيث تضاعفت حصتهم من إجمالي الثروة ثلاث مرات في الفترة 1980–1914. وقد أسهم

ظهور هذه الطبقة التي يُطلق عليها الطبقة الإرثية المتوسطة، في تشكيل تحوّل كبير على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وعلى عكس كتب بيكيتي السابقة، مثل رأس المال في القرن الحادي والعشرينالذي كان أكثر تركيزًا على الغرب، أو رأس المال والأيديولوجيا الذي شمل في التحليل كثيرًا من الاقتصاديات الأخرى، يلاحظ في هذا الكتاب تركيزه أكثر على فرنسا، التي تدور أغلب الأمثلة حولها، مع أنّه يؤكد أنّ التطورات التي عرفتها فرنسا في هذا الجانب مماثلة لباقي الدول الأوروبية، وبدرجة أقل في الولايات المتحدة الأميركية.

ثالثًا: الغرب والبقية

يبدأ بيكيتي الفصل الثالث من كتابه بعبارة يعتقد أنّها تشكل تقدمًا كبيرًا في نظرة المثقفين الغربيين لمسألتي العبودية والاستعمار، يقول: "على الرغم من عدم وجود تفسير أوحد، يجب علينا ملاحظة أنّ العبودية والاستعمار لعبا دورًا مركزيًا في حيازة العالم الغربي على الثروة" (ص. 75). كما يعترف أنّه من غير الممكن كتابة تاريخ للمساواة واللامساواة على المستوى العالمي من دون تقييم أهمية هذا الإرث الاستعماري أولً. ويذهب بيكيتي نفس مذهب كينيث بوميرانز Kenneth Pomeranz، ويؤيد فكرة أنّ التباعد الكبير Great Divergence ناتجٌ من الدور المركزي الذي أدته السيطرة العسكرية والاستعمارية، والابتكارات التكنولوجية والمالية الناتجة منها (ص. 55). لكنّه في نظرته إلى الاستعمار ودوره في جعل اقتصاد الغرب في المكانة التي هو عليها اليوم، لم يتمكن من تشكيل نظرة مستقلة، وكان رهينة نظرة بوميرانز، التي تقضي بأنّ الهيمنة العسكرية والاستعمارية جعلت البنى الاقتصادية والاجتماعية لدول أوروبا المتقدمة تتفوق على نظيرتها في الصين واليابان والهند. إنّ الخروج من العبودية والاستعمار خطوة كبيرة نحو المساواة. ومن الصور القاتمة في هذا الجانب، التي تُسلط الضوء على استمرار آثار الاستعمار على المستعمرات حتى بعد قرون من الاستقلال، يقدم بيكيتي ما حدث في هايتي، فهي أول بلد سكانه سود يستقل من قوة استعمارية أوروبية. فبعد قبول فرنسا استقلال البلاد أخيرًا عام 1825، حصل ملك فرنسا تشارلز العاشر (1830–1824) على تعهد من الحكومة الهايتية بدفع 150 مليون فرنك ذهبي لتعويض أسياد العبيد على خسارتهم ملكيتهم (ص. 109)، وقد كان ذلك المبلغ يمثل أكثر من 300 في المئة من الدخل الوطني لهايتي آنذاك، وأكثر من 3 سنوات إنتاج، وجرى دفع الجزء الأكبر من الدين مع الفائدة في الفترة 1915–1840، وكانت نتيجة ذلك رهن التنمية في الجزيرة أكثر من قرن. لكن ماذا لو جرى تعويض هايتي؟ إذا أخذنا في الحسبان الدخل الوطني لسنة 2020، فلن تكون التعويضات أقل من 30 مليار يورو. يرى بيكيتي أنّ هذا المبلغ بسيط بالنسبة إلى فرنسا، حيث لا يمثّل سوى أقل من 1 في المئة من الدين العام الفرنسي، لكنّه بالمقابل يمكن أن يشكل تغييرًا حقيقيًا بالنسبة إلى هايتي فيما يخص البنية التحتية والاستثمار (ص. 110) ويتضح من التاريخ أيضًا أنّ التعويضات التي تلقتها الدول الاستعمارية لقاء تحرير العبيد، جعلت من المجتمعات الاستعمارية الأعلى لامساواةً في التاريخ. لو ننظر مثلً إلى بعض الدول التي كانت مستعمرة سابقة، نجد أنّ العشرة

في المئة الأعلى دخلً كانوا يمتلكون حصةً من الدخل تفوق 80 في المئة في هايتي عام 1780، و 70 في المئة في جنوب أفريقيا عام 1950، وحوالى 70 في المئة في الجزائر عام 1930. ولو نكمل مع الجزائر، فوثائق الميزانية تُبيّن أنّ المدارس الخاصة بالكولون تلقت 78 في المئة من إجمالي الإنفاق من أجل التعليم عام 1925، وارتفعت تلك النسبة إلى 82 في المئة عام 1955، وهذا يشير إلى اللامساواة الهائلة في عمل النظام الاستعماري (ص 124،.)135

رابعًا: المساواة وحدودها في القرن العشرين

انخفضت اللامساواة في الفترة 1980–1914 انخفاضًا ملحوظًا في العالم الغربي، نتيجة ثلاثة عوامل أساسية كما يرى بيكيتي؛ يتمثل العامل الأول في ظهور دولة الرفاه التي نتجت من كفاح اجتماعي طويل، ومن الحركة العمّالية والاشتراكية أواخر القرن التاسع عشر، ومما سرّع في ذلك الحربان العالميتان الأولى والثانية، والكساد الذي تبع أزمة عام 1929، وهي الأحداث التي أدّت في ثلاثة عقود إلى تحويل كلي للعلاقة بين العمل ورأس المال. والعامل الثاني هو تطوير ضريبة تصاعدية على الدخل والإرث، ما جعل  من الممكن تخفيض تركيز الثروة والسلطة الاقتصادية مع ازدهار أكبر. أما العامل الأخير، فهو الدور الأساس الذي أدّته تصفية الأصول الأجنبية والاستعمارية، وكيف أدّى حلّ الدين العام إلى تخفيض اللامساواة (ص. 178)–177 كان اختراع الضريبة التصاعدية نتيجة للحركة السياسية والاجتماعية وحركة الاحتجاج الطويلة الأمد. كما أدى الخطران الاشتراكي والشيوعي دورًا واضحًا هنا، فقد اعتبرت النخب أنّ قبول ضريبة تصاعدية أسلم من خطر المصادرة العامة يومًا ما. وعلى الرغم من أنّ الحروب والأزمات سرّعت هذا الاتجاه، فإنّه في حالة السويد مثلً، التي لم تتأثر كثيرًا بالحرب العالمية الأولى، كان للديمقراطيين الاجتماعيين دور أساسي في ذلك. ومن جانب آخر، فقد جاءت الضرائب التصاعدية في الوقت الذي كانت فيه الثروة مرّكزة جدًا، خاصةً في فرنسا وبريطانيا. وكانت نتيجة ذلك تخفيض اللامساواة وتركيز الدخل والملكية، وأيضًا أثرت في العقد الاجتماعي والقبول الجماعي لضرائب عالية واجتماعية. ولمعرفة أهمية الاستعمار والأصول الدولية، يمكن أن ننظر إلى سجلات الميراث لمدينة باريس، حيث نجد أنّ الاستثمارات الأجنبية ارتفعت في الفترة 1912–1872 من 6 إلى 21 في المئة من إجمالي السلع المنقولة بعد الوفاة (ص. 208) لكنّ للمساواة حدودًا أيضًا، فلو نظرنا إلى تطوّر المساواة في أوروبا مثلً، نجد ظهور طبقة متوسطة، تمثل أربعين في المئة من بين العشرة في المئة الأعلى دخلً، والخمسين في المئة الأقل دخلً، والتي تمتلك 10 في المئة من الملكية في عام 1913، أصبحت تمتلك 40 في المئة عام 2020، في شكل عقارات خصوصًا. لكن يجب الانتباه أيضًا إلى أنّ الخمسين في المئة الأفقر ما زالوا لا يمتلكون شيئًا في أوروبا بحلول عام 2020، بينما يمتلك العشرة في المئة الأغنى 55 في المئة، أي 50 مرةً أعلى من متوسط ثروة الخمسين في المئة الأفقر. والوضع أكثر تطرفًا في الولايات المتحدة، حيث يملك الخمسون في المئة الأفقر 2 في المئة فقط من الإجمالي بحلول عام 2020. هنا، تظهر مسألة في غاية الأهمية، تتعلق بالفترة الممتدة من ثمانينيات القرن الماضي، فحصة

العشرة في المئة الأغنى انخفضت من 52 في المئة من إجمالي الدخل عام 1910 إلى 28 في المئة عام 1980، قبل أن ترتفع إلى 36 في المئة عام 2020. في المقابل، ارتفعت الحصة التي ذهبت إلى الخمسين في المئة الأفقر، من 13 في المئة عام 1910 إلى 24 في المئة عام 1980، ثم انخفضت مرةً أخرى إلى 21 في المئة عام 2020 (ص 218،.)223 هذا التراجع في "حركة المساواة أو مسيرتها" إذا أردنا استخدام عبارات بيكيتي، يعود بالأساس إلى صعود النيوليبرالية، انطلاقًا من ثورة المحافظين ببريطانيا في أواخر سبعينيات القرن العشرين وبداية ثمانينياته، وامتدادها حتى صعود الرئيس الأميركي رونالد ريغان Reagan Ronald (1981–1989) للحكم. وُيقدم بيكيتي تفسيرًا لما أحدثته ثورة ريغان ورئيسة وزراء المملكة المتحدة مارغريت ثاتشر Thatcher Margaret (1990–1979) في هذا الخصوص. وهو يعتبر أنّ نجاحهما ليس بسبب استفادتهما من الدعم الواسع داخل الطبقات المهيمنة، وشبكة قوية من النفوذ من خلال وسائل الإعلام ومراكز الفكر والتمويل السياسي (حتى لو كان من الواضح أنّ لهذه العوامل دورًا)، بل بسبب ضعف التحالف القائم على المساواة، الذي فشل في إنتاج رواية بديلة مقنعة ورعاية حركة شعبية قوية بما فيه الكفاية، تلتف حول دولة الرفاهية والضرائب التصاعدية (ص. 225)–224 ومن الأساسي اليوم، بناء سردية من هذا النوع، وتوضيح بأي شكل يمكن لدولة الرفاه والضرائب التصاعدية أن تشكل تحولً نظاميًا للرأسمالية، وهي تشكل شكلً جديدًا من الاشتراكية الديمقراطية، واللامركزية المدارة ذاتيًا، والبيئية المتعددة الثقافات، التي تسمح بإدارة عالم أكثر مساواةً (ص. 225). الأمر مرتبط كذلك بتبني مفهوم أعمق للديمقراطية، فعندما نعيد توزيع الملكية، علينا تبني نظام تمويل عادل للحملات الانتخابية، والإعلام، ومراكز البحث، من أجل حماية الديمقراطية من هيمنة أولئك الأيسر ماليًا. كما لا يمكن إهمال المسائل التي تواجه البشرية اليوم؛ فالنظام الاقتصادي الحالي، القائم على الانتقال الحر إلى رأس المال والسلع والخدمات من دون أهداف اجتماعية وبيئية، هو أشبه بالاستعمار الجديد الذي يعمل في مصلحة الأغنى (ص. 241) وإذا ما أردنا التحول بعيدًا عن النظام الحالي، يدعونا بيكيتي إلى تحويل دولة الرفاه الوطنية إلى دولة رفاه فدرالية مفتوحة على الجنوب، مع مراجعة عميقة للقواعد والاتفاقيات التي تحكم حاليًا العولمة (ص  293 واشنطن). فإجماع الذي فُرض على الدول Washington Consensus النامية في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، وما ينطوي عليه من تقليل دور الدولة، والتقشف في الميزانية، واللبرلة التجارية وتقليص التشريعات، يُمثّل استعمارًا جديدًا. هذه السياسة مسؤولة عن إضعاف عملية بناء حكومة شرعية وسلطة الدولة في الجنوب. لو ننظر مثلً إلى التحصيل الضريبي منذ عام 1970، نجد أنّه توقف في الدول الفقيرة عند 15 في المئة من الناتج المحلي الخام، بينما ارتفع عند الدول الغنية من 30 إلى 40 في المئة. وإذا ما أرادت الدول أن تحقق أهدافًا اجتماعية بهذا التحصيل الهزيل، فهي تخاطر بألّ تحقق أي هدف (ص. 301)–299 ويضع بيكيتي الغرض من الكتاب في إحدى فقرات الفصل الأخير: "دافعتُ في هذا الكتاب

عن إمكانية وجود اشتراكية ديمقراطية واتحادية، ولا مركزية وتشاركية، وبيئية ومتعددة الثقافات، تقوم على توسيع دولة الرفاه والضرائب التصاعدية، وتقاسم السلطة في الشركات، وتعويضات ما بعد الاستعمار، ومكافحة التمييز، والمساواة في التعليم، وبطاقة الكربون، والإزالة التدريجية لتسليع الاقتصاد، والتوظيف المضمون، والميراث للجميع، والحد بشكل كبير من التفاوتات النقدية، وأخيرًا، نظام انتخابي وإعلامي لا يمكن السيطرة عليه بالمال" (ص. 341). وهذا بالتحديد ما يجعل الكتاب يقترب من المثالية، ويبتعد عن الواقعية.

خاتمة

تحول بيكيتي في كتابه تاريخ مختصر للمساواة عن إطار التحليل الذي تميزت به كتبه السابقة، خاصةً رأس المال في القرن الحادي والعشرين ورأس المال والأيديولوجيا، فقد ركّزا على أسباب اللامساواة، ومبرراتها واتجاهها مستقبلً، ودراسة العوامل التي دفعت العالم ليكون أكثر مساواةً ممّا كان عليه في القرنين الماضيين. ويبدو الفارق الواضح بين موقف بيكيتي في كتبه السابقة، وموقفه في هذا الكتاب؛ إذ يتخذ هذه المرة موقفًا إيجابيًا، فالعالم أكثر مساواةً من السابق، ولكنّه لا يوضح إن كان هذا الاتجاه نحو المساواة سيستمر مستقبلً. يدّعي بيكيتي أنّ من أسباب المكاسب الاجتماعية في القرن العشرين، وجود آليات ساهمت في تحقيق المساواة مثل الضريبة التصاعدية والحروب والأزمات أو تخوف النخب والمالكين من الشيوعية والاشتراكية، لكنّه لم يبين ما إن كان العالم سيشهد نفس الأزمات الأيديولوجية خلال القرن الحادي والعشرين. وتبعًا لذلك، أسنتجه إلى مساواة أكبر أم أنّ النخب ستستفيد من عدم وجود بديل للرأسمالية لتعزز ثروتها وسلطتها؟ يُهمل بيكيتي بشكل غير مبرر أثر التكنولوجيا في اللامساواة؛ فهل سيستمر المسار التاريخي الذي يدافع عنه خلال القرن الواحد والعشرين أيضًا؟ لا شيء واضح إلى الآن؛ فالتطورات التكنولوجية التي يعرفها العالم اليوم، على غرار تطورات الذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة وإنترنت الأشياء، تَعدُ بتحولٍ هائلٍ في طبيعة العلاقة بين رأس المال والعمل، وأيضًا يتخوف الكثير من المتشائمين من أن تُدمر هذه التطورات الوظائف التقليدية، لتُفضل أولئك الذين يعملون في مجالات تلك التكنولوجيات، وهذا يمكن أن يؤدي إلى لامساواة كبيرة خلال هذا القرن، ويمكن أن يُقوّض المسار نحو المساواة الذي يدافع عنه. وقد تجاوز بيكتي هذه المرة الواقعية، بمناداته تطبيق اشتراكية تشاركية على مستوى الشركات، مع تقسيم حقوق التصويت الفردية مناصفةً بين الموظفين وحملة الأسهم، ووضع حدود صارمة على حقوق التصويت للمساهمين الأفراد بالاعتماد على حجم المؤسسة، فهو لا يدعو إلى اشتراكية الدولة المتسلطة والمركزية التي جُربت في الاتحاد السوفياتي خلال القرن العشرين، بل يدعو إلى اشتراكية ديمقراطية قادرة على الإدارة الذاتية؛ لامركزية وقائمة على التداول

المتواصل للسلطة والملكية. لكنّ دعوته هذه تفتقر إلى حجج كافية، ولم يكلف نفسه عناء توضيح موقف النخب المالكة وحملة الأسهم من تحول كبير مثل ذلك. ومن غير الواقعي أيضًا أن يدعو إلى برلمان عالمي، وتطوير سجل مالي عام يُمكّن من تتبع حملة الأصول المالية على المستويين الوطني والدولي، وانتقال آلي للمعلومات البنكية الدولية، وهو ما يُعتبر ضربًا من الطوباوية.

المراجع

العربية

المفتوحة للبحوث الإدارية والاقتصادية. مج  3، العدد 10.)2019(العدد 487 (أيلول/ سبتمبر.)2019

/(آذار مارس.)2020

الأجنبية

مع ذلك، يمكن قراءة هذا الكتاب من قبل المتخصصين في الاقتصاد والمشتغلين في حقول العلوم الاجتماعية المختلفة، وكذلك الفاعلين السياسيين والجماهير العامة، وإن كان هذا هو هدف بيكيتي من هذا الكتاب، فأعتقد أنّه قد حقّق ذلك، كما أشاركه في أنّ هذا هو المطلوب في العلوم الاجتماعية عامةً، حتى يصبح للجماهير العريضة القدرة على المشاركة في القضايا التي تخصهم وتخص مستقبلهم.

عثمانية، عثمان. "توماس بيكيتي: من اقتصادي مغمور إلى حديث العالم". مجلة جامعة القدس ________. "رأس المال في القرن الحادي والعشرين لتوماس بيكيتي: مقدمة". المستقبل العربي. ________. "'رأس المال والأيديولوجيا': ماضي ومستقبل الأنظمة التفاوتية". مجلة الدوحة. العدد 150