Return to Article Details War and State Formation in Europe (1300-1800): Revisiting the Bellicist Theory

الحرب وتشكّل الدولة في التجربة الأوروبية (1300-1800): مراجعة للنظرية العدوانية

War and State Formation in Europe (1300–1800): Revisiting the Bellicist Theory

سيد أحمد قوجيلي| Sidahmed Goudjili *

الملخّص

تُعدّ مقولة إن "الحرب صنعت الدولة، والدولة شنّت الحرب" من أشد المقولات إثارة للجدل في العلوم الاجتماعية المعاصرة. اختصرت المقولة الفرضية الأساسية ل "النظرية العدوانية" التي تنطلق من دور الحرب المركزي في عملية تشكّل الدولة. تجادل الدراسة في أنّ النظرية العدوانية يمكن أن تكون أقوى تفسيريًا وأشد تماسكًا منطقيًا إذا ركزت على ثلاثة متغيرات متدخّلة أساسية، وهي الاستخراج الضريبي والمركزة والبرقطة. وتقترح مجموعة من الفرضيات المشتقة من المتغيرات الثلاثة، وتختبرها على دراسة حالة تاريخية تشمل تاريخ صنع الدولة في التجربة الأوروبية في المدة 1300-1800.

Abstract

Abstract: The phrase "War made the state, and the state made war" is a highly controversial statement in contemporary social sciences. It encapsulates the fundamental hypothesis of the Bellicist Theory , which suggests that war played a crucial role in the process of state formation. The present research argues that the Bellicist Theory can be enhanced and made more logically consistent by examining three intervening variables: tax extraction, centralization, and bureaucratization. The study proposes a set of hypotheses and tests them through a historical case study focused on the European state–formation process from 1300 to 1800.

الكلمات المفتاحية:
  • الحرب
  • تشكل الدولة
  • النظرية العدوانية
  • السوسيولوجيا التاريخية
  • البيروقراطية
Keywords:
  • War
  • State Formation
  • Bellicist Theory
  • Historical Sociology
  • Bureaucracy

ملخص: تُعدّ مقولة إن "الحرب صنعت الدولة، والدولة شنّت الحرب" من أشد المقولات

إثارة للجدل في العلوم الاجتماعية المعاصرة. اختصرت المقولة الفرضية الأساسية ل "النظرية

العدوانية" التي تنطلق من دور الحرب المركزي في عملية تشكّل الدولة. تجادل الدراسة في

أنّ النظرية العدوانية يمكن أن تكون أقوى تفسيريًا وأشد تماسكًا منطقيًا إذا ركزت على ثلاثة

متغيرات متدخّلة أساسية، وهي الاستخراج الضريبي والمركزة والبرقطة. وتقترح مجموعة

من الفرضيات المشتقة من المتغيرات الثلاثة، وتختبرها على دراسة حالة تاريخية تشمل

تاريخ صنع الدولة في التجربة الأوروبية في المدة.1800–1300

البيروقراطية.

Abstract: The phrase "War made the state, and the state made war" is a highly controversial statement in contemporary social sciences. It encapsulates the fundamental hypothesis of the Bellicist Theory , which suggests that war played a crucial role in the process of state formation. The present research argues that the Bellicist Theory can be enhanced and made more logically consistent by examining three intervening variables: tax extraction, centralization, and bureaucratization. The study proposes a set of hypotheses and tests them through a historical case study focused on the European state–formation process from 1300 to 1800.

Assistant Professor in the Critical Security Studies Program at the Doha Institute for Graduate Studies. Email: sidahmed.goudjili@dohainstitute.edu.qa

أولا: السياق والنظرية وتصميم البحث

بعد مرور ما يناهز نصف قرن على مقولة تشارلز تيلي إنّ "الحرب صنعت الدولة، والدولة شنّت الحرب"، لا تزال تثير الكثير من الجدل والاهتمام؛ إذ حظيت هذه المقولة، خاصّة شقّها الأول، باهتمامٍ واسع من مختلف حقول العلوم الاجتماعية، وجرى اختبارها على فترات تاريخية طويلة durée Longue، وقواعد بيانات متعدّدة، وباستخدام منوّع للمناهج البحثية. على الرغم من ذلك، فإن هذه المقولة تحوّلت إلى واحدة من أكثر الأطروحات المتنازع عليها في العلوم الاجتماعية؛ فاتّسعت مقولاتها وازدادت تعقيدًا بمرور الزمن، وأصبحت فرضياتها وآلياتها السببية أقل تحديدًا ووضوحًا، وغدت حججها غامضة وغير قابلة للدحض Unfalsifiable، حتى باستخدام الاختبارات الإجرائية الصارمة. وستحاول هذه الدراسة مراجعة النظرية العدوانية للدولة Theory Bellicist التي بُنيَت على أطروحة تيلي، حيث ستجادل في أنّ إحدى الطرائق للتغلّب على طابعها المتنازع عليه، وجعل حججها سهلة ومستساغة وأكثر قابلية للاختبار، هي استخدام عدد محدود جدًّا من "المتغيرات المتدخّلة" Variables Intervening التي تتوسّط المتغيرَين المستقل (الحرب) والتابع (تشكّل الدولة) في النظرية.

(1) Charles Tilly, "Reflections on the History of European State–Making," in: Charles Tilly (ed.), The Formation of National States in Western Europe (Princeton: Princeton University Press, 1975), p. 42.

(((للاطلاع على عيّنة من أحدث الدراسات حول الموضوع، ينظر على سبيل المثال:

Yuval Feinstein & Andreas Wimmer, "Consent and Legitimacy: A Revised Bellicose Theory of State–Building with Evidence from around the World, 1500–2000," World Politics , vol. 75, no. 1 (January 2023), pp. 188–232; Agustín Goenaga, Oriol Sabaté & Jan Teorell, "The State does not Live by Warfare Alone: War and Revenue in the Long Nineteenth Century," The Review of International Organizations , vol. 18 (2023), pp. 393–418; Gurminder K. Bhambra, "Relations of Extraction, Relations of Redistribution: Empire, Nation, and the Construction of the British Welfare State," The British Journal of Sociology , vol. 73, no. 1 (2022), pp. 4–15.

وقد أصدرت مجلة العلاقات الدولية المرموقة التنظيم الدوليعددًا خاصًا في عام 2023، تناول موضوع الحرب وتشكّل الدولة، ينظر

خصوصًا:

Lars–Erik Cederman et al., "War Did Make States: Revisiting the Bellicist Paradigm in Early Modern Europe," International Organization , vol. 77, no. 2 (Spring 2023), pp. 324–362; Eric Grynaviski & Sverrir Steinsson, "Wisdom is Welcome Wherever it Comes From: War, Diffusion, and State Formation in Scandinavia," International Organization , vol. 77, no. 2 (Spring 2023), pp. 294–323.

(((ينظر على سبيل المثال:

Lars Bo Kaspersen & Jeppe Strandsbjerg (eds.), Does War Make States? Investigations of Charles Tilly’s Historical Sociology (Cambridge: Cambridge University Press, 2017); Ernesto Castañeda & Cathy Lisa Schneider (eds.), Collective Violence, Contentious Politics, and Social Change: A Charles Tilly Reader (New York: Routledge, 2017); María J. Funes Lanham (ed.), Regarding Tilly: Conflict, Power, and Collective Action (Lanham: University Press of America, 2016).

(((للاطلاع على عيّنة حديثة من هذا النوع من الاختبارات، ينظر مثلً:

Laura D. Young, "Testing Tilly: Does War Really Make States?" Social Evolution & History , vol. 21, no. 1 (March 2022), pp. 175–199; Cameron G. Thies, "Domestic Processes, External Threats, and Latin American State–Building: From Comparative Historical Analysis to Comparative Hypothesis Testing," Journal of Historical Political Economy , vol. 2, no. 1 (2022), pp. 135–157.

من المفارقات في خصوص عمل تيلي أنّ الهدف الرئيس لمشروعه لم يكن تفسير تشكّل الدولة الأوروبية في حدّ ذاته، بل كان تفسير سبب فشل مئات الوحدات السياسية في محاولاتها التحوّل إلى دول. فاللغز

الذي شغله هو الآتي: ما سبب انخفاض عدد الوحدات السياسية في أوروبا من 500 وحدة في عام 1500 إلى حوالى 20 وحدة فقط في عام 1900؟ وكان الجواب الذي توصّل إليه هو أنّ تلك الكيانات السياسية لم تتكيّف مع ضغوط الحرب. وكتب في ذلك: "فشل معظم الجهود الأوروبية لبناء الدول.

الغالبية العظمى من الوحدات السياسية التي كانت على وشك الحصول على الاستقلالية والسلطة بحلول عام 1500، اختفت في القرون القليلة المقبلة، حيث حطمتها الدول الأخرى التي كانت قيد التشكّل واستوعبتها". يؤيّد سجلّ وفاة الدولة طرح تيلي حول دور الحرب التدميري؛ فمنذ العصر الإقطاعي، تسبّبت الحرب في

موت مئات الوحدات السياسية التي لم ينجُ منها سوى 20 وحدة، أصبحت دولً بحلول عام 1800. وقد

وجد بعض الدراسات التجريبية الحديثة أنّ سبب معظم حالات وفاة الدول المسجّلة في التاريخ الحديث،

أي إن أكثر من 75 في المئة منها، كان الموت العنيف. بالنسبة إلى تيلي، كان السبب وراء اختفاء تلك الدول من الوجود هو عدم استجابتها إلى ضغوط نسق الحرب والمنافسة الجيوسياسية–العسكرية. لذلك استنتج أنّ هناك علاقة وثيقة بين فشل الكيانات السياسية في التحوّل إلى دولة وعدم كفاءتها في شن

الحرب، وهذه العلاقة هي ما يفسّر، في اعتقاده، حقيقة أنّ الكيانات السياسية التي كانت أقل كفاءة في

شنّ الحرب أو الاستعداد لها، كانت الأقل قدرة، أيضًا، على تطوير المؤسسات اللازمة لتشكّل الدولة.

1. المتغيرات المتدخّلة والنقاش داخل السوسيولوجيا التاريخية

ظهرت أطروحة تيلي أوّل مرّة في كتاب جماعي، حرّره بنفسه، صدر في عام 1975 بعنوان تشكّل الدولة

القومية في أوروبا الغربية. أصبح الكتاب، بالإدراك المتأخّر، أحد الأعمال المؤسسة لحقل السوسيولوجيا

(5) Tilly, "Reflections on the History of European State–Making," p. 24. (6) Ibid., pp. 38–39. (7) Vivek Swaroop Sharma, "War, Conflict and the State Reconsidered," in: Kaspersen & Strandsbjerg (eds.), p. 185.

(((وجدت تانيشا فازال أن هناك 66 دولة ماتت من أصل 207 دول منذ عام 1816. من بين الدول ال 66 التي ماتت، 50 دولة منها ماتت بسبب الحرب والعنف. ينظر:

Tanisha M. Fazal, State Death: The Politics and Geography of Conquest, Occupation, and Annexation (Princeton: Princeton University Press, 2007), p. 3.

(((في عام 1969، كلّفت لجنة السياسة المقارنة التابعة لمجلس أبحاث العلوم الاجتماعية SSRC مجموعة من الباحثين بإعداد دراسة حول موضوع الدولة في أوروبا الغربية. خوفًا من أن تصبح أوروبا موضوعًا هامشيًا في حقل السياسة المقارنة، ورغبة في منح

نظرية الأنساق Theory Systems جرعة حياة بعد الركود الذي شهدته في بداية سبعينيات القرن العشرين، قرّرت اللجنة إصدار مجلد

ثامن ضمن سلسلتها الشهيرة "دراسات في التنمية السياسية"، وكلّفت سبعة باحثين، يقودهم غابرييل ألموند وتشارلز تيلي، بتصميم خطّة بحثية حول مسألة الدولة وبناء الدولة في أوروبا الغربية. كُلّلت أشغال تلك المجموعة بتنظيم ورشة عمل في صيف 1970 في

"مركز دراسات العلوم السلوكية المتقدّمة"، انبثقت منها الأوراق التي شكّلت محتوى كتاب تشكل الدولة القومية في أوروبا الغربية.

للاطلاع على الكتاب، ينظر: Tilly (ed.)؛ وللمزيد من المعلومات حول اللجنة وأعمالها، ينظر:

Kevin P. Clements, "Towards a Radical Comparative Sociology: Or Whatever Happened to the Committee on Comparative Politics?" Political Science , vol. 27, no. 1–2 (July–December 1975), pp. 124–130.

التاريخية Sociology Historical. وكغيره من الأعمال الأكاديمية المؤسّسة، كان تركيزه محصورًا في مجموعة صغيرة ومحدّدة من العوامل التي ساهمت في صنع الدولة تحت محفّزات الحرب والاستعداد لها، مثل المالية العامّة والسيطرة المركزية والهياكل الإدارية والتصنيع والضغوط الديموغرافية. لم ينكر مؤلّفو الكتاب وجود عوامل (أو متغيرات) أخرى عديدة ساهمت في عملية صنع الدولة في أوروبا، إلّ أنّهم اختاروا التركيز بصورة رئيسة على العوامل المرتبطة بالضغوط البيئية على الوحدات السياسية، خاصّة الحرب والتنافس الجيوسياسي–العسكري. والواقع أنّ هذا الخيار البحثي يمكن فهمه وتبريره على الأقل بوضعه في السياق الذي اتُّخذ فيه؛ فقد كانت أطروحة الكتاب جديدة وغير مألوفة، لذلك تجنّب مؤلّفوه جعل حججهم معقّدة بافتراض العديد من المتغيرات، وفضّلوا الالتزام بعدد محدود من العوامل المحدّدة بدقّة، لتبسيط أفكارهم وجعلها مستساغة. لذلك، كان من المنطقي أن تكون قائمة العوامل التفسيرية التي استخدموها قصيرة ومحدودة. استقبل الباحثون من مختلف المشارب الفكرية الكتاب بمزيج من الترحيب والنقد. أمّا أولئك الذين سيشكّلون في نهاية العقد مدرسة السوسيولوجيا التاريخية، فوجدوه يبشّر بأجندة بحثية واعدة. ومع ذلك، رفض معظمهم النزعة التحديدية لأطروحته، فضلً عن شحّه النظري المفرط Parsimony،

(((1 أحد فروع ما  يعرف بالمؤسساتية الجديدة، وتعرف بأسماء أخرى أيضًا، مثل المؤسسية التاريخية والفيبرية الجديدة

والسوسيولوجيا الكلّية والتوريخ البنيوي. ويختلف هذا الفرع عن السوسيولوجيا الكلاسيكية في أمرين: أوّلهما هو الاهتمام بالتغيير

والسياق التاريخيين، وثانيهما هو التركيز على التحليل التاريخي المقارن للبنى الاجتماعية، بدلً من السرد الوصفي للأحداث وإعادة

تفسير الروايات الفردية. للمزيد من المعلومات عن النظرية، ينظر:

Philip Abrams, Historical Sociology (New York: Cornell University Press, 1982); Gerard Delanty & Engin F. Isin (eds.), Handbook of Historical Sociology (Thousand Oaks, CA: SAGE Publications, 2003); Richard Lachmann, What is Historical Sociology? (Cambridge: Polity, 2013).

(((1 للاطلاع على بعض الانتقادات المبكرة، ينظر:

Eric A. Nordlinger, "The Return to the State: Critiques," American Political Science Review , vol. 82, no. 3 (1988), pp. 875–885; Paul Cammack, "Review Article: Bringing the State Back In?" British Journal of Political Science , vol. 19, no. 2 (1989), pp. 261–290; Bob Jessop, State Theory (Cambridge: Polity, 1990), pp. 283–288.

(((1 تضمّ هذه الفئة الأعمال الآتية على سبيل المثال لا الحصر:

Reinhard Bendix, Kings or People: Power and the Mandate to Rule (Berkeley, CA: University of California Press, 1978); Gianfranco Poggi, The Development of The Modern State: A Sociological Introduction (Stanford: Stanford University Press, 1978); Theda Skocpol, States and Social Revolutions: A Comparative Analysis of France, Russia, and China (Cambridge: Cambridge University Press, 1979); Peter B. Evans, Dietrich Rueschemeyer & Theda Skocpol (eds.), Bringing the State Back In (Cambridge: Cambridge University Press, 1985); Michael Mann, The Sources of Social Power , vol. 1: A History of Power from the Beginning to A.D. 176O (Cambridge: Cambridge University Press, 1986); John A. Hall, Powers and Liberties (Harmondsworth: Penguin, 1986); Joel S. Migdal, Strong Societies and Weak States: State–Society Relations and State Capabilities in Third World (Princeton: Princeton University Press, 1988); Margaret Levi, Of Rule and Revenue (Berkeley: University of California Press, 1988); Robert Putnam, Making Democracy Work: Civic Traditions in Modern Italy (Princeton: Princeton University Press, 1993); Hendrik Spruyt, The Sovereign State and Its Competitors (Princeton: Princeton University Press, 1994).

(((1 مبدأ الشح (أو القصد)، أو ما يعرف ب: شيفرة أوكام Occam’s Razor، هو الوصف الذي يطلق على النظرية التي تستطيع أن "تفسّر أكبر قدر ممكن من الظواهر باستخدام الحدّ الأدنى من المتغيرات التفسيرية". هذا الاقتصاد في المتغيرات هو ما يدعوه

العلماء ب "مبدأ الشح"، ويعتبر أحد مؤشرات النظرية الجيدة. لمزيد من المعلومات عن هذا المبدأ، ينظر: سيد أحمد قوجيلي، "ما قلّ

ودل: مبدأ الشح والنزعة الميثودية في البحوث السياسية"، سياسات عربية، العدد  41 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2019)، ص.54–36

لمصلحة استخدام مدى أوسع من المتغيرات التفسيرية. لم تكن نقطة الخلاف الأساسية مع أطروحة الكتاب حول المتغيّر المستقلّ أو التفسيري Variable Independent، أي الحرب وتأثيراتها، ولا حول

المتغيّر التابع أو الظاهرة المراد تفسيرها Variable Dependent، وفي هذه الحالة تشكّل الدولة. بل كان

مصدر الخلاف حول المتغيرات المتدخّلة أو الوسيطة Variables Intervening التي تحدّد درجة تأثير المتغيّر المستقل في المتغيّر التابع. بعبارة أخرى، رأى علماء السوسيولوجيا التاريخية أنّ الحرب هي

ظرف ثابت، ويُفترض أنّها مارست تأثيرًا موحّدًا في الوحدات السياسية كلها. وعلى الرغم من ذلك،

فإن بعض الوحدات تحوّلت إلى دول في وقت أبكر من غيرها، وتبنّت أشك لً منوّعة من أنظمة الحكم، واعتمدت أشك لً متباينة من التنظيم الإداري والعسكري، وانتهت بأحجام متفاوتة بيروقراطيًا وجغرافيًا.

لذلك اعتبر السوسيولوجيون التاريخيون أنّ المتغيرات المتدخّلة تؤدّي معظم العمل التفسيري، لأنّها هي ما يفسّر تباين النتائج (أي تنوّع أشكال الدول ومؤسساتها وأحجامها)، على الرغم من ثبات الأسباب (الحرب ومحفّزاتها). أضاف السوسيولوجيون التاريخيون العديد من العوامل (أو المتغيرات المتدخّلة) التي رأوا أنّها تتوسّط بين ضغوط الحرب وصنع الدولة، مثل طبيعة نظام الحكم ونموّ فائض رأس المال وتطوّر الأسواق وتوسّع الروابط التجارية بين المراكز الأوروبية الرئيسة وتطوير المواصلات (خاصة سكك الحديد) والنزعة القومية والهويات/ الانتماءات المشتركة والمحاكاة التنظيمية وظهور المؤسسات القانونية والإبداعات التكنولوجية (خاصّة بعد اختراع آلة الطباعة) ونموّ المدن والنموّ السكاني، وما إلى

ذلك. بتفضيلهم الكثرة على القلّة، سطّر السوسيولوجيون التاريخيون أبرز اختلاف بينهم وبين تيلي وزملائه، وهو حول نطاق (عدد) المتغيرات المتدخّلة اللازمة لتفسير تشكّل الدولة. بالنسبة إليهم، كلّما كان العدد أكبر كان أفضل. كما يُخبرنا فلاسفة العلم، هناك ثمن يجب دفعه عند مقايضة الشّح بالقوة التفسيرية. لذلك كان لا بدّ للسوسيولوجيين التاريخيين من مواجهة معضلة "تكاثر المتغيرات" في تفسيراتهم. وقد اعتبرت معضلة لأنّها واصلت (أي المتغيرات) الزيادة والتمدّد عبر السنين ردًّا على الانتقادات والحالات الشاذّة

(((1 الفرق بين الإيرادات والإنفاق الحكومي على مدى فترة زمنية معينة، حيث تكون الإيرادات أكبر من الإنفاق؛ أي يمكن عدّها

أرباحًا تراكمية للحكومة، وقد كانت من العوامل التي أدت إلى تراكم الثروة في أيدي الملوك ابتداءً من عام.1500

(15) Bruce D. Porter, War and the Rise of the State: The Military Foundations of Modern Politics (New York: Free Press, 1994), p. 24.

(((1 المقصود هو أنّ التزام الباحث بالشّح يكلّفه خسارة "القوّة التفسيرية" و"العمومية". ويفترض هذا الطرح وجود مقايضة دائمة

بين الشّح وهذين المعيارين، ويقضي تحقيق أحدهما، بالضرورة، التضحية بالآخر. ل طاا عاا على المزيد من التفاصيل حول

الموضوع، ينظر:

Alexander George & Andrew Bennett, Case Studies and Theory Development in the Social Sciences (Cambridge, MA: MIT Press, 2004), p. 31.

(((1 للاطلاع على شرح ممتاز لهذه المعضلة، ينظر:

Gary King, Robert O. Keohane & Sidney Verba, Designing Social Inquiry (Princeton: Princeton University Press, 1994), pp. 104–105.

في نظرياتهم. كانت المشكلة الأساسية التي واجهتهم منهجية في الأساس، وهي صعوبة تحديد الأوزان النسبية للمتغيرات المتدخّلة (الكثيرة) أو دورها في التسبّب في النتائج المتوقّعة (أي تشكّل الدولة).

2. صعود النظرية العدوانية

انبثقت مجموعة صغيرة، لكنّها مؤثّرة، من داخل السوسيولوجيا التاريخية، فضّلت تبنّي نسخة أضيق ا من أطروحة تيليّوأشد شح. لذلك ركّز أعضاؤها معظم اهتمامهم على عوامل محدودة، مثل

الضرائب واحتكار وسائل العنف والجغرافيا السياسية والتكنولوجيا العسكرية، وما شابه، باعتبارها المتغيرات المتدخّلة التي تحدّد طبيعة تأثير الحرب في تشكّل الدولة. وعلى نقيض زملائهم الذين يستخدمون عددًا أكبر من المتغيرات المتدخّلة، عمل هؤلاء الباحثون بمبدأ ما قلّ ودلّ، واعتقدوا أنّه كلّما كان العدد أصغر كان أفضل. شكّلت هذه المجموعة التي غيّر العديد من أعضائها موقع التخصّص من السوسيولوجيا التاريخية

إلى العلوم السياسية، ما أصبح يعرف باسم "النظرية العدوانية". تنطلق هذه النظرية من أطروحة تيلي عن مركزية الحرب، لكنّها تستلهم أفكارها أيضًا من النصوص الكلاسيكية لماكس فيبر ونوربرت إلياس وأوتو هينتز، والتقليد القاري الأوروبي لنظرية الدولة المتجذّر في علم الاجتماع العسكري الألماني (خاصة التجربة البروسية في القرن التاسع عشر)، وكذلك أعمال كينيث والتز وروبرت غيلبين الواقعية في حقل العلاقات الدولية. باعتبارها جماعة علمية، رسّخت النظرية العدوانية نفسها

(((1 من الصعب إحصاء الباحثين الذين يمثلون النظرية العدوانية بدقة. لكن الأعمال الآتية تمثّل عيّنة جيدة، ينظر مثلً:

Otto Hintze, "A Military Organization and the Organization of the State," in: Felix Gilbert (ed.), The Historical Essays of Otto Hintze (New York: Oxford University Press, 1975); Geoffrey Parker & Lesley M. Smith, The General Crisis of the Seventeenth Century (London: Routledge, 1978); Charles Tilly, Coercion, Capital, and European States, AD 990– 1990 (Cambridge, MA: Basil Blackwell, 1990); Brian M. Downing, The Military Revolution and Political Change: Origins of Democracy and Autocracy in Early Modern Europe (Princeton: Princeton University Press, 1992); Karen A. Rasler & William R. Thompson, War and State Making: The Shaping of Global Powers (London: Unwin Hyman, 1989); Michael Barnett, Confronting the Costs of War: Military Power, State, and Society in Egypt and Israel (Princeton: Princeton University Press, 1992); Levi; Spruyt.

(((1 تسمّى أيضًا "نظرية محورية الحرب في تشكّل الدولة" Bello–centric Theory of State–formation، أو "بردايم الحرب" في

نظرية الدولة. للاطلاع على دراسة حديثة حول النظرية، ينظر: Cederman et al..

(20) Max Weber, Economy and Society , Guenther Roth & Claus Wittich (eds.) (Berkeley: University of California Press, 1978); Norbert Elias, The Civilizing Process: State Formation and Civilization , vol. 2 (Hoboken, NJ: Wiley–Blackwell, 2000); Gilbert (ed.);

في الواقع كان أحد انتقادات النظرية العدوانية يتمحور حول اعتمادها المفرط على أفكار هينتز وماكس فيبر وغيرهما في إنتاج نسخة شمولية Machtstaat للدولة. ينظر مثلً:

Cornelia Navari, "Introduction: The State as A Contested Concept in International Relations," in: Cornelia Navari (ed.), The Condition of States (Milton Keynes: Open University Press, 1991), pp. 8–10; Jan Aart Scholte, International Relations of Social Change (Milton Keynes: Open University Press, 1993), p. 23. (21) Lars Bo Kaspersen, Jeppe Strandsbjerg & Benno Teschke, "Introduction: State Formation Theory: Status, Problems, and Prospects," in: Kaspersen & Strandsbjerg (eds.), pp. 1–22. (22) Kenneth N. Waltz, Theory of International Politics (Reading, MA: Addison–Wesley, 1979); Robert G. Gilpin, War and Change in World Politics (New York: Cambridge University Press, 1981).

مدرسة فرعية أكثر تخصّصًا ضمن السوسيولوجيا التاريخية، وبأهداف أكثر تحديدًا منها أيضًا؛ ففي

حين سعت تلك الأخيرة ل "استعادة الدولة" In Back State the Bringing في النظرية السياسية، سعت النظرية العدوانية ل "استعادة الحرب" in Back War Bringing في نظرية الدولة. بناءً على وصفها السابق، تبدو النظرية العدوانية أكثر تحديدًا من نظريات السوسيولوجيا التاريخية

العامّة. هذا القول صحيح إلى حدلاٍّ ما. ومع ذلك،  يزال "قلبها الصلب"، إذا استعرنا تعبير إيميري

لاكاتوش، أقل تحديدًا بحسب المعايير الإبستيمولوجية المتعارف عليها في العلوم الاجتماعية. بعبارة أخرى، هي تعاني أيضًا عدم تحديد المتغيرات المتدخّلة في العملية السببية. ولذلك، فإنّ النظرية العدوانية تحتوي، بالمقارنة النسبية، على قائمة أقصر من المتغيرات، قياسًا إلى السوسيولوجيا التاريخية

العامّة، لكنّها لا تزال قائمة طويلة بالمقارنة المطلقة. وبناءً على ذلك، فإنّ الأسئلة الملحّة التي يجب أن

يجيب عنها أنصار النظرية العدوانية هي الآتية: ما "أهمّ" المتغيرات المتدخّلة المستخدمة في النظرية؟

وما أوزانها التفسيرية؟ وما أثرها في النتيجة؟

3. الفرضيات البحثية والعوامل التفسيرية

على الرغم من بقاء الأسئلة المطروحة عالقة، فإن الدراسة الحالية تجادل في أنّ النظرية العدوانية يمكن أن تصبح أقوى تفسيريًا، وأشد تماسكًا منطقيًا، إذا حدّدت متغيراتها المتدخّلة الأساسية بدقّة ووضوح.

لذلك تفترض أنّ ثلاثة متغيرات متدخّلة أساسية تنجز معظم العمل التفسيري في النظرية، وهي: 1) الاستخراج الضريبي Extraction Tax؛ 2) المركزة Centralization؛ 3) البرقطة Bureaucratization. تمثّل هذه المتغيّرات قلب النظرية الصلب، ولذلك يجب التعامل مع المتغيرات الأخرى المضافة،

مثل التصنيع والنموّ الديموغرافي والتكنولوجيا وغيرها، باعتبارها متغيّرات تحكّمية تساعد في تحديد

توقيت تشكّل الدولة أو نطاقه فحسب. هذا لا يعني أنّ تلك المتغيرات غير مهمّة، لكن إدراجها بوصفها

متغيرات متدخّلة يجعل الآلية السببية أقلّ تحديدًا، وتتبعها أشد صعوبة، وينقلنا من النظرية العدوانية إلى بدائل نظرية أخرى ضمن السوسيولوجيا التاريخية. يوضح الجدول الطرح الذي ندافع عنه في هذه الدراسة. من بين 35 متغيّرًا متدخ لً مستخدمًا في

السوسيولوجيا التاريخية، و 13 متغيّرًا في النظرية العدوانية، يركّز الإطار التفسيري المقترح في هذه

الدراسة على ثلاثة متغيرات منها فقط. ندّعي أنّ هذه المتغيرات المتدخّلة الثلاثة، بتفاعلها وتغذية

(23) Evans, Rueschemeyer & Skocpol (eds.). (24) Luis L. Schenoni, "Bringing War Back In: Victory and State Formation in Latin America," American Journal of Political Science , vol. 65, no. 2 (2021), pp. 405–421.

(((2 نستخدم مصطلح لاكاتوش بأسلوب إيضاحي، من دون أن نتبنى إطاره النظري للمعرفة. يتكوّن القلب الصلب لأي نظرية من

مجموع الفروض والمتغيرات الأساسية التي تجعل محتواه ثابتًا وغير قابل للتغيير، حيث يعتبر حذف أو تغيير إحدى تلك الفرضيات

أو المتغيرات بمنزلة تغيير النظرية برمّتها. ينظر:

Imre Lakatos, The Methodology of Scientific Research Programmes , John Worrall & Gregory Currie (eds.), Philosophical Papers, vol. I (Cambridge: Cambridge University Press, 1978), p. 47.

(((2 المتغيرات المتدخّلة الموضحة في الجدول هي مجرّد عيّنة انتقائية وليست شاملة.

بعضها بعضًا، تفسّر وحدها النتيجة المفترضة بالإطار التفسيري، أي تشكّل الدولة. وهذا معناه أن الإطار المقترح بالدراسة يتفوّق نسبيًّا على منافسَيه، لأنّ تفسير تشكّل الدولة باستخدام ثلاثة متغيرات متدخّلة لا شكّ في أنّه أفضل من التفسير الذي يستند إلى 13 أو 35 متغيّرًا أو أكثر. معيار التفضيل هنا هو الشّح، وليس الكفاءة التفسيرية، لأنّ المتغيرات المتدخّلة التي يستند إليها الإطار المقترح بالدراسة، هي في الأصل متغيرات النظرية العدوانية على نحو خاص، ومن ثمّ فهو (الإطار التفسيري للدراسة) جزء من تلك النظرية وتنقيح لها في الوقت نفسه. جدول يوضح عدد المتغيرات المتدخّلة/ الوسيطة بحسب كل إطار تفسيري المتغيّ المتغيّ

امملإطار التفسيريالمتغيّ
ارملمستقل
المتغيّ
ر التابع
المتغيّ المتدخّل / الوسيط
الدراسة الحاليةالحربتشكّل
اررلدولة
ايرمرلضريبة، المركزة، البرقطة.
النظرية العدوانيةالحربتشكّل
اررلدولة
الضريبة، المركزة، البرقطة، التنافس الجيوسياسي–العسكري،
القومية، الثورة العسكرية، التجنيد، التعبئة العسكرية، الثورات
والتمردات، الحرب الأهلية، الثورة الكارطوغرافية، التصنيع،
تمرمرراكم رأس المال.
السوسيولوجيا
التاريخية
الحربتشكّل
اراارماالدولة
الضريبة، المركزة، البرقطة، التصنيع، تراكم رأس المال،
التجارة، الضغوط الديموغرافيا، نمو المدن، نمو الأسواق،
تطور المواصلات والاتصالات، الثورة التكنولوجية، الثورة
العسكرية، الثورات والتمردات، الحرب الأهلية، الحركات
الاجتمعية، الطبقات والنخب السياسية، المؤسسات
القانونية، المحاكاة التنظيمية والتعلم، نوع نظام الحكم،
التنافس الجيوسياسي–العسكري، القومية، الزواج والأنساب
الوراثية، السياسة الأسرية، أزمة الإقطاع، الهويات والانتمءات
المشتركة، الحروب الدينية، البنى الثقافية، القواعد والمعايير
الاجتمعية، التنشئة السياسية والاجتمعية، المؤسسات
التمثيلية، التجنيد، التعبئة العسكرية، الثورة الكارطوغرافية،
التعليم، الأفكار والأيديولوجيات السياسية.

المصدر: من إعداد الباحث. (((2 المعيار المعتمد في التفضيل هو الشّح، حيث يستخدمه المتخصصون في الإبستيمولوجيا معيارًا للاختيار من بين النظريات

والتفسيرات المتنافسة؛ فإذا كانت لدينا نظريتان تفسّران ظاهرة معيّنة بالقدر نفسه من الكفاءة، وكانت إحداهما بسيطة والأخرى

معقّدة، فإنّ النظرية الأبسط والأسهل منهما هي الأفضل. ينظر:

W. V. Quine, "On Simple Theories of a Complex World," in: W. V. Quine, The Ways of Paradox and Other Essays (New York: Random House, 1966), p. 242; Craig DeLancey, "Does a Parsimony Principle Entail a Simple World?" Metaphysica , vol. 12, no. 2 (2011), p. 88.

بناءً على المناقشة السابقة، سنقوم في الدراسة الحالية باشتقاق أربع فرضيات قابلة للاختبار من النظرية العدوانية، وهي كالآتي: • الفرضية 1: كلّما زادت ضغوط الحرب، زاد معدّل الاستخراج الضريبي. • الفرضية 2: كلّما زادت ضغوط الحرب، زاد احتكار وسائل العنف المادي. • الفرضية 3: كلّما زادت ضغوط الحرب، زاد حجم الهياكل الإدارية وتنظيمها. • الفرضية 4: كلّما زاد معدّل الاستخراج الضريبي، زاد احتكار وسائل العنف المادي، وزادت القدرة الإدراية. هذه الفرضيات كلها مشتقّة من الفرضية الأساسية التي مفادها أنّ الحرب صنعت الدولة (ينظر الشكل). تمثّل كل فرضية من الفرضيات الثلاث الأولى متغيّرًا تفسيريًا متدخ لً، وهي الاستخراج الضريبي والمركزة والبرقطة، على التوالي. أمّا الفرضية الرابعة، فتشير إلى الطبيعة التساهمية للمتغيرات الثلاثة، التي يمكن قراءتها في كلا الاتجاهين، ما يتيح إمكانية إضافة فرضية أخرى على النحو الآتي: الزيادة في حجم الهياكل الإدارية وتنظيمها = زيادة في احتكار وسائل العنف المادي = زيادة معدّل الاستخراج. الشكل يوضح متغيرات النظرية العدوانية

المصدر: من إعداد الباحث.

يقدّم المبحث الثالث من هذه الدراسة عرضًا لكيفية تطبيق الباحثين الفرضيات الأربع المذكورة سابقًا، حيث سيجري فحص مدى قدرتها على تفسير تاريخ تشكّل الدولة في أوروبا خلال المدة –1300 1800. يمثّل هذان التاريخان حدّين طرفيين يساعداننا في تجاوز مشكلة عدم اتّفاق المؤرخين حول

التواريخ الدقيقة لبداية تلك العملية ونهايتها. لذلك، ولاعتبارات منهجية، سيجري تتبّع مسار السببية

بين تينك النقطتين التاريخيتين للتأكّد من وجود المتغيرات الثلاثة، المذكورة في الفرضيات، في الآلية السببية وتأثيرها في النتيجة المتوقّعة، ألا وهي تشكّل الدولة. ما تبقّى من هذه الدراسة سيمضي كالآتي: سنتناول في المبحث الثاني المتغيرات الثلاثة في النظرية العدوانية باختصار. ثم ننتقل في المبحث الثالث إلى دراسة الحالة التاريخية لاختبار فرضيات الدراسة. ثم نختم بمجموعة من الاستنتاجات والملاحظات حول الحرب ودورها في تشكّل الدولة على نحو عام.

ثانيًا: النظرية العدوانية: المتغيرات المتدخّلة والآليات السببية

لا يعني القول إنّ "الحرب صنعت الدولة" أنّها تصنعها بالمعنى الحرفي، إنّما المقصود بالصناعة هنا تلك "الضغوط المؤثّرة" التي تمارسها الحرب (والاستعداد لها) في الوحدات السياسية وتساهم في دفع عملية الدولنة Statehood. وتكون تلك الضغوط في غالبية الأحيان غير مقصودة، لأنّ الحكّام لم يشنّوا حروبهم بهدف صنع الدولة، إنّما كانت تلك النتيجة أثرًا عارضًا لسعيهم للقوّة والمجد والثروة.

لذلك نقول إنّ الحرب حرّكت، بطريقة مباشرة أحيانًا، وغير مباشرة أحيانًا أخرى، الضغوط التي أدّت

في النهاية إلى تشكّل الدولة الحديثة، ثمّ نموّها المطّرد بمرور الزمن. تمارس هذه الضغوط تأثيرها عبر

ثلاثة متغيرات وسيطة: 1) الاستخراج الضريبي، فقد ساهمت الحرب في زيادة قدرة الدولة على جباية الضرائب وتطوير الماليّة العامّة؛ 2) المركزة، فقد ساهمت في احتكار وسائل الإكراه وتجميعها في مركز

واحد؛ 3) البرقطة، فقد ساهمت في تطوير جهاز الدولة الإداري وزيادة كفاءته التنظيمية. تتفاعل هذه المتغيرات في علاقة تساهمية ضمن آليات سببية تعمل بتغذية راجعة، حيث تعزّز عائدات الضرائب مستويات المركزة والبرقطة، بينما يعزّز هذان الأخيران بدورهما عملية استخراج الضرائب،

وتبلغ كلّها أقصى مفاعيلها إبّان الحرب، أو في فترة الاستعداد لها.

1. الاستخراج الضريبي

الاستخراج بصورة عامة هو تلك الحزمة من الأساليب والسياسات التي تعتمدها الدولة، سواء عبر الإكراه أم التشريع أم كليهما، في انتزاع الموارد من مجتمعها واقتصادها وقاعدتها الطبيعية. كانت الضرائب

(((2 يختلف المؤرخون وعلماء الاجتماع حول تأريخ بداية حقبة تشكّل الدولة ونهايتها، لكنّ هناك تيارًا واسعًا داخل نظرية الدولة

يعتبر نهاية العصر الإقطاعي نقطة بداية عملية تشكّل الدولة، أمّا نهايتها، ففي أواخر القرن الثامن عشر. للمزيد من التفصيل ينظر:

المطلب الثالث من المبحث الثالث من هذه الدراسة. (((2 يقول تيلي: "لم يكن أحد يسعى لتصميم المكوّنات الرئيسة للدول القومية، مثل الخزانات والمحاكم والإدارات المركزية،

وغيرها؛ إنّما هي تشكّلت غالبًا باعتبارها نتائج عرضية وغير مقصودة للجهود المبذولة لتنفيذ المهمات الأشد إلحاحًا، خاصّة خلق

القوة المسلحة وتعزيزها". وهذا ما ذهب إليه جورج سورنسن أيضًا بالقول إنّ "القدرة على الاستعداد للحرب، وشنّها بعد ذلك،

تتطلب من أصحاب السلطة القيام بالأعمال التي تؤدّي إلى صنع الدولة أيضًا"، ينظر:

Tilly, Coercion, Capital, and European States , p. 26; Georg Sørensen, "War and State–Making: Why doesn’t it Work in the Third World?" Security Dialogue , vol. 32, no. 3 (2001), p. 341.

هي الشكل الأوّلي للاستخراج الذي مارسته الدولة، وهي عبارة عن "رسوم إلزامية تُفرَض بانتظام على الوحدات الخاصّة لإنتاج العائدات التي يجري صرفها للأغراض العامّة". ظهرت الضرائب في شكلها الحديث في المدة 1400–1200، وشكّلت معظم دخل الدولة والحكومات المركزية آنذاك. لكنّها لم تكن كلّها ذات طبيعة سائلة أو ممركزة، مثلما أصبحت لاحقًا في أشكالها الحديثة، بل أخذت في الكثير من الأحيان شكل خدمات ومجالات إقطاعية وحقوق وامتيازات، وامتدّت أيضًا إلى بعض الأشكال المظهرية، مثل الهدايا والملابس الفخمة، وغيرها. أشار العديد من الكتّاب إلى أنّ الضرائب هي "توأم ملازم للدولة الحديثة"، أو كما وضعها أحد علماء النظرية العدوانية: "تاريخ إنتاج إيرادات الدولة هو تاريخ نمو الدولة". كانت فكرة "دولة الضريبة" State Tax التي قدّمها جوزيف شومبيتر في بداية القرن العشرين ملهمة للعديد من أنصار النظرية العدوانية؛ لذلك أفردوا مساحة كبيرة في أعمالهم لتحليل الماليات العامّة للدول ودراسة الميزانيات التي اعتبروها "هيكل الدولة العظمي" والمدخل الرئيس لدراستها. من بين العوامل كلها التي دفعت الدولة إلى الاستخراج، كانت الحرب عاملً حاسمًا. يقول توماس

(((3 المصدران الآخران للاستخراج هما: 1) التجنيد، الذي يُستخرج من الفئات المجتمعية المخوّلة بأداء الخدمة العسكرية وحمل

السلاح؛ 2) الموارد الأولية، التي تُستخرج من الثروات الطبيعية المتوافرة للدولة. وإضافة إلى هذين الموردين، يمكن أن تستخرج

الدولة من بيئتها الخارجية أيضًا (خارج حدودها)، أو ما دعاه بعضهم "الاستخراج الخارجي" Extraction External، سواء أكان ذلك

بطريقة مباشرة عبر نقل الموارد الخارجية إلى الدولة في ذاتها، أم بطريقة غير مباشرة عبر نقل تلك الموارد إلى المجتمع المحلّي، ثمّ

تقوم الدولة باستخراجها منه. للمزيد حول الاستخراج الخارجي، ينظر:

Michael Mastanduno, David A. Lake & John G. Ikenberry, "Toward a Realist Theory of State Action," International Studies Quarterly , vol. 33, no. 4 (1989), p. 464. (31) Rudolf Braun, "Taxation, Sociopolitical Structure, and State–Building: Great Britain and Brandenburg–Prussia," in: Tilly (ed.), p. 244; Lorenz von Stein, "On Taxation," in: Richard A. Musgrave & Alan T. Peacock (eds.), Classics in the Theory of Public Finance (New York: Macmillan, 1958), pp. 202–213. (32) Edward Ames & Richard T. Rapp, "The Birth and Death of Taxes: A Hypothesis," The Journal of Economic History , vol. 37, no. 1 (March 1977), p. 161. (33) Braun, p. 244. (34) Karl Fritz Mann, "The Sociology of Taxation," The Review of Politics , vol. 5, no. 2 (1943), pp. 225–235. (35) Levi, p. 1.

(((3 اقترح شومبيتر في بدايات القرن العشرين تأسيس السوسيولوجيا المالية حقلً مستقلً يهتم بدراسة التاريخ المالي والنظم

المالية، ودعا إلى أن يكون محورها ما سمّاه "دولة الضريبة" التي توقّع بنفسه أن تكون "مثمرة جدًّا لنظرية الدولة". ينظر:

Joseph Schumpeter, "The Crisis of the Tax State," in: Richard Swedberg (ed.), The Economics and Sociology of Capitalism (Princeton: Princeton University Press, 1991 [1918]), pp. 101, 110. (37) Rudolf Goldscheid, "A Sociological Approach to Problems of Public Finance," in: Musgrave & Peacock (eds.), pp. 28–36.

(((3 يقول كاميرون ثيس إنّ الحرب وتهديداتها، والمنافسة العسكرية من الدول الأخرى، كانت العجلة التي قادت الاستخراج.

ينظر:

Cameron G. Thies, "State Building, Interstate and Intrastate Rivalry: A Study of Post–Colonial Developing Country Extractive Efforts, 1975–2000," International Studies Quarterly , vol. 48, no. 1 (March 2004), p. 68.

باين إنّ "الحرب تملك شيئًا واحدًا مؤكّدًا فقط، وهو زيادة الضرائب". انشغل أنصار النظرية العدوانية كثيرًا بهذه المقولة؛ فقد وصفها بروس بورتر بأنّها "قانون عالمي لتطوّر الدولة". وأشار رودولف

غولدشيد إلى الحرب باعتبارها "محرّكًا مؤثّرًا لتطوّر المالية العامّة"، ولاحظ أنّ "السوسيولوجيا المالية

العامّة تنسجم على نحو كبير مع سوسيولوجيا الحرب". تعكس هذه المقولات تجربة أوروبية طويلة في استخدام الحكّام الحرب وسيلةً لزيادة فاعلية الجباية والتغلّب على المقاومة الشعبية.

2. المركزة

المركزة هي العملية التي يجري بموجبها تركيز السلطة في هيئة مركزية أو شخص (أو مجموعة من الأشخاص) داخل الوحدة السياسية، ونقيضها اللامركزة، أو تشتّت مراكز السلطة وتوّزعها على هيئات وكيانات عدّة. يجادل أنصار النظرية العدوانية في أنّ مركزة السلطة كانت شرطًا أساسيًا لظهور الدولة

القومية، وأحد العوامل التي ساهمت في انتصارها على الكيانات السياسية المنافسة لها. ويعود السبب في ذلك إلى نجاحها في ما فشلت فيه تلك الكيانات، وهو احتكار وسائل الإكراه المادي. ويعني الاحتكار حصر الحق في امتلاك القوة القسرية وممارستها في الدولة ووكلائها، ومنعها من جميع الفاعلين خارجها. أنجز معظم الدول الأوروبية احتكار وسائل الإكراه بعد عام 1700. لكن قبل ذلك التاريخ، كانت سلطة الملوك متنازعًا عليها، حيث لم يكن في استطاعتهم فرض سيطرة كاملة على الأقاليم كلها التي يمتد إليها نفوذهم. كان هناك العديد من المنافسين المحليين، مثل الأمراء والأساقفة والدوقات وأمراء الحرب والمرتزقة وقطّاع الطرق، ينازعونهم السلطة على أجزاء كثيرة من تلك الأقاليم، وكانوا يمتلكون جيوشًا وفرقًا مقاتلة خاصّة. لم يسعَ هؤلاء المنافسون لضمان مواصلة امتلاك وسائل الإكراه الخاصة بهم فحسب، بل أظهروا مقاومة شديدة لجهود الدولة التي تهدف إلى تجريدهم منها. لم تنحصر مقاومة احتكار السلطة في الرجال الأقوياء بل شملت الرعايا والأشخاص العاديين أيضًا الذين رفضوا تقديم محاصيلهم وأموالهم إلى السلطة المركزية. بالنسبة إلى الملوك، كان احتكار وسائل الإكراه وسيلةً أساسية لضمان ألّ تذهب عائدات الضرائب إلى مراكز أخرى عدا الدولة. لذلك كانت الضريبة عاملً حاسمًا في تحفيز الحكّام على إنجاز المركزة واحتكار الإكراه المادي.

(((3 مقتبس من: Porter, p. 14.

(40) Ibid.

(((4 يعتبر غولدشيد المالية العامّة "علم الحرب وليس علم السلام". مقتبس من: Braun, p. 311. (((4 يقول جيفري هيربست: "إنّ تأثير الحرب الأشد بروزًا في التاريخ الأوروبي هو دفع الدولة إلى زيادة قدرتها على تحصيل

المزيد من المداخيل بكفاءة كبيرة ومقاومة عامّة صغيرة". ينظر:

Jeffrey Herbst, "War and the State in Africa," International Security , vol. 14, no. 4 (Spring 1990), p. 119. (43) Tilly, "Reflections on the History of European State–Making," p. 27. (44) Spruyt, chap. 8. (45) Tilly, Coercion, Capital, and European States , pp. 23–24.

يعتبر بعض علماء النظرية العدوانية معيار احتكار السلطة ركنًا أساسيًا من أركان الدولة. بالنسبة إليهم،

كما ذكر فيبر، كل منظّمة سياسية ستسمّى دولة إذا نجحت في الاحتكار الشرعي لوسائل الإكراه المادي

في تنفيذ أوامرها. باستثناء مسألة الشرعية المثيرة للجدل، نال معيار الاحتكار قبولً واسعًا باعتباره عاملً أساسيًا في تشكّل الدولة الحديثة. ومع ذلك، كان هناك بعض المشكّكين في هذا المعيار. على سبيل

المثال، أسقطه أنتوني غيدنز من تعريفه للدولة، وأشار مايكل مان إلى أنّ العديد من الدول التاريخية لم يحتكر وسائل القوة المادية، وذكر جويل ميغدال أنّ "لغة فيبر حول السيطرة واحتكار استخدام العنف الشرعي تبدو بعيدة عما فعله العديد من الدول فعليًا". ويقلّل علماء النظرية العدوانية من الأهمية

التاريخية لهذه الانتقادات عبر التمييز بين الاحتكار "الكامل" والاحتكار "الفعلي"، فهم يعترفون بأنّ النوع الأول لم يحدث في معظم الحالات، حيث تعايشت الدول فترات طويلة مع الجماعات والأفراد المسلّحين داخل إقليمها، وبعضها، كما أشار ميغدال، "ترك، برغبته أو رغمًا عنه، وظائف مختلفة، مثل جمع الضريبة

أو الأمن، إلى الشركات الخاصة والجيوش الشعبية والمرتزقة والرجال الأقوياء المحليّين". ومع ذلك،

نجحت العديد من الدول في النهاية في فرض سيطرتها وقوانينها على غالبية الشعب الذي يسكن إقليمها، وأنجزت هذه الدول احتكارًا "فعليًا" للقوة القسرية. يجادل أنصار النظرية العدوانية في أنّ احتكار وسائل الإكراه المادي ما كان لينجح لولا ضغوط الحرب. خلقت الحرب، أو الاستعداد لها أو ديونها، حاجة ماسّة إلى الأموال التي جاء معظمها من

الضرائب. تطلّبت الحرب الجنود أيضًا. ولذلك كانت أموال الضرائب ضرورية لدفع أجورهم، وحثّهم على الانضمام إلى الجيش، أو شراء خدماتهم (خاصّة جيوش المرتزقة). وكما أشرنا سابقًا،

استلزم استخراج الضرائب بفاعلية مركزة السلطة، التي تطلّبت احتكار وسائل الإكراه بدورها. وساهم تركيز السلطة واحتكار القوة المادية في ارتفاع معدلّات التجنيد أيضًا، حيث أصبحت المهنة العسكرية بالنسبة إلى أولئك الراغبين في مزاولتها حصرًا على قوات الدولة الرسمية.

(((4 ينظر مثلً:

Ibid., pp. 68–69; Dietrich Rueschemeyer & Peter B. Evans, "The State and Economic Transformation: Toward an Analysis of the Conditions Underlying Effective Intervention," in: Evans, Rueschemeyer & Skocpol (eds.), pp. 46–47; R. M. Maclver, The Modern State (Oxford: Oxford University Press, 1926), p. 22; S. N. Eisenstadt, The Political Systems of Empires: The Rise and Fall of the Historical Bureaucratic Societies (New York: Free Press, 1969), p. 5. (47) Weber, vol. 1, p. 54.

(((4 يعرّفها بأنها "منظمة سياسية تنظم سيطرتها على نحو إقليمي وقادرة على تعبئة وسائل العنف لإدامة تلك السيطرة". ينظر:

Anthony Giddens, The Nation–State and Violence , vol. II: Of A Contemporary Critique of Historical Materialism (Cambridge: Polity Press, 1985), p. 20. (49) Michael Mann, States, War and Capitalism: Studies in Political Sociology (Oxford: Blackwell Publishers, 1988), p. 74; Michael Mann, The Sources of Social Power , vol. 2: The Rise of Classes and Nation–states, 1760–1914 (Cambridge: Cambridge University Press, 1993), p. 55. (50) Joel S. Migdal, "Researching the State," in: Mark Ivring Lichbach & Alan S. Zuckerman (eds.), Comparative Politics: Rationality, Culture, and Structure , 2 nd ed. (Cambridge: Cambridge University Press, 2009), pp. 162–163. (51) Migdal, "Researching the State," pp. 162–163. (52) Tilly, Coercion, Capital, and European States , p. 68.

ساهم احتكار القوة المادية في تطوير الهياكل الإدارية أيضًا، حيث تطلّبت عملية المركزة استخدام جهاز الشرطة في القرى والأطراف البعيدة عن العاصمة لإحكام السيطرة عليها. تطلّبت هذه العملية أيضًا تطوير المحاكم والمؤسسات العقابية (السجون) لضمان إنفاذ قوانين السلطة. باختصار، أثّرت المركزة تأثيرًا تزايديًا في الضرائب والبيروقراطية، وتأثّرت بهما تباعًا. حدثت هذه الحلقة من التغذية

الراجعة تحت ضغوط الحرب.

3. البيروقراطية والبرقطة

يُجمع المؤرخون وعلماء السياسة على الدور الحاسم الذي أدّته الحرب في تطوير الهياكل الإدارية

والجهاز البيروقراطي. فقد أشار فيبر في مطلع القرن العشرين إلى الدور المهم الذي تؤدّيه الحوافز العسكرية وضروراتها في تطوير الإدارة البيروقراطية، حيث رأى أنّ "الانضباط والتدريب العسكريين لا يكونان متطوّرين على نحو كامل إلّ في الجيوش البيروقراطية". ويعتقد تيلي أنّ الحرب ساعدت

في تكثيف البرقطة عندما "أطلق الحكّام، كناتج عرضي لتحضيرات الحرب، النشاطات والمنظّمات التي أدّت إلى تطوير المحاكم والخزانات والنظم الضريبية والإدارات الإقليمية والجمعيات العامّة،

وما إلى ذلك". وكشفت الدراسات التي قدّمها مايكل مان عن الدور المحوري الذي أدّته الحرب في توسيع حجم الدولة ومجالها من خلال التأثير في النفقات العسكرية، حيث بيّن أنّه في المدة

1815–1130 "أنفقت الدولة الإنكليزية معظم دخلها (بين 75 و 95 في المئة من العائدات كلها التي

أُنفقت على الوظائف العامة) على الحرب والاستعداد لها ". باختصار، كان نموّ الدولة الإنكليزية

خلال قرون عدّة نتيجة تطوّرات الحرب. كان نموّ البيروقراطية موازيًا لنموّ الضريبة. لقد أشار فيبر إلى أنّ تطوير اقتصاد المال كان مقدّمة ضرورية

للبيروقراطية الحديثة، وأنّ "وجود نظام مستقر للضريبة هو شرط مسبق لوجود الإدارة البيروقراطية

(53) Charles Tilly, "War Making and State Making as Organized Crime," in: Evans, Rueschemeyer & Skocpol (eds.), p. 175; Giddens, vol. II, pp. 181–182.

(((5 لا يوافق بعض العلماء على فرضية أنّ لدى المركز (الدولة) القدرة على امتصاص الأطراف (المجتمع الريفي)، فهم يعتقدون

أنّ الدول (خاصة في العالم الثالث اليوم) أخفقت في العديد من المرّات في تشكيل مجتمعاتها وإنجاز الحدّ الأدنى من الاستخراج

في مواجهة المقاومة الشديدة للمجموعات الاجتماعية أو الرجال الأقوياء. ينظر مثلً:

Barnett; Joel S. Migdal, "Strong States, Weak States: Power and Accommodation," in: Myron Weiner & Samuel P. Huntington (eds.), Understanding Political Development (New York: Harper Colins, 1987), pp. 391–434. (55) Weber, vol. I, p. 981.

(((5 يرى تيلي أنّه "ابتداءً من عام 990 م فصاعدًا، وفّرت تعبئة الحرب المناسبات الرئيسة التي خلقت ووسّعت ودعمت فيها الدول

. Tilly, Coercion, Capital, and European States , pp. 70, 75:أشك لً جديدة من التنظيم السياسي". ينظر (57) Mann, The Sources of Social Power , vol. 2, pp. 109–130. (58) Mann, States, War and Capitalism , p. 110.

أشار جون بريور في كتابه المعروف حول الدولة البريطانية إلى أنّ معظم الإصلاحات والابتكارات الإدارية التي حدثت في أواخر

القرنين السابع عشر والثامن عشر كانت تهدف في الأساس إلى تعزيز قدرة الحكومة على شن الحرب. ويرى أن الضرائب والبيروقراطية والحرب عناصر أساسية لتفسير نموّ الحكومة المركزية في تلك الحقبة. ينظر:

John Brewer, The Sinews of Power: War, Money and the English State, 1688–1783 (London: Unwin Hyman, 1989).

الدائمة. تؤكّد التجربة التاريخية للدول الأوروبية المفصلة لاحقًا ملاحظات فيبر، حيث لم تؤدّ جهود الاستخراج إلى خلق هياكل إدارية جديدة في المستويات المحلّية – القومية والإقليمية فحسب، بل خلقت أشك لً جديدة من التنظيم السياسي أيضًا. لكن العلاقة بين الضريبة والبيروقراطية ليست خطّية، فاستخراج الضرائب لم يقتصر على خلق البيروقراطية بل كان عاملً أساسيًا في نموّها وتوسيعها أيضًا؛ وفي المقابل، سهّلت البيروقراطية المتطوّرة والموسّعة عملية الجباية وزادت فاعليتها، حيث ساعدت الدولة في اختراق المجتمع والوصول إلى الأطراف البعيدة عن المركز (مثل الأرياف والمقاطعات والكيانات الأخرى المكتفية ذاتيًا) عن طريق

نشر الموظّفين وجمع المعلومات وإحصائها وتوزيع الأعباء، وغير ذلك. وعندما نجحت البيروقراطية في زيادة الجباية، زادت مواردها المالية، ووسّعت أجهزتها وسلطاتها الإدارية. يشير علماء النظرية العدوانية إلى وجود حلقة من التعزيز المتبادل بين الاستخراج والحرب، حيث ظهرت سياسات الاستخراج بسبب الحاجة إلى تمويل الحرب وإعداد القوّة العسكرية، وعندما نجحت تلك السياسات، أدّت الأموال والقوة العسكرية المحصّلة منها إلى تحريض الدول على شنّ المزيد من الحروب التي تطلّبت بدورها زيادة مستويات الاستخراج، وهكذا دواليك. هذا التعزيز المتبادل بين الاستخراج والحرب، تخلّلته حلقة متوسّطة من النتائج، تمثّلت في مقاومة الضريبة (بلغ ذلك أحيانًا حدّ إعلان التمرّدات والثورات) والتوسّع البيروقراطي، التي أدّت بدورها إلى تعزيز الاستخراج وشنّ الحرب. يفصّل تيلي هذه الحلقة عبر سلسلة سببية تمتدّ عبر المراحل الآتية: 1) توسيع الجيوش البرّية وتحديثها، 2) جهود جديدة لاستخراج الموارد من الشعب، 3) تطوير بيروقراطية جديدة وحدوث إبداع إداري، 4) ظهور مقاومة شعبية لجهود الاستخراج، 5) تجدّد الإكراه، 6) زيادة كبيرة في حجم الدولة وقدرتها الاستخراجية. أطلقت كارن رازلر وويليام تومسون على هذه السلسلة تسمية "دورة الضرائب والموت". بصورة عامة، مثّلت الضرائب والبيروقراطية، إضافة إلى السيطرة المركزية، المتغيرات الأساسية للنظرية العدوانية لتشكّل الدولة. تفاعلت هذه المتغيرات الثلاثة ضمن سلسلة سببية تساهمية بطريقة عزّز بعضُها بعضًا تحت ضغوط الحرب والاستعداد لها. هل يساهم حضورها المتزامن، وتفاعل بعضها مع بعض، في تفسير نجاح عمليات تشكّل الدولة أو فشلها؟ هذه مسألة تجريبية في الأساس، وهي غالبًا ما تكون خاضعة لسياقات محدّدة. ما هو مهم بالنسبة إلينا هو اختبار هذه المتغيرات، والآلية السببية التي تُنشئها، أمام السجل التجريبي: إلى أيّ مدى يمكنها تفسير العملية التاريخية لصنع الدولة في أوروبا؟

(59) Weber, vol. I, p. 968. (60) Tilly, Coercion, Capital, and European States , p. 98. (61) Tilly, "Reflections on the History of European State–Making," p. 74. (62) Karen A. Rasler & William R. Thompson, "War Making and State Making: Governmental Expenditures, Tax Revenues, and Global Wars," The American Political Science Review , vol. 79, no. 2 (1985), p. 493.

ثالثًا: التاريخ العسكري للدولة الحديثة

يملك المؤرّخون أدلّة مهمة عن وجود كيانات سياسية واجتماعية بدءًا من عام 6000 قبل الميلاد، حيث

توجد بقايا آثار شاهدة على العمران في مدن الشرق الأوسط القديمة، وأدلّة على وجود أشكال من الحكومات في الصين وأفريقيا وأميركا الجنوبية. كانت هذه الكيانات في الأساس عبارة عن دول– مدن، لكن شهدت العصور اللاحقة تطوّر أشكال أخرى وازدهارها من الحكم في التاريخ الأوروبي،

شملت تشكيلات مختلفة، راوحت بين الإمبراطوريات واتحادات المدن وشبكات ملّك الأراضي والكنائس والنُظم الدينية وفرق القراصنة وفرق المحاربين، والعديد من الأشكال الأخرى. كانت هذه التشكيلات عبارة عن تجمّعات للسلطة، وقد أدّت أدوار الدول فترة من الزمن، لأنّها سيطرت على

وسائل الإكراه المركّزة ضمن أراضٍ معيّنة، ومارست السيطرة في بعض المجالات على المنظّمات

الأخرى كلها داخل تلك الأراضي. لكنّها هُزمت كلها في النهاية، فاسحةً المجال للدولة القومية التي أصبحت في وقت متأخّر الشكل السائد للتنظيم السياسي والاجتماعي. شغل انتصار الدولة القومية على الوحدات السياسية المنافسة لها اهتمام العديد من المؤرّخين وعلماء السياسة والاجتماع، وكان الشاغل الأساسي هو تفسير الاختلاف الكبير في أنواع الدول التي سادت في أوروبا منذ القرون الوسطى، وكيف اجتمعت في نهاية المطاف في الدولة القومية.

1. الأصول القروسطية للدولة الحديثة

ظهرت بذور الدولة القومية الحديثة كما نعرفها اليوم في أوروبا بين عامي 1450 و 1650. وتمتد جذورها إلى العصور الوسطى الإقطاعية في المدة الواقعة بين سقوط الإمبراطورية الكارولينجية في القرن التاسع وظهور الدول المركزية في القرن الخامس عشر. ساد هذه الحقبة غياب الدولة بكلّ بساطة؛ إذ لم تكن هناك سلطةٌ مركزية عليا تفرض نفسها على المدن والإمارات والمجالس العامة États–Généraux التي كانت تتمتّع باستقلالية نسبية في إدارة شؤونها الخاصّة. كانت العلاقات

السياسية شخصية في طابعها، وكانت السياسة ذات طابع محلّي، مُعرّفة بملكية الأراضي ورَيْعها،

(63) John Boardman et al. (eds.), The Cambridge Ancient History , vol. 3, part 2: The Assyrian and Babylonian Empires and Other States of the Near East (Cambridge: Cambridge University Press, 1991). (64) Henri J. M. Claessen & Peter Skalník (eds.), The Early State (The Hague: Mouton Publishers, 1978); Elman R. Service, Origins of the State and Civilization (New York: Norton, 1975), chap. 10–12. (65) Tilly, Coercion, Capital, and European States , p. 5. (66) Ibid. (67) Porter, p. 6.

(((6 لمزيد من المعلومات حول هذه الحقبة، ينظر:

Joseph R. Strayer, On the Medieval Origins of the Modern State (Princeton: Princeton University Press, 1970); Poggi, chap. 2; Porter, pp. 24–26.

(((6 يقول مارتن فان كريفلد: "بقي نظام الحكومة الذي ظهر في أوروبا بين عامي 1337 و 1648 نظامًا شخصيًا على نحو كامل في معظم

النواحي؛ إذ لم تكن الدولة، بوصفها منظّمة، مجرّدة بشخصيتها الخاصّة، ولم تكن منفصلة عن الحاكم الموجود في ذلك الوقت". ينظر:

Martin Van Creveld, The Rise and Decline of the State (Cambridge: Cambridge University Press, 1999), p. 126.

بينما كانت الضريبة في طورها الأوّلي، أو لم تكن موجودةً كلّيًا، وشكّلت المداخيل من المجالات

الخاصّة معظم العائدات. لم يكن الملوك والأمراء في العصر الإقطاعي يمارسون الاحتكار على القوة العسكرية، حتى في نطاق الأقاليم التي يشرفون عليها، وكانت الموارد العسكرية في ذلك الوقت في أيدي العديد من منافسيهم، مثل النبلاء والنظم العسكرية وحتى المؤسسات الإكليروسية. وصف أنتوني غيدنز هذا التنظيم ب: "مجتمعات الطبقة المنقسمة"، حيث احتفظت كيانات واسعة من المجتمع باستقلاليتها بسبب "افتقار المركز السياسي إلى القدرة على تشكيل الحياة اليومية لمواطنيه". في مثل هذه المجتمعات، نصّبت الأرستقراطية نفسها

طبقةً محاربةً، وكانت الحرب الغرض الأساسي لوجودها، ولذلك وجد الملوك والأمراء أنفسهم مجبرين على مداهنتها ومحاباتها وطلب دعمها لتوفير المال والحماية اللازمة للاحتفاظ بالعرش. تميّزت المرحلة الإقطاعية أيضًا بظهور الجمعيات التمثيلية التي تسمّى "المجالس" (أو الطبقات

العامّة)، وتزامن ذلك مع نموّ محاكم القرون الوسطى. شكّلت المجالس طبقة سياسية واجتماعية

عملت بوصفها مجموعة مصالح في حقبة القرون الوسطى، وتشكّلت من رجال الدين وطبقة النبلاء من الأقطاب أو اللوردات وطبقة الأعيان والمدن. تطوّرت المجالس بين القرنين الثاني عشر والرابع

عشر، مشكِّلة البرلمان في إنكلترا، والجمعية الوطنية في فرنسا، والكورتس في إسبانيا، واللاندستاند Landstande في الأراضي الألمانية، والمجالس في أجزاء مختلفة من إيطاليا. وكانت عنصرًا حاسمًا

في التنظيم السياسي والاجتماعي لأوروبا في أواخر القرون الوسطى، وكان نوع النظام السياسي الذي شكّلته عبارة عن مرحلة متوسّطة بين الإقطاعية وبواكير الدولة الحديثة. تُعدّ الضرائب عنصرًا محوريًا في قصة بناء الدولة بين أواخر القرون الوسطى والقرن الثامن عشر. وقد

أشار بعض المؤرخين إلى أنّها كانت سببًا مباشرًا في انهيار الإمبراطورية الرومانية المقدّسة. ويعود

السبب في ذلك إلى فشل الإمبراطورية في التطوّر إلى دولة مركزية بسبب عدم قدرة الأباطرة الرومان

على تطوير نظام ضريبي فعّال يغطّي شعب الإمبراطورية وأراضيها. لذلك حاول الملوك الأوروبيون في المدة بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر تفادي الصعوبات التي واجهتها الإمبراطورية الرومانية في فرض الضريبة عن طريق إزالة النظام الإقطاعي واستبدال الدفعات النوعية بالدفعات المالية.

(70) Ernest Gellner, Nations and Nationalism (Hoboken, NJ: Blackwell Publishers, 1983), pp. 8–18. (71) Giddens, p. 22. (72) Porter, p. 26.

((7(كانت المجالس مشكّلة من ث   ث طبقات: رجالالدين (الطبقة الأولى)، والنب ءاا (الطبقة الثانية)، وعوام الشعب (الطبقة

الثالثة). وقد شكلت جمعية تمثيلية للطبقات الثلاث، وامتلكت سلطات تشريعية محدودة. وكانت المجالس شائعة في العديد من الدول الأوروبية بأسماء وصلاحيات متشابهة أحيانًا، ومختلفة أحيانًا أخرى.

(74) Porter, p. 26.

(((7 أشار براون إلى أنّ "المحاولات كلها لفرض ضريبة منتظمة على عقارات الإمبراطورية وجمع الرسوم الجمركية في حدود

الإمبراطورية فشلت، أو كانت محدودة في أحسن الأحوال"، ينظر: Braun, p. 249.

(76) Gabriel Ardant, "Financial Policy and Economic Infrastructure of Modern States and Nations," in: Tilly (ed.), pp. 173–174.

كان استقلال الأمراء عن الأباطرة في ذروة العصور الوسطى عاملً أساسيًا في تشكيل النظم الضريبية

والمالية العامّة، وساعد النزاع حول الاستثمار الأمراء والكنيسة في تحرير أنفسهم من السلطة

الإمبراطورية وتقوية سلطتهم على شعوبهم وأراضيهم، ولم يكتف الأمراء بجمع الحقوق السياسية والامتيازات وتضخيم نطاق الحكومة المركزية، وتمديد السيطرة على الشؤون الاجتماعية والاقتصادية بل كافحوا من أجل احتكار السلطة أيضًا. شكّل الأمراء نوعًا من الاقتصاد الأميري الذي تطلّب منهم مقابلة نفقات سياساتهم باسمهم الخاص، وليس باسم سياسة الدولة؛ فكان الأمير مجبرًا على دفع تكلفة شن الحرب بنفسه ضدّ أعدائه، وكانت

الوسائل المتاحة بين يديه لهذا الغرض، وسيادته في حدّ ذاتها، غير مشتقَّتين من سلطة الدولة المركزية. كان معظم عائدات الأمير من أراضيه، وقد أخذت شكل مستحقّات من رعاياه والفلاحين الأقنان الذين كانوا يخضعون لسلطته. يشير شومبيتر إلى أنّ هذه العائدات اعتُبرت، حتى القرنين السادس عشر والسابع عشر، أساس الاقتصاد الأميري، إضافة إلى أنّها كانت جوهر المشكلة المالية المرتبطة بالإصلاح الإداري الذي حدث بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر. لكن كفاح الأمراء وسعيهم لاحتكار السلطة والسيطرة كانا محلّ مقاومة شديدة من مختلف المجالس والمدن ورجال الدين والنبلاء بصورة خاصة. بذل النبلاء والمدن جهودًا حثيثة لمنع الأمراء من محاولة تأسيس الحكومة على الاستبداد الشخصي، واستخدمت المجالس في مقاومتها مجموعة منوّعة من

الأسلحة، مثل استقلاليتها الشخصية، وحقّها في منح أو منع المساهمات "الاستثنائية" (المخصّصة

لشن الحرب وطوارئ أخرى) التي تعتبر عصب الاقتصاد الأميري، وبذلك استعملت هذه الطبقة منحها الضريبية أو مقاومتها وسيلة مساومة لطلب التنازلات الاجتماعية والسياسية من الأمراء.

2. الصراع على الدولة: الاستخراج والمركزة

ذكر بروس بورتر أنّ الانتقال من القرون الوسطى إلى السياسة الحديثة كان التحوّل الأشد أهمية في

طبيعة السلطة السياسية منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية. ويصف تيلي المدة بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر بالمدة الحاسمة في تشكيل الدولة الأوروبية. تميّزت هذه المرحلة بالدور الكبير

الذي أدّته الحرب ووسائل الإكراه في تلك العملية، حيث قامت بتعجيل قوى التحديث الأخرى، وأتاحت

(77) Braun, p. 251. (78) Schumpeter, p. 104. (79) Ibid., p. 102; Braun, p. 253.

(((8 السياسة الحديثة Politics Modern، مصطلح يرد بكثرة في النظرية السياسية، ويشير إلى الحقبة بين نهاية الحروب الدينية واندلاع الثورة الفرنسية، حيث تشكلت بذور ما يسمى السياسة/ الدولة الجماهيرية المعاصرة.

(81) Porter, p. 24;

ذكر جون راغي أيضًا أنّ "الانتقال من القرون الوسطى إلى النظام الدولي الحديث مثّل التغيير السياقي الأشد أهمية في السياسة

الدولية طوال هذه الألفية". ينظر:

John Gerard Ruggie, "Continuity and Transformation in The World Polity: Toward A Neorealist Synthesis," in: Robert O. Keohan (ed.), Neorealism and Its Critics (New York: Columbia University Press, 1986), p. 441. (82) Tilly, Coercion, Capital, and European States , p. 81.

الفرصة والحافز للزعماء الأقوياء (صنّاع الدول) لتركيز السلطة في الحكومات المركزية. وأدّت وسائل الإكراه دورًا محوريًا في شنّ الحرب (مهاجمة المنافسين الخارجيين)، وصنع الدولة (مهاجمة المنافسين الداخليين)، والحماية (مهاجمة أعداء زبائن الدولة). وأدّت دورًا أيضًا في ممارسة الدولة الاستخراج (تعبئة وسائل نشاط الدولة من رعاياها)، وممارسة الحكم (حل النزاعات بين أعضاء الشعب). لم تكن الحرب سببًا في بناء الدول فحسب، بل تسبّبت في موتها ودمارها أيضًا، حيث يسجّل التاريخ اختفاء العديد من

الوحدات السياسية في القرون القليلة بعد عام 1500 جرّاء تحطيمها أو امتصاصها عبر الدول الأخرى التي

كانت في طور التشكّل.

أ. الضرائب والتمويل الحربي

مارست الحرب أثرها الأوّلي في تشكيل الدولة في مجال المالية العامّة بإحداثها ثورة في النظام الضريبي. كانت تكلفة الحرب المتزايدة في أواخر القرون الوسطى أساس "دولة الضريبة" الحديثة، حيث اتّجه الملوك إلى مصادر جديدة للدخل، بدلً من المجالات الملكية، وأصبحت الضريبة، المباشرة وغير المباشرة، المصدر الرئيس للعائدات المركزية. ومع حلول عام 1500، أصبحت طبقة النبلاء الإقطاعية في أنحاء أوروبا الغربية كلها تابعة لحكومات مركزية، ونجح الملوك في ممارسة سلطة فرض الضريبة، واستعملوا تلك السلطة لرشوة طبقة النبلاء أو إجبارها على الرضوخ. أرغمت عمليات شن الحرب والتحضير لها الملوك على السعي لاستخراج الضرائب والتجنيد من الرعايا، وعندما نجحت تلك الجهود في أزمنة الحرب، استمرّت إلى أجل غير محدود، أو جرى

تأسيسها بصفة دائمة في أوقات السلم. وهكذا بدأت الضرائب الأوروبية الرئيسة كلها رسومًا استثنائية مخصّصة لحروب معيّنة، لكنّها استمرّت بعد انتهاء تلك الحروب، وأصبحت مصادر اعتيادية للدخل

الحكومي. بعبارة أخرى، أصبحت برلمانية ودائمة.

(83) Porter, p. 24. (84) Tilly, Coercion, Capital, and European States , p. 54. (85) Tilly, "Reflections on the History of European State–Making," p. 42.

هناك العديد من الأمثلة عن الوحدات السياسية التي تسبّبت الحرب في اختفائها، مثل بولندا الحالية وساكسونيا وبافاريا، إضافة إلى

بعض الكيانات الوطنية الثانوية المستقلة، مثل آراغون ونافار وبيرغوندي وبريتاني وسافوي وفرانش وكومتي، والأعضاء الخمسة

. Mann, States, War and Capitalism , p. 109; Porter, p. 15:والثلاثين في الاتحاد الألماني. ينظر (86) John Watts, The Making of Polities: Europe, 1300–1500 (Cambridge: Cambridge University Press, 2009), p. 224;

يحتوي الكتاب الذي حرّره ريتشارد بوني على مجموعة من الدراسات التاريخية القيّمة عن صعود دولة الضريبة في أوروبا. ينظر:

Richard Bonney, The Rise of the Fiscal State in Europe, C.1200–1815 (Oxford: Oxford University Press, 1999). (87) Schumpeter; Porter, pp. 33–34. (88) Richard Bean, "War and the Birth of the Nation State," The Journal of Economic History , vol. 33, no. 1 (March 1973), p. 220. (89) Tilly, "Reflections on the History of European State–Making," p. 42. (90) Ames & Rapp, p. 177.

لم تنحصر وظيفة الضرائب في شقّها المالي بل أدّت وظائف اجتماعية وسياسية أيضًا؛ فعلى سبيل المثال، استخدمت السياسات الضريبية لتنظيم السلوك البشري، حيث استُخدمت أدوات لزيادة السكان (عبء الضريبة على العزّاب، والتخفيض الضريبي للأطفال)، ولخفض الكسل وإجبار الناس على العمل، والتأثير في أنماط الاستهلاك (خاصّة الاستهلاك المظهري)، وتنظيم توزيع الثروات والمداخيل. واستُخدمت الضرائب لأغراض سياسية أيضًا؛ حيث حدّدت شكل المشاركة السياسية للمجموعات الاجتماعية وحجمها، وكانت وسيلة لمنع بعض تلك المجموعات من الوصول إلى السلطة. إضافة إلى ذلك، كان هناك ارتباطٌ وثيق بين النظام السياسي والنظام الضريبي، حيث غالبًا ما تزامنت التغييرات الدستورية مع

التغيّرات في الضريبة، وأصبحت الإصلاحات الانتخابية نقطة بداية الإصلاحات الضريبية. فرضت الضرائب أعباء ثقيلة على الشعب، خاصّة أنّها وقعت على كاهل الطبقات الدنيا (الفلّحون على نحو خاص) التي واجهتها بمقاومة شديدة، راوحت بين التذمّر والتهرّب، وصولً إلى إعلان التمرّدات

والثورات التي قام بها دافعو الضرائب العاجزون عن دفع مستحقّاتهم. وقد لاحظ أحد المتخصصين أنّ "غالبية التمرّدات في الدول الأوروبية بين القرنين الرابع عشر والثامن عشر كانت ثورات الضريبة".

وساهمت هذه الثورات في مركزة الدولة أيضًا، حيث أشارت ثيدا سكوكبول إلى أنّ تمرّدات الفلّحين

التي كانت عنصرًا حاسمًا في حدوث الثورات الاجتماعية، كانت تؤدّي في الحد الأدنى إلى "عقلنة

مؤسسات الدولة ومركزتها، وتزيل الإشراف شبه السياسي لطبقة ملّك الأراضي التقليدية على طبقة الفلّحين الوسطى، وتزيل قوتها الاقتصادية أو تخفضها". كانت أنماط الاستخراج كلها باهظة الثمن من ناحية التكلفة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لكن كانت الضرائب (واستعمال وسائل الإكراه لجبايتها) عنصرًا محوريًا في حدوث الثورات التي أطلقت الخطوات الأولى نحو تعزيز المركزة.

ب. المركزة: احتكار وسائل العنف المادي

كان المسار نحو الدولنة والمركزة الإقليمية يتطلّب شرطًا أساسيًا، وهو ضمان السلطة الحاكمة احتكار

استخدام وسائل الإكراه، وتحريم استخدامها على المجموعات الاجتماعية المنافسة. يتطلّب فهم مدلول الاحتكار الحصري لوسائل الإكراه الذي يميّز الدولة الحديثة فهم الصراع التاريخي لنزع شرعية

احتكارها من المنافسين المحليّين الأقوياء. استفحل الصراع في المدة 1700–1400 عندما أطلق الملوك

جهودًا حثيثة لنزع سلاح المنافسين المحليّين وتحطيمهم. امتلك الأمراء والنبلاء والدوقات والأساقفة

والمدن وقطّاع الطرق وسائل حمايتهم الخاصّة خارج نطاق سلطة الدولة، وامتلكوا الكثير من الأسلحة والمعدّات والمقاتلين الذين سمحوا لهم بتكوين جيوش صغيرة مكوّنة غالبًا من طبقة الفلاحين الأقنان

(91) Braun, p. 246. (92) Ibid., pp. 247–248; Ames & Rapp, p. 161. (93) Ardant, pp. 175, 194. (94) Theda Skocpol, "France, Russia, China: A Structural Analysis of Social Revolutions," Comparative Studies in Society and History , vol. 18, no. 2 (April 1976), p. 178. (95) Braun, p. 313.

(بالنسبة إلى الأمراء والنبلاء) أو المرتزقة المستأجرين. استعمل هؤلاء الرجال الأقوياء قوّتهم القتالية في

محاربة الدولة ومنافستها، وتمكّنوا من التغلّب عليها في مرّات عدّة. وقد ساهمت القوة القتالية التي

تمتّع بها هؤلاء الرجال الأقوياء في منحهم استقلالية كبرى عن سلطة الدولة، وجعلت معظم الحكّام يلجؤون إلى مساومتهم ومداهنتهم والتحالف معهم لشنّ حروبهم (الحكّام) وحماية أنفسهم. ولمواجهة هذا الطابع المشتّت للسلطة، ومن أجل التغلّب على ضعفهم، قياسًا إلى الرجال الأقوياء، خاض الحكّام

صراعات محتدمة للتغلّب على جميع المنافسين المحليّين باستخدام استراتيجيات منوّعة، راوحت بين

نزع السلاح والإدماج، والقمع والتجريد العنيف. وقد حدث نزع سلاح المدنيّين عبر خطوات عديدة: الحجز العام للأسلحة في نهاية التمرّدات ومنع

التبارز والسيطرة على إنتاج الأسلحة وتقديم ترخيص للأسلحة الخاصّة وفرض القيود على العروض العامّة للقوة المسلّحة. ووضع العديد من الحكّام الكثير من الضوابط على استعمال القوة بين الرجال الأقوياء أنفسهم؛ فعلى سبيل المثال، قمعت عائلة ثودور في إنكلترا الجيوش الخاصّة، وخفّضت السلطة الأميرية للوردات، واحتوت العنف الأرستقراطي. وقاوم لويس الثالث عشر في فرنسا استعراضات القوة في الطبقة الأرستقراطية، واستعمال الأزياء والبروتوكولات الحربية في احتفالاتها، وحطّم العديد من القلاع. وبحلول نهاية القرن السابع عشر، كانت الدولة قد أنجزت ما دعاه مايكل مان "القوة الاستبدادية"، أي سلطة نخبة الدولة نفسها على المجتمع المدني. بلغت موجة احتكار وسائل الإكراه، أو ما دعاه وليام ماكنيل "برقطة العنف المنظّم"، أوجها بين منتصف القرن الثامن عشر وبواكير القرن التاسع عشر. بدأت الدولة في توسيع قوّتها المسلّحة

الخاصّة في الوقت نفسه الذي تغلّبت على معظم منافسيها المحليّين. لم يكتف الحكّام في هذه المدة

باستعمال الوسائل القسرية لفرض السيطرة على المنافسين المحليّين، بل اتّجهوا أيضًا نحو إنجاز

ما دعاه أنتوني غيدنز "القوة الإدارية"، حيث سعى الحكّام لإغراق المكاتب بالموظفين الموالين لهم، واستعملوا سلطة التعيين بالاتفاق وسيلةً لضمان رضوخ غالبية الشعب، واكتسبوا المعلومات الدقيقة حول بلادهم وشعوبهم ومصادرهم، وروّجوا لقوة الدولة وهيبتها عبر فرض النظام

(96) Tilly, Coercion, Capital, and European States , p. 70. (97) Ibid., pp. 69–70; Lawrence Stone, The Crisis of the Aristocracy, 1558–1641 (Oxford: Clarendon Press, 1965); Tilly, "Reflections on the History of European State–Making," p. 24. (98) Mann, States , War and Capitalism , pp. 5–6. (99) William H. McNeill, The Pursuit of Power: Technology, Armed Force, and Society since A.D 1000 (Chicago: The University of Chicago Press, 1982), p. 144;

يعتقد فيبر أن برقطة الجيش جرت عبر نقل الخدمة العسكرية من الملّك (باعتبارها امتيازًا شرفيًا) إلى الأشخاص غير الملّك، ومن

الطبقات المالكة الحضرية إلى الطبقات المالكة الريفية (بسبب ملاءمة الأخيرة لأعمال الجندي الخشنة). ينظر:

Weber, vol. I, p. 981.

(((10 تتجلّى القوة الإدارية في تخزين المعلومات والسيطرة عليها، ويعتبرها غيدنز "الوسيلة الأساسية لتركيز الموارد السلطوية المشتركة في تشكيل الدولة القومية". ينظر: Giddens, vol. II, p. 52.

(101) Tilly, "Reflections on the History of European State–Making," p. 24.

والانضباط. كانت الدولة في هذه المرحلة بصدد توسيع ما دعاه مان "قوة البنية التحتية"، وهي قدرة الدولة على اختراق نشاطات المجتمع المدني مركزيًا وتنسيقها عبر بنائها التحتي الخاص.

ج. التوسّع: اختراق المجتمع

كانت الدولة في حاجة إلى توسيع قوتها ورقابتها ما بعد العواصم والمدن الكبرى نحو المناطق الحضرية والريفية التي كان يسيطر عليها المنافسون المحليّون. كانت طبقة الفلّحين في المجتمعات البيروقراطية

الزراعية منذ عام 1500 هي مصدر معظم المداخيل التي تسعى لها الدولة، ومن ثم، كان لا بدّ لها من تمديد سيطرتها إلى القرى والأرياف لاستخراج هذه المداخيل بصورة مباشرة، أو بالسيطرة على طبقة الملّك التي تعتمد عليها في استخراج المداخيل بطريقة غير مباشرة. ولم يكن الجيش، وهو الأداة الرئيسة لممارسة الدولة للإكراه، وسيلة ناجعة في ممارسة السيطرة والضبط الاجتماعي في الأطراف البعيدة عن المركز، لذلك كان لا بدّ من اعتماد قوات الشرطة التي تملك القدرة والمرونة الكافيتين على جمع المعلومات الضرورية لممارسة السيطرة والتهدئة الداخلية. يكشف هذا التقسيم للعمل عن أنّ التمييز الشائع بين العالمين المحلّي (الشرطة) والدولي (الجيش) وُلد من الرحم نفسها التي ولدت منها الدولة الحديثة، وتطوّر مع ظهور الهيئات الوسيطة، مثل الحرس الملكي والدرك والجمارك وحرس السجون والاستخبارات، التي كرّست المزيد من سيطرة المركز على الأطراف. بحلول القرن التاسع عشر، كان معظم الحكّام في أوروبا قد أنهى صراعه الطويل مع المنافسين المحليّين على استخدام القوة، وأسّس أوّل مرّة ما دعاه فيبر "الاحتكار الشرعي لوسائل الإكراه".

ويعود نجاح هذا الاحتكار إلى جملة من العوامل المتظافرة، تدلّ كلّها على تفوّق منظّمة الدولة في ممارسة العنف على منافسيها من الرجال الأقوياء. أوّلها أنّ الدول مارست العنف على مقياس أكبر وأكثر كفاءة من المنظّمات الأخرى أو المنافسين الآخرين؛ ثانيها أنّ الدولة كسبت الموافقة على تطبيق العنف من شريحة واسعة من شعبها، وكانت هذه الموافقة القاعدة التي بُني عليها التفويض الذي قدّمه المواطنون للدولة لتمارس الإكراه باسمهم وتحول دون وقوعهم ضحايا لعنف بعضهم تجاه بعضهم الآخر. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى الطابع التساهمي بين شن الحرب والمركزة، حيث ساعدت الحرب في مركزة السلطة في الدولة، في حين سهّلت هذه المركزة بدورها على الحكّام عملية شن الحرب.

(102) Michel Foucault, Surveiller et punir: Naissance de la prison (Paris: Gallimard, 1975), chap. 1–2. (103) Mann, States, War and Capitalism , pp. 5–6. (104) Tilly, "Reflections on the History of European State–Making," pp. 19–20.

(((10 التهدئة الداخلية هي المصطلح الذي أطلقه غيدنز على ممارسة المراقبة باعتبارها شكلً من أشكال القوة الإدارية، ينظر:

Giddens, vol. II, pp. 181–182;

وللمزيد حول تاريخ تطور الشرطة في أوروبا، ينظر:

David H. Bayley, "The Police and Political Development in Europe," in: Tilly (ed.), pp. 328–379. (106) Migdal, "Strong States, Weak States: Power and Accommodation," pp. 391–434; Barnett. (107) Weber, vol. I, p. 54.

وكما أشار ماكنيل: "بينما احتكرت حفنة من الحكّام ذوي السيادة العنف المنظّم وإدارته المبرقطة في أوروبا، أصبحت الحرب رياضة الملوك على نحو غير مسبوق".

3. مرحلة التكوّن: الأصول العسكرية للدولة الحديثة

لاحظ أوتو هينتز منذ زمن بعيد أنّ جذور الدولة الحديثة تمتدّ إلى المنظّمات العسكرية والمنافسة الخارجية بين الأمم، واستنتج جيوفري باركر وليزلي سميث أنّها (أي الدولة) كانت "مؤسسة عسكرية إلى حدّ بعيد". يدعم تاريخ صنع الدولة في أوروبا هاتين المقولتين؛ ففي المدة 1500–1350، زادت التغيّرات

في التكنولوجيا والوسائل العسكرية تكلفة الجيوش الفعالة، وقد صبّت هذه التكلفة المتزايدة في مصلحة

البلدان الكبيرة والحكومات الممركزة التي امتلكت القدرة على تحمّل أعباء الحرب الحديثة وإدارتها.

كانت القوة العسكرية أهمّ العوامل التي ساهمت في مركزة السلطة، حيث تميزت هذه المدة باستعمال البارود والمدفعية أوّل مرّة في حروب الحصار، وكانتا تقنيتين باهظتَي الثمن، لا تستطيع طبقة النبلاء

شراءهما، فأصبحتا بذلك حكرًا على حكّام الدول. وبينما أصبحت وظيفة الحماية عبئًا هائلً على

الأمراء، تزايدت الديون الناجمة عن الحروب الصغيرة وقادت إلى الإفلاس في الكثير من الأحيان.

أ. الثورة في الشؤون العسكرية

أطلقت الإبداعات في فن الحرب (المدة 1800–1500) ثورة في الشؤون العسكرية، كانت أبرز معالمها دخول البارود والمدفع والبندقية والمسدّس ساحة المعركة، ما أدّى إلى زيادة كثافة قوّة الجيوش النارية، وسهّل قدرتها على التنقّل وضاعف دقّة التصويب والاختراق. وتطوّرت

العقيدة العسكرية والأشكال التنظيمية، فظهرت طرائق جديدة للتدريب وتوجّهات حديثة في الفكر

(108) McNeill, p. 161. (109) Hintze, pp. 180–215. (110) Parker & Smith, p. 14. (111) Porter, p. 31;

للاطلاع على تاريخ المركزة في أوروبا، ينظر:

Ronald Batchfelder & Herman Freudenberger, "On the Rational Origins of the Modern Centralized State," Explorations in Economic History , vol. 20, no. 1 (1983), pp. 1–13.

(((11 على الرغم من أنّ الابتكارات الجديدة في الأسلحة زادت في تركّز السلطة في الدول، فإنّها لم تقرّر من الطرف المستفيد من

هذه التغيرات العسكرية أو صاحب الامتياز داخل السلطة؛ فقد استطاع التاج في فرنسا وإسبانيا السيطرة على السلطة من أجل فرض الضريبة، بينما احتفظت بها في هولندا وإنكلترا الهيئات الانتخابية، وبقيت في أيدي ملّك الأراضي في أوروبا الشرقية. لمزيد من

التفصيل، ينظر: Bean, p. 221.

(113) Braun, p. 254.

(((11 توقيت بداية الثورة ونهايتها متنازع عليهما. يعتقد روبرتس أنّ الثورة حدثت خلال المدة 1660–1560. وانتقد جيوفري باركر

هذا التأريخ وجادل في أنّها حدثت ما بين عامي 1550 و 1800:. ينظر

M. Roberts, The Military Revolution, 1560–1660: An Inaugural Lecture Delivered Before the Queen’s University of Belfast (Belfast: M. Boyd, 1956); Geoffrey Parker, "The 'Military Revolution,' 1560–1660: A Myth?," The Journal of Modern History , vol. 48, no. 2 (1976), pp. 195–214; Geoffrey Parker, The Military Revolution: Military Innovation and the Rise of the West, 1500–1800 (Cambridge: Cambridge University Press, 1988).

الاستراتيجي. تعزّزت هذه التطوّرات العسكرية بالمناخ الحربي الذي ساد في أوروبا بعد عام 1500، والذي بلغ ذروته في مذابح الحروب الدينية بين عامي 1520 و 1660 التي عزّزت بدورها الثورة العسكرية. تعزّزت هذه التطوّرات أيضًا بارتفاع القومية والأيديولوجيا الشعبية (الأمّة المسلّحة) وتأسيس التجنيد العام والتعبئة الاقتصادية الشاملة للمجتمع. من بين أهمّ معالم الثورة العسكرية التي أثّرت في تنظيم الدولة هو تأسيس الجيوش الدائمة. قبل قرون من تأسيس هذا النوع من الجيوش، خاض الملوك والأمراء في أوروبا العديد من الحروب باستخدام جيوش مكوّنة من أتباعهم من طبقة الفلّحين أو الموالين لهم، لكنّهم استخدموا في معظم الأحيان جيوش

المرتزقة المستأجرين. وذكر تيلي أنّ "المرتزقة وضعوا المعيار الأوروبي للأداء العسكري أزيد من أربعة قرون"، حيث كان الجنود والفرسان يبيعون خدماتهم القتالية للأمراء الذين يدفعون بالذهب، وكانوا يجنّدون بدافع الجشع، بدلً من الولاء والشرف، وغالبًا ما لجؤوا إلى الابتزاز والسطو والقرصنة عندما لم

تكن هناك عروض لشراء خدماتهم. بحلول القرن الثامن عشر، كانت الجيوش الأوروبية الرئيسة كلها تعتمد على المرتزقة الأجانب؛ حيث شكّلوا نصف الجيش البروسي، وثلث الجيش الفرنسي، واستخدم منهم البريطانيون 18000 محارب في حرب الاستقلال الأميركية، وحوالى 33000 أمثالهم في الحرب مع فرنسا في عام 1793. واتّجه باقي الدول الأوروبية إلى استئجار المرتزقة أيضًا، حتى من الدول الأجنبية، وبينما حاولت دول مثل فرنسا وإسبانيا وإنكلترا والسويد والمقاطعات المتّحدة Provinces United تقليل اعتمادها على هذه القوات الجشعة، عمدت دويلات أخرى إلى استئجار جيوش كاملة، مثلما فعلت الدول–المدن الإيطالية (فلورنسا وفينيسيا وسافوي وميلان وبيسا).

(((11 يعتبر كتاب برايان داونين من أفضل المصادر عن الثورة العسكرية في أوروبا بين القرون الوسطى والقرن الثامن عشر، ينظر: Downing؛ وللاطلاع على مراجعة تاريخية مفيدة حول الموضوع، ينظر:

Jeremy Black, A Military Revolution? Military Change and European Society 1550–1800 (London: Macmillan Press,

(((11 ينظر مثلً:

Frank Tallett, War and Society in Early–modern Europe, 1495–1715 (London: Routledge, 1992), ch. 2. (117) Porter, pp. 65–66. (118) Jack S. Levy & William R. Thompson, The Arc of War: Origins, Escalation, and Transformation (Chicago: The University of Chicago Press, 2011), p. 141. (119) David Parrott, "From Military Enterprise to Standing Armies: War, State, and Society in Western Europe, 1600– 1700," in: Frank Tallett & D. J. B. Trim (eds.), European Warfare, 1350–1750 (Cambridge: Cambridge University Press, 2010), pp. 74–95. (120) Giddens, vol. II, p. 110. (121) Tilly, Coercion, Capital, and European States , p. 84. (122) Janice E. Thomson, Mercenaries, Pirates, and Sovereigns: State–Building and Extraterritorial Violence in Early Modern Europe (Princeton: Princeton University Press, 1994), p. 10.

(((12 استأجرت إنكلترا وفلورنسا وسافوي وميلان وبيسا السير الإنكليزي الجشع جون هاوكيود الذي تقاضى أمولً طائلة مقابل بيعه

خدماته القتالية لهذه الدول، وحصل على المواطنة المشرفة من فلورنسا، مع راتب تقاعدي مدى الحياة واستثناء من الضريبة. وعندما مات في عام 1394 لم تشرّفه الحكومة بجنازة مهيبة من نفقات المال العام فحسب، بل خلّدت اسمه برسم على حائط الواجهة الداخلية

للكاتدرائية، يظهر فيه على صهوة الجواد، حاملً درعًا حربية. ينظر: p. 80 , Coercion, Capital, and European States Tilly,.

دفعت العديد من الأسباب الملوك والأمراء إلى استئجار الجيوش وشرائها، بدلً من الاعتماد على رعاياهم وأتباعهم، وأهمّها ما تعلّق بالمخاطر السياسية التي قد يواجهها الحكّام في عملية فرض التجنيد على مواطنيهم الممانعين، خاصّة اندلاع التمرّدات والثورات التي كانت هاجس جميع الملوك الأوروبيين في ذلك العصر. إضافة إلى المخاطر السياسية، كانت التكاليف المرتفعة لتجنيد الشعب عائقًا أيضًا حال دون ظهور الجيوش الشعبية، خاصّة أنّ معظم المواطنين لم يستوعب فكرة الموت في سبيل بضعة فرنكات، أو من أجل حاكم شرعيته متنازع عليها (من المنافسين المحليّين والخارجيّين). كانت المسألة برمّتها متعلّقة بالشرعية والتمويل. لكن الثورة الفرنسية حلّت هاتين المعضلتين للملوك؛ فأوّل مرّة سيقاتل الشعب من أجل الدولة (وليس الملك)، وأوّل مرّة أيضًا سيعمل المواطن جنديًا في جيش دائم وكامل التجهيز. وهكذا صار في إمكان الحكّام تعبئة الجيوش الشعبية تحت مبدأ القومية ودفعها إلى ساحة المعركة في سبيل الأمة. وبالتزامن مع العجز المتنامي لجيوش المرتزقة على تحمّل التكاليف والأعباء المتزايدة لتجهيز الحرب الممكننَة، فضلً عن مخاطر تمرّدهم على الحكّام المستأجِرين، دقّت الثورة الفرنسية ونابليون المسمار الأخير في نعش هذه القوات الجشعة، وأسّست الجيوش الدائمة والضخمة القائمة على التجنيد العام. ومنذ بداية القرن الخامس عشر فصاعدًا، تحرّك معظم الدول الأوروبية نحو خلق القوات المأجورة والمدعومة عبر القروض والضرائب. ساهمت الثورة العسكرية في تشكيل الدولة بثلاث طرائق غير مباشرة أيضًا، تسبّبت كلها في تغيير توازن القوى بين المركز والأطراف لمصلحة المركز عبر دعم التغيرات الاجتماعية الموالية لعملية المركزة. ساهم ظهور الأسلحة الجديدة والعقائد العسكرية الحديثة في القضاء على الأنساب الأرستقراطية التي طالما اعتبرت مؤهلّات اجتماعية للقيادة العسكرية، ولم تعد أساليب الحرب الجديدة متوافقة مع أسلوب الحياة القائمة على النبالة عندما تطلّبت الأسلحة الجديدة خشونة الفلّحين وعوام الشعب وصلابتهم. ولم يعد في مقدور الأمراء أو النبلاء (أو حتى المرتزقة) تحمّل تكاليف تجهيز الأسلحة باهظة الثمن؛ فعلى سبيل المثال، شكّل وصول المسدّس تحدّيًا كبيرًا لمكانة الطبقة الأرستقراطية التي كانت تعرّف نفسها بوصفها طبقة محاربة في الأساس، كما أنهى المكانة السياسية والاجتماعية الرفيعة للفارس عندما لم يعد القتال يتعلّق بالقدرات الشخصية، مثل المهارة والشجاعة والشرف، بل باختبار التنظيم السياسي والقوة المالية. كانت الثورة العسكرية عاملً حاسمًا في أعمال المؤرّخين وعلماء السياسة في تحديد توقيت ميلاد الدولة

(124) Ibid., pp. 82–83.

(((12 لمزيد من المعلومات عن التنظيم العسكري والتغير الاجتماعي، ينظر:

Stanislav Andreski, Military Organization and Society (Berkeley: University of California Press, 1968); M. S. Anderson, War and Society in Europe of the Old Regime, 1618–1789 (New York: St. Martin’s Press, 1988). (126) Poggi, pp. 66–67; Bean, p. 221. (127) Levy & Thompson, p. 137; Porter, p. 32.

القومية. هناك من رأى أنّ ميلادها ارتبط بانتصارات المشاة في القرن الثالث عشر، وهناك من أرجعها إلى ظهور الجيش الدائم في منتصف القرن الخامس عشر، وهناك من أرجعها إلى التحصين وحروب الحصار في القرن السادس عشر. على سبيل المثال، يعتقد جوزيف شتراير أنّ أصل الدولة يبدأ في حوالى عام 1300، ويحدّده ريتشارد بين بالمدة 1600–1400. أمّا تيلي، فيرى أنّ الفترة الحاسمة في صنع الدولة جاءت بعد عام 1500، وبالأخص بعد عام 1600. بينما يزعم آخرون أنّ الدول القومية الحقيقية لم تنشأ إلّ في القرن التاسع عشر، مع ظهور الجيوش الجماعية والتجنيد الشامل.

ب. الثورة في صناعة الخرائط

ساهم تطورٌّ إبداعي آخر مرتبط بالثورة العسكرية في ظهور الدولة القومية، وهو تطوّر صناعة الخرائط السياسية (أو الكارطوغرافيا). لم يكن هذا النوع من الخرائط موجودًا في العصر الإقطاعي، وكان الحكّام يستخدمون وسائل بدائية لتحديد الأقاليم التي يحكمونها، مثل القياس عبر الحبال، وحساب الزمن المستغرق بين المناطق، وتحديد التضاريس البارزة، مثل الجبال والأنهار، حدودًا فاصلة، وما إلى ذلك. باختصار، "رأى الحكّام عالمهم من ظهور الخيل". شهدت المدة 1650–1450 ما سُمّي "ثورة رسم الخرائط" في أوروبا، وقد ساهمت الابتكارات في مجال الطباعة والتوسّع في الأسواق التجارية للكتب، في انتشار الوسائل الهندسية الجديدة لتخطيط الخرائط ونشرها. ساعدت هذه الخرائط في تغيير الطرائق التي كان ينظر بها الحكّام إلى المساحة، حيث أعادت تعريفها بطريقة سمحت بإعادة تحديد الدولة باعتبارها كيانًا مكانيًا مجرّدًا، وساهمت في تطوير

معنى الحكم وأشكال معيّنة من التنظيم السياسي، وأمدّت الحكّام بأدوات جديدة لجمع المعلومات

حول شعوب الأقاليم التي يحكمونها. أضفت الخرائط بعدًا تقنيًا على السيادة، فتحوّلت الدولة من

"كيان اجتماعي يمتلك إقليمًا"، إلى "إقليم" في حدّ ذاته على حدّ تعبير بوجي.

(128) Hendrik Spruyt, "War and State Formation: Amending the Bellicist Theory of State Making," in: Kaspersen & Strandsbjerg (eds.), p. 82. (129) Strayer. (130) Bean. (131) Tilly, "War Making and State Making as Organized Crime," p. 170. (132) Barry Posen, "Nationalism, the Mass Army, and Military Power," International Security , vol. 18, no. 2 (1993), pp. 80–124. (133) Michael Biggs, "Putting the State on the Map: Cartography, Territory, and European State Formation," Comparative Studies in Society and History , vol. 41, no. 2 (April 1999), p. 377. (134) Jordan Branch, The Cartographic State: Maps, Territory, and the Origins of Sovereignty (Cambridge: Cambridge University Press, 2014), p. 6. (135) Jeppe Strandsbjerg, "The Space of State Formation," in: Kaspersen & Strandsbjerg (eds.), p. 139. (136) Branch, p. 5; Strandsbjerg, p. 139. (137) Strandsbjerg, p. 128; Biggs, p. 380. (138) Gianfranco Poggi, State: Its Nature, Development and Prospects (Oxford: Polity Press, 1990), p. 22.

كان الدافع الرئيس وراء ثورة الخرائط هو الحرب والتهديدات العسكرية. ظهرت أوّل خريطة أوروبية في عام 1495، بطلب من ملك فرنسا لأغراض عسكرية، وتطوّرت إبّان عهد فرانسوا الأول الذي

استخدمها في الحملات الإيطالية في مطلع القرن السادس عشر. كانت الخرائط أحد الابتكارات التقنية المساهمة في الثورة العسكرية؛ فهي اختصرت الكثير من الجهود البشرية والتكاليف المادية على الجيوش، وذلّلت العديد من المخاطر والتهديدات الجغرافية، وأعطت ميزة للمناورة والتضاريس، وطوّرت الأفكار والخطط العسكرية. وساهمت في زيادة أطماع الغزو والحملات الإمبريالية، وعزّزت

الوضع القائم بعد الحروب وأضفت الشرعية عليه. ساهمت الخرائط أيضًا في جباية الضرائب وإحصاء السكان وشقّ الطرق، وغيرها من الجهود التي سهّلت مساعي الحكّام لشنّ الحرب.

ج. الثورة الإدارية (البرقطة)

بلغت مركزة الدولة في القرن التاسع عشر أعلى مراحلها مع إطلاق الثورة الإدارية وإضفاء الطابع المهني على القطاع العسكري، حيث طوّرت الحكومات مؤسسات عسكرية دائمة لأوقات السلام تحت قيادة نخبة عسكرية محترفة مستقلة عن الأرستقراطية، وبرئاسة نظام أركان عامّة، ومدعومة عبر نظام الأكاديميات العسكرية. ساهمت هذه الثورة الإدارية بالشؤون العسكرية، إضافة إلى الثورة الموازية في المالية العامّة (خاصّة جباية الضرائب)، في توسّع بيروقراطية الدولة وإطلاق موجات من الإصلاح الإداري. كان فيبر من بين الأوائل الذين لاحظوا الجذور العسكرية للبيروقراطية عندما أشار في أحد نصوصه إلى أنّ "تعزيز البيروقراطية كان ناتجًا من الحاجات التي نشأت عن خلق الجيوش الدائمة والتطوّر الذي حدث في مجال الماليّات العامّة". واتّفق

مايكل مان مع فيبر في هذا الشأن، فأشار إلى أنّ "البيروقراطية دخلت إلى الدول أساسًا عبر قواتها المسلحة التي تبرقطت على نحو جيّد قبل الإدارات المدنية. وبحلول عام 1760، كانت

الإصلاحات العسكرية تؤثّر في الإدارة المدنية، خصوصًا في الأقسام المتعلقة بتجهيز القوات البحرية والأقسام الماليّة". أدّى التعقيد المؤسّسي، وكثافة الخدمات الناتجة من شن الحرب والتحضير لها، إلى زيادة الحاجة

إلى تطوير الهيئات المشرفة التي تكلّلت في النهاية بإنشاء إدارة المكاتب. تميّزت أوروبا قبل تطوير

البيروقراطية الحديثة بنمط الإدارة عبر الأعيان التي كانت تتميّز بالخدمة الشرفية وتحكمها العلاقات

الشخصية القائمة على العطف والإحسان الشخصي والامتنان. بقيت الإدارة عبر الأعيان خاضعة قرونًا عدّة لأهواء الملوك ورغباتهم، حيث كانوا يبيعون المناصب أو يهبونها إلى النبلاء والأعيان أو

(139) Biggs, p. 380. (140) J. B. Harley, "Reconstructing the Map," in: Trevor J. Barnes & James S. Duncan (eds.), Writing Worlds: Discourse, Text, and Metaphor in the Representation of Landscape (London: Routledge, 1992), p. 247. (141) Levy & Thompson, p. 141. (142) Weber, p. 972. (143) Mann, The Sources of Social Power , vol. 2, p. 445.

غيرهم ممّن يوالونهم (اشتهرت هذه الممارسة باسم المناصب المرتشية). تحوّلت المناصب إلى ملكية خاصّة، وجرى توريثها أو تحويلها إلى الأقارب أو الأتباع، وقُدّمت مهورًا أحيانًا. لكن، أزاح التفوّق التقني للتنظيم البيروقراطي الإدارة عبر الأعيان بسبب ميزات الدقة والسرعة ومعرفة الملفات والوحدة والتراتبية الصارمة وخفض الاحتكاك والتكاليف المادية والشخصية. ترتفع هذه المزايا إلى أقصى مستوياتها في الإدارة البيروقراطية. زادت الأعباء الإدارية وتعقيداتها من إضفاء الطابع التقني على البيروقراطية، حيث أدّت في القرنين السابع عشر والثامن عشر إلى فصل ملكية المنصب عن المستخدم وتبنّي نظام التعيين والترقية والعزل طبقًا لمعايير غير شخصية، وتنظيم أقسام متكاملة وممركزة، وإقرار تقسيم العمل الوظيفي والتدرج المركزي. أدّت هذه التطوّرات كلها إلى توسّع هائل في جهاز الدولة البيروقراطي، الذي دفع بدوره المسؤولين إلى العمل طبقًا لقواعد ثابتة: الدخول إلى الخدمة وساعات المداومة وتقسيم العمل وتدرّج المناصب وقواعد الوظيفة بصورة عامة. وأقرّ فريدريك الثاني (لكسر سيطرة طبقة النبلاء على التعيينات) امتحانات التوظيف في عام 1770، وتبعته بافاريا التي طوّرت في الربع الثالث من القرن الثامن عشر واحدة من أكثر الإدارات تقدّمًا في العالم. حدث نموّ البيروقراطية الأوروبية بسبب الحرب، أو نتيجةً للضغوط العسكرية. أرغمت الزيادة في حجم الجيوش والتحدّي التنظيمي للحرب الحديثة، الحكّام على عقلنة إدارة الدولة واستبدال أساليب الإدارة التقليدية والشخصية بالأساليب البيروقراطية الموضوعية. أدّت الإدارة البيروقراطية للجيوش إلى إنشاء وحدات عسكرية جديدة، مثل اللواء والفرقة والفيلق، وأسّست الخدمة العسكرية الدائمة (القائمة على التجنيد) التي عبّدت الطريق نحو الاحتراف العسكري، وزادت فاعلية الجيوش القتالية. أدّت متطلّبات الجيوش المالية إلى زيادة الفاعلية الإدارية في الجباية أيضًا (من خلال جمع المعلومات ومعالجتها حول الأفراد والمناطق وتخزينها وتصنيفها). وبحلول القرن الثامن عشر، لم تعد الجيوش الحديثة مث لً للانضباط العسكري فحسب، بل أصبحت نموذجًا يُحتذى به في التنظيم الإداري والبيروقراطي أيضًا.

(144) Van Creveld, pp. 131–132. (145) Weber, p. 973. (146) Mann, The Sources of Social Power , vol. 2, p. 444.

(((14 قدّم فان كريفلد مجموعة من الأرقام حول أمثلة التوسع البيروقراطي للدولة الحديثة، فعلى سبيل المثال، امتلكت فرنسا، التي

راوح عدد شعبها بين 18 و 20 مليون نسمة، ما يزيد على 12000 مسؤول في عام 1505، و 25000 في عام 1610، وربّما 50000 في

السنوات الأولى لحكم لويس الرابع عشر. وكانت أهمّ سمة في نموّ عدد المسؤولين هي ارتفاع كمّية العمل الكتابي نتيجة لاختراع

المطبعة؛ ففي عام 1580 دام تحقيق واحد في شؤون حاكم ملكي ثلاث عشرة سنة، واستهلك 49545 ورقة. أمّا بافاريا، فقد أصبحت

في عام 1771 أول بلاد حديثة أجرت إحصاءً شاملً للسكان، على الرغم من إجرائه على نحو مفكك واستغراقه عشرة أعوام للاكتمال.

يستنتج كريفلد من خلال أرقامه أنّ "عصر البيروقراطية الحديثة حلّ بالفعل". ينظر: Van Creveld, p. 513.

(148) Porter, pp. 13–14.

د. عسكرة الاقتصاد وصعود الدولة الجماهيرية

بينما كان القرنان السادس عشر والسابع عشر الحقبة الذهبية لمركزة الدولة القومية، كان القرن التاسع عشر حقبة التغيير الاقتصادي السريع الناتج من الثورة الصناعية، وهو التغيير الذي ساهم في زيادة قوّة الدولة. شهدت هذه الفترة زيادة مثيرة في الإنفاق على القطاع العام وتوسّع المالية العامّة، وهو ما حفّز الحكومات لبناء إدارات كبيرة ومتخصّصة، وتمويل نفقات البنى التحتية، مثل الطرق والموانئ والقنوات وسكك الحديد والمدارس، حيث زادت ميزانية التعليم العام في فرنسا وحدها مئة مرّة بين

عامي 1830 و 1905. كانت أهمّ سمة لهذه الحقبة هي بداية تسخير المنتوج الاقتصادي للعمل الحربي، وهي العملية التي بلغت أوجها في الاقتصاد العسكري في المدة بين نهاية القرن التاسع عشر والحربين العالميتين في القرن العشرين. تُعدُّ هذه المدة مدخلً للدولة الجماهيرية التي حفّزتها الحرب الصناعية، والتي تتميّز بالتدخّل الحكومي الواسع في الاقتصاد، والمشاركة الجماعية في السياسة

(السياسة الجماهيرية) ومسؤولية الدولة المباشرة عن رفاهية مواطنيها. لخّصها بورتر كالآتي: "جيوش أكبر، حرب أكبر، دول أقوى". استمر المثلّث الحديدي الذي تحدّث عنه أنصار النظرية العدوانية (الضرائب والأسلحة والبيروقراطية) في تحديد شكل الدولة حتى منتصف القرن العشرين. كانت الحرب دائمًا حاضرة في أضلاع هذا المثلّث: "فالحاجة إلى شن الحرب دفعت الحكّام إلى تجميع رؤوس الأموال لتمويل البيروقراطية، وقامت البيروقراطية تباعًا باستخراج المزيد من رؤوس الأموال، وقد ساعد ذلك في شراء الجيوش وتحديثها، وهو ما جعل الحروب أكثر احتم لً. دفعت كلّ حرب هذه الحلقة إلى مستوى جديد من الدمار ومستويات عالية من تراكم القوة". في ختام هذا المبحث، يمكن تلخيص مراحل تشكّل الدولة الأوروبية الحديثة ونموّها كالآتي: أولً، مرحلة التأسيس في العصور الوسطى، وهي المرحلة التي تمتدّ من انهيار الإمبراطورية الكارولينجية وتأسيس الكيانات الإقطاعية إلى القرن الرابع عشر، وتميزّت بلامركزية السلطة وتشتّتها بسبب التنازع بين الحكام والمنافسين المحليّين، وقدرة الدولة الضعيفة على الاستخراج بسبب التخلّف البيروقراطي

(الإدارة عبر الأعيان) والشرعية المتدنية بسبب الطابع الشخصي للسياسة؛ ثانيًا، مرحلة المركزة،

وتمتدّ حتى القرن السادس عشر، وتتميّز بتحقيق الاحتكار السلطوي للإكراه، وتطوير قدرة الدولة

على الاستخراج وتوسيع الجهاز البيروقراطي؛ ثالثًا، مرحلة بناء الأمة، وتمتدّ حتى القرن التاسع عشر، وتتميّز بظهور القومية والأيديولوجيا الشعبية وإرساء الشرعية والسياسة الجماهيرية وعسكرة الاقتصاد؛

أما المرحلة الأخيرة، فتمتدّ حتى وقتنا الحاضر، وتمثّلها الدولة القومية بوصفها نموذجًا للتنظيم

(149) Youssef Cohen, Brian R. Brown & A. F. K. Organski, "The Paradoxical Nature of State Making: The Violent Creation of Order," The American Political Science Review , vol. 75, no. 4 (December 1981), p. 902. (150) Ardant, p. 219. (151) Porter, pp. 8, 37. (152) Ibid., p. 58.

السياسي والاجتماعي، أو ما يسمّى الدولة الجماهيرية التي توفّر الرفاه واقتصاد الخدمات، ولديها

درجة عالية من الاندماج في الاقتصاد العالمي.

خاتمة واستنتاجات

تناولنا في هذه الدراسة العلاقة بين الحرب وتشكّل الدولة في النظرية العدوانية للدولة، وقد بدأنا بطرحٍ مفاده أنّ هذه النظرية يمكنها أن تقدّم تفسيرات أقوى من السوسيولوجيا التاريخية العامّة إذا حدّدت

بدقّة المتغيرات المتدخّلة الأساسية التي تستخدمها في آلياتها السببية. لذلك اقترحنا طريقة للقيام بذلك من خلال ادّعاء وجود ثلاثة متغيرات متدخّلة أساسية، تنجز معظم العمل التفسيري في النظرية العدوانية، وهي الاستخراج الضريبي والمركزة والبرقطة. ولإثبات صحّة هذا الادّعاء، قمنا باشتقاق أربع

فرضيات قابلة للاختبار من النظرية العدوانية لفحص مدى التأثير الذي تمارسه ضغوط الحرب في عملية تشكّل الدولة عبر توسّط العوامل المذكورة سابقًا. قمنا باختبار هذه الفرضيات على دراسة حالة

مختارة من تاريخ تشكّل الدولة في التجربة الأوروبية في المدة.1800–1300 وجدنا دعمًا قويًا في دراسة الحالة للفرضيات الأربع. تزامنت ضغوط الحرب مع ارتفاع معدلّات

الاستخراج الضريبي في معظم فترات التاريخ المدروس. وكان نجاح الحكّام في جباية الضريبة مشروطًا باحتكارهم وسائل العنف المادي داخل الأقاليم الخاضعة لهم، واستخدموا ذلك الاحتكار للقضاء على مقاومة الضريبة ومكافحة تمرداتها، إضافة إلى تنصيب أنفسهم المستلمين الحصريّين

لعائداتها. هنا أيضًا وجدنا أدلّة تاريخية تؤكّد الدور الذي مارسته ضغوط الحرب في نجاح محاولات الحكّام احتكار السلطة ووسائل العنف المادي في الدول التي كانت في طور التشكّل. وجدت الفرضية الثالثة دعمًا كبيرًا أيضًا. فبينما زاد تركيز السلطة في الدول المركزية، زادت معها

الإيرادات الضريبية، ودفع كلاهما الكيانات السياسية نحو تطوير الهياكل الإدارية القادرة على الإحصاء وتوسيعها وتصنيف المعلومات وإنشاء السجلات وحفظها. زيادة على ذلك، أثّر تطوّر البنى

البيروقراطية على نحو كبير في تطوير التنظيمات العسكرية وساهم في ظهور الاحتراف العسكري. تلقّت الفرضية الرابعة دعمًا تاريخيًا قويًا أيضًا في دراسة الحالة. تحت ضغوط الحرب، ساهمت

عائدات الضرائب في توسيع الهياكل الإدارية، وكلاهما ساهم في نجاح الحكام في احتكار السلطة. عندما بلغ هذا الاحتكار أوجه في القرن السادس عشر، سهّل عملية جباية الضرائب، فزادت تلك العائدات من توسّع الجهاز البيروقراطي. حدثت هذه الدورة تحت ضغوط الحرب والاستعداد لها. بصورة عامة، وجدنا دعمًا تاريخيًا مهم ا للفرضيات النظرية كلها، إضافة إلى الفرضية الرئيسة للنظرية

العدوانية: أنّ الحرب صنعت الدولة. ويجب التوضيح في ختام الدراسة أنّ الآلية السببية للنظرية العدوانية لا تقتصر على المتغيرات الثلاثة المذكورة في هذه الدراسة فحسب. نحن ركّزنا في نموذجنا على ما اعتبرناه أهمّها وأشدّها تأثيرًا في النتيجة. لكن ذلك لا يعني أنّه يجب عليها أن تكون المتغيرات

المتدخّلة الوحيدة في النظرية. يمكن الباحثين افتراض متغيرات متدخّلة أخرى، لكن ذلك سيجعل النظرية وآليتها السببية، أقل تحديدًا، وأشد صعوبة للدحض.

في الختام يجب أن نوضح أنّ الدراسة لا تحمل أيّ ادّعاء بإمكانية انطباق فرضيات النظرية العدوانية على

تجارب صنع الدولة في مناطق أخرى، على الرغم من أنّ العديد من البحوث التي أجريت على أفريقيا وأميركا الجنوبية وشرق آسيا وجنوب شرقها، أثبتت انطباق الآليات التيلية على تلك المناطق. وعلى أيّ حال، فإنّ دور الحرب في تشكّل الدولة في مناطق خارج أوروبا متنازع عليه، وهو مسألة إمبريقية

صرفة، ولا يمكن الجزم بانطباق "جميع" الآليات السببية التي ميّزت تجربة صنع الدولة الأوروبية على

مناطق أخرى، من دون إجراء بحوث تاريخية معمّقة لأصل الدولة في تلك المناطق. لكن يبقى هناك

احتمال أن يعمل "بعض" تلك الآليات في ظروف سياقية تاريخية محدّدة، وفي هذه الحالة، يمكن الاستفادة من صندوق الأدوات التحليلي للنظرية العدوانية لتوفير أدوات مفاهيمية مناسبة لفهم تشكّل الدولة خارج المنطقة الأوروبية.

المراجع

References

العربية

قوجيلي، سيد أحمد. "ما  قلّ ودل: مبدأ الشح والنزعة الميثودية في البحوث السياسية". سياسات عربية. العدد  41 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2019

الأجنبية

Abrams, Philip.  Historical Sociology. New York: Cornell University Press, 1982. Ames, Edward & Richard T. Rapp. "The Birth and Death of Taxes: A Hypothesis." The Journal of Economic History. vol. 37, no. 1 (March 1977). Anderson, M. S. War and Society in Europe of the Old Regime, 1618–1789. New York: St. Martin’s Press, 1988. Andreski, Stanislav. Military Organization and Society. Berkeley: University of California Press, 1968. Barnes, Trevor J. & James S. Duncan (eds.). Writing Worlds: Discourse, Text, and Metaphor in the Representation of Landscape. London: Routledge, 1992. Batchfelder, Ronald & Herman Freudenberger. "On the Rational Origins of the Modern Centralized State." Explorations in Economic History. vol. 20, no. 1 (1983). Bean, Richard. "War and the Birth of the Nation State." The Journal of Economic History. vol. 33, no. 1 (March 1973).

(153) Herbst; Andrew Kirby & Michael D. Ward, "Modernity and the Process of State Formation: An Examination of 20th Century Africa," International Interactions , vol. 17, no. 1 (1991), pp. 113–126; Miguel Angel Centeno, Blood and Debt: War and the Nation–State in Latin America (Pennsylvania: Pennsylvania University Press, 2002); Richard Stubbs, "War and Economic Development: Export–Oriented Industrialization in East and Southeast Asia," Comparative Politics , vol. 31, no. 3 (1999), pp. 337–355; Emizet F. Kisangani & Jeffrey Pickering, "Rebels, Rivals, and Post–colonial State– Building: Identifying Bellicist Influences on State Extractive Capability," International Studies Quarterly , vol. 58, no. 1 (2014), pp. 187–198. (154) Dietrich Jung, "War and State in the Middle East: Reassessing Charles Tilly in a Regional Context," in: Kaspersen & Jeppe (eds.), p. 223.

Bendix, Reinhard. Kings or People: Power and the Mandate to Rule. Berkeley: University of California Press, 1978. Bhambra, Gurminder K. "Relations of Extraction, Relations of Redistribution: Empire, Nation, and the Construction of the British Welfare State." The British Journal of Sociology. vol. 73, no. 1 (2022). Biggs, Michael. "Putting the State on the Map: Cartography, Territory, and European State Formation." Comparative Studies in Society and History. vol. 41, no. 2 (April

Black, Jeremy. A Military Revolution? Military Change and European Society 1550– 1800. London: Macmillan Press, 1991. Boardman, John et al. (eds.). The Cambridge Ancient History , vol. 3, part 2: The Assyrian and Babylonian Empires and Other States of the Near East. Cambridge: Cambridge University Press, 1991. Bonney, Richard. The Rise of the Fiscal State in Europe, C.1200–1815. Oxford: Oxford University Press, 1999. Branch, Jordan. The Cartographic State: Maps, Territory, and the Origins of Sovereignty. Cambridge: Cambridge University Press, 2014. Brewer, John. The Sinews of Power: War, Money and the English State, 1688–1783. London: Unwin Hyman, 1989. Cammack, Paul. "Review Article: Bringing the State Back In?" British Journal of Political Science. vol. 19, no. 2 (1989). Castañeda, Ernesto & Cathy Lisa Schneider (eds.). Collective Violence, Contentious Politics, and Social Change: A Charles Tilly Reader. New York: Routledge, 2017. Cederman, Lars–Erik et al. "War Did Make States: Revisiting the Bellicist Paradigm in Early Modern Europe." International Organization. vol. 77, no. 2 (Spring 2023). Centeno, Miguel Angel. Blood and Debt: War and the Nation–State in Latin America. Pennsylvania: Pennsylvania University Press, 2002. Claessen, Henri J. M. & Peter Skalník (eds.). The Early State. The Hague: Mouton Publishers, 1978. Clements, Kevin P. "Towards a Radical Comparative Sociology: Or Whatever Happened to the Committee on Comparative Politics?" Political Science. vol. 27, no. 1–2 (July– December 1975). Cohen, Youssef, Brian R. Brown & A. F. K. Organski. "The Paradoxical Nature of State Making: The Violent Creation of Order." The American Political Science Review. vol. 75, no. 4 (December 1981). DeLancey, Craig. "Does a Parsimony Principle Entail a Simple World?" Metaphysica. vol. 12, no. 2 (2011). Delanty, Gerard & Engin F. Isin (eds.). Handbook of Historical Sociology. Thousand Oaks, CA: SAGE Publications, 2003.

Downing, Brian M. The Military Revolution and Political Change: Origins of Democracy and Autocracy in Early Modern Europe. Princeton: Princeton University Press, 1992. Eisenstadt, S. N. The Political Systems of Empires: The Rise and Fall of the Historical Bureaucratic Societies. New York: Free Press, 1969. Elias, Norbert. The Civilizing Process: State Formation and Civilization. Hoboken, NJ: Wiley–Blackwell, 2000. Evans, Peter B., Dietrich Rueschemeyer & Theda Skocpol (eds.). Bringing the State Back In. Cambridge: Cambridge University Press, 1985. Fazal, Tanisha M. State Death: The Politics and Geography of Conquest, Occupation, and Annexation. Princeton: Princeton University Press, 2007. Feinstein, Yuval & Andreas Wimmer. "Consent and Legitimacy: A Revised Bellicose Theory of State–Building with Evidence from around the World, 1500–2000." World Politics. vol. 75, no. 1 (January 2023). Foucault, Michel. Surveiller et punir: Naissance de la prison. Paris: Gallimard, 1975. Gellner, Ernest. Nations and Nationalism. Hoboken, NJ: Blackwell Publishers, 1983. George, Alexander & Andrew Bennett. Case Studies and Theory Development in the Social Sciences. Cambridge, MA: MIT Press, 2004. Giddens, Anthony. The Nation–State and Violence. vol. II: of A Contemporary Critique of Historical Materialism. Cambridge: Polity Press, 1985. Gilbert, Felix (ed.). The Historical Essays of Otto Hintze. New York: Oxford University Press, 1975. Gilpin, Robert G. War and Change in World Politics. New York: Cambridge University Press, 1981. Goenaga, Agustín, Oriol Sabaté & Jan Teorell. "The State Does Not Live by Warfare Alone: War and Revenue in the Long Nineteenth Century." The Review of International Organizations. vol. 18 (2023). Grynaviski, Eric & Sverrir Steinsson. "Wisdom Is Welcome Wherever It Comes From: War, Diffusion, and State Formation in Scandinavia." International Organization. vol. 77, no. 2 (Spring 2023). Hall, John A. Powers and Liberties. Harmondsworth: Penguin, 1986. Herbst, Jeffrey. "War and the State in Africa." International Security. vol. 14, no. 4 (Spring 1990). Jessop, Bob. State Theory. Cambridge: Polity, 1990. Kaspersen, Lars Bo & Jeppe Strandsbjerg (eds.). Does War Make States? Investigations of Charles Tilly’s Historical Sociology. Cambridge: Cambridge University Press, 2017. Kaspersen, Lars Bo & Jeppe Strandsbjerg (eds.). Does War Make States? Investigations of Charles Tilly’s Historical Sociology. Cambridge: Cambridge University Press, 2017.

Kaspersen, Lars Bo & Jeppe Strandsbjerg (eds.). Does War Make States? Investigations of Charles Tilly’s Historical Sociology. Cambridge: Cambridge University Press, 2017. Keohan, Robert O. (ed.). Neorealism and Its Critics. New York: Columbia University Press, 1986. King, Gary, Robert O. Keohane & Sidney Verba. Designing Social Inquiry. Princeton: Princeton University Press,1994. Kirby, Andrew & Michael D. Ward. "Modernity and the Process of State Formation: An Examination of 20th Century Africa." International Interactions. vol. 17, no. 1 (1991). Kisangani, Emizet F. & Jeffrey Pickering. "Rebels, Rivals, and Post–colonial State– Building: Identifying Bellicist Influences on State Extractive Capability." International Studies Quarterly. vol. 58, no. 1 (2014). Lachmann, Richard. What is Historical Sociology? Cambridge: Polity, 2013. Lakatos, Imre. The Methodology of Scientific Research Programmes. Philosophical Papers. John Worrall & Gregory Currie (eds.). Cambridge: Cambridge University Press,1978. Lanham, María J. Funes (ed.). Regarding Tilly: Conflict, Power, and Collective Action. Lanham: University Press of America, 2016. Levi, Margaret. of Rule and Revenue. Berkeley: University of California Press, 1988. Levy, Jack S. & William R. Thompson. The Arc of War: Origins, Escalation, and Transformation. Chicago: The University of Chicago Press, 2011. Lichbach, Mark Ivring & Alan S. Zuckerman (eds.). Comparative Politics: Rationality, Culture, and Structure. 2 nd ed. Cambridge: Cambridge University Press, 2009. Maclver, R. M. The Modern State. Oxford: Oxford University Press, 1926. Mann, Karl Fritz. "The Sociology of Taxation." The Review of Politics. vol. 5, no. 2

Mann, Michael. The Sources of Social Power. vol. 1: A History of Power from the Beginning to A.D. 176O. Cambridge: Cambridge University Press, 1986. ________. States, War and Capitalism: Studies in Political Sociology. Oxford: Blackwell Publishers, 1988. ________. The Sources of Social Power. vol. 2: The Rise of Classes and Nation–states, 1760–1914. Cambridge: Cambridge University Press, 1993. Mastanduno, Michael, David A. Lake & John G. Ikenberry. "Toward a Realist Theory of State Action." International Studies Quarterly. vol. 33, no. 4 (1989). McNeill, William H. The Pursuit of Power: Technology, Armed Force, and Society since A.D 1000. Chicago: The University of Chicago Press,1982. Michael Barnett, Confronting the Costs of War: Military Power, State, and Society in Egypt and Israel. Princeton: Princeton University Press, 1992. Migdal, Joel S. Strong Societies and Weak States: State–Society Relations and State Capabilities in Third World. Princeton: Princeton University Press,1988.

Musgrave, Richard A. & Alan T. Peacock (eds.). Classics in the Theory of Public Finance. New York: Macmillan, 1958. Navari, Cornelia (ed.). The Condition of States. Milton Keynes: Open University Press,1991. Nordlinger, Eric A. "The Return to the State: Critiques." American Political Science Review. vol. 82, no. 3 (1988). Parker, Geoffrey & Lesley M. Smith. The General Crisis of the Seventeenth Century. London: Routledge, 1978. Parker, Geoffrey. "The 'Military Revolution,' 1560–1660: A Myth?" The Journal of Modern History. vol. 48, no. 2 (1976). ________. The Military Revolution: Military Innovation and the Rise of the West, 1500–1800. Cambridge: Cambridge University Press, 1988. ________. State: Its Nature, Development and Prospects. Oxford: Polity Press, 1990. Poggi, Gianfranco. The Development of The Modern State: A Sociological Introduction. Stanford: Stanford University Press, 1978. Porter, Bruce D. War and the Rise of the State: The Military Foundations of Modern Politics. New York: Free Press, 1994. Posen, Barry. "Nationalism, the Mass Army, and Military Power." International Security. vol. 18, no. 2 (1993). Putnam, Robert. Making Democracy Work: Civic Traditions in Modern Italy. Princeton: Princeton University Press, 1993. Quine, W. V. The Ways of Paradox and Other Essays. New York: Random House,

Rasler, Karen A. & William R. Thompson. "War Making and State Making: Governmental Expenditures, Tax Revenues, and Global Wars." The American Political Science Review. vol. 79, no. 2 (1985). ________. War and State Making: The Shaping of Global Powers. London: Unwin Hyman, 1989. Roberts, M. The Military Revolution, 1560–1660: An Inaugural Lecture Delivered Before the Queen’s University of Belfast. Belfast: M. Boyd, 1956. Schenoni, Luis L. "Bringing War Back In: Victory and State Formation in Latin America." American Journal of Political Science. vol. 65, no. 2 (2021). Scholte, Jan Aart. International Relations of Social Change. Milton Keynes: Open University Press, 1993. Service, Elman R. Origins of the State and Civilization. New York: Norton, 1975. Skocpol, Theda. "France, Russia, China: A Structural Analysis of Social Revolutions." Comparative Studies in Society and History. vol. 18, no. 2 (April 1976). ________. States and Social Revolutions: A Comparative Analysis of France, Russia, and China. Cambridge: Cambridge University Press, 1979.

Sørensen, Georg. "War and State–Making: Why Doesn’t it Work in the Third World?" Security Dialogue. vol. 32, no. 3 (2001). Spruyt, Hendrik. The Sovereign State and Its Competitors. Princeton: Princeton University Press, 1994. Stone, Lawrence. The Crisis of the Aristocracy, 1558–1641. Oxford: Clarendon Press,

Strayer, Joseph R. On the Medieval Origins of the Modern State. Princeton: Princeton University Press, 1970. Stubbs, Richard. "War and Economic Development: Export–Oriented Industrialization in East and Southeast Asia." Comparative Politics. vol. 31, no. 3 (1999). Swedberg, Richard (ed.). The Economics and Sociology of Capitalism. Princeton: Princeton University Press, 1991 [1918]. Tallett, Frank & D. J. B. Trim (eds.). European Warfare, 1350–1750. Cambridge: Cambridge University Press, 2010. Tallett, Frank. War and Society in Early–modern Europe, 1495–1715. London: Routledge, 1992. Thies, Cameron G. "State Building, Interstate and Intrastate Rivalry: A Study of Post– Colonial Developing Country Extractive Efforts, 1975–2000." International Studies Quarterly. vol. 48, no. 1 (March 2004). ________. "Domestic Processes, External Threats, and Latin American State–Building: From Comparative Historical Analysis to Comparative Hypothesis Testing." Journal of Historical Political Economy. vol. 2, no. 1 (2022). Thomson, Janice E. Mercenaries, Pirates, and Sovereigns: State–Building and Extraterritorial Violence in Early Modern Europe. Princeton: Princeton University Press, 1994. Tilly, Charles (ed.). The Formation of National States in Western Europe. Princeton: Princeton University Press, 1975. ________. Coercion, Capital, and European States, AD 990–1990. Cambridge, MA: Basil Blackwell, 1990. Van Creveld, Martin. The Rise and Decline of the State. Cambridge: Cambridge University Press, 1999. Waltz, Kenneth N. Theory of International Politics. Reading: Addison–Wesley, 1979. Watts, John. The Making of Polities: Europe, 1300–1500. Cambridge: Cambridge University Press, 2009. Weber, Max. Economy and Society. Guenther Roth & Claus Wittich (eds.). Berkeley: University of California Press, 1978. Weiner, Myron & Samuel P. Huntington (eds.). Understanding Political Development. New York: Harper Colins, 1987. Young, Laura D. "Testing Tilly: Does War Really Make States?" Social Evolution & History. vol. 21, no. 1 (March 2022).