Return to Article Details Social Movements and Protests in Morocco in the Arab Revolution Context: The Dynamics of Identity and the Transformation of Authoritarianism

الحركات الاجتماعية والاحتجاجات المغربية في سياق الثورات العربية: ديناميات الهوية وتحولات السلطوية

Social Movements and Protests in Morocco in the Arab Revolution Context: The Dynamics of Identity and the Transformation of Authoritarianism

عز  الدين الفراع *

وكارولين بربري **

(188)(189) Azzeddine El Faraa & Caroline Barbary

الملخّص

تقدم هذه الدراسة مقاربة لتحليل ديناميات الحركات الاجتماعية والاحتجاجات في الأزمنة الثورية، اعتمادًا على التنظيرات السوسيولوجية النقدية من جهة، والدراسة الطولية لسير بعض النشطاء المغاربة الذين شاركوا في الاحتجاجات الناتجة من هذه الحركات، من جهة أخرى. من خلال قراءات تركيبية في عيّنة من هذه التنظيرات، وبناءً على مقابلات سيرية مع نشطاء شباب انخرطوا في حركة 20 فبراير 2011 وحراك الريف. تحاجّ الدراسة بأن الاحتجاجات الاجتماعية في المغرب لا تنفصل عن الثورات المتواصلة التي تشكّلت بهدف تغيير بنى سلطوية متحوّلة، وأبرزت كيفية تفاعل وتقاطع بعض الحركات الاجتماعية والحراكات الاحتجاجية المغربية مع الصيرورة الثورية التي تعيشها المنطقة العربية، من خلال التركيز على دور الهوية وتحولات السلطوية. وتبين الدراسة أوجه التشابه والاختلاف بين بعض الحركات الاجتماعية والاحتجاجات التي عرفها المغرب، إبان الثورات العربية، بموجتَيها الأولى والثانية.

Abstract

Abstract: This study proposes an approach to analyzing the dynamic of social and protest movements in the revolution context of the Arab region, based on a back–and–forth examination of sociological theories from the Global South that have accompanied recent revolutions and social movements in this region. It also undertakes an in–depth longitudinal study of the trajectories of Moroccan activists involved in the demonstrations arising from these events. By utilizing a discerning selection of critical readings of these theories and conducting interviews

الكلمات المفتاحية:
  • الثورة
  • الحركات الاجتماعية
  • الاحتجاج
  • الهوية
  • السلطوية
Keywords:
  • Revolution
  • Social Movements
  • Protest
  • Identity
  • Authoritarianism

عز  الدين الفراع * وكارولين بربري **

Social Movements and Protests in Morocco in

the Arab Revolution Context: The Dynamics

of Identity and the Transformation of

Authoritarianism

ملخص: تقدم هذه الدراسة مقاربة لتحليل ديناميات الحركات الاجتماعية والاحتجاجات في

الأزمنة الثورية، اعتمادًا على التنظيرات السوسيولوجية النقدية من جهة، والدراسة الطولية

لسير بعض النشطاء المغاربة الذين شار وكا في الاحتجاجات الناتجة من هذه الحركات،

من جهة أخرى. من خلال قراءات تركيبية في عّي نة من هذه التنظيرات، وبناءً على مقابلات

سيرية مع نشطاء شباب انخرطوا في حركة 20 فبراير 2011 وحراك الريف، تحاجّ الدراسة

بأن الاحتجاجات الاجتماعية في المغرب لا  تنفصل عن الثورات المتواصلة التي تشكّلت

بهدف تغيير بنى سلطوية متحوّلة، وتبرز كيفية تفاعل وتقاطع بعض الحركات الاجتماعية

والحراكات الاحتجاجية المغربية مع الصيرورة الثورية التي تعيشها المنطقة العربية، من

خلال التركيز على دور الهوية وتحولات السلطوية. وتبين أوجه التشابه والاختلاف بين

بعض الحركات الاجتماعية والاحتجاجات التي عرفها المغرب، إبان الثورات العربية،

بموجتَيها الأولى والثانية.

Researcher who received his PhD in Sociology from the Sidi Mohamed Ben Abdellah University in Fez, Morocco (Corresponding Author). Email: azzeddine.elfaraa@usmba.ac.ma

A postdoctoral fellow at the Research Institute for Development in Paris. Email: carolinabarbary@gmail.com

with youth actively participating in the movements of February 20 th and Hirak Rif, the study illuminates the interaction and interplay between certain social and protest movements in Morocco and the revolutions that have rocked the Arab region. It specifically focuses on the themes of identity and the transformation of authoritarianism. It also highlights the similarities and differences between these social and protest movements in the context of the two waves of Arab revolution.

"إن التحليل التاريخي المقارن هو أسلوب التحليل متعدد المتغيرات الذي نلجأ إليه حين توجد متغيرات كثيرة جدًا وعدد لا يكفي من الحالات".

مقدمة

طرحت الثورات العربية بعض المفارقات وجملة من التحديات التي لم تتناولها العديد من أدبيات السوسيولوجيا السياسية. ذلك أنها اقترنت في المجمل بتراجع مفعول الهويات المذهبية وبمحاولات التحرر من الانتماءات القبلية والعرقية والإثنية، والتركيز بدل من ذلك على المطالبة بالحريات الفردية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والتقسيم العادل للثروات الوطنية. وفي مقابل ذلك، أعادت بعض الحركات الاحتجاجية الاجتماعية المناطقية التي رافقت هذه الثورات إلى الواجهة قضايا الهوية والذاكرة الجمعية والاعتراف والإنصاف والمصالحة التاريخية، في سياقات تصاعدت فيها النزاعات السياسية بين الأنظمة السلطوية العربية. وتميزت الحركات الاحتجاجية الشعبية، التي شهدتها مجتمعات المنطقة منذ عام 2011، بالت ونع والشمولية؛ إذ جمعت بين الأفراد والجماعات من أطياف سياسية مت ونعة وخلفيات اجتماعية مختلفة. ووفقًا لتفسير ميشيل دوبري، فإن تقليص الهويات إلى بعد واحد Unidimensionnalisation هو إحدى سمات الأزمات السياسية؛ حيث تؤدي الفترات المضطربة إلى طمس الهويات السياسية والعرقية والدينية، وتساهم في خلق مساحات للتحدي وشبكات للتعبير عن الغضب والأمل والسخط على نحو يسمح للفاعلين وال كولاء على حد سواء بتجاوز انتماءاتهم السياسية والاجتماعية التقليدية. يتطلب فهم هذه المفارقات استحضار التقابل بين اللحظة القصيرة للحدث والزمن الطويل للعملية الثورية، حيث تتعمق الذاتية في مسارات الفاعلين الفردية والجماعية مع مرور الوقت. وبدلمن محاولة ا تقديم نظرية عامة حول الثورات أو الحركات الاجتماعية، سيكون من المفيد أن نسلك المسار الذي وضعه جيل دولوز، والذي يقوم على الابتعاد عن التصور التقليدي للتاريخ والثورة من أجل إبراز الصيرورة

(((ثيدا سك كوبول، الدول والثورات الاجتماعية: دراسة مقارنة بين فرنسا وروسيا والصين، ترجمة نبيل الخشن (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)، ص.77

(2) Michel Dobry, Sociologie des crises politiques: La dynamique des mobilisations multisectorielles (Paris: Presses de Sciences Po, 2009). (3) Sarah Ben Néfissa & Aliaa Saraya, "Le temps de l’événement et le temps des processus," Revue Tiers Monde , vol. 2, no. 222 (2015), pp. 9–12

الثورية. تسمح هذه المقاربة بتحرير التحليل من مفهوم الفشل المتكرر للثورة، من خلال التركيز على التحركات الشبابية وتحليل التجارب الذاتية وديناميات الهوية في الحركات الاجتماعية والاحتجاجات المغربية، كحركة 20 فبراير وحراك الريف. فالتمييز الذي أقامه دولوز بين الثورة والصيرورة الثورية يدعونا إلى إعادة تصوير مفهوم الثورة، باعتبارها عملية دينامية ومتعددة تولد انقطاعات وتحولات مستمرة على مختلف المستويات: المحلية والعالمية، الذاتية والجماعية. وعلاوة على ذلك، تفتح هذه النظرة آفاقًا جديدة لتحليل الحركات الثورية، من خلال الاعتراف بتنوّعها وتعقيداتها وقدرتها على التحول والمقاومة وفقًا للسياقات المتغيرة باستمرار، بما في ذلك السياقات السلطوية التي تعرف أزمة حقيقية نتيجة الموجتين الأولى والثانية من الثورات العربية. فإذا كانت السلطوية بمنزلة شكل من أشكال الحكم يمارس من خلال التوافقات التي تجري في الظل عبر الإقناع والإكراه، وتستمد شرعيتها من التراث وأيديولوجيا التحديث والقوة العسكرية والأمنية وحشد قوة مجتمعية بهدف ترسيخ هذه الشرعية، فإنها قد تحولت من سلطوية قديمة قائمة على القمع إلى سلطوية جديدة مؤسسة على التدبير. وتتعرض للتأزيم بفعل الاحتجاجات الاجتماعية والثورات المدنية والسياسيةالتي أشعل فتيلها شباب المنطقة العربية وشاباتها، بمن فيهم شباب المغرب. تؤكد بعض الأبحاث الاجتماعية والدراسات السياسية، التي اهتمت بالحالة الجزائرية بوصفها حالة قريبة استحضرنا مسألة السلطوية وسردية الاستثناء التي جرى تدويلها في سياق  من الحالة المغربية – إذا ما الموجة الأولى من الثورات العربية – أن الثانية قد دخلت الموجة الثانية من انتفاضات "الربيع العربي" عبر بوابة الحراك الشعبي الذي شهدته منطقة الريف. يقع حراك الريف، الذي تشَّكَل في أعقاب واقعة طحن بائع السمك الشاب محسن فكري في مدينة الحسيمة في حاوية أزبال، بين حركتين احتجاجيتين مغربيتين مختلفتين على مستوى المسار والمصير: حركة 20 فبراير من جهة، وحراك المقاطعة الذي لم ينل نصيبه الكافي من التحليل السوسيولوجي، من جهة أخرى. انطلاقًا من تحقيقات ميدانية اعتمدت على تقنيات منهجية كيفية كالملاحظة بالمشاركة، ومن خلال المقابلات السيرية مع شباب انخرطوا في حركة 20 فبراير

(4) Gilles Deleuze, "Du devenir révolutionnaire: L’abécédaire de Gilles Deleuze," Kiosquenet , accessed on 30/7/2023, at: https://bit.ly/3OAyhW8 (5) Vollaire Christiane et al., "Devenirs révolutionnaires," Chimères , vol. 2, no. 83 (2014), pp. 7–11.

(((عبد  الله حمودي، ماقبل الحداثة: اجتهادات في تصور علوم اجتماعية عربية (الدار  البيضاء: دار توبقال للنشر، 2022)، ص 59، (((عبد ال ونر بن  عنتر، "الحراك الجزائري، سرديات وسرديات مضادة"، سياسات عربية، مج  10، العدد 55 (آذار/ مارس 2022)، ص 9، 10؛ محمد حمشي وعبد ال ونر بن عنتر، "حراك 22 فبراير 2019 وانتفاضات الربيع العربي: حدود سردية الاستثناء الجزائري؟"،

عمران، مج  11، العدد 43 (شتاء 2023)، ص 52، 57، 69؛ حول التقاطعات القائمة بين المغرب والجزائر على المستوى السياسي،

ينظر: عبد  الله حمودي، الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة، ترجمة عبد  المجيد جحفة، ط 4 (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2010)، ص 234–195. (((من بين الكتابات السوسيولوجية القليلة التي عثرنا عليها في هذا الصدد، ينظر: محمد امباركي، "سلمية الحراك وعدوانية

السلطة والمقاولة: نحو قراءة سوسيولوجية لحراك المقاطعة"، المستقبل العربي، العدد  474 (آب/ أغسطس 2018) ص 94–87؛

محمد سعدي، "حين يصنع الناس العاديون التغيير: القوة الهادئة والصامتة لحراك المقاطعة"، في: اللاثقة: في جدل العلاقة بين

الشباب والسلطة، تنسيق محمد الرضواني (الرباط: مطبعة المعارف، 2023)، ص 13–7.

وحراك الريف، سنحلل أوجه التشابه والاختلاف بين الحركات الاجتماعية والاحتجاجات التي شهدها المغرب على امتداد العشرية الثانية من الألفية الثالثة. وسنبرز كيفية تعامل النظام السياسي مع هذه الحركات والاحتجاجات، التي طمحت إلى توسيع هامش الحقوق والحريات، من خلال تحليل مساهمة النساء وتجارب الشباب بوصفهم حاملين لهويات ومطالب ورهانات قد لا تتماشى مع رهانات السلطوية بوصفها بنية حديثة أنتجت علاقة سلطة عتيقة رغم تنامي العقل البيروقراطي، بفعل التدخل الاستعماري والتحول البنيوي الذي شهده المجتمع المغربي؛ إذ إن "التغييرات الهائلة الحاصلة في الميدان الثقافي والاجتماعي، وخاصة في وضعية المرأة والشباب والأوساط العاملة، قد أفرزت ظهور تيارات مضادة للخطاطة العتيقة – المتجددة [خطاطة شيخ/ مريد] لا بد أن تنال من سطوتها في يوم من الأيام لا ريب في مجيئه". يفرض ما يهدف إلى تحقيقه تحليلنا تتبّع مفعول الثورات التي عرفتها جل البلدان العربية، والتي تعيش

في ظل أنظمة سلطوية متجددة في سياق تحليل الحركات الاحتجاجية المتعددة، وذلك من خلال التركيز من جهة على قوى ومخلفات بعض الحركات التي ظهرت إبان الفترة الزمنية الممتدة بين حدود الموجتين الأولى والثانية من الثورات العربية، بوصفها "حركات ثورية برزت من أجل إكراه الدول القائمة على تغيير ما فيها من أجل إحداث إصلاحات ذات شأن باسم الثورة". ويفرض، من جهة أخرى، ترسيم التقاطعات والمقارنة بين سياقات وأحداث التشكل أو المطالب أو المكونات المؤسسة على افتراض أن هذه الحركات المركبة تندرج ضمن صيرورة سوسيوتاريخية تتداخل فيها مجموعة من المتغيرات، التي تتجاوز ما هو مادي لتشمل ما هو رمزي، كدينامية الهويات وإشكالية الذاكرة وسيرورة الوعي الجيلي بمطالب الاعتراف واحترام الحق في الت ونع والتعدد والاختلاف. تفرعت عن الإشكالية الأسئلة التالية: ما طبيعة العلاقة بين الثورات التي عرفتها جل البلدان العربية والحركات الاجتماعية والاحتجاجية التي شهدها المغرب، مثل حركة 20 فبراير وحراك الريف؟ وكيف حضرت قضايا الهوية في هذه الحركات التي عرفت مشاركة واسعة للشبان والنساء؟ وما مصير الحركات الاجتماعية والاحتجاجات المغربية التي طرحت قضايا الهوية في سياقات سياسية سلطوية؟ تحفز أدبيات الثورات وسوسيولوجيا الحركات الاجتماعية والاحتجاجات على تبني بعض مبادئ التحليل المقارن مع تدعيمه بأسس المنهج الدينامي قصد معالجة الإشكالية والإجابة عن

(((حمودي، الشيخ والمريد، ص  13، 27–26؛ للمزيد حول السلطوية، ينظر:

Erica Frantz, Authoritarianism: What Everyone Needs to Know (Oxford: Oxford University Press, 2018).

(1((آصف بيات، ثورة بلاثوار: كي نفهم الربيع العربي، ترجمة فكتور سحاب (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2022)، ص.40 ((1(للاطلاع على أسس المنهجين وتطبيقاتهما على مستوى الدراسة السوسيولوجية للثورات الاجتماعية والمجتمع المدني والثقافة العربية، ينظر:

Barrington Moor, Social Origins of Dictatorship and Democracy: Lord and Peasant in the Making of the Modern World (Boston: Beacon Press, 2015 [1966]), pp. 159–161;

سك 81–71 كوبول، ص؛ حليم بركات، المجتمع العربي المعاصر: بحث في تغير الأحوال والعلاقات، ط  2(بيروت: مركز دراسات

الوحدة العربية، 2009)، ص 54؛ عبد  الله حمودي، الرهان الثقافي وهم القطيعة: تجربة المسافة في مقاربة الزمن والتغير (الدار  البيضاء: دار توبقال للنشر، 2010)، ص 165–151.

الأسئلة البحثية. من خلال التوظيف السوسيولوجي للمساهمات النقدية التي تناولت الثورات العربية والاحتجاجات المغربية، واستنادًا إلى التحليل السانكروني (التزامني) والدياكروني (التعاقبي) لسير نشطاء انخرطوا في حركة 20 فبراير التي تشكلت في سياق تصاعد الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي في عام 2011 وحراك الريف الذي تشكل في نهاية عام 2016 وبداية عام 2017، سنختبر فرضية التأثير والتأثر بين الحركات الاجتماعية والحراكات الاحتجاجية، التي صرنا نحيا بها في المغرب من جهة، والثورات المتواصلة التي تعرفها المنطقة العربية من جهة أخرى. وسنبين في المقابل أنّ الأمر يتجاوز سيرورة الدولة التسلطية، وبنية النظام السياسي ونظام الحكم المخزني، إلى حضور الانتماءات القبلية والإثنية وتضخم النزعات الهوياتية. لقد صارت هذه الانتماءات ورقة تستعملها الأنظمة السلطوية لوصف بعض الحراكات الاحتجاجية ذات الطابع التحرري. وفي المقابل، لا بد من الإقرار بأن الهوية كانت من بين أسباب تشكّل حراك الريف واستمرار أشكاله الاحتجاجية، من خلال مفاعيل الذاكرة الجمعية واللغة المشتركة لقبائل المنطقة والوضع المتشابه لسا نكتها التي تشتكي من التهميش المجالي، رغم تحقيقها لبعض المطالب في سياق حركة 20 فبراير 2011. وبما أنّ هذه الحركة قد شهدت تراجع حمّى الهويات، وتقَّدَم بفضلها منسوب الوعي بقيمة الحريات بغض النظر عن نزاعات الانتماءات الأيديولوجية، بما في ذلك الأيديولوجيات السياسية التي كانت إلى عهد قريب على طرفَي نقيض، كما هو الشأن بالنسبة إلى اليساريين والليبراليين والإسلاميين، فإنّ التمديد المتواصل لحالة الطوارئ الصحية مددًا متعاقبة قد شرّع للسلطات المغربية محاصرة المظاهرات والوقفات

والاعتصامات وتجريم المشاركين فيها؛ بدعوى خرقهم لما سمّاه جيورجيو أغامبن "حالة الاستثناء". لقد ألحقت تلك الاحتجاجات، التي اندلعت في سياق الأزمة، المغرب ب "الموجة الثانية من ثورات الربيع العربي"، التي انطلقت هذه المرة من لبنان والعراق والجزائر والسودان، وهي بلدان التحقت ببلدان الموجة الأولى، تونس ومصر وسورية وليبيا. وفي الأثناء، استخدمت الحرب في أوروبا الشرقية في أكثر من سياق خطابي من أجل تبرير الزيادات المتواصلة في أسعار المنتجات الغذائية

((1(يتطلب تحليل السير استحضار بعدين أساسيين للهويات الاجتماعية بحسب قواميس الحركات الاجتماعية. الأول هو بعد تحول الهويات والآليات الاجتماعية المؤثرة بصورة متعاقبة في تلك التحولات من منظور ممتد في الزمان؛ أما الثاني فقائم على تعددية مواقع انتماء الفاعلين الاجتماعيين في إطار اللحظة التاريخية ذاتها، أي من منظور تزامني. ينظر: سيسيل بيشو وأوليفييه

فيليول وليليان ماتيو، قاموس الحركات الاجتماعية، ترجمة عمر الشافعي (الجيزة: دار  صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات، 2017)، ص.162 ((1(يرى فتحي المسكيني أن هناك نزاعًا بين الحرية والهوية تسببت فيه الدولة–الأمة الحديثة حينما شرعت في صناعة اللغة

والدين والقبيلة ومنحت الأسبقية للهوية على حساب الذات. ويلاحظ أن العلمانيين يستعملون الحرية ضد الهوية في الوقت الذي يستعمل فيه السلفيون الهوية ضد الحرية، الأمر الذي يؤدي إلى تقابل حرية سالبة لا تتحرر إلا عندما تدخل في صراع من أجل نزع

الاعتراف مع آخر هووي لا يؤمن بها، وهوية هشّة تحاسب "أنا" مرتدة توقفت عن الانتماء إليها على نحوٍ "حر". للمزيد ينظر: فتحي

المسكيني، الهوية والحرية: نحو أنوار جديدة (بيروت: جداول، 2011)، ص.239 ((1(ينظر: الحافظ ال ونيني، "أثر حالة طوارئ وكفيد 19– على الحقوق والحريات بدول شمال إفريقيا: حرية التعبير في المغرب

وتونس"، رواق عربي، 2020/12/4، شوهد في 2023/10/10، في: https://bit.ly/46lvKpl ((1(استحضرت دراسات نقدية هذه الحالات في سياق تحليلها لمسألة الهوية في علاقتها بالثورات العربية والحركات الاحتجاجية.

ينظر على سبيل التمثيل: محمد نور  الدين أفاية، "الهوية الثقافية في زمن التغيير والتعولم"، في: الانفجار العربي الكبير: في الأبعاد

الثقافية والسياسية (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص 118–112.

الأكثر طلبًا من الأسر المغربية وتغطيتها بسجال شعبوي حول صيانة الهوية؛ لتجنب تشكّل أيّ حركات جديدة أو حملات مقاطعة متقاطعة مع موجات الربيع العربي المقبلة. تقترن الهوية الاجتماعية بالنسبة إلى عدد  كبير من الباحثين في السوسيولوجيا بفئة انتماء. وبما أن الانتماءات متعددة، فإن التحليلات السوسيولوجية الجديدة أصبحت تستحضر هذا التعدد؛ نظرًا إلى قدرته على التأثير في الممارسات والتصورات والتجارب والمسارات. من بين الانتماءات التي صارت تستحضرها هذه التحليلات، بحسب كلود دوبار، هناك ال ونع الاجتماعي (الجندر) والأصل الثقافي ومكان الإقامة والجيل. يفرض الانتماء المتعدد  استحضار التعدد كما في إطار الوحدة هو الشأن بالنسبة إلى الأمة المركبة الهوية، والتي لم تعد، في رأي محمد فاوبار، "تنقسم بشكل ماهوي إلى عامة وخاصة، أو تقوم على أحادية الجنسية أو المعتقد، وإنما على المواطنة المنفتحة المعتمدة على حراك ثقافي واجتماعي، متعددة الإثنيات والمعتقدات والانتماءات الثقافية والسياسية والاجتماعية، والتي تكون وتؤلف المشترك عبر سيرورة من التعاقدات، وأشكال من الحوار والتقارب الفكري والمؤسساتي". في حديثه عن الهوية العربية بين تعددية الانتماء ووحدوية التعدد، يميز حليم بركات بين الهوية الدينية والطائفية والانتماءات القبلية والعرقية/ الإثنية. فالهوية  الدينية والطائفية تشير إلى الولاء للطوائف والجماعات كما هو الشأن بالنسبة إلى المجتمع العربي المعاصر، حيث يطغى هذا الولاء على المجتمع والدين والأمة. وعلى مقربة من هذه الهوية تبرز ولاءات قبلية – عشائرية – عائلية تعتبر من بين أكثر الولاءات التقليدية ترسخًا وتأثيرًا في مجمل تاريخ المجتمعات العربية المعاصرة، وانتماءات عرقية أو إثنية ترتبط بالولاء لجماعات ثقافية ولْس نية تنتسب إلى السلالات والأصول التاريخية والجغرافية الواحدة أو تدّعي ذلك. وبدل من الاقتصار على اعتبار العرب جماعة عرقية لها سمات متجانسة، تنبّهنا الأدبيات ذات الصلة، أيضًا، إلى وجود جماعات لغوية وثقافية في عدد من البلدان العربية، مثل المغرب، كوّنت لنفسها وعيًا باختلافها أو تميّزها من العرب. وعلى قدر التعامل معها على هذا الأساس، نشأ ميلٌ إلى ترسيم حدود على مستوى الوعي والزمن والمكان للفصل بينها وبين العرب، واتخذت مواقفَ تتعارض أو تتكامل مع الانتماء العربي، كما هو الشأن بالنسبة إلى الأمازيغ، الذين يوجدون في المغرب والجزائر وتونس وفي مصر حيث تقع قرية سيوة الواقعة على مقربة من شرق ليبيا.

((1(ينظر: "بنكيران: لعن  الله 'مطيشة' والبصل.. صيانة الهوية قبل نقاش غلاء الأسعار"، هسبريس، 2023/7/9، شوهد في

2023/7/9، في: http://tinyurl.com/5c6mt79w

((1(كلود دوبار، أزمة الهويات: تفسير تحول، ترجمة رندة بعث (بيروت: المكتبة الشرقية، 2008)، ص.25 ((1(محمد فاوبار، "الخطاب السياسي للفاعل الديني بين منطلق التوحيد الأيديولوجي وإكراهات التعدد السياسي والاجتماعي

في المغرب: جماعة العدل والإحسان المغربية أنموذجا"، في: الإسلاميون وقضايا الدولة والمواطنة، ج  2 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.91–90 ((1(بركات، ص 71–62. ((2(المرجع نفسه، ص.70

أولا: الحركات الاجتماعية والاحتجاجات المغربية في سياق الثورات العربية

كان كرونولوجيا الاحتجاجات في المغرب فترة تغطي ربع القرن الأخير أنّ المجتمع المغربي يبين تتبّع

ولا يزال يتفاعل مع ما يقع حوله. لك ننا لا نعلم إن كان الشباب هم دائمًا القوة المحّر كة لهذا التفاعل منذ الاستقلال. فالحركات الاجتماعية التي عرفها المغرب منذ ذلك التاريخ قد عرفت انتق ل جذريًا، ليس على مستوى بنية القيادات فقط، بل أيضًا على مستوى الهرم الديموغرافي لأغلبية بلدان جامعة الدول العربية التي تحظى بهبة ديموغرافية، خاصة منذ عام 2003. وذلك على غرار مجتمعات المنطقة التي كانت في واجهة الموجة الأولى من الثورات العربية، التي حدثت في رأي آصف بيات في الزمن الأيديولوجي لما بعد الحرب الباردة، بوصفه زمنًا عرف انحسارًا لفكرة الثورة نفسها. ومع هذه التغيرات نشأت تقابلات وتداخلات بين واقع الأفراد والحريات والحقوق المدنية والإصلاحات القانونية من جهة، والأفكار عن المساواة وعلاقات الإنتاج ودولة الرفاه وصراع الطبقات، من جهة أخرى. وبما أن انتشار الفكر الأكاديمي الجديد قد ساهم في نقد الميل إلى اعتماد الأفكار والنظم والقيم الكبرى والكونية في عالم يعرف انهيارًا للطوباويات القديمة والسرديات الكبرى، فإن ما هو جليل في هذا النقد هو إبراز سياسات الهوية والاعتراف التي تجاوزت إشكالية إعادة توزيع الثروة إلى حد ما وأحلّت الوضع والهوية محل السياسات الطبقية.

1. حركات على هامش الثورات

يتأكد دور حركة 20 فبراير في مجال التظاهرات الشعبية في غرس بذور خصبة في التربة الاجتماعية المغربية، سرعان ما نضجت في الريف من خلال الحراك الاحتجاجي الجديد؛ حيث استفاد شباب الريف وشاباته من دروس الحركات الاجتماعية في المغرب، وخاصة دروس حركة 20 فبراير، وعملوا على تطويرها وتبيئتها وتنزيلها من خلال استعمال الأمازيغية الريفية والدارجة المغربية في التعبئة على نحو ساعد الجماهير، خاصة الشباب والنساء، على استيعابها والتفاعل معها وأدى إلى تعميم نموذج حراك الريف على بعض الأقاليم المهمشة. فقد "كان تأثير حراك الريف واضحًا في كل المعارك النضالية من أجل انتزاع الحقوق المهضومة، وتحوّل شيئًا فشيئًا إلى مدرسة لنشر ثقافة

نضالية جديدة في أساليبها وشعاراتها بسمات سلمية وشعبية طويلة النفس وواضحة الأهداف بعيدة عن العنف المادي واللفظي". وإذا كانت الخطابات التحريضية قد اعتبرت أنّ رفع العلم الأمازيغي على هامش الحراك الشعبي بالريف المغربي بمنزلة إعلان عن رغبة الريفيين في الانفصال، فإن

(2((إبراهيم المرشيد، "الهبة الديموغرافية في العالم العربي: نعمة أم قنبلة موقوتة؟ (المغرب أنموذجًا)"، عمران، مج  6، العدد 21

(صيف 2017)، ص.73–68 ((2(بيات، ص.41 (2((إبراهيم ياسين، "الحراك الشعبي بالريف: حراك الريف يفتح طريقًا جديدًا للنضال الشعبي في المغرب"، الربيع، مج  4،

العدد 9 (2018)، ص.167–162

بعض الأبحاث السوسيولوجية قد رأت أن استعمال الأعلام بمنزلة تعبير عن هوية نضالية وظّفت مفعول الهوية لتصريف الفعل الاحتجاجي بطريقة سلمية. تتصف منطقة الريف الواقعة شمال المغرب بخصائص تحدد بموقعها الجغرافي وتاريخها الاجتماعي، علاوة على الانتماءات العرقية والثقافية شبه الموحدة لسا نكتها وقبائلها. وتحدد من خلال العزلة التي ساهمت في تشكيل المنطقة المتخيّلة الواقعة على هامش المركز المعروف بسيطرته على توزيع

الموارد واحتكاره للخيرات المادية والرمزية. من خلال استعارة مفهومَي الهامش والتهميش المطور في الأعمال السوسيولوجية، يمكن أن نفهم أن الريف منطقة هامشية ومهمشة في المغرب وشمال أفريقيا، وذلك من خلال فحص علاقات القوة والهيمنة بوصفها حصيلة للانقسامات السياسية، التي أدت إلى استبعاد منطقة الريف ومجتمعها. يجب ألا نقتصر على سرد أسباب تهميش منطقة الريف وتصورات السا نكة حولها، بل يجب فهم علاقة مجتمع الهامش المتخيّل بالأشكال المختلفة للقوة

السياسية والاقتصادية، وتحليل الفاعلية الرمزية التي تؤدي إلى نشوء حركات احتجاجية اجتماعية قد تنخرط فيها فئات لديها قابلية للاحتجاج والثورة، كالمهمشين والمقصيّين والشباب والنساء والمعطلين

الذين يقاومون محاولات التنظيمات السياسية الهادفة إلى جعلهم حطبًا للاحتجاج أو الثورة. لقد كان الحراك الاحتجاجي الذي شهده الشمال المغربي، بعد مرور خمسة أعوام على الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي، بمنزلة تجديد للفعل الاحتجاجي المغربي، الذي بدأ يتراكم بعد حركة 20 فبراير. فقد كان حراك الريف القشة التي قسمت ظهر الصمت الذي خيّم على الشارع السياسي المغربي، بعد تراجع حركة 20 فبراير، التي أخفقت في رأي الكثيرين في تحقيق مطالبها المتمثلة أساسًا في تغيير نظام الحكم التسلطي، كما جرى التعبير عنه من خلال رفع شعار "الشعب يريد إسقاط الاستبداد" في مسيرتَي 20 آذار/ مارس 2011 في الرباط، و 24 نيسان/ أبريل 2011 في الدار البيضاء. ولئن لم يكن حراك الريف مماثل لحركة 20 فبراير من حيث إنه حراك قادم من الهامش على خلاف مركزية المدن التي شهدت حركة 20 فبراير، ومن حيث إن هذه كان وراءها شباب متعلم ومسيس ينتمي كان من الصعب إلى الطبقات الوسطى في مقابل حراك الريف الذي وقفت وراءه قيادات شعبية بسيطة احتواؤها، فإن فرادته تكمن، أيضًا، في الطابع الذاكراتي الذي "جعله مختلفًا عن باقي الاحتجاجات المغربية ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي البارزَين، ولعل آخرها الاحتجاجات التي انطلقت أواخر سنة 2017 بمدينة جرادة الواقعة شرق المغرب"، علاوة على حراك المقاطعة.

(2((عثمان الزياني، "سوسيولوجيا حراك الريف، قوة المخزون الاحتجاجي في مواجهة سطوة الدولة"، الربيع، مج  4، العدد 9 (2018)، ص.22 ((2(أحمد الخطابي، "من حركة 20 فبراير إلى حراك الريف: الخوف من الديمقراطية أم الخوف من جيل الشباب بالمغرب؟"،

سياسات عربية، العدد  32 (أيار/ مايو 2018)، ص.47 ((2(المرجع نفسه، ص 48. (2((زهير س كواح، "الحركة الاحتجاجية والذاكرة الجمعية، حراك الحسيمة المغربية نموذجا"، إضافات، العددان  44–43 (صيف– خريف 2018)، ص.98–97

لقد تحوّل الحراك الشعبي الذي شهدته مدينة الحسيمة ونواحيها، بسبب واقعة طحن بائع السمك، إلى "نموذج مثال" بالنسبة إلى مجموعة من سا نكة المناطق المغربية الهامشية التي عرفت حراكًا احتجاجيًا بعد ثورات الربيع العربي. من بين هذه الحركات التي تشكلت في سياقات كانت فيها الحسيمة وضواحيها ممتلئة بالمتظاهرين، كان حراك جرادة الذي تشَّكَل هو أيضًا بعد مقتل الأخوين الحسين وجدوان في إحدى الآبار العشوائية لاستغلال الفحم الحجري (ساندرية). وترى العديد من الكتابات أنّ حراك جرادة كان بمنزلة امتداد لحراك الريف الذي استلهمه شباب وشابات وسا نكة المدينة المنجمية الهامشية الواقعة ج ونب شرق المغرب، من أجل مواصلة المسيرات وتكثيف التجمعات أطول مدة ممكنة، قصد إعلان التضامن مع حراك الريف ومعتقليه، وتحقيق المطالب المتمثلة في إقرار بديل اقتصادي من الوضع القائم ورفع التهميش عن المدينة. ولئن خفت توهّج حركة 20 فبراير تدريجيًا بعد أسابيع من انطلاقها، وذلك على م ونال الحركة الاحتجاجية في جرادة، فإنّ حراك الريف قد تميز بقدرته الكبيرة على الاستمرار، على غرار الحركة الاحتجاجية في سيدي إفني، التي استطاعت أيضًا أن تستمر مدةً طويلة، بعكس أغلب الحركات الاجتماعية التي شهدها المغرب خلال الس ونات الأخيرة. الشكل (1) تطور الاحتجاج في المدن الهامشية للمغرب

المصدر: بن  أحمد ح كوا، "سواعد الحراك: دراسة في تطور المؤشر الديمغرافي للانتفاض في المغرب"، ورقة عمل رقم  13، المجلس العربي للعلوم الاجتماعية (2020)، ص 15. ((2(عز  الدين الفراع، "الدولة والهشاشة والحركات الاحتجاجية بالمجالات المنجمية: حالة جرادة المغربية"، مجلة الجامعة العربية

الأمريكية للبحوث، مج  7، العدد 1 (2021)، ص.105–68 ((2(ياسين، ص.166 3(((سعيد الصديقي، "الحراك الشعبي بالريف بين المطالب الاجتماعية والإرث التاريخي"، الربيع، مج  4، العدد 9 (2018)، ص.62

تؤكد القراءات السوسيولوجية للشكل (1) انتقال بؤرة التوتر الاجتماعي إلى سواحل المغرب الهامشية وتخومه الصحراوية، بعد أن كانت المدن الساحلية الكبرى، كالرباط والدار البيضاء، تهيمن على خريطة الاحتجاجات. وتشدد هذه القراءات على الدور الذي يؤديه النموّ الديموغرافي لفئة من الشباب المتعطش إلى الحرية، تشكّلت بفعل التعليم والانخراط في التعبئة المعرفية واكتساب الموارد الثقافية اللازمة لقيادة حركة اجتماعية مثل 20 فبراير، وتأطير الحراكات الاحتجاجية في المناطق الهامشية كالريف وجرادة. وإذا ما  اعتمدنا القول إنّ تأثيرات العائدات الثقافية والمادية للهجرات على مستوى نقض التراتبيات الاجتماعية التقليدية في الحسيمة وجرادة وج ونب المغرب تمسّ بنية العلاقات الاجتماعية

وسيرورة السلطوية في المنطقة العربية، جاز لنا التأكيد أن دوافع الفعل الاحتجاجي لا تقتصر على ما  يصفه ح كوا بسواعد الحراك، أي الشباب؛ إذ إنّ دینامیاته تمتح، أيضًا، من السجلات الثقافية ودينامية الهويات المتفاعلة مع بنية الفرص السياسية المتاحة والمتمفصلة مع الوضعيات السوسيو–اقتصادية للمحتجين والمحتجات. تكشف المقارنة بين حركة 20 فبراير وحراك الريف أنّ الأولى قد اتسمت بشمولية الأهداف، رغم أن مكوناتها السياسية لم تتفق على لائحة مطالب موحّدة. وإذا كان البعد السياسي قد طغى على شعاراتها،

فذلك بسبب السياقَين الوطني والإقليمي اللذَين برزت فيهما، وأثّرا في طبيعة شعاراتها وأهدافها؛ وذلك على عكس الثاني الذي تشكل بعد حدث ذي طابع اجتماعي واقتصادي وعرضي، لكنّه مأساوي تطور بسرعة؛ بحيث سمح ببلورة ملف مطلبي شامل ضمّ مطالب راوحت بين البعد السوسيو اقتصادي والأبعاد الثقافية والحقوقية والقانونية. فحراك الريف الشعبي تميز بوجود قيادة موحّدة على خلاف حركة 20 فبراير، التي كانت عبارة عن خليط من المكونات السياسية والمدنية؛ ما حال دون تشكل "قيادة" موحّدة. لقد تشكّلت حركة 20 فبراير كما هو معروف، بعد النداء الذي وجّهه شباب مستقلون حزبيًا، ولدى بعضهم تجارب مع تنظيمات سياسية ونقابية سمحت لهم بقيادة الحركة وتنسيق فعالياتها

والتعبئة لها في أغلب المدن المغربية. وإذا كان أعضاء جماعة العدل والإحسان والتنظيمات اليسارية والحركة الثقافية الأمازيغية قد شكّلوا عصب مسيرات هذه الحركة، على غرار الحركة الاحتجاجية بسيدي إفني، فإنّ الحراك الشعبي في الريف المغربي كان بمنزلة تكتّل بشري مندمج ومنصهر في جسم واحد، وليس تشكيل لمكونات سياسية متعددة توحدت لتحقيق أهداف عامة. وخلافًا لحركة 20 فبراير التي طالبت بالإصلاحات الدستورية وتفعيل الملكية البرلمانية، كان حراك الريف في مجمله بمنزلة إعلان عن رفض شعبي لكل من يجسد أو يمارس السلطة بموجب ادعاء مشروعية الانتماء إلى الدولة والولاء للنظام السياسي. يجد هذا التوجه تفسيره، كما تبيّن من خلال

(3((بن  أحمد ح كوا، "سواعد الحراك: دراسة في تطور المؤشر الديمغرافي للانتفاض في المغرب"، ورقة عمل رقم  13، المجلس

العربي للعلوم الاجتماعية (2020)، ص.15 (3((الصديقي، ص.57 (3((المرجع نفسه، ص.58 (3((المرجع نفسه، ص.59

دراسات كثيرة، في العلاقة المتوترة بين مجموعات ذات ذاكرة جماعية مشتركة وهوية ثقافية واحدة، وبين دولة تسلطية تابعة لم تبلغ بعد طور الدولة–الأمّة المستقلة سياسيًا واقتصاديًا، ولا تعتمد

سياسات تراعي الاختلافات الإثنية والثقافية القائمة بين المدن والمناطق المغربية؛ ما  أدى إلى إقصاء الذاكرات الهامشية التي تواجه الذاكرة الرسمية للسلطة السياسية التي تسعى لأن تجعلها ذاكرة "معيارية" و"ملزمة". في التحليلات التي رافقت هذه الحركات، دفع هذا التعقيد، الذي يطبع النسيج المجتمعي والتوتر الذي يسم الفعل الاحتجاجي المغربي بعد ثورات الربيع العربي، إلى قياس مستويات الغضب الجماعي وكشف منسوب العتبة الديموغرافية للاحتجاج الخاص بكل جماعة ترابية داخل الأقاليم المغربية الطرفية مع تحليل دوره في تصاعد الاحتجاجات ضد النظام السياسي. وتطلّب الوقوف عند مستوى العلاقة الممكنة بين مؤشر التنمية المحلية المتعدد الأبعاد والاتجاه نحو الاحتجاج. وترافقت هذه الاتجاهات التحليلية مع نقد الخطابات الرسمية والكتابات السوسيولوجية العفوية، التي تعتقد أنّ عوامل الاحتجاج تقتصر على غياب التنمية الاجتماعية والاقتصادية؛ ما جعلها تقرأ المطالب الاجتماعية للنشطاء على نحو مختزل. فمن خلال معطيات المندوبية السامية للتخطيط في المغرب، بّي نت بعض الأبحاث أنّ مستويات رأس المال الثقافي والاقتصادي، التي أتاحتها التنمية

لفئات عريضة من الشباب، قد ساهمت في بناء موارد معرفية وقيمية تعتبر ضرورية من أجل تشكّل الحركات الاحتجاجية الاجتماعية. وبما أنّ دوافع المحتجين غير منفصلة عن الشعور بالتهميش والإقصاء الاجتماعي، ولا تفيد بأن الوضع الاجتماعي على ما يرام، فقد تبيّن أن نشأة هذا الشعور

وتساميه إلى طاقة جمعية للاحتجاج مرتبطان أساسًا بتوافر الموارد المعرفية والقيمية، التي تحفّز الناس على الاعتقاد في قدرتهم على تغيير الإجحاف الذي يمارس في حقّهم، وعلى رفض التهميش والإهمال الذي تعانيه مناطقهم.

2. تقاطعات الأزمنة الاحتجاجية

لا ينفصل الحراك الاحتجاجي المغربي عن الأحداث والوقائع التي شهدها الشارع السياسي في سياق ثورات الربيع العربي. ولتحليل هذا التقاطع وإبرازه يمكن استحضار المعطيات، وتفعيل ما يمكن أن يكون لها من أثر رجعي؛ من أجل تجنّب السقوط في التقادم العلمي أو تحويل هذا الواقع إلى حاضر أزلي، كما فعلت إث ونغرافيات الفعل الاحتجاجي. ويعني ذلك أنّ هذا التحليل يستوجب استحضار البعد التاريخي الذي يسمح بتحديد الأصول الاجتماعية للاحتجاجات المغربية ومراحلها الأساسية.

(3((عز الدين الفراع، "اللامساواة المجالية والحركات الاجتماعية: مقاربة سوسيولوجية نقدية لحراك الريف بالمغرب في ضوء

تجارب وتصورات عينة من شباب إقليم الحسيمة"، مجلة العلوم الاجتماعية، مج  50، العدد 1 (2022)، ص.52 3(((س كواح، ص. 81 (3((بن  أحمد ح كوا ومحمد مسلاغي، "الديمغرافيا السياسية والغضب الجمعي في منطقة حرجة: دراسة في العتبة العمرية

للاضطرابات الاجتماعية (إقليم الحسيمة أنموذجا)"، الربيع، مج  4، العدد 9 (2018)، ص.46 (3((المرجع نفسه، ص.52

وعلى هذا الم ونال، يميز الباحث بن أحمد حوگا كما يبينه الشكل (2) بين مرحلتين من الاحتجاج السلمي في المغرب: الأولى في الفترة 2010–1997، أما الثانية ففي الفترة 2018–2011. سنركز على المرحلة الثانية؛ لأنها عرفت طفرة على مستوى الاحتجاجات والانتفاضات الناتجة من الثورات العربية التي حّركةّت الثقافة السياسية لمجتمعات المنطقة. ففي المغرب، بدأت هذه المرحلة مع حرك 20 فبراير، التي ارتبطت بتحولات سياسية إقليمية بتعبير حوگا، قبل أن تتركز بعد مرحلة انكماش قصيرة داخل المغرب حينما تشكّل الحراك في مدن متوسطة، كالحسيمة وجرادة ومناطق هامشية أخرى. الشكل (2) التطور الفصلي للاحتجاج في المغرب (2018–1997)

المصدر: المرجع نفسه، ص.10

إن حراك الريف حراك ذاكراتي، بحسب العديد من الأبحاث والدراسات التي انتبهت إلى هذا الجانب المساعد على تشكّل الحراكات الاحتجاجية لمجتمعات الهوامش الحضرية. فالممارسة الاحتجاجية "قد تكون أيضًا ممارسة ذاكراتية"، و"يكون لها بعد هوياتي جوهري ينضاف إلى مطالبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية"؛ وذلك لأنها "تهدف إلى التأسيس والتأكيد المستمَّرَين على هويّة جمعية تستمد مسوّغها من ذاكرة جمعية 'محتجّة' على طغيان الذاكرة الرسمية والوحيدة في زمن [التعولم] الذي [يحاول أن] يقصي تعدد الهويات ويشهد صراع ذاكرات، بما في ذلك السياق المغربي ذاته". يعرف هذا السياق نشوء علاقة متوترة بين مؤسسات الدولة والنظام السياسي من جهة، وبعض فئات المجتمع والجماعات التي تعلن عن المظلومية التاريخية والحرمان الذاكري والاستثناء الرسمي لهوية وذاكرة تقفان في مواجهة سلطة سياسية ذات ذاكرة معيارية من جهة أخرى. في الوقت الذي كانت فيه حركة 20 فبراير محاولة للقطع مع الماضي الحافل بالأزمات الاقتصادية والإخفاقات التنموية والتفاوتات الاجتماعية والمجالية، التي يدّعي وكلاء النظام وخدّام الدولة المغربية

3(((ح كوا، ص.10 4(((س كواح، ص.82 (4((المرجع نفسه، ص.97

ومؤسساتها أنه قد جرى القضاء عليها في حين تشير التقارير الرسمية إلى استمرارها، كان حراك الريف بمنزلة عودة كبرى إلى الماضي التاريخي وأماكن الذاكرة التاريخية، التي لم يشملها النسيان. لقد أضفى مكوّن الذاكرة على حراك الريف، بحسب بعض الكتابات، حالة من الاستثناء، وصُوّر بوصفه حراكًا "غير مسبوق مغربيًا تجاوز زخمه بشكل مفاجئ حتى احتجاجات حركة 20 فبراير المغربية إبان فترة الربيع العربي"؛ لأنه "حراك ذاكرة جمعية حيّة وحراك هوية ريفية محتجّة ليس فقط على اختلالات حاضرة، بل على أحداث ماضية لم تتم معالجتها ذاكراتيًا بشكل كافٍ". وجيل الحراك هو الذي جسّد الذاكرة الجماعية وأعطاها مدلاولًاجتماعيًا جديدًا، حدّد به هويّته في علاقته بالأجيال الأخرى، في حين تحَّدَد هو بتلك الذاكرة بوعي جيلي توسّط التاريخي/ الزمني والاجتماعي وربط بينهما. ولم يكن هذا الوعي السياسي الجيلي وليد لحظة راهنة؛ لأنه تكوّن نتيجة مسارات تاريخية حاضرة في الذاكرة الجماعية للأفراد، التي تجري العودة إليها في كل لحظة سواء لانتقادها وتقييمها أو لتجديدها وتجاوزها. يلفت أحد الباحثين نظرنا إلى معطى مهمّ وأساسي، مفاده أنّ وثيقة الملف المطلبي لحراك الريف ركزت على المطالب الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية، ولم تحو أيّ مطالب ذات بعد هوياتي وتاريخي أو تحيل إلى المخزون الرمزي التاريخي للمنطقة، باستثناء مطالبتها بإلغاء ظهير العسكرة وإتمام أشغال متحف الريف وترميم المآثر التاريخية للمنطقة. إذا كان حدث موت شباب، بغضّ النظر عن انتمائهم أو عدم انتمائهم الطائفي أو القبلي إلى المناطق التي شهدت نهايتهم المأساوية، مثل محمد بوعزيزي أو خالد سعيد أو محسن فكري أو الحسين وجدوان، قد تسبّب في ميلاد ثورات وحركات اجتماعية واحتجاجات، فإنها لم تعرف في رأي العديد استمرارية ممتدة في الزمان، لأسباب لا تزال في جزء كبير منها مجهولة. ومن المهم الانتباه إلى أنها، على الرغم من تأويل البعض لها على أنها عملية ميلاد جرت، فجأة وعلى حين غرة وفي ظروف غير متوقّعة، كانت ولادة تمخضت عن ظهور اضطرابات عميقة آلت إلى دخول بعض بلدان المنطقة في سلسلة من الحروب الأهلية الناتجة من تصاعد النزعات الطائفية والنزاعات القبلية، ودخول بعضها الآخر في سلسلة من التقلبات الاقتصادية والاجتماعية، وأدت فيها جميعًا إلى اهتزاز الأنظمة السلطوية، التي وجدت نفسها أمام فئات تعتبر أن الاحتجاج والتمرد بمنزلة جزء أساسي من الهوية وسبيل من سبل الحرية. وعلى غرار العديد من بلدان المنطقة التي تأثّرت بإحدى موجات الربيع العربي، واجه النظام السياسي المغربي ضغطًا شديدًا مارسته عليه مجموعات ذات خصوصيات اجتماعية وثقافية، وكانت في واجهة المدّ الاحتجاجي، كالشباب والنساء.

(4((المرجع نفسه، ص.98–97 (4((الخطابي، ص.49–48 (4((محمد سعدي، "شباب حراك الريف في المغرب والذاكرة الجمعية الحارقة: الاعتراف بوصفه مدخل لمصالحة الدولة مع

الماضي الأليم"، عمران، مج  9، العدد 33 (صيف 2020)، ص.55

ثانيًا: تداخلات الأزمنة والذوات في صيرورة الثورات

تسمح حركة 20 فبراير وحراك الريف في المغرب بإبراز وتحليل أوجه التشابه والاختلاف والتقاطع بين قوى الاحتجاجات ومخلفاتها، سواء من خلال التركيز على فئتَي الشباب والنساء بوصفهم حاملين لهويات جماعية ومطالبين بالحريات الفردية، أو على مجموعات أخرى برزت على هامش حركة 20 فبراير، التي تتقاطع مع الصيرورة الثورية التي أطلقها الربيع العربي. لقد وُجد باستمرار في المغرب حضورٌ لافت للهويات الجنسية غير النمطية من خلال بعض النشطاء، مثل آمنة تراس التي انتقلت من التعبئة تحت راية جماعة العدل والإحسان إلى النضال على طريقة النهج الديمقراطي، أو بعض الكتّاب الذين يعل ونن عن مثليتهم في السيرة الذاتية والكتابة، ويسوّقون لها في الإعلام، مثل عبد الله

الطايع. لكنّ المثير في الثورات العربية هو حضور النساء في الحركات الاحتجاجية الاجتماعية على نحوٍ لافت، يعبّر عن ثورة على الذات وعلى الموضوع؛ أي على قيم الأيديولوجيا الذ وكرية والبطريركية

وعلى الأنظمة السياسية السلطوية.

1. النساء والحراك

صدح صوت حركة 20 فبراير في شوارع أكبر المدن المغربية، بينما استقر الحراك الذي تشَّكَل في الحسيمة في عام 2016 وانتشر سريعًا في منطقة الريف بأكملها. وإذا كان الحراك قد دفع النشطاء في المدن الأخرى لدعمه، فقد ترافق مع التصريح بأنه في المقام الأول حركة متجذرة في منطقة محددة. ومع ذلك، أظهرت مقابلاتنا الميدانية وإجابات الشباب عن أسئلتها المحورية أنّ نشطاء حركة 20 فبراير في الرباط أو الدار البيضاء يعتبرون حراك الريف بمنزلة "صدى" لهذه الحركة الاجتماعية المغربية، التي انبثقت من صلب الثورات العربية. أما نشطاء حراك الريف فيرون أنّ حراكهم قد جاء في سياق الاستمرارية الطبيعية للصيرورة الثورية التي فتحتها حركة 20 فبراير المغربية. تثير هذه الاستمرارية "الثورية"، التي تحدّث عنها الشباب النشطاء الذين قابلناهم، أسئلة محورية عن تقلّبات مساحات الاحتجاج في صيغته المغربية، بعد أكثر من عقد من الزمان على الثورات التي عرفتها المنطقة العربية. تدعو هذه المساحات إلى التفكير في الروابط التي تتشكل من حركة إلى أخرى داخل المجتمع نفسه، وفي تأثير هذه الحركات في المجموعات التي تتعرض للتوصيم السوسيوثقافي والتهميش الاقتصادي، والقائمين على اعتبارات سياسية جرى التعبير عن رفضها في سياق الحراك الاجتماعي الاحتجاجي، الذي شهده الشارع السياسي المغربي في عام 2011 وما بعده. وفي هذا السياق نتساءل: أتقتصر مساحات الاحتجاج على المراوحة بين الامتداد والانكماش، أم تراوح أيضًا بين التجدد والذوبان في يتغير أي شيء كل شيء من أجل أّل سياق ثابت؟ وهل نحن بصدد التغيير ضمن الاستمرارية وتغير مرة أخرى؟ لم تكن حركة 20 فبراير انتفاضة سياسية، بل كانت، في رأي خالد الجامعي، انتفاضة ثقافية؛ أي انتفاضة في العقليات والذهنيات التي شهدت ثورة. إن ما شهده المغرب في عام 2011، في رأي الجامعي،

4(((أحمد شراك، سوسيولوجيا الربيع العربي (فاس: منشورات مقاربات، 2017)، ص.88–87

بمنزلة انتفاضة مايو 1968 مصغّرة، ومن مؤشراته بزوغ فاعل جديد في النضال هو المرأة. لا  نتحدث هنا عن الحركة النسوية التي تقودها نساء البرجوازية الصغيرة من المتعلمات وأصحاب المدارس، بل عن حركة ضمّت نساء عاديات لا  شأن لهنّ بسجالات المساواة والهيمنة الذ وكرية. وقد لاحظ أحمد الخطابي، في سياق تمييزه بين الحركات النسوية التي رفعت مطالب مؤسسة على البعد الجندري بوصفه اختلافًا مرتبطًا بال ونع، وحركة النساء التي "لا تضع هذا البعد التمييزي بل تضع مطالبها إلى جانب وفي تقاطع مع باقي المطالب الاجتماعية التي تعتبرها أساسية غير مجزأة"، أن حركة النساء كما حصلت في سياق أحداث الريف ليست حركة مطلبية مؤطرة بأيديولوجيا محددة؛ فهي ليست يمينية أو يسارية أو محافظة أو ليبرالية. إنها تدخل، في رأي الخطابي، في إطار حركية هوياتية شاملة معبّرة عن الخصائص المميزة للجماعة التي شكّلت هذه الحركية في إطار سيرورة تاريخية؛ ذلك أنّ

المشاركة الفعالة للنساء الريفيات إلى جانب الرجال في الاحتجاجات، التي شهدتها شوارع الحسيمة وساحة "الحرية" وغيرها من الساحات، غير مرتبطة بحملهنّ لوعي بوضعياتهن وحقوقهن باعتبارهن منتميات إلى "نوع اجتماعي"، بل بكونهن نساء ومواطنات حرّرهنّ الحراك من فوبيات متعددة متراكبة.

لقد حرّرهنّ الحراك من فوبيا الولوج الكامل للفضاء العمومي في مجتمع يصنف على نحو تعسفي بأنه

محافظ وتقليدي، وحرّرهنّ، أيضًا، من الخوف من النظام السياسي السلطوي الذي عمل جاهدًا على

وأد الحراك الشعبي، الذي شهده الريف المغربي وهو في مهده عبر اعتقال شباب الحراك وعسكرة المنطقة، وحرّرهنّ من الخشيةمن توصيم النشطاء بمن فيهم نشطاء حركة 20 فبراير التي كان شبابها

فاعل في تشكيل الحراكات الاحتجاجية المقبلة وتأطيرها، مثل حراك الريف، الذي كان، في رأي أحد الشبان الفبرايريين، أقوى من حركة 20 فبراير نفسها. في حراك الريف، شرعت النساء في نقل النقاش العمومي من دائرة المطالب السوسيو–اقتصادية المحددة إلى دائرة النقاش السياسي والحقوقي/ القانوني. لقد انتشرت في الفضاءات العمومية خطابات تهمّ تجريم الحريات الفردية ومنع المظاهرات الجماعية بعد اعتقال النشطاء، الذين كانوا في أغلبهم ذرًا. وقد فتح هذا النقاش المجال أمام النساء ليتحوّلن من إناث يقتصر دورهنّ في الحياة الاجتماعية على العمل المنزلي والفضاء الخاص ولا شأن لهنّ بالشأن السياسي والفضاء العمومي إلى مواطنات. لقد صارت مشاركة النساء في الحركات الاجتماعية والاحتجاجية في الس ونات الأخيرة ظاهرة عامة في المغرب، وذلك بعد تجاوزهنّ القيود التقليدية، التي حالت دون انخراطهنّ سابقًا في

(4 ((ينظر: "الجامعي: أخطأنا في تحليل حركة 20 فبراير"، يوتيوب، 2014/3/5، شوهد في 2023/6/18، في: https://bit.ly/3Xbi6kX؛ وللاطلاع على تحليل سوسيولوجي لحركة أيار/ مايو 1968، ينظر:

Alain Touraine, Le communisme utopique: Le mouvement de Mai 1968 (Paris: Ed Seuil, 1968).

4(((أحمد الخطابي، "الاحتجاج واستراتيجيات التعبئة في حراك الريف بالمغرب، نحو بناء هوية جماعية مؤنثة"، مجلة علوم

الإنسان والمجتمع، مج  8، العدد 1 (2019)، ص.59–57 (4((ينظر شهادة أيوب بوضاض في: "شباب حركة 20 فبراير.. ماذا تبقى من الحركة؟ وأين اختفت وجوهها الشابة؟"، يوتيوب، 2019/2/21، شوهد في 2023/6/18، في: https://bit.ly/3p8ZBAT (4((الخطابي، "الاحتجاج"، ص.63

الشأن العام وولوجهنّ إلى الفضاء العمومي على نحو فعلي كما هو الشأن مع حركة 20 فبراير وحراك جرادة وحراك سيدي إفني؛ بل إنّ حراك الريف قد كان أكثر تطورًا على هذا المستوى إلى الحد الذي

صارت معه الفتيات في صفوف القيادة. حاولت نساء الريف تعويض الغياب الذي تركه اعتقال الشباب من أجل المحافظة على توهّج الحراك واستمراره إلى أن تتحقق المطالب، وذلك عبر تكثيف الحضور في الأشكال الاحتجاجية اليومية والأسبوعية، الواقعية والافتراضية في الفضاءات الخاصة والعمومية. ومن الأيام التي ستظل راسخة في ذاكرة نساء الحراك والمنطقة على حد سواء يوم 8 آذار/ مارس 2017. في ذلك اليوم، شهدت الحسيمة مسيرة شاركت النساء أساسًا في التعبئة لها، وعرفت مشاركة كبيرة لهنّ من مختلف المناطق المشكّلة

للريف الأوسط وغيابًا شبه تام للرجال. لقد كانت المسيرة بمنزلة "صرخة نسائية داعمة للحراك،

كما أنها تأكيد على تواجد المرأة في الفضاء العمومي دون أي تأطير من أية هيئة حقوقية أو مدنية أو سياسية بالرغم من وجودها وتمثيلية المرأة فيها". وبّيةّنت المسيرة "أن المرأة الريفية، ومعها المرأ

المغربية عمومًا، تحمل وعيًا سياسيًا بوضعيتها التي لا تتمثلها أو تتصورها بمعزل عن وضعية بنيوية

(اجتماعية)، وانخراطها في الاحتجاج هو رفضها لسياسات الدولة التي أنتجت شبابًا عاطل عن العمل

أو منقطعًا عن الدراسة أو مغامرًا بحياته في قوارب الموت أو مهجرًا باحثًا عن شروط حياة أفضل بعيدًا

عن العائلة. إنّ المرأة الريفية [تدرك] وتعي جيدًا كل التدقيقات والتفصيلات الحياتية، لأنها تعاني منها بشكل يومي، وقد توجت هذه المعاناة بعد موجات الاعتقالات الجماعية التي باشرتها السلطات ضد أبناء المنطقة، لذلك حولت تلك المعاناة المتعددة الأشكال إلى مقاومة جماعية".

2. الشباب والحراك

وصفت موجات الحركات الاحتجاجية والاجتماعية التي شهدها المجتمع المغربي في العقد الثاني من القرن الحالي بأنها شبابية؛ أي إنها تشكّلت من خلال فعل الشباب بوصفه جيل يحمل وعيًا وثقافة

سياسية. وفي سياق تأكيد هذا التوصيف، كان من الطبيعي أن تهتم العديد من الأبحاث والدراسات الاجتماعية بمطالب هذا الجيل وتعبيراته الاحتجاجية؛ نظرًا إلى الأهمية والراهنية التي تحظى بها مثل

هذه المعطيات من الزاوية السوسيولوجية. وفي سياق تساؤله عن كيفية فهم حركات الاحتجاج الجذرية التي يقودها الشباب الحديث الذي قامت الدولة/ الأمة بتهميشه، يؤكد أحد المفكرين التونسيين على أن هذا الجيل بمنزلة جيل "ما بعد هووي". وهو يعني بذلك أنه لا يدافع عن أيّ مدونة

أيديولوجية أو رابطة قومية أو منظومة عقدية، وأنه قد قلب مفهوم القيادة في سياق الثورة وحوّل معناها

حينما نقلها من مقطورة النخب المغلقة وأنزلها إلى مستويات ميكروسياسية مفتوحة لا تحمل هدفًا جرى تحديده مسبقًا.

((5(المرجع نفسه، ص.59 ((5(المرجع نفسه، ص.64–63 ((5(الخطابي، "من 20 فبراير إلى حراك الريف"، ص.39 ((5(المسكيني، ص.241–240

قد ينطبق القليل من هذا التعيين على شباب حركة 20 فبراير؛ نظرًا إلى طابعها عبر المناطقي. فقد

انتشرت في جل أرجاء المدن المغربية من الشمال إلى الج ونب ومن الشرق إلى الغرب. وبما أن الحركة قد اقترنت بالثورات العربية وتأثرت بها، فقد انسجمت مع منطقها من خلال تهميش "قياداتها" المسائل الهوياتية والتعددية الثقافية وإبراز المطالب السوسيو–اقتصادية على حساب الانقسامات السياسية وتفعيل مطلب الملكية البرلمانية. لكنها شهدت في المقابل ظهورًا للمجموعات التي تعيش على هامش المجتمع، وتتعرض للإقصاء الاجتماعي على أساس ديني – ثقافي، يرفض اتجاه الحركات الاجتماعية الجديدة التي تخرج إلى الفضاء العمومي المغربي بمطلب الحريات الفردية والتعددية التي لا تقصي بعض المجموعات التي كانت تصنف ضمن خانة "الأقليات". وهكذا، ظهرت في الفضاء العمومي المغربي مبادرات من قبيل "الفلسفة فالزنقة" و"مسرح المحگور"، وغيرها من المبادرات الشبابية الثقافية والفكرية التي اقترنت بحركة 20 فبراير المغربية. مقابل هذا الانفتاح الذي دّش نه الشباب الفبرايري على هامش ثورات الربيع العربي، ألحّ بعض شباب الريف على إبراز خطاب المظلومية التاريخية، والتأكيد على تيمات الإقصاء والقمع والتهميش، والماضي العامر بالأمجاد والبطولات. وقد حّرك ت هذه المضامين التظلمية والتفاخرية مشاعر مختلطة

من الألم والغضب وساهمت في بناء هوية موحّدة ربطت الحاضر بالماضي المخزّن في الذاكرة، فأعادته إلى الحاضر لتكرس استمرارية القدرية والحتمية التاريخية للانكسارات والنكبات المتتالية. لقد ساهمت عودة الماضي المكبوت في إنعاش الذاكرة وتعبئتها وإعلائها؛ ما نتج منه انتشار اعتزاز طاغٍ بالذات الجماعية وتمجيد بطولي للتاريخ وتفاخر بالتمايز التاريخي والتفرد الهوياتي، بل تجاوز الأمر الافتخار بالانتماء والخصوصية لدى بعض الشباب إلى طهرانية إقصائية وقومية شعبوية، بل حتى عنصرية عرقية. لا كانت وراء تشكّل الحراك الاحتجاجي في المنطقة تنفصل هذه النتائج عن العوامل البارزة التي المعروفة في المغرب باسم الريف، وفي مقدمتها مقتل بائع السمك في حدثٍ اتسم أول بأنه قضى على شاب ينتمي إلى المنطقة، وفي حاوية أزبال ثانيًا، وبأمر من رجل شرطة ثالثًا. لقد تفاعلت هذه الأسباب

التي يتداخل فيها القديم مع الجديد والاجتماعي مع السياسي والفردي مع الجماعي؛ فأنتجت حراكًا هو سلطوي  كثيرًا ما تُعرف بنزوعها التحرري ومقاومتها لكل ما أعاد إلى الواجهة ملف قضية منطقة

أو دولتي أو "وطني" وعدم استفادتها من ثروات البلاد وحتى من ثرواتها، رغم قيادة زعمائها لحركات التحرر الوطني في المغرب والمشرق العربي، مثل محمد بن عبد الكريم الخطابي. وقد كان مفعول نفي الخطابي و"ظله العالي" حاضرَين بقوة في تأجيج الهوية الاحتجاجية لناصر الزفزافي وجيله

(5((للمزيد حول هذه الممارسات، ينظر: سعيدة الكامل، "'الفلسفة فالزنقة'.. هل هي شكل احتجاجي جديد؟"، اليوم 24، 2020/2/5، شوهد في 2023/6/18، في: https://bit.ly/3NawTrv؛ زهور باقي، "مسرح يحتضن آلام المقهورين.. صرخة برازيلية

بشوارع المغرب"، أصوات مغاربية، 2018/1/28، شوهد في 2023/6/18، في: https://bit.ly/42Oax4T ((5(سعدي، "شباب حراك الريف في المغرب"، ص 54. ((5(المرجع نفسه، ص.51

من الشباب الثوري. إن تفسير العلاقة المتوترة بين شباب الريف المغربي ومؤسسات الدولة والنظام السياسي يحيل على تاريخ المنطقة الثقيل وذاكرته الجمعية المجروحة، في نظر محمد سعدي، الذي حلل كيفية اشتغال الذاكرة الجمعية للريف، وحاول فهم الاستراتيجيات التي يوظفها الشباب لتحويلها إلى أداة للمقاومة والتفاخر بالهوية المحلية. وبصفة أعم "في حراك الريف هناك ذاكرة جماعية تحيل على المقاومة والانتصار، وهناك وعي جيلي في هذه الذاكرة يريد استعادة أمجادها، وهناك حدث. كلها عناصر قابلة، في شروط اجتماعية معينة، لأن تخلق حركة اجتماعية بمطالب محددة". وإذا كان "جيل شباب 20 فبراير هو جيل سياسي حامل لمشروع اجتماعي وخريطة طريق ل ونع المجتمع الذي يطمح إلى العيش فيه، مميزًا ذاته من الأجيال الأخرى، بالطريقة والأسلوب المعبّر بهما عن تلك المطالب [..] فإنّ حراك الريف انعكاس لوعي جيلي يعيد إحياء الذاكرة السياسية الجماعية للس ونات الأولى من الاحتلال الإسباني للمنطقة، والمقاومة المسلّحة الشرسة التي قوبل بها من طرف السا نكة المحلية تحت قيادة [محمد بن] عبد الكريم الخطابي".

ثالثًا: جدل الذاتية والهوية في الصيرورة الثورية

لفهم العلاقة بين الذوات والسياسة وتداخلات الزمان والمكان والأفراد في الصيرورة الثورية التي تعرفها المنطقة العربية، استندنا إلى سِير حياة النشطاء الشباب الذين عاشوا تجربة المشاركة في حركتين احتجاجيتَين مغربيتين ممتدتَين في الزمان وفي المكان، وحاولنا أن نحلل سيرورة بناء الهوية الاحتجاجية انطلاقًا من السير الذاتية للنشطاء، اعتمادًا على ثلاثة أزمنة: الماضي والحاضر والمستقبل. يعمل السرد الِّس يَري على إحياء اللحظات الماضية وتقييمها وإعادة تنظيمها، بحيث يتيسر للسارد نفسه فهم مساراتها من خلال التجارب الذاتية بعد مرور فترة زمنية، وبناء نوع من المسافة مع الذات والهوية. أما تحليليًا، فإنه يساعد على فكّ ما يسميه طاراغوني "اللغز الثوري"؛ وذلك من خلال توظيف التجارب الاحتجاجية التي شكّلت الذوات ونسجت تشابكات الأزمنة الجمعية والفردية لفهم تداخل الهويات الاجتماعية. في ما يلي، سنقدّم تحليلنا لسيرة تاكفاريناس والريفي، الناشطَين اللذَين شاركا في حركة 20 فبراير تحت لواء الاتحاد الوطني لطلبة المغرب وفي حراك الريف، بوحي من النهج الديمقراطي والحركة الثقافية الأمازيغية. ومن خلال استعراض السيرتين، سنعالج، في البداية، كيفية بناء عملية التهميش للاحتجاج في الريف منذ حركة 20 فبراير، ثم سنبين التحوّل الذي لحق هذا الاحتجاج ومركزيته في ضوء حراك الريف من جهة، وتقلبات المساحة الاحتجاجية وديناميات الهوية وتحولات السلطوية في المغرب، من جهة أخرى.

((5(المرجع نفسه، ص.38 ((5(الخطابي، "من 20 فبراير إلى حراك الريف"، ص.49–48 ((5(المرجع نفسه، ص.47–43

(60) Federico Tarragoni, L'énigme révolutionnaire (Paris: Les Prairies Ordinaires, 2015), p. 325.

1. تاكفاريناس: نضال شاب مغربي يتقاطع مع ثورات الربيع العربي

بدأ تاكفاريناس، ولنلاحظ اسمه الذي يستمده من التاريخ ال ونميدي السحيق، مسيرته السياسية ضمن الحركة الطلابية التي ساهم في تشكيل موقع لها بالكلية المتعددة التخصصات في الناظور، عند افتتاح هذه الكلية التابعة لجامعة محمد الأول بوجدة في عام 2007. هناك اكتشف الفصائل الماركسية المختلفة التي تناضل تحت لواء نقابة الطلبة التي جرى حظرها في 24 كانون الثاني/ يناير 1973، أي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. وبما أن المنظمة التي تدعى اختصارًا "أوطم" تضم مكونات أيديولوجية متعددة وفصائلَ مت ونعة ومتصارعة سواء أكانت يسارية أم إسلامية أم أمازيغية، فقد اختار الناشط الشاب المنحدر من الريف أن يناضل على الطريقة القاعدية. في أيلول/ سبتمبر 2010، أي قبل فترة وجيزة من بدء الثورات في المنطقة، حصل تاكفاريناس على شهادة الإجازة من جامعته. ووجد نفسه من دون عمل فقرر الانضمام إلى الفرع المحلي للجمعية الوطنية للمعطّلين في الناظور. كانت الجمعية بمنزلة استمرار لتجربته بوصفه خرّيجًا من دون عمل أو يعمل عمل مؤقتًا وهًّشًا، على غرار

العديد من الشباب في المغرب. دفع الالتزام النضالي تاكفاريناس إلى الانخراط والمشاركة في حركة 20 فبراير من موقعه ومنطقته. يشدد الشاب الريفي، في سرده، على التمييز الجذري بين أساليب العمل في الرباط والدار البيضاء، ونظيرتها في الناظور. فعلى عكس الاحتجاجات في المركز، التي لم تكن تضم بحسب قوله إلا الشباب أبناء الطبقة البرجوازية الصغرى المغربية، مثل المهندسين والأساتذة الذين استفادوا من تعليم جيّد، يبرز

تاكفاريناس الجانب القبلي والعائلي للتعبئة في الناظور بوصفه قطعة من الريف الكبير في المغرب. فنشطاء هذا الأخير بحسب قوله أشخاص يعرفون بعضهم بعضًا ولا يشتر وكن في مستوى الامتيازات التي يحظى بها المتظاهرون في المركز، ويتواصلون باللغة الأمازيغية، التي قد لا يفهمها غير الأمازيغ، وخصوصًا رجال السلطة وال كولاء المكلفون بإخماد نيران الاحتجاجات ولهيب المظاهرات، قبل أن تأتي على الأخضر واليابس. فالتعبئة في الناظور لم تستهدف فقط الإصلاحات، مثل المطالبة بالانتقال إلى الملَكية البرلمانية، بل دعت بوضوح إلى سقوط النظام بأكمله، بحسب تاكفاريناس، الذي أقدم بمعية رفاقه القاعديين في الناظور على إقامة خيام على شكل معْتصم في ساحة عامة تقع وسط المدينة، في 20 شباط/ فبراير 2011، وذلك في الوقت الذي كان فيه نشطاء المراكز يعودون إلى منازلهم بعد انتهاء التحركات. يتجذر هذا الشعور بالتمييز بين طرائق العمل بين النخب في الرباط والدار البيضاء من جهة، والناشطين في الناظور من جهة أخرى، في تاريخ الريف الذي وُصف مرارًا بأنه سرّي ومحرّم ومحاصر؛ إذ إنّ

سردية تاكفاريناس، على غرار سرديات بقية الشباب المتعلمين، تقدّم أسماء المقاومين الريفيين، من محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى عباس المساعدي مرورًا بمحمد سلام أمزيان. يتصف الريفيون بالنسبة إلى تاكفاريناس بروح الثوار، فهم متجذرون في تاريخ طويل من الكفاح ضد القمع والمقاومة والاستغلال سواء من الدولة الاستعمارية أو الدولة الوطنية، وكانت المقاومة عندهم بالنسبة إليه نمط حياة ودفاعًا وتعبيرًا عن الهويّة الأمازيغية. إنها تراث ثوري يورث من جيل إلى جيل، وهنا يكمن

الاختلاف التاريخي بين التعبئة لحركة 20 فبراير في الريف، والتعبئة لها في أقطاب المركز، كالرباط والدار البيضاء. استنادًا إلى ما أدلى به تاكفاريناس، يمكن إعادة التفكير في هذه الهوية الثورية وهذا المخيال الجماعي والجماعة المتخيّلة. فإذا كانت حركة 20 فبراير قد ذوّبت الهويات والانتماءات في مختلف بقاع

المغرب، فقد حضرت بعض الاستثناءات، التي لم تغيّر القاعدة كما هو الشأن بالنسبة إلى الناظور.

أضف إلى ذلك أنّ جمعية المعطلين في هذه المنطقة لم تشارك بفاعلية في فعاليات 20 شباط/ فبراير 2011، وركزت كثيرًا على مسألة تقسيم الريف ثقافيًا إلى ريف غربي وريف شرقي وريف أوسط

وتوزيعه إداريًا على عدة جهات وأقاليم؛ بما لذلك من أثر في العمل الاحتجاجي بوصفهم كتلة موحّدة، حيث أدى إلى التجزئة. يمكن تفسير هذه الاستراتيجية في العمل، بوصفها شكل من أشكال المقاومة ضد التهميش الجغرافي الذي يتعرض له الريف من النظام السياسي المغربي، رغم أنه لم يجْر تبنّيها والجهر بها خلال التعبئة لحركة 20 فبراير. وقد نعتبر هذا طبيعيًا؛ نظرًا إلى أنّ المناضلين الشباب

الذين ينحدرون من الريف كانوا على استعداد للتنازل لهذا النظام مقابل وعد بالعمل، وهو ما يكشف عن حجم الارتباك الذي يكون لدى شباب الناشطين العاطلين، كلما ظهرت فرص عمل. وعلى الرغم من خطاب تاكفاريناس الذي يضفي نوعًا من الجاذبية على منطقته، فهو يعتبرها الأكثر "ثورية"، وعلى سكانها الذين يعتبرهم الأكثر استعدادًا للعمل بطريقة جذرية، فقد تبيّن أنّ للمخزن تأثيرًا أقوى ممّا

كان للحركة الاجتماعية من خلال الإقناع والقمع الذي لحق جزءًا كبيرًا من الشرائح الاجتماعية، التي

انخرطت في الصيرورة الثورية. فعلى غرار بقية مناطق المغرب، شهدت حركة 20 فبراير في الريف المصير نفسه، الذي يمكن تلخيصه في دخولها في حالة تدهور وأفول. وإذ كانت أنشطتها تتوافق مع أنشطة التنسيق المحدد من الأقطاب المركزية، فإن نشطاءَها لم يخرجوا بعد اندفاعتها الأولى سوى مرة

واحدة كل شهر؛ لتذكير الناس بمطالب الحركة. ومع نهاية عام 2016، شهدنا استئنافًا للتقليد الذي يتحوّل بموجبه الهامش إلى مركز، وانتق ل إلى الوضع الذي يستطيع معه التابع أن يتكلم؛ فقد أصبح نشطاء الريف الذين لم يتمك ونا من فرض رؤيتهم للتغيير خلال حركة 20 فبراير، في مقدمة الموجة الاحتجاجية الجديدة التي أعل ونا أنهم صانعوها. فتحوّلوا من وضعية تلقّي التوجيهات من نشطاء المركز إلى وضعية توجيهها إليهم وإلحاقهم بالحراك من خلال الانضمام إلى اللجنة الوطنية لدعم حراك الريف ضمن امتداد ذلك الدعم بحيث وصل إلى العالمية؛ بفضل الشتات الريفي ودعم البرلمان الأوروبي لحراك المنطقة المعروفة بصراعها الأزلي مع النظام السياسي المغربي ما بعد الاستعماري.

2. التفاوض الزمني أو الفرد أمام السلطة السياسية: نظرة مشتركة بين الريفي سيرة تاكفاريناس وسيرة

في الناظور، كما في بقية البلاد، لم تكن مشاركة جمعية المعطلين في حركة 20 فبراير بارزة مقارنة بالمكونات الأخرى؛ وهو ما يعدّ أحد الأسباب التي أبطأت زخم هذه الحركة الاجتماعية. وعلى

العكس من ذلك، انخرطت الجمعية في الريف بقوة مقارنةً بالمناطق الأخرى؛ حيث أظهرت معارضتها لتقسيم الريف وتوزيعه على جهات متعددة (الريف الغربي، والشرقي، والأوسط)، كما جاء في التقسيم الجهوي الجديد الذي اعتمدته السلطات، وأعطت الأفضلية للعمل ككتلة واحدة بدل من التجزئة الإدارية. كانت هذه الاستراتيجية بمنزلة أحد أشكال المقاومة ضد تهميش النظام السياسي لمنطقة الريف ومجتمعه، رغم أنها لم تحضر خلال التحركات الاحتجاجية الاجتماعية المرتبطة بحركة 20 فبراير، حيث لم يتّحد النشطاء الخريجون العاطلون عن العمل في كتلة واحدة مع حركة 20 فبراير على نحو يمكن أن يعزز موارد هذه الحركة، التي تجددت بعد خمس س ونات في منطقة الريف. يمكن اعتبار هذا الموقف طبيعيًا؛ نظرًا إلى استعداد هؤلاء النشطاء للتوصل إلى تسويات مع النظام مقابل

وعد بتوفير فرص عمل. ومع ذلك، فإن اعتماد هذا النهج المتناقض يكشف عن بعض الالتباس لدى الفاعلين، خصوصًا حينما  كانت هناك فرص للتحرك زمن الانتفاضات بالمنطقة واستعادة ذاكرة الزمن الثوري الخاص بتاريخها. تتجلى هذه التناقضات خاصة في استمرارية سردية تاكفاريناس التي تكشف مدى تعقيد ديناميات الاحتجاج في الريف من خلال تمددات إقليمية تُوّجت بتشكّل حركة 20 فبراير

في المغرب. وعلى الرغم من تعبير تاكفاريناس الحماسي عن أفكار اليسار الراديكالي وتطلعاته إلى ثورة قادرة على تحقيق سقوط النظام، فإن واقعيته العملية تكشف عن توجّهه الفعلي نحو الانخراط

في جمعية المعطلين نظرًا إلى ظروفه الشخصية ومواجهته للبطالة بعد حصوله على الشهادة الجامعية. تلقي هذه التداخلات المعقدة، بين ذاكرة الثورة في الريف والزمنيات الثورية للمنطقة واستمرارية النظام الحاكم، الضوء على السياسات السلطوية للدولة ومناورات النظام السياسي في المغرب. تتجلى هذه السياسات من خلال التسويات السرّية والتحالفات والخيارات التكتيكية، التي تبيّن التوتر المتصاعد

بين المثالية والواقعية وبين الماضي والحاضر؛ حيث يتعين على الفرد والجماعة أن يتفاوضوا بخصوص التموضع في سياق زمني متغير باستمرار ومتأثر بالتفاعلات المعقدة بين التاريخ والذاكرة الجماعية والرهانات السياسية للفاعلين المحليين. وتتجلى التفاوضات الزمنية بين سلطة النظام وفاعلي حركة 20 فبراير في الريف بوضوح في خطاب الملك، الذي ألقاه في التاسع من آذار/ مارس 2011، والذي أسفر عن تراجع هذه الحركة. تأخذ هذه الدينامية بعدًا خاًّصًا من خلال سرد قصة ناشط شاب آخر يدعى الريفي، الذي كان يناضل وهو شاب صغير أثناء حركة 20 فبراير في مدرسة إعدادية بسيدي علي بورقبة. وعلى الرغم من عدم تجاوزه سن الخامسة عشرة خلال فترة الحركة، فقد شارك بنشاط في التظاهرات للمطالبة بتوفير الإنارة في مدينته. يظهر هذا الاهتمام الرمزي الواقع الذي تعانيه المنطقة نتيجة التهميش الذي تعرضت له من النظام، ويكشف استمرارية هذا التهميش الذي لا يقتصر على منطقة الريف. وبما أنّ البنى التحتية والخدمات العامة ظلّت محدودة في الحسيمة والناظور ونواحيهما، فقد بقي سكان هذه المنطقة النائية على هامش التنمية البشرية والتحوّل التك ونلوجي الذي يشهده المغرب على غرار بلدان العالم العربي. عقب حركة 20 فبراير، أطلق الملك محمد السادس وعودًا بتحقيق تنمية متساوية لجميع مناطق المغرب والقضاء على التفاوتات الجهوية. وفي إطار هذه الجهود، جرى الاعتراف دستوريًا بتعددية

الهويّة المغربية بحيث تمثّل الأمازيغية مكّومّ نًا أساسيًا منها؛ الأمر الذي أدى إلى إعادة النظر في التقسي

الجهوي، بما في ذلك تقسيم منطقة الريف. لقد تضمّن خطاب الملك إشارةً إلى تحقيق التوافق مع ذاكرة المنطقة وإلى اعتراف الدولة بتنوّع المنطقة ونضالاتها. لكن، وفي لحظة ما، تعاكست الأبعاد

الزمنية الوطنية والمحلية ولم تترجم وعود الملك في الريف إلى ممارسات فعلية. وقد كانت هذه المنافسات الزمنية التي تكشف عن تعقيدات حركة 20 فبراير، وأشكال حضورها في الريف، هي السياق الذي فيه اندرجت تفاعلات هويات الفاعلين. وقد كانت هذه التفاعلات واضحة بالفعل خلال حركة 20 فبراير، ولكنها اتخذت دور العامل المهيمن خلال حراك الريف الذي تشَّكَل في أواخر عام 2016 بعد مقتل بائع السمك الريفي الشاب محسن فكري. تشير المقابلات السيرية التي أجريناها مع تاكفاريناس والريفي إلى أهمية التمييز بين حركة 20 فبراير وحراك الريف، وخصوصًا فيما يتعلق بالعلاقة والمواقف مع/ من الفاعلين السياسيين. إنّ أحد ملامح حراك الريف البارزة هو طابعه المحلي، حيث يبدو أنّه مكوّن كلّيًا من سكان منطقة الريف مع وجود

قطيعة مع الأحزاب السياسية والمنظمات الرسمية على المستوى الوطني. يتجلى ذلك في الأقوال التي أعادها تاكفاريناس، حيث يشير إلى توصيف ناصر الزفزافي، قائد حراك الريف الذي كاد أن يمنح جائزة ساخاروف، الأحزاب المغربية ب "الدكاكين السياسية"، مؤكدًا بذلك التفرد القبلي والعرقي والثقافي للحراك، وكذا بعده عن أيّ تنظيم وقطيعته مع أيّ حزب سياسي. علاوة على ذلك، يؤكد الريفي هو أيضًا أن المتظاهرين في حراك الريف قد نجحوا في تحقيق أهدافهم من دون اللجوء إلى مشاركة الأحزاب السياسية. وخلال حراك الريف، كان التواصل بين المشاركين يجري أساسًا باللغة الأمازيغية،

وهو عنصر تحليلي – تفسيري في غاية الأهمية من منظور فهم أسباب الاستمرارية في حراك الريف. إنّ الجانب الهوياتي بمنزلة عامل يفسر "روعة" حراك الريف بالنسبة إلى الفاعلين كتاكفاريناس والريفي، إضافةً إلى أنه ينبّه الباحثين إلى الجانب الهويّاتي في التعبئة للحراك الاحتجاجي وإلى أهمية دور

السجلّ الثوري والخيال الجماعي لدى المناضلين في تجنّب الوصم السوسيوثقافي الذي انضاف إلى التهميش السياسي والاقتصادي والجغرافي لمنطقة الريف. تساعدنا هذه النقطة على فهم الدينامية التي يسعى من خلالها الفرد لإبراز اختلافه عن الآخرين والتكامل مع أفراد المجموعة في آن، وأيضًا، على تفسير كيفية تطوّر هذه العملية بناءً على التغيرات

السياقية والممارسات الاجتماعية السائدة، التي تدعم عمليات بناء الهوية وسيرورات تكوين الذوات في الأزمنة الثورية؛ علاوة على تفسير نشوء التجربة النقدية تجاه آليات الهيمنة، من خلال التركيز على كيفية قيام الأفراد والجماعات المهمشة أو المضطهدة بتطوير وعيٍ سياسي وهوية جماعية لمقاومة هياكل السلطوية. إنّ السرد الذي قدّمه تاكفاريناس مثل هو بمنزلة أرضية ممتازة لتحليل الهوية والفردانية الاجتماعية؛ لأنه يظهر الكيفية التي تحوّل بموجبها انتماؤه إلى الحركة الأمازيغية عبر لقاءاته وتجاربه

النضالية، وكذا اعتناقه للماركسية عن طريق المشاركة في النقاشات الفكرية داخل المواقع الجامعية. ومن خلال سرده، تكشّفت لنا تطورات التشابكات المعقدة بين الهوية والتهميش واكتساب الوعي الهوياتي، والتي ساهمت في تشكيل وعيه السياسي وجعله ذاتًا ثورية.

في مرحلة أولى، كان تاكفاريناس يعرّف نفسه بأنه قبل كل شيء أمازيغي، حيث كان يحتفظ برابطة

قوية بثقافته الأمازيغية ويبرز انفصاله عن الانتماء العربي. وكان يردد أن الريف منطقة تتعرض للتمييز السلبي والتهميش الثقافي والسياسي والسوسيو–اقتصادي، وأنّ أبناءه تعرضوا للتهجير القسري. طًا للهوية والعلاقات كانت هذه الرؤية الثنائية التي تقارن الأمازيغ بالعرب تعكس تصورًا مبّس ولئن

الاجتماعية في تلك المنطقة، فإنّ لقاء تاكفاريناس بفتاة في عام 2006 سيكون بمنزلة نقطة تحوّل

جذرية في مسيرته. لقد قادته هذه الفتاة إلى التعرّف إلى جماعة التواركة (جيران الملك في قصره

بالرباط)، فكانت هذه التجربة الجريئة بمنزلة خطوة فتحت أمامه آفاقًا جديدة. لقد شكّل هذا الاكتشاف المفاجئ صدمة له؛ ما دفعه إلى إعادة النظر في رؤيته السابقة المبنية على هوية أمازيغية تميز نفسها من الهويات الأخرى، وفهم أنّ التهميش ليس حكرًا على الأمازيغ فقط، بل يشمل

الطبقات الاجتماعية في المغرب أيضًا. اتسع وعي تاكفاريناس بموقعه خلال دراسته في جامعة وجدة، حيث وجد نفسه في بيئة فكرية دينامية ومت ونعة، فتحت له فيها النقاشات مع مجموعات ذات توجهات فكرية متباينة، مثل الإسلاميين والماركسيين اللينيين والقاعديين والحركة الثقافية الأمازيغية، آفاقًا جديدة. وكانت النقاشات حول التهميش في منطقته الأصلية بمنزلة نقطة انطلاق لتفكير تاكفاريناس في التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية. في البداية، كان يستفسر عن غياب الجامعة في منطقته وعن أسباب معاملة الريفيين على أنهم مواط ونن من الدرجة الثانية. أمّا محادثاته مع طلبة قاعديين من الحسيمة، فقد أحدثت تحّولاّاا في

فهمه للصراع. ومع مرور الوقت، وخلال نقاشات معمّقة معهم، سيدرك الشاب الريفي أّن كفاحه من

أجل الأمازيغية مرتبط على نحو عميق بالصراع الطبقي. توثّق هذه التحولات نحو الوعي الطبقي مرحلة من القراءات المكثفة والحوارات المتواصلة مع الأقران. ويسلط مسار تاكفاريناس الضوء على أهمية التفاعلات الاجتماعية والفكرية في بناء الهوية السياسية للفرد، ويوضح أن الروابط القائمة بين الهوية والوعي الطبقي متشابكة على نحو وثيق في عمليات تشكيل الذات السياسية. إن تحليل بناء الهوية لدى نشطاء الريف لا يمكن أن يقتصر على جانبه الإثني؛ حيث يتبين أن هذه الهوية معقدة بطبيعتها ما دامت تؤدي إلى اندماج حقيقي للهويات الاجتماعية وتداخل بينها في آن معًا. وتمكن معاينة الأمر بقوة، خلال الحراك، كما يوضح ذلك سرد الريفي، حيث تبين أن في قلب ذلك الحراك الذي نشأ، عقب مقتل محسن فكري، يكمن واقعٌ معقّد ومتشابك على نحو عميق يتحدى أيّ

تفسير مبسط أو مختزل للهويات. انضم الريفي الذي ينحدر من بلدة كانت لا تزال تطالب بالإنارة في عام 2011 إلى الحركة، ليسمع صوته ويطالب بالحقوق الأساسية ويساهم في التعريف بمشكلات منطقته الرئيسة، من قبيل التهميش الاجتماعي والاقتصادي والتمييز السياسي المبني على أساس ثقافي. تتداخل هذه الأبعاد مع سعي مجتمع المنطقة المشترك نحو الاعتراف والعدالة؛ وبمشاركته في هذا الحراك، كان يأمل أن يستجيب الملك لمطالب الحركة من منطلق أنه اللاعب الرئيس على مستوى السلطة في المغرب. ورغم أنّ جذور الحركة قد امتدت إلى منطقة الريف، فإنّها تعكس أيضًا إرادة

صريحة للمصالحة مع الهوية المغربية الشاملة، تشمل جميع الت ونعات التي تشكّل المجتمع المغربي بوصفه مجتمعًا تعدديًا على غرار الجزائر وسورية والعراق، في نظر حليم بركات. يسهم عنصرٌ آخر في تشكيل هذه الهوية المتعددة، وهو الارتباط بالدين الإسلامي. يظهر هذا العنصر من

خلال الدور الذي اضطلع به في إلهام أحد قادة الحراك، وهو ناصر الزفزافي؛ حيث كان يردد في خطبه وكلماته أسماء شخصيات من التاريخ الإسلامي، مثل عمر بن الخطاب باعتباره يمثل نموذجًا للحكم

العادل، علاوة على نص القسم الذي كان يرفعه على هامش الاحتجاجات. تظهر هذه العناصر وغيرها مما يشبهها أنّ للحراك مرجعية تجعله يتحرك بطموحات تتجاوز الاعتبارات الإثنية إلى الرغبة في العدالة والتحشيد الشعبي والتوحيد الأيديولوجي. وعلى الرغم من أهمية الحراك، يعتزم الريفي والعديد من الشباب الآخرين الذين يواجهون الهشاشة نفسها مغادرة البلاد؛ وذلك لأنهم يرون أن منطقتهم وبقية البلاد لا تقدّم لهم مستقبل واعدًا ولن تفعل. تعكس هذه الحقيقة الماثلة في تصوّر الشباب، حتى المناضل،

التحديات المستمرة التي يواجهها المغرب في مجال التنمية الاجتماعية والثقافية وضبابية آفاق المستقبل للأجيال الشابة الصاعدة. من هذا المنظور، ترتبط انتماءات الشباب الريفيين بالوضع المشترك لجميع الشباب المغاربة بصورة أكبر ممّا ترتبط بمنطقة محددة مثل الريف. وعلى الرغم من التأكيدات التي يقدمها

تاكفاريناس، الذي يسلط الضوء على الجانب "الثوري" لمنطقته وسكانها الذين انحازوا تاريخيًا إلى

النضال السياسي على نحو جذري، يظهر أن للسلطة الممثلة بالمخزن القدرة على أن تمارس تأثيرًا أكبر

من التأثير الذي تمارسه هذه التمثلات لإخضاع الشباب الثوري. ويثير هذا الأمر تساؤلات عن المفاوضة الزمنية التي يخوضها الفرد مع السلطة السياسية والقيود التي يتعين عليه مواجهتها في تعامله مع طموحاته لتحقيق التغيير الاجتماعي والتحرر من نظام الحكم السلطوي. تنبّه سردية الريفي إلى تعقيدات الهوية المتطورة باستمرار ورهانات تحقيق الاعتراف بالحقوق

والحريات؛ فالحراك تجاوز الرؤية التقليدية والثنائية للهويات العرقية، ومطالب نشطاء الريف تجاوزت إلى حد بعيد الانقسامات التقليدية، وساهمت في ميلاد تعددية هوياتية تتداخل فيها الأبعاد الإثنية والاجتماعية والسياسية. وقد شوّشت هذه التعددية الهوياتية على خطوط الانقسام؛ ما فتح المجال

أمام ديناميات متعددة ضمن الحركة نفسها وفي ترابطها مع المجتمع المغربي والعالمي. ويتحدى هذا السرد ذلك التصور التقليدي للزمن الخطّي والمتجانس لمسار الأمة، من خلال تسليط الضوء على الفضاءات المتعددة للحراك الاحتجاجي في 20 فبراير، وتداخل زمنياتها من خلال استدعاء الماضي التاريخي لمنطقة الريف، وتحويله إلى وسيلة يستخدمها الفاعل الاجتماعي، لإعطاء معنى لوجوده الفردي وللمصير الجماعي الذي يندرج فيه. وإذا كان هناك تجاهل واحتواء لجزء معيّن من

تاريخ المغرب، بحيث يصوّر الريف باعتباره مساحة ثورية ترتبط ببقية بلدان العالم العربي، فإن هذا

التركيز على التاريخ المحلّي يمحو إلى حد ما الزمن الوطني، ويكشف عن تقاطعات البعدَين الإقليمي والمحلي في الحراك الاحتجاجي المغربي إبان ثورات الربيع العربي.

(6((بركات، ص.29 (6((القسم هو: "نقسم بالله العظيم أّلا نساوم، وأّلا نخون، وأّل نبيع قضيتنا، ولو على حساب حياتنا."

خاتمة

نة من الإنتاجات السوسيولوجية المنجزة حول الثورات العربية تأسست الدراسة على الانتقال بين عّي

والحركات الاجتماعية والاحتجاجية المغربية، وبين الإنصات لتجارب الشباب الذين شار وكا في الاحتجاجات الناتجة من هذه الثورات والحركات. لقد ركزنا على سير حياة بعض الشباب النشطاء الذين انخرطوا في حركة 20 فبراير وحراك الريف؛ لرسم صورة بيوغرافية مغايرة للصورة المعتادة لسواعد الحراك توزعت على لحظات ثلاث، هي الماضي والحاضر والمستقبل. وحاولنا أن نجعل السرد البيوغرافي مدخل لاستعادة التجربة الذاتية قصد تقييم عناصرها، وإعادة تنظيمها؛ بحيث تساعد على فهم ديناميات الهوية الاحتجاجية بعد فترة معينة وبنظرة مستقبلية "بعيدة" المدى. فرض هذا التوجه استحضار الأحداث اللاحقة للحظات الاحتجاج واستعادة الحالات المهملة من أجل فهمٍ أعمق للوضعية الحالية التي تعرفها الحركات الاحتجاجية الاجتماعية. وقد كان من بين العناصر التي استحضرها تحليلنا ما يندرج ضمن تحولات الأنظمة السياسية السلطوية، وأدوارها في إنتاج وإعادة إنتاج الأزمات الاجتماعية الناتجة من خلال الاستغلال السياسي للجوائح والحروب والصراعات والانقسامات من جهة، ومن جهة أخرى الحيل التي تقاوم بموجبها المجتمعات هذه الأنظمة المتحولة المعروفة بإنتاجها للمشكلات وتعايشها مع الأزمات. وتطلّب هذا التوجه في التحليل استحضار أكبر عدد ممكن من المتغيرات والسياقات التي تتحول باستمرار، كما تنبّهنا إلى ذلك أدبيات الثورات وعلم

الاجتماع التاريخي المقارن من بارينغتون مور إلى ثيدا سك كوبول. يساعد المغرب بوصفه حالة دراسية على فهم الديناميات الاحتجاجية في المجتمعات العربية. فقد كبير من المجتمع المغربي الذي انخرط عرفت المملكة حركية سياسية جسّدت تطلعات ومطالب جزء

بقوة في حركة 20 فبراير عام 2011 على غرار بلدان الربيع العربي. ومع مرور الس ونات، شهدت البلاد تحولات جذرية أدت إلى ظهور مطالب ذات صبغة هوياتية، على غرار حراك الريف بوصفه إحدى الحركات التي أعادت إلى الواجهة قضايا الهوية والذاكرة الجمعية. وأعادت، أيضًا، نزاعات وانقسامات حركات ما بعد الثورات فكرة سائدة مضمونها أن العالم العربي يعدّ استثناء في أي عملية انتقال ديمقراطي؛ ما أتاح المجال لتنامي النزعات التشاؤمية التي صاحبت الثورات العربية. يتطلب تجاوز هذا الطرح نقد التحليل الثنائي الذي يعتمد على نهج مقسم على نحو متكرر لاستكشاف الواقع العربي، حيث يجَّزَأ هذا المجال إلى نظام استبدادي من جهة، ومعارضة تنتمي إلى الإسلام السياسي، من جهة أخرى. فمن خلال التركيز الحصري على هذه الثنائية، يغفل هذا التحليل وجود فاعلين سياسيين آخرين ذوي أهمية بارزة ويؤدون دورًا مؤثرًا في ساحات الاحتجاج. في الحقيقة، يتبدى هذا الفضاء السياسي

بعيدًا عن وكنه خاليًا من أطياف أخرى للفاعلين السياسيين، سواء أكانوا فاعلين ينتمون إلى منظمات

سياسية تقليدية أم أفرادًا أم مجموعات بلا انتماءات سياسية محددة. لا كما تولد الثورات فجأة وعلى حين غرّة تعتقد التصورات الساذجة والبريئة حول الأزمنة الثورية

والحركات الاجتماعية والاحتجاجية. لذا علينا التفكير بواقعية علمية لتحقيق فهم دقيق لسياسات الاحتجاج الاجتماعي والثورة في السياقات العربية عمومًا، والسياقات السلطوية خصوصًا. وإذا كان

النهج التحليلي المتعدد المتغيرات يتميز بكشفه عن وجود تشابكات زمنية معقدة تظهر منطق التغيير الذي تتسم به حالة/ حالات الدراسة، فإنّ المنطقة العربية تمثّل نقطة بارزة في سجلّ التحول الثوري منذ عام 2011. يواجه هذا الحراك الثوري تعطل في المغرب، حيث يتأرجح الفرد في قلب هذه التداخلات الزمنية المتشابكة وتتجسد طموحاته وأحلامه وشخصيته الفريدة في خيوط متراكبة وفريدة. تلك هي الزمنيات الخاصة بالفرد التي تتشكل وتتأثر بمحيطه الاجتماعي والثقافي؛ ما يضفي نوعًا من العمق وطابعًا من التعقيد أمام أيّ محاولة لفهم الفعل الاحتجاجي الفردي والجماعي في سياقه المغربي. بناءً على ما تقدّم، تمثّل جوهر مشروعنا في سعينا إلى فهمٍ شامل ومركّب يستحضر التفاصيل

والتجاويف والنتوءات، التي تتخلل الحراك الاجتماعي والاحتجاج المغربي الناتج من تمدد ثورات الربيع العربي وتجدد أشكال التضامن بين بلدان تفرّقها الحدود السياسية ويجمعها التاريخ الاجتماعي

والنسق الثقافي السلطوي. وبما أنّ مجتمعات المنطقة العربية تتباين دينيًا وثقافيًا، فإنّ هذه المجتمعات

لا يمكنها أن تستقر وتتعايش وتتقدم على جميع المستويات، إلا في ظل أنظمة سياسية جديدة تعمل على تدبير هذه التباينات والاستجابة الحقيقية والدائمة للحركات الاجتماعية والاحتجاجات التي ترفع مطالب الاعتراف بدل من محاولة قمعها أو احتوائها أو حتى تجاهلها وفق منطق "كم حاجة قضيناها بتركها". و"إذا كانت الموجة الأولى من هذا الحراك لم تؤت بعد أكلها، فمن المؤكد أن موجات أخرى ستليها من أجل التغيير المرجوّ نحو 'العيش، والحرية، والكرامة الإنسانية'. [ولعل] ترسيخ الوعي بمبادئ الديمقراطية ومزايا التعددية مقابل الأحادية من شأنه أن يساهم، على وجه التأكيد، في الترخيص بنجاح موجات الربيع المقبلة".

المراجع

References

العربية

بركات، حليم. المجتمع العربي المعاصر: بحث في تغير الأحوال والعلاقات. ط  2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009 2008[]. بن عنتر، عبد  ال ونر. "الحراك الجزائري، سرديات وسرديات مضادة". سياسات عربية. مج  10، العدد 55 /(آذار مارس.)2022 بيات، آصف. ثورة بلا ثوار: كي نفهم الربيع العربي. ترجمة فكتور سحاب. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2022 بيشو، سيسيل وفيليول أوليفييه وماتيو ليليان. قاموس الحركات الاجتماعية. ترجمة عمر الشافعي. الجيزة: دار صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات،.2017

(6((مراد دياني، 20" فبراير ومعضلة التحول الديمقراطي 'اللامتناهي' في المغرب"، في: 20 فبراير ومآلات التحول الديمقراطي في

المغرب (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.51

حمشي، محمد وعبد ال ونر بن عنتر. "حراك 22 فبراير 2019 وانتفاضات الربيع العربي: حدود سردية الاستثناء الجزائري؟". عمران. مج  11، العدد 43 (شتاء.)2023 حمودي، عبد  الله. ما قبل الحداثة: اجتهادات في تصور علوم اجتماعية عربية. الدار  البيضاء: دار توبقال للنشر،.2022 ________. الرهان الثقافي وهم القطيعة، تجربة المسافة في مقاربة الزمن والتغير. الدار  البيضاء: دار توبقال للنشر،.2011 ________. الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة. ترجمة عبد  المجيد جحفة. ط 4. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2010 ح كوا، بن  أحمد. "سواعد الحراك، دراسة في تطور المؤشر الديمغرافي للانتفاض في المغرب". ورقة عمل رقم 13، المجلس العربي للعلوم الاجتماعية. 2020. الخطابي، أحمد. "الاحتجاج واستراتيجيات التعبئة في حراك الريف بالمغرب، نحو بناء هوية جماعية مؤنثة". مجلة علوم الإنسان والمجتمع. مج  8، العدد 1.)2019(________. "من حركة 20 فبراير إلى حراك الريف: الخوف من الديمقراطية أم الخوف من جيل الشباب بالمغرب؟". سياسات عربية. العدد  32 (أيار/ مايو.)2018 دوبار، كلود. أزمة الهويات: تفسير تحول. ترجمة رندة بعث. بيروت: المكتبة الشرقية، 2008. سعدي، محمد. "شباب حراك الريف في المغرب والذاكرة الجمعية الحارقة، الاعتراف بوصفه مدخل لمصالحة الدولة مع الماضي الأليم". عمران. مج  9، العدد 33 (صيف.)2020 س كواح، زهير. "الحركة الاحتجاجية والذاكرة الجمعية، حراك الحسيمة المغربية نموذجا". إضافات. العددان 44–43 (صيف – خريف 2018). الفراع، عز الدين. "اللامساواة المجالية والحركات الاجتماعية: مقاربة سوسيولوجية نقدية لحراك الريف بالمغرب في ضوء تجارب وتصورات عينة من شباب إقليم الحسيمة". مجلة العلوم الاجتماعية. مج 50، العدد 1.)2022(________. "الدولة والهشاشة والحركات الاحتجاجية بالمجالات المنجمية، حالة جرادة المغربية". مجلة الجامعة العربية الأمريكية للبحوث. مج  7، العدد 1.)2021(الانفجار العربي الكبير: في الأبعاد الثقافية والسياسية. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012. 20 فبراير ومآلات التحول الديمقراطي في المغرب. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018

الإسلاميون وقضايا الدولة والمواطنة. الجزء الثاني. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 المرشيد، إبراهيم. "الهبة الديموغرافية في العالم العربي: نعمة أم قنبلة موقوتة؟ المغرب أنموذجا". عمران. مج  6، العدد 21 (صيف.)2017 المسكيني، فتحي. الهوية والحرية: نحو أنوار جديدة. بيروت: جداول،.2011 ياسين، إبراهيم. "الحراك الشعبي بالريف، حراك الريف يفتح طريقًا جديدًا للنضال الشعبي في المغرب". الربيع. مج  4، العدد 9.)2018(الزياني، عثمان. "سوسيولوجيا حراك الريف، قوة المخزون الاحتجاجي في مواجهة سطوة الدولة". الربيع. مج  4، العدد 9.)2018(شراك، أحمد. سوسيولوجيا الربيع العربي. فاس: منشورات مقاربات،.2017

الأجنبية

Ben Néfissa, Sarah. Saraya, Aliaa. "'Le temps de l’événement et le temps des processus'." Revue Tiers Monde. vol. 2, no. 222 (2015). Deleuze, Gilles. "Du devenir révolutionnaire." L’abécédaire de Gilles Deleuze. at: https://bit.ly/3OAyhW8 Dobry, Michel. Sociologie des crises politiques: La dynamique des mobilisations multisectorielles. Paris: Presses de Sciences Po, 2009. Moor, Barrington. Social Origins of Dictatorship and Democracy: Lord and Peasant in the Making of the Modern World. Boston: Beacon Press, 1966. Tarragoni, Federico. L’énigme révolutionnaire. Paris, Les Prairies Ordinaires, 2015. Touraine, Alain. Le communisme utopique: Le mouvement de Mai 1968. Paris: Ed. Seuil, 1968.