الحركات الاحتجاجية الشبكية في المغرب: الفضاء الرقمي مجالًا لتشكل الخطاب المطلبي للهامش
Networked Protest Movements in Morocco: Digital Space as a Field for Shaping the Protest Discourse to the Marginalized
الملخّص
تسعى هذه الدراسة إلى معالجة التحولات التي شهدتها الاحتجاجات الاجتماعية بالمغرب نتيجة ارتباطها بوسائل التواصل الاجتماعي، وأدت إلى بروز نمط جديد من الأفعال الجماعية تتمثل في "الحركات الاحتجاجية الشبكية". وتحاول الكشف عن دور وسائل التواصل الاجتماعي، بوصفها أدوات مقاومة، في اندلاع الموجة الثانية من "الربيع المغربي"، التي تجسدت في الحراك الاجتماعي الذي شهدته مجموعة من مناطق المغرب منذ عام 2016. وتبحث في أشكال وآليات الاحتجاج الرقمي، الذي ابتدعه الشباب المحتج بالمغرب، وكيفية توظيف التكنولوجيا الجديدة في الحشد والتعبئة. وتعتمد الدراسة الإثنوغرافيا الافتراضية، التي تسمح بالوصول إلى بدايات تشكّل الفعل الاحتجاجي، وتتيح إمكانية رصد مسارات تطوره، وذلك من خلال تتبع التفاعلات الاجتماعية الإلكترونية للأفراد داخل الفضاءات الرقمية التواصلية، بالعودة إلى الآثار الرقمية، التي يخلفها المحتجون في مناسبات نضالية متفرقة.
Abstract
Abstract: This study explores the role of social media as a tool of resistance, in the second wave of the "Moroccan Spring", manifested in the social movement that has swept through several Moroccan regions since 2016. It examines the forms and mechanisms of digital protest created by young protesters in Morocco, and how new technology has been employed in mobilization. This study is based on the virtual ethnography approach, which provides insight into the early formation of the protest movement. It also allows the research to trace the development of the movement by analyzing the social interactions of individuals on social media and inspecting the digital traces left by protesters during various instances of action.
- الحركات الاحتجاجية
- وسائل التواصل الاجتماعي
- الاحتجاج الرقمي
- التهميش
- الإثنوغرافيا الافتراضية
- Protest Movements
- Social Media
- Digital Protest
- Marginalization
- Virtual Ethnography
رجاء جيئزاوي * | Raja Jaazaoui
Networked Protest Movements in Morocco:
Digital Space as a Field for Shaping the Protest
Discourse to the Marginalized
ملخص: تسعى هذه الدراسة إلى معالجة التحولات التي شهدتها الاحتجاجات الاجتماعية
بالمغرب نتيجة ارتباطها بوسائل التواصل الاجتماعي، وأدت إلى بروز نمط جديد من
الأفعال الجماعية تتمثل في "الحركات الاحتجاجية الشبكية". وتحاول الكشف عن دور
وسائل التواصل الاجتماعي، بوصفها أدوات مقاومة، في اندلاع الموجة الثانية من "الربيع
المغربي"، التي تجسدت في الحراك الاجتماعي الذي شهدته مجموعة من مناطق المغرب
منذ عام 2016. وتبحث في أشكال وآليات الاحتجاج الرقمي، الذي ابتدعه الشباب المحتج
بالمغرب، وكيفية توظيف التك ونلوجيا الجديدة في الحشد والتعبئة. وتعتمد الدراسة
الإث ونغرافيا الافتراضية، التي تسمح بالوصول إلى بدايات تشكّل الفعل الاحتجاجي، وتتيح
إمكانية رصد مسارات تطوره، وذلك من خلال تتبع التفاعلات الاجتماعية الإلكترونية للأفراد
داخل الفضاءات الرقمية التواصلية، بالعودة إلى الآثار الرقمية، التي يخلفها المحتجون في
مناسبات نضالية متفرقة.
التهميش، الإث ونغرافيا الافتراضية.
Abstract: This study explores the role of social media as a tool of resistance, in the second wave of the "Moroccan Spring", manifested in the social movement that has swept through several Moroccan regions since 2016. It examines the forms and mechanisms of digital protest created by young protesters in Morocco, and how new technology has been employed in mobilization. This study is based on the virtual ethnography approach, which provides insight into the early formation of the protest movement. It also allows the research to trace the development of the movement by analyzing the social interactions of individuals on social media and inspecting the digital traces left by protesters during various instances of action.
PhD researcher in sociology, Mohammed V University, Morocco. Email: rajae.jiz@gmail.com
مقدمة
إن استحضار "الربيع العربي" وباقي الاحتجاجات، التي شهدها العالم منذ عام 2011، لا ينفصل عن استيعاب سلطة شبكات التواصل الاجتماعي التي قادت عملية تحررٍ من بعض الممارسات السلطوية، وقلبت موازين القوى، وعملت على إعادة توزيعها لصالح الفاعل الرقمي وليد الثورات العربية. لقد أمدّت وسائل التواصل الاجتماعي المحتجين في تونس ومصر واليمن والمغرب، كما في باقي المناطق الأخرى، بق ونات جديدة للتواصل وآليات للحشد والتعبئة. وانتقل الانتشار الواسع لفيسبوك وتويتر (سابقًا) وباقي المدونات التي دعت الناس إلى الخروج إلى الشوارع والميادين العامة، "من مجرد بروفة لفظية [...] ثم صار واقعًا يعيشه الناس"، وقد تجلى ذلك في حركة "احتلوا وول ستريت"، تلك الحركة الاحتجاجية الواسعة، كما تجلى فيما يسمى ب "الربيع العربي". لقد وفر الفضاء الرقمي للحراك الشعبي في العالم العربي آليات جديدة، وأنماطًا مستحدثة، لكيفية ممارسة الفعل السياسي والتحرك الميداني. فبحكم تطور الإنترنت، التي "تمثل أكبر شبكة وكنية تفاعلية تعددية الوسائط باعتبار إمكانية جمعها للنص والصوت والصورة معًا، أصبح إنتاج المحتوى تعددي الوسائط، والنفاذ إليه أمرًا في متناول الجميع أينما كان تموقعهم جغرافيًا، ومهما كان دورهم
في الحياة السياسية والاجتماعية. فكل شخص، بوسعه أن ينشر ما يريد، ويبلغه بصفة تكاد تكون حينية إلى ملايين البشر المرتبطين بالشبكة من دون تدخل أي طرف آخر، ما دامت الإنترنت مفتوحة للجميع بواسطة البريد الإلكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي". وتشكّلت تدريجيًا داخل هذه الفضاءات
الرقمية نخب شابة جديدة أطلق عليها لقب "القادة الجدد"، واكتسبت شعبية وقدرة على التأثير في جمهور المشاركين والرأي العام. شكّل الحراك الاجتماعي الشعبي الذي شهده العالم العربي في الفترة 2020–2016، موجة ثانية لما بات يُعرف بالربيع العربي، امتدت إلى السودان والعراق والجزائر ولبنان والمغرب، مطالبةً بإصلاحات
سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة. وقد أنتجت موجة الربيع العربي الثانية هذه جيل جديدًا من الممارسات الاحتجاجية يعتمد أساليب وآليات جديدة في تشكل الأفعال الجماعية وانتظامها، يقودها شباب محتج، يمتلك مهارات التعامل مع الشبكة العنكبوتية، ويوظف استراتيجيات مختلفة في
(((مثّل "الشعب يريد إسقاط النظام"، شعارًا للثورات، "ووجد هذا الشعار السياسي مجال نشره وترويجه في الشارع بشكل معين
ومحدود نسبيًا، وبشكل أوسع انتشارًا عبر المدونات والمواقع الإلكترونية غير الممأسسة والمعتمدة على المصدر المفتوح،
بما تمتلكه من قدرات تتحكم بها الجماعات الافتراضية، وتتجاوز نفوذ النظام الحاكم بآلياته الأمنية والاستخبارية والعسكرية". ينظر:
جوهر الجموسي، الافتراضي والثورة: مكانة الإنترنت في نشأة مجتمع مدني عربي (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص.191–190 (((زيجمونت باومان وديفيد ليون، المراقبة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر، ط 2 (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2019)، ص.67 (((المرجع نفسه، ص.30 (((الجموسي، ص.156
(5) Magdalena Riedl et al., "The Rise of Political Influencers: Perspectives on a Trend towards Meaningful Content," Frontiers in Communication , vol. 6 (2021).
المقاومة والرفض، ما جعلها تختلف عن الموجة الأولى على مستوى خلفياتها، ومطالبها، وأشكالها، وطرق مقاومة أفرادها. اندلعت الموجة الثانية من "الربيع المغربي" في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2016 في مدينة الحسيمة شمال المغرب، عقب مقتل بائع السمك محسن فكري في شاحنة لجمع النفايات، بعد أن حاول استرداد أسماك صادرتها السلطات بحجّة أن صيدها غير قانوني. لاحقًا، تحوّلت احتجاجات الغضب إلى
حراك شعبي متجذر داخل النسيج المجتمعي بكل مستوياته سُمي ب"حراك الريف"، وهو يعتبر واحدًا
من أطول الحركات الاحتجاجية في المنطقة منذ الربيع العربي. توسعت الموجة الثانية من الحراك الشعبي بالمغرب، شيئًا فشيئًا، مع سلسلة الاحتجاجات التي شهدتها منطقة جرادة الواقعة أقصى شرق البلاد، أواخر كانون الأول/ ديسمبر 2017، على خلفية حادثة وفاة شقيقين أثناء استخراجهما الفحم من بئر حجرية مهجورة. ومثلت احتجاجات الريف وجرادة جيل جديدًا من الحراك الاجتماعي بالمغرب، تميز بانتفاضات الهوامش والمدن الصغرى، التي تعيش سا نكتها الإحباط النفسي والاجتماعي، وتواجه هشاشة اجتماعية وإقصاءً مجاليًا. وأفرزت هذه الاحتجاجات، أنماطًا مستحدثة لكيفية ممارسة الفعل
الجماعي والسياسي والتحرك الميداني، قادها شباب محتج، بعيدٌ عن الانتماء الأيديولوجي والإثني، وتمرد على النماذج السياسية الحالية التي فقدت صدقيتها ووساطتها وأدوارها. ومن بين ما استحدث في الاحتجاجات اتخاذ الفضاءات الرقمية التواصلية قناة لتصريف السخط الاجتماعي. نسعى في هذه الدراسة إلى إبراز دور وسائل التواصل الاجتماعي في تشكّل الموجة الثانية من الربيع المغربي وانتظامها، وندرس كيفية توظيف التك ونلوجيا الجديدة في الحشد والتعبئة لحراك "الهوامش" في منطقتَي الريف وجرادة. ونحاول الإجابة عن أسئلة أساسية هي: كيف استثمر المهمشون وسائل التواصل الاجتماعي؟ وكيف انتظموا داخل الفضاءات الرقمية التواصلية؟ وما الدور الذي أدّته شبكات
(6) Ayda alami, "Morocco’s Stability is Roiled by Monthslong Protests over Fishmonger’s Death," The New York Times , 26/8/2017, accessed on 12/12/2023, at: http://tinyurl.com/5dvyzknh
(((لقد اتجه الفعل الاحتجاجي في المغرب نحو التعبير عن عجز نماذج التنمية وعدم قدرتها على الاستجابة لحاجات السكان المعيشية، وتغيرت بنيته وطبيعته المجالية من المدن الكبرى إلى الحواضر الصغرى والمتوسطة. "فعندما نتذكر احتجاجات سيدي إفني على مشكل التوظيف وطريقة تدبير الثروات المحلية، وتحركات سكان صفرو ضد غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار، واعتصامات مستخدمي مناجم جرادة والشكاوى المتكررة لسكان سيدي بطاش في إقليم ابن سليمان، ومعاناة منطقة 'أيت بلال' الجبلية مع 'وادي إيواريضن'، واستياء سا نكة 'قرية إميضر' بتنغير من الضرر الذي تلحقه أشغال الشركة على الفرشة المائية والمحاصيل الزراعية في المنطقة، والغضب الجماعي في مدينة زاكورة بعد معاناة طويلة جراء الانقطاع المتكرر للماء الصالح للشرب، ندرك أن المغاربة انتقلوا من التعبير عن حرارة الصراعات السياسية والنقابية ذات البعد الوطني المركزي، إلى الإفصاح عن درجة التناقضات الاجتماعية
في مختلف مناطق المغرب". ينظر: الحبيب استاتي زين الدين، الحركات الاحتجاجية في المغرب ودينامية التغيير ضمن الاستمرارية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.452 (((يقول محمد السعدي عن شباب حراك الريف: "هم شباب عاديون غير مؤدلجين؛ فالحراك ذابت فيه كل الانتماءات الإيديولوجية [...] بحيث إن العديد من الشباب حين نسألهم عن انتماءهم [كذا] الإيديولوجي يجيبون بتلقائية بأنهم ليسوا مع أي تيار أو جمعية، بل مع الحراك [...] ويعبر الأمر بشكل مباشر عن تجاوز فعل الحراك للنخب السياسية والثقافية والجمعوية المحلية وللتنظيمات الطلابية بتلاوينها وأطيافها المختلفة، وتركيز الثقافة الاحتجاجية للحراك على الحقوق الاجتماعية والكرامة والعدالة الاجتماعية بدل
الشعارات ذات الحمولة الإيديولوجية وذلك ما ساهم في خلق التحام اجتماعي قوي في الريف". ينظر: محمد السعدي، حراك
الريف: ديناميات الهوية الاحتجاجية، دراسة ميدانية، ط 2 (طنجة: منشورات سليكي أخوين، 2020)، ص.223
التواصل الاجتماعي إزاء روابط الأفعال والنشاطات الجماعية للشباب المحتج في الهامش؟ وكيف استُثمرت هذه الشبكات بغرض الرفض ومقاومة اللامساواة والإقصاء المجالي والمطالبة بالعدالة الاجتماعية؟ نعتمد في معالجة هذه الأسئلة على الإث ونغرافيا الافتراضية، التي تعدّ أداة من أدوات البحث في المجتمع الافتراضي، حيث ترصد التفاعلات الاجتماعية داخل الفضاء الرقمي الذي تنتج فيه المعطيات والمعلومات بغزارة. ويجري ذلك عبر انخراط الباحث/ة في هذا الفضاء وتتبع مسار الجماعات الافتراضية، وتعقّب ما تنتجه من "محتوى وآثار رقمية، وما تعبّر عنه من تفاعلات اجتماعية عبر خطابها الإلكتروني". في دراستنا، نتتبع، عبر الملاحظة الإث ونغرافية للعوالم الرقمية، النشاط الإلكتروني لأبرز الصفحات الافتراضية على فيسبوك، التي برزت خلال حراكَي الريف وجرادة، وشكّلت أداة تواصلية وتعبوية غيّرت مسار الاحتجاجات فيهما. عمليًا، نرصد سيرورة التفاعلات الرقمية، التي تظهر على الصفحة متمثلة في التدوينات والصور والتصاميم والمقاطع السمعية البصرية ومنتوجات رقمية أخرى تجسد التفاعل الاجتماعي الإلكتروني للأفراد، وذلك عبر تعقب كل ما يخلّفونه من آثار رقمية باعتبارها "كل ما ينتجه أو يتركه رواد الإنترنت من مخلّفات تدل على تفاعلهم مع بعضهم البعض أو مع حدث معين". هذا ما سنقوم به من خلال الرجوع إلى التفاعلات الرقمية التي تركها المحتجون داخل هذه الشبكات، في محطات احتجاجية مختلفة، وتحولت إلى أدوات لتأجيج حراك الهوامش في المغرب وتعبئته. وسنعتمد هذه التفاعلات على أنها انخراط قد يمتد إلى أزمنة مختلفة، و"تكون في بعض الأحيان دائمة ويتم أرشفتها على المدى الطويل".
أولا: الحراك الاجتماعي الشبكي في العالم العربي
كيفية انتظام الأفراد داخل وسائل التواصل الاجتماعي من أجل إنتاج فعل يتطلب فهم واستيعاب جماعي المراد منه تغيير وضعية ما أو تحقيق مصلحة مشتركة، الرجوع إلى نظرية الحركات الاجتماعية الشبكية، التي أصبحت مبحثًا علميًا قائمًا بذاته له مفاهيمه الخاصة.
(9) Christine Hine, Virtual Ethnography (Thousand Oaks, CA: Sage Publications, 2000), pp. 41–45.
((1(يقول أحمد إدعلي: "من خلال صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، تبنى المشكلات التي تخص الريف وتطرح للنقاش من دون قيد، كما أتاحت التعليقات واقتسام المضامين والمحادثات القصيرة، تشكيل تضامنيات شبكية وتعزيز مشاعر الانتماء إلى 'النحن'، بهذا المعنى، مثلت الإنترنت بوتقة لنضالية جديدة، خلخلت أنماط التعبئة العمودية وجسدت نموذجًا لديمقراطية تشاركية".
ينظر: أحمد إدعلي، "الدينامية الاحتجاجية في الريف المغربي: بحث في بواعث الاحتجاج واستراتيجيات التعبئة"، في: الحركات
الاحتجاجية في تونس والجزائر والمغرب (2017–2011)، مهدي مبروك (محرر) (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)، ص.168
(11) Robert Kozinets, Netnography: Doing Ethnographic Research Online , 2 nd ed. (New York: Sage Publications, 2015), p. 5. (12) Jacques Perriault, "Traces numeriques personnelles, incertitude et lien social," Hermes , vol. 1, no. 53 (2009), p. 13. (13) Christine Hine, Ethnography for the Internet: Embedded, Embodied and Everyday (London: Routledge, 2015), p. 22.
1. المجتمع الشبكي بوصفه بنية مادية للحركات الاجتماعية الجديدة
تنطبق عبارة "المجتمع الشبكي" على المجتمعات التي توجد فيها "تقانة معقدة (رقمية على وجه التحديد)، من الاتصال وإدارة/ توزيع المعلومات على نحو شبكي، تقانة تشكل البنية التحتية الأساس التي تتوسط عددًا متزايدًا من الممارسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية". ويتميز المجتمع الشبكي بخاصية رئيسة تتمثل في أن دينامية الهيمنة ومقاومة الهيمنة "تعتمد على تكوين الشبكة واستراتيجيات الهجوم والدفاع الشبكية، فالصراعات في عصرنا قد أصبحت تدار من قبل الفاعلين الاجتماعيين الشبكيين، الذين يهدفون إلى الوصول إلى الفئات المستهدفة والجمهور المستهدف"، وذلك من خلال الانتقال الحاسم إلى شبكات التواصل المتعددة الوسائط. يقوم المجتمع الشبكي على ردم الهوة بين الزمان والمكان وفتح المجتمعات البشرية على بعضها البعض بفضل الوسائط التك ونلوجية المتطورة، ويعمل على توظيف سرعة تدفق المعلومات في مختلف السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. إذ "تغير منحى التفاعلات الاجتماعية في مجتمع شبكة الإنترنت، من تفاعلات رأسية تراتبية إلى تفاعلات أفقية. فالمتعاملون في رحاب الشبكة لا يتلقون تعليمات أو توجيهات من أحد، ولا يخضعون للرقابة المباشرة من أي جهة، ويمارسون حريتهم في التعبير عن أنفسهم، كما هو الحال في المدونات وفيسبوك وتويتر". تتوقف القوة والضعف في المجتمع الشبكي على مدى النفاذ إلى الشبكة، والسيطرة على التدفقات. ففي مجتمع ينتظم فيه النشاط الاقتصادي والسياسي والاجتماعي على هيئة شبكات أو بواسطة شبكات، "يشكل النفاذ إلى تلك الشبكات عتبة للإدناء والإقصاء، وشرطًا للقوة والضعف، ومصدرًا للهيمنة والخضوع". باتت الفرص المتاحة للحركات الاجتماعية الجديدة، عن طريق شبكات المعلومات والاتصالات الرقمية، بالغة الأهمية، "إذ تتيح هذه الأدوات، خصوصًا تطبيقات البريد الإلكتروني والوسائط المتعددة والمواقع الإلكترونية ذات النصوص التشعبية، إمكان عقد تحالفات بين نشطاء من مناطق متباعدة تتوافر لديهم الوسائل التي تخوّلهم إنجاز مجموعة من المهمات التي تعدّ أساسية لنشاطهم، وللأثر الذي يرغبون في إحداثه". برزت، مع مجتمع الشبكات، صيغة اتصالية جديدة، انتقلنا على إثرها من الاتصال الجماهيري التقليدي وحيد الاتجاه، إلى الاتصال التفاعلي، "الذي يتميز بالقدرة على إرسال رسائل من الكثير
(1((دارن بارني، المجتمع الشبكي، ترجمة أنور الجمعاوي (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.31 ((1(مانويل كاستلز، "سوسيولوجيا السلطة: رحلتي الفكرية"، ترجمة مصطفى الوجاني، ألباب، العدد 14 (2019)، ص.194
(16) Manuel Castells, La société en réseaux , Philippe Delamare (trad.) (Paris: Fayard, 1998), p. 199.
((1(بارني، ص.35 ((1(المرجع نفسه، ص.157 ((1(الرسالة فيه ترسل من طرف واحد إلى كثيرين، كما هو الحال في الكتب والصحف والأفلام والراديو والتلفزيون.
من الأشخاص إلى الكثير منهم". إن أهم ما استطاعت الرقمية المنبنية على الاتصال المتشابك إحرازه هو تحقيق التواصل الذاتي الجماهيري Mass self–communication، المعتمد على الإنترنت وشبكات التواصل التفاعلي العالمية منها والمحلية. ويبرز مانويل كاستلز من خلال هذا المفهوم المساحة التي تمنحها الإنترنت للأفراد من أجل التحرر والانفلات من رقابة الدولة. فكل عمليات التغيير الاجتماعي في القيم والسياسة "تلقى دعمًا كبيرًا من الوسائل التي توفرها شبكات الاتصال
الذاتي الجماهيري، ومن خلال هذه الشبكات، يمكن الوصول إلى الناس عامة، ويجد التيار الرئيس لوسائل الإعلام الذي لا يستطيع تجاهل ضجة عالم ق ونات الاتصال المتعددة، التي تحيط به، نفسه مرغمًا على توسيع نطاق رسائله". لقد غيرت هذه البيئة التواصلية الجديدة في مادة علاقات السلطة نت الفرد من الفعل والتأثير بفضل الإمكانات التواصلية التفاعلية التي أصبحت كبيرًا ومّك وبنيتها تغييرًا
تتيحها، وهكذا انتقلنا من تك ونلوجيا السلطة إلى سلطة التك ونلوجيا. ففي مجتمع الشبكات، "يعاد تعريف مفهوم السلطة انطلاقًا من استمرار الصراعات الاجتماعية، حيث تتغير أساليب الهيمنة بالتناسب مع المقاومة ووفق البناء الاجتماعي الخاص الذي خرجت منه هذه الهيمنة التي تسعى لتعديله أيضًا. فالسلطة Pouvoir تحكم، والسلطة المضادة Contre–pouvoir تقاوم، فأينما وجدت السلطة توجد السلطة المضادة".
2. الحركات الاجتماعية الشبكية: نمط جديد من الممارسة الاحتجاجية
قبل الخوض في الحركات الاجتماعية الشبكية باعتبارها إطارًا نظريًا أساسيًا في دراستنا، نبحث أول
في تعريف الحركة الاجتماعية. يشير مفهوم الحركات الاجتماعية إلى "الجهد الملموس والمستمر الذي تبذله جماعة اجتماعية معينة من أجل الوصول إلى هدف أو مجموعة أهداف مشتركة، ويتجه هذا الجهد نحو تعديل أو تغير أو تدعيم موقف اجتماعي قائم". وتعرّف الحركة الاجتماعية أيضًا
على أنها "عمل جماعي يهدف إلى تأسيس نظام جديد للحياة"، و"سلسلة من الأداء المتواصل والمعارضات والحملات التي يقوم بها الأشخاص العاديون لرفع مجموعة من المطالب". وفضلًا عن هاجس التغيير، يحضر في الحركة الاجتماعية عنصر آخر لا يقل أهمية عن سابقه، وهو بالضبط
((2(مانويل كاستلز، سلطة الاتصال، ترجمة محمد حرفوش (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2014)، ص.92
(21) Manuel Castells, "Ni dieu ni maitre: Les réseaux," Working Papers , no. 2, Foundation maison des sciences de l’homme (Février 2012), p. 5.
((2(كاستلز، سلطة الاتصال، ص.580 ((2(يرى الجموسي أن الأنظمة الممسكة بخيوط اللعبة الدولية للافتراضي تحرص على إبقائه "تك ونلوجيا للسلطة"، أي تابعًا
وخاضعًا لها، وألا يتحول إلى "سلطة تك ونلوجيا" بيد الفاعلين الرقميين الجدد والقوى المدنية في المجتمع. ينظر: الجموسي. ((2(مانويل كاستلز، شبكات الغضب والأمل: الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت، ترجمة هايدي عبد اللطيف (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.86–32 (2((محمد عاطف غيث، قاموس علم الاجتماع (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 2006)، ص.394
(26) Boudon Raymond et al. (dir.), Dictionnaire de la Sociologie (Paris: Impression Bussiere, 2005), p. 159.
(2((تشارلز تيلي، الحركات الاجتماعية (1768–2004)، ترجمة ربيع وهبة (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2005)، ص.44
عنصر الاستمرارية، فالفعل المستمر هو الذي يؤهل الممارسة الاحتجاجية إلى الانتماء مفهوميًا إلى
الحركة الاجتماعية بوصفها جهودًا منظمة وغير عابرة. وبالرغم من تعدد إسهامات الباحثين في تقديم تعريف للحركات الاجتماعية واختلافها، فإنهم أجمعوا على وجود عدد من العناصر الأساسية التي لا بد من توافرها في الحركة الاجتماعية حتى تأخذ هذا المسمى، وهذه العناصر هي: "جهود منظمة، مجموعة من المشاركين، أهداف، مكونات فكرية محركة، ووسائل التعبئة". وقد عرفت الممارسة الاحتجاجية مجموعة من التحولات نتيجة ارتباطها بالفضاء الرقمي، تجسدت في تغير مراحل تشكّل الفكرة وتحوّل انتظام الفعل الجماعي وتبدّل طرق الحشد له وأساليبه، وبذلك
شهدت الحركات الاجتماعية نقلة من التقليدانية إلى الشبكية على مستوى التواصل التعبوي. "تاريخيًا،
اعتمدت الحركات الاجتماعية على آليات تواصل محددة: الشائعات، الخطب، النشرات والبيانات السياسية، التي تنتقل من شخص إلى آخر، من المنبر، من الصحافة، أو بأي وسيلة من التواصل المتاحة. وفي عصرنا هذا، المتعدد الوسائط، تعتبر الشبكات الرقمية للاتصالات الأفقية وسائل التواصل الأسرع والأكثر استقلالية وتفاعلية وقابلية للبرمجة والانتشار الذاتي، وهذا ما يجعل الحركات الاجتماعية الشبكية في العصر الرقمي تمثل نوعًا جديدًا من الحركة الاجتماعية". وكن هذه الحركات تجمع بين النضال تتميز الحركات الاجتماعية الشبكية بخاصية مهمة تتمثل في الرقمي الذي تمارسه داخل الشبكات، والنضال الفعلي على أرض الواقع الذي تحتل من خلاله الشوارع والساحات. "تنطلق الحركات الاجتماعية الشبكية من شبكات التواصل الاجتماعي على الإنترنت، وتصبح حركة باحتلالها للحيز الحضري، سواء عبر الاحتلال القائم للساحات العامة أو عبر التظاهرات المستمرة في الشوارع. ويُصنع فضاء الحركة دائمًا من التفاعل بين فضاء التدفقات
على الإنترنت وشبكات الاتصالات اللاسلكية، والمساحة المكانية للمواقع المحتلة ورمزية المباني المستهدفة بأعمال الاحتجاج". تُعدّ الحركات الاجتماعية في المجتمع الشبكي حركات محلية وعالمية في آن معًا، وذلك لأنها أنشأت لنفسها حيزًا خاصًا، من خلال احتلال الميادين والشوارع المحلية، وحيزًا عاًّمًا من خلال التواصل والتفاعل مع الحركات الاحتجاجية في أنحاء متفرقة من العالم بفضل خاصية التشبيك. "تبدأ الحركات الاجتماعية الشبكية في سياقات محددة، لأسباب خاصة بها، وتنشئ شبكاتها الخاصة، وتبني فضاءها العام بواسطة احتلال الحيز الحضري والارتباط بشبكات الإنترنت". يشكل هذا التهجين من الفضاء الإلكتروني والحيز الحضري الفضاءَ الثالثَ الذي يسميه كاستلز "مساحة الاستقلالية"، وذلك
(2((تشارلز تيلي وليزلي وود، الحركات الاجتماعية 2012–1768، ترجمة ربيع وهبة (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ((2(كاستلز، شبكات الغضب والأمل، ص.38 (3((المرجع نفسه، ص.249 (3((المرجع نفسه، ص.250 (3((المرجع نفسه.
لأن هذه الاستقلالية "يمكن تأمينها بواسطة القدرة على التنظيم في الفضاء الحر لشبكات التواصل، ولكن في الوقت ذاته لا يمكن ممارستها بوصفها قوة تحويلية إلا بواسطة تحدي النظام المؤسسي الصارم عن طريق المطالبة بمساحة من المدينة لمواطنيها. ويعتبر فضاء الاستقلالية الحيز المكاني الجديد للحركات الاجتماعية المتصلة بالشبكة".
3. الموجة الثانية من الربيع العربي: وسائل التواصل الاجتماعي أدوات مقاومة
عرفت الممارسات الاحتجاجية في العالم العربي خلال موجة الربيع العربي الثانية مجموعة من التغيرات والتحولات، انكمش على إثرها دور الأحزاب والتنظيمات السياسية التي بدأت تتراجع لفائدة بروز فاعلين جدد، يعتمدون وسائل التواصل الاجتماعي في تحركاتهم وتمرير خطاباتهم. لقد استمر وجود الفضاء العام الحضري س ونات "بوصفه المسرح الرئيسي للجدل أو الحوار السياسي"، إلا أنه، بعد الموجة الأولى من الربيع العربي، لم يعد الشارع وحده مسرحًا لممارسة السياسة، بل صارت وسائل التواصل الاجتماعي هي أيضًا، وبفضل مساحات التحرر والاستقلالية التي تتيحها، بمنزلة فضاءات للتداول والنقاش السياسي الممهّد للحراك الاجتماعي. فخلال ما سمّي ب "الموجة الثانية من الربيع العربي"، برزت أفعال ونشاطات جماعية و"لاحركات اجتماعية" جديدة، قاوم من خلالها البسطاء والمهمشون هيمنة السلطة السياسية عبر ممارسات جمعية مشتركة. ويعدّ مفهوم "اللاحركات الاجتماعية" من المفاهيم الجديدة في سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية التي ابتدعها آصف بيات، وقمت بتوظيفه لأنه يسمح بقراءة الفعل الاحتجاجي بالمغرب وتحليله منذ عام 2016. وتعبّر اللاحركات الاجتماعية عن صور النضال التي تنخرط فيها أعداد كبيرة من
"الناس العاديين الذين تؤدي أنشطتهم المتشابهة والمتفرقة في الوقت نفسه إلى إحداث تغيير اجتماعي كبير، حتى وإن لم تكن هذه الممارسات موَّجَهة بأيديولوجية أو بقيادات معترف بها أو بتنظيمات". إن "اللاحركات الاجتماعية" التي قام بها المحرومون في مختلف المناطق العربية، والتي يصفها آصف بيات بعملية "الانتهاك الهادئ" لكل ما هو معتاد، احتوت على طرائق مختلفة وطويلة، "حاول بها الفقراء النضالَ من أجل البقاء، ومن أجل تحسين ظروف معيشتهم عن طريق التأثير الهادئ في الطبقة المالكة والقوية، وفي المجتمع بشكل عام. إنها تجسد الحراك طويل المدى لملايين الأفراد البائسين والمهمشين والأسر التي تجاهد من أجل تحسين أحوالها في جهد جماعي يستغرق الحياة برمتها، وهو جهد ليس فيه من القيادة والإيديولوجية والتنظيم المقنن إلا النزر اليسير". وعلى العكس من الحركات الاجتماعية، حيث يكون
(3((المرجع نفسه، ص.251 3(((آصف بيات، الحياة سياسة: كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط، ترجمة أحمد زايد (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2014)، ص.38 (3((المرجع نفسه، ص.44 (3((المرجع نفسه. (3((المرجع نفسه، ص 45
الفاعلون منغمسين في "أفعال تتجاوز روتين الحياة اليومية مثل (حضور الاجتماعات وتقديم العرائض وتحزيب الناس، والتظاهر وغير ذلك)، فإن اللاحركات تتكوّن من ممارسات تختلط بالممارسات العادية
اليومية". تأخذ هذه الأنماط من النضال والممارسات الجماعية لهؤلاء الفاعلين في العالم العربي أشك ل عديدة تبدأ من احتلال الشوارع الجانبية والأرصفة والميادين، وتتجسد أيضًا داخل الفضاءات الرقمية التواصلية. فبمجرد أن "يتصلوا ببعضهم منتجين قوة أكبر من قوة كل فرد على حدة"، يمكن الأفراد من خلال ما يجسدونه داخل وسائل التواصل الاجتماعي من محادثات وتبادل وممارسات مشتركة أن يحققوا الرفض والمقاومة أو حتى مجرد الكفاح من أجل البقاء.
4. ثورة الهوامش: موجة جديدة من الحراك الاجتماعي بالمغرب
ساهم تردّي الأوضاع الاجتماعية واتساع رقعة الفقر والحرمان جراء تفاقم الفوارق والتفاوتات المجالية وتفشي مظاهر التهميش في اندلاع شرارة الموجة الثانية من الحراك الاحتجاجي بالمغرب. فإلى جانب الحسيمة وجرادة، عرفت مجالات أخرى بالمغرب مثل زا وكرة، تنغير، خريبكة، طاطا، آزرو، أبي الجعد، وآسفي وتاوريرت خلال السنة نفسها، حركات احتجاجية دافعت عن مطالب مرتبطة برفع التهميش وتحقيق التنمية والعدالة البيئية والمجالية، إلى جانب المطالب الكلاسيكية الأخرى المتعلقة بتوفير الخدمات الاجتماعية الأساسية، كالتعليم والصحة والبنى التحتية الضرورية. في طبيعة الحركات الاحتجاجية التي انتقلت من فعل تمثل موجة احتجاجات الهامش هذه تحاول محصور في الوسط الحضري إلى فعل نافذ داخل فضاءات المغرب العميق، والتي كانت معزولة إلى حد بعيد عن ديناميات الحراك الاجتماعي فترة طويلة. فمن المعروف أن المجال الحضري كان يحتضن "أقوى لحظات الزمن الاحتجاجي في المغرب منذ الاستقلال"، التي تجسدت في التمردات الكبرى التي شهدها المغرب س ونات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، في مختلف المدن
(3((فالفقراء الذين يبنون مساكن ويحصلون على مياه جارية وخطوط تلفون، أو الذين يفرشون بضائعهم في شوارع المدينة الجانبية، والمهاجرون على مستوى العالم الذين يعبرون الحدود للبحث عن حياة جديدة، والنساء اللائي يبحثن عن فرص تمّكنّنه
من الذهاب إلى الجامعة وممارسة الرياضة والعمل. كل هؤلاء يشكلون ممارسات تندرج تحت ما يسميه بيات باللاحركات في الشرق الأوسط وأماكن مشابهة من العالم. ينظر: المرجع نفسه، ص.55 (3((المرجع نفسه، ص 56. (4((بحسب التقرير الس وني للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لعام 2017، فإن مسألة الفوارق المجالية "شكلت أكثر من أي وقت مضى تحديًا كبيرًا اعتبارًا للتحولات الكبرى التي عرفها المجتمع في السنوات الأخيرة، وذلك بالنظر إلى تنامي رفض
الفوارق ووعي المواطنين المتزايد بحقوقهم وتعبيرهم أكثر فأكثر عن عدم رضاهم مقارنة مع حاجياتهم وانتظاراتهم". ينظر: المملكة المغربية، المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، "التقرير الس وني 2017"، ص 120، شوهد في:2023/12/12، في
http://tinyurl.com/ytnfn95t
(4((إن انتشار الحركات الاجتماعية الكبرى ضد التهميش الاجتماعي والاقتصادي مثل حراك الريف وجرادة وباقي المناطق التي تطالب بمزيد من العدالة الاجتماعية والحق في التمكن من الموارد، "يظهر عجز السياسات التنموية ويكشف عن التناقضات في سياسة المشاريع الكبرى". ينظر: صوريا الكحلاوي، "انتفاضة الهوامش: التعبئة من أجل الحق في الموارد والخدمات العامة في
المغرب"، في: عزيز مشواط وسناء بنبلي وصوريا الكحلاوي، الحركات الاجتماعية متعدية القوميات: الحالة المغربية، ياسمين بريان (محررة) (بيروت: معهد الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة،.)2020 (4((زين الدين، ص.128
المغربية. وبالرغم من أن الاحتجاجات الاجتماعية في المناطق القروية والمدن الصغرى لم تغب عن لحظات الاحتجاج الاجتماعي بالمغرب، فإنها كانت معزولة ومحدودة ولم تجد اهتمامًا كبيرًا. قبل اندلاع الحركات الاحتجاجية، كان السكان يعيشون حالات الفقر المجتمعي والإقصاء المجالي في المغرب باعتبارها حالات طبيعية، وإذا لم يحتجوا فلأنهم لم يشعروا بفقدان أشياء كانت من حقهم، "صحيح أن الاحتجاجات الاجتماعية كانت موجودة قبل بدء سياسة الأوراش الكبرى التي أطلقتها الدولة، إلا أن تلك الاحتجاجات كانت جزئية ومعزولة ومقموعة بعنف شديد". زمن الاحتجاجات، عرف حراك الهوامش في المغرب تطورًا على مستوى موضوع المطالب الاجتماعية، وبرزت شعارات تعبّر عن الإحساس بالإنتماء إلى مغرب "غير نافع"، تطالب بتحقيق العدالة البيئية
والمجالية، وتنادي بفك العزلة عن مجموعة من المناطق التي تتقاسم سا نكتها الشعور الجماعي بالإحباط والظلم واللامساواة و"الحكرة". وبالرغم من أن سا نكة جرادة تقاسمت منذ س ونات المعاناة المشتركة؛ بسبب تأزم الأوضاع الاجتماعية وتفاقم التحديات البيئية (مشكل التلوث الناجم عن الغازات السامة المنبعثة من المحطة الحرارية،... إلخ)، فإن المطالب البيئية لم تشكّل جزءًا من الموجة الأولى من الحراك الاحتجاجي
بالمغرب مع حركة 20 فبراير، إذ "لم تكن البيئة جزءًا من الملف المطلبي لحركة 20 فبراير، ولم ينتبه لها
العقل الاحتجاجي في هذه اللحظة بالمغرب، ولم تلق الإشكالات البيئية المحلية والعالمية الاهتمام المطلوب داخل أوساط الحركة". لقد كانت مطالب الحركة آنذاك ذات حمولة سياسية "تمس صلب المنظومة السياسية السائدة، ألا وهي وضعية الملكية وقداسة الملك، وطبيعة الدستور، والفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، والفصل بين السلطة والمال، ومحاربة الفساد، والإفلات من العقاب، والهيمنة السياسية لبعض العائلات (أعضاء في الحكومة)،... إلخ". وقد أدى بروز الخطاب البيئي في شعارات احتجاجات الهوامش بالمغرب إلى تحول نوعي على مستوى موضوع المطالب الاجتماعية للحركات الاحتجاجية، إذ أصبحت الأزمة الإيكولوجية من بين أهم محركات الفعل الاجتماعي في هذه المناطق. فالهشاشة الإيكولوجية التي تعانيها منطقة جرادة
(4((لم يعد الاحتجاج الاجتماعي حكرًا على المدن الكبرى؛ فالمدن الصغرى والفضاءات القروية أصبحت تعبّر تدريجيًا عن
سخطها الاجتماعي، نذكر على سبيل المثال احتجاجات سيدي إفني لعام 2008 ضد التهميش والعزلة. (4((عبد الرحمان رشيق، الحركات الاحتجاجية في المغرب من التمرد إلى التظاهر، ترجمة الحسين سحبان (الرباط: منتدى بدائل المغرب، 2014)، ص.91 (4((يشكّل مفهوم "الحكرة" في منظومة الفعل الاحتجاجي في المغرب "النقيض الأمثل لمفهوم 'الكرامة' و'الاحترام'، وكذلك
مفهوم 'المساواة' المرتكز على مبدأ المواطنة بدون تمييز". ينظر: سعيد بنيس، "المجتمع المدني والفعل الاحتجاجي في المغرب:
الأنساق المفاهيمية الجديدة"، مجلة أبحاث، العدد 62–61 (2015)، ص.8 4(((زكرياء الإبراهيمي ومولود أمغار، هل توجد حركات إيكولوجية بالمغرب؟ محاولة فهم (مراكش: مركز أوال للأبحاث والدراسات المعاصرة، 2023)، ص.14 (4((عبد الرحمان رشيق، المجتمع ضد الدولة: الحركات الاجتماعية واستراتيجية الشارع بالمغرب، ترجمة عز الدين العلام (الدار البيضاء: منشورات ملتقى الطرق، 2021)، ص.176
ساهمت في اندلاع شرارة جيل جديد من الممارسات الاحتجاجية، ناضلت في سبيل رفع الحيف البيئي والإقصاء الاجتماعي. تستند الشعارات والمعجم المطلبي للحراك الاحتجاجي في الهوامش، إذًا، إلى ثلاثة مفاهيم رئيسة تتداخل في ما بينها: التهميش، والإقصاء الاجتماعي، والكرامة بوصفها الصيغة الإيجابية ل "الحكرة". وهكذا، "لم تعد السا نكة على نحو متزايد تنظر إلى حالة الفقر الاجتماعي والاستبعاد المجالي بوصفهما وضعًا طبيعيًا. وقد مثّل الوعي الجماعي الجديد خطوة أولى نحو البناء الاجتماعي للسخط
الاجتماعي". ويمكن السخط الاجتماعي أن ينتج من "حدث" أو "اعتداء"، من شأنه أن يغذي الإحساس بالحرمان واللاعدالة، كما وقع في الحسيمة عقب موت السماك محسن فكري، وفي جرادة بعد حادثة وفاة شقيقين أثناء استخراجهما الفحم من بئر حجرية مهجورة، وقبلها في تونس مع محمد البوعزيزي، الذي أشعل الثورة في 2011، وجعل "الدول العربية ينتابها القلق من شبحه، بعد أن قوى الفقراء من أجل أن يختبروا قدرتهم على الإمساك بسبل عيشهم". مثلت احتجاجات الريف وجرادة موجة جديدة من الحراك الاجتماعي في المغرب، تميزت بانتظامها داخل الفضاءات الرقمية التواصلية.وبّين ت لنا الدراسة المتأنية لهذه الاحتجاجات داخل الشبكات
التواصلية أن وسائل التواصل الاجتماعي منحت حراكَي "الريف" و"جرادة" تجذرًا أكبر، وذلك من خلال الربط بين الوجود الرقمي والتشبيك في الفضاءات التواصلية والوجود الفعلي في الفضاء العام بساحاته وميادينه وشوارعه. وتسمح لنا دراسة الاحتجاجات الرقمية بأن نتحقق من أن الشبكات التواصلية قد شكّلت، آنذاك، الحاضن الأساس للممارسات والنشاطات الجماعية، وكانت التك ونلوجيات الحديثة بأدواتها المتعددة التي تتيحها هذه الشبكات في خدمة الشباب المحتج. وسوف نتحقق من أنها ساهمت في تجسير الروابط بين الحركات الاحتجاجية في مختلف المناطق، وهكذا انتشرت عدوى الاحتجاج إلى باقي المدن، وصارت جزءًا من المشهد العام في المغرب.
ثانيًا: حراك الريف: وسائل التواصل الاجتماعي ميدانًا لتشكل الممارسات الاحتجاجية
لم تكن حادثة مقتل السماك محسن فكري وما تلاها من احتجاجات عرفتها المنطقة منذ نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2016، سوى السبب المباشر الذي أدى إلى اندلاع الحراك الشعبي في الريف
(4((عبد الرحمان رشيق، "حركة 20 فبراير: تتويج للاحتجاجات في المغرب"، في: 20 فبراير ومآلات التحول الديمقراطي في
المغرب، مراد دياني (محرر) (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.154–137 4(((آصف بيات، ثورة بلاثوار: كيف نفهم الربيع العربي، ترجمة فكتور سحاب (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2022)، ص.278 ((5(ساعدت التعبئة الرقمية على "الإفلات من بعض مظاهر التضييق التي تلحق الفضاء الفيزيقي، وهكذا توسيع نطاق المشاركة والمتعاطفين مع الاحتجاجات وطنيًا ودوليًا. وأضحت التعبئات التي تتيحها تك ونلوجيا الإنترنت تضطلع بدور كبير في إيجاد نوع
من الروابط، وتشكيل فضاء عمومي معارض وحلبات عمومية [...] وبناء هويات نضالية تغتذي من الممارسات والتواصلات على شبكات الإنترنت"، ينظر: إدعلي، ص.167
المغربي، وأعاد من جديد إنتاج الشعور بالتهميش واللامساواة. فما واقعة طحن محسن فكري سوى النقطة التي أفاضت الكأس، حيث وجدت هذه الاحتجاجات نفسها في "قلب تراكم طويل الأمد، من التهميش والفساد، امتد أكثر من 60 سنة، بالإضافة إلى عوامل تاريخية، ظلت حاضرة في ذهنية السا نكة الريفية تتوارثها أبًا عن جد. وإن لهذا الحراك هوية خاصة، يستمدها من تاريخ الريف وذاكرته الجماعية وثقافته، مما يجعله حراكًا متميزًا عن الاحتجاجات الاجتماعية التي عرفها المغرب منذ الاستقلال".
1. منطقة الريف والدولة: تاريخ صدام
إن فهم حراك الريف لا يمكن أن يكون بمعزل عن أبرز المحطات التي حددت مسار العلاقة بين المنطقة والدولة خاصة بعد الس ونات الأولى من استقلال المغرب. إذ اتسمت هذه العلاقة بالتوتر والصراع، وتولد عنها لدى السا نكة شعور جماعي بالتهميش واللامساواة، نجم عنه في المقابل التحام اجتماعي ونزوع نحو الاحتجاج. وإذا كانت المنطقة تشترك مع مختلف أنحاء المملكة في المشاكل المتعلقة بالتنمية والحق في العيش بكرامة، "فإن التناول العلمي لمسألة الحراك يصطدم عادةً بضرورة استحضار عمق قضية الريف وقدمها، والتي تمتد تراكماتها من نهاية الخمسينيات إلى اليوم، وتظل قابلة للتجدد والتفاعل مع أي حادث طارئ ليس في الحسيمة فحسب، وإنما في المنطقة برمتها". لقد تنامى، على مر التاريخ، الإحساس الجماعي باللاعدالة والحرمان لدى السا نكة، واستند إلى وقائع عمّقت فيها السلطة السياسية كل مرة جراح أهالي المنطقة، ما جعل ذاكرتهم الجمعية بمنزلة ذاكرة غاضبة ومعادية للسلطة. "لقد ظل الريف عبر التاريخ يعيش على صفيح ساخن، ولا شك في أن لهذا التاريخ وف ونم ونلوجيا الذاكرة الناتجة منه، ما يفسر التلاحم والتعبئة الاحتجاجية في بيئة اجتماعية تجعل من انجراح الذات الجمعية أداة وجدانية ومعرفية لتجاوز معيقات الفعل الجمعي". إن الثقافة السياسية لا توفر فقط من العناصر الجديدة للديناميات الاحتجاجية، و"لكن تزودها أيضًا بذلك المعنى الذي ما فتئ ينتقل من جيل إلى جيل في منطقة الريف. ويدور هذا المعنى حول العلاقة التاريخية بالسلطة المخزنية، وبذلك، ليست الذاكرة التاريخية محايدة تجاه ما حدث في هذا الجزء من المغرب. وما يقبع خلف التعبئة الاجتماعية لفائدة الحراك الاحتجاجي يتجلى، على وجه الخصوص، في إعادة امتلاك دوري لمعنى اضطهادي لهذا التاريخ". لقد احتدم الصراع بين الريف المغربي والدولة مباشرة بعد الس ونات الأولى من الاستقلال، وتحديدًا مع الأحداث التي شهدتها المنطقة خلال الفترة 1959–1958، وعرفت بانتفاضة الريف أو "عام اقبارن"،
(5((محمد الغلبزوري، الدولة وتدبير حراك الريف: تدبير أزمة أم أزمة تدبير (طنجة: منشورات سليكي أخوين، 2020)، ص.23 ((5(زين الدين، ص.394 ((5(بن أحمد ح كوا وحسن دنان ومحمد النضر، "احتجاجات الريف المغربي: من الديمغرافيا السياسية إلى ف ونم ونلوجيا الذاكرة "،
المستقبل العربي، السنة 40، العدد 467 (كانون الثاني/ يناير 2018)، ص.3 ((5(المرجع نفسه، ص.15 ((5(عام الخوذات العسكرية.
كما تسميها سا نكة المنطقة. وتعود أسباب هذه الثورة إلى سياسة "الإقصاء"، التي نهجها المتحكمون في السلطة آنذاك في الريف، إضافة إلى تهميش المناطق الريفية وتحييدها خارج أجندة التنمية. ودفعت عدة أسباب منطقة الريف إلى التمرد على الحكومة المغربية في نهاية عام 1958، بعد عامين من نيل المغرب استقلاله. "في المقام الأول، لم يفكر الملك محمد الخامس أبدًا في منطقة الريف، على الرغم من وكنها كانت واحدة من أقوى المناطق المناهضة لفرنسا والمطالبة بعودة السلطان، وسا نكتها كانت من ضمن أول المتطوعين في إطار جيش التحرير. ومن ناحية أخرى، فإن الإصلاحات الاقتصادية والسياسية للمغرب الجديد لم تفكر في الريف، واستمرت مناجم الريف، المصدر الوحيد للتصدير في الشمال، في أيادٍ أجنبية، وجرى استغلالها واستنزافها. واستمر إقصاء المنطقة بحيث لم يظهر أي ممثل للريف في الحكومة المغربية، وذلك ربما بسبب عدم ثقة الملك وزعماء 'حزب الاستقلال' بالمنطقة". مثّلت انتفاضة 1984 وجهًا آخر من أوجه احتدام الصدام بين منطقة الريف والدولة؛ إذ تفاعلت السلطات المغربية مع هذه الانتفاضة بعنف في جميع مناطق المغرب، إلا أن تعامل الدولة مع الاحتجاجات بلغ ذروته وقسوته في المناطق الريفية المنتفضة. "حيث يتم استخدام المروحيات والرصاص الحي من طرف الجيش والشرطة لقمع المنتفضين، والنتيجة حسب الرواية الرسمية على لسان رئيس الوزراء آنذاك هي كالتالي: في الناظور 16 ا قتيل و 37 جريحًا من بينهم 5 من رجال الأمن، في تطوان 9 قتلى و 72 جريحًا من بينهم 20 من رجال الأمن، في الحسيمة، 4 قتلى و 4 جرحى من بينهم رجل أمن واحد. هذه الحصيلة سيتم التشكيك في صحتها لهزالها، حيث أكدت بعض الجرائد الإسبانية التي كانت تغطي الحدث أن عدد المتوفين وصل 400 شخص، وأن السلطات عمدت إلى دفن الضحايا في مقابر جماعية. بالاضافة إلى هذه الحصيلة الثقيلة على مستوى الوفيات والجرحى تعرض سكان المناطق الريفية المحتجة، سواء المشار وكن أو غير المشاركين في الاحتجاجات، لاعتقالات بالجملة تلتها تعذيبات جسدية ونفسية ومحاكمات". إن تعامل السلطة السياسية مع الاحتجاجات في المناطق الريفية لم يكن عنيفًا فقط على مستوى حجم الخسائر وحصيلة القتلى والجرحى، بل تجسد هذا العنف أكثر في الخطاب الملكي، الذي نعت فيه الملك الحسن الثاني الريفيين ب "الأوباش"، إذ "بدا الملك الراحل الحسن الثاني غاضبًا جدًا في خطاب ألقاه في 22 يناير 1984، مشيرًا إلى صناع هذه
الانتفاضة المتوزعين بدرجات متفاوتة بين 'الشيوعيين' و'الإسلاميين'، وواصفًا آل الشمال ممن خرجوا منتفضين 'بالأوباش"'؛ ليصبح هذا النعت مغروسًا في الذاكرة الجمعية للسا نكة، ويجري استحضاره مع كل صدام بين المنطقة والدولة.
(56) M. Concepcion Ybarra, "La rebelion del Rif (1958–1959)," Espacio, tiempo y forma , no. 10 (1997), p. 336.
((5(اكتشف عمال بناء كانوا يقومون بأعمال في مقر ثكنة الوقاية المدنية بالناظور مقبرة جماعية يوم 28 نيسان/ أبريل 2008، واستخرجت منها 16 جثة، وأكد المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان أنها تعود إلى ضحايا أحداث 1984. ينظر: السعدي، ص.52 (5((محمد المجوضي، تأثير الحراك الشعبي بالريف: قراءة أولية (تطوان: منشورات تيفرازن أريف، 2020)، ص.38 ((5(المرجع نفسه، ص.112
تجَّدَد الصراع بين الريف المغربي والدولة مرة أخرى مع اندلاع الحراك الشعبي الذي شهده المغرب عام 2011 وقادته حركة 20 فبراير، وذلك نتيجة مخلفات التعامل الخاص للدولة مع الاحتجاجات، التي اندرجت في فعاليات الحركة في منطقة الحسيمة بالخصوص. "في هذا الصدد ستندلع أحداث كبيرة في المنطقة وسيتم اعتقال العشرات من المواطنين وسيفارق الحياة خمسة شبان احتراقًا عنف في وكالة بنكية بالحسيمة. هذا الأمر الأخير بالخصوص، ما زال يشكل جرحًا كبيرًا لم يندمل في ذاكرة أقارب الضحايا والكثير من الريفيين بصفة عامة، حيث يعتبرون أن الدولة مسؤولة بطريقة أو بأخرى عن هذه الوفاة". لقد أعادت حادثة مقتل السماك محسن فكري إنتاج الشعور بالتهميش واللامساواة، وأججت مشاعر السخط والغضب الخامدة في نفوس سا نكة الريف المغربي. ودشنت مرحلة جديدة من الصراع بين المنطقة والدولة. "فبناء الذاكرة في الريف يتجاوز الشرط الفردي ليضرب بجذوره في الإطارين الاجتماعي والإيكولوجي للوعي. صحيح أن خبرة الأجيال الشابة بالحوادث الماضية لم تكن مباشرة وعيانية، لكن تكريسها في المخيال الهوياتي من خلال فعالية الحكي قد ساعد بما فيه الكفاية على خلق هوام عدواني ذي طابع إسقاطي تجاه مظاهر السلطة". وكانت وسائل التواصل الاجتماعي جاهزة ليوظفها الشباب باعتبارها أداة مقاومة، وقناة تعبير عن الاحتجاج وتصريف للسخط الاجتماعي. لقد بدأ الاستخدام المكثف للشبكات الرقمية من الشباب بدءًا من نقاش غاضب بسبب حادثة مقتل السماك، ثم تفاعل ناشط جدًا بشأن مطالب اجتماعية وسياسية في وسائل التواصل الاجتماعي قبل بدء المظاهرات. وهكذا، برهن حراك الريف على أن "جيل جديدًا من الشباب قد ظهر إلى جانب جيل 20 ا فبراير مبدعًا أشك ل تعبيرية احتجاجية نوعية".
2. استراتيجيات جديدة في المقاومة والاحتجاج
صباح يوم 29 تشرين الأول/ أكتوبر 2016، عمّ خبر الحادثة مواقع التواصل الاجتماعي والمنابر الإعلامية الإلكترونية والورقية، وتناسلت تصريحات لنشطاء وناشطات هنا وهناك، "تستنكر بشاعة الجريمة، وتطالب بمعاقبة كل المتورطين فيها. وانتشر الفيديو الذي يوثق اللحظات الأخيرة من حياة محسن فكري كانتشار النار في الهشيم، وغزا جل مواقع التواصل الاجتماعي، مرفوقًا بهاشتاغ 'طحن مو"'. وتعدّ "طحن مو" (اسحقْ أمه) أول عبارة رددها نشطاء الحراك على شكل "هاشتاغ"، أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي "حيث قيل إن شهود عيان سمعوا مسؤول أعطى تعليماته لسائق
(6((المرجع نفسه، ص.44 6(((ح كوا ودنان والنضر، ص.83 (6((أحمد الخطابي، "من حركة 20 فبراير إلى حراك الريف: الخوف من الديمقراطية أم الخوف من جيل الشباب بالمغرب؟"،
سياسات عربية، مج 6، العدد 32 (2018)، ص.48 (6((الغلبزوري، ص.84
الشاحنة بتشغيل آلية الضغط على النفايات الموجودة في المقطورة الخلفية بهذه العبارة "طحن مو". وفي اليوم الموالي لمقتل محسن فكري، أصدرت المديرية العامة للأمن الوطني بلاغًا قالت فيه إن "المزاعم التي تنسب لموظف شرطة إعطاء الأمر لسائق الشاحنة بتشغيل آلية الضغط على النفايات المتصلة بالمقطورة، تبقى بدورها مجرد ادعاءات غير صحيحة [..] على اعتبار أن ذراع التحكم في هذه الآلة الضاغطة توجد في الجهة اليمنى لآخر الشاحنة، ويستحيل على السائق التحكم فيها، وهي المهمة التي يضطلع بها عادة مستخدمون آخرون غير السائق". يعدّ موقع فيسبوك أحد أبرز المنصات الإلكترونية، التي وظّفها قادة الاحتجاجات والسا نكة لنقل مسيراتهم وأشكالهم الاحتجاجية ورصد مواقفهم. وقد كان الحراك قائمًا على تآلف عدد كبير من
المواطنين العاديين والشباب "الذين ظلوا على هامش السلطة السياسية بالريف (لا ينتمون إلى النخب والأحزاب والجمعيات")، وأتاحت لهم تقنية "فيسبوك لايف" فرصة إيصال صوتهم والتعبير عن آرائهم. وعبر هذه التقنية نُشرت المعلومات والمعطيات حول عددالمشاركين في المظاهرات بالصوت والصورة، ورُصد تعامل الأجهزة الأمنية مع هذا الحراك من خلال الإنزال الأمني المكثف بالحسيمة
أو ما سُ مّي ب"عسكرة الريف". وبذلك، أسهمت فيسبوك لايف في "التعريف بأنشطة الحراك لدى
الرأي العام الوطني وفي إبراز حقيقة سلمية الحراك. فمقاطع الفيديوهات التي كانت تنقل التفاصيل اليومية للحراك (المسيرات، اللقاءات التواصلية، كلمات ولايفات ناصر الزفزافي...) أسهمت في إعطاء صورة مغايرة عن المنطقة التي ينظر إليها بكونها دائمًا متمردة ومحافظة ومنغلقة هوياتيًا وعصية
الاندماج في النسيج الوطني". برزت الصفحات الافتراضية على فيسبوك، خلال الاحتجاجات، بمنزلة إعلام بديل مناوئ للإعلام الرسمي، وذلك من خلال تغطيتها المستمرة للأحداث والمحطات التي طبعت مسار الحراك الشعبي بمنطقة الريف، ومواكبتها الإعلامية المضادة لوسائل الإعلام التقليدية. وحرصت صفحات الحراك، طوال فترة الاحتجاجات، على منافسة التعتيم والتضليل الذي كان يمارسه إعلام الدولة. ومثّلت هذه الصفحات، آنذاك، آلية لممارسة السلطة المضادة في الوقت الذي رفضت فيه السا نكة توجيه تهمة الانفصالية للمحتجين، وهي تعدّ بمنزلة "اتهام رئيس ضد نشطاء الحراك قصد تشويه سمعته، وإضافة إلى الأشكال المتعددة للانتهاكات، يجري اعتبار الانفصالية سياسة لتجريم الممارسات الاحتجاجية ومنعها، ومن ثمّ، للقمع المشروع، كما كان الحال مع متمردي "1959–1958. على المستوى
الرسمي، انتقل "الباراديغم السياسي لمواجهة الاحتجاجات في المنطقة من نسق 'الفتنة' إلى نسق 'الانفصال' مع تزايد حدة المواجهات وانتقالها إلى مدن وأقاليم مجاورة، وذلك من أجل سحب الشرعية
(6((المرجع نفسه، ص.159 (6((بلاغ صادر عن المديرية العامة للأمن الوطني بتاريخ 29 تشرين الأول/ أكتوبر.2016 (6((السعدي، ص.245 (6((المرجع نفسه، ص.204
(68) Zakaria Rhani, Khalid Nabalssi & Mariam Benalioua, "The Rif Again!’ Popular Uprisings and Resurgent Violence in Post–transitional Morocco," The Journal of North African Studies , vol. 27, no. 2 (2020), p. 345.
المجتمعية عن أي مطلب قد يتخذ شكل سياسيًا، ورفع ورقة الوحدة في وجه انتشار العدوى. وقد
كان ذلك على الرغم مما أبدته القوى الفاعلة في الحراك من تشبث بالمطالب الاقتصادية والاجتماعية ورفض أي تسييس للقضية وتبرؤ من أي أجندات خارجية"، إذ لم تتصدر واجهة حراك الريف أيّ شعارات أيديولوجية، كما لم يعلن انتماءه إلى أي جهة، "فاللاتنظيم والتلقائية وذاتية النشطاء شكّلت أهم عناصر قوة الحراك وصموده وتماسكه". نعمل بالاعتماد على منهج الإث ونغرافيا الافتراضية على ملاحظة وتحليل الدور الذي أدّته صفحات التواصل الاجتماعي في الحشد والتعبئة للاحتجاجات في الريف المغربي، وذلك من خلال تتبع المحتوى الإلكتروني الخاص ب "الصفحة الرسمية لمحبي ناصر الزفزافي"، وتعقّب نشاطها الرقمي عبر الملاحظة الإث ونغرافية. الصورة (1) الصفحة الرسمية لمحبي ناصر الزفزافي في فيسبوك
المصدر: "الصفحة الرسمية لمحبي ناصر الزفزافي"، فيسبوك، شوهد في 2023/12/12، في: http://tinyurl.com/yck3965r
تأسست خلال الحراك الشعبي بالريف المغربي "الصفحة الرسمية لمحبي ناصر الزفزافي"، وهي
صفحة على موقع فيسبوك ذات طابع سياسي، نشئت منذأُ 12 نيسان/ أبريل 2017، أي عندما أصبح الزفزافي زعيمًا للاحتجاجات. ويقدّمها تعريفها الذاتي على أنها صفحة خاصة ب "محبي ومؤيدي
المعتقل ناصر الزفزافي خارج وداخل أرض الوطن". وقد بلغ عدد متتبعيها أكثر من 500 ألف متابع، وقد شكلت واحدة من أهم وسائل التواصل مع المعجبين بشخصية ناصر الزفزافي، من خلال رسائل
(6((محمد الإدريسي، "الحراك الاحتجاجي في الريف: كيف وإلى أين؟"، المستقبل العربي، السنة 40، العدد 469 (آذار/ مارس 2018)، ص 15،.19 ((7(السعدي، ص.227
التحديثات، واستقبال التعليقات على كل جديد، ونشر جميع أساليب الدعاية، من فيديوهات وصور ومعلومات للاتصال. عملت الصفحة على تغطية مراحل الحراك ورصد أبرز أحداثه، حيث قامت بمشاركة فيديوهات الزفزافي المصورة على صيغة اللايف/ البث المباشر، ونشرت مقاطع مسجلة توثق للمسيرات والاحتجاجات وترصد تعامل الأجهزة الأمنية مع الحراك من خلال ما سُ مي ب"العسكرة"، وفسحت المجال للتفاعل
عبر التدوينات والتعليقات على الصور ومقاطع الفيديو. وعملت الصفحة على الحثّ على تعميم ما تنشره على باقي الصفحات والحسابات الشخصية للمتابعين، وذلك عبر عبارة "بارطاجي" (شارك) التي كانت تختم بها منشوراتها، وكانت بذلك تهدف إلى فكّ العزلة الإعلامية عن "الريف" وإيصال ما يجري للرأي العام، وجعل الحراك يأخذ بعدًا وطنيًا ودوليًا. تباينت وتيرة تفاعل الصفحة مع الوقائع بحسب طبيعة الأحداث وتجاوب المتابعين معها. وكان اللافت للنظر أنها بدأت هادئة مع حدث "الدعوة للإضراب العام والمسيرة ردًا على تصريحات الحكومة" يوم 15 أيار/ مايو 2017. نشرت الصفحة مقطع فيديو للناشط ناصر الزفزافي، وع وننته ب "ناصر يرد على اتهامات الحكومة الخطيرة ويدعو لإضراب عام يوم الخميس مع مسيرة سلمية ضخمة". وظهر الزفزافي في مقطع الفيديو، وهو ينتقد تصريحات الحكومة التي نسبت تهمة الانفصال للمتظاهرين، ويدعو لتنفيذ إضراب عام ومسيرة احتجاجية ضخمة تجوب الحسيمة، رًّدًا على ما وصفه ب "ترهات وخزعبلات" رئيس الحكومة. انحصر عدد التفاعلات في ذلك اليوم في حدود ألف تفاعل، وجرت مشاركة الفيديو 509 مرات، وبلغت مشاهداته 25 ألف مشاهدة. وفي يوم الجمعة 18 أيار/ مايو شاركت الصفحة مقطع فيديو لناصر الزفزافي خلال "المسيرة والإضراب العام" وع وننته ب "ناصر الزفزافي قبل قليل لحظة استقباله. بارطاجي (شارك)". يومها، ارتفعت وتيرة التفاعل على نحو قياسي، حيث تجاوز عدد التفاعلات 5 آلاف تفاعل، وتجاوز عدد المشاركات 3 آلاف مشاركة، وحقق المقطع 157 ألف مشاهدة. واستمر ارتفاع مؤشر التفاعل مع منشورات الصفحة في الصعود يوم 26 أيار/ مايو مع "واقعة المسجد"، بمناسبة نشر الصفحة مقطع فيديو للناشط ناصر الزفزافي وعلقت عليه ب "عاجل. ناصر يفقد أعصابه داخل المسجد بعد الاستفزازات والاتهامات التي وجهها إمام المسجد للحراك الشعبي في خطبته السياسية". وظهر الزفزافي في المقطع وهو ينتقد مضمون خطبة الجمعة، التي سارت في اتجاه مهاجمة الحراك وشيطنته، معتبرًا أن الفتنة الحقيقية تتجلى في غياب أبسط الحقوق الاجتماعية وانعدام
شروط العيش الكريم وتدهور الأوضاع الاقتصادية. وتفاعل حوالى 12 ألف شخص مع الفيديو، وبلغ عدد مشاركاته 9 آلاف مشاركة. وتعدّ واقعة المسجد من أبرز الأحداث، التي غيّرت مسار الحراك،
وخلقت تفاعلًاجتماعيًا إلكترونيًا واسعًا. في اليوم نفسه، وعقب "واقعة المسجد"، واندلاع المواجهات بين قوات الأمن والمحتجين، نشرت الصفحة مقطع فيديو يصور "الاستنفار الأمني بالحسيمة مباشرة بعد الحادثة". وانخفض عدد التفاعلات
إلى 6 آلاف تفاعل، وعدد المشاركات إلى 3 آلاف مشاركة. رصد الفيديو ظهور قوات الأمن وهي تسعى لتفريق المحتجين، الذين كانوا يرددون بصوت واحد شعار: "سلمية سلمية"، ونشرت الصفحة في اليوم نفسه مقطع فيديو آخر وكتبت "شاهد لحظة مداهمة منزل ناصر الزفزافي من قبل الأجهزة القمعية من أجل اعتقاله"، بلغت مشاهداته 156 ألف مشاهدة، وتفاعل معه أكثر من 3 آلاف شخص، وتجاوز عدد مشاركاته ألف مشاركة. ويوثق الفيديو لحظة تطويق قوات الأمن منزل ناصر الزفزافي، والمواجهات التي اندلعت بين المحتجين وقوات الأمن. ارتفع المؤشر في اليوم نفسه، مرة أخرى، مع فيديو لقائد الحراك ناصر الزفزافي مقتطف من بث مباشر ظهر فيه بعد غيابه عن الأنظار عقب أحداث المواجهات، وهو يدعو المحتجين إلى التحرك. وتفاعل أزيد من 8 آلاف شخص مع المقطع، وجرت مشاركته 2.8 ألف مرة. ودعا الزفزافي في المقطع المحتجين إلى التمسك بالسلمية لمواجهة ما أسماه "استفزازات السلطة"، مناديًا بتنفيد إضراب عام وإغلاق المحالّ التجارية في الحسيمة ردًا على من وصفهم ب "فقهاء السلاطين"، والوزراء الذين نعتهم ب "العصابة". ويوم 26 أيار/ مايو، أصدر ال كويل العام للملك لدى محكمة الاستئناف في الحسيمة أمرًا رسميًا ب "إلقاء
القبض على المعني بالأمر ناصر الزفزافي، قصد البحث معه وتقديمه أمام النيابة العامة". وأوضح الأمر أنّ قرار الاعتقال أتى نتيجة "إقدام الزفزافي بمعية مجموعة من الأشخاص أثناء وجودهم داخل مسجد محمد الخامس بالحسيمة، على عرقلة حرية العبادات وتعطيلها أثناء صلاة الجمعة". وأشار البلاغ إلى أنه "أقدم على منع الإمام من إكمال خطبته وألقى داخل المسجد خطابًا تحريضيًا أهان فيه
الإمام، وأحدث اضطرابًا أخلّ بهدوء العبادة ووقارها وقدسيتها، وفوّت بذلك على المصلين صلاة آخر
جمعة من شهر شعبان". ويوم 29 أيار/ مايو، أعلن ال كويل العام للملك أنه جرى إيقاف "المدعو ناصر الزفزافي من أجل الاشتباه في ارتكابه جريمة عرقلة وتعطيل حرية العبادات". ركّز النشاط الرقمي للصفحة يوم اعتقال ناصر الزفزافي على تصوير جوانب من الوقفات التضامنية مع معتقلي الحراك، سواء في الريف أو في مدن باقي جهات المغرب، وذلك من خلال مجموعة من مقاطع الفيديو والصور والتدوينات. ونشرت الصفحة في اليوم نفسه لائحة المدن التي ستنظم أشك لًاحتجاجية تضامنية مع الزفزافي ورفاقه، ومنها الناظور وطنجة والحسيمة والدار البيضاء والرباط وفاس والمضيق والفنيدق وتطوان، مع ذكر زمان الوقفة ومكانها في كل مدينة بالتحديد. وتفاعل حوالى 3 آلاف شخص مع المنشور، وبلغ عدد مشاركاته 466 مشاركة. ونشرت الصفحة مقطع فيديو لوقفة تضامنية في الدار البيضاء مع معتقلي حراك الريف، وع وننته ب "فيديو يثلج الصدر من العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء"، حقق 299 ألف مشاهدة، وتفاعل معه نحو 13 ألف شخص، وجرت مشاركته 6646 ألف مرة. وصوّر المقطع
جانبًا من الوقفة الاحتجاجية المنّظمة بساحة الأمم المتحدة في الدار البيضاء. أعلنت الصفحة في 30 أيار/ مايو 2017 عن وقفة تضامنية مع نشاط الريف أمام مقر الفرقة الوطنية بالدار البيضاء، حيث يجري استنطاقهم، ووّجهت من خلالها نداء إلى "كل المناضلين بالدار البيضاء"
وختمت منشورها بعبارة "أحرار كازا وكنوا في الموعد". وتفاعل حوالى 2378 شخصًا مع النداء، وجرت
مشاركته 236 مرة. من خلال كل هذه المنشورات، وإضافة إلى وكنها مثّلت مصدرًا مهًّمًا للخبر، فقد
واكبت الصفحة الرسمية لناصر الزفزافي أبرز المحطات التي شهدها الحراك، وعملت على تجاوز ما كان يرّوجه الإعلام الرسمي المضاد من معطيات تسير في اتجاه الطعن في أسس الحراك وسلميته. وحرصت الصفحة عبر ما تنشره من تدوينات وصور ومقاطع فيديو وبيانات، على جعل الأحداث تتجاوز حدود المحلي وتأخذ بعدًا وطنيًا ودوليًا. احتلت الصورة مكانة مهمة ضمن المواد الرقمية المنشورة على الصفحة، ومثّلت، أثناء الاحتجاجات، أكثر أدوات التواصل قوة، وجرى الاعتماد عليها في عملية الحشد والتعبئة. ومن خلال تتبّع الآثار
الرقمية، نلاحظ أن أغلب الصور التي تفاعل معها المتابعون جسدت شخصيات تاريخية مثل عبد الكريم الخطابي، أو شخصيات لها علاقة مباشرة بقدح شرارة الحراك مثل السماك محسن فكري، أو شخصيات قيادية فيه مثل قائده في شهوره الأولى قبل الاعتقال ناصر الزفزافي. وحضرت فيما بعد صور رموز الحراك وقياداته الميدانية، الذين اعتُقلوا. وكشفت الصورة عن واقع مدينة الحسيمة والريف المغربي عمومًا، ورصدت أوجه الهشاشة والتهميش والبطالة والإقصاء الاجتماعي الذي تعيشه
المنطقة. ارتبط الحراك الشعبي في الريف المغربي منذ اندلاعه بالكلمات والعبارات، التي كان لها وقع قوي في تطوير الأحداث وتحديد المسارات. ورافقت مجموعة من المصطلحات هذا الحراك والتصقت به حتى أضحت تعبّر عنه وتعكس معانيه. فقد انتشرت جملة من الكلمات على مواقع التواصل الاجتماعي،
وكان لها تأثير في الجماهير، نذكر منها على سبيل المثال هاشتاغ #"طحن_مو"، الذي أطلق شرارة الاحتجاجات وحفز الأفراد على الانتفاض ضد التهميش واللامساواة، و #"بيك_يا_وليدي"، العبارة الشهيرة الممزوجة بالسخرية من الأوضاع، التي غزت الشبكات الإلكترونية وأصبحت مصطلحًا
متداول. وحققت مقولة "هل أنتم حكومة أم عصابة" انتشارًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي،
وصارت شعارًا مؤطرًا للمسيرات الغاضبة، والمظاهرات الرافضة لتعامل الدولة مع الأوضاع، التي
شهدها الريف المغربي. وانتشر وسم #"ماعندي_بو_الوقت" (لا وقت لديّ)، وهي عبارة خاطب
بها أحد العاملين في الميناء عزيز أخ ونش رئيس الحكومة الحالي ووزير الفلاحة والصيد البحري آنذاك، خلال زيارته الحسيمة أثناء الحراك الشعبي. وأطلق سلوك ذلك الشاب نقاشًا واسعًا في صفوف المغاربة، واعتبره البعض تدشينًا لمرحلة جديدة من العلاقة بين المواطن وأصحاب المناصب الوزارية، وذلك إضافة إلى وسوم رقمية أخرى مثل #"عاش_الريف_ولا_عاش_من_خانه"، و#"لا_للعسكرة"، وغيرهما.
((7(لقد تحولت الوسوم الرقمية التي كان يجري تداولها داخل صفحات فيسبوك إلى شعارات فعلية رفعها المحتجون خلال الاحتجاجات. ((7(صورة السماك محسن فكري التي جرى نشرها وتداولها على وسائل التواصل الاجتماعي شكّلت مشهدًا دراميًا خلق "شحنات
نفسية وانفعالية وسياسية كبيرة لدى الرأي العام المحلي والوطني". محمد أحمد بنيس، "جدل الهوية والذاكرة والمجال"، في:
الحركات الاحتجاجية في تونس والجزائر والمغرب (2017–2011)، ص.70
لقد أنتج حراك الريف معجمًا لغويًا خاصًا به، يضّم كلمات وعبارات ومقولات ترسخت في الذاكرة
الجمعية للسا نكة وأشعلت لهيب الاحتجاجات. وفي الجملة، أنتجت الأحداث التي شهدها الريف المغربي خطابًا يعبّر عن المرحلة ويعكس جلًّيًا معالمها. ويمكن القول إن الدينامية الاحتجاجية التي
عرفها المجتمع الريفي دشنت من خلال هذه النضالية الرقمية مرحلة تجاوزت السائد والممكن في اللغة وخلقت لنفسها معجمًا ثوريًا خاصًا محّملاّاا بالكلمات والمقولات، التي سرعان ما تحوّلت إلى
شعارات تصدح بها حناجر العشرات في الساحات والشوارع. وقد انتبهت السلطات إلى القوة التواصلية لناشطي الحراك، فلجأت يوم 20 تموز/ يوليو 2017 إلى قطع الإنترنت عن مدينة الحسيمة.
ثالثًا: حراك جرادة: العدالة البيئية والمجالية محركًا للفعل الاحتجاجي
ضمن الحراك الاجتماعي الذي تعيشه إميضر منذ س ونات، تعتبر حركة "على درب 96 إميضر" أقدم الحركات الاجتماعية المدافعة عن العدالة البيئية والاجتماعية بالمغرب. "يمكن أن نشير هنا إلى الكيفية التي تحولت بها القضايا البيئية في حراك 'حركة على درب 96' بعد عام 2011، إلى أهم حجية للدفاع عن قضيتها، وذلك بعدما كانت سا نكة إميضر عبر مسارها النضالي الذي بدأ في عام 1978 إلى حدود تشكل 'حركة على درب 96' في عام 2011 تطالب فقط بحقها في العمل داخل 'منجم إميضر للفضة' وتنمية المجال وبتبرئة المعتقلين. بمعنى أنّ سا نكة إميضر بعد 33 سنة من الاحتجاج والنضال، تشكّل لديها وعي بالعنف البيئي الذي تتعرض له ومجالها ومواردها". بهذا المعنى، تعدّ احتجاجات إميضر نموذجًا
من احتجاجات الهوامش، حيث خاضت أطول اعتصام بالجبال في المغرب من دون أن تحظى باهتمام إعلامي، ولا باهتمام الباحثين والدارسين. إن اكتساب الروح الاحتجاجية في إميضر لحيوية جديدة بعد 2011 يؤكد الحاجة الملحّة إلى العودة إلى الأحداث والاحتجاجات المحلية في مختلف هوامش المغرب
والانطلاق منها من أجل الوصول إلى تحليل شامل بخصوص الحراك الاحتجاجي، الذي شهده المغرب منذ عام 2011؛ فالهزّات الاجتماعية الكبرى تنتج من "تلك الممارسات الاحتجاجية في المدن الصغرى التي اجتمعت لتشكّل حراكًا احتجاجيًا في لحظة تاريخية معينة". عاد مطلب العدالة الإيكولوجية بصورة لافتة خلال الموجة الثانية من الحركات الاحتجاجية والاجتماعية المغربية، مع سلسلة الاحتجاجات، التي شهدتها منطقة جرادة، وأطلقتها حادثة مقتل
((7(نددت منظمة "مراسلون بلا حدود" في بيان لها بعرقلة السلطات المغربية تغطية الاحتجاجات التي تشهدها المنطقة عبر إبطاء شبكة الإنترنت وقطعها أحيانًا، وشهدت شبكة الهاتف اضطرابًا في كامل المدينة. ينظر بيان المنظمة: "'مراسلون بلا حدود' تتهم السلطات
المغربية بعرقلة تغطية حراك الريف"، فرانس 24، 2017/7/22، شوهد في 2023/12/12، في: http://tinyurl.com/mutv89pd ((7(تبعد قرية إميضر حوالى 30 كيلومترًا عن تنغير. وفي عام 2011 بدأت سا نكتها الاعتصام سلميًا فوق أعلى قمة على جبل
"ألبان" احتجاجًا على استنزاف المنجم لمياه القرية المخصصة للسقي، وعدم استفادة السكان من أيّ شكل من أشكال التنمية، ومن
الأرباح التي تجنيها الشركة المستغلة للمنجم. ((7(الإبراهيمي وأمغار، ص.22
(76) Laura Feliu, Josep Liuis Mateo Dieste & Ferran Izquierdo Brichs, Un siglo de movilizatión social en Marruecos (Barcelona: Edicions Bellaterra, 2019), p. 420.
شقيقين كانا يستخرجان الفحم بوسائل بدائية من بئر مهجورة في المدينة نهاية عام 2017. لقد اتخذت الاحتجاجات في جرادة أشك ل عديدة بدءًا من الاعتصام، مرورًا بالمسيرات، وانتهاءً بشّن إضرابات
عامة. وأتاحت شبكات التواصل الاجتماعي للسا نكة إمكانية التنسيق والتفاعل، ومنحت نشطاء الحراك وقادته أرضية للانتظام. وسلّطت هذه الشبكات الضوء على التهميش الاجتماعي الذي تعانيه هذه المنطقة، والهشاشة الإيكولوجية التي تعيشها، عبر صور ومقاطع فيديو تداولها الرأي العام الإلكتروني، ومن خلالها تعرّف بإشكاليات البيئة والتنمية المستدامة في المنطقة.
المنجم إلى فيسبوك من
ساهمت صفحات فيسبوك الخاصة بالحراك الشعبي بجرادة في التنبيه للوضع البيئي والاجتماعي، الذي تعيشه هذه المدينة المنجمية، عبر التركيز في خطابها الإلكتروني على رصد أشكال التهميش الاجتماعي فيها، وجوانب الهشاشة الإيكولوجية التي تعانيها. ومن الأدوار التي قامت بها التأجيج والتعبئة والحشد للحراك الاجتماعي، وتحقيق انتظام الفعل الجماعي عبر انتقال موجة السخط الاجتماعي من الشوارع والساحات إلى الفضاء الافتراضي. وشكّلت تلك الصفحات إعلامًا بديل نقل
بالصوت والصورة ما تشهده المدينة من ممارسات احتجاجية، وهذا ما وضع الدينامية الاجتماعية، التي دامت شهورًا طويلة دون أي تغطية إعلامية تذكر، في قلب المشهد الإعلامي المحلي والعالمي.
أ. "الصفحة الرسمية لحراك جرادة"
الصورة (2) الصفحة الرسمية لحراك جرادة في فيسبوك
المصدر: "الصفحة الرسمية لحراك جرادة"، فيسبوك، شوهد في 2023/12/12، في: http://tinyurl.com/yr8ern24
تأسست "الصفحة الرسمية لحراك جرادة"، في 10 كانون الثاني/ يناير 2018، وبلغ عدد المعجبين بها أكثر من 4000 شخص، وعدد متابعيها 4200 متابع.
((7(اختيرت هذه الصفحة لتكون ضمن النماذج المدروسة نظرًا إلى نشاطها الرقمي المكثف والمتواصل خلال فترة الاحتجاجات
في المنطقة وتغطيتها لأهم الأحداث والوقائع التي يشهدها الحراك.
تكشف لنا الملاحظة الإث ونغرافية لهذا الفضاء الإلكتروني أن الموضوعات التي تنشر داخله مرتبطة بالأساس بالاحتجاجات الواسعة في المدينة، والمستجدات التي يعرفها الحراك الشعبي. وتتمحور المواد الرقمية التي يجري تعميمها حول الاشتباكات بين قوات الأمن والمتظاهرين، والإضرابات والمسيرات التي تنظمها السا نكة. واحتوى الفضاء المدروس دعواتجّهت إلى الرأي العامُو الافتراضي للالتحاق بالمظاهرات وتكثيف المشاركة في الأشكال الاحتجاجية الرافضة للتهميش وظروف العيش الصعبة. تُعدّ الصور ومقاطع الفيديو من بين أبرز الوسائط الرقمية التي تحويها الصفحة، ويجد هذا الأمر تفسيره في وكن الصورة تظهر على نحو أشد بروزًا على فيسبوك مقارنة بالتدوينة. وقد حضرت هذه الصورة في المواد الرقمية التي تنشرها الصفحة، على نحو لافت وبطرق وأساليب عرض مختلفة، ما جعلها بمنزلة مادة إعلامية اعتمد عليها نشطاء الحراك، وأداة مهمة من أدوات دعم القضايا البيئية والاجتماعية. وتعكس المواد المصورة المنشورة في الصفحة جوانب مختلفة من أوضاع المنطقة ونضالاتها، كما يوضح الجدول.)1(الجدول (1) جانب من الصور التي تعكس الوضع البيئي والاجتماعي في المنطقة
صورة من مسيرة 13 كانون الثاني/ يناير 2018، لاطفل بزي عمال المناجم، يحمل شكل مصّغ رًا
لمدخنة المركب الحراري بالمنطقة، للإشارة إلى ما تسبّبه هذه المحطة الحرارية من تلوث بيئي.
المصدر: من إعداد الباحثة، استنادًا إلى: "الصفحة الرسمية لحراك جرادة"، فيسبوك، شوهد في 2023/12/12، في:
وإيصاله إلى باقي المناطق.
((7(آبار الفحم العشوائية.
صورة من مسيرة النعوش التي نظمتها السا، نكة يوم 28 كانون الثاني/ يناير 2018 في جرادة، وهي مسيرة إقليمية حمل فيها المحتجون نعوشًا رمزية، في إشارة إلى ضحايا انهيار منجم الفحم الحجري (شهداء الساندريات).
صورة لجانب من المسيرة الاحتجاجية التي شهدتها المدينة، يوم 31 كانون الثاني/ يناير 2018، واتجهت نحو مقر شركة مفاحم المغرب.
http://tinyurl.com/yr8ern24
يركز المحتوى الرقمي للصفحة على رصد الأوضاع الاجتماعية والبيئية المتدهورة التي تعيشها المدينة من جهة، وحشد السا نكة وتعبئتها وتشجيعها على المشاركة في الأشكال الاحتجاجية المنظمة من جهة أخرى. وقد حرصت الصفحة على نشر البرنامج "النضالي" للحراك الشعبي خلال كل أسبوع، والذي ت ونع بين إطفاء الإنارة بالمدينة في أوقات معينة، وفتح نقاشات مركزية في مواقع محددة في جرادة وحاسي بلال وحي المسيرة، ووضع الشارات الحمراء طوال يوم كامل تعبيرًا عن رفض السا نكة للأوضاع وتشبّثها بمطالبها. وقامت الصفحة بتغطية هذه الممارسات الاحتجاجية والتعبوية والتوعوية
التي تشهدها المنطقة، عبر توثيق ما يحدث بالصور ومقاطع الفيديو، وذلك من أجل نقل ما يجري
من خلال تعقّبنا للآثار الرقمية المنشورة على الصفحة، نلاحظ أنّ النشاط التفاعلي الإلكتروني كان مكثفًا في الفترة بداية كانون الثاني/ يناير – أواسط آذار/ مارس 2018، وهو تاريخ توقّف النشاط التفاعلي للصفحة (تحديدًا يوم 13 آذار/ مارس 2018). وما إن توقّف هذا الفعل الاحتجاجي كما يوضحه تتبّع
كرونولوجيا الأحداث في المنطقة، حتى انقطع المحتوى الرقمي داخل الصفحة.
ب. "المرصد الإخباري المغربي – جرادة"
الصورة (3) صفحة المرصد الإخباري المغربي – جرادة في فيسبوك
المصدر: "المرصد الإخباري المغربي – جرادة"، فيسبوك، شوهد في 2023/12/12، في: http://tinyurl.com/3rssdrn3
برزت خلال الحراك الاجتماعي في جرادة، صفحة فيسب كوية أخرى سميت "المرصد الإخباري المغربي –
جرادة"، التي نشئت فيأُ 21 نيسان/ أبريل 2013، وبلغ عدد المعجبين بها أكثر من 9 آلاف شخص، وعدد متابعيها عشرة آلاف متابع. وبالرغم من أن الصفحة لم تنشأ تزامنًا مع الأحداث التي شهدتها المنطقة، كما هو الأمر بالنسبة إلى الصفحة السابقة، فإنها واكبت أهم المحطات التي عرفها الحراك الاجتماعي. لم تبدأ الصفحة نشاطها التفاعلي مع الأحداث إلا يوم 25 كانون الأول/ ديسمبر 2017، عبر نشر صور تعكس جانبًا من المظاهرات التي شهدتها المنطقة، على خلفية حادثة بئر الفحم الحجري. وكشفت لنا
الملاحظة الإث ونغرافية للصفحة أنها في نفس اليوم قامت بمشاركة حوالى 48 مادة رقمية، توزعت بين الصور ومقاطع الفيديو والروابط الإلكترونية والتدوينات. وقد تمحورت الموضوعات الرقمية المنشورة على الصفحة حول الغضب الشعبي في المنطقة إزاء مصرع الشابّين، والمشاكل البيئية والأوضاع الاجتماعية التي تعانيها المدينة، وحول تفاعل السلطات الأمنية مع موجة الاحتجاجات العارمة، التي اندلعت بعد انتشال جثتَي العاملين المنجميين. ركز نشاط الصفحة التفاعلي في كانون الثاني/ يناير 2018 على نشر الملف المطلبي المتوافق عليه من طرف السا نكة، الذي تضمن مجموعة نقاط على رأسها تعويض المتضررين من مخلفات المركب
الحراري، سواء الغازية أو الصلبة، والتسوية العاجلة لملف مرضى السيليكوز (داء الرئة الصواني) وضحايا حوادث الشغل في مفاحم جرادة، وإعفاء السا نكة من أداء فواتير الماء والكهرباء. وحرصت الصفحة على تعميم البرنامج النضالي للحراك الشعبي الخاص بكل أسبوع، ونقلت جوانب من الوقفات الاحتجاجية التي نظمتها مجموعة من المدن المغربية تضامنًا مع حراك جرادة، إلى جانب قيامها بتغطية مستمرة بالصور ومقاطع الفيديو للمسيرات والأشكال الاحتجاجية المنظمة في المنطقة، والتي استمرت أيامًا متتالية. ونقلت الصفحة من خلال وسم #"عين_على_الصحافة"، التغطية الإعلامية للحراك الشعبي في جرادة، وجانبًا من مواكبة بعض الجرائد الوطنية للأحداث، ومنها المساء، والأخبار،
وأخبار اليوم. عكست محتويات الصفحة، في مستهل شباط/ فبراير 2018، عودة حالة الغليان والاحتقان الاجتماعي لمدينة جرادة، عقب مقتل عامل آخر في بئر للفحم الحجري. ونشرت مقاطع فيديو توثق لحظة انتشال جثة المتوفى، واستخدمت وسم #"شهداء_الرغيف_الأسود" بطريقة مكثفة؛ للإشارة إلى ضحايا مناجم جرادة الذين لفظوا أنفاسهم الأخيرة أثناء بحثهم عن لقمة العيش. وعملت على جعل الرأي العام الافتراضي في قلب أبرز الأحداث التي طبعت مسار الحراك الشعبي، وما شهدته جرادة خلال شباط/ فبراير، من استمرار للفعل الجماعي المطالب بتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. ازداد النشاط التفاعلي للصفحة في آذار/ مارس 2018، وهو الشهر الذي عرف سقوط ضحية أخرى من ضحايا مناجم المنطقة الشباب داخل منجم عشوائي للتنقيب عن معدن الرصاص بسيدي بوبكر إحدى ضواحي مدينة جرادة. وتمحورت الموضوعات التي نشرتها الصفحة خلال هذا الشهر حول مستجدات ملف معتقلي الحراك الشعبي، والوقفات المطالِبة بإطلاق سراحهم الفوري، ووثّقت بالصور ومقاطع الفيديو الأحداث التي شهدتها المدينة من مسيرات حاشدة، ووقفات احتجاجية وإضراب عامّ. وعكست المواد الرقمية التي نشرتها الصفحة، خلال آذار/ مارس، على نحو بعيد، تجسير الروابط بين سا نكة جرادة وباقي المدن المغربية، من خلال رصد الأشكال الاحتجاجية التضامنية التي نظّمتها مجموعة من المناطق تضامنًا مع الحراك، كالوقفة التضامنية التي شهدتها مدينة الدار البيضاء في 18 آذار/ مارس 2018، ورفع فيها المتظاهرون لافتات كُتب عليها وسم#"كلنا_جرادة"، الذي اكتسح صفحات التواصل الاجتماعي. طغت الصورة على المواد الرقمية المنشورة على الصفحة، في الفترة 25 كانون الأول/ ديسمبر 2017 – 30 آذار/ مارس 2018. ويجد هذا الأمر تفسيره في أن القائمين على التحركات وعلى تنشيط الشبكات الرقمية وعوا بأن الصورة تؤدي دورًا مهًّمًا في تشكيل وعي الرأي العام الإلكتروني والتأثير فيه، واستمالته وتعبئته تجاه الحراك الاجتماعي في المنطقة. وبالفعل، اعتمدت الصفحات على الصورة على نحو
(7(("وفاة شاب داخل 'منجم' عشوائي للرصاص بإقليم جرادة"، تيل كيل عربي، 2018/3/2، شوهد في 2023/12/12، في:
http://tinyurl.com/sswrmbtc
مكثف بوصفها مادة تتحدث عن نفسها، ولا تحتاج إلى المعرفة ولا الجهد ولا الوقت من المتلقي، كما هو الحال بالنسبة إلى التدوينات. وقد أثبت عرضها للقائمين على الحراك أنها تساهم في تأجيج الرأي العام وحشده، وأنه "لا وجود لجماهير منظمة بدون سنادات بصرية تمكّن من الالتحام". ويوضح الجدول (2)، نماذج الصور التي نشرتها الصفحة. الجدول (2) جانب من الصور التي تعكس الهشاشة البيئية والتهميش الاجتماعي في المنطقة
(8((ريجيس دوبريه، حياة الصورة وموتها، ترجمة فريد الزاهي (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2007)، ص.72
المصدر: "المرصد الإخباري المغربي – جرادة"، فيسبوك، شوهد في 2023/12/12، في: http://tinyurl.com/3rssdrn3
تسمح لنا المعطيات التي توصّلنا إليها عبر تتبّع التفاعلات الرقمية داخل الصفحة، وما عاينّاه من خلال الملاحظة الإث ونغرافية ببناء استخلاص مفاده أنّ مادة المحتوى الرقمي المنشور متمحورة بالأساس على نقد الأوضاع الاجتماعية التي تعيشها المنطقة، والتوعية بالمخاطر البيئية التي تعانيها. فقد نشرت مثل، بتاريخ 26 كانون الأول/ ديسمبر 2017، صورًا للمركّب الحراري في المنطقة توثّق الدخان الكثيف الذي ينفثه ويغطي سماء المدينة. واعتبرت الصفحة أن هذا المركب يعدّ بمنزلة "دافع أساسي لانتفاضة سا نكة جرادة والراعي الرسمي للتلوث بالمدينة"، مشيرةً إلى الأمراض الناجمة عن مدخنته، كالأمراض السرطانية وأمراض الجلد والتهابات الحنجرة والكبد والكلى. واحتلت الوسوم جزءًا مهمًا من النشاط الرقمي داخل هذه الصفحة، حيث عمّمت مجموعة منها شملت #"شهداء_الرغيف_الأسود"، #"جرادة_الخبز_الأسود"، #"جرادة_تنتفض"، و#"جرادة_تستغيث"؛ وذلك من أجل زيادة التفاعل بين زوار الصفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، وبغية إظهار دعمهم للحراك الاجتماعي في جرادة، وتضامنهم مع سا نكتها. ساهمت هاتان الصفحتان الفايسب كويتان في التنبيه للوضع البيئي والاجتماعي الذي تعيشه جرادة المنجمية، عبر التركيز في خطابهما الإلكتروني على رصد أشكال التهميش الاجتماعي في المنطقة، وجوانب الهشاشة الإيكولوجية التي تعانيها، إلى جانب الدور الذي قامتا به في التعبئة للحراك الاحتجاجي وانتظام الفعل الجماعي عبر نقلهما موجة السخط الاجتماعي من الشوارع والساحات إلى الفضاء الافتراضي. وبذلك شكّلت الصفحتان إعلامًا بديل نقل بالصوت والصورة ما تشهده المدينة من ممارسات احتجاجية، وهذا ما وضع الاحتجاجات الاجتماعية في قلب المشهد الإعلامي المحلي والوطني المغربي والعالمي، بعد أن دامت شهورًا طويلة دون أيّ تغطية إعلامية تذكر.
خاتمة
عكس حراك "الهوامش" تناميًا وتطورًا على مستوى الفعل الاحتجاجي في المغرب، حيث أصبح
يتشكل داخل المناطق المعزولة التي تجاوزت عملية تعبئة سا نكتها ضد التهميش الاجتماعي والمجالي الفضاءات الكلاسيكية للاحتجاج الاجتماعي. وقد تحقق ذلك التجاوز من خلال الاستخدام الجماعي لوسائل التواصل الاجتماعي من جانب النشطاء، بما جعل الأفعال الاحتجاجية المتفرقة في منطقتي الريف وجرادة تتطور إلى حراك اجتماعي منظم خارج المؤسسات التقليدية للنضال الاجتماعي. إن أهمّ ما ميز الموجة الثانية من الحراك الاجتماعي في المغرب أنه جاء عابرًا للتنظيمات والأحزاب،
ومتجاوزًا للهويات السياسية والأيديولوجيات، بحيث كان حراكًا بعيدًا عن السياسة بمفهومها التقليدي، قريبًا من هموم ومعاناة جماعات من المحرومين والمهمشين الذين صاروا يصنعون سياستهم الخاصة،
ويقاومون يوميًا، بطرق مختلفة وهادئة، ومنها مقاومات عبر الفضاءات الرقمية التواصلية. في الأمثلة التي درسنا، لاحظنا كيف يلجأ المهمّشون إلى وسائل التواصل الاجتماعي؛ من أجل جعل قضاياهم مرئية أكثر، ونقل معاناتهم المشتركة وجعلها تتجاوز حدود المحلي لتصل إلى ملايين الأفراد عبر العالم، بحيث يتقاسمون الأوضاع نفسها، ويوحّدهم النضال من أجل الخروج من حالة الفقر والبؤس والتهميش التي يعيشونها. وعاينّا كيف تخلق المعلومات والصور ومقاطع الفيديو، التي يجري تبادلها على صفحات فيسبوك، إحساسًا بالحنق والغضب والشك، وتغذي مشاعر السخط اللازمة لكل حركة معارضة. وهكذا، تفتح الفضاءات الرقمية التواصلية مج ل جديدًا للتفاعلات، يخرج عن سيطرة الدولة، وينتج ممارسات جمعية مشتركة يقودها الأفراد على الغالب. وقد ساهمت هذه الشبكات، بفضل حيز الحرية الذي تتيحه، في جعل النقاش الغاضب الذي دار بين الشباب داخل العوالم الرقمية، يترجم على أرض الواقع، في شكل وقفات ومسيرات وأنماط احتجاجية مختلفة ومتفرقة، تجسد رفضًا شعبيًا جماعيًا للامساواة والإقصاء الاجتماعي والمجالي و"الحُكرة". لقد زودت المنصات الرقمية المحتجين في منطقتَي الريف وجرادة بمجموعة من الأدوات الرقمية اللازمة للتنظيم الذاتي ولتحقيق أهدافهم ومطالبهم، فكانت التك ونلوجيات الحديثة بأدواتها المتعددة التي تتيحها هذه الشبكات في خدمة الشباب المحتجين. لقد جرت التعبئة على صفحات فيسبوك، وداخل هذه الفضاءات الرقمية ناقش المحتجون مطالبهم وتداولوا في مشروعيتها. وساهم النشاط الرقمي للشباب المحتجين في توسيع نطاق الحراك وإعطائه بعدًا دوليًا، وأدمج السا نكة ومطالبها في
نوع من الجماعة عبر الوطنية، ونقل النقاش وزخمه خارج الحدود المجالية. لقد أثبت استخدام الأدوات الرقمية، وخاصة الوسوم، فاعليته الكبيرة في منح إشعاع للاحتجاجات، وتحقيق صدى جماعي واسع النطاق للأحداث والوقائع التي تشهدها هذه المجالات. صحيح أن مشاركة الوسوم تجري على نحو فردي، لكنها عند تجميعها، تؤدي دورًا رئيسًا في نشر الوعي والمعلومات حول القضايا الأساسية للحركات الاجتماعية وتمنحها إشعاعًا واهتمامًا يجعلانها في قلب النقاش العمومي الذي يخوضه الرأي العام.
المراجع
العربية
العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019
أوال للأبحاث والدراسات المعاصرة،.2023
العدد 469 (آذار/ مارس.)2018
ودراسة السياسات،.2015
للأبحاث والنشر،.2019
مجلة أبحاث. العدد).2015(62–61
المركز القومي للترجمة،.2014
الوحدة العربية،.2022
العربية للأبحاث والنشر،.2020
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016
الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023
References
20 فبراير ومآلات التحول الديمقراطي في المغرب. مراد دياني (محرر). الدوحة / بيروت: المركز
الإبراهيمي، زكرياء ومولود أمغار. هل توجد حركات إيكولوجية بالمغرب؟ محاولة فهم. مراكش: مركز
الإدريسي، محمد. "الحراك الاحتجاجي في الريف: كيف وإلى أين؟". المستقبل العربي. السنة 40،
بارني، دارن. المجتمع الشبكي. ترجمة أنور الجمعاوي. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث
باومان، زيجمونت وديفيد ليون. المراقبة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. ط 2. بيروت: الشبكة العربية
بنيس، سعيد. "المجتمع المدني والفعل الاحتجاجي في المغرب: الأنساق المفاهيمية الجديدة".
بيات، آصف. الحياة سياسة: كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط. ترجمة أحمد زايد. القاهرة:
________. ثورة بلا ثوار: كيف نفهم الربيع العربي. ترجمة فكتور سحاب. بيروت: مركز دراسات
تيلي، تشارلز وليزلي وود. الحركات الاجتماعية 2012–1768. ترجمة ربيع وهبة. بيروت: الشبكة
تيلي، تشارلز. الحركات الاجتماعية 2004–1768. ترجمة ربيع وهبة. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،
الجموسي، جوهر. الافتراضي والثورة: مكانة الإنترنت في نشأة مجتمع مدني عربي. الدوحة / بيروت:
الحركات الاحتجاجية في تونس والجزائر والمغرب (2011–2017). مهدي مبروك (محرر).
ح كوا، بن أحمد وحسن دنان ومحمد النضر. "احتجاجات الريف المغربي: من الديمغرافيا السياسية إلى ف ونم ونلوجيا الذاكرة". المستقبل العربي. السنة 40، العدد 467 (كانون الثاني/ يناير.)2018
الخطابي، أحمد. "من حركة 20 فبراير إلى حراك الريف: الخوف من الديمقراطية أم الخوف من جيل الشباب بالمغرب؟". سياسات عربية. مج 6، العدد 32.)2018(رشيق، عبد الرحمان. الحركات الاحتجاجية في المغرب من التمرد إلى التظاهر. ترجمة الحسين سحبان. الرباط: منتدى بدائل المغرب،.2014 ________. المجتمع ضد الدولة: الحركات الاجتماعية واستراتيجية الشارع بالمغرب. ترجمة عز الدين العلام. الدار البيضاء: منشورات ملتقى الطرق،.2021 زين الدين، الحبيب استاتي. الحركات الاحتجاجية في المغرب ودينامية التغيير ضمن الاستمرارية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2019 السعدي، محمد. حراك الريف: ديناميات الهوية الاحتجاجية، دراسة ميدانية. ط 2. طنجة: منشورات سليكي أخوين،.2020 الغلبزوري، محمد. الدولة وتدبير حراك الريف: تدبير أزمة أم أزمة تدبير. طنجة: منشورات سليكي أخوين،.2020 غيث، محمد عاطف. قاموس علم الاجتماع. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية،.2006 كاستلز، مانويل. سلطة الاتصال. ترجمة محمد حرفوش. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2014 ________. شبكات الغضب والأمل: الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت. ترجمة هايدي عبد اللطيف. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 ________. "سوسيولوجيا السلطة: رحلتي الفكرية". ترجمة مصطفى الوجاني. ألباب، العدد 14
المجوضي، محمد. تأثير الحراك الشعبي بالريف: قراءة أولية. تطوان: منشورات تيفرازن أريف،.2020 مشواط، عزيز وسناء بنبلي وصوريا الكحلاوي. الحركات الاجتماعية متعدية القوميات: الحالة المغربية. ياسمين بريان (محررة). بيروت: معهد الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة،.2020 المملكة المغربية، المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. "التقرير الس وني 2017". في:
http://tinyurl.com/ytnfn95t
الأجنبية
Castells, Manuel. La société en reseaux. Philippe Delamare (trad.). Paris: Fayard, 1998. ________. "Ni dieu ni maitre: Les reseaux." Working Papers. no. 2. Foundation maison des sciences de l’homme (Février 2012).
Feliu, Laura, Josep Liuis Mateo Dieste & Ferran Izquierdo Brichs. Un siglo de movilizatión social en Marruecos. Barcelona: Edicions Bellaterra, 2019. Hine, Christine. Virtual Ethnography. Thousand Oaks, CA: Sage Publications, 2000. ________. Ethnography for the Internet: Embedded, Embodied and Everyday. London: Routledge, 2015. Kozinets, Robert. Netnography: Doing Ethnographic Research Online. 2 nd ed. New York: Sage Publications, 2015. Perriault, Jacques. "Traces numeriques personnelles, incertitude et lien social." Hermes. vol. 1, no. 53 (2009). Raymond, Boudon et al. (dir.). Dictionnaire de la Sociologie. Paris: Impression Bussiere,
Rhani, Zakaria, Khalid Nabalssi & Mariam Benalioua. "The Rif Again!’ Popular Uprisings and Resurgent Violence in Post–transitional Morocco." The Journal of North African Studies. vol. 27, no. 2 (2020). Riedl, Magdalena et al. "The Rise of Political Influencers: Perspectives on a Trend towards Meaningful Content." Frontiers in Communication. vol. 6 (2021). Ybarra, M. Concepcion. "La rebelion del Rif (1958–1959)." Espacio, tiempo y forma. no. 10 (1997).