Return to Article Details Liminality in the Daily Life of Migrants from the Southern Sahara: The Case of Guinea Conakry Migrants

وضعية البينية في الحياة اليومية لدى المهاجرين من جنوب الصحراء: حالة مهاجري غينيا كوناكري

Liminality in the Daily Life of Migrants from the Southern Sahara: A Case Study of Guinea Conakry Migrants

يسرى بنجعة *

| Yousra Benjaa

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في الحياة اليومية للمهاجرين الغينيين العالقين في المغرب، وما تزخر به من تفاعلات اجتماعية، من أجل الكشف عن تجليات وضعية البينية في معيشهم اليومي، واستراتيجياتهم في مقاومة هذه الوضعية، استنادًا إلى منهج كيفي يستخدم تقنيات متعددة ويستحضر المقاربة الفينومينولوجية، في محاولة للإلمام بالأبعاد البنيوية التي تهيكل سلوك المهاجر. وتبيّن الدراسة أن المهاجر الغيني يعيش وضعية بينية أُدرج فيها بسبب انحصاره في المجتمع المغربي مدةً يصعب التنبؤ بموعد انتهائها، وهي وضعية يكون فيها المهاجر فاقدًا لهوية ووضعية اجتماعية معرّفتين في مقابل عدم اكتسابه وضعية جديدة تنتهي بتحقيقه للاندماج.

Abstract

Abstract: This article examines the daily life of Guinean migrants who are preoccupied with the intersection of daily living and the strategies and ways to resist their situation. The study adopts a qualitative and phenomenological approach, while evoking other structural dimensions that structure the behaviour of migrants. The research demonstrates that Guinean migrants live in a state of liminality due to their social invisibility in Moroccan society for an unpredictable period. In this state, migrants lose their identity and any kind of defined social status while not acquiring a new status that ends with integration.

الكلمات المفتاحية:
  • الحياة اليومية
  • البينية
  • الهامشي
  • مهاجر
  • المغرب
Keywords:
  • Everyday Life
  • Liminality
  • Marginal
  • Migrant
  • Morocco

يسرى بنجعة * | Yousra Benjaa

Liminality in the Daily Life of Migrants from

the Southern Sahara: A Case Study of Guinea

Conakry Migrants

ملخص: تبحث هذه الدراسة في الحياة اليومية للمهاجرين الغينيين العالقين في المغرب،

وما تزخر به من تفاعلات اجتماعية، من أجل الكشف عن تجليات وضعية البينية في

معيشهم اليومي، واستراتيجياتهم في مقاومة هذه الوضعية، استنادًا إلى منهج كيفي يستخدم

تقنيات متعددة ويستحضر المقاربة الفينومينولوجية، في محاولة للإلمام بالأبعاد البنيوية

التي تهيكل سلوك المهاجر. وتبيّن الدراسة أن المهاجر الغيني يعيش وضعية بينية أُدرج فيها

بسبب انحصاره في المجتمع المغربي مدةً يصعب التنبؤ بموعد انتهائها، وهي وضعية يكون

فيها المهاجر فاقدًا لهوية ووضعية اجتماعية معرّفتين في مقابل عدم اكتسابه وضعية جديدة

تنتهي بتحقيقه للاندماج.

Abstract: This article examines the daily life of Guinean migrants who are preoccupied with the intersection of daily living and the strategies and ways to resist their situation. The study adopts a qualitative and phenomenological approach, while evoking other structural dimensions that structure the behaviour of migrants. The research demonstrates that Guinean migrants live in a state of liminality due to their social invisibility in Moroccan society for an unpredictable period. In this state, migrants lose their identity and any kind of defined social status while not acquiring a new status that ends with integration.

PhD Researcher in Sociology at the Faculty of Letters and Humanities, Mohammed V University, Morocco. Email: benjaayousra7@gmail.com

مقدمة

عرف المغرب، منذ مطلع تسعينيات القرن العشرين، تدفقًا هجروًّيًا لأفارقة أصيلي أفريقيا ج ونب الصحراء. وفي واقع الأمر، لم يكن هذا التدفق الأول من نوعه، فالتاريخ يبرز هجرات متعددة إلى المغرب قادمة من دول ج ونب الصحراء على مر قرون، وهي هجرات متباينة الدوافع بين ما هو ديني وتجاري وعسكري. أما  اليوم، فقد ارتبطت نسبة مهمّة من المهاجرين من أفارقة ج ونب الصحراء إلى المغرب ب "الهجرة غير النظامية"، وخاصة بعد اعتماد نظام "شينغن"، الذي أثر في أشكال الهجرة بين ضفتَي البحر الأبيض المتوسط، ليتجه المهاجرون من ضفته الج ونبية نحو التنقيب عن طرق ووجهات جديدة لبلوغ الدول الأوروبية. ودشّن المغرب، في هذا السياق، مرحلة هجروية جديدة اتسمت بتدفق المهاجرين من ج ونب الصحراء، وارتفاع حركات التنقل عبر الوطنية في اتجاهه، ليصبح بالنسبة إلى مواطني ج ونب الصحراء طريقًا جديدًا للهجرة نحو الديار الأوروبية؛ وذلك من خلال عبور الصحراء، ثم البحر الأبيض المتوسط، وفي بعض الحالات من خلال الدخول إلى المستعمرتين الإسبانيتين سبتة ومليلية. وقد أسهمت كل هذه التغيرات في تشكيل مسارٍ هجروي فريد، وأحيانًا تراجيدي بالنسبة إلى العديد من المهاجرين. قبل بلوغ أوروبا، يقضي المهاجر من ج ونب الصحراء ردحًا من الوقت في المغرب. وتلك هي حالة المهاجرين الآتين من غينيا وكناكري التي نهتم بها في دراستنا هذه، وخاصة في أثناء انحصارهم في المغرب؛ إذ نشهد لهم حضورًا ملحوظًا في منطقة القامرة بمدينة الرباط، وعلى نحو مكثف في غابة القامرة؛ المجال الذي احتضن دراستنا الميدانية. وفي أثناء تركيزنا على المهاجر الغيني، نلاحظ أنه يعيش في فترة وجوده المؤقت في المغرب وضعيةً ينفصل فيها عن النسق الثقافي لبلده الأصلي، بما في ذلك اللغة والعادات والتقاليد ومجمل الرموز الثقافية، وينقطع خلالها عن حياته اليومية المألوفة، ليعيد تشكيل حياته انطلاقًا من واقعه الجديد. هي مرحلة يوجد فيها المهاجر بين ثقافة بلده الأصلي وبلد الوصول "الاضطراري"، فتخلق لديه وضعية تدفعه إلى إعادة هيكلة هويته الأصلية، بناءً على معايير وقيم لمجتمع مختلف عنه. وتدفع هذه الوضعية المعيشة المهاجر إلى إنتاج معانٍ جديدة واستثمار ذاته في معيش يومي تؤثثه جملة من الأنشطة الروتينية التي تفتح له إمكانية اكتشاف مهاراته، وتضع أمامه استراتيجيات ممكنة الاستعمال،  يُقاوم من خلالها مايتعرّض له من صعوبات، سواء أكانت نفسية أم اجتماعية – ثقافية.

(1) Anaïk Pian, "Aventuriers et commerçants sénégalais à Casablanca: Des parcours intrecroisés," Autrepart , vol. 4, no. 36 (2005), pp. 167–182. (2) Olivier Pliez, "Nomades d’hier, nomades d’aujourd’hui, Les migrants africains réactivent–ils les territoires nomades au Sahara," Annales de géographie , vol. 6, no. 652 (2006), p. 688. (3) Mahamet Timera, "Aventuriers ou orphelins de la migration internationale? Nouveaux et anciens migrants 'subsahariens' au Maroc," Politique Africaine , vol. 3, no. 115 (2009), p. 175.

لتسمية هذه الوضعية، نعتمد مفهوم "البينية" Liminality، وذلك للتعبير عن مرحلة من مراحل المسار الهجري، هي بمنزلة وضعية انتقالية مبهمة المصير، تُحدث تغيرات في حياة المهاجرين غير النظاميين الراغبين في الوصول إلى الديار الأوروبية. وتُعد البينية مفهومًا مرّكبً ا، من الصعب تناوله

على نحو منعزل عن ذوات المهاجرين. فكل مهاجر يعيشها ويدركها بوصفها تجربةً انطلاقًا من تصوره ووضعه الخاص؛ ما يجعل تجلياتها وتمظهراتها تتباين من مهاجر إلى آخر. ونقدّم في دراستنا محاولة أولية للكشف عن أبعادها عن طريق النظر في تجلياتها في المعيش اليومي للمهاجرين الغينيين، بحيث يكون التركيز على الجانب المصغّر (الميكروي) من حياتهم من أجل رصد تجاربهم المعيشة، معوّلين

على أن يكشف لنا ذلك دوافع أفعالهم المنتجة وسياقاتها، إضافة إلى المعاني التي يكسبها الأفراد الفاعلون إيّاها. ضمن هذا المنظور، تحاول الدراسة الإجابة عن سؤال رئيس، هو: كيف تتجلى وضعية البينية في وكناكري إلى المغرب؟ وللإجابة عن الحياة اليومية لدى المهاجرين غير النظاميين الوافدين من غينيا هذا السؤال، يجري التركيز على المرحلة التي يكون فيها المهاجر الغيني في المغرب، ريثما يحقق حلم الوصول إلى الديار الأوروبية. وهي مرحلة تطبعها العديد من الصعوبات والتغيرات، تعمل الدراسة على الاطلاع عليها، مع الانفتاح على زاوية مجددة للتنظير في مجال الهجرة، تتجاوز بُعدَي

الاندماج والاستقرار اللذين كانا محددَين أساسَّيَين لقراءة ظاهرة الهجرة. إن الحديث عن الاندماج

بمختلف مستوياته، الاقتصادية والاجتماعية واللغوية، يتضمن المرحلة البينية؛ فقبل استكمال أحد هذه المستويات، يقع المهاجر في حالة من الاختلال تهُّز وضعيته السابقة، وتضع معاييره الأولى ومواقفه موضع تساؤل وإعادة تشكيل، كما تؤكد على ذلك بحوث مدرسة شيكاغو في الهجرة. إن الوقوف عند بعض تفاصيل المرحلة البينية، بما تتضمنه من غموض وقلق وتغير، سيقربنا من الإلمام بالمسار الذي يطبع حياة المهاجر قبل اكتسابه المحتمل لوضعية الاندماج. من هذه الزاوية، تتناول الدراسة ظاهرة هجرة أفارقة ج ونب الصحراء، وهو موضوع شائك، أصبح المغرب يدبره ضمن رؤية تجمع ما بين اعتبار علاقاته السياسية مع الدول الأفريقية من جهة، ومع الدول الأوروبية من جهة أخرى. وعلى هذا الأساس، أضحى المغرب، منذ سنة 2013، يتبنى سياسات محددة في إدماج المهاجرين تقوم على تسوية وضعياتهم القانونية، إضافة إلى حرصه على ضمان حق تعلّم أبنائهم، إلى غير ذلك من سياسات الإدماج. وتسعى الدراسة إلى إثارة بعض الصعوبات التي تحُّفُ بإقامة المهاجرين الراغبين في العبور إلى أوروبا، والرافضين للبقاء في المغرب.

(4) Arnold Van Gennep, Les rites de passage: Étude systématique des rites de la porte et du seuil, de l’hospitalité, de l’adoption, de la grossesse et de l’accouchement, de la naissance, de l’enfance de la puberté, de l’initiation, de l’ordination, du couronnement des fiançailles et du mariage, des funérailles, des saisons etc , 3 ème ed. (Paris: A. et J. Picard, 1981). (5) Alain Coulon, L’école de Chicago , Collection Que sais–je? (Paris: PUF, 2012), pp. 11–14. (6) Sara Benjelloun, "Nouvelle politique migratoire et opérations de régularisation," in: Mehdi Alioua & Jean–Noël Ferritè (dir.), La nouvelle politique migratoire marocaine (Maroc: Konrad–Adenauer–Stiftunge.V.; Bureau du Maroc, 2017), p. 37.

أولا: البينية إطارًا تحليلّي » ا لبعض مراحل المسارات الهجرويةّ

تتمخض هذه الدراسة عن رسالة ماجستير  أُنجزت عام 2019، ضمن فريق بحث دولي ضم المغرب وفلسطين ومصر وألمانيا والأردن، تحت إشراف الأستاذ المختار الهراس. وقد ساهم العديد من الفاعلين المؤسساتيين في تدبير هذا البحث وتمويله، وهم من مركز لاينيز للشرق الحديث Leibniz Zentrum Moderner Oriental، ومن مؤسسة عبد المحسن القطان، وملتقى دراسات الثقافة الخارجة، ومؤسسة فولكسفاغن Vollkswagen Stiftung، وجامعة محمد الخامس بالرباط. وجرى اختيار مفهوم البينية أداةً تحليلية لمجمل المواضيع التي بحثت في سياقات متعددة؛ إذ استعمله الفريق المصري لدراسة الثورة المصرية، في حين استخدمه الفريق الألماني لسرد تجربة العبور من سورية إلى ألمانيا. أما الفريق المغربي، فقد استعمل هذا المفهوم في مجال الهجرة، لينتج مواضيع متعددة، عالجت أوضاعًا مرتبطة بالزمن والدين وال ونع الاجتماعي. وضمن الفريق الغربي، وقع اختيارنا على دراسة تجليات الوضع البيني في حياة المهاجرين الغينيين اليومية. يفرض هذا الاختيار اعتماد المنهج الكيفي لدراسة الواقع الاجتماعي، ولا سيما أن اعتماد مفهوم البينية كل دًا انطلاقًا منّيستوجب التركيز على تجارب الأفراد وإدراكهم لواقع اجتماعي يحتمل فهمًا متعّد تصور خاص بفاعل من الفاعلين الاجتماعيين. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن مقاربتنا في ونمي ونلوجية،

ترتكز على الخبرات والوعي وأنماط الفعل والسلوك والمعاني الذاتية التي ينتجها الفاعلون. ولك ننا نرصد، في هذا الإطار، البنى الاجتماعية وعلاقات القوة التي تتدخل في إنتاج الفعل لدى المستجيبين في البحث وصناعة تجاربهم الخاصة؛ وهو ما سيُكسب المقاربةَ الفي ونمي ونلوجية، في نظرنا، قدرةً على

تفسير متكامل لجميع جوانب ما ندرسه. بهذا الفهم، اتجهنا نحو المقيمين في غابة القامرة، وتمكنّا من ملاحظتهم على نحو ولّد لدينا أسئلة حامت حول سل كواتهم التي تؤثث يوميات حياتهم. وقد قسّمنا ملاحظتنا إلى قسمين؛ أولهما  يتعلّق بملاحظة مورفولوجيا مجال الدراسة، وهو غابة القامرة. أما ثانيهما، فيتعلّق بملاحظة تفاعلات المهاجرين الغينيين اليومية داخل فضاء القامرة وخارجه. وفي مرحلة، لاحقة تمكنّا منخوض نقاش مفتوح معهم في محاولة لفهم تصوراتهم وتجاربهم الاجتماعية من خلال منحهم فرصة الحديث بأريحية عن تجاربهم الخاصة. وقد استهدفت مختلف هذه الخطوات البحثية مهاجرين غير نظاميين آتين من غينيا وكناكري ليست لديهم وضعية قانونية في المغرب، وهم من الذ وكر الذين تراوح أعمارهم ما بين 16 و 28 سنة.

(((يسرى بنجعة، "تجليات وضعية البينية في الحياة اليومية للمهاجرين من ج ونب الصحراء: مهاجرو غينيا وكناكري بغابة القامرة نموذجًا"، رسالة ماجستير، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، الرباط،.2019 (((فتحية طويل، "المرتكزات المعرفية لفي ونمي ونلوجيا متكاملة للتشكيل الاجتماعي للواقع"، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة محمد خيضر بسكرة، العدد 37–36 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2014)، ص.11

(9) Luc Van Campenhoudt & Raymond Quivy, Manuel de recherche en sciences sociales , 4 ème ed. (Paris: Dunod, 2017), p. 170.

وكانت أولى نتائج ملاحظتنا أننا إزاء وضعية مركّبة، قد يصعب تفسيرها باعتماد رؤية أحادية، بل نحتاج فيها إلى تصور نظري – مفاهيمي مركّب، بحيث لا يكون خطًّيًا، ويراعي تضمّن الوضعية المدروسة

نظامًا من المتغيرات المترابطة فيما بينها، بما  أنها وضعية عبور بين مرحلتين تحمل رواسب من الأولى، في حين تتغذى من عناصر مستجدة تنتجها الوضعية الجديدة.

1. البينية

تعود نظرية "طقوس العبور" Les rites de passages إلى الباحث أرنولد فان جنيب سنة 1909، وهو من أبرز الباحثين الذين اهتموا بدراسة الطقوس التي تواكب انتقال الأفراد من وضعية اجتماعية معرّفة

إلى أخرى أُعيد بناؤها، معتبرًا أن هذه العملية تبقى مرافقة للإنسان في مختلف مراحل حياته. وقد

عمل على رسم سيرورة تجمع مراحل عبور تطبع الحياة الاجتماعية للأفراد. وتشمل المرحلة الأولى، التي أطلق عليها اسم الطقوس الأولية، انفصال الفرد عن وضعيته السابقة. أما المرحلة الثانية، فهي الطقوس البينية. في حين سمى المرحلة الثالثة مرحلة الاندماج؛ أي ما يحققه الفرد بعد أن يتجاوز وضعية البينية، ويكتسب وضعية اجتماعية ودورًا معّرفًاّا اجتماعًّيً. وتوسعت دائرة استعمال مفهوم

"البينية" مع فكتور تيرنر، عندما أطلقها على مرحلة تتميز بالابتعاد عن المواقع والأدوار الاجتماعية وكل القوانين التي تطبعها في اتجاه مرحلة لاحقة. وبناءً على ذلك، تُعد البينية حالة تتسبب لمن يعيشها في

سلسلة "إفراغات" Évidement هي الإفراغ الاجتماعي الذي ينجم عنه تغيير للوضعية، والإفراغ الثقافي الذي ينتج منه تغيّر في الرموز الثقافية المكتسبة. وخلال المرحلة البينية، يعيش الفرد في زمان – مكان

افتراضي عابر، وليس في محطة وصول؛ أي إنها مرحلة خارج الزمن الاجتماعي، وخارج المواقع البنيوية. يعرّف تيرنر في كتابه البينية والكومينتاس Liminality and Communitas الأفراد والجماعات الذين

يعيشون وضعية بينية بقوله إنهم "لا هنا ولا هناك؛ إنهم متملصون من مواقف ووضعيات محددة ومصنفة بحسب القانون والعرف والتقليد والاحتفالات". إن الوضعية البينية تجعل الأفراد، بحسب تيرنر، يعيشون وضعية اجتماعية غامضة، نظرًا إلى عدم اكتسابهم هويات ووضعيات قارّة.

وهذا التغيير الناتج من عملية الانتقال قد يجعلهم في وضع هامشي، بحيث يشكّلون وضعًا خطرًا

بالنسبة إلى الآخر، ويكونون خارجين عن المعايير الاجتماعية المهيمنة. وفي حين يتشكّل هؤلاء

(10) Victor Piché, "Les théories migratoires contemporaines au prisme des textes fondateurs," Population , vol. 68, no. 1 (2013), pp. 153–178. (11) Estelle Lavency, "Evolutions des rites de passage à l’adolescence: Notre système scolaire intègre–t–il ce besoin de structuration," Master Dissertation, Faculté de Philosophie, Arts et Lettres (FIAL), Université catholique de Louvain, 2017–2018, pp. 5–8. (12) Van Gennep, p. 24. (13) Jean–Yves Dartiguenave, "Rituel et liminalité," Sociétés , vol. 1, no. 115 (2012), pp. 84–85. (14) Victor Turner, The Ritual Structure Process: Structure and Anti–Structure (New York: Cornell University Press, 1966), p. 95.

الأفراد في وضعية بينية منسجمة فيما بينهم؛ إذ يجرّدون من كل صفة اجتماعية تمييزية من شأنها أن

تخلق تراتبية بينهم، يكونون فيما يصفه تيرنر ب "البنية المضادة" Anti–Structure، التي تكون بنية مناقضة للبناء الاجتماعي. على هذه الخلفية، يمكن استعمال مفهوم البينية في دراسة الهجرة؛ فقد أمكن استحضار مفهوم طقوس العبور في دراسة حالات هجرة. ويمكن القول إن البنية الثلاثية لطقوس العبور مثلما  عبّر عنها فان

جنيب، تبقى حاضرةً في أزمنة المهاجر كما يعيشها في مخيمات اللجوء مثل. وتمتد أزمنة المهاجر ما بين ماضٍ لا يزال حاضرًا، على نحو من الأنحاء، وحاضر يمتد من دون معرفة نهايته، ومستقبل

قد لا يأتي. ولا ترتبط العلاقة بين البينية والهجرة بالزمان فحسب، بل إنها تشمل المكان أيضًا؛ إذ يتحول فضاء البحر الذي يعبره المهاجر إلى فضاء بيني ما بين موطن الهجرة وبلد الوصول. وليست هذه الوضعية البينية مؤقتة؛ في معنى أن لها نهاية معلومة، بل يمكن أن تمتد إلى ما لا نهاية له، كما هو الحال في وضعية المهجّر الذي يتحول إلى لاجئ في غير بلده. واستنادًا إلى هذه الحصيلة، ننظر إلى المهاجر الغيني في مجال الدراسة، وقد أعلن انفصاله عن بلده الأصلي، فانقطع عن وضعية اجتماعية سابقة، ليلج المرحلة البينية التي تجعله مهاجرًا فاقدًا لوضعية

قارّة، معّرضً ا للإفراغ الاجتماعي والثقافي، بحيث نركز على نحو خاص على المرحلة الثانية المسماة

بالبينية.

2. نظرية الشبكات

ظهرت نظرية الشبكات خلال سنة 1987 مع دوغلاس ماسي Douglas Massey وغرايم هوغو Graeme Hugo؛ إذ عمل كلاهما على تقديم تفسير لنظرية الشبكات الاجتماعية، معتبرَين أن مختلف

الروابط التي نسجها المهاجر، أو سينسجها، توجد في منتصف الطريق بين الُبتُنى الهجروية وقرارا

المهاجرين الفردية. وقد سلطت نظرية الشبكات اهتمامها على مجمل علاقات المهاجر وروابطهم مع الأصدقاء والُأسر في البلد الأصلي، وخصوصًا أولئك الذيُكان لهم دور في تحفيزهم ومساعدتهم على الهجرة. وتساعد هذه الروابط على تكوين شبكات لمساعدة الراغبين في الهجرة الذين بقوا في

(15) Ibid., p. 97. (16) Agnes Diouf, "Étude exploratoire du phénomène de l’immigration comme rite de passage: Le cas de trois immigrants sénégalais," Mémoire présenté comme exigence partielle de la maitrise en communication, Université du Québec à Montréal, Juin 2011. (17) Claire Lobet–Maris, "Les trois temps des migrants," Temporalités [En ligne], no. 33 (Juin 2021). (18) Serena Tallarico & Thierry Baubet, "La mer comme espace liminal: Étude de cas sur les aspects symboliques et magico–religieux de la traversée de la mer Méditerranée," Rhizome , vol. 1, no. 63 (2017), pp. 68–74. (19) Cannelle Labuthie, " Les temps de l’exil: Temporalités et perceptions du temps dans le camp de Chatil a," Mémoire présenté en vu de l’obtention du Master, Université Paris–Diderot (Paris 7), 2018; Julien Mauriat, "Les camps de réfugiés palestiniens à Beyrouth, 1948–1998," in: Lobet–Maris Cambrézy & Véronique Laissailly–Jacob (dir.), Populations réfugiées: De l’exil au retour , Colloques et séminaires (Paris: IRD Editions, 2001), pp. 151–182.

البلد الأصلي. في حين يعمل المهاجرون القدامى على تقديم المساعدات للمهاجرين الجدد على الاستقرار وإيجاد عمل في بلد الوصول. وهكذا، تساهم الشبكات في استمرار دينامية الهجرة. تتيح نظرية الشبكات تحديدَ الموارد والآليات التي تساعد المهاجرين على تدبير الوضعية البينية في بلد الوصول "المؤقت". إن الشبكات الاجتماعية هي مجموع العلاقات المهمة بين الأفراد التي يعيشها الفاعلون داخل نظام اجتماعي معين، وهي تُعد أداةً للتمكين والدعم الاجتماعي الذي يقدّم للأفراد الذين يعيشون وضعية صعبة. ويرى إسحاق جوزيف أن الشبكة هي "مجموع الموارد التي تتيح للفاعلين الذين تتسم مصالحهم الاستراتيجية بالتقلب استثمارَ الموارد العلائقية المتاحة لهم في المجتمع المدني". تتضمن فكرة الشبكات تأكيدًا على ثبات التفاعلات التي تربط الفرد بمحيطه الاجتماعي، وهو أمرٌ

يجعل هذا التفاعل يشترط وجودًا لركيزة علائقية مشتركة بين الأفراد متعارف عليها بين أعضاء الشبكة، وتكون داخل المحيط. وانطلاقًا من هذا التصور، يتبين أن استمرارية الشبكة تفترض تبنّي نظام من القيم يوحّد بين أعضاء الجماعة التي من شأنها أن تضمن وحدة الشبكة وانسجامها، وهو ما يعزز فكرة الانتماء. إن رصانة العلاقات ترتبط بمعايير ثقافية واجتماعية وعاطفية داخل التراب نفسه، والعائلة نفسها، والجماعة نفسها أيضًا. ولكن كما  في أنّ لهذه الشبكات الاجتماعية دورًا فاعل خلق التضامن وتسهيل مسار الهجرة، فإنها تقيد حرية المهاجر الجديد الفردية، بل يمكن أن تيسّر حتى استغلاله. وبفضل هذه النظرة المتوازنة، يمكن اعتماد نظرية الشبكات في دراسة الهجرة غير النظامية على الأخص، والاهتمام – كما نفعل في دراستنا هذه – بشبكات المهاجرين والمهربين التي برزت بسبب سياسات الهجرة التقييدية التي اتخذتها معظم الدول الأوروبية، الأمر الذي جعل شبكات الهجرة غير النظامية تساهم في استمرارية دينامية الهجرة.

ثانيًا: مسار التحاق المهاجر الغيني بغابة القامرة في الرباط

لكل من المدينة التي يختارها المهاجر للإقامة المؤقتة، والموقع الذي يختاره منها للاستقرار في انتظار فرصة العبور، منطق خاص، يعتمد حًّسًا عملًّيًا يسير عليه.

1. المدن الكبرى فضاءً لاحتواء المهاجرين الغينيين الجدد

تعرف المدن الكبرى، سواء المغربية منها أو المغاربية، وجودًا ملحوظًا للمهاجرين. وليس هذا الوجود اعتباطًّيًا، بل هو وليد شروط تاريخية جعلت المدن المغاربية تشهد، منذ ثمانينيات القرن العشرين،

(20) Moha Ennaji & Fatima Sadiqi, Migration and Gender in Morocco: The Impact of Migration on the Women Left Behind (Trenton, NJ: Red Sea Press, 2008), p. 11. (21) Rémi Clot–Goudard & Marion Tillous, "L’espace du réseau: Du flux au territoire (Le tournant pragmatiste engagépar Isaac Joseph)," Tracés: Revue de Sciences humaines , no. 15 (2008), accessed on 20/12/2023, at: http://traces.revues.org/683 (22) Mounir Zouiten, "Migrations, réseaux familiaux et stratégies d’insertion urbaine des migrants ruraux au Maroc. Géographie," PhD Dissertation, Université de Montréal Faculté des études supérieures, Montréal, 1995, p. 26. (23) Piché.

طُرق لتحقيق الهجرة ديناميات هجروية أتت بالمهاجرين المغاربيين الباحثين في البلدان المجاورة عن نحو أوروبا. فلقد عاش العديد من المهاجرين الجزائريين في طنجة والدار البيضاء أمل في تحسين وضعهم السوسيو–اقتصادي، والعبور إلى الديار الأوروبية، كما هو شأن العديد من المغاربة الذين انتقلوا للعيش في تونس أمل في العبور إلى إيطاليا. ومنذ س ونات، صارت طنجة والرباط والدار البيضاء تضطلع بدور حاسم في الهجرة عبر الوطنية، وخاصة هجرة أفارقة ج ونب الصحراء، وذلك لما توفره لهم من مجالات للاستقرار والانطلاق، والعبور أيضًا. يتخذ المهاجرون الغينيون من القامرة مج ل للاستقرار المؤقت، نظرًا إلى عدة اعتبارات يبررها

المستجيبون بضرورة البحث عن مكان آمن، خاصة أن معظمهم يضطر إلى مغادرة وجدة، المدينة التي تقع شرق المغرب على الحدود المغربية – الجزائرية، وتشكّل ممر عبور للمهاجرين الآتين إلى المغرب عن طريق البر؛ فالبقاء في هذه المدينة والتنقل داخلها يجعلانهم، على نحو مستمر، عرضةً لخطر الترحيل نحو الجزائر أو البلد الأصلي. ورغم أن المغرب قد توقف عن هذه العملية، فإنّ المهاجرين ما إن يصلوا إلى وجدة حتى يتداولوا معلومات فيما تُفيد أن البقاء في هذا بينهم:المكان يُعد أمرًا خِطرًا

"من الصعب البقاء في وجدة، حيث الحدود الجزائرية، ففي كل مرة نكون مهددين بالخطر. أما الرباط فقد أخبرني أصدقائي الذين هاجروا إلى أوروبا، وكذلك الذين يوجدون فيها أنها المكان الأفضل".

وهكذا، تتولى شبكة العلاقات، المتعلقة بالأصدقاء أو المهربين المسؤولين عن تدبير الهجرة عبر الوطنية، توجيه المهاجر، ومنحه معرفة من شأنها أن ترشده إلى اختيار المكان المناسب؛ وهو في هذه الحالة القامرة التي تمثل نقطة مرجعية بالنسبة إلى المهاجرين الغينيين. هي "المستقر" الذي يشهد وجودًا لأفارقة ج ونب الصحراء، وهي المكان الذي من المحتمل أن يجد فيه المهاجر عمل يُدبر من خلاله حياته اليومية، ريثماينتقل إلى وضع أفضل، ويمنحه فرصة إعادة هيكلة مشروعه الهجروي، والتفكير في كيفية تنفيذه. للقامرة هذا الوضع، خاصة أن المغرب يبقى محطة ما قبل الوصول، وهي مرحلة تعتريها كثير من الصعوبات، وتتطلب موارد مادية وغير مادية قد تفوق ما احتاج إليه المهاجر في المحطات السالفة، وهو ما يفرض على المهاجر التريث "بعض الوقت". مباشرةً بعد خروج كل مهاجر غيني من المحطة الطرقية بالقامرة، يبدأ في التنقيب عن أماكن للاستقرار المؤقت، وهو في حالة خوف؛ إذ يكون في هذه الأثناء قد التحق، مرة ثانية، بمجتمع مغاربي، مختلف عن مجتمعه الأصل ثقافًّيًا وعرقًّيًا، وذلك بعد أن يكون قد ولج المجتمع الجزائري في تجربة أولية

في مسار عبوره، ليكون المغرب محطة ما قبل الوصول. وتضطلع تجاربه المعيشة سلفًا، في الجزائر خصوصًا، بدور في تضخيم القلق والتوتر لديه. وتتشكل تجاربه على خلفية ما يتعرض له المهاجرون

(24) Mehdi Alioua, "Nouveaux et anciens espaces de circulation internationale au Maroc Les grandes villes marocaines: Relais migratoires émergents de la migration transnationale des Africains subsahariens au Maghreb," Revue des mondes musulmans et de la méditerranée , no. 119–120 (2007), p. 6.

((2(إبراهيم بامو، مقابلة شخصية، الرباط،.2019/2/26

غير النظاميين من محاصرة لحرية التنقل، إضافةً إلى رفضهم اجتماعًّيًا، والتعنيف المادي والمع وني

بحسب شهادات المستجيبين في الدراسة. وتَمثُل تلك التجارب في الذاكرة، وفي النفس، فتدفع المهاجرين إلى استدماج ما صار بالنسبة إليهم ذخيرة معرفية على أساسها ينظرون إلى الآخر المختلف عنهم عرقًّيًا بوصفه شخصًا رافضًا لوجودهم فوق ترابه الذي جرى "اختراقه".

2. غابة القامرة مج الا حاضنًالغينيين ا للمهاجرينً

خلال إنجازنا لدراستنا الميدانية (1 شباط/ فبراير – 20 أيار/ مايو 2019)، لاحظنا أن حي القامرة يقع على مقربة من المحطة الطرقية الرئيسة بالرباط، وهو ما  ساهم في جعل هذا الفضاء وجهة أولية للمهاجرين الحديثي الوصول إلى المغرب؛ فبعد وصولهم إلى مدينة وجدة، يسارعون إلى مغادرتها خشية الترحيل، لتكون مدينة الرباط وجهتهم الأولى، ومنطقة القامرة أول فضاءات الرباط التي يلجونها. تضم الغابة بعض التجهيزات الرياضية التي بدأ تأسيسها خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، ومنها ملعب الكرة الذي يبقى، في أغلب الأحيان، مقفل وغير متاح للعموم، كما تضم مساحة صغيرة مخصصة للصلاة، وإن كانت لا تمثّل إلا مج ل دائرًّيًا يتوسط الغابة. ويتوفر الفضاء على مكان يقع في مقدّمة أقصى يمين الغابة، به تجهيزات لعب وترفيه للأطفال. وفي حين يحيط بالغابة العديد من الكراسي الخشبية المخصصة للمتنزهين، يداوم حارس على حراستها؛ ما يجعل المكان آمنًا بالنسبة إلى المغاربة، والأفارقة الذين يمضون ليلهم ونهارهم فيه. الصورة (1) موقع غابة القامرة

المصدر: خرائط غوغل، شوهد في 2023/12/29، في: http://tinyurl.com/yua5de4z ((2(أقفلت المحطة الطرقية يوم 1 كانون الأول/ ديسمبر.2022

الصورة (2) مُطلّة على المحطّة الطرقية بالقامرة غابة القامرة من الخارج في وجهة

المصدر: من تصوير الباحثة،.2019/5/5

الصورة (3) غابة القامرة من الداخل

المصدر: المرجع نفسه.

يرجع اختيار المهاجرين الغينيين للغابة مج ل للعيش، بحسب المستجيبين في الدراسة، إلى حاجتهم الأولية إلى مكان خاص يؤوي المهاجرين السود، من أجل مواجهة خطر المشكلات التي قد يواجهونها، خاصة أن لون بشرتهم، ومظهرهم الخارجي، يجعلانهم غير مألوفين للعيان، ومهددين

على الدوام بخطر الرفض. وتجري عملية البحث عن أماكن وجود أفارقة ج ونب الصحراء عبر مسار، يبدؤه المهاجر بالتنقيب في الشوارع المحيطة بالمحطة الطرقية للقامرة التي تشكّل بالنسبة إلى مهاجري ج ونب الصحراء ممر ذهاب وإياب على اختلاف جنسياتهم. هناك، يلاحظون اشتغال العديد من المهاجرين في بعض المحلات التجارية المقابلة للمحطة، وهو أمرٌ يُشعرهم بكونهم قد أحس ونا الاختيار. ويُعزى توجه المهاجرين إلى هذا المجال إلى وحدة الهدف المشترك، المتمثل في العبور نحو الديار الأوروبية، وكذا مواجهة المخاطر التي يتعرضون لها خارج الغابة. اتُشكّل الغابة مج ل لاحتواء المهاجرين القدامى منهم والجدد، إضافةً إلى أنها تقوم بوظيفة السكن بالنسبة إلى العديد من المهاجرين الذين ليس لهم مأوى، كما تُمثّل مج ل للالتقاء اليومي بين المهاجرين، سواء الذين اتخذوا من الغابة مسكنًا أو مج ل للِقاء الأصدقاء. ومن ثمّ، يمكن القول إنها مسرح للتفاعلات الاجتماعية اليومية بين المهاجرين الغينيين. الصورة (4) الأماكن التي يخصصها المهاجرون الغينيون للتجمع والمبيت

المصدر: المرجع نفسه،.2019/6/2

تتطور تلك التفاعلات، بحيث تصير الغابة مكانًا لنسج روابط بين المهاجرين؛ ففيها يلتقي المهاجر بالآخر الذي يشاركه بعض القواسم، ويتمكن من الظفر بهامش من الحرية، كما يمكنه إحياء العديد من الرموز الثقافية التي انفصل عنها منذ مغادرته بلده الأصلي، وخصوصًا اللغة التي تبقى من أبرز العناصر المشتركة بينه وبين بقية المهاجرين. ويتضح الأمر في شهادة أحمد:

"لا أنام في الغابة، ولك نني أتردد عليها بشكل يومي لأجل لقاء أصدقائي، والتحدث معهم. من الصعب البقاء في الخارج طيلة اليوم خاصة وأننا لا نجد عمل مهم طال انتظارنا".

تبقى المدن الكبرى، كالرباط مثل، في حالة هذه الدراسة، محطة استقرار مؤقت، يختارها المهاجر الغيني بفضل شبكة العلاقات الاجتماعية التي ينسجها في البلد الأصلي. أما منطقة القامرة، فهي مفضلة لأنها تتميز بقربها من المواصلات التي قد يحتاج إليها المهاجر، يحركه نحوها شعوره بالقلق والخوف، باحثًا عن آخَره المشابه، للاحتماء به وتفادي الخطر، خاصة أنه يبقى مرئًّيًا لدى المارة بلون بشرته الأسود. ويتميز فضاء الغابة، بوصفه فضاء إقامة مؤقتة، بتوافر السكن فيه بالنسبة إلى من لا يجدون مأوى، وخاصة الجدد منهم. وكل هذه الميزات تجعل غابة القامرة فضاءً مميزًا للالتقاء اليومي يجتمع فيها المهاجرون من أجل إعادة بناء مشروعهم الهجروي.

ثالثًا: وضعية البينية وبناء المهاجرين واقعهم اليومي

يرى فان جنيب في نظرية طقوس العبور أن مرحلة الانفصال التي يعيشها الفرد، والتي تميز وضعية البينية، ترتبط بالقطيعة التي يحدثها في هذه المرحلة الانتقالية إزاء العالم أو مع وضعية سابقة. إنها اللحظة التي تقام فيها الحدود الرمزية بين الحالة التي ينتقل منها الفرد، والوضعية الجديدة التي يكتسبها عبر طقوس العبور. وتبعًا لهذا التصور النظري، يُمك ننا القول إن المهاجر الغيني، في أثناء استقراره في غابة القامرة، يبدأ في الانفصال عن حياته اليومية المعهودة، وواقعه المألوف، ليندرج في سيرورة تحوّل تفرض عليه الانخراط في حياة مغايرة. وليس للمهاجر في هذه اللحظة أيّ مؤشرات مرجعية؛ ولذلك، فهي تتميز، كما تتميز كل هذه المرحلة من المسار الهجروي، باللايقين والفوضى اللذين يعيشهما الأفراد. فكيف يبني المهاجرون الغينيون واقعهم اليومي في ظل هذه الوضعية البينية؟ يجد المهاجرون الغينيون الجدد المقبلون على العيش في الغابة واقعًا اجتماعًّيًا مبنًّيًا سلفًا؛ فمن جهة، تتدخل المؤسسات والجهات الأمنية في إنتاجه، وذلك من خلال محاصرتها ومراقبتها للمناطق التي تشهد وجودًا للمهاجرين الوافدين من ج ونب الصحراء، والحِّدِ منها لتفادي انتشارهم في المجال العام. ومن جهة أخرى، يُمكن القول إن المهاجرين يعملون على تنظيم حياتهم تبعًا لهامش الحرية والحركة المسموح لهم بها داخل المجال. هذان الجانبان المتناقضان يدفعان إلى القول إن ما يقوم نتجها لتجاوز ماُي ذات معنىاتُشكّل أفع ل به المهاجر من عادات يومية يفرضه النظام الاجتماعي من محددات، مثلما يسعى إلى ابتكار موارد والشروع في تفاوضات، كاستراتيجيات يستخدمها الفاعل الاجتماعي لتخطي أزمة البينية.

((2(أحمد، مقابلة شخصية، الرباط،.2019/10/3

(28) Lavency, p. 12.

1. المعيش اليومي للمهاجر الغيني داخل الغابة: الكومينتاس بنية المغايرة الهوية لمواجهة خطر

تدور الحياة اليومية للمهاجرين الغينيين في الغابة داخل جماعة "الكومينتاس" Communitas، وتتشكل هذه الجماعة نتيجة لوضعية البينية التي يعيشونها ويتقاسمونها؛ ما يدفعهم إلى خلق هذا المجتمع المصغر لتجاوز النظام الاجتماعي خارج مجال الغابة. ويعتبر تيرنر أن العلاقات الإنسانية تُحدد من خلال نموذجين؛ أولهماالبناء الاجتماعي المكَّوَن من بنية هرمية تهيكلها أنساق سياسية واقتصادية واجتماعية، وثانيهما الكومينتاس الذي يحيل على الأفراد الخارجين عن المعايير الاجتماعية المهيمنة، فيختارون الانتظام داخل جماعة بدائية غير متمايزة، يُجرّد فيها الفرد منكل الصفات

الاجتماعية التي قد تخلق نوعًا من الهرمية. وقد أفادت ملاحظاتنا ومقابلاتنا مع المهاجرين الغينيين أنهم يتشكلون في بنية مؤقتة؛ من أجل استكمال حياتهم خلال الفترة المؤقتة التي يقضونها في الغابة، وهذه البنية المؤقتة هي ذاتها الشبكة التي تُمكّن المهاجر من تحقيق هدف العبور نحو الديار الأوروبية. تتكون بنية الكومينتاس داخل فضاء الغابة من عدة مهاجرين ينحدرون أساسًا من غينيا وكناكري، وينتمون إلى إثنيات متعددة. بيد أن الوضعية الهجروية تذيب هذه الاختلافات، وتجعل المهاجرين الغينيين منصهرين في "نحن" جماعية لمواجهة الأخطار الخارجية. ويراوح أعضاء هذه الجماعة ما بين ثلاثين وأربعين مهاجرًا غينًّيًا، تتباين أعمارهم ما بين ست عشرة سنة وثلاثين سنة، ويكون الرئيس في

معظم الأحيان هو الأكبر سًّنًا من بين أفراد الجماعة، ويجري اختياره بناءً على معيارَي السن والتجربة.

وللرئيس وظيفة تدبير النزاعات والصراعات التي تنشب بين المهاجرين من حين إلى آخر، إضافةً إلى وظيفة تلقين المهاجرين الجدد مبادئ الانخراط في الجماعة. ولكن لا توجد هرمية بين المهاجرين، فسُلطة الرئيس تكون لمصلحة الجماعة وضمان بقائها فحسب. على أساس المعارف التي تقدّم للمهاجر الغيني عند وصوله، يُصبح أمام حياة يومية جديدة، ومشاهد اجتماعية متكررة، ولكنها بعيدة عن مألوفه، وهو ما يدفعه إلى تبنّي أنماط فعل تكون مطبوعة بيقظة دائمة. فعلى أساس ما يناُقل إليه من معارف، يخوض تجاربه الخاصة، ويعي م يعيشه، ويؤسس من ذلك تصوراته حول ما هو مسموح به، وما هو مم ونع، داخل هذا المجتمع المصغر، بالتفاعل مع ما تفرضه المؤسسات الخارجية من ضغوطات ومحاصرة دائمة للمهاجرين غير النظاميين. وبناءً على

ذلك، يُمكن القول إن الأنشطة اليومية التي يقوم بها المهاجر هي أنماط فعلٍ يبتدعها ويساهم من خلالها في تشكيل واقعه اليومي بطريقة مختلفة عما اعتاد، وإنها أيضًا مختلفة عما يعتمده آخرون، بحيث يتمكن من الظفر بهامش ممكن من الحياة في انتظار تحقيق حلم العبور.

((2(ترجمنا Communitas ا مع الاحتفاظ بالجذر اللغوي اللاتيني لهذا المفهوم، إذ إن ترجمته إلى الجماعة، مثل، لا تعطينا المعنى

الذي نبتغي إيصاله إلى القارئ، وذلك تفاديًا لأي لبس مع كلمة Communauté التي، تُترجم أيضًا إلى معانٍ متعددة كالطائفة والزمرة.

كتابه وقد اعتمد تيرنر في Liminality and Communitas الطريقة ذاتها، محتفظًا بالجذر اللاتيني للمفهوم.

(30) Charles la Shure, "What is Liminality?" Liminality , 18/10/2005, p. 2, accessed on 20/12/2023, at: http://tinyurl.com/ybunes7h

أما على مستوى التفاعلات اليومية بين أعضاء الكومينتاس داخل الغابة، فيمكن رصد أنشطة اعتيادية يتقاسمها أعضاء الجماعة. وبحسب تصريح المستجيبين، فإن أكثر ما تقوم به شريحة مهمة من المهاجرين داخل هذه الجماعة هو تدخين السجائر أو المخدرات بصفة مشتركة. لقد أضحى هذا الأمر عادة يومية صباحية يُفتَتح بها النهار. وبعد ذلك، يتوزع أفراد الجماعة بين من يبحث عن عمل، ومن يذهب للتسول، ومن يبقى في الغابة في انتظار أن يتقاسم معه أصدقاؤه ما  كسبوه طيلة اليوم، ثم يذهب بعضهم لجلب الماء الذي لا يتوافر في الغابة. وفي الساعة الثانية بعد الزوال، يأتي أحد المهاجرين الذي ينحدر هو أيضًا من أصول غينية إلى الغابة لبيع أطباق الأرز والدجاج بثمن يراوح بين 5 و 10 دراهم، ثم يتفرّغ المهاجرون الغينيون لممارسة بعض الأنشطة الجماعية مثل لعب الورق

وكرة القدم. الصورة (5) المهاجرون الغينيون يلعبون كرة القدم يوم الأحد في ملعب الغابة

المصدر: المرجع نفسه.

يتيح روتين الأنشطة اليومية التي ينخرط فيها أفراد جماعة المهاجرين الغينيين توطيدَ اجتماعهم البشري، وخلق نوع من الشعور الجماعي، يحافظ من خلاله الكومينتاس على تلاحمه؛ فيساهم في تحقيق الضبط لمصلحة الجماعة كلها. إن هذه العادات اليومية هي التي تمنح هذا التجمّع معنى، ومن.دونها يصير الاجتماع البشري تجّم عًا جسدًّيًا خامًا تناول جان إيف درتيكوناف التحولات التي تطرأ على الطقوس في علاقتها بالوضعية البينية، معتبرًا

أن هذه الأخيرة تتيح للأفراد إعادةَ تملّك الطقس عن طريق تحويره. ويلقي مثل هذا الاعتبار الضوء على أن انفتاح المهاجرين على تجربة الكومينتاس يتيح لهم استثمارَ ذواتهم أثناء قيامهم بالأنشطة اليومية؛ إذ يساهمون في تحديثها وإعادة إحيائها على نحو دائم. واستمرارًا للتصور نفسه، أضاف تيرنر مصطلح "الوجودي" Existential إلى وصف الكومينتاس للتعبير عن حالة الُّلُحمة التي تغشى

(31) Dartiguenave, pp. 86–87.

الجماعة، الناجمة أساسًا عن خروج الذات نحو الآخر بحثًا عن السعادة المتجلية في فترات البينية

المعيشة.

2. تعميق الكومينتاس وضعية البينية لدى بعض المهاجرين الغينيين

على الرغم مما للكومينتاس من أهمية في حياة المهاجر، فإن عدم انخراطه في هذه البنية، وعدم التماهي معها في بعض عاداتها اليومية، يمكن أن يُعرّضاه للإقصاء، وقد رصدنا فئة من المستجيبين

في الدراسة عبّروا عن عدم قدرتهم على الانسجام مع أعضاء الكومينتاس، خاصة عندما يتعلّق الأمر

بممارسات يرفضونها اجتماعًّيًا مثل تدخين المخدّرات والتسول. تبقى هذه الفئة من المهاجرين منعزلة عن الأنشطة اليومية التي يمارسها أعضاء الكومينتاس، رغم أنها تُعلن الانتماء إليها؛ إذ تتقاسم معها المكان نفسه، إلاأن الشعور الجماعي لا يكاد يكون حاضرًا لدى

هؤلاء إلا في بعده الأمني الصرف. ويُعلل هؤلاء المهاجرون سرّ هذه المسافة التي يراعونها بكون

الكومينتاس يشهد بين أعضائه صراعًا محتدمًا من حين إلى آخر؛ ما يجعل بعضهم يرسم حدودًا في

تعامله مع سائر المهاجرين. وتأكيدًا لهذه الهواجس، سرد لنا أليكس تجربة الاغتراب التي يعيشها داخل الكومينتاس:

"أشعر بأنني وحيد، لا أستطيع القيام بنفس الممرسات التي يقوم بها باقي المهاجرين. لا أستطيع التدخين ولا التسول. عندما جئت إلى هنا لم أكن أملك شيئًا، سألتهم بداية كيف أعيش فأخبروني بأنه

عليّ أن أتسول. لم أستطع القيام بذلك. وجدت مكانًا هنا في الرباط، بحي أكدال، فيه بعض مطاعم

تقدّم الأكل للأفارقة، وتمنحهم من 5 إلى 10 دراهم".

يحيلنا هذا الشكل من العلاقات بين المهاجرين داخل بنية الكومينتاس على "الغريب"، الذي بلور صورته جورج زيمل خلال دراسته للتفاعلات الاجتماعية في المدن المعاصرة. إنه الشخص الذي يوجد في موقع متناقض؛ فهو من جهة ينتمي إلى جماعة الأغلبية، ومن جهة أخرى يعيش على نحو هامشي بالنسبة إليها. وقد عاينّا في غابة القامرة أن ضعف انسجام فئة من المهاجرين مع أعضاء الجماعة يرجع إلى عدم قدرتهم على استيعاب خصائصها الحميمية، رغم تقاسمهم العديد من العناصر الثقافية. وتتسم العلاقة التي يقيمونها مع الجماعة ب ونع من الاضطراب الناجم عن التوتر القائم بين قطبَي ما يسميه زيمل ثنائية "القريب والبعيد". إنّ خاصّيتَ ي القرب والبعد تحضران داخل المجموعة؛

فالمهاجر يكون قريبًا بقدر ما يشعر بتقاسمه العديد من الخصائص الهوياتية التي تدفعه بقوة إلى تلبية

نداء الآخر الضروري للانضمام إلى الوحدة، وفي الآن نفسه يكون بعيدًا؛ بسبب خوفه من فقدان هويته وخصائصه الذاتية المتفردة أمام ذاك الآخر نفسه.

(3((أليكس، مقابلة شخصية، الرباط،.2019/4/10

(33) Catherine Montgomery, "L’étranger dans la cité: Les travaux de Georg Simmel et de l’École de Chicago revisités à la lumière de l’immigration maghrébine dans l’espace montréalais (note de recherche)," Anthropologie et Sociétés , vol. 41, no. 3 (2017), p. 88. (34) Ibid., p. 90.

ورغم أن العلاقات داخل الكومينتاس تشهد توترًا واحتدامًا بين المهاجرين الغينيين، فإنّ المستجيبين

في هذه الدراسة صرّحوا باعتمادهم استراتيجيات تسمح بتجاوز هذا الصراع الذي قد يحدث داخل

المجموعة، وذلك عن طريق البحث عن هامش من الحرية يخوّل لهم إمكانية الابتعاد عن هذا الضغط.

يقول أليكس:

"أتفادى قدر الإمكان الاحتكاك ببعض المهاجرين داخل الغابة، خاصة من بين الذين يدخ ونن المخدرات. عندما وكن وحيدًا، فإنني أنزوي في مكان ما أ  هنا. أحمل كتابي أو هاتفي. هكذا أمضي يومي".

كذلك تتأرجح هذه الفئة من المهاجرين بين ما يقدّمه الكومينتاس من فرص وإمكانيات من جهة، والقهرية التي تفرضها عليهم من جهة أخرى. على مستوى أعم، تتأرجح حياة المهاجر الغيني بين فضاءين، أولهما الغابة التي تشكّل عالمًا يتعايش فيه المهاجر مع سائر المهاجرين الذين يتقاسم معهم الخصائص نفسها، وخارج الغابة الذي يُمثل فضاءً ينفتح فيه المهاجر على تجربة الآخر المختلف، والذي يلجُه بحثًا عن قوته اليومي. يكون

أول أمر يسعى المهاجر الغيني للبحث عنه خارج الغابة هو العمل، وذلك بتوجهه في البداية إلى المدار المحيط بالقامرة، وهو عبارة عن مجال يحتوي المهاجرين من ج ونب الصحراء والمغاربة، ولعلّ أول ما يصطدم به المهاجر الغيني هو ندرة فرص الشغل التي تتركز، على قلتها، في البناء والأشغال الشاقة.

3. الوضع البيني في الفضاء الخارج عن الغابة

إن عدم نجاح المهاجر الغيني في الحصول على عمل يدفعه إلى ممارسة التسول من أجل سد حاجاته الأساسية. وقد انتشرت هذه الممارسة لدى العديد من أعضاء الكومينتاس في الغابة، ثم إن بعض تُفيد بعدم إمكانية المهاجرين القدامى يهيّئون المنخرطين الجدد لهذا الواقع من خلال تقديم معرفة

إيجاد عمل في الرباط عمومًا، وعلى هذا النحو تضطر فئة معينة إلى قبول هذا الواقع الصعب. ويُمثّل انتقال المهاجرين الغينيين من الغابة، بوصفها مج ل خاًّصًا، إلى المجال العام بالقامرة، خروجًا

من وضعية المرئية الاجتماعية إلى وضعية "اللامرئية الاجتماعية" Social Invisibility التي يعرّفها

كليفورد إدوارد Edward Clifford، ب "الوجود المادي للشيء داخل مجال معين، ولكن ينظر إليه الآخرون على أنه حضور بسيط، لا يكون فيه الفاعل الاجتماعي مساهمًا في اللعبة الاجتماعية". وقد عاينّا المهاجرين الغينيين يعيشون هذه الوضعية خارج مجال الغابة. وتجلى ذلك في تصور المستجيبين وإدراكهم، من خلال الإقصاء الذي يتعرض له المهاجر الغيني، المبني أساسًا على الاختلاف العرقي

الذي يبرزه خاصة لون البشرة الأسود، الذي يجعل العديد منهم عرضة للخطاب العنصري. وفضل عن ذلك، تجعل الوضعية غير القانونية المهاجرين يبدون في نظر المشغّلين يدًا عاملة رخيصة يمكن

(35) Julia Thomas, "La notion d’invisibilité sociale," Culture et Société , no. 16 (2010), pp. 103–109. Coulon, p. 25.

استغلالها. وتعكس هذه الوضعية عدم الاعتراف الاجتماعي الذي يسلط على المهاجر الذي يستشعر ذلك، ويراه في حياته اليومية، ويعلم أنه ناتج من وضعيته غير النظامية. إن إقبال المهاجرين الغينيين على ممارسة التسول يُكرس وضعية البينية المعيشة؛ إذ يجعلهم عرضة لعيش

تجربة الدونية المرتبطة بحالتهم المتدهورة اقتصادًّيًا، لتصبح هذه الدونية معيارًا على أساسه يُستبعدون

اجتماعًّيًا من جانب السا نكة المحلية. ولعل الماَّرَ من شوارع القامرة يلاحظ يومًّيًا توزع المهاجرين الغينيين

في الشارع والأسواق للتسول. وتخلق هذه الوضعية لدى المهاجر الغيني شعورًا بالعار بوصفه "تعبيرًا

عن عدم قدرة الأفراد على القيام برد فعل تجاه فعلٍ معبّر أو معلن عنه اجتماعًّيًا، ويمكن اعتباره شكل

من أشكال العقاب، المرتبط بالكشف عن هوية رُينظر إليها على أنها عنص مُخزٍ اجتماعًّيًا، وهو ما يُكرس

الرقابة الاجتماعية تجاه الفئة التي تشعر بالعار"، بحسب جاك كاتز Jack Katz. يتصور المهاجرون التسول وصمًا يسعون باستمرار إلى إخفائه، باعتباره فعل غير مقبول اجتماعًّيًا، يمسّ بكرامتهم ويحطّ من

انتمائهم إلى جماعة المهاجرين الغينيين. ولكن كل هذه العواطف المشحونة بالسلبية، والناتجة من الوضعية الاجتماعية التي يعيشها المهاجر الغيني، والتي تخلق لديه حالة إحباط وشعور بالخزي والعار، سرعان ما تقلّ حدّتها وتدفعه إلى المقاومة؛ إذ ينظر المهاجر الممارس للتسول إلى هذا الفعل على أنه وضعية مؤقتة مصيرها الانتهاء حالما يعبر إلى الديار الأوروبية، وهو حُلم يتطلّب منه التضحية والصبر. في أثناء وجود المهاجرين الغينيين خارج الغابة، يحتكّون بثقافة السا نكة المحلية للقامرة في تقابل بين هويتين ثقافيتين متباينتين. فعندما تطأ قدم المهاجر المجال الخارج عن الغابة يكون قد انسلخ عن جماعته لينخرط في جماعة أغلبية (أي السا نكة المحلية). وينتج من هذا التقابل بين عنصرين ثقافيين بروز صورة المهاجر الهامشي؛ ذلك أن المهاجر الغيني يعيش على هامش ثقافة ذوي بشرة مختلفة اللون عن بشرته أضحت  تُمثّل، بحسب العديد من المستجيبين، مصدر خوف، خاصة عندمايتحدثون عن تجربة العنف العنصرية التي عاشوها في الجزائر. يقول أليكس:

"إن ما عشته في الجزائر جعلني أرى البشرة البيضاء عدًّوًا لي".

يعرف روبرت إزرا بارك Robert Ezra Park الإنسان الهامشي بأنه "ذلك المهاجر الذي يخرج من جماعته الثقافية والأصلية، ليشارك في عالمين يعيشهما على نحو درامي، ولكنه يكون أيضًا نقطة تواصل بين مجموعتين". ويمكن القول إن وضعية "الإنسان الهامشي" تتمظهر لدى المهاجر في شكل وضعية مزدوجة؛ فمن جهة، لا يزال يعيش المهاجر الغيني مع الجماعة الأولية التي تحتفظ بعناصر الهوية الثقافية. ومن جهة أخرى، فإنه يوجد على هامش ثقافة جديدة عندما يطأ العالم الخارجي؛ ما يجعله يحتل موقعًا ضعيفًا إزاء ثقافة الأغلبية.

(36) Cécile Vermot, "Capturer une émotion qui ne s’énonce pas trois interprétations de la honte," Terrains/ Théori es, no. 2 (2015), p. 2.

(3((أليكس، مقابلة شخصية، الرباط،.2019/5/15

(38) Coulon, p. 25.

يواجه المهاجر الغيني هذه الوضعية عن طريق خلق تفاوض ثقافي مع السا نكة المحلية، يجري في غالب الأمر على نحو ضمني، ولكنه يُعبّر عن سعيه لتجاوز الاختلافات. ويكون هذا التفاوض الثقافي

في شكل ممارسات وأفعال ينهجها المهاجرون؛ من قبيل تقديم أنفسهم للمغاربة بوصفهم مسلمين، للحصول على الصدقات، أو لاستدرار العطف. ويُعد المكون العقائدي عنصر اختلاف بينهم وبين المهاجرين الأفارقة المسيحيين، بل هو عنصر تميز. ويمتد استثمار هذا العنصر في التفاوض الثقافي الذي ينهجه المهاجرون الغينيون إلى صلاة الجمعة، التي يعرض فيها المهاجر ذاته مسلمًا يتقاسم شعائر الصلاة مع سائر المسلمين المحليين. إنها وضعية يغيب فيها التفاوت الاجتماعي والطبقي، ويصبح فيها الأفراد الممارسون لطقس الصلاة متساوين. ويسود هذا المشهدَ، بحسب تصوير المهاجرين، نوعٌ من التسامح القوي إزاءهم؛ ذلك أن المغاربة يستحس ونن صورة المهاجرين وهم يصُّلواُن؛ م يدفعهم إلى منحهم صدقات، وبعض أطباق الكسكس. تبدو غابة القامرة مج ل حاضنًا للمهاجرين الغينيين، تتوافر فيه بعض الضروريات مثل المسكن وفرص الالتقاء بسائر المهاجرين الذين يوحدهم المصير والهدف المشترك والانتماء الإثني والعرقي. وهذه كلها قواسم مشتركة تدفعهم إلى تكوين الكومينتاس، وهو شبكة يدبّر المهاجر من خلالها حياته اليومية. أما العالم الخارجي للغابة فيشكّل مج ل ينفتح فيه المهاجر على تجربة العلاقة مع الآخر المختلف، ويوجد فيه بغية تدبير قوته اليومي. ويعيش المهاجر الغيني في هذا الفضاء وضعيات متعددة ترتبط بوضعيته القانونية والاجتماعية، في لامرئية اجتماعية، وهامشية، ليكون التفاوض الثقافي استراتيجية يعتمدها لتجاوز ما يعيشه من أوضاع وصعوبات متداخلة. وبناءً على ذلك، ورغم ما يفرضه النظام الاجتماعي من رقابةٍ على المهاجر الغيني وتطويقٍ لحدود

وجوده في المجال، فإنه يستطيع بفضل هوامش المناورة أن ينتج أفع ل يقاوم بها الواقع المعيش.

رابعًا: تكريس حالة الانتظار لوضعية البينية

وكناكري إلى المغرب في غابة القامرة في تعميق وضعية ساهم واقع انحصار المهاجرين الآتين من غينيا البينية التي يعيشونها، بل في جعلها مرحلة من الصعب التنبؤ بموعد انتهائها أيضًا، رغم ما تسمح به فكرة العبور وإرادة استكمال مشروع الهجرة نحو الديار الأوروبية من مقاومة للوضع البيني. فمن منظور هذه المقاومة، تبدو المصاعب المعيشة حالة عابرة ستنتهي حالما تطأ الأقدام الديار الأوروبية. غير أن فكرة العبور والتعلق بها موضوعة إزاء وضعية الانحصار في المغرب، ما تجعل المهاجر يعيش وضعية غير مستقرة على مستوى المكان من جهة، وعلى المستوى الاجتماعي من جهة ثانية، وعلى المستوى النفسي من جهة ثالثة. تتميز حياة المهاجر الغيني، منذ اتخاذه قرار الهجرة إلى حين وصوله إلى المغرب، بالحركية والتنقل من بلد إلى آخر. ويعيش هذا المهاجر حركية تطبع حياته؛ إذ إن تحقيق حلم الهجرة وتنفيذه يدفعه إلى التنقل من دولة إلى أخرى عن طريق البر، كما هو الشأن بالنسبة إلى عينة هذه الدراسة. ويستمر

تنقله في المغرب؛ فهو يتنقل بين المدن المغربية، إما من أجل البحث عن عمل، وإما من أجل إيجاد شبكات جديدة للهجرة، أو للعيش في المدن القريبة من الضفة الأوروبية. إن هذا التنقل الدؤوب للمهاجر بين أماكن متعددة يُفقده الاستقرار، وإنكان في الآن نفسه يتيح له توسيع نطاق علاقاته الاجتماعية. غير أن العلاقات التي يقيمها خلال تنقلاته هذه تظل رخوة، ولا ترتبط إلا بفترة زمنية معينة، أو مصلحة عابرة. تشغل فكرة العبور أذهان كل من قابلناهم من دون استثناء، وليس حضور هذه الرغبة القوي منفصل عن الوضعية التي يعيشونها في القامرة عمومًا. ويتحرك المهاجرون باستمرار بحثًا عن استراتيجيات لتحقيق العبور، والمقاومة من أجل البقاء. وقد رصدنا في المقابلات المنجزة معهم، رغبتهم القوية في استكمال مسار الهجرة؛ إذ كنّا نسأل المستجيبين عن مدى رغبتهم في تسوية وضعياتهم القانونية، أو عما إذا كانت لديهم نية الاستقرار في المغرب. وفي كل الحالات، كان جوابهم هو الرفض. إن التصميم على استكمال الهجرة، هو ما يجعل المهاجر يعيش وضعية اجتماعية غير مستقرة طويلة الأمد؛ فهو لا  يفكر في الاندماج مع السا نكة المحلية، أو التخطيط للتأقلم مع الحياة في المغرب، ويكتفي باعتماد وسائل العيش البسيطة لضمان استمرار يومه. يقول إبراهيم بامو:

"ليست لديّ رغبة في الاستقرار هنا، أريد الذهاب إلى أوروبا. كل أحلامي هنالك 'خلف الحواجز'

." Les barrières

تتسم فترة وجود المهاجر الغيني داخل الغابة بطابع خاص؛ إذ يبدو في الوهلة الأولى أن الانتظار يغلب عليها، وهو أمرٌ يجعل زمن بقائه في المغرب من دون معنى لخلوه من أيّ نشاط يُلهيه عن التفكير في

العبور، إلا أنها في واقع الأمر ذات معنى. هي تتشكل من لحظات يخلق من خلالها علاقات اجتماعية داخل الغابة؛ إذ يمضي وقته على نحو جماعي، في انتظار أي تغيير يطرأ على واقعه اليومي؛ مثل تلقّي مساعدة مالية من الأقارب، أو إشارة من أحد الأصدقاء تحمل في طياتها خبر استعداد جماعي للعبور. إن زمن الهجرة هذا يتيح له تشكيل تجاربه الاجتماعية؛ لا من خلال اللحظات السابق ذكرها، ومن خلال توسيع معارفه، وخلقه روابط جديدة بالقامرة أو بمدينة الرباط، فحسب، بل على صعيد المغرب كلّه أيضًا. ومن ثم تساهم هذه العوامل كلها في تمّك نه من ابتكار أشكال اجتماعية خاصة، يكون جوهرها اللقاءات والتفاعل، وهو ما يسمح له بالانضمام إلى شبكات متعددة متقاطعة في الوقت نفسه. وبناءً عليه، يُمكن القول إن لحظات الانتظار هذه ليست أزمنة جوفاء، بل إنها ذات معنى؛ فهي تتيح

للمهاجر اكتشاف مهاراته وإمكانياته، التي ما  كان له أن يدركها لولا وضعه هذا، ومن خلالها يكتسب موارد لتجاوز وضعية البينية. كان من بين المستجيبين من المهاجرين، في هذه الدراسة، من سبق أن حاولوا العبور، عبر تخطيط جماعي لهذه العملية، وباختيار اختراق السياج الفاصل بين المغرب والمدينتين المحتلتين سبتة

(3((بامو. (4((يقصد السياج الفاصل بين المغرب وسبتة المحتلة.

ومليلية، في ظل غياب الموارد المالية التي يمكنهم اعتمادها للعبور عن طريق البحر الأبيض المتوسط بواسطة قوارب. قال مختار:

"لديّ أصدقاء في كل أنحاء المغرب، منهم من تواصلت معه بشكل مباشر، ومنهم من تعرفت عليه عن طريق الإنترنت، كم أننا نقدم المساعدة لبعضنا البعض بشكل دائم، خاصة عندما يتعلق الأمر بمعرفة معلومات حول العبور".

ترى آنا ديسرتين Anna Dessertine أن لحظات الانتظار التي تطبع الواقع اليومي للمهاجرين الغينيين ب "حي التقدم بالرباط" تبقى غزيرة المعنى؛ ففيها يكتسب المهاجر حسّ المغامرة التي تتجلّى في لحظات الُّلُحمة والنشوة الجماعية التي تطبع الحياة اليومية. ولئن كان المهاجر الغيني ينفصل عن محيطه العائلي في بلده الأصلي، فهو يُعوض ذلك الانفصال بنسج علاقات داخل هذه المجالات الجديدة بأكبر عدد ممكن من الروابط والصداقات التي تجعله يعيش "المغامرة"، التي تنعكس في خروجه عن المألوف والاعتيادي. وبحسب أنايك بيان، يتصور المهاجرون أنّ الهجرة مغامرة يسعون من خلالها إلى البحث عن ذواتهم وتحقيق أحلامهم. إن هذا النموذج المثال يصف عند بيان حالة المهاجرين ممن يتخذون من الهجرة مشروعًا ورحلة، تتخللها حالة من عدم اليقين الشديد والعديد من التشعبات، من الصعب ضبطها رغم وجود نقاط التقاء وشبكات هجروية، تمكّن من اكتمال مسار الهجرة. وفي السياق ذاته، يرى مهدي عليوة أن طبيعة التنقلات التي يعيشها المهاجر خلال مسار عبوره، ومن أجل استكمال مشروع الهجرة، تنتج هوية مهاجر مغامر عابر للأوطان، تتشكل نتيجة للعقبات المعيشة والروابط الاجتماعية التي يخلقها المهاجر نفسه في مراحل مساره الهجروي. وبذلك، تكون الهجرة قرارًا فردًّيًا يتحقق على نحو جماعي، إنها هوية تتجاوز هويات المهاجرين الوطنية المتعددة والإثنية، بحيث نكون أمام هوية جماعية. إنّ فكرة العبور بمنزلة محرّك يدفع المهاجر إلى مقاومة الوضعية البينية؛ إذ تخلق لديه أمل في المستقبل، غير أنها تعمّق هذه الوضعية من جهة أخرى، فهي تجعله مفتقرًا إلى عنصر الاستقرار المكاني؛ ذلك أن طبيعة التنقلات المجالية التي يخوضها تجعله لا ينتمي إلى أي مكان، علاوة على خلقها حالة لااستقرار اجتماعي. إن فترة انحصار المهاجر الغيني في المغرب تدفعه إلى خلق استراتيجيات لمقاومة الوضعية المعيشة، والبحث عن آليات استكمال الهجرة نحو الديار الأوروبية.

(4((المختار، مقابلة شخصية، الرباط،.2019/4/20

(42) Anna Dessertine, "Rencontre et mise en scène de soi: De la construction de réseaux chez les migrants guinéens de Rabat," in: Nadia Khrouz & Nazarena Lanza (dir.), Migrants au Maroc: Cosmopolitisme, présence d’étrangers et transformations sociales (Rabat: Centre Jacques–Berque, 2015), pp. 1–2. (43) Anaïk Pian, "Entre 'Visibilisation' et 'invisibilisation': Les migrations subsahariennes au Maroc," in: Ali Bensaad (dir.), Le Maghreb à l’épreuve des migrations subsahariennes: Immigration sur émigration (Paris: Karthala Editions, 2009), p. 64. (44) Mehdi Alioua, "La migration transnationale des africains subsahariens au Maghreb: L’exemple de l’étape marocaine," Horizons Maghrébins: Le droit à la mémoire , no. 53 (2005), pp.1–8.

خاتمة

مكنتنا دراسة تجليات الوضعية البينية في الحياة اليومية للمهاجرين من غينيا وكناكري في غابة القامرة، من فَهمعُمق تجربة الهجرة في حياة المهاجر من جهة، وفهم واقع الانحصار دون استكمال مسار الوصول إلى الديار الأوروبية من جهة أخرى. لقد وقفنا على أن بقاء المهاجر الغيني في المغرب، المحطة ما قبل الأخيرة والأشدّ صعوبة من حيث مراقبة الحدود الترابية للمناطق المطلة على الدول الأوروبية، تجعله منحصرًا في فترة زمنية يصعب التنبؤ بموعد انتهائها، وهو أمرٌ يحول دون انتقاله إلى

مرحلة الاندماج أو الاستيعاب. ووقفنا على أن المهاجر يعيش العديد من الاضطرابات الناجمة عن هذه الوضعية التي أطلقنا عليها الوضعية البينية، مقتبسين المفهوم من نظرية طقوس العبور لمؤسسها فان جنيب الذي اعتبر أن البنية الثلاثية لهذه الطقوس، المحددة في الانفصال والوضعية البينية ثم مرحلة الاندماج، تبقى حاضرة في مجمل الطقوس والمراحل التي تطبع الحياة البشرية. وبناءً على ذلك،

أمكن القول إن الهجرة تنتظم زمنًّيًا ومكانًّيًا بحسب بنية ثلاثية ينقطع فيها المهاجر عن البلد الأصلي

بمختلف أشكال حضوره، المادية والثقافية والاجتماعية، ليلج مرحلة بينية يعيش خلالها العديد من التغيرات. تُعدّ مدينة الرباط، وتحديدًا منطقة القامرة، محطة مؤقتة يلجها المهاجر في انتظار أن يعثر على طريقة لااستكمال مسار العبور وتدبيره. وتُعد غابة القامرة مج ل للتفاعلات اليومية بين المهاجرين الغينيين، يلجؤون إليها بدوافع مختلفة، ليكون هدف استكمال حلم الهجرة قاسمهم المشترك. ويرجع الحضور فّ بهم في العالم الكثيف للمهاجرين الغينيين في مجال الغابة إلى رغبتهم في تجاوز الخطر الذي يُح الخارجي، بما فيه ما قد ينجم بسبب الاحتكاك بالمغاربة؛ وبذلك تصبح الغابة من خلال العلاقات التي ينسجها المهاجر داخلها فضاءً يتيح له تجاوز الخوف من الآخر. تدور حياة المهاجر الغيني بين فضاءين؛ أولهما الغابة، وثانيهما العالم الخارج عنها. وهي اتُعد مج ل للتفاعلات واللقاءات اليومية بين أعضاء الكومينتاس التي تتأسس بوصفها بنيةً مؤقتة تساعد على تجاوز إكراهات البناء الاجتماعي الخارجي الذي يرفض نظامه القائم وجود المهاجرين غير النظاميين. ويتقاسم المهاجرون الغينيون العديد من الأنشطة اليومية، وقد خلصنا إلى أن هذه الأنشطة الاعتيادية تسمح للكومينتاس بتوطيد الاجتماع البشري، وتُشكّل موردًا يوفر الأمن للمهاجر. وتوجد فئة من المهاجرين لا تستطيع التماهي مع الكومينتاس في مجمل العادات اليومية، وهو أمرٌ يُعمّق لديها

وضعية البينية؛ إذ تعيش على هامش الجماعة التي تنتمي إليها. أما العالم الخارج عن الغابة، فهو يشكّل مج ل ينفتح فيه المهاجر على تجربة الآخر المختلف، وهو يوجد فيه بغية تدبير قوته اليومي، غير أن وضعيته – بوصفه مهاجرًا أسود البشرة، وبوصف وجوده

على أرض المغرب غير قانوني – تحول دون حصوله على عمل منتظم، وغير استغلالي. عندئذ، يتجه المهاجر الغيني إلى ممارسة التسول الذي يولّد لديه شعورًا بالخزي والعار. ولمواجهة هذه الوضعية، لا يجد بديل غير التفكير في المستقبل الأوروبي، من أجل مقاومة الحاضر. وبذلك، تتعمّق الوضعية

البينية لدى المهاجرين الغينيين في المجال الخارجي؛ إذ فيه يواجه المهاجر اللامرئية الاجتماعية، بسبب عدم اضطلاعه بأيّ دور من الأدوار الاجتماعية المعترف بها وبشرعيتها، وهو أمرٌ يجعله مُقصى

من تدبير الحياة العامة والظفر بحقوق المواطنة. يعيش المهاجر الغيني خارج غابة القامرة على هامش الثقافة المحلية؛ فهو هنا خارج جماعته الأصلية، ويكون متجهًا إلى الانخراط في جماعة الأغلبية، من دون التأكد من نجاح التفاوض الثقافي الذي يعتمده استراتيجيةً لتجاوز الصراع الذي قد ينجم عن الاحتكاك بين ثقافتين متباينتين؛ ثقافته هو وثقافة مجتمع "الاستقبال". على هذا النحو المتردد، والمتعرج، والمحفوف بالمخاطر، يعمل المهاجر الغيني في أثناء وجوده في المغرب على البحث عن سبل استكمال مسار العبور إلى الديار الأوروبية، ويكون غيرَ راغب

في المكوث في المغرب، ومضطًّرًا إلى المفاوضة حول إقامته فيه، ومتمسكًا بالحلم الذي يجعله

مقاومًا لما يعيشه من صعوبات وتحديات يومية. وتنصُّبُ مجمل أفكار المهاجر الغيني الواصل إلى

المغرب والمقيم في غابة القامرة في الرباط، ومجمل أفعاله وآماله على كيفية تحقيق حلم الوصول إلى الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، فيكون مفتقدًا الاستقرارين المكاني والاجتماعي، ساعيًا إلى

تعويضهما بعلاقات اجتماعية ينسجها من داخل الغابة ومن خارجها، في الرباط وفي غيرها من مدن المغرب، وهي علاقات رخوة، لكنها قد تشكّل موردًا يقرّبه من حلم العبور.

المراجع

References

العربية

بنجعة، يسرى. "تجليات وضعية البينية في الحياة اليومية للمهاجرين من ج ونب الصحراء: مهاجرو غينيا وكناكري بغابة القامرة نموذجًا". رسالة ماجستير. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة محمد الخامس، الرباط،.2019 طويل، فتحية. "المرتكزات المعرفية لفي ونمي ونلوجيا متكاملة للتشكيل الاجتماعي للواقع". مجلة العلوم الإنسانية. جامعة محمد خيضر بسكرة. العدد  37–36 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2014

الأجنبية

Alioua, Mehdi. "La migration transnationale des africains subsahariens au Maghreb: L’exemple de l’étape marocaine." Horizons Maghrébins: Le droit à la mémoire. no. 53

_________. "Nouveaux et anciens espaces de circulation internationale au Maroc Les grandes villes marocaines: Relais migratoires émergents de la migration transnationale des Africains subsahariens au Maghreb." Revue des mondes musulmans et de la méditerranée. no. 119–120 (2007). Alioua, Mehdi & Jean–Noël Ferritè (dir.). La nouvelle politique migratoire marocaine. Maroc: Konrad–Adenauer–Stiftunge.V.; Bureau du Maroc, 2017.

Bensaad, Ali (dir.). Le Maghreb à l’épreuve des migrations subsahariennes: Immigration sur émigration. Paris: Karthala Editions, 2009. Cambrézy, Lobet–Maris & Véronique Laissailly–Jacob (dir.). Populations réfugiées: De l’exil au retour. Colloques et séminaires. Paris: IRD Editions, 2001. Campenhoudt, Luc Van & Raymond Quivy. Manuel de recherche en sciences sociales. 4 ème ed. Paris: Dunod, 2017. Clot–Goudard, Rémi & Marion Tillous. "L’espace du réseau: Du flux au territoire (Le tournant pragmatiste engagépar Isaac Joseph)." Tracés: Revue de Sciences humaines. no. 15 (2008). at: http://traces.revues.org/683 Coulon, Alain. L’école de Chicago. Collection Que sais–je? Paris: PUF, 2012. Dartiguenave, Jean–Yves. "Rituel et liminarité." Sociétés. vol. 1, no. 115 (2012). Diouf, Agnes. "Étude exploratoire du phénomène de l’immigration comme rite de passage. Le cas de trois immigrants sénégalais." Mémoire présenté comme exigence partielle de la maitrise en communication. Université du Québec à Montréal. Juin 2011. Ennaji, Moha & Fatima Sadiqi. Migration and Gender in Morocco: The Impact of Migration on the Women Left Behind. Trenton, NJ: Red Sea Press, 2008. Khrouz, Nadia & Nazarena Lanza (dir.). Migrants au Maroc: Cosmopolitisme, présence d’étrangers et transformations sociales. Rabat: Centre Jacques–Berque, 2015. Labuthie, Cannelle. "Les temps de l’exil: Temporalités et perceptions du temps dans le camp de Chatila." Mémoire présenté en vu de l’obtention du Master. Université Paris– Diderot (Paris 7). 2018. Lavency, Estelle. "Evolutions des rites de passage à l’adolescence: Notre système scolaire intègre–t–il ce besoin de structuration." Master Dissertation. Faculté de Philosophie, Arts et Lettres (FIAL). Université catholique de Louvain. 2017–2018. Lobet–Maris, Claire. "Les trois temps des migrants." Temporalités [En ligne]. no. 33 (Juin 2021). Montgomery, Catherine. "L’étranger dans la cité: Les travaux de Georg Simmel et de l’École de Chicago revisités à la lumière de l’immigration maghrébine dans l’espace montréalais (note de recherche)." Anthropologie et Sociétés. vol. 41, no. 3 (2017). Pian, Anaïk. "Aventuriers et commerçants sénégalais à Casablanca: Des parcours intrecroisés." Autrepart. vol. 4, no. 36 (2005). Piché, Victor. "Les théories migratoires contemporaines au prisme des textes fondateurs." Population. vol. 68, no. 1 (2013). Pliez, Olivier. "Nomades d’hier, nomades d’aujourd’hui, Les migrants africains réactivent–ils les territoires nomades au Sahara." Annales de géographie. vol. 6, no. 652

Tallarico, Serena & Thierry Baubet. "La mer comme espace liminal: Étude de cas sur les aspects symboliques et magico–religieux de la traversée de la mer Méditerranée." Rhizome. vol. 1, no. 63 (2017). Thomas, Julia. "La notion d’invisibilité sociale." Culture et Société. no. 16 (2010). Timera, Mahamet. "Aventuriers ou orphelins de la migration internationale? nouveaux et anciens migrants 'subsahariens' au Maroc." Politique Africaine. vol. 3, no. 115 (2009). Turner, Victor. The Ritual Structure Process: Structure and Anti–Structure. New York: Cornell University Press, 1966. Van Gennep, Arnold. Les rites de passage: Étude systématique des rites de la porte et du seuil, de l’hospitalité, de l’adoption, de la grossesse et de l’accouchement, de la naissance, de l’enfance de la puberté, de l’initiation, de l’ordination, du couronnement des fiançailles et du mariage, des funérailles, des saisons etc. 3 ème ed. Paris: A. et J. Picard, 1981. Vermot, Cécile. "Capturer une émotion qui ne s’énonce pas Trois interprétations de la honte." Terrains/ Théori es. no. 2 (2015). Zouiten, Mounir. "Migrations, réseaux familiaux et stratégies d’insertion urbaine des migrants ruraux au Maroc. Géographie." PhD. Dissertation. Université de Montréal Faculté des études supérieures. Montréal. 1995.