Return to Article Details Dawn Chatty, Mandana Limbert, and the Anthropological Studies in the Sultanate of Oman

داون شاتي وماندانا لمبرت والدراسات الأنثروبولوجية في سلطنة عمان

Dawn Chatty, Mandana Limbert, and the Anthropological Studies in the Sultanate of Oman

عثمان محمد عثمان علي *

والطاهر سعود **

Osman Mohamed Osman Ali & Tahar Saoud

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في المُنجز البحثي الأنثروبولوجي المتعلق بالمجتمع العُماني، ممثلًا في حزمة من الدراسات التي أجرتها الأنثروبولوجيتان الأميركيتان داون شاتي وماندانا لمبرت. ويتيح الاشتغال بهذه الدراسات تتبع بعض ملامح الدرس الأنثروبولوجي الأميركي، الذي يركز على الجنوب العالمي إجمالًا، والشرق الأوسط تحديدًا. لقد نحتت هذه الدراسات على منوال أنثروبولوجي يتوجّه نحو الثقافة والقضايا العملية في عدة مجالات، مثل الصحة والإدارة والتنمية الاقتصادية. وهي تعود إلى تسعينيات القرن العشرين، وتعكس اللحظة التي كتبت فيها، واهتمامات الباحثتين بالظواهر التي لفتت انتباههما. وبناءً على ذلك، فإن الموضوعات التي جرى الاشتغال بها هي موضوعات كان لها حضور في سياق مجتمع في طور تحوّله، أو في طريقه نحو التنمية بعد تولّي السلطان قابوس بن سعيد إدارة شؤون الدولة في عام 1970.

Abstract

Abstract: This paper investigates the anthropological research on Omani society, represented by a package of studies conducted by two American anthropologists: Dawn Chatty and Mandana Lambert. Working on these studies allows us to trace certain characteristics of the American anthropological research focused on the Global South, and on the Middle East in particular. These studies followed an anthropological approach that is usually devoted to culture and practical issues in areas like health, administration, and economic development. They date back to the 1990s and reflect the moment in which they were written and the interests of the two researchers in the phenomena that caught their attention. Therefore, the topics pursued were prevalent in a society undergoing transformation or on the path to development following the ascent of Sultan Qaboos bin Said to the throne in 1970.

الكلمات المفتاحية:
  • المجتمع العماني
  • الأنثروبولوجيا الأميركية
  • داون شاتي
  • ماندانا لمبرت
  • التنمية والتحديث
Keywords:
  • Omani Society
  • American Anthropology
  • Dawn Chatty
  • Mandana Limbert
  • Development and Modernization

عثمان محمد عثمان علي * والطاهر سعود **

Dawn Chatty, Mandana Limbert, and the

Anthropological Studies in the Sultanate of Oman

ملخص: تبحث هذه الدراسة في الُميُنجز البحثي الأنثروبولوجي المتعلق بالمجتمع العُمان،

في حزمة من الدراسات التي أجرتها الأنثروبولوجيتان الأميركيتان داون شاتي وماندانا ممثل

لمبرت. ويتيح الاشتغال بهذه الدراسات تتبع بعض ملامح الدرس الأنثروبولوجي الأميركي، الذي

يركز على الج ونب العالمي إجم لًا، والشرق الأوسط تحديدًا. لقد نحتت هذه الدراسات على

م ونال أنثروبولوجي يتوجّه نحو الثقافة والقضايا العملية في عدة مجالات، مثل الصحة والإدارة

والتنمية الاقتصادية. وهي تعود إلى تسعينيات القرن العشرين، وتعكس اللحظة التي كتبت فيها،

واهتمامات الباحثتين بالظواهر التي لفتت انتباههما. وبناءً على ذلك، فإن الموضوعات التي

جرى الاشتغال بها هي موضوعات كان لها حضور في سياق مجتمع في طور تحوّله، أو في

طريقه نحو التنمية بعد تولّي السلطان قابوس بن  سعيد إدارة شؤون الدولة في عام.1970

التنمية والتحديث.

Abstract: This paper investigates the anthropological research on Omani society, represented by a package of studies conducted by two American anthropologists: Dawn Chatty and Mandana Lambert. Working on these studies allows us to trace certain characteristics of the American anthropological research focused on the Global South, and on the Middle East in particular. These studies followed an anthropological approach that is usually devoted to culture and practical issues in areas like health, administration, and economic development. They date back to the 1990s and reflect the moment in which they were written and the interests of the two researchers in the phenomena that caught their attention. Therefore, the topics pursued were prevalent in a society undergoing transformation or on the path to development following the ascent of Sultan Qaboos bin Said to the throne in 1970.

Associate Professor of Sociology, Sultan Qaboos University, Sultanate of Oman, and Khartoum University, Sudan. Email: osmanali@squ.edu.om

Professor of Sociology, Mohamed Lamine Debaghine Setif 2 University, Algeria (Corresponding Author). Email: t.saoud@univ–setif2.dz

مقدمة

يدرك المطّلع على الحالة العُمانية في مجال الدراسات السوسيولوجية عمومًا، والدراسات الأنثروبولوجية على وجه التحديد، قلة المنتج البحثي المتعلق بالمجتمع العُماني؛ إذ بقي – في تقديرنا – من المجتمعات العربية التي لا نعرف عنها الكثير. يجد ذلك تفسيره في عدة عوامل، منها أن موقع عُمان الجغرافي الطرفي في العالم العربي، وعُزلتها النسبية قبل تسلّم السلطان قابوس الحكم (عام 1970)، جعَل المعرفة بها، وبمخزونها الثقافي أمرًا محدودًا، ثم إنّ تأخّر ميلاد المؤسسات الجامعية والبحثية الحديثة في البلد، جعل حضور الموضوعات التي اشتغلت بالمجتمع العُماني شحيحة؛ على صعيد الرسائل والبحوث الجامعية، وعلى مستوى الحوامل والمنصات العلمية

(مجلات، ودوريات...  إلخ)، مقارنةً بما أنتج، وما يُن تج، حول مجالات ثقافية وحضارية عربية أخرى (بلدان المغرب العربي، ومصر، وبلاد الشام، وغيرها). يسوّغ هذا النقص الاشتغال بالمجتمع العُماني؛ إما لجهة إنتاج نصوص جديدة تستهدف معرفة اُبناه الاجتماعية والثقافية، وإم لجهة التعامل النقدي مع نصوص بحثية موجودة، والتواصل معها معرفيًا في سبيل دعم مكتبة الدراسات المتخصصة في الشأن العُماني، وهو ما يقع جانب منه في حدود هذه الدراسة. لقد أدى اهتمامنا التتبعي والمسحي لبعض المنجز الأنثروبولوجي المتوافر في مكتبة الدراسات العُمانية، وعبر شبكة الإنترنت أيضًا، إلى الوقوف على أعمال الباحثتين الأنثروبولوجيتين الأميركيتين داون شاتي وماندانا لمبرت، اللتينكانتا قد وفدتا إلى السلطنة في فترات سابقة. وقد مّكاّنهم تخصصهما من جهة، ومعايشتهما المجتمع العُماني فترات متفاوتة؛ إما في نطاق البحث و/ وإما في أثناء التدريس و/ وإما في إطار بعض المهمات الرسمية من جهة ثانية، من تقديم حزمة من الأعمال الأنثروبولوجية بشأن المجتمع العُماني، بدا لنا أنّ الاشتغال بها يمكن أن يشكل تفاعل مع الدرس الأنثروبولوجي المتمحور حول المجتمع العُماني.

(((برزت فكرة إنشاء جامعة السلطان قابوس، وهي أولى مؤسسات التعليم العالي في سلطنة عمان والجامعة الحكومية الوحيدة، بوصفها وعدًا من السلطان قابوس بن سعيد خلال الاحتفالات بالذكرى العاشرة للعيد الوطني العماني في عام 1980،

وبدأ بناؤها بعد سنتين، في عام 1982، لتستقبل أولى الدفعات الطالبية في عام 1986. وكان قد صدر مرسوم سلطاني رقم: 86/9 يقضي بإنشاء هذه الجامعة، ويحدد بداية الدراسة فيها في خمس كليات، هي: التربية، والهندسة، والطب والعلوم الصحية،

والعلوم الزراعية والبحرية، وكلية العلوم. ثم ضيفت إليهاأُ كلية الآداب في عام 1987. ينظر: موقع جامعة السلطان قابوس، شوهد

في: https://bit.ly/3sIicSn

(((داون شاتي: أنثروبولوجية أميركية، ومديرة سابقة لمركز دراسات اللاجئين (2014–2011) في جامعة أكسفورد. تركزت اهتماماتها البحثية على القبائل الرعوية المترحلة، وقضايا التنمية والنوع الاجتماعي، وإعادة التوطين القبلي، والتك ونلوجيا الحديثة والتغيير الاجتماعي وقضايا الهجرة القسرية في منطقة الشرق الأوسط. درست في جامعة كاليفورنيا ومعهد الدراسات الاجتماعية في هولندا. عملت مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي واليونيسف ومنظمة الأغذية والزراعة، وشغلت مهمات أكاديمية في جامعة السلطان قابوس، فضل عن وكنها خبيرة لدى بعض برامج الأمم المتحدة الإنمائية في سلطنة عمان خلال الفترة.1994–1989 (((ماندانا لمبرت: أستاذة مساعدة في قسم الأنثروبولوجيا بكلية كوينز ومركز الدراسات العليا في جامعة نيويورك. تركزت اهتماماتها البحثية حول موضوعات: الحداثة والدين والجنس والأنثروبولوجيا التاريخية والشرق الأوسط والمحيط الهندي، لها أعمال ذات أهمية متعلقة بزنجبار وعُمان، والثقافة العُمانية عمومًا.

أولا: حول الدرس الأنثروبولوجي الأميركي والمجتمعات العربية والجنوب العالمي

ليس من الهيّن متابعة الدرس الأنثروبولوجي الأميركي في انبثاقاته وتطوّراته ومجالات اشتغاله، فمسار

تطور الأنثروبولوجيا الأميركية غنيّ ومُلهم، بيد أن الاشتغال بالنصوص والأعمال التي خلّفتها هذه

المدرسة الأنثروبولوجية، وهي في دراستنا هذه تتمحور حول أعمال اثنتين من الأنثروبولوجيات الأميركيات، شاتي ولمبرت، يسوغ لنا من الناحية المنهجية تتبع بعض ملامح الدرس الأنثروبولوجي الأميركي الذي امتد عبر أجيال متتابعة من الباحثين والممارسين. ولعلّ أفضل طريقة لتحقيق هدفنا من هذه الدراسة هي مثلما يقول أحد الأنثروبولوجيين: "أنْ نقدم للقارئ فكرة عما  يفعله الأنثروبولوجيون". يصدق هذا تمامًا عندما نراجع أعمال شاتي ولمبرت؛ إذ تُحيلنا على نقاط الارتكاز التي تصدر عنها، وقد كان محور اهتمامهما المركزي هو الثقافة والنظام الثقافي، كما أشار إلى ذلك تالكوت بارسونز في نبوءته حول تقسيم العمل داخل نطاق العلوم الاجتماعية؛ عندما شدد على أنّ النظام الثقافي سيكون مجال الأنثروبولوجيا بامتياز، في حين ستضطلع السوسيولوجيا بالنظام الاجتماعي والسيكولوجيا بالفرد ونظام الشخصية. وهكذا سيكون النظام الثقافي مجال اشتغال الأنثروبولوجيا بمنزلة حقل معرفي، ومجال اشتغال المدرسة الأنثروبولوجية الأميركية على وجه التحديد. هذا المسعى تترجمه أعمال الباحثتين شاتي ولمبرت، وهي بذلك تعكس مدى حضور الشأن الثقافي، والتحليل الثقافي في اهتمامات الأنثروبولوجيين الأميركيين وأعمالهم. ومن نافلة القول تأكيد أن مسار تطور الأنثروبولوجيا الأميركية قد مرّ بتمفصلات مهمة؛ فمن الاهتمام الصرف بالشأن الأميركي، حيث

اتّجه خلال فترة طويلة صوب اله وند الحمر، إلى الاهتمام بالإنسان البدائي مع مارغريت ميد Margaret Mead التي أفسحت المجال للمهتمين بهذه الدراسات، ثم إلى توجهٍ بدا مغايرًا منذ منتصف عشرينيات

القرن الماضي، حيث بات الاهتمام منصرفًا إلى سا نكة الريف والقرى الصغيرة المنتمية إلى الأمم العصرية. ومع روث بندكت Ruth Benedict ستولّي الأنثروبولوجيا الأميركية وجهها نحو مجتمعات من خارج الولايات المتحدة، ممتدة إلى نطاقات أخرى أوسع؛ أي إلى ما وراء اله وند الحمر الأميركيين، وإلى مناطق إث ونغرافية جديدة في أفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا. لقد "كانت هناك فرص واسعة لعلماء الأنثروبولوجيا للعمل في مناطق مختلفة من العالم الجديد من خمسينيات القرن الماضي إلى منتصف سبعينياته. كان العالم النامي يشكل اهتمامًا استراتيجيًا لحكومة

الولايات المتحدة". وأضحت الأنثروبولوجيا الأميركية موزّعة على أقسام متعددة، تغطي نطاقات

(((حسين فهيم، قصة الأنثروبولوجيا: فصول في تاريخ علم الإنسان، سلسلة عالم المعرفة 98 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والف ونن والآداب، [شباط/ فبراير] 1986)، ص.13 (((فريدريك بارث [وآخرون]، الأنثروبولوجيا: حقل علمي واحد وأربع مدارس، ترجمة أبوبكر أحمد باقادر وإيمان ال  كويلي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.425 (((المرجع نفسه، ص 406،.435 (((المرجع نفسه، ص.421

اهتمام عريضة جغرافيًا ومعرفيًا؛ حيث أ سّست أقسام لأنثروبولوجيا أميركا الشمالية، وأنثروبولوجياُ

أوروبا، وأقسام أخرى لأنثروبولوجيا أفريقية، وأنثروبولوجيا أميركا اللاتينية، فضل عن الأنثروبولوجيا

الشرق أوسطية، وُأسّاُست أيضًا أقسام للأنثروبولوجيا الطبية والحضرية، وغيره. ويمكن إدراج

الدراسات التي بين أيدينا، موضوعيًا، في إسهامات الأنثروبولوجيا الأميركية المتركزة على النطاقات

الواقعة خارج الجغرافيا الأميركية؛ أي في القطاع المهتم بالج ونب العالمي على وجه الإجمال، وبالشرق الأوسط على وجه التحديد. من المعلوم أن الدرس الأنثروبولوجي الغربي عمومًا، والأميركي خصوصًا، المتجه نحو الاهتمام بمجتمعات الشرق الأوسط، لم ينطلق من فراغ، بل بنيَ على معارف وبيانات ومعلومات جرت

مراكمتها خلال مراحل تاريخية سابقة. فقد خلّفت الأعمال الاستشراقية كًّمًا مهًّمًا من المعلومات

حول هذه المجتمعات، وقدّم الرحالة والمبشرون مادة إث ونغرافية ضخمة، مثّلت أرضية مهمة لحقل الأنثروبولوجيا والدراسات المنبثقة منها في مراحل لاحقة. وهذه الحال التي تصدق على المجتمعات العربية كلها، يمكن أن نلاحظها في أثناء الاشتغال بالمجتمع العُماني، بما هو موضوع لهذه الدراسة.

ثانيًا: تقارير الرحالة المبكرة والحديثة عن عُمان

كل الفترة التي سبقت تشكّل الدول الحديثة في بلدان الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية والشرق خلال الأوسط وشمال أفريقيا، كانت هذه المنطقة كلها مج ل جغرافيًا وحضاريًا جاذبًا للرحالة والمستكشفين

والمبشرين الأوروبيين. ولم تشذ عُمان، على الرغم من موقعها الطرفي في أقصى الج ونب الشرقي من شبه الجزيرة العربية، عن هذا الاهتمام الذي شمل مكوّناتها العقدية والفنية واللغوية. وتزايد هذا

الاهتمام مع حملات التوسع الأوروبي، ويمكن أن نذكر في هذا الصدد رحّالة كثيرين ومستكشفين

من جنسيات عديدة (برتغاليون، وإنكليز، وفرنسيون، وألمان، وغيرهم) وفدوا إلى المنطقة، ومرّوا على

المجال العُماني لأغراض متباينة، بعضها ديني تبشيري، وبعضها سياسي، وبعضها عسكري، وبعضها علمي يروم الوصف الجغرافي والطوبوغرافي، وبعضها يجمع بين ذلك كله. من هؤلاء الرحّالة نذكر جيمس ريموند ولستد James Raymond Wellsted (1842–1805) الذي يعتبره

بعضهم أول رحّالة أوروبي ينفذ إلى الداخل العُماني، بتسهيل من السلطان سعيد بن سلطان، وكانت رحلته

هذه مناسبة لتدوين ملاحظات وازنة عن عادات المجتمع العُماني وتقاليده، ونُظمه الاجتماعية والاقتصادية إبّان ثلاثينيات القرن التاسع عشر (1836–1835)، وقد وصفها هو نفسه بأنها أبحاث في نطاقات واسعة من الداخل العُماني، يفتقر إليها الأوروبيون من رجال عصره، وليست مجرد مسحٍ أو استطلاع،

(((المرجع نفسه، ص.492 (((الطاهر سعود، التخلف والتنمية في فكر مالك بننبي (بيروت: دار  الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، 2006)، ص.30 ((1(ينظر: مقدمة الترجمة لعبد العزيز عبد  الغني إبراهيم، في: جيمس ريموند ولستد، تاريخ، عُمان: رحلة في شبه الجزيرة العربية

ترجمة عبد العزيز عبد الغني إبراهيم (بيروت: دار الساقي للطباعة والنشر، 2016)؛ نجية محمد سالم السيابية، "الجوانب الاقتصادية

والاجتماعية لعُمان في كتب الرحالة الأوروبيين في القرن التاسع عشر الميلادي: جيمس ولستد نموذجًا"، دورية كان التاريخية،

مج 10، العدد 38 (كانون الأول/ ديسمبر 2017)، ص 113–108.

وهو ما يجعل عمله بمنزلة مصدر للمهتمين بالدراسات العُمانية العائدة إلى تلك الفترة. أما ويليام غيفورد بلغراف William Gifford Palgrave (1888–1826)، فهو رحالة إنكليزي آخر، انصبّ اهتمامه على

الأحوال الأخلاقية والظروف الفكرية والسياسية لسكان وسط الجزيرة العربية وشرقها، وقد لخّص مهمته في عبارة تستدعي الملاحظة عندما  كتب: "سكان هذه الأرض، وليس أرض هؤلاء السكان، كانوا هم الهدف لهذه الدراسة". وإجم ل، تناول هذا الطبيب الرحالة – في كتاب ضخم – الجوانب الديموغرافية والأنثروبولوجية التي غابت عن رحّالة سابقين عاي ونا المنطقة. عندما دلفت عُمان إلى القرن العشرين، تكثّف احتكاك الرحالة بالمجتمع العُماني بأشكال جديدة.

ويمكن أن نذكر هنا، مثل، بترام توماس Betram Thomas عير في عام الذيأُ 1925 مستشارًا ماليًا

بريطانيًا لمسقط، بينما تولّى في الواقع منصب رئيس الوزراء، وأدار عمليًا الحكومة خلال غياب

السلطان تيمور المتكرر خارج البلاد. وبدأ توماس رحلته المشهورة في عام 1930 عبر صحراء الربع الخالي من داخل ظفار، فمرّ بجبرين والحسا، وبلغ بلاد ما بين النهرين. وفي رحلته تلك، زار العديد

من المناطق، ووصفها، ورسم خرائط لها تُبِيِّن مناطق الزراعة، ومصادر المياه (الينابيع والواحات)،

وطرق التجارة، وغيرها من المعالم الرئيسة. في عام 1933، سلك مواطنه هاري سانت جون فيلبي Harry St John Philby الطريق التي سلكها توماس قبله، جزئيًا، وكان أول أوروبي يقطع صحراء الربع الخالي من شرقها إلى غربها، والجزيرة العربية من البحر

إلى البحر، في رحلة على ظهور الجمال بدأها من الهفوف. وخلال الرحلة كلها قطعت قافلته في تسعين يومًا 1700 ميل. وكان فيلبي يُصرّ على السفر في النهاركي يبصر الأماكن لمسحها ووضعها على

الخريطة. وبما أنه كان على معرفة بالجيولوجيا والأعراق البشرية والتاريخ والآثار والوصف الجغرافي، كثيرة عن هذه المواضع فإنه دوّن ملاحظات كلها. ونشر العديد من الكتب، أهمها: قلب الجزيرة العربية:

. وقدّم The Heart of Arabia: A Record Of Travel And Exploration سجل الأسفار والاستكشاف

الرحالة البريطاني ويلفريد ثيسيجر Wilfred Thesiger، الذي حصل على فرصة قضاء فترة طويلة في عُمان، في أسفاره بين شبه الجزيرة العربية والعراق وإيران وباكستان وغرب أفريقيا، في النصف الثاني من أربعينيات القرن العشرين (1950–1945)، وصفًا للحياة في العمق العُماني، وكان مشاهدًا دقيقًا ومشاركًا، يستخدم الوسائل المبدئية التي يستخدمها عالم الإث ونغرافيا.

((1(تنقّل بلغراف بين البحرين ونجد وقطر والشارقة وعبر سواحل عُمان من السويق إلى صحار، ووصل إلى مسقط والظاهرة

والجبل الأخضر. (1((ويليام جيفورد بالجريف، وسط الجزيرة العربية وشرقها، ترجمة صبري محمد حسن، مج  2 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2001)، ص.9 ((1(مقدمة الترجمة العربية لصبري محمد حسن، في: المرجع نفسه، ص.5 (1((زارنس يورس، أرض اللبان: دراسة ميدانية أثرية في محافظة ظفار بسلطنة عمان، ترجمة معاوية إبراهيم وعلي التجاني الماحي، سلسلة علوم الآثار والتراث الثقافي، مج 1 (مسقط: منشورات جامعة السلطان قابوس، 2001)، ص 13–12، 15،.17 ((1(المرجع نفسه.

(16) Michael Q. Morton, "Thesiger and the Oilmen," Journal of the Petroleum History Institute , vol. 14 (December 2013), pp. 125–139.

كانت مرحلة ضرورية من الناحية التاريخية والمعرفية في سيرورة ستُخلي هذه الأدبيات – التي التعرف إلى "الشرق وعوالمه" – مكانها في وقت لاحق لأعمال أكثر انضباطًا من الناحية العلمية والمنهجية، وسيكون للدرس الأنثروبولوجي كلمته الوازنة في هذا الصدد؛ ومن ثمّ سيتوارى "زمن الرحالة والمبشر والإخباري"، ليخلفه "زمن الأنثروبولوجي وعالم الاجتماع"، بيد أن ذلك لا يعني البتة قطيعة تامة بين الزمنين، فقد بقيت نصوص بعض الرحالة مرجعًا لعدد من أعمال الأنثروبولوجيين المتخصصين.

ثالثًا: المجتمع العُماني والدراسات الأنثروبولوجية الباكرة

يرتبط ظهور الدراسات الأنثروبولوجية في  عُمان بمامرّت به من أحوال عبر تاريخها. لقد بقيت عُمان

شبه مغلقة على العالم إلى حدود سبعينيات القرن العشرين، وكانت أيضًا من أكثر المناطق التي يصعب الوصول إليها في شبه الجزيرة العربية. وبعد عام 1970، عرفت تحّولّات اجتماعية واقتصادية وسياسية كبيرة جًّدًا؛ إذ بدأت تشهد تطوير البنية التحتية، وتأسيس الاتصالات الحديثة البرية والبحرية والجوية مع بقية العالم، وأصبح التليغراف والهاتف واسعَي الانتشار، فضل عن المدارس والمستشفيات. إضافة إلى ذلك، بدأت خدمات الرعاية الاجتماعية وإمدادات المياه والكهرباء تتوسع على نحو سريع ومنهجي. وتم تأسيس القوات المسلحة وقوات الشرطة والخدمة المدنية، وعدد من الوزارات والإدارات الحكومية. لقد وضعت زخارف الدولة الحديثة في فترة زمنية قصيرة جًّدًا مع مفتتح عقد السبعينيات. عُمان الوسطى تُعزى هذه التحولات – على نحو رئيس – إلى اكتشاف النفط في صحراء يمكن أن في عام 1964، وبدء تصديره في عام 1967، فضل عن عامل سياسي مهم هو وصول السلطان قابوس بن سعيد إلى السلطة (عام 1970) ووضعه مشروع تأسيس الدولة العُمانية الحديثة موضع

التنفيذ. وفي هذا السياق، صدرت بعض المراسيم السلطانية ذات الأهمية للمجتمعات الرعوية أُ والبدوية المتنقلة؛ إذ أصبحت هذه المجتمعات مستهدفة بالتنمية، وحصلت على العناية نفسها التي تحظى بها القرى والبلديات والمدن الكبرى في بقية أنحاء البلاد. وقد فسّر القادة من الوزراء والحكوميين هذه المراسيم باعتبارها تستهدف التخطيط لإنشاء مراكز إدارية قبلية في أنحاء الصحراء كلها، وتوسيع نطاق الخدمات الاجتماعية الأساسية التي تشمل الرعاية الصحية والمرافق التعليمية وخدمات الرعاية الاجتماعية، وإتاحتها للرعاة البدو من دون إجبارهم على التخلّي عن أسلوب حياتهم التقليدي.

((1(ذلك ما نلاحظه في أعمال شاتي؛ حيث نجدها اتُحيل على أعمال توماس وثيسيجر، وتؤكد مثل أن المعلومات الأولية عن

قبيلة الحراسيس رُبنيت على تقارير هؤلاء الرحالة، ينظ:

Dawn Chatty, Mobile Pastoralists: Development Planning and Social Change in Oman (New York: Columbia University Press, (1996), p. 168. (18) Dawn Chatty, "Tradition and Change among the Pastoral Harasiis in Oman," in: Muneera Salem–Murdock, Michael M. Horowitz & Monica Sella (eds.), Anthropology and Development in North Africa and the Middle East (Boulder: Westview Press, 1990), p. 336.

في خضمّ هذه التحولات، انطلقت الدراسات الأنثروبولوجية الباكرة التي وفّرت مادة علمية عن مجتمع

كان إلى فترة قريبة من المجتمعات التي لا نعلم عنها الكثير. لقد أجرى عالمَا الأنثروبولوجيا الاجتماعية

النرويجيان فريدريك بارث وزوجته أوني ويكان عمل ميدانيًا في مدينة /صُحار، في الفترة آذار مارس –

آب/ أغسطس 1974 والفترة كانون الأول/ ديسمبر 1975 – كانون الثاني/ يناير 1976. ونتج من هذا العمل الميداني كتاب بارث الموسوم صحار: الثقافة والمجتمع في مدينةعُمانية الذي استهدف القيام بمهمتين: إعطاء صورة عن الحياة والمجتمع في مدينة صحار، وإجراء تحليل للتعددية الثقافية في هذه المدينة وكيفية الحفاظ عليها. أما  كتاب ويكان ما  وراء الحجاب في شبه الجزيرة العربية: المرأة في عُمان، فهو عبارة عن وصف للهوية الجنسية الأنثوية، والفصل الصارم والسائد بين الجنسين، ومفاهيم الحياة الجنسية لدى الإناث التي تكمن وراء مثل هذا النمط السل كوي، أو تشكّل المنطق الثقافي لهذا الفصل الجنسي في مجتمع صحار المسلم. قبل قيام بارث وويكان بعملهما الميداني في هذه المدينة (صحار)، لم يُجرَ أي عمل إث ونغرافي

حقيقي في عُمان. ولذلك، ينظركثيرون إلى منجزهما عن الثقافة والمجتمع في صحار باعتباره "مساهمة رائدة في فهم منطقة أنثروبولوجية كانت غير معروفة حتى ذلك الوقت، وكذلك كتاب زوجته ويكان عن نساء صحار، الذي يذكره فريدريك بارث لكونه مجلدًا قرينًا، ويشير إليه كثيرًا في

كتاباته". وعلى طريقة ما  يمكن أن نسميه "التقليد البحثي"؛ حيث يتشارك الزوجان الدراسة نفسها أو حقلها البحثي، شكّل عمل بارث مث ل بارزًا لعمل فريق في ثقافة شديدة المحافظة والتمييزا والفصل بين الجنسين. تكرر هذا المسلك بزيارة عالم الأنثروبولوجيا الأميركي ديل إيكلمان، وبصحبته زوجته عالمة الأنثروبولوجيا الأميركية كريستين إيكلمان، لعُمان من أجل إجراء بحث أنثروبولوجي خلال الفترة 1980–1979. عاش الاثنان بين أهالي بلدة واحة الحمرا (عاصمة قبيلة العبريين) التي كانت تضم 2500 نسمة، وتقع على الحافة الغربية لمنطقة الجبل الأخضر داخل عُمان، بعيدًا عن الساحل. وحينما  كان إيكلمان منشغل في نقاشاته مع الأشخاص أصحاب النفوذ في المجتمع؛ أي الرجال، أمضت كريستين وقتها في زيارة النساء في بيوتهن وتكوين صداقات معهن. ومن نتائج الدراسة الميدانية، كان كتاب كريستين إيكلمان المثير للاهتمام عن النساء في مجتمع بلدة واحة الحمرا الصغيرة، الذي اتصف بالسرد المباشر والحيوي والشخصي جًّدًا، عن الحياة اليومية في المناطق الداخلية العُمانية. يضاف

(19) Fredrik Barth, Sohar: Culture and Society in an Omani Town (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1983), p. vii. (20) Unni Wikan, Behind the Veil in Arabia: Women in Oman (Chicago: University of Chicago Press, 1991). (21) John Culick, "Review of Fredrik Barth’s ‘Sohar: Culture and Society in an Omani Town," American Ethnologist , vol. 11, no. 2 (May 1984), pp. 205–406.

((2(نعثر على هذا التقليد لدى عدد من الأنثروبولوجيين. فمثل، أنجز كليفورد غيرتز Clifford Geertz مع زوجته هيلدرد Hildred

Geertz عملهما  المونوغرافي المشترك حول نظام القرابة لدى سكان جزيرة بالي الإندونيسية Kinship in Bali. وقبل ذلك، أنجز روبرت لند Robert Lynd وزوجته هيلين Helen Lynd بحثهما  حول المدينة المتوسطة Middletown) (على الم ونال نفسه.

(23) Chritine Eickelman, Women and Community in Oman (New York: New York University Press, 1984).

إلى ذلك ما نشره إيكلمان من مقالات في دوريات علمية، وفصول في كتب عن بعض الموضوعات في مجالات الحياة الدينية والاقتصادية والسياسية في المجتمع العُماني. أعقبت تلك الفترة الأولى من الدراسات الأنثروبولوجية في سلطنة عمان مجموعة محدودة من الدراسات، من بينها دراسات أنثروبولوجية قليلة جريت حتى أواخر عامأُ 1980 حول القبائل الرعوية المتنقلة في سلطنة عمان والمناطق التي تقيم فيها، وأخرى جريت ونُشرت في الفترةأُ 2016–1990، بوساطة أنثروبولوجيتَين أميركيتَين، هما داون شاتي وماندانا لمبرت، ونحتت على م ونال الأنثروبولوجيا الأميركية الذي يتوجّه نحو القضايا العملية في مجالات الصحة والإدارة والتنمية الاقتصادية، ومجالات الحياة الأخرى، كما أشارت إلى ذلك مارغريت ميد.

رابعًا: داون شاتي وقبيلة الحراسيس: أو مساهمة في أنثروبولوجيا البادية

كانت أعمال شاتي ودراساتها الأنثروبولوجية في المناطق التي شملت قبائل الوهيبة والدروع والجنبة والحراسيس مهمة جًّدًا؛ لجهة ما  أمدّتنا به من المعلومات حول طريقة حياتها، وما عرفته من تحّولّات. في عام 1981، بعد وقت قصير من وصولها إلى سلطنة عمان، وبتوجيه من الحكومة العُمانية، اشتغلت بقبيلة الحراسيس، خلال 24 شهرًا، للتعرف إلى حاجات السكان ومشكلاتهم، وتصميم برامج اجتماعية

عملية للتكفّل بها. كانت الحكومة ترغب في إيجاد الوسائل اللازمة لتقديم الخدمات الاجتماعية

((2(يمكن أن نذكر منها:

Dale F. Eickelman, "Religious Tradition, Economic Domination, and Political Legitimacy: Morocco and Oman," Revue de l’Occident Musulman et de la Méditerranée , vol. 29, no. 1 (1980), pp. 17–30; Dale F. Eickelman, "Religious knowledge in Inner–Oman," Journal of Oman Studies , vol. 6, no. 1 (1983), pp. 163–172; Dale F. Eickelman, "Kings and People: Oman’s State Consultative Council," Middle East Journal , vol. 38, no. 1 (Winter 1984), pp. 61–71; Dale F. Eickelman, "From Theocracy to Monarchy: Authority and Legitimacy in Inner Oman, 1935–1957," International Journal of Middle East Studies , vol. 17 (1985), pp. 3–24; Dale F. Eickelman, "Ibadism and the Sectarian Perspective," in: B. R. Pridham (ed.), Oman: Economic, Social and Strategic Developments (London: Routledge, 1987), pp. 31–50; Dale F. Eickelman, "National Identity and Religious Discourse in Contemporary Oman," International Journal of Islamic and Arabic Studies , vol. 6, no. 1 (1989), pp. 1–20; Dale F. Eickelman, "Identité nationale et discours religieux en Oman," in: Gilles Kepel & Yann Richard (eds.), Intellectuels et militants de l’Islam contemporain (Paris: Seuil, 1990), pp. 103–128; Dale F. Eickelman, "Counting and Surveying an 'Inner' Omani Community: Hamra al–ʿAbriyin," in: E. G. H. Joffé & J. R. Pennell (eds.), Tribe and State: Essays in Honour of David Montgomery Hart (Wisbech: MENAS Press, 1991), pp. 253–277; Dale F. Eickelman, "Savoir religieux et éducation dans l’Oman intérieur d’hier à aujourd’hui," in: Marc Lavergne et Brigitte Dumortier (dir.), L’Oman contemporain (Paris: Éditions Karthala, 2002), pp. 231–244; Dale F. Eickelman, "The Modern Face of Ibadism in Oman," in: Angeliki Ziyaka (ed.), On Ibadism (Hildesheim/ New York: Georg Olms Verlag, 2014), pp. 151–164.

((2(فهيم، ص.14 (2((ينظر: داون شاتي (نور الضحى شطي)، الرعاة المتنقلون: التخطيط الإنمائي والتغيير الاجتماعي في سلطنة عمان، ترجمة عمرو المّلح، أحمد الكندي (محرر) (أبوظبي: معالم للطباعة والنشر والتوزيع،.)2012

الأساسية ورفع المستوى المعيشي لهؤلاء السكان الذين كان دأبهم التنقل والترحال، من دون إلحاق الضرر بنمط حياتهم التقليدية، أو إجبارهم على الاستيطان والانضمام إلى المجتمعات الزراعية في عُمان وج ونبها شمال. وعاشت شاتي معظم ثمانينيات القرن العشرين وأوائل تسعينياته باحثةً في قبيلة الحراسيس التي كان عددها حينذاك نحو 3000 شخص يسك ونن جدة الحراسيس. وارتبطت الدراسات التي أجرتها في  عُمان أساسًا بأول مشروع للأمم المتحدة تم إطلاقه في عام 1981، لتلبية

الحاجات التنموية للسكان الرعويين في منطقة هيما الواقعة في منتصف المنطقة الصحراوية. جرى تكريس السنة الأولى من المشروع البحثي لإجراء دراسة أنثروبولوجية عن السكان ورصد حاجاتهم ومشكلاتهم. وركّزت السنة الثانية والس ونات التي تلتها على تنفيذ برامج عملية، من شأنها توسيع الخدمات الاجتماعية الأساسية لهذا المجتمع الرعوي البدوي البعيد والمهمّش. وبذلك، وجدت شاتي نفسها متعقبة لاستجابة إحدى هذه القبائل الرعوية البدوية المترحلة – والأكثر بعدًا حينها عن المراكز الحضرية في عُمان – لسياسة توطينهم؛ ولتمدد مناطق امتياز شركات النفط والغاز والتعدين المتعددة الجنسيات منذ أوائل سبعينيات القرن العشرين. ورصدت الباحثة حالة "مجتمع الحراسيس"، بما هو مجتمع مترحل، عاش عدة أجيال على نمط إنتاج عتيق، أساسه رعي الماشية وبعض المبادلات الاقتصادية الظرفية مع أسواق القرى القريبة؛ ليس من أجل تحقيق الربح، بل لسد الحاجات الأساسية. وقد أثّرت طوبوغرافيا المكان وطبيعة مناخه الصحراوي في سلوك الفرد الحرسوسي المنصهر في بنية اجتماعية قبلية تقوم على مبادئ الطاعة والولاء والتشابه في الأدوار، وعلى نظام حياة صارم ومتقشف. واهتمت شاتي برصد التحّولّات التي شهدتها هذه المنطقة المعزولة

عُمان مع ثمرات التحديث الغربي الذي بدت ملامحه الأولى مع مقدم شركات التنقيب عن في صحراء النفط، والتأثيرات العميقة التي سيخلفها في بنية مجتمع قبلي بدأ ينسلك في خطة التحديث في الحقبة النفطية الحديثة، مع فجائيتها (أي خطة التحديث) وجذريّتها وسرعتها. ولكن يجب التنبيه على أن الباحثة اهتمت بتجاوب مع متطلبات دراسة مؤسسية (منظمة الأمم المتحدة، مع الحكومة العُمانية) بقدر اهتمامها – بدافع الفضول الأنثروبولوجي – ببعض الموضوعات التفصيلية الأخرى التي تنطلق

(27) Chatty, "Tradition and Change among the Pastoral Harasiis in Oman."

شاتي، ص.10 ((2("جدة الحراسيس" صحراء صخرية تقع في قلب الصحراء العُمانية (ج ونب وسط السلطنة) المتاخمة للربع الخالي من شبه

الجزيرة العربية. ينظر:

Dawn Chatty, "Harasiis Marriage, Divorce and Companionship," in: Donna Lee Bowen & Evelyn A. Early (eds.), Everyday Life in the Muslim Middle East (Revised Edition) (Bloomington/ Indianapolis: Indiana University Press, 2002), pp. 121–128. (29) Dawn Chatty, "Multinational Oil Exploitation and Social Investment: Mobile Pastoralists in the Sultanate of Oman," in: Dawn Chatty (ed.), Nomads of the Middle East and North Africa: Facing the 21 st Century , Handbook of Oriental Studies, vol. 81 (Leiden: Brill, 2006), pp. 496–522. (30) Chatty, "Tradition and Change among the Pastoral Harasiis in Oman," p. 342.

(3((عبد  المالك خلف التميمي، الحداثة والتحديث في دول الخليج العربية منذ منتصف القرن العشرين، سلسلة عالم المعرفة 467 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والف ونن والآداب، [كانون الأول/ ديسمبر] 2018)، ص.17–16

من أفق قبيلة الحراسيس، بيد أنها لا تقف عنده، بل تتجاوزه أحيانًا إلى أفق المجال العُماني، حيث اشتغلت بثنائية التقليدي والحديث، ومسائل التغير والتكيف، وبنية الأسرة العُمانية وشبكة علاقاتها، وعمل المرأة، ومكانتها في المجتمع العُماني... إلخ. لقد شكل توطين مجتمعات "الرعاة البدو المترحّلين" معضلة كبرى لعدد من البلدان التي ينتشر فيها نمط العيش هذا، على اعتبار أن توطين هؤلاء الرحّل من السكان المهمشين هو الطريقة المُثلى

كيما لدمجهم يتوافقوا مع تطلّعات الدولة الوطنية الحديثة. وهو ما  ألمعت إليه الباحثة في دراستها: "الحراسيس الرعويون في تّعُمان بين التقليد والتغيير"؛ إذ بّين كيفية تغُّيُر الأنماط التقليدية للتبادل بين

أسر الحراسيس إلى حد بعيد، وكيفية اضطراب توازنهم الاقتصادي في الس ونات التي أعقبت عمليات اكتشاف النفط في مناطقهم واستغلاله. لقد خلقت الخدمات الحكومية و"الإغراءات الاقتصادية" التي جلبتها عملية التحديث، واتصال رجل القبيلة الحرسوسي بهذه الخدمات، واقعًا تجاوز حدوده التقليدية، وهو ما جعل "مفهوم" الحكومة والدولة الذي لم يكن يعني لديه شيئًا سوى أنه شيء أو مكان ما بعيد عن حدود أراضيه القبلية، يحتل موقعًا أكبر من نفسه ومن قبيلته. هنا،  تُطرح بقوة مسألة "الهوية" و"الوعي السياسي"؛ فالحراسيس صاروا لاينظرون إلى أنفسهم بصفتهم أفرادًا من الحراسيس فحسب، بل بصفتهم مواطنين من بقية الشعب الذي يبني عُمان أيضًا. لقد حصل انزياح في تمثلات معنى الهوية لدى أفراد هذه القبيلة خلال س ونات قليلة. إن هويتهم في مستوى واحد تغيّرت من الجمعية إلى الفردانية، وباتت هوية القبيلة تنحسر وتتراجع تدريجًّيًا، لتحلّ محلها

هوية أكثر اتّساعًا، وهي الانتماء إلى الدولة الوطنية الحديثة والانغماس فيها. هذا الوعي السياسي تصفه شاتي بأنه بسيط، لأن مسألة الوطنية والولاء للوطن، لم تكتمل صورتها "المفهومية" والتطبيقية لدى الحراسيس. ومع ذلك، فهي تقيّمه بأنه مُرضٍ، لأنه لا  يزال في بداياته، والزمن كفيل بتعميق فهم

الفرد للطبيعة المتعدّدة الجوانب للهوية؛ الهوية القبلية والهوية الوطنية. في السياق نفسه، سياق الاشتغال بالمجتمعات الرعوية المترحّلة، وبصعوبات التحول من هذا النمط إلى نمط معيشي معدّل هو ونتائجه، ناقشت الباحثة في دراسة أخرى عن الحراسيس، هي "الاستغلال العالمي المتعدد الجنسيات للنفط والاستثمار الاجتماعي: الرعاة البدو المتنقلون في سلطنة عمان"، جهود حكومات الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي وسياساتها إزاء إشكالية تثبيت القبائل والجماعات المترحلة على الأرض، ومخططات توطينهم لتغيير نمط عيشهم ودمجهم في العملية

(3((يمكن مراجعة هذه الموضوعات وغيرها ضمن حزمة من 22 دراسة أنجزتها شاتي في الفترة 2016–1983، في:

"Articles," Nomads in Oman , accessed on 28/11/2023, at: https://tinyurl.com/yck35pw3 (33) Chatty, "Multinational Oil Exploitation and Social Investment," p. 500. (34) Chatty, "Tradition and Change among the Pastoral Harasiis in Oman," p. 348. (35) Ibid. (36) Ibid., p. 348;

شاتي، ص.42

التنموية، والصعوبات التي اعترضت هذه العملية. بيد أنها نحت منحى أكثر نقدًّيًا لبعض الخيارات التي

جرى التركيز عليها، بخاصة في أثناء مناقشتها المقاربة التنموية التي اتّبعتها الحكومة العُمانية حينذاك، وهي مقاربة ارتكزت على فكرة إدماج هذه المجموعات السكانية في دينامية اقتصادية، تُمّكنها من الإسهام في الناتج الإجمالي للدولة، حيث جرى – بحسب رأيها – التركيز على تعليم المهارات الحرفية (الخياطة والغزل والنسيج... إلخ)، أو تطويرها، وهي تؤدي إلى إنتاج سلع يمكن تداولها وبيعها في المناسبات الثقافية الس ونية التي ترعاها الحكومة، لكنها لم تدعم مثل عملية تحسين نوعية الماشية وأنظمة نقل الحيوانات، على الرغم من أن هذه العملية هي النشاط الأساسي لهذه المجموعات، وترى أن مردّ ذلك محاكاة برامج التنمية للمجتمع الزراعي لمزارعي الواحات، وترى أيضًا أنه لم يكن لهذا الخيار إّل فرصة ضعيفة لإحداث تأثير طويل المدى في السكان الرعويين، لأن المبدأ التنظيمي لحياة البدو هو الثروة الحيوانية، والروتين اليومي والموسمي، وهجرتهم واستقرارهم الظرفي متعلق بتلبية حاجات قطعانهم. مهما يكن من أمر، فإن هذه العلاقة التي باتت تربط بين المجتمع البدوي والحكومة أسهمت، من دون شك، في تغير الحراسيس، ودعمت رصيد تجاربهم وطريقتهم في إدارة نشاطهم، وأدّت دورًا في إعادة

تشكيل هوية منفتحة على أفق القبيلة من جهة، وعلى أفق الوطن من جهة ثانية.

خامسًا: الزواج والطلاق وعمل المرأة: موضوعات أخرى في أجندة شاتي البحثية

بعيدًا عن قضايا التنمية وشواغلها، نَفذَت شاتي إلى مساحة حساسة تسمح لنا بإبصار المجتمع الحرسوسي من الداخل، وذلك من خلال دراستها "مسائل الزواج والطلاق والرفقة في قبيلة الحراسيس" التي أشارت فيها إلى أن الرجال والنساء من الحراسيس تواجههم الصعوبات نفسها في علاقات بعضهم ببعضهم الآخر. فالزيجات، مثل، تجري عادةً لربط أفراد العوائل من هذه القبيلة، أما النمط الزواجي الشائع بينهم، فهو زواج أبناء العمومة، أو ما نسميه زواج الأقارب؛ حيث تُعد تنشئة الأطفال والصحبة الهدف الرئيس لهذه الممارسة. يجمع هذا الشكل من الارتباط أفراد الأسرتين كلهم، وليس الزوجين فحسب، لذا يتلقى بعض أفراد القبيلة الدعم والمساندة من بعضهم الآخر في أوقات الأزمات أو النزاعات أو الخلافات. وتتماشى الحلول وجهود الصلح لأي نزاع أو خلاف مع حدود طبيعة البيئة الثقافية للقبيلة وضوابطها؛ مثل المرونة والتكيّف والتراضي والصفات الفردية. ولمتُفلت العين الأنثروبولوجية للباحثة بعض طقوس

الزواج والطلاق وخدمة العروس عبر ما يمكن تسميته "الزواج المؤجل" الذي قد يستمر ثلاث س ونات أو أربع، أو الانفصال المؤجل، وكذا تنبيهها على التحولات التي امتدت إلى منظومة الزواج في قبيلة الحراسيس، حيث بات التعدد خيارًا واقعًا، على الرغم من أنه كان نادرَ الوقوع من قبل.

(37) Chatty, "Multinational Oil Exploitation and Social Investment," pp. 496–522. (38) Chatty, "Harasiis Marriage, Divorce and Companionship," pp. 121–128.

كان لخصوصية موضوع المرأة في المجتمعات الشرقية نصيب من اهتمامات الباحثة عبر بعض أعمالها؛ إذ تحفر شاتي، في دراستها "النساء العاملات في"عُمان: الاختيار الفردي والقيود الثقافية، في ظاهرة تردد حكومات دول الشرق الأوسط ومقاومتها السماح للنساء بالتجمع في تنظيمات رسمية، نظمونها ووجود القليل من الروابط والنقابات والتعاونيات النسائية التي غالبًا ما يُؤسسها الرجال وُي

بإحكام، وافتقاد الجماعات النسائية غير الحكومية المستقلة في هذه الدول المحافظة كلها، وتُعتبر هذه الجماعات – بحسب رأيها – تهديدًا للأنظمة الاجتماعية، وتحديًا لسيطرة الدولة الصارمة على النساء، مشبهة إيّاها بحال الدول الاشتراكية الراديكالية؛ إذ  تُعتبر تخريبية لكونها تتحدى الرأي العامحول الأهداف الوطنية المناسبة لتعبئة المرأة. في هذا الصدد، ظُتةْ هِر الباحثكيف أنّ موقف الحكومة العُمانية تجاه تشكيل الجماعات النسائية، في الفترة بين سبعينيات القرن العشرين وتسعينياته، يعكس التحول من موقف منفتح ومتسامح نحو الجنسين إلى تعريف صلب ومحافظ ثقافيًا لسلوك المرأة بصفة خاصة، وكيف جرى تأميم الجمعية النسائية التي

أسستها نساء من سر النخبة التجارية الرائدة آنذاك؛ حيث جرى توحيدها ضمن بنية بيروقراطية تحت أُ إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وكيف جرت مراقبة هذه الجمعية وتوجيه أنشطتها من جانب الرجال الذين أداروا الوزارة، وكيف جرى الحظر المنهجي لمشاركة المرأة في بعض الأنشطة، وَم نْع النساء من الانتظام في جماعات، واستبعادهن من بعض البرامج التعليمية، وصرفهنّ عن دخول مهن

معينة، ظُن رَ إليها باعتبارها غير مناسبة للإناث. وهكذا، عندما تُشكّل النساء جماعات، لا يُقبَلن في

الجماعات الرسمية إّل عندما يتطابقن مع المثل الثقافية التي تحددها الدولة، والتي تضعهن في إطار أدوار الرعاية والتربية وتقديم مبادئ السلوك العام. وبناءً عليه، لا يُسمح لهن بتشكيل جماعات إّل في

نطاق المنظمات الخيرية التي تتكفل بالمحتاجين أو المعوّقين. وغالبًا ما يحظر القانون أي أشكال

أخرى من الجمعيات، بما في ذلك مجموعات المساعدة الذاتية، والتعاونيات المدرة للدخل، وفرق المتطوعات الماهرات المحترفات. تُشدّد الباحثة أيضًا على أنه عندماتنظم النساء أنفسهن في جماعات لا توافق الحكومة على أنشطتها، ينظر إليهن باعتبارهن تهديدًا لهيكل السلطة في الدولة التي يهيمن عليها الذ وكر؛ ولذلك غالبًا ما  تتبدى

النساء الشرق أوسطيات في المخيال الغربي بصفتهن ظلال صامتة، أو ضحايا لا حيلة لهن إزاء

(3((من هذه الدراسات:

Dawn Chatty, "The Burqa Face Cover: An Aspect of Dress in Southeastern Arabia," in: Bruce Ingham & Nancy Lindisfarne (eds.), Languages of Dress in the Middle East (London: Routledge, 2014), pp. 127–148; Dawn Chatty, "Women Working in Oman: Individual Choice and Cultural Constraints," International Journal of Middle Eastern Studies , vol. 32, no. 2 (2000), pp. 241–254.

ونُشرت هذه الدراسة الأخيرة باللغة الفرنسية أيضًا. ينظر:

Dawn Chatty, "L’activité féminine en Oman: Choix individuel et contraintes culturelles," in: Marc Lavergne & Brigitte Dumortier (dir.), L’Oman Contemporain: État, territoire, identité (Paris: Editions Karthala, 2003), pp. 261–278. (40) Chatty, "Women Working in Oman," p. 241. (41) Ibid., p. 248.

العادات والتقاليد القمعية، وأنهن لا يستطعن تشكيل مجموعات بمفردهن ومن أجلهن ولمصلحتهن، كما يُمنعن من الدخول كلًّيًا في المجال العمومي. وخلال العقود القليلة الماضية، مع الانفجار

في البحث والنشر والاعتراف بالنساء بصفتهن أشخاصًا ذوي حقوق في الشرق الأوسط، أصبحن

ممثلات في ميادين السياسة والاقتصاد، يدافعن عن أنفسهن ويكافحن ويفكرن في حياتهن ومستقبل مجتمعاتهن. ومع ذلك، لا تعترف الدولة الأبوية بالقوة التحويلية لسلوك النساء المعاصر، اللاتي يدفعن بتعريف السلوك "المقبول" أو "التقليدي" إلى ما هو أبعد من ذلك الموجود في الوثائق الرسمية والتشريعات المحلية والإقليمية التي لها جمهورها من الذ وكر. تعتبر البيروقراطية الرسمية الجهود التي تبذلها هؤلاء النسوة لتشكيل جمعية مدرّة للدخل أو تعاونية،

غير مناسبة لهن وللمجتمع كلّه، ويدرك أسياد النسق مثل هذا النشاط الجماعي باعتباره سل وكًا يزعزع سلامة الثقافة السائدة في المجتمع، لأنه يرتحل بالنساء إلى مساحات لا تعتبر مناسبة لهن، حتى في المراكز الحضرية التي يقوم فيها توجيه الرجال بدفع النساء إلى العمل في مجالات عمل خاصة يوافق عليها الرجال. هذا ويجدر التنبيه إلى أن رؤية شاتي لموضوع المرأة في المجتمعات العربية والمجتمع العُماني، على وجه التحديد، تعكسُ في بعض جوانبها الموقف الغربي على الإجمال، هذا الموقف الذي أشارت

إليه هي نفسها بنَف سٍ نقدي، وإنْ بقيت تصدر في تقييماتها ونظرتها لتفاصيل المجتمع العُماني إزاءه عما عايشته في خبرتها الثقافية الغربية دونما تحقيق لمبدأ المسافة في أثناء التعامل مع الظواهر الثقافية، ودونما جهد تفهمي واضح يتيح لها رؤية هذا الموضوع من منظور متعدد ونسبي. فالنساء في عُمان حققن حتى تلك الفترة – ولا يزلن يحققن – مكاسب لا يمكن تجاهلها، ثم إنّ مجتمعًا بقي إلى حدود مفتتح السبعينيات منغلقًا على ذاته (شبهته بمجتمع التبت) لا يمكن أن يتحوّل في فترة قصيرة تحّولاّاا

طفريًا، يفقده توازنه الاجتماعي والثقافي الذي كان قائمًا حتى ذلك الوقت. ومهما يكن من أمر، تبقى

.موضوعات على هذا المستوى من الحساسية مج ل ثّر يًا للتحيزات الثقافية والمعرفية في دراسات أخرى، تتبّعت الباحثة الأسرة المعيشية الحرسوسية – في الفترة مجال الدراسة – بما هي

مزيج بات يتداخل فيه التقليدي والمستحدث، مركّزة على شمولية الوجود اليومي، ومستعرضة الأنماط الثقافية التقليدية وما بات يطاولها من التكيفات الجديدة، اُم مَايِزة مبين أرباب الأسر الذين تفرغوا

لتربية الحيوانات بوصفها نشاطهم التقليدي الرئيس وأولئك الموظفين محلّيمّا بدوا كامل، الذين

التحقوا بشبكة الوظائف الجديدة في انزياح واضح بات يمسّ مواقعهم ضمن نمط الإنتاج والنشاط

الاقتصادي التقليدي، مشيرةً إلى الدور الذي باتت تقوم به النساء الحرسوسيات – في مناقضة للفكرة القائلة بنزعتهن المحافظة – حيث بتْن يكافحن من أجل تعليم أنفسهن وبناتهن، ويقمن في إطار العلاقات الجندرية بدور جديد يضطلعن به في المجتمع.

(42) Ibid., p. 241. (43) Ibid., p. 251.

(4((شاتي، ص.42–41

وارتباطًا بعمل شاتي الميداني المتعلق بالحراسيس، اقتربت – مرة أخرى – من مسألة الهوية الوطنية وما تعلق بجهود الدولة في تدعيم مركزها السياسي ضمن مجتمع مجزأ Segmentary Society – إذا استخدمنا مصطلح المدرسة الانقسامية – باشتغالها بما ما يرتبط بالنظام السلطاني من بروت وكولات واحتفالات ولقاءات وزيارات شعبية ورسمية، ومراسم القصر الاحتفالية، ومقار الإقامة، ومجموع الرموز والشارات والشعارات والميداليات والأوسمة والجوائز، التي ابتكرتها وفصّلتها وطوّرتها الدولة

وقيادتها السياسية في عُمان بعد تولي السلطان قابوس العرش. إن الشروع في تقريب الدولة من المجتمع وتوحيد النظام؛ أي السهل مع الجبل، والداخل مع الساحل، والشمال مع الج ونب، احتاج – بحسب شاتي – إلى رموز وتقاليد جديدة. وبناءً عليه، كانت هذه

البروت وكولات والطقوس مدروسة ومُصَّممة من أجل غرس نظام من القيم والتصورات تدور حول فكرة

دولة واحدة مركزية ومتماسكة. وأهداف هذه الأشياء المبتكرة – بحسب شاتي أيضًا – كانت لازمة لإضفاء الشرعية على شخص السلطان، وإنتاج السلطة السياسية والسيادة الوطنية وتوطيدهما، وخلق هوية وطنية جامعة وشعور مشترك بالمواطنة والتماسك والانتماء إلى أمة واحدة بين السكان، وخاصة الرعاة البدو.

سادسًا: ماندانا لمبرت في مدينة بهلاء: أو مساهمة في أنثروبولوجيا الحواضر

قامت لمبرت بإجراء عمل ميداني في مدينة بهلاء، الواقعة في محافظة الداخلية، في سلطنة عمان، في أواخر تسعينيات القرن العشرين (1997–1996)، وأعقبته بزيارة للمنطقة نفسها في عام 2002. وكان من نتائج عملها نشرُ عدد من الأعمال العلمية التي حفرت في موضوعات كثيرة، يتعلق بعضها بالماضي

البهلاوي، وبعضها بالحاضر، من خلال استقصاء مستويات الإدراك والتجارب اليومية ذات الصلة بالتغيرات الكبيرة – التي باتت تلقي بثقلها على القيم والرموز والتمثلات، ومختلف جوانب الحياة الأخرى المادية والاجتماعية والثقافية والرمزية – الناجمة عن توظيف عوائد الريع النفطي. عالجت الباحثة في دراساتها موضوعات ذات صلة بسيرورة الحياة الاجتماعية وخطاب الحياة اليومية للمرأة البهلاوية، وذات صلة أيضًا بالتعليم الديني والتعليم الحديث، إضافة إلى موضوعات عن تمثّل الماضي، وعن العرق والنسب، والثروة والتنمية، وجوانب من التاريخ الاجتماعي والثقافي لبهلاء، وعن البنى المتغيرة للبيئة العمرانية ونظام الحكم، والقيم، وتمثلات الإنسان البهلاوي حول بعض موارد الطبيعة المحلية؛ كالتمر والماء، وغيرها من الموضوعات التي تناولتها الباحثة من أفق تحليلي عميق. وفي دراستها "التمر المقدس: هبة الله في بلدة عُمانية"، تستكشف الباحثةكيف أن التمر في تصورات أهل مدينة بهلاء  يُعدّ من عطاياالله ونعمه التي تجسد بعض صفاته أو آياته (مثل: قدرته وكرمه وعطائه)،

(45) Dawn Chatty, "Rituals of Royalty and the Elaboration of Ceremony in Oman: View from the Edge," International Journal of Middle East Studies , vol. 41 (2009), pp. 39–58. (46) Mandana E. Limbert, In the Time of Oil: Piety, Memory & Social Life in an Omani Town (Stanford: Stanford University Press, 2010).

وشيئًا أساسيًا في الحياة اليومية. وتبحث في الكيفية التي بها تصبح الحياة الدنيوية – من خلال تقدير قيمة

هذه الهبة الإلهية في الحياة الاجتماعية والعناية بأشجار النخيل– مُفعمة بالمعتقدات والممارسات  الدينية

ذات الصلة. وتتطرق إلى منزلة التمر، وتأثره بتغيرات الحياة اليومية والتحّولّات في مفاهيم التدين، وكيف

أنه لم يعد يحمل صفة القدسية التي كان يحملها سابقًا، وهي ترى أن قدسية التمر في عُمان تظهر من خلال طعمه الحلو، وإمكان نقله من مكان إلى آخر، وفائدته الغذائية للجسم التي تربطه بمجموعة من الميادين المختلفة، وترتبط قدسيته كذلك بالزيارات الاجتماعية والمسؤولية الاجتماعية والبقاء واحترام الملكية العامة والحكم الرشيد. إن القدسية هنا ليست مجرد نظام من القيم يدخله التمر ويخرج منه، وليست تمثل ينتمي إلى مجال يقع وراء ما هو "دنيوي"، بل تظهر باعتبارها جزءًا خالصًا من مزيج ما يقوم به التمر من أدوار متعددة في

الحياة اليومية. وتستخدم لمبرت كلمة "مقدس" بتحفظ وبطريقة مختلفة عما هو معتاد؛ أي بغير طريقة صَونْ فِ الأشياء والنصوص والكتب المقدسة في سياقات أخرى. هو مقدس لأنه يعتبر هبة مالله،

وهي صفة أقرب إلى مفاهيم الإعجاز والإبهار ومعجزات مخلوقات الله سبحانه من مفاهيم القوى الخارقة للطبيعة المنبثقة منها. وهكذا، يصبح مختلفًا عن الأوثان التي يُعتقدكثيرًا أنها تجسيد للآلهة،

عن الأصنام التي غالبًا مافضل  تكون تماثيل رمزية للآلهة. تشغل الواحة والنخيل والتمر مركزًا مهًّمًا في التاريخ الاجتماعي والثقافي لمدينة بهلاء، بل بالنسبة إلى

كثير من المدن العُمانية التي يحضر فيها شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي الزراعي أيضًا؛ فحركة السوق والِّدلِالة، والشراء الموسمي لثمار النخيل، والحصول على المساحات وتوزيعها وتأجيرها، وعادات الضيافة... إلخ، شكّلت كلّها مفردات حياة الفرد العُماني، وشرطت حّيزً ا وازنًا من نشاطه الاجتماعي

اليومي والموسمي. إنّ التمور، من أجل ذلك كله، هي – بحسب رأي الباحثة – مقدسة، ليس لأنها تُجسّد حلاوة الطعم فحسب، بل أيضًا لأنها جزء لايتجزأ من المسؤوليات الاجتماعية للحياة اليومية في

بهلاء؛ فحتى التقويم الزمني يشغل فيه النخيل والتمر ومتعلقاتهما مكانة محورية، ذلك أنّ التمور وإنتاجها لا يدخلان الحياة الاجتماعية في بهلاء من خلال طقوس التفاعل اليومي أو ذكريات الماضي فحسب، بل من خلال ممارسات الوقف الديني وتمييز الزمن أيضًا. فبعض الناس – كما تقول الباحثة – قد ينصرفون إلى حادثة ماضية؛ لا إلى الشهور القمرية أو الشمسية، بل إلى موسم الطني والجني أو التأبير أو التأجير. وتطرقت الباحثة إلى تحوّل وضع التمر، وتأثره بتغيرات الحياة اليومية والتحّولّات في مفاهيم التدين،

وكيف أنه لم يعد يحمل صفة القدسية نفسها التي كان يحملها في السابق. فهي تشير إلى التحول الذي مَّسَ المنظومة الثقافية البهلاوية ذات الصلة بالتمر؛ حيث حجبت التحولات المادية مركزيته بما هو غذاء

أساسي للناس، فلم يعد أمر قدسيته على ما  كان عليه، بخاصة مع ثنائية الوفرة والندرة. وإذا كان للتمر مركزيته في مختلف حقول الممارسة الاجتماعية، وقدسيته في مجال القيم والمعتقدات التي نسجها الإنسان البهلاوي حول محيطه الطبيعي، فإن للماء مركزيته الخاصة أيضًا؛ بما هو مصدر

(47) Mandana E. Limbert, "The Sacred Date: Gifts of God in an Omani Town," Ethnos , vol. 73, no. 3 (2008), pp. 361–376.

للحياة في المجتمعات الواحية، وفي نطاق يعد فيه موردًا عزيزًا ونادرًا. فالماء ليس مجرد معطى طبيعي

فحسب، بل هو معطى ثقافي، خلعت عليه الثقافات الشعبية معاني التعظيم والتقديس والأسطرة، سواء من حيث مصدره (عيون، وأفلاج، وآبار، وغيرها)، أو من حيث قيمته الذاتية (للاستحمام، والاستشفاء، والتبرك... إلخ)، أو من حيث طرائق استجلابه وتدبيره لإدارة اقتصاد الواحة. ففي دراسة "الأحاسيس تجاه المياه في مدينة "عُمانية، تتحدث الباحثة عن مواقف ثلاثة مرت بها، وذلك في أثناء بحثها الإث ونغرافي الذي اهتم باستكشاف الخطابات والتصورات والأنظمة الشعورية والذاكرات التي تتشابك في إطار عملية تغيير التقنيات والممارسات الخاصة بتوزيع المياه في بهلاء. وفي هذه المواقف البحثية الإث ونغرافية لا عُمان خلال الثلاثين تظهر التحّولّات التي حدثت في

عامًا السابقة للدراسة باعتبارها رموزًا أو شعارات راسخة ل "التقدم"، ولا باعتبارها توترات أو ضغوطًا معقدة. ويتشابك نظام توزيع المياه المتغير مع حشد من الخطابات والممارسات المتغيرة أيضًا، بشأن الماضي والاعتدال الديني والملكية. وتكشف دراسات لمبرت عن هذه التشابكات وتوليدها لتوترات في الأساليب التي يتحدّث بها الناس عن ذاكراتهم وعلاقات بعضهم ببعضهم الآخر ويجابهونها. وتستخدم الباحثة، متأثرةً بنيكولاس توماس Nicholas Thomas مصطلح "التشابك" Entanglement؛ ليس للابتعاد عن الفكرة التي تستوجب تفسير استجابات السكان المحليين أو ممارساتهم من خلال شيء من التوضيح لنظام ثقافي بديل فحسب، بل لتأكيد الطرائق التي بها تتشابك استجاباتهم لتقنيات توزيع المياه الجديدة في العديد من الخطابات والممارسات الأخرى أيضًا، ومنها السياسات المتصلة بالحنين إلى الماضي، وال ونع الاجتماعي، ونظام التعليم والدين والتمايز الاجتماعي وقضايا العمل. عُمان تقع على نحو مباشر بين افتراضات جرت أقلمتها وتجد الباحثة أن ممارسات توزيع المياه في محلًّيًا مفادها أن التنمية (في شكل مواسير المياه والمضخات الآلية والرشاشات) ضرورية لتحقيق

الدولة الناجحة، والمفاهيم القائلة إن الأشكال القديمة لتوزيع المياه ترمز إلى ماضي عُمان وقيمه ومعارفه. ومع ذلك، وفي الوقت نفسه، تتشابك النظم السابقة والجديدة للتوزيع في الأشكال المتغيرة للمعاني والسياسات المتعلقة بالمعارف المرجعية والأخلاق الدينية واقتصاد الدولة النفطية، وفي الصراعات الدائرة حولها أيضًا. في دراسة أخرى ذات صلة، ع ونانها "الموارد السائلة في عُمان: النفط والماء، والعلاقات السببية، في المنطقة الج ونبية من شبه الجزيرة العربية"، تبحث لمبرت حالة الصمت حول التنقيب عن النفط واكتشافه، وتقارن في الوقت نفسه بيانات لدور النفط في التحولات التاريخية في عُمان بالطرائق التي يظهر فيها الماء في التأريخ والمعلومات التاريخية العُمانية. وفي الوقت الذي بدا فيه النفط، لحظة اكتشافه، قوة محدودة في إحداث التغيير، حيث يمكن أن يكون سببًا رئيسًا للمصاعب المستقبلية

التي قد تنتج من نفاده، تجادل الباحثة في أن الماء لا يوصف بأنه دليل على الرضا أو الغضب الإلهي

(4((عالجت لمبرت الموضوع نفسه في كتابها. ينظر:

Limbert, In the Time of Oil , pp. 115–133. (49) Mandana E. Limbert, "The Senses of Water in an Omani Town," Social Text , vol. 19, no. 3 (2001), p. 37.

فحسب، بل باعتباره محّفضّ زًا وعنصرًا إعجازيًا أو خارقًا للعادة أيضًا. وبناءً على ذلك، تطرح بع

الأسئلة وتحاول الإجابة عنها: كيف تتشَّكَل الموارد الطبيعية المختلفة في التخيلات المؤقتة؟ وكيف تعمل على تأطير العلاقات والتسلسل الزمني فيما يخص التحول، وتحديدًا العلاقات والتسلسل الزمني للأسباب والنتائج؟ من أجل فهم الرؤى حول المستقبل البيئي، ترى لمبرت أننا قد لا نحتاج إلى الاهتمام بأشكال التخطيط، والتوقعات، والتنبؤات التي تشِّكِل المعرفة أو الإحساس بالمستقبل فحسب، بل قد نحتاج أيضًا إلى دراسة ما يلي: كيف تُربط العلاقات السببية والأحداث المهمة بموارد طبيعية معّينة؟ ولماذا؟ وتؤكد

أن الماء قد  رُبط بحكم رجالالدين وبوجود الله، في حين ينظر إلى النفط باعتباره الأكثر سرعة في

هو غير  – بما الزوال ونتاجًا لتدخلات وسياسات البشر المنبثقة من تاريخ سياسي مشحون – إلى حٍّدّ ما

مرغوب فيه. وبينما يبدو الماء محّفبّ زًا للأحداث ومسّبًا للتغير، حين يعمل بوصفه دلالة ووسيلة للقدرة

الإلهية، يبدو النفط سببًا أقل أهمية في ما شهدته البلاد من تحوّل، على الأقل في فترة ظهوره.

لذلك، تسود حالة من عدم اليقين بين البهلاويين بشأن المستقبل، ما إن يُستحضر الحديث عن مستقبل

هذا المورد المعرّض للنضوب (النفط)، ويظهر عدم اليقين في إحجام هؤلاء عن تقديم تصريحات

تتوقع ما هو قادم، فهم يكتفون بترديد عبارة "إن الله وحده أعلم"، والطرائق التي أصبح بها هذا الإحجام أكثر بروزًا في ضوء التوقعات حول إمدادات النفط في عُمان والمخاوف بشأن الخلافة السلطانية، حيث تمتزج قضايا إمدادات النفط المحدودة، والسلطان الفاني، وإدراك أن المستقبل لا يعلمه البشر، لتكوين رؤية مشوشة حول المستقبل وإحساس لديهم بالحاضر على أنه غريب جًّدًا. و"في أطلال بهلاء: إعادة بناء وترميم القلاع والأسوار المتهالكة في مدينة عُمانية"، تدرس لمبرت التغييرات الكبيرة التي استهلها حكم السلطان قابوس: إنشاء الطرق المعبدة، وربط المدن بعضها ببعض، بطريق رئيسة من أجل تشكيل جزء من "العمود الفقري" لأمة موَّحَدة خاضعة لحكومة مركزية،

وغيرها من مشاريع تطوير البنية التحتية التي أصبحت أيقونات للتحدي العُماني منذ عام 1970، بما في ذلك نظام الإدارة الجديد. وتركز الباحثة بالتحديد على الكيفية التي بها أصبحت الهياكل المعمارية الأخرى (القلاع، والأسوار، والأحياء) – التي ساعدت في الحفاظ على النظام في مدينة بهلاء في الماضي – خرابًا، والكيفية التي بها تغيرت هذه الهياكل، علاوة على دراسة التصورات والترتيبات

المختلفة التي ظهرت في أعقاب هذه التغيرات. وتتساءل الباحثة: كيف أعادت الدولة الجديدة تشكيل آثار السلطة السابقة؟ وكيف يتعامل الناس مع ذلك؟ وماذا تكشف المشاعر المتحِّوِلة تجاه هذه الآثار

عن علاقات الناس بالماضي وبإدارة النظام المحلي؟ هنا تظهر أنواع ثلاثة من الهياكل الموجودة في بهلاء: الهياكل التي دُمجت في مشاريع الدولة المتصرفة في التراث المعماري، والهياكل التي تُجوهلت أو تُركت للخراب، والهياكل التيحُوّلت إلى نظم

(50) Mandana E. Limbert, "Liquid Oman: Oil, Water, and Causality in Southern Arabia," Journal of the Royal Anthropological Institute , vol. 22, no. 1 (2016), pp. 147–162. (51) Limbert, In the Time of Oil , p. 18.

بيروقراطية وإدارية جديدة. وترى الباحثة أن الأنواع الثلاثة من الهياكل كانت أساسية لإدارة النظام في الماضي، وتكشف في تغيرها، في ظل النظام الجديد، الطرائقَ التي بها تحَّوَل نظام الحكم وطريقة

حفاظ الشرطة على القانون والنظام في الدولة. وتقول الباحثة: في حين أن أساليب الفهم والممارسات "المحلية" المرتبطة بهياكل المدينة قد تكشف عن وجود اختلافات مع الروايات على المستوى الوطني في الدولة، سواء في المراكز الحضرية الكبيرة أو في البلدات الأصغر، فإن ما هو "محلي" يكون مشبعًا بصراعات القوة والتوترات، وبما تشهده عملية إدارة النظام الاجتماعي من اضطرابات، وتركز على الذاكرات والتحولات الإدراكية المرتبطة بأشكال الحكم المتغيرة في بهلاء، تلك البلدة المتوسطة الحجم التي تقع خارج منطقة العاصمة، ويتم دمجها على نحو متزايد في بيروقراطية الدولة الوطنية الحديثة وتاريخها. وهي تقوم بدراسة الكيفية التي بها تحوّلت القلعة من مركز سياسي – عسكري

محلي وإقليمي إلى متحف قومي؛ ما ساعد في تشكيل علاقات بالماضي أكثر تجريدية وأقل شخصية كما تدرس الكيفية التي بها بقي سور المدينة المهدّم الذي لم تعد أسطورة أصله وعظمته رمزين معترفين بهما للهوية البهلاوية، على نحو يشِّكِل شعور بعض الناس في حدود النظام وقدراته الحمائية.

خاتمة

تعود الدراسات التي جرى الاعتماد عليها في هذه الدراسة إلى فترة ماضية (تسعينيات القرن العشرين)؛ ولذلك فهي تعكس، من دون شك، اللحظة التي كتبت فيها، وتعكس هواجس الباحثتين شاتي ولمبرت بالمشكلات والظواهر التي لفتت انتباههما. وبناءً على ذلك، فإن طبيعة الموضوعات التي جرى

الاشتغال بها (النساء، والنفط، والمجتمعات المترحلة، والماء، والتمر... إلخ) هي موضوعات كان لها بعض الحضور في سياق المجتمع العُماني في طور تحوّله، أو في طريقه نحو التنمية بعد تولي

السلطان قابوس إدارة شؤون الدولة (عام.)1970 يلاحظ كل مطّلع على نصوص هذه الدراسات شيوع المسلك الوصفي والتسجيلي الذي ينزل، في بعض الأحيان، إلى مستوى سرد تفاصيل شخصية قد لا تكون مهمة بالضرورة للدرس الأنثروبولوجي الذي يفترض أن ينطلق من تفاصيل المشهد اليومي؛ ومن ثم يسعى للتنظير لها، بدل من إعادة استرجاعها على نحو أفقي. ولعل مرد ذلك هو قلة المنتج الأنثروبولوجي الذي اشتغل بالمجال العُماني حتى تلك الفترة؛ فالمعلوم أن الخطاب الأنثروبولوجي، على غرار أي خطاب علمي، يتطور ويبتني بعضه على بعضه الآخر. وعلى الرغم من بعض الإحالات على دراسات وأعمال سابقة، يرجع بعضها إلى الفترة السبعينية، استعانت بها النصوص التي راجعناها، فإنها لا تحضر بقوة. إن أعمال شاتي تنطلق في أغلبها من مواقف حدثت عرضيًا في المجتمع المحلي موضع الدراسة، وتركز

في مجملها على قضايا الحداثة والأصالة والتراث المثارة بشأن التغير الاجتماعي والثقافي السريع. كانت الأنثروبولوجيا التطبيقية التي تسعى للاستفادة من المخزون المعرفي الأنثروبولوجي في وقد

(52) Mandana E. Limbert, "In the Ruins of Bahla: Reconstructed Forts and Crumbling Walls in an Omani Town," Social Text , vol. 95, no. 26 (2008), pp. 83–103.

ال وناحي العملية، وما يتطلبه ذلك من معرفة بالثقافة والمجتمع، الإطارَ الذي أنتجت فيه شاتي أعمالها هذه. وامتدت دراستها، شأنها في ذلك شأن الدراسات الأنثروبولوجية التقليدية، فترةً زمنية طويلة في مجتمع رعوي بدوي صغير من حيث عدد السكان والمساحة الجغرافية وتشعب العلاقات الاجتماعية، كان أيضًا مجتمعًا يتصف حتى ذلك الوقت ببساطة الف ونن الآلية والاقتصاد وقلّة التخصص في وقد الوظائف وانتشار الأمية، إضافة إلى أن بعض أعمال شاتي لم تكن للغرض الأكاديمي البحت أساسًا؛ فهي لا تخرج عمّا يمكن تسميته بدراسات الخبرة المؤسسية التي تتجاوب مع حاجات البيروقراطية التنموية. بخلاف أعمال شاتي، تُعد أعمال لمبرت ذات جهد وازن من المقارنات والتحليلات النظرية والتفسيرات العميقة؛ إذ سلكت، بتركز عملها الميداني على مدينة بهلاء، مسارَ الأنثروبولوجيا الحديثة الذي يشمل دراسة مجتمعات محلية حضرية و"صناعية" كبيرة إلى حٍّدّ ما، بدل من التركيز على المجتمعات الصغيرة والبسيطة الشائعة دراستها في التقليد الأنثروبولوجي القديم؛ كما برز ذلك في أعمال شاتي المتعلقة بالحراسيس. ركزت لمبرت على المحتوى الثقافي، مستخدمة قاموسًا مفهومًّيًا ثرًّيًا في الدراسات

التي عاينّاها: المعرفة والمعاني، والرموز، والأحاسيس والمشاعر، والتصورات والرؤى، وأساليب الفهم، والتخيلات، والذاكرات، والأصوات، وحالات الصمت، والروايات، والتحّولّات الإدراكية، والخطابات، والأساطير، وقيم الهوية والانتماء، والعلاقات الاجتماعية والنظم الاجتماعية، والهياكل المادية، والممارسات. لقد ناقشت المحتويات كلها التي تثيرها هذه المفاهيم في إطار التغييرات التنموية الكبرى التي خبرتها عُمان الحديثة. ومهما يكن من أمرٍ، شكّلت هذه الإسهامات البحثية مرحلة مهمة في مراكمة معرفة أنثروبولوجية أولية متعلقة بمجتمع، عُماني في طور التحديث نُينتظر أ يُبتنى عليها لتعميق المعرفة بهذا المجتمع الذي ينطوي على تراث ومخزون ثقافي وازنين لا يزالان في مسيس الحاجة إلى البحث والحفر المعرفيين.

المراجع

References

العربية

بارث، فريدريك [وآخرون]. الأنثروبولوجيا: حقل علمي واحد وأربع مدارس. ترجمة أبو  بكر أحمد باقادر وإيمان ال كويلي. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017. بالجريف، ويليام جيفورد. وسط الجزيرة العربية وشرقها. ترجمة صبري محمد حسن. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2001. التميمي، عبد  المالك خلف. الحداثة والتحديث في دول الخليج العربية منذ منتصف القرن العشرين. سلسلة عالم المعرفة 467. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والف ونن والآداب، [كانون الأول/ ديسمبر]

سعود، الطاهر. التخلف والتنمية في فكر مالك بن نبي. بيروت: دار  الهادي للطباعة والنشر والتوزيع،

السيابية، نجية محمد سالم. "الجوانب الاقتصادية والاجتماعية لعُمان في كتب الرحالة الأوروبيين في القرن التاسع عشر الميلادي: جيمس ولستد نموذجًا". دورية كان التاريخية. مج  10، العدد 38

(كانون الأول/ ديسمبر.)2017 شاتي، داون (نور الضحى شطي). الرعاة المتنقلون: التخطيط الإنمائي والتغيير الاجتماعي في سلطنة عمان. ترجمة عمرو المّلح. أحمد الكندي (محرر). أبوظبي: معالم للطباعة والنشر والتوزيع،.2012 فهيم، حسين. قصة الأنثروبولوجيا: فصول في تاريخ علم الإنسان. سلسلة عالم المعرفة 98. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والف ونن والآداب، [شباط/ فبراير] 1986. ولستد، جيمس ريموند. تاريخعُمان: رحلة في شبه الجزيرة العربية. ترجمة عبد  العزيز عبد الغني إبراهيم. بيروت: دار الساقي للطباعة والنشر.2016 يورس، زارنس. أرض اللبان: دراسة ميدانية أثرية في محافظة ظفار بسلطنة عمان. ترجمة معاوية إبراهيم وعلي التجاني الماحي. سلسلة علوم الآثار والتراث الثقافي. مسقط: منشورات جامعة السلطان قابوس، 2001.

الأجنبية

Barth, Fredrik. Sohar: Culture and Society in an Omani Town. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1983. Bowen, Donna Lee & Evelyn A. Early (eds.). Everyday Life in the Muslim Middle East (Revised Edition). Bloomington/ Indianapolis: Indiana University Press, 2002. Chatty, Dawn (ed.). Nomads of the Middle East and North Africa: Facing the 21 st Century , Handbook of Oriental Studies vol. 81. Leiden: Brill, 2006. Chatty, Dawn. "Rituals of Royalty and the Elaboration of Ceremony in Oman: View from the Edge." International Journal of Middle East Studies. vol. 41 (2009). Chatty, Dawn. "Women Working in Oman: Individual Choice and Cultural Constraints." International Journal of Middle Eastern Studies. vol. 32, no. 2 (2000). Chatty, Dawn. Mobile Pastoralists: Development Planning and Social Change in Oman. New York: Columbia University Press. Culick, John. "Review of Fredrik Barth’s ‘Sohar: Culture and Society in an Omani Town." American Ethnologist. vol. 11, no. 2 (May 1984). Dale F. Eickelman, "Religious knowledge in Inner–Oman." Journal of Oman Studies. vol. 6, no. 1 (1983). "Kings and People: Oman’s State Consultative Council." Middle East Journal. vol. 38, no. 1 (Winter 1984).

_____. "From Theocracy to Monarchy: Authority and Legitimacy in Inner Oman, 1935–1957." International Journal of Middle East Studies. vol. 17 (1985). _____. "National Identity and Religious Discourse in Contemporary Oman." International Journal of Islamic and Arabic Studies. vol. 6, no. 1 (1989). Eickelman, Chritine. Women and Community in Oman. New York: New York University Press, 1984. Ingham, Bruce & Nancy Lindisfarne (eds.). Languages of Dress in the Middle East. London: Routledge, 2014. Joffé, E. G. H. & J. R. Pennell (eds.). Tribe and State: Essays in Honour of David Montgomery Hart. Wisbech: MENAS Press, 1991. Kepel, Gilles & Yann Richard (eds.). Intellectuels et militants de l’Islam contemporain. Paris: Seuil, 1990. Lavergne, Marc & Brigitte Dumortier (dir.). L’Oman Contemporain: État, territoire, identité. Paris: Editions Karthala, 2003. _____. L’Oman contemporain. Paris: Éditions Karthala, 2002. Limbert, Mandana E. "The Senses of Water in an Omani Town." Social Text. vol. 19, no. 3 (2001). _____. "In the Ruins of Bahla: Reconstructed Forts and Crumbling Walls in an Omani Town." Social Text. vol. 95, no. 26 (2008). _____. "The Sacred Date: Gifts of God in an Omani Town." Ethnos. vol. 73, no. 3

_____. In the Time of Oil: Piety, Memory & Social Life in an Omani Town. Stanford: Stanford University Press, 2010. _____. "Liquid Oman: Oil, Water, and Causality in Southern Arabia." Journal of the Royal Anthropological Institute. vol. 22, no. 1 (2016). Morton, Michael Q. "Thesiger and the Oilmen." Journal of the Petroleum History Institute. vol. 14 (December 2013). Pridham, B. R. (ed.). Oman: Economic, Social and Strategic Developments. London: Routledge, 1987. Salem–Murdock, Muneera, Michael M. Horowitz & Monica Sella (eds.). Anthropology and Development in North Africa and the Middle East. Boulder: Westview Press, 199. Wikan, Unni. Behind the Veil in Arabia: Women in Oman. Chicago: University of Chicago Press, 1991. Ziyaka, Angeliki (ed.). On Ibadism. Hildesheim/ New York: Georg Olms Verlag, 2014.