المقاومة الجندرية
Gendered Resistance
الملخّص
عنوان الكتاب: المقاومة الجندرية (ثلاثة أجزاء). المؤلف: مجموعة مؤلفين. الناشر: بيروت: المجلس العربي للعلوم الاجتماعية. سنة النشر: 2019؛ 2021؛ 2023. عدد الصفحات: ج 1 (110 صفحة)؛ ج 2 (134 صفحة)؛ ج 3 (94 صفحة).
Abstract
Book Title: Gendered Resistance. Author: Multiple Authors. Publisher: Beirut: Arab Council for the Social Sciences. Date of Publication: 2019; 2021; 2023. Pages: Part I (110); Part II (134); Part III (94).
- الطرائق البحثية النسوية
- المقاومة الجندرية
- دوافع المقاومة
- الناشطية
- الأحقية
- Feminist Research Methodologies
- Gendered Resistance
- Motivation for Resistance
- Activism
- Entitlement
Azza Charara Baydoun | * عزة شرارة بيضون
عنوان الكتاب:
المقاومة الجندرية (ثلاثة أجزاء.) المؤلف:
مجموعة مؤلفين. الناشر: سنة النشر:
بيروت: المجلس العربي للعلوم الاجتماعية.
عدد الصفحات: ج 1 (110 صفحات)؛ ج 2 (134 صفحة)؛ ج 3 (94 صفحة).
Book Title:
Gendered Resistance. Author:
Multiple Authors. Publisher:
Beirut: Arab Council for the Social Sciences. Date of Publication: 2019; 2021; 2023. Pages:
Part I (110); Part II (134); Part III (94).
Researcher on Women and Gender Issues and Former Professor of Social Psychology at the Faculty of Letters and Human Sciences, Lebanese University. Email: azzabaydoun@gmail.com
مقدمة
صدر كتاب المقاومة الجندرية في أجزائه الثلاثة عن المجلس العربي للعلوم الاجتماعية في إطار برنامج يحمل الاسم ذاته، ويُدرج في إطار برنامج أشمل، مُص مّكي
يكون "مشغل للنماذج الفكرية الجديدة". وهذه الكتب نتاجُ مسيرة بحثية/ معرفية امتدّت س ونات
أربع (2023–2019)، تخلّلتها مراحل من ورش عمل واجتماعات، عامة وثنائية، وكانت الغاية منها تزويد المشارك (ة) في البرنامج المذ وكر فيها بالمزيد من المعرفة، من أجل إنتاج المزيد منها. انضمّ إلى البرنامج ثلاثون مشاركًا اختيروا من بين متقدّمين (لم يذكر عددهم)، وبقي منهم ثلاث وعشرون مشاركةً ومشارك واحد، بناءً على
دعوة من "المجلس" استهدفت فئة أولى ناشئة من الباحثات والباحثين يرغبون في "إحداث فروق في مجتمعاتهم"، وفئة ثانية من "ناشطات وناشطين يسعون لتعزيز نضالهم بالمعرفة". أدار البرنامج عشر مرشدات Mentors، توزّعن المشاِرك ات والمشارِك Fellow فيما بينهن، وجرى التعريف كتاب – في كل بهؤلاء المرشدات – أربع في مطلعه، وبكل مشارك (ة) في مطلع مقالته. في التمهيد للكتب الثلاثة، وهو مثبت في مطلع الكتاب الأول، تعريف مختصر ببرنامج "المقاومة الجندرية"، والغاية من إنشائه، وراهنية طرحه في حاضرنا العربي الذي ما زال يختبر التبعات
(((للاطلاع على الكتب الثلاثة، ينظر: المقاومة الجندرية (بيروت: المجلس العربي للعلوم الاجتماعية، 2019)، 2019/5/9، شوهد في 2023/11/25، في: https://tinyurl.com/mr39n4zt؛
المقاومة الجندرية، العدد 2 (بيروت: المجلس العربي للعلوم الاجتماعية، 2021)، 2021/1/9، شوهد في 2023/11/25، في:
https://tinyurl.com/2d5zf3jj؛ المقاومة الجندرية، العدد 3 (بيروت: المجلس العربي للعلوم الاجتماعية، 2023)، 2023/4/5،
شوهد في 2023/11/25، في: https://tinyurl.com/bdce7ny9
الثقافية – الاجتماعية للثورات التي اجتاحته، وعرض للعوامل التي سوّغت لمعدّي البرنامج
الدعوة لاعتماد العدسة الجندرية. وفي هذا التمهيد أيضًا تصريح ب "تشجيع" المتقدمين للاشتراك في برنامج "المقاومة الجندرية"، لأن يعالجوا في أبحاثهم أشكال المقاومة التي تنتهجها "الأجساد الجندرية" في مواجهة العنف الاجتماعي والبنيوي، متجاوزين موقع الضحية الذي وُضعت هذه الأجساد فيه. واستجابةً لهذه الدعوة، وصفت المتقدمات والمتقدمون مشروع بحث منجز في موضوع المقاومة الجندرية، آملين أن يوفّر المشروع المذ وكر لهم جميعًا إمكانًا لتحويل هذه الأبحاث إلى مواد قابلة للنشر. كتاب من الكتب كل تقدّم المرشدات – الباحثات الثلاثة بتعيين الإطار النظري الذي أحاط بمقالات المشاركين، أو الإطار الذي رغبن في أن يُحيط بها. وفي هذا التقديم، يتعرّف القارئ إلى المنطلقات
المفاهيمية والقيمية التي أرادتها معدات البرنامج خلفية لإسهامات المشاركات والمشاركين فيه؛ بدءًا
وأساسًا، بتعريف ل "المقاومة الجندرية"، استنادًا إلى
منِّظِرين/ أعلام، غربيين خاصة، في هذا المجال. من هذه التعريفات، ثبت فيماأُ يلي أبسطها: تتمثل المقاومة الجندرية في "أفعال/ ممارسات مغايرة للأعراف السائدة التي تحكم سل كويات النساء في المجالين الخاص والعام [...] وحيث إن تكرارهايُفضي إلى خلخلة البنية الذ وكرية وتغييرها تدريجيًا" (ج 2، ص 8). ولعلّ البارز فيما يتعلق
بهذا التعريف اشتماله على الممارسات السلبية، غير المباشرة، اليومية والخفية وغير الصاخبة، وهي أمور تجعل رصد المقاومة المذ وكرة محتاجًا
إلى طرائق بحثية تتيح التقاطها. هكذا، تناولت المرشدات في الجزء الثاني، بالتفصيل، المقاربات
البحثية (الكيفية) التي يسعها تعيين هذه الممارسات والوصول إلى المقاوِمات/ المستجيبات أنفسهن ومساءلتهن عن مواضيع مقاومتهن: سياقاتها، ودوافعهن الشخصية لاعتمادها، والأساليب التي اتبعنها في سل كوهن المقاوِم. عُرضت المقاربات البحثية الكيفية، بالتفصيل، في الجزء الثاني، بلهجة شبه تعليمية. ومن تضميناتها طرح موضوع علاقة الباحث بالمبحوث، واستطرادًا "أخلاقيات البحث" القليلة التناول والاعتبار في منطقتنا. هكذا، تمحورت المقدمة كتبتها المرشدات في الجزء الثالث عن تلك التي العلاقة وتضميناتها، فجرى إبراز الانعكاسية البحثية (علاقات القوة بين الباحث والمبحوث) وما تفترضه من تيقظ لهشاشة موقع المبحوثة خاصة، وأمنها الشخصي. والأمر نفسه يطرح بالنسبة إلى أمن راوِيات التاريخ الشفوي اللواتي يوفّرن مادة الأرشيف النسائي والمسؤولات عنه. كتابة أشير إلى أن المسار الموصوف الذي رافق المقالات المثبّتة في الأجزاء الثلاثة للكتاب،
(((في تقديم المرشدات العشر، الذي تصدّر الكتب الثلاثة،
يتابع القارئ مجريات النقاشات التي دارت في ورش العمل التي عُقدت على امتداد تنفيذ البرنامج، ويلمس تطوّر المنطلقات
المذ وكرة وتشعّبها في تلخيص العروض والنقاشات التي دارت
في تلك الورش، والتي رافقت عملية الكتابة، كتابة المقالات في الكتب الثلاثة/ المُخرَج الصريح للبرنامج. وقد تناولت مداراتُ
هذه النقاشات استكشافَ أشكال جديدة من الكتابة والنشر، واستقصاء الإمكانيات المتاحة من الأطر النظرية، ومنهجيات البحث المتعلقة بالنشاطَين البحثي والحقوقي من أجل "ردم الهوّة" بينهما. نشير إلى أن تعريف "المقاومة الجندرية" استغرق،
في عرض المرشدات، وفي مقالات المشاركات، قسمًا كبيرًا،
تناول تجاور المفهوم مع مفاهيم أخرى، وفيها تكرّر ما جاء في
كتاب جيمس سكوت James Scott سلاح الضعفاء: الأشكال
اليومية لمقاومة الفلاحين (1985) الذي أحدث، وفق مقدمة المرشدات، تحّولاّاا في مفهمة "المقاومة" في مجالاتها،
وأشخاصها، ووسائلها، وأشكالها المحتملة، وحدّتها، ومدى
أثرها، ومصائر ناسها.أُ
يوازي المقالات المذ وكرة أهمية. لكن عرضه المقتضب في هذه المراجعة لا يطمح إلى أكثر من إرساء خلفية تتيح فهم الجوامع المشتركة بين المقالات التي تبرز في "مناخ" سادها كلها، على الرغم من تنوّع مواضيعها ومجالات فعلها.
أولا: هذه المراجعة
تهدف هذه المراجعة إلى تقديم قراءة في مضمون الأبحاث الأربعة والعشرين المثبتة في الأجزاء الثلاثة لكتاب المقاومة الجندرية، ومراجعتها تختزل للأسف أكثر من مسألة تستحق التناول، لعل أهمها سيرورة إصدارها التي أوجزناها من قبلُ. وتبعًا لما تتيحه حدود هذه المراجعة، أكتفي بالإشارة إلى مسائل ثلاث، هي: • المسألة الأولى: تتعلق بالمقاربات والمناهج والوسائل المعتمدة؛ إذ أعلنت المشاركات والمشارك، من دون استثناء، عن توسّل المنهج الكيفي. فعّي نات الأبحاث
لم تكن ممثّلة للمجتمع المدروس، وكانت صعوبة الوصول إلى مفردات العينات ذات صلة بتحفظ، بل ريبة، من ع ونان البحث، مثل مقالتَي سماء التركي وناي الراعي (ج 2، ص 86–77، 134–125). وقد جرى توسّل
المقابلات المعمّقة، المجموعات البؤرية،
وتحليل المحتوى، والمشاهدة بالمشاركة، والمشاهدة بالمرافقة، والمقاربة الإت ونغرافية، والشهادة الشخصية، ونحو ذلك. وقلّما كانت وسيلة البحث واحدة منفردة؛ إذ توسّل هؤلاء
أكثر من واحدة. وتعددت مستويات تناول
(((استخدمت المرشدات والمشاركات (والمشارك الوحيد) الصيغة التي تشتمل على الإناث والذكور، أي إضافة التاء المربوطة إلى الاسم أو نون النسوة للجمع والأفعال... إلخ. في هذه المراجعة أتبع التقليد السائد في الكتابة باللغة العربية.
الموضوعات؛ فجرى، مثلًا، دعم الحجج الحاملة صوغ الأسئلة والفرضيات السابقة
لمعالجة الموضوع، وأيضًا تلك المساِندة لاستنتاجات الباحث، بالإحالة إلى أعلام وأكاديميين بارزين في الحقل المدروس، تماشيًا مع التقليد السائد في العروض
الأكاديمية. لكن الحججدُعمت أيضًا، في النص نفسه، ب ""بوْح كل من الكاتبات
والكاتب بأفكاره واتجاهاته ودوافعه الخاصة، بل أحيانًا بمشاعره تجاه تلك الموضوعات
وأُناسها، وفي هذه المقالات جميعها التزام بالتقليد البحثي العلمي وتجاوز له في الوقت نفسه. • المسألة الثانية: تتعلّق بالسياق الذي برز في أُ
المقالات كلها، محيطًا بالموضوع المعالَج بإحكام؛ وذلك انسجامًا مع ما تدّعيه المقاربة
الجندرية. فموضوع هذه المقاومة لا يستقيم موضوعًا إّلا في سياق ما، ومقاومته لا تصح من دون معرفة تلافيفه. ومن ثم، فإن السعي لموضعة المسألة في سياقها، أفرز نتاجًا
معرفيًا جانبيًا مثيرًا للاهتمام. فإضافة إلى
التعرّف إلى الحقل الدراسي الأعمّ الذي
يضم الموضوع المعالج وموقعه فيه، تقدّم كل مقالة من المقالات معرفة عامّة عن
الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية، بل التاريخية أحيانًا، التي ساهمت في تشكيل موضوع المقاومة، وأتاحت شروط فعل تلك المقاومة وأشكالها المحددة، الأمر الذي كثافة معرفية أضفى على المواضيع المعالجة مرحًّبًا بها. • المسألة الثالثة: في تقديم المرشدات للكتب الثلاثة، يلمس القارئ اهتمامًا بارزًا
بوجوب ربط البحث ونتائجه بالنشاطية. وقد استجابت المشاركات إلى ذلك الاهتمام بالإشارة في نهاية مقالاتهن إلى الجماعات المستهدفة باستنتاجات أبحاثهن؛ وشملت هذه الجماعات، أساسًا، الأكاديميين
المعنيين بموضوع المقاومة الجندرية، والناشطين في ذلك المجال، وفي أحيان قليلة "جمهور" النساء المتعرضات للإساءة والإقصاء والتمييز. وتقترح المقالات غالبًا
سبل استنهاض مقاومتها. وعلى النقيض من السائد، جهرت أكثر الكاتبات بنسويتهن؛ فهل يشكل ذلك الجهر ضمانة مبدئية للنشاطية المرغوب فيها؟
ثانيًا: المقاومة الجندرية مقاومات
كانت المقاومة، موضوع كل واحدة من المقالات الأربع والعشرين، واقعًا، مقاوَمات تتوزّعها أنماط يمكن التفريق فيما بينها تبعًا لمواضيعها، وبحسب مسوّغاتها ودوافعها، واستنادًا إلى الأشكال التي
اتخذتها.
1. بحسب مواضيعها: مواجهة من؟ ومواجهة ماذا؟
تتنوّع المقاوَمات المبحوثة في الكتب الثلاثة
بحسب مواضيعها، وقدُأدرجت في عناوين متداخلة، نفصّلها في هذه المراجعة اصطلاحًا
وقسرًا. هذا التفصيل يسوّغه إبراز الكثرة المت ونعة
للمجالات والمواقع والممارسات والأفكار التي جرت مقاومتها، وهو أمرٌ تتجاوز أهميته المعالجة
لتلك المواضيع إلى توسيع دائرتها لتشتمل على أخرى محتملة، يسعها أن تكون موضوعًا للمقاومة الجندرية. أتكلّم على مواضيع بدت
غير مستأهلة للمعالجة سابقًا؛ لا لأنها غير مرئية، كما كانت حال شؤون النساء عامة فحسب، بل فِ بالمعايير السائدة في تعريفَت لأنها أيضًا لم "المقاومة"، خاصة أن هذه المقاومات لا تُعلن دائمًا عن نفسها، ولا تحدد مآلاتها، وذلك لأن
من بعض سماتها المحبّذة اجتماعيًا السكوت
عن مواضيعها وتجنّب المواجهة العلنية مع الأشخاص والجماعات المعنية بالتسبب بها، وهو ما أسهم في مواراة هذه المقاومة عن اهتمام الباحثات والباحثين. إن الإقصاء عن المجالات العامة واحد من العناوين التي حاول الإضاءة عليها بضعُ دراسات في هذه الكتب. ومن هذه العناوين، مثل، الإقصاء عن الانتخابات النيابية، في مقالة رشا يونس (ج 2، ص 25–13)، والممارسة السياسية والعمل الحزبي في مقالة ريما شبيطة (ج 3، ص 46–35). وفي المجال الأسري، يجري إقصاء النساء عن بعض الطقوس، كطقوس الموت مثل في مقالة هبة الله طلبه (ج 2 ص، 52–41 والتهميش). كان اقتصاديًا لدى النساء من المرتبط بالإقصاء
الطبقات الاجتماعية الأدنى، خاصة في مقالتي مختار شحاتة ونوران المرصفي (ج 3، ص –47 58، 72–59)، وكان في إحدى الدراسات اجتماعيًا
(مرام التبيني، في: ج 3، ص 22–13)، وفي أخرى معرفيًا (باسكال غزالي، في: ج 1، ص 105–93).
وحصرية امتلاك الأمكنة العامة، كان موضوعًا لأكثر من مقالة، مثل مقالة المرصفي، وديانا مجدي (ج 3، ص 93–83)، وتمثّل أساسًا في
التحرّش القائم على الجندر، أكان ذلك لدى
المرور في الشارع العام (ريم شريف، في: ج 3، ص 82–73)، أو في وسائل الانتقال العامة (رنا سيف الدين أحمد، في: ج 2، ص 26–15). وكان الجهل بالحقوق الإنسانية موضوعًا ضمنيًا في
أكثر من مقالة، مثل مقالة سلمى حنتولي (ج 1، ص 64–49). كان العنف والتمييز، القائمان على الجندر، موضوعًا لمقالات عدّة. وقد تناولت إيمان الرامي مسألة الاغتصاب الزوجي (ج 1، ص 48–37)، وتناولت حنتولي العنف الأسري، وتناولت غدير أحمد الدماطي الإجهاض المم ونع (ج 2، ص 40–27)، وتناولت سلمى أبو حسين ختان الطفلات (ج 1، ص 92–79)، بينما تناولت مي أبو الذهب المقاييس النمطية للجمال والسلوك (ص 78–65). تشمل المقالات أيضًا عناوين ليست بدهية الارتباط بالمقاومة الجندرية. ومنها، مثلإسراء ا، مقالة صالح عن الأخلاقيات ذات الصلة بضحايا العنف الجنسي في الإعلام (ج 3، ص 34–23)، ومقالة ملاك الأكحل عن نبذ الأجيال السابقة من النسويات (ج 2، ص 98–87). وإلى جانب ذلك، عالج أكثر من مشارك في البرنامج مواضيع بدت عصيّة على
المقاومة، مثل التحرّش الجنسي في إطار الجماعة
التي تنتمي إليها المرأة، خاصةً مقالة الراعي، وأخرى مم ونعة من التداول مثل مقالة التركي.
2. بحسب مسِّوِغات المقاومة ودوافعها
أ. سطوة الواقع
لعلّ مقاومة سطوة الواقع الاجتماعي – الاقتصادي للمرأة هي الأكثر شيوعًا من بين هذه المسِّوِغات.
فحين تفتقد المرأة مُعيلها، أو يتراجع دخل الأسرة
لسبب ما، فإن السعي لبقائها، وبقاء من هم في عهدتها، يحتّم عليها تجاوز عتبة بيتها – المجال الذي رسمه لها العرف والتقليد دائرةً للعيش – إلى المجال الأوسع، مُكرهةً أو بطلةً.
هكذا، فإن العمل النسائي الخارج – منزلي، بحسب البيانات الإحصائية، لا يزال يعُّدُ في بعض مجتمعاتنا استثناءً، وينبغي التسويغ
لضرورته. وهذا ما رشح من كلام النساء، المنتميات منهن إلى الطبقات الاجتماعية الريفية والمدينية الأدنى، خاصة. ففي مجتمع صيادي منية المرشد الحضرية، مثل، لم تعمل المرأة في حين اضطر زوجها إلى الهجرة سوق السمك إّل إلى المدينة بعد أن ضاق سوق العمل به في إثر تراجع الثروة السمكية في البحيرة، كما يوضّح شحاتة في مقالته. وكذلك فعلت نساء توفي أزواجهن ولجأن إلى عمل "إطعام" الآخرين من غير العائلة من أجل توفير بدل مالي يسد حاجات أسرهن التي خسرت مُعيلها، محّولّات
بذلك مهارات اكتسبنها بفعل تأدية أدوارهن التقليدية إلى عملٍ مأجور (جواهر شنة، في: ج 2، 124–113 ص). وانضمّت نساء كذلك
إلى أفراد أسرتهن جميعهم للبيع في الشارع، لأن ما كافيًا لسد يجنيه الزوج والأولاد لم يكن
حاجات الأسرة (المرصفي).
ب. دافع إدراك النساء لأحقيتهن
كانت مقاومة بعض النساء مدفوعة بضرورة إذا "البقاء"، فإن أخريات من النساء واجهن العوائق المترتبة على وكنهن نساءً، بدافع إدراكهن أحقيتهن
في نوعية حياة خالية من تبعات التمييز الجندري. ومن أجل مواجهة إزعاجات التحرش بهن في الطرق، وفي وسائل النقل العامة والخاصة، مثل، أنشأن "جغرافية ذهنية" للمدينة تسمح بالانتقال في مساحات آمنة من تحرش الذ، كما تُبيّن وكر
مقالتي شريف، وريهام مراد (ج 2، ص 76–65). ولجأ بعضهن إلى "النقليات بحسب الطلب"، كما توضّح أحمد. وكي يتفادين نظرات الرجال
وأحكامهم على أجسادهن "غير المثالية" الشكل، تُبيّن أبو الذهب أنهن ارتدن ناديًا محصورًا ارتياده
بالنساء. وفي شوارع القاهرة المتصاعدة "أم ننتها" تباعًا، مضيّقةً مجالات تحرّك النساء والرجال،
واجهتها النساء بتكتيكات تمنع عنهن تقييداتها المفروضة. وفي كلام هؤلاء يغيب تسويغ ممارساتهن واتجاهاتهن بحسب مجدي. وفي شهادة واقعية، تروي طلبه، في إث ونغرافية شخصية، مقاومتها لمصادرة الرجال الذ وكر من عائلتها طقوس موت والدها، تبعًا للتقاليد الإسلامية في مصر التيتُقصي النساء عن الطقوس المذ وكرة بحجج ذات صلة بالأفكار النمطية المتعلقة بالنساء والسمات المُسندة إلى
"طبيعتهن". وقد تجلّت مقاومتها في الاشتباك مع الأفكار السائدة حول الموضوع عبر اتخاذ قرارات جزئية تشي بامتلاك الحق في اتخاذ القرار. وفي أحقية الشعور بالغضب، يبرز إطلاق الشتائم إبّان انطلاق الانتفاضة السورية تعبيرًا عن أحقية
الشعور بالغضب وتجاوزًا للتعبيرات العاطفية المسموحة للرجال من دون النساء في الثقافة الاجتماعية السورية (هبة عز الدين الحجّي، في:
ج 2، ص 64–53). على أن المشاعر لا تقتصر على الممارسات العلنية؛ فالإجهاض، المم ونع قانونيًا في جمهورية
مصر العربية، لم يردع نساءها عن اللجوء إليه، خاصة النساء غير المتزوجات، وغير الراغبات في الحمل، ولا في الزواج، الأمر الذي ينطوي على حسبان أجسادهن ملكًا خاصًا، فيكون فعل الإجهاض السري غير الآمن طبًّيًا مخاطرة بالحياة
من أجل تفعيل الحق بامتلاك الجسد واستعادة السيطرة عليه، وفعل مقاومة لركن أساسي من أركان المنظومة الجندرية (الدماطي).
وفي مقالتها عن الاغتصاب الزوجي، "الجرم الذي يصعب إثباته"، وجدت الرامي في نتائج دراستها أن النساء اللواتي يتعرّض له قد طوّرن
استراتيجيات للمقاومة قوامها التجنب، وإحداث النفور لدى المغتصِب، والاستنجاد بالأهل، وترك البيت الزوجي. لكن المقاومة لدى النساء الأكثر أكثر مباشرة مثل طلب امًا اتخذت أشك لّتعّل الطلاق واللجوء إلى القانون، بل إن مظاهرات وحملات ن ظّمت للمطالبة ب"وقف تعسّف القضاء
حين يتعلق الأمر بالاغتصاب". وهي ترى في ذلك تحّولاّااًاجتماعيًا مغربًّيًا مهًّمًا، يتمثّل في
كسر الصمت حول المسألة، و"يُحسب للحركة النسوية" في المغرب. على صعيد آخر، وفي التعبير عن أحقية استعادة امتلاك التاريخ بإحياء تقليد بدأته رائدات نسائية أوائل القرن الماضي، هو " كتابة النساء عن النساء"، كتبت غزالي وصوّرت صيغة نسوية
لسيرة مي زيادة متكاملة وغير مجتزأة تبعًا لأهواء ذ وكرية. إن إبراز المقاومات الجندرية المثبتة في هذه المقالات هو بمنزلة إضاءة ل وناحٍ من حيوات النساء الجديرة بالتوثيق في إطار الأرشيف النسائي، تمهيدًا لاحتلال موقعها في الأرشيف العام. والمشرفات على البرنامج غير غافلات عن أهمية الأرشفة، وقد جرى عرض الموضوع في ورش العمل، وأثبت التبادل حوله في مقدمة الكتاب الثالث. وفي إسهام المشاركات، أشير إلى مقالة الأكحل. وفي خاتمتها، أثبتت الباحثة كلام إحدى المستجيبات الناشطات من جيل سابق عن تبعثر أرشيف النشاط النسوي، فهي ترى أن طمس الذاكرة يقوم على قاعدة سياسية؛ لذا "علينا مقاومة النسيان عن طريق الغوص في الأرشيفات،
وأن نجعلها متاحة للناشطات، وليس للباحثات فحسب. و[علينا] النضال ومقاومة إغراء ترك الماضي خلفنا وجعله في عداد ما تجاوزه الزمن" (ص. 96). إن أحقية التمثيل السياسي لدى فئة من النساء المشاركات في اللعبة السياسية يمكن تحقيقه ترى ناشطات سياسيات في بيروت – – وفق ما بمقاومة قواعدها الطائفية والجندرية من الداخل؛ وذلك باستحداث تكتيكات ظرفية يتجلّى فيها رفض العمل بالأنظمة الذ وكرية المنحى والعمل في إطارها معًا (يونس). وقد استوجب الحصول على مكاسب آنيّة التراجع عن الأفكار الجذرية
المتعلقة بماهية الدولة ومؤسساتها، والتفاوض حول مطالب تستجيب لحاجات ملحّة وآنيّة،
مناهضة العنف القائم على الجندر (لُينظر مثً:
حنتولي). لا يخفى على المشاركات أن دافع المقاومة الجندرية بسبب الشعور بالأحقية ينحو لأنْ يصف النساء من الطبقات الاجتماعية المتوسطة، والحاصلات على درجات عالية في التعليم، أكثر مما يصف النساء من الطبقات الدنيا والأقل تعلمًا
في مجتمعاتنا.
3. بحسب أشكالها
أ. عبر تفعيل الأدوار الجندرية
إن الأدوار الأنثوية التي تدرك، عامة، على أنها قامعة للنساء في المجتمعات البطريركية هي، أحيانًا، وقودُ مقاومة جندرية. فحين تباشر المرأة، مثل، فعلَ المقاومة منفردة، فإن نجاحها في أحيان كثيرة محتاج إلى مؤازرة أخريات. فالنساء اللواتي التمسن الإجهاض غير المسموح به في مصر، مثل، يجدن متطوّعات من نساء يستقبلنهن من
دون مقابل، بدافع الأخواتية النسائية، في فترة النقاهة (الدماطي). وتجد البائعات المتجولات من الطبقات الدنيا اللواتي يقضين نهارهن في الشارع، في شبكة العلاقات القائمة على الجيرة، لا على القرابة بالضرورة، من النساء حاضنات لأطفالهن، كما يستفدن من موقعهن بوصفهن أمهات مسؤولات عن إطعام أطفالهن أمام سلطة البوليس الذي يتغاضى عن مخالفاتهن بصفتهن بائعات متجّولّات (المرصفي). وتنتهج
المهاجرات ذوات البشرة السوداء في تونس، مثل، استراتيجية خلق الروابط الاجتماعية فيما بينهن وبين أفراد جماعاتهن، بما يشبه تأدية أدوار "الأمومة المجتمعية" والأنوثة: من عناية وحضن عاطفي و"رعاية سلبية" لمواجهة تبِعات التهجير والهوية (البشرة السوداء) وعنصرية مصدرها المجتمع "المستقبِل" من جهة، ولمواجهة التمييز القائم على الجندر من جانب الرجال من الهوية ذاتها من جهة ثانية (التبيني).
ب. متخفية متجنبة وغير متحدّية
يضاف إلى هموم النساء المتمثّلة في مشقات العمل المزدوج تبِعاته المترتبة عليه؛ ومنها، مثل، حسبان عملهن الخارج–منزلي "عيبًا" يمتد إليهن
وإلى أزواجهن، لأنه يُرى على أنه عجزٌ منهم عن إعالتهن. وعلى المرأة طمأنة المُعيل (الرجل) بأن
عملها مساعَدة لعمله، وليس بديل منه (شنة). وعليها أيضًا إثبات عدم تحدّيها سلطة الرجل؛ فإن عملت الزوجة، مثل، خارج منزلها، فهي تستشير زوجها في الأمور كلها، كي تُشعره بأنه ما زال مرجعًا لأسرته (شحاتة)، وتُعلن عن تسليم أمرها له. فهو الذي يسمح بعملها أو لا يسمح به، وكذلك الشأن بالنسبة إلى عمل ابنته الخارج– منزلي (جاودة منصور، في: ج 2، ص.)112–99
يضاف إلى ذلك أن الذ وكر متربّصون بهؤلاء النساء في المجالات العامة، لمعاقبتهن على اقتحامهن مج ل يفرض هؤلاء حصرية ملكيته. فيكون على النساء ابتداع استراتيجيات للحدّ من عدائيتهم التي تأخذ أساسًا شكل التحرّش. وهذه
الاستراتيجيات وقائية ودفاعية خاصة، يوظّف القسط الأكبر منها في أجسادهن، وهي تتمثل في اختيار الملابس "الملائمة"، أو تعبيرات الوجه أو طريقة المشي، وغيرها. لكنها تشمل اختيار وسيلة النقل (أحمد)، ومواقع انتظار وسيلة النقل، وتفادي أمكنة وأزمنة يحتمل فيها فعل التحرّش،
وابتداع جغرافيات ذهنية لتجنّب مواقع تحتمل التعرّض للتحرّش. وفي حالات التحرّش الفعلي
يُعلي بعض النساء الصوت العالي للردع ولطلب التضامن من الموجودين، نساءً ورج ل (شريف.) في مقالة التركي مثل، عرضٌ لحالة امرأة إِعلامية طرحت في التلفزيون موضوع الأمومة العازبة
في مصر، وُأحيلت بسبب ذلك إلى القضاء بتهمة تعدّيها على "النسيج المجتمعي" و"الأمن القومي". وتجد الباحثة أن المضمر خلف "الذعر الأخلاقي" المجتمعي حيال طرح الموضوع إنما هو ردة فعل تجاه ما يشير إلى الفعالية الجنسية للنساء. إن حجم ردة الفعل تجاه الفعالية الجنسية للنساء يفضي بهن إلى الصمت والتخفي والمناورة من أجل استعادة فعاليتهن الجنسانية. تدعو الراعي إلى مراجعة تعريف مفهوم التحرّش
الجنسي والعمل على تبيئته من أجل أن يكون صادقًا في التعبير عن إدراك المرأة في مجتمعاتنا الأفعال الباعثة على الشعور ب "الاشمئزاز والغضب"، بل بالعار؛ وذلك لكونها تدرك تلك الأفعال شعوريًا على أنها تعٍّد على جماعتها، لا على شخصها ذي الحدود المختلطة مع تلك
الجماعة. وتتمثل "المقاومة"، في هذا السياق، في نكران النية الجنسية لتلك الأفعال، والتخفيف من وقعها رفقًا ب "الذات" وب "الجماعة" ومثالياتها.
ج. المقاومة المداوِرة
أتاح تطوّر العمل الاجتماعي النسائي في
مجتمعاتنا العربية، على امتداد قرن من الزمن، مواجهات صريحة مع رموز المنظومة الجندرية ومؤسساتها، بل الحصول على مكتسبات في مجالات عديدة، لعل أهمها القانون المدني والسياسات الحكومية المتعلّقة بالعلم والعمل والصحة، وغيرها. ومن بعض مظاهرها وجود نسائي فيها يتكاثر مع السنين. وتبقى مجالات لا تزال عصيّة على مشاركة النساء، لعلّ أهمّها
مج ل السياسة والأحوال الشخصية، حيث هيمنة الذ وكرية فيها غالبة. وفي مقالة يونس، تحدّثت نساء المنظمة غير الحكومية اللبنانية "بيروت مدينتي" عن تجربتهن في مسار تحدّيهن للإقصاء والتهميش الذي يمارسه النظام اللبناني تجاه النساء في مجال التمثيل النيابي، ومداوراتهن للقانون الانتخابي القائم على الطائفية السياسية. وقد اخترن مقاومة الحدود الطائفية التي وضعها النظام من الداخل، عبر ممارسة اللعبة المفروضة عليهن من دون الخضوع لها. وإدراك النساء لأحقيتهن في وجود آمن وخالٍ من العنف، عبّرن عنه في نضالات معلنة، لا صامتة
فحسب. تناولت مريم مكي شرعية تشبيك النسوي مع الدولة ومفاوضتها، تحديدًا، حول موضوع العنف الزوجي وتجريمه قانونيًا. ويسوّغ لأهمية
الكلام حول الموضوع السؤال المتعلق ب "جدوى التوجه إلى الدولة"، التي هي في تصوّر النسويات
منتجة للنظام الأبوي وفقًا لمعايير جنسية وجندرية وعنصرية، وتعمل على ترسيخ هرميات المجتمع،
متوسّلة القانون لإعادة إنتاج الأجساد والأفراد.
هذا السؤال يقابله خطاب حسبان الدولة "مساحة تسمح بإحداث تغيير مجتمعي"، وأن القانون يسعه أن يكون أداة ذلك التغيير. ومن تضمينات هذا الخطاب، خفضُ سقف التوقعات، ليصبح الهدف المرحلي من التحالف مع الدولة "الحدّ من القبول المجتمعي" للعنف القائم على الجندر (ج 2، ص 36–25). في مقالة مختار شحاتة الفريدة، يلمس القارئ مقاومة الرجال المداوِرة للقبول بأوضاع مستجدة، فرضتها الأوضاع الاقتصادية المعيشية التي جعلت النساء عاملات في المجال العام، وغير ملتزمات منازلهن، ومنعت عن الرجال الذين اضطروا إلى الهجرة، الصفة الملازمة لرجولتهم المتمثلة في الإعالة الحصرية لأسرهم. ويختبر هؤلاء الرجال تجاوزَ الأدوار الجندرية الأبوية "تهديدًا لصرح الرجولة"، فيحاولون استرجاع هيمنتها بتعنيف نسائهم، وبفرض الطاعة المبالغ فيها عليهن. ويُعيدون تسمية مشاركة النساء في الإعالة، فتمسي "عيبًا"، بدل من أن تكون "عارًا"
(ج 3، ص.)58–47
د. متراجعة أمام أولويات
ليست المقاومة الجندرية خيار المضطهدين دائمًا، والوعي بالتمييز الجندري ليس حجة
كافية لمقاومته. في فلسطين، مثلبحسب ا،
(((وفرادته ناجمة عن كون كاتبه هو الرجل الوحيد من بين مجموعة الكتّاب في الكتب الثلاثة، وعن كونه يعالج مقاومة
الرجال لانسحاب رجولتهم المتخيلة أمام تجاوز نسائهم للأدوار الجندرية التقليدية. المقالة وكاتبها تذكير بأن المقاومة الجندرية ليست حكرًا على النساء، وأن الرجال الواقعين في "فخ الرجولة"
(التعبير للكاتب) هم أيضًا "ضحايا" المنظومة الجندرية. فهي،
وإن وفّرت لهم سيطرة متخيّلة على نسائهم، تبقى هشّة أمام
الواقع القاهر، كما هو الشأن في هذه الحال مثل.
ما رصدته باحثات من فلسطين في الكتب الثلاثة، تعلو مقاومة المحتل أهميةً على ما عداها من المقاوَمات، بل بدا لهن أنّ تراجع المقاومة الجندرية والانصياع إلى الأدوار الاجتماعية الأبوية شرطان ضروريان للسماح للنساء بالمشاركة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي (المرأة هي "رحم الأمة" وركن أساسي في النضال الديموغرافي ضد الاحتلال). في مقالة شبيطة، اختارت الراويات الرائدات ذلك الاتجاه، ومن علاماته التزامهن بضوابط سل كوية وأخلاقية، مع تطوير آليات وأدوات للتأثير في حجم المشاركة السياسية، لكن ذلك في إطار هذه الضوابط، لأن الخروج عليها دُع خروجًا على السردية الوطنية العامة. وتُبيّن
منصور أنهن إذا "دُمنعن" من النضال المباشر ض الاحتلال في انتفاضة الحجارة، مثل، استخدمن الإبرة "المسموحة" للتطريز للحفاظ على التراث الفلسطيني، وكان اجتماعهن في العمل الحرفي مناسبة للتضامن، وما ينتْجهْ نَسبيل إلى التمكين
الاقتصادي وإن لم يُفضِ بهن، بحسب الباحثة، إلى مقاومة السلطة الذ وكرية في أسرهن! وفي مقالة حنتولي، تقييم لتطبيق سياسة تمكين النساء في إطار القرارات الدولية بشأن مناهضة العنف ضد النساء في وزارات الدولة الفلسطينية التي اتخذت من "تمكين النساء المعَّنَفات" شكلها الأساسي. هذا التمكين كان اقتصاديًا حصرًا، مختزل مفهوم "التمكين" نفسه في معناه
الأدنى، على نحو متعِّثِر تطبيقه حتى في نطاق ذلك الاختزال. وتعثّره، بحسب الباحثة، لا تقتصر أسبابه على الأمور اللوجستية (التعاون والتنسيق بين الوزارات، مثل)، ولا على ضعف الموارد، بل رُت دّ إلى ضمور "الثقافة الجندرية" لدى أكثر
المعنيات بالموضوع، من مسؤولات وعاملات في تلك الوزارات.
ه. مقاومة مبتورة
حين يكون ثمن المقاومة التخلّي عن ممارسات متجِّذِرة في الثقافة الاجتماعية، تستكين النساء إلى حلول تُبقي على جوهر تلك الممارسات. وفي موضوع بتر الأعضاء التناسلية للطفلات في مصر، مثل، تبنّت الأمهات حجّة الهيئات
– وزارة الصحة المصرية تحديدًا – القائلة الرسمية بالضرر الصحي الناجم عن الممارسة الشعبية على بناتهن ووجوب اللجوء إلى الطبيب لإجراء عملية البتر. وهكذا، أبطأ تطبيب العملية مسار التخلي عن البتر نهائيًا، بما هو اعتراف ضمني
بأحقية المرأة بجنسانية لا يحِّوِرها تدخل ثقافي
ذ وكري (أبو حسين).
ختامًا: صخب مقاومة خافتة
في مقدمات الكتب الثلاثة، ثبتٌ متعلق بالنقاشات التي دارت بين المشاركين في هذا البرنامج – مرشدات وباحثين ناشئين – وعرضٌ للأسئلة المحيطة بمفهوم المقاومة الجندرية ومحاولات الإجابة عن أسئلة مصوغة من منظورات الأكاديميا ومعاييرها وشروطها ومواقع اشتباكها، ضمنًّيًا أو صراحةً، مع النظرية النسوية.
وهذه النقاشات بيان عن رغبة في الانطلاق في "مغامرة" البحث في فضاءات وممارسات جندرية، والسعي لاشتمال جماعات وأفراد همّشت سابقًا عن ميادين العلوم الاجتماعية،
لكن ذلك من دون إحداث قطيعة مع التيار الأعم Mainstream منها. وهكذا، لا يفوت القارئ التجاور، مثل، في المقالة نفسها، الإسناد إلى أعلام فكرية، جنبًا إلى جنب مع سرد الكاتبة
لملاحظاتها وخبرات مبحوثاتها الشخصية، من دون إعلاء أقوال أولئك الأعلام على قولهن وخبراتهن. وإذ تناولت مقالات الاشتباك العلني بين المنظمات النسوية والدولة حول سياسات عُليا، تنشغل أخرى بمقاومات شخصية مصغّرة في نطاق أسر أو جماعات هامشية غير مرئية. كل واحدة من الوضعيتين وتُحسب الممارسات في "مقاومة جندرية". وفي الكتب الثلاثة، تنوّعات في الموضوعات، وتفاوتات في المقاربات هي من طبيعة المغامرة التي تخوضها هذه الك كوبة من الباحثات في محاولاتهن تبيئة مفهوم المقاومة الجندرية في البحوث النسوية العربية. تشعرك قراءة الكتب الثلاثة بصخب مقاومة خافتة، مع العلم أن خفوتها هو مفارقة، من بعض شروط احتمال "نجاحها". فتكرار أفعال المقاومة قمين، وفق ما "تؤمن" به القائمات بهذا المشروع، بتراكم أثرها، ويرجى أن يفضي التراكم، من دون إعلان "رسمي"، ولا قصدية مصوغة، إلى تحوّل نوعي في المقاومة أًّيًا كانت؛ أكانت مظاهر هذا التحوّل مرئية أم بقيت في دائرة التوقع. تبعًا لتباين المقاوَمات في أشكالها وتنوّع مجالاتها، فإن ما تضمره هذه النصوص هو أنّ المقاومة الجندرية فاعلة في مواقع كثيرة، وأن النظر إلى هذه المواقع ب "عدسة جندرية" كفيل بإبرازها. ومن تضمينات النظر المذ وكر تجاوز الفصل القسري بين "العام" و"الخاص"، والتنبّه
إلى المقولة النسوية في أن ما هو "شخصي" هو
أيضًا "سياسي". وهذا التنبّه وذلك التجاوز كانَا بمنزلة مظلّة غامرة لكل ما كتبته المشاركات في مقالاتهن. إن إصدار الكتب الثلاثة من جانب المجلس العربي للعلوم الاجتماعية دعوة ضمنية منه إلى تفحص المظاهر المجتمعية بعدسة جندرية من أجل إبراز المقاومات المرافقة، بالضرورة، لكل السلطات المهيمنة على حيوات النساء والرجال، وأًّيًا كان مجال هيمنتها، موضوعها أو شكلها. إن دعوة باحثات وناشطات لإبراز البعد المقاوِم من سلوك النساء في الوضعيات الم نِّوِعة التي وُجدن فيها بمواجهة المنظومة الجندرية الأبوية يرجى منها تطويرُ مفهوم "المقاومة الجندرية" وإعطاؤه أشكاله الملموسة في مكامن ومواقع في مجتمعاتنا العربية؛ الأمر الذي يتيح تعيين مداخل للنشاطية الجندرية منبثقة من الواقع المعيش للنساء والرجال، ويجعلها أكثر تأثيرًا في توسيع مداراتها وتعدد أشكالها. أخيرًا، لا يفوت قارئ الكتب الثلاثة أن فعل إصدار هذه الكتب الثلاثة والمسار الذي سلكه كاتبوها، وفق ما جاء في تقديمها، هو أيضًا "مقاومة جندرية" تضاف إلى المقاوَمات التي أظهرتها المقالات الأربع والعشرون. وفيها بدت الفئتان، المرشدات والمشاركات (والمشارك)، متأكدتين من حتمية تأثيراتهما، و"مؤمنتين" بفعالية "نخرها" للمنظومة الجندرية الأبوية.