Return to Article Details Colonial Paternalism under Israeli Military Rule (1967-1977): Social Welfare as a Case

الأبوية الاستعمارية في ظل الحكم العسكري الإسرائيلي (1967-1977): الرعاية الاجتماعية مدخلًا

Colonial Paternalism under Israeli Military Rule (1967–1977): Social Welfare as a Case (((怀((

Ashraf Othman Bader & Asem Khalil | **

وعاصم خليل *

أشرف عثمان بدر

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في منظومة الأبوية الاستعمارية في العشرية الأولى للحكم العسكري الإسرائيلي، للضفة الغربية وقطاع غزة، ومرجعيتها القانونية والمالية، وأشكال مقاومتها، استنادًا إلى مادة أرشيفية جديدة لجلسات لجنة المديرين العامين في الوزارات الإسرائيلية، وسجل الأوامر العسكرية الإسرائيلية، إضافة إلى مقابلات. وتُبيّن الدراسة أيضًا كيف هدفت منظومة الرعاية الاجتماعية الإسرائيلية إلى تكريس سياسات السيطرة وضبط السكان الفلسطينيين واستغلالهم، والتدوير المالي وشراء المواد "المدعومة" من السوق الإسرائيلية، والظهور في الوقت نفسه بمظهر الراعي الحريص على مصالحهم. وتساهم الدراسة في إثراء السجال النظري بشأن مفهوم الاستعمار الاستيطاني، والمنطق الذي يحكم سياسات إدارة السكان الفلسطينيين.

Abstract

Abstract: This paper examines the colonial paternalistic system during the first decade of Israeli military rule in the West Bank and Gaza Strip, along with its legal and financial framework and forms of resistance. Drawing on new archival material from sessions of the Israeli ministries’ directors–general committee and records of Israeli military orders, in addition to interviews, the article illustrates how the Israeli social welfare system aimed to cement policies of control, regulation, and exploitation of the Palestinian population. This included forcing Palestinians to financial transactions and purchasing Israeli subsidized goods from the Israeli market, while simultaneously portraying itself as a caring guardian of their interests. The study helps enrich the theoretical debate on the concept of settler colonialism in Palestine.

الكلمات المفتاحية:
  • الرعاية الاجتماعية
  • الحكم العسكري
  • الاستعمار الاستيطاني
  • الاحتلال الإسرائيلي
  • الأبوية الاستعمارية
Keywords:
  • Social Welfare
  • Military Rule
  • Settler Colonialism
  • Israeli Occupation
  • Colonial Paternalism

Ashraf Othman Bader & Asem Khalil | ** وعاصم خليل * أشرف عثمان بدر

ملخص: تبحث هذه الدراسة في منظومة الأبوية الاستعمارية في العشرية  الأولى للحكم

العسكري الإسرائيلي، للضفة الغربية وقطاع غزة، ومرجعيتها القانونية والمالية، وأشكال

مقاومتها، استنادًا إلى مادة أرشيفية جديدة لجلسات لجنة المديرين العامين في الوزارات

الإسرائيلية، وسجل الأوامر العسكرية الإسرائيلية، إضافة إلى مقابلات. وتُبيّن الدراسة أيضًا

كيف هدفت منظومة الرعاية الاجتماعية الإسرائيلية إلى تكريس سياسات السيطرة وضبط

السكان الفلسطينيين واستغلالهم، والتدوير المالي وشراء المواد "المدعومة" من السوق

الإسرائيلية، والظهور في الوقت نفسه بمظهر الراعي الحريص على مصالحهم. وتساهم

الدراسة في إثراء السجال النظري بشأن مفهوم الاستعمار الاستيطاني، والمنطق الذي يحكم

سياسات إدارة السكان الفلسطينيين.

الإسرائيلي، الأبوية الاستعمارية.

Abstract: This paper examines the colonial paternalistic system during the first decade of Israeli military rule in the West Bank and Gaza Strip, along with its legal and financial framework and forms of resistance. Drawing on new archival material from sessions of the Israeli ministries’ directors–general committee and records of Israeli military orders, in addition to interviews, the article illustrates how the Israeli social welfare system aimed to cement policies of control, regulation, and exploitation of the Palestinian population. This included forcing Palestinians to financial transactions and purchasing Israeli subsidized goods from the Israeli market, while simultaneously portraying itself as a caring guardian of their interests. The study helps enrich the theoretical debate on the concept of settler colonialism in Palestine.

Research Fellow at the Arab Council for the Social Sciences (Corresponding Author). Email: ashrafshrf0@gmail.com

Professor of Public Law at the Faculty of Law and Public Administration at Birzeit University, Palestine. Email: akhalil@birzeit.edu

مقدمة

تهدف الدراسة إلى بحث ما نطلق عليه اسم منظومة الأبوية الاستعمارية في العشرية الأولى للحكم العسكري الإسرائيلي، في المناطق المحتلة في عام 1967 (الضفة الغربية وقطاع غزة). وتتمثل "الأبوية الاستعمارية" Colonial Paternalism، برعاية الاحتلال الإسرائيلي لبعض السكان في هذه المناطق، وذلك من خلال دعم المواد الغذائية الأساسية، وتعويض الخسائر التي يتعرض لها بعض المزارعين نتيجة الأحوال الجوية، وتوفير قروض لهم، وإعفاء غير الميسورين ماديًا من رسوم

رش المبيدات والرعاية البيطرية، وكذلك تصريف الفائض الزراعي من خلال شرائه حتى ولو بخسارة. ويؤخذ في الاعتبار أنّ الأبوية الاستعمارية الإسرائيلية تخدم منظومة الاستغلال الاستعماري؛ فالرش والتطعيم المجاني يخدمان الزراعة الإسرائيلية في النهاية، وإلا ستنتشر الأمراض وتصل إليها وتتسبب في خسائر مادية، علاوة على أن عدم تعويض المزارعين عن الخسائر التي قد يتكبدونها، بسبب الظروف المناخية، قد يحولهم إلى جيش البطالة، ومن ثم تزداد نقمتهم على الاستعمار الإسرائيلي؛ لكونه لا يقدم لهم أي رعاية، ومن ثمّ قد يتطلعون إلى التخلص منه والانضمام إلى الثوار الذين يسعون لإقامة دولة وطنية توفر الرعاية لمواطنيها (وهذا يعزز ما جرى التوصل إليه في أطروحة الدكتوراه) وتُبيّن الدراسة أنّ الأبوية الاستعمارية الإسرائيلية خدمت في الأساس منظومة الاستغلال الاستعماري؛

استنادًا إلى الوثائق المتوافرة ونتائج البحث في أطروحة الدكتوراه التي أعدها الباحث، والتي جاءت هذه الدراسة مكملةً لها، يعطي الاستعمار الاستيطاني المزارعين تعويضًا باليد اليمنى لكنه يقبض المقابل باليد اليسرى: اقتصاديًا من خلال حماية زراعته، وأمنيًا بعدم توسيع دائرة المعادين له، وسياسيّا

من خلال الظهور بمظهر "الاحتلال المتنور". ومن ناحية أخرى، فمن شأن ما تقوم به منظومة الاستعمار الاستيطاني في فلسطين، من صرف للأموال على الجانب الرعائي، أن يعود مردوده الاقتصادي عليها. فحالة الرخاء الاقتصادي التي قد يعيشها الواقع تحت حكم هذه المنظومة نتيجة "الرعاية" التي توفرها، ستعود عليها من ناحية اقتصادية في ظل حالة التبعية الاقتصادية، فمعظم السلع الاستهلاكية مصدرها إسرائيل، ومن ثمّ فالرخاء الاقتصادي للواقعين تحت حكمها يعني شراء المزيد من السلع الاستهلاكية من السوق الإسرائيلية؛ هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، تحصد هدوءًا أمنيًا تطمح إليه؛ فحالة الرخاء

الاقتصادي تقلل من دافع الثورة على الاستعمار ومقاومته، وأخيرًا قد تحصد في المقابل سياسيًا

بتجميل وجه الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، والظهور بمظهر الراعي لغير الميسورين ماديًا أمام المجتمع الدولي، وليس مظهر مستعمر ينهش موارد الشعوب.

(((جرى اختيار الفترة الزمنية بين عامي 1967 و 1977 لأنها الفترة التي كان يحكم فيها حزب العمل الإسرائيلي، وفيما بعد انتقل الحكم إلى حزب الليكود، علاوة على أن هذه الفترة تعتبر مؤسسة للسياسات الإسرائيلية المتبعة في التعامل مع السكان الفلسطينيين، حيث هناك من يعتبر أن السياسات التي وُضعت في هذه الفترة لم يطرأ عليها أي تغيّر جوهري مع تغيّر الحزب الحاكم. (((أطروحة نال بها أشرف بدر درجة الدكتوراه في العلوم الاجتماعية من جامعة بيرزيت في عام 2022، بإشراف عاصم خليل، بعنوان "منظومة التحكم والسيطرة للحكم العسكري الإسرائيلي في المناطق المستعمرة عام 1967 في الفترة ما بين:1981–1967 البيوسلطة الزراعية كمدخل". (((شكلت لجنة المديرين لجنة ثانوية تنسق مع أقسام الدعاية في الوزارات المختلفة، لإظهار الأعمال "الإيجابية" التي يقومون بها أمام الرأي العام العالمي (الجلسة 117، البند 2، ص: 555،.)1969/8/14

تبحث الدراسة أيضًا في بنية الأبوية الاستعمارية للحكم العسكري الإسرائيلي، وكيفية استخدامه الرعاية الاجتماعية أداة من أدوات التحكّم والضبط والسيطرة، وتجادل بأنّ الأبوية الاستعمارية الإسرائيلية استخدمت منح الرعاية الاجتماعية أو منعها والحرمان منها، بهذه الدلالة نفسها (الضبط والتحكم والسيطرة). ويؤخذ في الحسبان أنّ استخدام الرعاية الاجتماعية لا يعني عدم استخدام العقوبات الاقتصادية ضد الفلسطينيين، فكلتا السياستين تجسد سياسة العصا والجزرة التي استخدمها الاحتلال. تجادل هذه الدراسة أيضًا بأنّ الأبوية الاستعمارية الإسرائيلية تدفعنا إلى استخدام الاستعمار الاستيطاني باعتباره إطارًا نظريًا وأداةً تحليلية للواقع الفلسطيني في مناطق عام 1967، حيث تظهر سلطة الحكم العسكري الإسرائيلي كأنها ترعى شؤون السكان، وذلك لتحقيق شكل من "الرخاء" الاقتصادي، يضمن الهدوء الأمني. لكنها في واقع الأمر تستغل الموارد المحلية للصرف على هذه الرعاية، حيث تتمفصل منظومة الاستغلال مع بنية قائمة على التمييز، تتمثل في الفوارق في الرعاية بين السكان المحليين أنفسهم من ناحية، والمستعمِرين والسكان المحليين من ناحية أخرى. تكمن أهمية الدراسة في فرادة الموضوع الذي تتناوله، والمصادر التي تستند إليها؛ إذ غالبًا ما تجاهلت

أدبيات الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي مفهوم الأبوية الاستعمارية في السياق الفلسطيني، وربما يعود ذلك إلى حساسية استخدامه الذي قد يساء فهمه، حيث هناك من يتصوّر أن الاستعمار الإسرائيلي

يتمتع بمزايا "الاستعمار المتنوّر". ومن ثم من المتوقع أن تساهم هذه الدراسة في إثراء السجال النظري

حول مفهوم الاستعمار الاستيطاني، والمنطق الذي يحكم سياسات إدارة السكان الفلسطينيين. تتوزّع الدراسة على أربعة مباحث. يعالج الأول شحّ استخدام مفهوم الأبوية في الدراسات الاستعمارية،

وأهمية تسليط الضوء على الممارسات الأبوية في أنظمة الاستعمار، بما فيها الاستعمار الاستيطاني. ويعالج الثاني التشكل التاريخي لنظام الرعاية الاجتماعي الأبوي في سنوات الحكم العسكري المبكرة في المناطق المحتلة في عام 1967، وأهدافه السياسية التي تمثلت في التحكم والسيطرة والاستغلال، إضافة إلى تجنّب استعداء السكان الفلسطينيين. ويعالج الثالث المرجعية القانونية والمالية لممارسات الرعاية الإسرائيلية، موضحًا أنها كانت تدويرًا لواردات الشعب الفلسطيني وسرقة مصادره، في حين

يُسلّط المبحث الرابع الضوء على المقاومة الفلسطينية المبكرة لمنظومة الرعاية الأبوية الاستعمارية، حيث يجري تناوُل أشكال الفاعلية الفلسطينية الاحتجاجية في التعامل مع موضوع الرعاية (الأبوية.)

أولا: الأبوية في أدبيات الاستعمار

يدفعنا استخدام مصطلح الأبوية في السياق الاستعماري إلى التمييز بينه وبين مفهوم الأبوية الباتريمونيالية Patrimonialism الذي نظّر له ماكس فيبر Max Weber، والذي يتضمن قيام الراعي (الحاكم أو الرئيس Patron) في نظام سياسي واجتماعي معيّن بمنح العطايا من الموارد للتابعين، من أجل تعزيز الحصول

على ولائهم، حيث يحصل التابعون على مزايا مادية وحماية، في مقابل حصول الحاكم على دعمهم، ومن ثّم يُمارس الحاكم هيمنته من خلال النظام الإداري (البيروقراطي)، حيث يتمظهر المنطق الأبوي

(البطريركي) في الإدارة على نطاق أوسع من علاقات القرابة. يكمن وجه التمايز بين تنظير فيبر والحالة الاستعمارية في المناطق الفلسطينية المستعمرة منذ عام 1967 في الهدف المرتجى من فعل "الأبوية"؛ فالهدف عند (الحاكم) المستعمِر من توزيع الموارد ليس الحصول على الولاء، فهذا هدف صعب التحقيق في حالة الاستعمار، وإن تحقق، فسيكون بنسبة ضئيلة بسبب رفض السكان المحليين المستعمرَ الأجنبي،

إنما يتمثل الهدف من الأبوية في تحصيل الفائدة السياسية والاقتصادية والأمنية. يُضاف إلى ماسبق بشأن التمييز في استخدام مصطلح الأبوية في سياق الاحتلال الإسرائيلي، أنه يجب

أن ننتبه إلى وجود ممارسات مشابهة في التجارب الاستعمارية حول العالم (سنعرض لها لاحقًا)، ما يدفعنا إلى الادّعاء أنّ الإطار النظري الملائم لدراسة الوضع في مناطق عام 1967 هو الاستعمار الاستيطاني؛ إذ إن إطار الاحتلال ينطلق من اعتبار عملية السيطرة على مناطق معينة مؤقتة بسقف زمني، ولذلك لا نجد في الأدبيات التي تتّخذ الاحتلال إطارًا لها استخدامًا للأبوية، بينما في حالة الاستعمار

الذي يأتي ليبقى، نجد مفهوم الأبوية. ومن ثم فإن رعاية الحكم العسكري الإسرائيلي لبعض السكان الفلسطينيين، وممارسته الأبوية الاستعمارية، تدخلان في إطار السعي للاستمرار في الوجود وترسيخ القدم وعدم المغادرة، من خلال كسب رضى السكان ورعايتهم وخلق شبكة زبائنية. استُخدم مصطلح الأبوية (الباتريمونيالية) الاستعمارية في بعض أدبيات الاستعمار، حيث نجد دراسة اهتمت بشكل النظام السياسي الاستعماري في كينيا، الذي دُمجت فيه السلطات العسكرية والإدارية والتشريعية، من دون مشاركة ديمقراطية من السكان الأصلانيين؛ إذ على عكس الدولة الغربية الحديثة "الأم" في بريطانيا، كانت مستعمرة كينيا بعيدة عن سمات الدولة الحداثية. وجرى كذلك استخدام مصطلح الباتريمونيالية "الأبوية" لوصف الحالة الاستعمارية البرتغالية في غينيا بيساو، لكن "كان الافتقار إلى الالتزام بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية واضحًا من إهمال الاستعمار البرتغالي شبه الكامل للبنية

التحتية، وشبكات الطرق الفقيرة ونظام النقل غير الملائم وعدم وجود ائتمان زراعي أو خدمة إرشادية، والبحث والتطوير الزراعي الذي لا يُذكر". ويُخالف هذا الوصف ممارسات الاستعمار الصهيوني الذي

وفّر في بعض الأحيان ائتمانًا زراعيًا وخدمات إرشادية للمزارعين (وهذا ما تناولته أطروحة الدكتوراه). تتقاطع دراسة لمجموعة من الباحثين اهتمت بمناطق في أفريقيا وجنوب شرق آسيا مع الظاهرة التي ندرسها، لكنها لا تتوافق معها توافقًا كامل، حيث تجادل بأن الأبوية Paternalism في معظم الفترة، منذ عام 1914، كان لها التأثير الأكثر ديمومة في إدارة العمل في الزراعة الواسعة النطاق. فالموضوع الموحد للأوراق التي تعرضها الدراسة هو الأبوية بصفتها أسلوبًا لإدارة العمل، فتاريخيًا كانت أنظمة

(4)  Christian von Soest, "What Neopatrimonialism Is – Six Questions to the Concept," Background Paper for GIGA– GIGA German Institute of Global and Area Studies, Hamburg, 23/8/2010, p. 4. (5)  John F. Murphy, "Legitimation and Paternalism: The Colonial State in Kenya," African Studies Review , vol. 29, no. 3 (September 1986) pp. 55–66. (6)  Peter Karibe Mendy, "Portugal’s Civilizing Mission in Colonial Guinea–Bissau: Rhetoric and Reality," The International Journal of African Historical Studies , vol. 36, no. 1. Special Issue: Colonial Encounters between Africa and Portugal (2003), p. 49.

إدارة العمل المهيمنة في الزراعة الواسعة أبوية، حيث جرى تنظيم هجرة اليد العاملة بطرائق أعادت إنتاج الأبوية، وتنظيم المجتمعات بأسلوب كلاسيكي لتوفير مزيج أبوي من العنف والحماية والوعظ الأخلاقي. الأبوية في هذه الدراسة عبارة عن وسيلة لتأمين قوة عمل منضبطة، تمتزج فيها الرعاية مع الإكراه، فوُضعت بعض ممارسات الرعاية، لضمان التكاثر البدني لقوة العمل فحسب. وكان من

المعتاد بالنسبة إلى المزارعين البيض أن يخلطوا ماشيتهم بماشية المستأجرين للأراضي من السود، ويدفعوا ضرائبهم ويبيعوا منتجاتهم. وقدّم بعض المزارعين المستوطنين هدايا للمستأجرين، خاصة

في حالات الولادة والأعراس والجنازات. وهذا حصل في الحالة الفلسطينية؛ إذ، على سبيل المثال، يشير أنور بدر إلى أن مشغّله الإسرائيلي (معلّمه) منحه، في عام 1986، هدية لمناسبة زواجه. تستخدم دراسة أخرى مصطلح الأبوية، في تحليل تقديم الهنود العرائض والالتماسات للحكم الاستعماري البريطاني، على اعتبار أنها من أشكال "الأبوية". وهذا يشبه تقدم الفلسطينيين بعرائض والتماسات للمحكمة العليا الإسرائيلية. بحسب جيمس سكوت، تميزت الفترة الاستعمارية في جنوب شرق آسيا، وفي أماكن أخرى بهذا الشأن، بغياب شبه كامل لأي بند للحفاظ على الحد الأدنى من الدخل، بينما في الوقت نفسه، كان تسويق الاقتصاد الزراعي يُنهي الأشكال التقليدية للرعاية الاجتماعية. يتناول ألين إيزكمان في دراسته فرض الاستعمار البرتغالي نظامًا وحشيًا لزراعة القطن في جميع أنحاء

ريف موزمبيق في عام 1938، مستخدمًا الأبوية إلى جانب سياسة الإكراه السائدة. فبعض المسؤولين

الاستعماريين فضّلوا سياسة "إرشاد" الفلاحين باستخدام مزيج من الحوافز المادية والمعنوية، حيث

عقد هؤلاء الاستعماريون اجتماعات عامة، شدّدوا فيها على الفوائد التي يوفّرها إنتاج القطن، وكيف

سينهي العُري ويمنح السكان المحليين المال. وفي بعض أسواق القطن نظّموا احتفالات لإبراز فوائده،

من خلال منح المزارعين الأكثر إنتاجية جوائز. علاوة على ذلك، سعى المبشرون من رجال الدين لغرس أخلاقيات العمل بين المتحوّلين الجدد؛ فقد أشادوا بفضائل زراعة القطن من منابرهم، وفي

فصولهم الدراسية، وأحيانًا في مسرحيات الكنيسة. وُأنِشُِئ صندوق للرفاهية والتحسين، كان من المقرر

استخدام موارده لتحسين إمدادات المياه وبناء المرافق الصحية وتعزيز الرفاه المعنوي والمادي العام لمنتجي القطن. وفي سياق متصل، جرى منح رؤوساء القبائل مزايا ودعمًا فنيًا، عبر تزويدهم ببذور

عالية الجودة، وتلقي المعاول والمجارف والأدوات الأساسية الأخرى التي أعادوا توزيعها على أتباعهم جزءًا من نظام غير رسمي للرعاية. وذهبت مكافآت الإنتاج إلى الرؤساء، ومُنح الفلاحون الأثرياء في

جنوب موزمبيق قروضًا حكومية لزيادة إنتاج القطن أيضًا.

(7)  Peter Gibbon, Benoit Daviron & Stephanie Barral, "Lineages of Paternalism: An Introduction," Journal of Agrarian Change , vol. 14, no. 2 (April 2014), pp. 165–189.

(((أنور بدر، عامل في مجال صناعة الأحذية، مقابلة شخصية، الخليل،.2022/10/29

(9)  Julia Stephens, "A Bureaucracy of Rejection: Petitioning and the Impoverished Paternalism of the British–Indian Raj," Modern Asian Studies , vol. 53, no. 1 (January 2019), pp. 177–202. (10)  James C. Scott, The Moral Economy of the Peasant: Rebellion and Subsistence in Southeast Asia (New Haven: Yale University Press, 1976), p. 10. (11)  Allen Isaacman, "Coercion, Paternalism and the Labour Process: The Mozambican Cotton Regime 1938–1961," Journal of Southern African Studies , vol. 18, no. 3 (September 1992), pp. 487–526.

في منحى نظري ومفهومي، تحلل أوما نارايان خطاب الرعاية الاستعماري، مع أخذها في الحسبان الدوافع الاقتصادية للاستعمار، إّل انّها تجادل بأن الغرض المركزي من خطاب الرعاية الاستعمارية هو جعل الهيمنة مستساغة أخلاقيًا لأولئك المنخرطين في فرضها، حيث تُبرر علاقات القوة والهيمنة بين

المستعمِر والمستعمَر، من خلال دعم الرؤية الأخلاقية للأبوية للاستعمارية بوساطة خطابات  الدين والفلسفة والعلوم والممارسات الفنية الثقافية، التي تعاونت لجعل الشعور بالتفوّق الغربي جزءًا من

النظرة إلى السكان في البلدان المستعمرة. ف "الرعاية الأبوية" Paternalistic Caring يمكن استخدامها في الخطاب الاستعماري شكل من أشكال السيطرة والهيمنة، يستبطن فكرة "عبء الرجل الأبيض"، والالتزام بمنح المستعمَر "فوائد" الحضارة الغربية، وتنفيذ "المهمة" التاريخية بإيصال "نور" الحضارة والتقدم إلى الآخرين الذين يسكنون "مناطق الظلام". وفي المنحى نفسه، يفكك مايكل باربيت العلاقة بين الليبرالية والأبوية؛ إذ تنادي الليبرالية التي ينادي بها الغرب الاستعماري بعدم التدخّل في حياة الأفراد، وهذا ما يناقض الأبوية التي تمارس على الشعوب المستعمرة. بحسب باربيت، تستبطن الليبرالية الاستعمارية في تدخّلها في الدول النامية نظرة استشراقية استعلائية؛ على اعتبار أنّ هذه الشعوب بدائية (كالأطفال) لا تستطيع اتخاذ قرارات عقلانية، ومن واجب الأب، وهو في هذه الحالة الاستعمار، إرشاد هذا "الطفل". عدا النظرة الدونية إلى المستعمَر، يورد باربيت تفسيرات أخرى للرعاية الاستعمارية، فقد يكون الدافع التبشير بالمسيحية، أو المشاعر الإنسانية (الرحمة). يمكننا القول، استنادًا إلى الأدبيات التي جرت مراجعتها، إنّ الأبوية الاستعمارية تتمظهر في أشكال

عدة، من أبرزها: تنظيم هجرة اليد العاملة لتأمين قوة عمل منضبطة، ودفع المستعمِر الضريبة نيابةً عن المستعمَر، وتسويق منتجات الواقعين تحت الاستعمار، وتقديم الهدايا في حالات الولادة والأعراس والجنائز، وتقديم العرائض والالتماسات للحكم الاستعماري، و"إرشاد" الفلاحين، وعقد الاجتماعات العامة مع السكان المحلّيين لإقناعهم بالسياسات الاستعمارية، ومنح المزارعين الأكثر إنتاجية جوائز، وإنشاء صندوق للرفاهية والتحسين، ومنح رؤساء القبائل مزايا ودعمًا فنيًا، ومنح الأثرياء قروضًا حكومية. يدّعي يهودا شنهاف ويائير بيردا وجود نموذج للبيروقراطية الكولونيالية، جرى تطبيقه في دول عديدة، مثل الهند والجزائر، يتماثل مع النظام الذي اتّبعته إسرائيل في إدارتها الجوانب الحياتية للسكان الفلسطينيين، في الأراضي المحتلة منذ عام 1967، بدءًا بالمشافي والمدارس والبلديات، ومرورًا

بالزراعة والمياه والطاقة. في المقابل، يعتبر بعض الباحثين أنّ السياسات الاقتصادية للاحتلال

(12)  Uma Narayan, "Colonialism and Its Others: Considerations on Rights and Care Discourses," Hypatia , vol. 10, no. 2 (Spring 1995), pp. 133–140. (13)  Michael Barbett, "International Paternalism and Humanitarian Governance," Global Constitutionalism , vol. 1, no. 3 (November 2012), pp. 485–521. (14)  Yehouda Shenhav & Yael Berda, "The Colonial Foundations of the State of Exception: Juxtaposing the Israeli Occupation of the Palestinian Territories with Colonial Bureaucratic History," in: Adi Ophir, Michal Givoni & Sari Hanafi (eds.), The Power of Inclusive Exclusion: Anatomy of Israeli Rule in the Occupied Palestinian Territories (Brooklyne: Zone Books, 2009), pp. 337–376.

مُدرجة ضمن أسلوب العصا والجزرة، وهو المصطلح الذي استخدمه شبتي تيفث Shabtai

Teveth، وكذلك شلومو جازيت، لتوصيف الخلفية التي انطلقت منها البيروقراطية الكولونيالية الإسرائيلية في الضفة الغربية، للتعامل مع الاحتجاجات الفلسطينية، استنادًا إلى السياسة التي وضعها وزير الأمن موشيه ديان، والقائمة على رفع المستوى المعيشي للفلسطينيين، حيث يشعرون بأنّ هناك ما سيخسرونه في حال ثورتهم ضد الاحتلال. من خلال عرض الأدبيات المتعلقة بالاستعمار الاستيطاني في فلسطين، لا نجد أي تناول لظاهرة الأبوية الاستعمارية أو رعاية السكان على نحوٍ موسع، إنما يُشار إليها في متن بعض الدراسات

بصفة عابرة، من دون فحص أو تحليل، أو تشخيص لها بصفتها أبوية استعمارية. ذاك ما فعله نيف جوردون الذي أشار إلى عمل الحكم العسكري على تحسين مستوى معيشة السكان وزيادة الرخاء الفردي، وحصول المزارعين الفلسطينيين على أسمدة ومبيدات حشرية مجانية لمحاصيلهم الزراعية، وكذلك توزيع إسرائيل لقاحات ضد الأمراض التي يمكن أن تضَّرَ بالماشية. وهو يفسر هذه الأفعال

برغبة الاحتلال في تطبيع وجوده، بالترافق مع ممارسات أخرى تهدف في المقام الأول إلى تقويض المحاولات الفلسطينية في خلق اقتصاد مكتفٍ ذاتيًا ومستقل، وتأسيس حركة وطنية. استنادًا إلى مراجعة الدراسات السابقة، تبرز الثغرة المعرفية التي تسعى هذه الدراسة لتدراكها بوساطة استخدام نموذج الاستعمار الاستيطاني؛ إذ تشير القراءة الأولية للمادة الأرشيفية إلى وجود شكل من الرعاية الاجتماعية للفلسطينيين، لم تتطرق إليه أدبيات الاستعمار الاستيطاني في فلسطين. ومن هنا تظهر إشكالية الدراسة، وهي: كيف لمنظومة استعمارية، يتفق كثير من الباحثين على تصنيفها استعمارًا

استيطانيًا، أنّ تقدم رعاية اجتماعية للفلسطينيين؛ ما يعني رفع مستواهم المعيشي، ومن ثمّ تعزيز صمودهم

في أرضهم؟ ألا يتناقض هذا مع منطقِ الاستعمار الاستيطاني القائم على المحو/ الإزالة Elimination من خلال التهجير القسري (الذي نظّر له باتريك وولف Patrick Wolfe، ويتبنّاه جزء من الباحثين في

مفهوم الاستعمار الاستيطاني)، وخلقِ ظروفٍ حياتية طاردة للسكان؟ ألم يكن من المنطقي، بحسب مفهوم وولف، التضييق على الفلسطينيين لدفعهم إلى الهجرة القسرية، وتسهيل عملية "المحو/ الإزالة"؟ هذه أسئلة تعمل هذه الدراسة على الإجابة عنها ضمن الأسئلة التي تتناولها، آخذة في الحسبان أنّ التركيز على الرعاية لا يعني إغفال أوجه التضييق، سواء بمستوى الخدمات أم العنف أم التمييز أم الحرمان من الحقوق. منهجيًا، تستند الدراسة إلى مادة أرشيفية عبرية جرى الكشف عنها مؤخرًا، تضم جلسات لجنة المديرين

العامين في الوزارات الإسرائيلية، المشرفة على وضع سياسات الحكم العسكري، وهي بذلك

(15)  Geoffrey Aronson, "Israel’s Policy of Military Occupation," Journal of Palestine Studies , vol. 28 (1978), pp. 79–98.

((1(شبتي تيفيث، البركة الملعونة (القدس / تل أبيب: شوكن، 1969). (بالعبرية)

(17)  Shlomo Gazit, Trapped Fools: Thirty Years of Israeli Policy in the Territories (London: Routledge, 2003). (18)  Neve Gordon, Israel’s Occupation (London: University of California Press, 2008), p. 19.

(((1 لجنة مكوّنة من المديرين العامين العاملين في الوزارات الإسرائيلية، شُكّلت في بداية الاحتلال في عام 1967 بقرار من

الحكومة الإسرائيلية، بهدف وضع السياسات العامة للحكم العسكري الإسرائيلي في المناطق المحتلة في عام.1967

مادة توضح طبيعة تفكير سلطة الحكم العسكري الإسرائيلي. وتستند الدراسة أيضًا إلى إجراء قراءة مسحية للأوامر العسكرية في الضفة الغربية وقطاع غزة. لكن الاعتماد على المادة الأرشيفية أو الأوامر العسكرية لا يكفي؛ إذ إن هذه المادة لا تظهر صوت المستعمَر أو فاعليته، لذلك سيجري اللجوء إلى

استخدام المقابلات باعتبارها تقنية بحثية، وذلك للتعرف إلى الفاعلية الفلسطينية.

ثانيًا: المساعدات الاستعمارية في سنوات الحكم العسكري

نتناول في هذا المبحث أشكال المساعدات والدعم المادي التي قدّمها الاحتلال الإسرائيلي للسكان الفلسطينيين. لننتقل بعدها إلى كيفية تعامل الاحتلال مع المؤسسات الدولية والمساعدات الخارجية. ومن ثم سنعرض لموضوع الرواتب والتقاعد، وكذلك الإسكان.

1. المساعدات والدعم

عمل الحكم العسكري على توفير مساعدات لبعض السكان؛ لنزع فتيل أي ثورة، وتحقيق "الاستقرار" والهدوء، مع الاستناد إلى منظومة القوانين والسياسات السابقة (الحكم الأردني في الضفة الغربية، والحكم المصري في قطاع غزة)، من خلال توفير مواد غذائية وإعاشة لبعضهم، إضافة إلى تعويض للمتضررين، وإعفاء ضريبي للمعوّقين. لكن ذلك كله كان يجري تحت مظلة نظام تمييزي، تقلّص مقدار "رعايته" وتأثر

بفعل حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، وهو ما سنتطرق إليه لدى معالجة "المرجعية المالية". حرص الحكم العسكري منذ الأسابيع الأولى لاحتلال مناطق عام 1967 على توفير مستوى معيشي "مناسب" للسكان، بمن فيهم الأقل حظًا، حيث جرى اعتماد الميزانية التي حددتها الحكومة الأردنية للضفة الغربية لأغراض الرعاية الاجتماعية والرفاه، مع تطبيق المعايير نفسها، من دون الالتزام بإعطاء أي مساعدات للاجئين الجدد (نازحي حرب عام 1967)، وجعل وكالة إغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى "الأونروا" تتكفل بهم، مع دراسة كيفية تغطية متلقّي المساعدات من وزارة الرفاه (الرعاية الاجتماعية) في قطاع غزة (أيام الحكم المصري)، الذين راوح عددهم (بحسب التقديرات الإسرائيلية) بين 40 و 60 ألف نسمة. وتكون هذه الرعاية يُروّج لها إعلاميًا على مستوى العالم بوساطة

وزارة الخارجية، حيث يجري إظهار إسرائيل دولةً راعية للمحتاجين وملتزمةً بالقانون الدولي. اعتمد الحكم العسكري الإسرائيلي السياسات والميزانيات التي أقرّتها أنظمة الحكم السابقة له

(الأردني والمصري)، لكنه أجرى في عام 1971 بعض التعديلات لمجاراة غلاء الأسعار. ربطت هذه التعديلات بمتوسط الأجور في المناطق المحتلة في عام 1967. ونلاحظ في هذه التعديلات تناقص

(((2 الجلسة 5، البند 5، 1967/6/25، ص.29 (((2 الجلسة 10، البند 6، 1967/7/6، ص.56 (((2 أصبحت بمقدار 40 في المئة من الأجر لعائلة عدد أفرادها خمسة أشخاص، حيث تصبح طريقة حساب مستوى المساعدة لكل شخص بالعائلة كالتالي: متوسط المساعدة للشخص في عائلة تضم خمسة أفراد تشكل 100 في المئة، نسبة المساعدة لكل مولود تكون 178 في المئة للمولود الأول، الثاني 97 في المئة، الثالث 85 في المئة، الرابع 72 في المئة، الخامس 66 في المئة، وكل مولود إضافي حتى 10 أشخاص 66 في المئة. الجلسة 159، البند 5، 1971/10/14، ص.727

المساعدات، مع تزايد عدد أفراد الأسرة، ما يُرجّح ربط هذه المساعدات مع "الصراع الديموغرافي"،

وحرص الحكم العسكري على عدم دعم ظاهرة العائلات ذات العدد الكبير. بُنيِت المساعدات التي يقدّمها الحكم العسكري على أساس التمييز العنصري؛ إذ رفضت وزارة الرفاه الإسرائيلية مقترحًا بمساواة الدعم الذي تُقدّمه لبعض المحتاجين في مناطق عام 1967 بما تُقدّمه من

مساعدات للمحتاجين داخل إسرائيل. بل إنّ بعض المساعدات الغذائية التي تُقدّمها كانت رديئة الجودة، كما هي الحال مع الأرز الذي حرص الحكم العسكري على أن يكون من نوعية الأرز المكسر بنسبة 20 في المئة، وقد برّر الحكم العسكري ذلك، بأنّه لا توجد خشية من تهريب أرز من هذه النوعية

الرديئة إلى داخل الخط الأخضر، حيث لا يُفضّلها الإسرائيليون. تركّز توفير الدعم ومساعدات الحكم العسكري على المواد الغذائية. فقد أقرّت لجنة المديرين (اللجنة)

صرف 80 ألف ليرة إسرائيلية (الليرة الإسرائيلية هي العملة الرسمية لإسرائيل التي جرى التداول بها بين عامي 1952 و 1980) في الشهر، لشهرَي كانون الثاني/ يناير وآذار/ مارس 1968، لتسليم وجبات القمح

بوساطة مؤسسة كير Care، بمعدل 7 كلغ للفرد في قطاع غزة. وُح دّد دعم مقداره خمس ليرات

إسرائيلية (ل. إ.) لطن القمح المطحون في مناطق عام 1967، بهدف تقليل سعر الخبز للمستهلك. أ وقدمَق رّ في نهاية عا 1967 مبلغ 650 ألف ل. إ. من الميزانية، لدعم القمح، مع تخصيص مبلغُ

160 ألف ل. إ. لمؤسسة كير لتوزيع وجبات قمح كاملة (10 كلغ) على المحتاجين في قطاع غزة خلال شهر رمضان، مع الطلب من السلطات الأميركية ومؤسسة كير ضمان تسديد الكميات المستقبلية من دون مشاركة من الموازنة الإسرائيلية. يؤكد إبراهيم شاهين أن منظمة كير كانت توزّع مساعدات غذائية على المواطنين من دون مقابل (وكانت الأونروا توزّع على اللاجئين)، وكان لهذه المنظمة مواقع في خان يونس، ولا تزال في رفح، في جوار الشابورة، منطقة سكنية تُعرف بمنطقة كير. ووافقت اللجنة أيضًا على دعم القمح المخصص لإنتاج خبز "أوروبي" بوساطة بعض المخابز في الضفة الغربية، بواقع 168 ل. إ. للطن، ضمن مستوى إنتاج 70–50 طنًا في الشهر. أقرّت اللجنة توزيع وجبات غذائية في قطاع غزة وشمال سيناء. فبعد فحص حاجة المحتاجين إلى

الغذاء، اتّضح أن عددهم في قطاع غزة وشمال سيناء قد بلغ 46 ألف شخص، وبناء على ذلك، من أجل

(((2 الجلسة 176، البند 11، 1973/2/1، ص.887 (((2 ملحق الجلسة 81، البند 5، الفرع أ، 1968/9/2، ص.410 (((2 الجلسة 49، البند 4، 1968/1/22، ص.276 (((2 الجلسة 35، البند 2، 1967/11/13، ص.219 (((2 الجلسة 38، البند 3، 1967/12/4، ص.233 (((2 إبراهيم شاهين، من سكان بلدة عبسان في قطاع غزة، مقابلة شخصية أجراها غسان أبو حطب، قطاع غزة،.2022/10/13 (((2 الجلسة 166، البند 3، 1972/3/23، ص 801. تدريجًا جرت زيادة عدد المخابز المدعومة في الضفة الغربية لتصل إلى 60 مخبزًا،

يتلقى دعمًا مقداره 450 ل. إ. لطن القمح، بكمية 1100 طن، وفي عام 1975 أقرّت اللجنة زيادة كمية القمح المدعوم للمخابز ب 200 طن،

ليصبح 1300 طن للشهر. الجلسة 198، البند 4، 1975/11/6، ص.1084

الاستمرار في توزيع الغذاء عن طريق مؤسسة كير، ثمة حاجة إلى ميزانية مقدارها 63 ألف ل. إ. في الشهر. وبناء عليه، قرّرت اللجنة تخصيص ميزانية لشهرَي أيلول/ سبتمبر وتشرين الأول/ أكتوبر 1968

مقدارها 130 ألف ل. إ. من احتياطي ميزانية قطاع غزة. وقرّرت اللجنة أيضًا تزويد منطقة أريحا بأرز

مكسر بنسبة 20 في المئة، وخفض سعره ليصبح 90 أغورة (أغورة، وجمعها أغورات، هي الفئة الأصغر من العملة الإسرائيلية، حيث يُقسم الشيكل الجديد إلى مئة أغورة) للكلغ، مع استمرار السماح باستيراد البقوليات، من دون فرض رسوم، وتزويد المناطق المحتلة بصناديق لحم بسعر ليرة واحدة للصندوق، بدل 1.3 ل. إ. وتأمين غذاء للمحتاجين يتضمّن مادة السكّر. أوصت اللجنة في عام 1968 بإلغاء الضريبة على الأرز، من النوعية الدنيا، الذي يتم تزويد قطاع غزة منه، وذلك بسبب غلاء المواد الغذائية بنسبة 50 في المئة، واستمرار توفير الأرز المكسور بنسبة 20 في المئة، بسعر التجزئة 1 ل. إ. لكل كلغ، في مقابل 1.4 ل. إ. وكذلك إبطال الرسوم 0.115 ل. إ. المفروضة على كل كلغ، منه ليصبح سعر التجزئة 0.896 ل. إ. للكلغ. كما أوصت اللجنة بالاستمرار في توفير لحم "غير شرعي" (لو كوشير) من مخازن الحكومة بسعر 160 أغورة للصندوق 400 غ، حتى نهاية المخزون، مع السماح باستيراد لحم مجمّد غير شرعي، حين تسمح ظروف التخزين بذلك،

واستيراد لحم حي من الأردن إلى منطقة قطاع غزة. وكانت هذه التوصيات كفيلة بخفض الأسعار للسلة الغذائية ب 3 ل. إ. في الشهر للفرد. عمل الحكم العسكري على توفير بعض المساعدات لذوي الإعاقة. فقد قرّرت اللجنة تزويد أصحاب

الدخل المنخفض، وكذلك ذوي الإعاقة، بمواد أساسية مثل: الشاي، والسكر، والأرز، بأسعار رخيصة. كما  قررت إعطاء المعوّقين (المصابين في أرجلهم) في مناطق عام 1967 قروضًا لشراء

سيارات، مع إعفائهم من الضريبة عليها. وقد جرى تقييد هذا الأمر بشرط أّل تكون هذه الإعاقة نتيجة أعمال "تخريبية" (فدائية)، حيث يكون مقدار الدعم بمقدار درجة الإعاقة. نلاحظ هنا كيف يجري استخدام الإعفاء أداةً للتحكّم والضبط والسيطرة، وبصورة أبوية، حيث يجري حرمان رافضي الحكم العسكري الإسرائيلي. ويؤخذ في الحسبان أنّ من واجب الاحتلال تقديم الرعاية، فالأصل تقديمها، والاستثناء حرمان الناس منها؛ ومن ثمّ فإن الحرمان من مقوّمات الحياة والرعاية هو أداة

للسيطرة، كما هي الرعاية، وهذا هو جوهر الأبوية، المنع والمنح بناء على انضباط المحكومين.

(((3 الجلسة 83، البند 5، 1968/9/16، ص.417 (((3 ملحق الجلسة 91، البند 4، 1968/11/18، ص.458 (((3 الجلسة 81، البند 5، 1968/9/2، ص.407 (((3 غير مذبوح بإشراف الحاخامية اليهودية. (((3 ملحق الجلسة 81، البند 5، الفرع أ، 1968/9/2، ص.410 (((3 الجلسة 60، البند 6، 1968/4/8، ص.322 (((3 الجلسة 169، البند 5، 1972/6/22، ص.830 (((3 ملحق جلسة 169، البند 5، فرع ب، 1972/6/22، ص.833

حاول الحكم العسكري الظهور بمظهر الدولة الراعية (الأبوية) من خلال تعويض المتضررين. فعقب الجفاف الذي ضرب منطقة الضفة الغربية في عام 1968، خصوصًا منطقة الخليل، أقرّت اللجنة

تعويض المزارعين (كما كان يحدث في زمن الحكم الأردني)، بوساطة المساعدة في البذور ومواد أخرى، بميزانية تعويض تعادل 700 ألف ل. إ.. يضاف إلى ما  سبق، تلقّي المتعلمين في مراكز التدريب المهني في المناطق المحتلة رسوم إعاشة، حيث يتغيّر مستوى رسوم المعيشة بتغيّر نوع المهنة وأهميتها في سوق العمل؛ فقد خصصت 3.5 ليرات لليوم

كرسم إعاشة، وفي عام 1975، قررت اللجنة زيادة مقدار الرسم بالاستناد إلى غلاء المعيشة، ومتوسط أجر العمل، وأهمية المساقات "الكورسات" التي يتعلّمها الطالب. نلاحظ هنا الحرص على دعم التعليم المهني، في مؤشر دال على طبيعة "التعليم" الذي تشجعه إسرائيل، وهو التعليم المهني الذي يوفر لها أيدي عاملة في قطاع الخدمات.

2. المؤسسات الدولية والمساعدات الخارجية (الإعفاء من الضرائب)

حرص الحكم العسكري (لجنة المديرين) على ضبط عمل المؤسسات الدولية والسيطرة والتحكم في نشاطاتها، من خلال التعليمات الإدارية المختلفة. ومع مسايرة للقانون الدولي من خلال إعفاء المؤسسات الدولية (الصليب الأحمر) من الضرائب، جرى العمل على الاستفادة اقتصاديًا من نشاط هذه المؤسسات. تمثل السعي لممارسة الضبط والتحكم والسيطرة في إعطاء اللجنة أوامر للقادة العسكريين بمنح تصاريح الحركة للمؤسسات الدولية الموجودة في المناطق المحتلة، مثل الأونروا وكير، وكذلك تسهيل عملها وحراسة مخازنها، مع تأكيد وجوب مراقبة نشاط موظفي الصليب الأحمر وتنسيق نشاطاتهم من خلال نجمة داود (الإسرائيلية). وأصدرت اللجنة لاحقًا تعليمات للحكم العسكري بوجوب ترخيص أي مؤسسة جديدة (كما حدث مع الجمعية السويدية.E.F.O.S.T R العاملة في مجال الأطفال والتعليم ومخيمات الشباب). وبذريعة ضبط الأمور وعدم الازدواجية في توزيع المساعدات الغذائية، أعطت لجنة المديرين أوامر للإحصاء الإسرائيلي بسؤال السكان من أي منظمة يتلقون مساعدة. اعتمدت اللجنة الأسس التي نسبتها وزارة الرفاه والرعاية الاجتماعية الإسرائيلية إلى التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى الأونروا، حيث يبقى من كان من لاجئي مناطق عام 1948 تحت رعاية الأمم المتحدة، أمّا الفقراء الذين يتلقون مساعدات من الأمم المتحدة وليسوا مسجلين بصفتهم

لاجئين، فيجري إيقاف المساعدات التي تأتيهم من الأمم المتحدة، لتتولّى أمرهم وزارة الرفاه الإسرائيلية، وذلك بالاستناد إلى المراسلات بين إسرائيل والأمم المتحدة. ولتحديد طبيعة العلاقة المستقبلية مع

(((3 الجلسة 76، البند 3، 1968/8/1، ص.382 (((3 الجلسة 197، البند 11، 1975/9/18، ص.1057 (((4 الجلسة 2، البند 8، 1967/6/16، ص.9 (((4 الجلسة 170، البند 10، 1972/7/27، ص.841 (((4 الجلسة 16، البند 5، 1967/7/31، ص.95

الأمم المتحدة، طلبت منها لجنة المديرين تقريرًا يوضح نشاطاتها، ومصروفاتها، ومستورداتها لأرض

إسرائيل، وكذلك تحديد العملة التي تستخدمها ومستوى أجور العاملين فيها من المحليين. حدّدت وزارة الرفاه، بالتعاون مع وزارة الخارجية، قائمة بالمنظمات الدولية والمنظمات غير الإسرائيلية المخوّلة بالعمل في الأراضي المحتلة، حيث تنسق وزارة الرفاه نشاطاتها وحاجاتها الضرورية (الطارئة)،

بهدف تفعيل خطة سنوية لكل منظمة، ويجري توجيهها للعمل بوساطة الحاكم العسكري في كل منطقة (ضابط الرفاه واللاجئين). وقد أوصت وزارةُ الرفاه الحكمَ العسكري بأن يتولّى هو توزيع المساعدات الغذائية التي يجري جلبها بوساطة المؤسسات الدولية. وفي إطار عملية الضبط والتحكم والاستفادة الاقتصادية، أقرّت لجنة المديرين إقامة مؤسسة تتكفل بنقل

الدعم المالي الموجه إلى المناطق المحتلة. فعليًا، جرى ترخيص مؤسستين في قطاع غزة لنقل أموال

"الدعم" من الدول العربية، بشرط استبدال الدنانير أو العملة الصعبة بالليرة الإسرائيلية، بحسب السعر الرسمي. وفي وقت لاحق، أصدرت لجنة المديرين مجموعة من التعليمات الإدارية المتعلقة بتلقي التبرعات أو المساعدات المالية من الخارج، تتضمن تقديم الجهة التي تنوي تلقي تبرّعات (سواء أكانت

جمعية خيرية أم لجنة زكاة أم مجلسًا بلديًا) طلبًا للضابط المسؤول في الحكم العسكري، يوضح مصدرها

وكميتها وطريقة توزيعها، ليوافق عليها الضابط، أو يرفضها بعد وضع آلية مناسبة للرقابة عليها. وأوصت وزارة الرفاه لجنة المديرين بإعفاء المساعدات (على شكل أغذية) من الضرائب، حيث يتوسع حق الإعفاء ليشمل كل المنظمات الدولية، ولا يقتصر على عدد منها، وكذلك إعفاء المواد والمعدات الأخرى (خيم، معدات مطابخ، أدوات عمل، مواد بناء، حاجات أخرى لازمة لنشاط هذه المنظمات الاجتماعي وغيرها من المؤسسات)، إذا ما وافق على طلبها ضابط الرفاه، وبشرط موافقة إدارة الضريبة من البداية على كل شيء يجري استيراده. وخلال عام 1968، امتد قرار لجنة المديرين بمنح إعفاء ضريبي للمنظمات الدولية المستوردة للمواد في الضفة الغربية، ليشمل منطقة قطاع غزة وسيناء. هناك وجهان لاستفادة إسرائيل، اقتصاديًا، من عمل المؤسسات الدولية والجمعيات الخيرية. فمن ناحية تخفف عنها هذه الجمعيات عبء الصرف على السكان، ومن ناحية أخرى يجري شراء المواد والأغذية منها، وبالعملة الصعبة. فقد طلبت لجنة المديرين من العاملين في وزارة الرفاه تشجيع المؤسسات التي تعمل على تزويد سكان مناطق عام 1967 بالغذاء، من أجل شرائه من السوق الإسرائيلية، أو تصنيعه

(((4 الجلسة 44، البند 1، 1967//12/21، ص.259 (((4 الجلسة 44، البند 2، 1967/12/21، ص.260 (((4 الجلسة 65، البند 3، فرع ب، 1968/5/13، ص.335 (((4 الجلسة 67، البند 2، الفرع ب، 1968/5/27، ص.344 (((4 الجلسة 210، البند 2، 1977/7/28، ص.1255 (((4 الجلسة 44، البند 2، 1967/12/21، ص.260 (((4 الجلسة 55، البند 3، 1968/3/4، ص.301

في مصانع إسرائيلية، على أن يجري توزيع الأغذية عن طريق ضابط الرفاه الإسرائيلي. في جانب متصل، قدّمت وزارة الرفاه، بالتعاون مع شركة كير، خطة للحكم العسكري، تتضمّن منح العاملين في

المناطق المحتلة وجبات طعام، في مقابل دفعهم جزءًا من ثمنها. يتّضح لنا من محاضر جلسات لجنة المديرين أن الهدف المُحرّك لسياسات الرعاية، وتشغيل اليد

العاملة والسعي للقضاء على البطالة، إضافة إلى السعي ل "تطوير" المناطق المستعمرة، هو المحافظة على الهدوء والاستقرار. فالافتراض الذي بنى عليه الاستعمار الصهيوني سياساته هو أنّ حالة الرخاء الاقتصادي ستُساهم في نزع فتيل أي ثورة شعبية.

3. الرواتب والتقاعد

عمل الحكم العسكري الإسرائيلي على ضبط الأمور وإدارة الحياة اليومية للسكان، من خلال الانتظام في دفع أجور الموظفين العاملين في الجهاز البيروقراطي التابع للحكم السابق للاحتلال، سواء الأردني في الضفة الغربية، أم المصري في قطاع غزة. واهتم الحكم العسكري بمراعاة غلاء المعيشة، فعمل على زيادة الأجور. لكن طبيعة النظام الإسرائيلي، العنصري القائم على التمييز، صبغت أفعاله، وانعكس ذلك في مأسسة نظام للأجور قائم على أساس التمييز؛ ما أنتج ردة فعل وفاعلية فلسطينية مقابلة،  تُطالب بحقها في المساواة في الأجور، وهو ماسنعرض له لاحقًا. ويُضاف إلى اهتمام الحكم

العسكري بصرف الرواتب، ورفع الأجور، عمله على انتظام الرواتب التقاعدية تحت مظلة المنظومة القانونية المستلّة من القوانين الأردنية والمصرية وقوانين الانتداب، مع حرصه على استخدام الرواتب أداةً للتحكّم والضبط والسيطرة، كما نُفصّله فيما يلي. بحسب خضر سنقرط، زُص/رِفت رواتب المعلمين كاملة في تمو يوليو 1967، أي مباشرة بعد الاحتلال، على الرغم من أن الاحتلال استُكمل في الثلث الأول من حزيران/ يونيو (أي الشهر السابق لعملية صرف الرواتب). ونلاحظ من خلال تتبع محاضر جلسات لجنة المديرين الحرص على إعطاء الأولوية لصرف رواتب الموظفين (بالدينار الأردني) في جلساتها الأولى، وبعد أسبوع واحد من انتظام عملها، إضافة إلى تشكيل لجنة فرعية منبثقة من لجنة المديرين للبحث في رفع الأجور.

(((5 الجلسة 25، البند 7، 1967/9/18، ص.173 (((5 الجلسة 44، البند 2، 1967/12/21، ص.260 (((5 الجلسة 66، البند 5، 1968/5/23، ص.242 (((5 يتناول أعضاء لجنة المديرين في جلسات عدة أهمية المحافظة على الهدوء من خلال رفع المستوى المعيشي، من بينها الجلسة 20 عبر الاهتمام بتوفير فرص عمل تضمن مستوى دخل مناسب للسكان يحول دون اندلاع احتجاجات، وكذلك الجلسة 208 من خلال المحافظة على الرخاء الاقتصادي، وفي جلسة 210 من خلال تناول التراجع عن زيادة أسعار المواد الأساسية في قطاع غزة، لأن رفع الأسعار "أدى إلى زعزعة الهدوء"، ما يدفعنا إلى استنتاج وقوع احتجاجات على رفع الأسعار. (((5 خضر سنقرط، مدرس (متقاعد) في كلية العروب الزراعية، مقابلة شخصية، الخليل،.2020/4/30 (((5 الجلسة 3، البند 10، 1967/6/19، ص.14 (((5 الجلسة 19، البند 6، /8/14 1967، ص.116

وقد أوصت برفع الأجور بنسبة 30 في المئة، كبدل غلاء المعيشة، حيث أظهر بحث أجرته اللجنة ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية بعد الاحتلال، على أن تصرف الزيادة في آب/ أغسطس 1967، أي بعد حوالى شهر ونصف الشهر من بداية الاحتلال. اتّخذت لجنة المديرين عدة قرارات بزيادة الأجور، على نحوٍ شبه سنوي، وذلك استنادًا إلى تقارير اللجنة الفرعية لشؤون الرواتب، التي ربطت زيادتها بغلاء المعيشة. وعملت اللجنة على زيادة الرواتب لقطاعات عدة من العاملين والموظفين، لتشمل على مدى الأعوام 1977–1967 قطاع الأطباء والمهندسين، والمعلمين، والقضاة، والشرطة المحلية، والعاملين في الهيئات المحلية، وعمّال البطالة، كما نُفصّل فيما يلي. تقدمت لجنة الأجور في أيلول/ سبتمبر 1967 بتوصية (جرى قبولها في الجلسة التالية) لرفع أجور الأطباء والمهندسين، وكذلك الموظفين أصحاب الدخل 840 ل. إ. كبدل غلاء المعيشة، بما يعادل 20 في المئة من الراتب الأساسي (320 ليرة للشهر)، حيث يزاد شهريًا لمن رواتبهم بين 320 و 840 ليرة مبلغ 64 ليرة.

وفي السنة التالية (1968) اُّتُخذ قرار بزيادة رواتب القضاة، والأطباء والمعلمين في قطاع غزة، حيث تقرّر صرف بدل غلاء معيشة 8 في المئة في المتوسط للموظفين التابعين للحكم العسكري. وبسبب

غلاء المعيشة، قررت اللجنة في عام 1968 مساعدة الموظفين في قطاع غزة، من خلال توفير قروض للراغبين، بسقف ثلاثة شهور عمل، على أن تُعطى من خلال المصارف لمدة سنة واحدة، ومحدودة بسقف 30 ألف ل. إ.. استمرت الزيادة في الأجور؛ ففي عام 1969، اُّتُخذ قرار برفع أجور قضاة المحكمة الشرعية في قطاع غزة (بقيت المحاكم الشرعية في الضفة الغربية تابعة للأوقاف الأردنية التي كانت تتكفل بالرواتب)، وموظفي السلطات المحلية في الضفة الغربية. وفيما بعد، رُفعت أجور نظرائهم في قطاع غزة وأجور الأطباء في القطاع، حيث تُعطى على يوم عمل إضافي زيادة 12 ليرة. يضاف إلى ذلك زيادة أجر العاملين في أعمال جرى ابتكارها لتخفيف البطالة (عفوداه يزوماه) بنسبة 33 في المئة.

(((5 الجلسة 21، البند 5، /28 /8 1967، ص.133 (((5 ملحق الجلسة 22، البند 9، 1967/9/4، ص.141 (((5 الجلسة 73، البند 1، الفرع ب، 1968/7/8، ص.382 (((6 الجلسة 84، البند 2، الفرع ب، 1968/9/30، ص.420 (((6 الجلسة 85، البند 1، 1968/10/3، ص.425 (((6 الجلسة 57، البند 2، الفرع ب، 1968/3/18، ص.305 (((6 الجلسة 58، البند 2، الفرع ج، /3/25 1968، ص.311 (((6 الجلسة 96، البند 1، الفرع ب، 1969/1/13، ص.479 (((6 الجلسة 99، البند 5، 1969/2/10، ص.492 (((6 الجلسة 122، البند 5، 1969/10/16، ص.570 (((6 الجلسة 103، البند 3، الفرع أ، 1969/3/10، ص.505 (((6 ملحق جلسة 111، البند 5، الفرع أ، 1969/6/2، ص.534

في نهاية عام 1970، بُرةِ طَ رفع الأجور بغلاء المعيشة والدرجة الوظيفية، فاُّتُخذ قرار بزيادتها بنسب 10 في

المئة للموظفين بالدرجات 8–1 (يوجد 14 درجة)، الذين يصل عددهم إلى ثلاثة الآف موظف. ومع بداية عام 1971، على الرغم من اعتراض الحاكمين العسكريين للضفة الغربية وقطاع غزة، لم يجرِ الالتزام بزيادة 10 في المئة، إنما جرت إضافة غلاء معيشة بنسبة 7 في المئة للراتب الأساسي الذي سقفه الشهري 400 ل. إ. فيما تمّت زيادة الراتب ما فوق 400 ل. إ. بمقدار موَّحَد للجميع، وهو

28 ل. إ.. تبعت ذلك زيادة 20 ل. إ. في الشهر لكل الدرجات للشرطة المحلّية في قطاع غزة، وفي الضفة الغربية، مع إشارة اللجنة إلى أنّ أصحاب الأجور 500 ل. إ. سيكونون من بين من يتلقّون منحة غلاء تساوي 12.5 ل. إ.. خلال عام 1971، اتّخذت اللجنة قرارين يتعلقان بالأجور: أولهما فك ارتباطها بالدينار الأردني، وثانيهما تعديل زيادتها بحسب عدد أفراد العائلة. فبعد تغيّر سعر تبديل العملة وغلاء الأسعار، تحول سلّم

الأجور المحدد بالدينار الأردني إلى الليرة الإسرائيلية، وأصبحت زيادات العائلة المعدلة كالتالي: الزوجة (25 ل. إ.)، الطفل الأول (20 ل. إ).، الثاني (20 ل. إ.)، الثالث (15 ل. إ.)، الرابع 15 ل. إ. ومما نلاحظه هنا تناقص مقدار الزيادة طردًا مع زيادة المواليد، وهو مؤشر دال على عدم تشجيع الولادات؛ وهو القرار الذي

يصب في إطار الصراع الديموغرافي الذي كان يمارسه المحتل ضد السكان الأصلانيين. أمّا الموظفون

والعمال قليلو الدخل الذين يعادل راتبهم 300 ل. إ. في الشهر، فيتلقون زيادة شهرية بمقدار 30 ل. إ.. وفي عام 1972، استمرت الأسعار في الارتفاع؛ ما دفع اللجنة إلى اتخاذ قرار برفع الأجور في الضفة الغربية وقطاع غزة، وإعطاء نسبة 8 في المئة غلاء معيشة لكل درجات الأجور حتى مستوى أجر أساسي

700 ل. إ. مع إبطال منحة الغلاء التي كانت قد عطيت سابقًا، بمقدارأُ 12.5 ل. إ. في الشهر حتى أجر 500 ل. إ. وقد جرى تطبيق الزيادة على جميع الموظفين، بمن فيهم الشرطة المحلية وعمّال

المياومة. في ذلك الوقت، كانت في الضفة الغربية 14 درجة أجور، تشمل 9000 موظف، حوالى 8000 منهم في الدرجات الدنيا والمتوسطة (بين درجتي 14 و 7)، وكان متوسط الأجر الشهري لدرجة 14 (بما فيها زيادة 8 في المئة من كانون الثاني/ يناير 1972) يقارب 200 ل. إ. بينما تراوح درجات المعلمين، الذين كانوا يشكلون الجزء الأكبر من الموظفين، بين الدرجتين 8 و 10؛ ما دفع قيادة الحكم العسكري في الضفة الغربية إلى اقتراح البحث في رفع الأجر بمتوسط 28 في المئة. ومن أجل تمويل الزيادة المتوقعة على الميزانية السنوية، فُرضت ضريبة دخل مشابهة لضريبة الدخل في إسرائيل، لكن

(((6 تم "تقنين" سلّم الدرجات والأجور في الضفة الغربية في الأمر العسكري رقم 477. كراس 30، أمر عسكري 477، 1972/8/16، ص.1158 (((7 الجلسة 143، البند 3، 1970/12/10، ص.663 (((7 الجلسة 144، البند 6، 1970/12/24، ص.669 (((7 الجلسة 153، البند 2، 1971/6/24، ص.702 (((7 الجلسة 160، البند 4، 1971/11/11، ص.740 (((7 الجلسة 156، البند 3، 1971/9/2، ص.712 (((7 ملحق الجلسة 156، البند 3 ن، الفرع أ، 1971/9/2، ص.714 (((7 الجلسة 165، البند 6، 1972/2/24، ص.798

اللجنة تحفّظت على رفع ضريبة الدخل، خشية إثارة السكان. وتكرر ارتفاع الأسعار في عام 1973؛ ما دفع اللجنة إلى رفع الأجور مرة أخرى بما يتناسب مع ارتفاع الأسعار، حيث تُقدّم زيادة لتغطية

غلاء المعيشة بدءًا من 1 كانون الثاني/ يناير 1973 على الراتب الأساسي للموظفين، بنسبة 22.3 في

المئة على مستوى 700 ل. إ. مع ارتباطها بدرجة الموظف. وقد جرى ضم موظفي البلديات إلى الزيادات في الرواتب في عام 1974، حيث عطوا زيادةَ غلاء بنسبةأُ 20

في المئة حتى سقف 1000 ل. إ. في الشهر، من بداية 1 تموز/ يوليو، في حين عطوا الزيادة الخاصة بعام أُ

1975 في بداية من 1 نيسان/ أبريل. وفي عام 1976 دخلت زيادة بنسبةأُ 1.5 في المئة كبدل للأقدمية، مع زيادة في الأجور للأطباء والقضاةالذينرُفعت أجورهم مرة أخرى في عام 1977. بحثت اللجنة صرف بدل تقاعد للموظفين في زمن الانتداب البريطاني، وجرى التواصل مع السفارة البريطانية للتنسيق في خصوص ذلك في الضفة وقطاع غزة، في حين استمر الحكم العسكري في الخصم من الأجور لفائدة صندوق المعاشات التقاعدية كما هو معتاد، واعترف بحقوق المتقاعدين، كما سمح في بداية الاحتلال بتأجيل التقاعد لمن يرغب لمدة سنة. وكانت اللجنة قد سمحت بالتقاعد بدءًا من 1 كانون الثاني/ يناير 1968. واتخذت اللجنة قرار "الاستمرار في إدارة صندوق التقاعد كما كان سابقًا"، بالتوافق مع قانون التقاعد المدني (الأردني) رقم 43 من عام 1959، الذي يتضمن استحقاق المعاش التقاعدي بنسبة 7 في المئة من الراتب الأساسي الجديد للموظفين المصنفين، وأصحاب العقود التي تُخوّل الحصول على

المعاش التقاعدي، وغير المصنفين الذين مُو ظّفوا قبل عا 1941. أمّا في قطاع غزة، فكان اللجوء إلى

قانون تأمين التقاعد (قانون الحاكم الإداري رقم 169، بتاريخ 1961/5/6)، الذي يُحدّد مظلة قانونية

لإقامة صندوق تقاعد وتأمين للعاملين في الإدارة المدنية، الشرطة، موظفي البلديات والقرى وموظفي الأوقاف الإسلامية. وبحسب البند 8 للقانون المذكور، يكون مصدر أموال الصندوق من مخصصات الموظفين، بنسبة 10 في المئة من الأجور، ومشاركة المشغلين بنسبة 12.5 في المئة من الأجور، ومن يُتلقى من استخدام أموال الصندوق الدخل أيضًا الذي.

(((7 الجلسة 170، البند 9، 1972/7/27، ص.840 (((7 الجلسة 175، البند 2، 1973/1/4، ص.869 (((7 ملحق الجلسة 178، البند 4، الفرع ب، 1973/3/22، ص.900 (((8 الجلسة 190، البند 2، 1974/10/10، ص.961 (((8 الجلسة 200، البند 2، 1976/2/5، ص.1099 (((8 الجلسة 206، البند 7، 1977/1/13، ص.1196 (((8 الجلسة 21، البند 5، 1967/8/28، ص.133 (((8 الجلسة 30، البند 2، 1967/10/12، ص.200 (((8 ملحق الجلسة 22، البند 9، 1967/9/4، ص.141 (((8 الجلسة 37، البند 1، 1967/11/30، ص.231 (((8 الجلسة 76، البند 4، 1968/8/1، ص.383 (((8 ملحق الجلسة 65، البند 3، الفرع ه، 1968/5/13، ص.338

وفي ما  يتعلقبموظفي الشرطة في الضفة الغربية، فقد اقترح ممثلوهم اعتماد ترتيبات التقاعد المعمول بها تجاه موظفي الحكم المدنيين، وليس بحسب ترتيبات قانون الجيش الأردني، كما  كان في السابق. وبنى أصحاب الاقتراح رأيهمعلى أنّالشرطة المدنية لا  تقوم بأعمال أمن، إنما هي جزء من الإدارة المدنية العادية، كما أنّ اعتماد قانون تقاعد المدنيين يحمل ميزة توحيد التعامل مع مجموع موظفي الحكم العسكري والشرطة، وتجنّب تطبيق قانون التقاعد للجيش الأردني الذي عدّ في الأساس من أجل الجيشأُ. ومع بداية الاحتلال، اتّخذت اللجنة قرارًا باقتطاع قسم من رواتب الموظفين لمصلحة صندوق خاص لإصابات العمل. ومع زيادة الرواتب، اتّخذت قرارًا باقتطاع مبلغ من زيادة الراتب للوفيات بنسبة

5.25 في المئة سنويًا. وُأقيم صندوق يدارُ بوساطة لجنة حكومية هدفها الضمان الاجتماعي الجزئي (تقديم منح للعائلات التي توفي أبناؤها، أو العمال الذين أصيبوا بأمراض مزمنة)، واستنادًا إلى تعديلات الضمان الاجتماعي لموظفي الحكم وعمّاله (رقم 6 لسنة 1966). لكن هذا الصندوق لم يجرِ تفعيله بوساطة الحكم العسكري. ضمن هذه المعطيات، يلفت نظرنا استخدام اللجنة صندوق التقاعد أداةً للضبط والتحكّم والسيطرة؛ إذ قررت سحب مخصصات التقاعد من الموظف المدان بأعمال "تخريبية" (مقاومة)، حيث يُحرم من يُدان في محكمة عسكرية أوإقالته بوساطة الحاكم العسكري بسبب الأعمال "التخريبية"، هو وأهله، من الراتب التقاعدي. وقد جرى "تقنين" هذه التعليمات في الضفة الغربية من خلال إصدار الأمر العسكري رقم 369 فيما يخص الموظفين المدنيين، والأمر رقم 420 فيما يخص أفراد الشرطة المحليين. وفي قطاع غزة، جرى الاستناد إلى نظام الدفاع (الطوارئ) لعام 1945، الصادر عن سلطة الانتداب، لتصير سرقة حقوق المتقاعدين "قانونية". لا يتطلّب قرار الحرمان من الحقوق التقاعدية صدور أمر قضائي بإدانة الموظف؛ إذ يكفي اتّهامه برفض الاحتلال. يؤكد ذلك يحيى الأدهمي الذي يشير إلى تعرّضه للاعتقال لمدة 100 يوم، في زمن

الحكم العسكري (في عام 1975)، وعلى الرغم من أنه لم تجرِ إدانته بأي تهمه، فإنه فُصل من وظيفته معلمًا، وخسر كل حقوقه التقاعدية. وحرمان الموظفين "المتمردين" على الحكم العسكري مؤشر على طبيعته الأبوية؛ حيث يستخدم سلطة المنح والمنع لتعزيز منظومة الضبط والتحكّم والسيطرة.

(((8 الجلسة 137، البند 2، 1970/8/20، ص.631 (((9 الجلسة 18، البند 8، 1967/8/7، ص.104 (((9 ملحق الجلسة 65، البند 3، الفرع ه، 1968/5/13، ص.338 (((9 الجلسة 91، البند 2، الفرع ب، 1968/11/18، ص.454 (((9 ملحق الجلسة 91، رقم 2، فرع ب، 1968/11/18، ص.457 (((9 كراس 22، أمر عسكري رقم 31، 1970/1/5، ص.777 (((9 كراس 27، أمر عسكري رقم 420، 1971/3/23، ص.1003 (((9 كراس 18، أمر عسكري رقم 324، 1969/12/8، ص.1289 (((9 يحيى الأدهمي، سِمُدِّر، مُقال، مقابلة شخصية، الخليل.2022/10/27

4. الإسكان

عمل الحكم العسكري على توفير قروض للإسكان، فكانت في ظاهرها أحد أشكال الرعاية الاجتماعية، وفي باطنها عمل سياسيًا وهندسة اجتماعية لتفريغ القدس من الفلسطينيين، وفي حالات أخرى لتوطين

اللاجئين، وذلك لإحكام السيطرة وتلميع صورة إسرائيل أمام العالم. فقد أقرّت اللجنة منح قروض للسكن

بسقف خمسة الآف ل. إ. للعاملين المحليين من القدس الشرقية للسكن في منطقة الضفة الغربية، حيث تُعطى القروض من ميزانية الأراضي المحتلة وعبر البنوك. ويكون القرض بفائدة 6 في المئة، ولفترة لا تزيد على ثماني سنوات، بعد إثبات انتقال العامل من سكنه. وقد أقرّت اللجنة تغطية المبالغ المقترضة

مع ضمانة تجارية للبنوك بقيمة 100 في المئة. أمّا في قطاع غزة، فقد أقرّت اللجنة تمويل إصلاح بيوت اللاجئين، التي غطّت 180 شقة في مخيم رفح،

وكذلك في الشيخ رضوان وخان يونس، ليصل عدد الشقق إلى 1000 شقة. وقد جرى تمويل سكان الشيخ رضوان من الموظفين اللاجئين بوساطة صندوق التقاعد، بقروض سقفها خمسة الآف ل. إ. لطالب السكن، بفائدة مقدارها 12 في المئة، منها 7.5 في المئة مدعومة من ميزانية الحكم، ليصل عدد القروض إلى 1000 قرض. وفي عام 1974، رفعت اللجنة مقدار القرض ليصبح سقفه 10 الآف، بنسبة 12 في المئة، حيث يُموّل طالب السكن 9 في المئة، ويدعم الحكم العسكري 3 في المئة من صندوق التقاعد، لمدة خمس

سنوات، بمبلغ 250 ل. إ. للشهر. وفي السنة التالية (1975) عدّلت اللجنة قرارها ليتناسب مع الدخل المحدود للموظفين، حيث تُعطى القروض لمدة 10 سنوات، ويكون مقدار الدفع الشهري 150 ل. إ. يُفيد المستجيبون في المقابلات التي جرت في قطاع غزة أنه ضمن مخطط أريئيل شارون في

السبعينيات لإفراغ المخيمات، للقضاء على الحاضنة الشعبية للمجموعات الفدائية المتحصّنة فيها،

وشكل من الهندسة الاجتماعية، نشئت مشاريع سكنية، مثل حي البرازيل وحي كندا، في رفح، وحي أُ الأمل في خان يونس، كما نُقل سكان مخيم الشاطئ في غزة إلى حي الشيخ رضوان. لكن لا أحد من المستجيبين أكد معلومة القروض، بل قالوا إن أصحاب البيوت المهدومة جرى تعويضهم ببيوت ضمن هذه المشاريع السكنية، بينما أكد محمد أبو حطب أن السكان كانوا يدفعون قرابة 6500 دينار أردني بدل السكن. وأفاد أحمد أبو شاويش (مدير عام وزارة العمل سابقًا) أن في عام 1969 حدثت عملية فدائية نوعية في مخيم المغازي، وبعدها جرف الاحتلال وصادر جزءًا من المنازل لفتح شوارع

(((9 الجلسة 71، البند 2، الفرع ج، 1968/6/24، ص.359 (((9 الجلسة 73، البند 3، الفرع أ، 1968/7/8، ص.289 (((10 الجلسة 193، البند 1، الفرع ب، 1975/2/27، ص.988 (((10 الجلسة 177، البند 3، 1973/3/1، ص.890 (((10 الجلسة 189، البند 7، 1974/9/5، ص.957 (((10 الجلسة 196، البند 18، 1975/7/24، ص.1050 (((10 غازي الصوراني، كاتب وباحث، مقابلة شخصية أجراها غسان أبو حطب، قطاع غزّة، 2022/10/13؛ يوسف موسى، مدير

عمليات الأونروا في رفح، مقابلة شخصية أجراها غسان أبو حطب، قطاع غزّة، 2022/10/13؛ محمد أبو حطب، من أبرز وجوه مخيم

الشابورة في مدينة رفح، مقابلة شخصية أجراها غسان أبو حطب، قطاع غزّة،.2022/10/13

المخيم وتوسيعها بدافع أمني صرف، ونُقل من جُرفت بيوتهم إلى شرق مخيم النصيرات. ثم عمم

هذا النموذج على مخيم خان يونس، حيث أنشؤوا مشروع حي الأمل في عام 1977 تقريبًا، ثم حي

الشيخ رضوان في غزة، ومشروع تل السلطان في رفح. كان من يُهدَم بيته يُعوّض ببيت، أماالآخرون،

فكانوا يدفعون ثمنه على أقساط، بوساطة ثلاثة بنوك إسرائيلية، بدأت عملها في غزة في عام 1968، وهي لئومي وهبوعليم وديسكونت. أمّا القروض، بحسب الكاتب عدلي صادق، فلم يحدث أن قدم

الاحتلال أًّيا منها، في حين يشير محمد السمهوري (أستاذ الاقتصاد السابق في جامعة الأزهر) إلى أنّه لا يوجد ما يؤكد صحة وجود القروض أو ينفيها، واعتبر هذه جزئية بسيطة من مجمل السياسات الإسرائيلية تجاه القطاع وسكانه في بداية سنوات الاحتلال. وحتى إن حدث ذلك، فهو غير مستغرب بعد أن قامت إسرائيل بعد الاحتلال مباشرة بإغلاق البنوك الفلسطينية التي كانت تعمل في القطاع، وأحلّت محلّها البنوك الإسرائيلية التي تهدف، كما هي حال البنوك كلها، إلى تحقيق الربح من خلال إقراض بعض ما لديها من ودائع مالية. عمل الحكم العسكري على تلميع صورته أمام الرأي العام العالمي، استنادًا إلى ما سلف ذكره من منح قروض لبعض الموظفين والعمال من أجل الإسكان، فخصصت اللجنة ميزانية للترويج الإعلامي للكيان الصهيوني أمام الرأي العام العالمي، حول تخصيص صندوق قروض لتطوير المناطق المحتلة في عام 1967. وقد كان الحكم العسكري ينطلق في "رعايته" للسكان الفلسطينيين من سياسة "كسب العقول والقلوب" Winning Hearts and Minds. ففي معاملته لأفراد الطائفة السامرية في نابلس، وفي محاولة لكسب قلوبهم والظهور بمظهر الراعي لهم، قرر الحاكم العسكري إقامة صندوق قروض لهم من أجل الإسكان، حيث خصص للأزواج الشبان منهم مبلغ إجمالي 50 ألف ل. إ. يُعطى الشاب

مبلغًا لا يزيد على خمسة الآف ليرة لكل حالة، لفترة زمنية تراوح بين 4 و 5 سنوات، وبفائدة 7–6 في

المئة. كما  اتخذ قرارًا بشراء أرضٍ وبناء بيوت على جبل جرزيم (نابلس)، عبر صندوق بلغت ميزانيته

75 ألف ل. إ. يخدم 60–50 عائلة،  يُموّل من احتياطي ميزانية الضفة الغربية، ويُعطى الشخص مبلغًا لايزيد

على 4 الآف ليرة لكل حالة، لفترة ثماني سنوات، بفائدة 6 في المئة، وذلك عن طريق البنوك. وفي إطار المعاملة التفضيلية لأفراد الطائفة السامرية أيضًا، اقترحت اللجنة إسكان من يرغب منهم في حولون (داخل إسرائيل)، مع تفضيل اللجنة تشجيع الشباب على البقاء في نابلس. وفي هذا السياق، أعطيت توصية للبنوك بمنح قروض لاُ تزيد على خمسة آلاف ليرة لخمسة عشر شابًا سامريًا، لمدة

(((10 الجلسة 190، البند 3، 1974/10/10، ص.961 (((10 يعود استخدام هذا المفهوم إلى الجنرال الاستعماري الفرنسي هيوبرت ليوتي Lyautey Hubert، ضمن استراتيجيته لمواجهة التمرد في فيتنام في عام 1895، التي استنبطها من السياسة الاستعمارية البريطانية في الهند، وطبّقها أيضًا في المغرب، وتقوم على

افتراض أنّ الواقعين تحت الاستعمار سيعملون من أجل مصالحهم، والتي سيجري تعريفها من المستعمِرين. ينظر:

Douglas Porch, "Bugeaud, Gallieni, Lyautey: The Development of French Colonial Warfare," in: Peter Paret (ed.), Makers of Modern Strategy: From Machiavelli to the Nuclear Age (Princeton: Princeton University Press, 1986), p. 393.

(((10 الجلسة 75، البند 2، 1968/7/22، ص.376 (((10 الجلسة 79، البند 3، 1968/8/19، ص.394

سنتين، ويمكن إعادتها خلال أربع سنوات. وبعد سنة من تأسيس صندوق قروض السامريين (في عام 1969) اتخذت اللجنة قرارًا بزيادة المبلغ الإجمالي ب 110 آلاف ل. إ. لسكان نابلس،

و 39 ألف ل. إ. لسكان حولون. يوضح الكاهن حسني السامري من الطائفة السامرية، ملابسات قروض الإسكان، حيث يشير إلى أنه كان أول من تقدم (من الطائفة السامرية) للحكم العسكري الإسرائيلي بطلب قرض من أجل الإسكان، انطلاقًا من اعتباره هو المسؤول، حُكمًا، عن رعاية شؤون الواقعين تحت حكمه، وذلك على الرغم من

الخلاف العقائدي الحاد بين الطائفة السامرية واليهود. وبصفته موظفًا تابعًا للحكم العسكري، واستنادًا

إلى تجربة سابقة في بداية الستينيات، خلال فترة الحكم الأردني للضفة الغربية، هُدم بيت عائلته بسبب

الأمطار وفيضان المياه، فما كان من والده إّل أن توجّه إلى الملك الأردني الحسين بن طلال، طالبًا منه توفير

منحة لإعادة بناء بيته، فاستجاب له بمنحه 1000 دينار أردني، وهذا يُعتبر مبلغًا كبيرًا بمقاييس تلك الفترة. نستنتج من المعطيات السابقة أنّ الحكم العسكري الإسرائيلي، تحت قناع توفير الرعاية الاجتماعية، استخدم

منح بعض الأفراد قروضًا تحت مظلة توفير السكن، وفي المقابل منعها عن آخرين وحرمانهم منها، حيث

استعملها أداةً للضبط والتحكّم والسيطرة، علاوة على تحكّمه في الهندسة الاجتماعية للشعب الفلسطيني، من

خلال التركيز في عملية الإقراض على سكان القدس ومخيمات اللاجئين؛ فيتمكن، وإن بصفة غير مباشرة، من التشويش على المطالبة بحق العودة من خلال توطين اللاجئين في المخيمات. يُضاف إلى ذلك تشجيع

الراغبين في الانتقال من مدينة القدس إلى مناطق أخرى في الأراضي المحتلة في عام 1967، وسيلةً لتفريغ القدس من سكانها الفلسطينيين، ومواجهة الواقع الديموغرافي فيها، كي يُعزّز وجود غالبية يهودية في المدينة.

ثالثًا: المرجعية القانونية والمالية لنظام الأبوية الاستعمارية

تتبادر إلى الذهن عند تناول موضوع الرعاية الاجتماعية عدة تساؤلات من بينها: أينحصر الدافع إلى توفير هذه الرعاية في محاولة "كسب القلوب والعقول" والمحافظة على الهدوء، أمّ أن هنالك دافعًا آخر

يكمن في محاولة الاحتلال الظهور بمظهر الملتزم بالقانون الدولي؟ بحسب معتز قفيشة، "في القانون الدولي الإنساني (تحديدًا اتفاقية لاهاي في عام 1899 واتفاقية لاهاي في عام 1907)، دولة الاحتلال

ملزمة بالاستمرار بتطبيق القانون المعمول به في الإقليم المحتل. وتعترف إسرائيل باتفاقيتَي لاهاي

(تسمى أيضًا أنظمة لاهاي) وتُطبّقها باعتبارها جزءًا من القانون الدولي العرفي. ولا تُجيز المادة 43

من اتفاقية لاهاي لقوة الاحتلال تعديل التشريعات المحلية إّل لسببين: الضرورة العسكرية ومصلحة

السكان المحليين". وهذا يفسر جزءًا من سلوك الاحتلال فيما يتعلق بتقديم بعض "التسهيلات"

والخدمات، من إعفاء ضريبي للجمعيات الخيرية أو الالتزام بقانون التقاعد.

(((10 ملحق الجلسة 79، البند 3، فرع ب، 1968/8/19، ص.400 (((11 الجلسة 113، البند 3، 1969/6/30، ص.541 (((11 حسني السامري، كاهن الطائفة السامرية، مقابلة شخصية، جبل جرزيم في نابلس،.2022/10/26 (((11 بحسب الكاهن حسني، تمتلك الطائفة السامرية التوراة واللغة العبرية الأصلية، وأنّها الامتداد الحقيقي لبني إسرائيل وليس

لليهود الصهيونيين. (((11 معتز قفيشة، خبير، حاصل على الدكتوراه في القانون الدولي، مقابلة عبر البريد الإلكتروني،.2022/10/4

بعد الفحص الدقيق للقوانين الأردنية، نجد حزمة منها تتعلق بالضرائب والتقاعد، تدفع الحكم العسكري إلى تبني سياسة أبوية. فبحسب المادة 83 من قانون الجمارك والمكوس رقم (1) لسنة 1962 للمملكة الأردنية، تُعفى الهيئات والمؤسسات العلمية والفنية والدينية والخيرية من الجمارك والمكوس، وقد جرى الاستناد إلى هذا القانون في الأمر العسكري الإسرائيلي الصادر في الضفة الغربية، ويحمل الرقم 31. أما بالنسبة إلى التقاعد، وكما أسلفنا، فاتخذت لجنة المديرين قرار "الاستمرار في إدارة صندوق التقاعد كما كان سابقًا"، بالتوافق مع قانون التقاعد المدني (الأردني) لسنة 1959، وفي قطاع غزة، واستنادًا إلى قانون تأمين التقاعد (قانون الحاكم الإداري رقم 169، بتاريخ 1961/5/6). وفيما يتعلق بأفراد الشرطة المحليين في الضفة الغربية، فقد جرى إصدار الأمر العسكري رقم 420، استنادًا إلى قانون التقاعد العسكري الأردني رقم 33 لسنة 1959. بينما كان الاستناد في نظام علاوة غلاء المعيشة للموظفين في الضفة الغربية إلى تعديل القانون الأردني رقم 445 لسنة 1959. وفيما يتعلق بقرار اقتطاع قسم من رواتب الموظفين لمصلحة الصندوق الخاص بإصابات العمل، فقد كان استنادًا إلى قانون العمل الأردني لسنة 1965. وقفنا في دراستنا هذه عند تحاشي الاحتلال الإشارة إلى مصدر ميزانيات "الرعاية" الاجتماعية. لكننا بعد الفحص في منشورات الحكم العسكري، وجدنا أنّ ما يُصرف على الرعاية هو جزء من اقتطاعات مالية من السكان الفلسطينيين. فبحسب القانون الإسرائيلي تُقتطع مبالغ من رواتب العمال الفلسطينيين العاملين في مناطق عام 1948، وتوضع الأموال في صندوق تذهب مخصصاته إلى الرعاية الاجتماعية. ولقد وقفنا عند أن ما يصرف على الرعاية الاجتماعية تجري تغطيته كامل من هذا الصندوق، بل تبقى فيه مبالغ مالية غير مستخدمة. ففي عامي /1970 1971، جرى استقطاع 10 ملايين ل. إ. لم اتُخصّص منها إّل 6.2 ملايين لنشاطات اجتماعية في الضفة الغربية (منها فقط 0.4 مليون للشؤون الاجتماعية). أمّا في قطاع غزة وشمال سيناء، فكان الدخل السنوي للصندوق في عامي /1970 1971 يقارب 10 ملايين ل. إ. لم تخصص منها إّل 3.8 ملايين لنشاطات اجتماعية.

(((11 "قانون رقم (1) لسنة 1962: قانون الجمارك والمكوس"، المقتفى، شوهد في 2024/3/7، في: https://bit.ly/3fb3Ffc (((11 كراس 2، أمر عسكري رقم 31، 1967/6/27، ص.66 (((11 ملحق الجلسة 65، البند 3، الفرع ه، 1968/5/13، ص.338 (((11 كراس 27، أمر عسكري رقم 420، 1971/3/23، ص.1003 (((11 كراس 29، أمر عسكري رقم 445، 1971/9/3، ص.1085 (((11 كراس 38، أمر عسكري 662، 1976/6/22، ص.196 (((12 جرى توزيعها كالتالي: للتدريب المهني 1.7 مليون ل. إ. بناء مدارس 1.5 مليون، الصحة 0.5 مليون، الشؤون الاجتماعية 0.4 مليون، تطوير شبكة الكهرباء 2 مليون. ((12(وحدة تنسيق النشاطات في الأراضي، ثلاث سنوات حكم عسكري: معطيات عن النشاطات المدنية في يهودا وشمرون

وقطاع غزة وشمال سيناء، 1970–1967 (تل أبيب: وزارة الدفاع، حزيران/ يونيو 1970)، ص 78. (بالعبرية) (((12 وزعت كالتالي: تدريب مهني مليون، الصحة 0.6 مليون، مدارس 0.4 مليون، تطوير شبكة الكهرباء.1.8 مليون (((12 وحدة تنسيق النشاطات في الأراضي، ص.130

وفضل عن هذه السياسات، كان الدعم الذي يوجّه إلى الفلسطينيين يتأثر بالظرف السياسي والأمني من

جهة، ويتوازى مع سرقة الموارد الطبيعية من المناطق المحتلة من جهة أخرى. فقد قررت اللجنة تقليص الدعم بعد عام 1973 نتيجة الحرب. وبحسب مردخاي نيسان Mordechi Nisanُأ سّست ميزانية الحكم العسكري على استغلال إسرائيل النفط الموجود في سيناء. وعلى الرغم من أنها لم تعلن عن الأرقام رسميّا، فإنها قبل عام 1967 كانت تنتج حوالى 6 في المئة مما تستهلكه من النفط، بمعدل ثلاثة ملايين طن

من النفط سنويًا، بينما سجل عام 1970 استخراج 4.5 ملايين طن من سيناء، وارتفع المقدار المستخرج إلى 6–5 ملايين طن خلال عامَي 1972–1971، ومن ثمّ كانت إسرائيل تستخرج على الأقل 50 في المئة مما تستهلكه من النفط من سيناء. ومن ثم يستنتج نيسان أن ميزانية الأراضي المحتلة السنوية التي تقدر ب 30 مليون دولار، كانت تغطى من النفط المستخرج من سيناء لوحدها. وهذا يفسر تقليص الدعم بعد الحرب، بعد خوض مفاوضات مع مصر، انتهت، كما كان متوقعًا، بالانسحاب من سيناء.

رابعًا: مقاومة الأبوية الاستعمارية الاستيطانية

لكن، ألم تواجه منظومة الأبوية الاستعمارية الاستيطانية الإسرائيلية بفاعلية احتجاجية فلسطينية؟ لقد لاحظنا حالة التمييز الممنهج في الأجور في ظل الحكم العسكري الإسرائيلي، الذي أخذ أشك لعدة ا من تمييز بين الموظفين وعمال المياومة، وبين موظفي الضفة الغربية وقطاع غزة، علاوة على التمييز العنصري بين العمال اليهود والعرب. فقد استثنى قرارُ صرف غلاء المعيشة بنسبة 8 في المئة في سنة 1968 عمالَ المياومة واقتصر على الموظفين المثبتين. يضاف إلى ذلك أن القرار الذي اتخذته في عام 1971 بزيادة الأجور بنسبة 7 ا في المئة (بدل من 10 في المئة التي أوصى بها القادة العسكريون)، لم يُمنح موظفو قطاع غزة سوى زيادة مقدارها 5 في المئة؛ ما دفع القائد العسكري في القطاع إلى الاستئناف ضد هذا الأمر، حتى يتجنّب اندلاع احتجاجات الموظفين في القطاع. وتحت ذريعة وجود فارق في المستوى المعيشي، كانت أجور موظفي مناطق قطاع غزة وسيناء أقل من موظفي الضفة الغربية، مع أنهم يعيشون تحت السلطة نفسها، والمستوى الأسعار نفسه. وتجسّد التمييز العنصري للحكم العسكري كذلك في الإصرار على إبقاء فوارق في الأجور بين العمال اليهود والعرب. فقد اقترح شلومو جازيت (الحاكم العسكري لمنطقة الضفة الغربية بين عامي 1967 و 1973) على لجنة المديرين إلزام أرباب العمل في القطاع الخاص الإسرائيلي، عبر إصدار أمر عسكري بذلك، بدفع أجور مشابهة للأجور في إسرائيل، مع أعطاء الحقوق الاجتماعية، لكن غالبية أعضاء

(((12 الجلسة 186، البند 6، 1974/3/27، ص.941

(125)  Mordechi Nisan, Israel and the Territories: A Study in Control 1967–1977 (Ramat Gan: Turtledove Publishing, 1978), p. 41.

(((12 الجلسة 85، البند 1، 1968/10/3، ص.425 (((12 الجلسة 147، البند 5، 1971/2/18، ص.680 (((12 الجلسة 177، البند 11، 1973/3/1، ص.892

اللجنة رفضت المقترح، ما دفع جازيت إلى رفع مقترحه إلى الحكومة الإسرائيلية مباشرةً. ناقش مكتب رئيس الوزراء (غولدا مائير 1974–1969) الموضوع بعد احتجاج جازيت، فما كان من المكتب إاّل أن "قنن" هذا التمييز عبر الامتناع عن إصدار قرار بالمساواة في الأجور، والانحياز إلى رأس المال الإسرائيلي على حساب العمال العرب، بإصدار قرار للجنة المديرين، نصّ على أن "يعطى للقوى

الاقتصادية مجال للعمل بدون تقييد من 'أصحاب اللاءات' (الذي يقولون 'لا' لكل شيء)، ومحاولات إعاقة المسيرة". وتجب الإشارة إلى أنّ التمييز في الأجور لم يقتصر على عمال "القطاع الخاص" وموظفيه، بل تعدّاه إلى القطاع الحكومي؛ إذ، باعتراف لجنة المديرين، كان الفرق في الأجور يعادل 85–80 في المئة، بين موظفي الحكم العسكري، والعاملين فيه بالوظائف نفسها داخل إسرائيل. وقد استجلبت حالة التمييز في الأجور ردات فعل احتجاجية فلسطينية وعربية مبكرة. فقد طالب موظفو المناطق الأقل أجرًا (قطاع غزة وسيناء) الحكم العسكري بمساواتهم في الأجور مع الضفة

الغربية، استنادًا إلى كونهم يتبعون السلطة الحاكمة نفسها، ويعيشون تحت الظروف نفسها. وتقدم الموظفون في قطاع غزة بشكوى تطالب برفع أجورهم ومساواتهم في الأجور مع العاملين داخل إسرائيل، وفي السياق نفسه، قدّم الأطباء عريضة احتجاجية وهدّدوا بالإضراب، كما تقدم المعلمون في الضفة الغربية بعريضة مشابهة. وحاول المعلمون تأسيس نقابة للدفاع عن حقوقهم. ففي عام 1972، تقدمت لجنة من المعلمين بطلب لذلك من الحاكم العسكري، لكنه رفض. فما كان من المعلمين إّل أن شكلوا لجانًا للمطالبة بتحسين أجورهم التي تأكّلت بفعل غلاء المعيشة. ومن خلال المقارنة بما يتقاضاه المعلمون داخل إسرائيل، كان فرق الأجور يبلغ نسبة 64 في المئة، ولذلك نفّذ المعلمون إضرابًا في عام 1980 للمطالبة برفع

أجورهم بنسبة 100 ا في المئة، ولم يحصلوا مع نهايته إّل على زيادة بنسبة 20 في المئة. لم يقتصر الاحتجاج على المطالبة برفع الأجور، بل شمل أيضًا تقديم الموظفين دعوى قضائية ضد الحكم العسكري، يطلبون فيها زيادة للمتقاعدين، على أساس القرار الذي اتّخذته السلطات الأردنية قبل حرب عام 1967؛ وإذ حال الاحتلال الإسرائيلي دون تنفيذه، فما كان من الموظفين إّل أن توجهوا إلى المحاكم الإسرائيلية بدعوى قضائية للحصول على حقهم في زيادة التقاعد. ونتيجة لذلك بحثت اللجنة الموضوع، واتخذت قرارًا بتحاشي الاحتكاك مع شريحة المتقاعدين، والموافقة

على طلبهم. ونلاحظ هنا أنّ التقدم بعرائض والدعاوى القضائية يُدرج تحت الأبوية الاستعمارية،

(((12 الجلسة 168، البند 4، 1972/5/25، ص.825 (((13 الجلسة 170، البند 1، 1972/7/27، ص.839 (((13 الجلسة 207، البند 3، 1977/3/24، ص.1212 (((13 الجلسة 177، البند 11، 1973/3/1، ص.892 (((13 الجلسة 185، البند 1، الفرع د، 1974/2/28، ص.934 ((13(صلاح الزرو، التعليم تحت الاحتلال 1987–1967 (الخليل: رابطة الجامعيين؛ مركز الأبحاث، 1988)، ص.275–265 (((13 الجلسة 147، البند 6، 1971/2/18، ص.680

كما أسلفنا، لكنه، في الوقت ذاته، مؤشر على فاعلية فلسطينية احتجاجية، رفضت سياسة الأمر الواقع، وسعت بالوسائل المتاحة كافة (عرائض، دعاوى قضائية، التهديد بالإضراب) إلى تحصيل الحقوق. ولم تكن محاولة تحصيل الحقوق من خلال اللجوء إلى المحاكم الإسرائيلية تعني بالضرورة رغبةً في الاندماج والانصياع، وليست اعترافًا بشرعية المنظومة الاستعمارية، بل هي من أشكال الفاعلية الاحتجاجية الفلسطينية التي تلجأ إلى كل الوسائل المتاحة لتحصيل حقوقها، ضمن رؤية عامة تفترض أنّ تحصيل المطالب المعيشية سيقود إلى تعزيز الصمود في الأرض الفلسطينية.

خاتمة

يشير وجود أحد أشكال الرعاية الاستعمارية لبعض السكان الفلسطينيين في مناطق عام 1967 إلى وجود تحول من منطق الإزالة والمحو، الذي كان سائدًا في المناطق المستعمرة في عام 1967، إلى منطق إدارة السكان؛ إذ كيف يمكن منظومة حكم يحكمها منطق المحو أن تعمل على رعاية السكان بدل من التضييق عليهم، من أجل تهجيرهم؟ وهذه الفكرة محور سجال نظري، ويجادل باحثون بأن منظومة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني تحوّلت من تبني منطق المحو إلى منطق التحكم والسيطرة

بسبب الفاعلية الفلسطينية، والفاعليتين الخارجية والداخلية، من دون التخلّي عن إمكانية المحو في حال توافر بيئة ملائمة. يمكننا القول إنّ ما توصّلت إليه هذه الدراسة يعتبر إضافة نظرية جديدة إلى مفهوم الاستعمار الاستيطاني

في السياق الفلسطيني. فالشائع في الدراسات المنشورة حول هذه الظاهرة الاستناد إلى مقولة وولف ومفادها أنّ المنطق الجامع للاستعمار الاستيطاني هو المحو. لكن الوقائع على الأرض التي جردناها وحلّلناها، وبفعل عوامل عدة، من بينها الفاعلية الفلسطينية، والظروف الدولية والإقليمية، ساهمت في دفع الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي إلى التحوّل من منطق المحو والإزالة إلى منطق إدارة السكان.

وقد عرضت الدراسة ما تجلّى من هذا التحول عبر تقديم المساعدات والدعم لبعض الفلسطينيين، والإعفاءات الضريبية للمؤسسات الدولية، والمساعدات الخارجية، والتكفل بالرواتب والتقاعد، مع ربط الأجور بغلاء المعيشة، إضافة إلى توفير قروض للإسكان في بعض الحالات. إن سعي منظومة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي لرعاية السكان، وبناء شبكة زبائنية مصلحية في مناطق عام 1967، يتعارض مع تعريف الاحتلال باعتباره حالةً مؤقتةً، فهدف الرعاية تهدئة السكان وبناء شبكة زبائنية، لتسكين الأوضاع الأمنية والتأسيس لوجود طويل الأمد في المناطق المحتلة. وقد استخدم الحكم العسكري الإسرائيلي "الرعاية" أداةً للضبط والتحكّم والسيطرة، حيث انتهت سياسة المنع والمنح بالاستناد إلى مدى الانضباط والخضوع لمنظومة الحكم الاستعماري، مثلما دللنا عليه من خلال أمثلة الفصل من الوظيفة لمن يتّهم بمقاومة الاحتلال، وحرمانه من حقوقه التقاعدية، علاوة على حرمانه من أي امتيازات

(((13 لمزيد من التوسع حول التحول من المحو إلى التحكم والسيطرة، ينظر: أشرف بدر، "الاستعمار الاستيطاني في فلسطين بين

البنية والصيرورة: محو وإزالة أم  تحكم وسيطرة؟"، عمران، مج  10، العدد 39 (شتاء 2022)، ص 38–11؛ أشرف بدر وعاصم خليل،

"الاستعمار الاستيطاني في السياق الفلسطيني: نموذج أم  مفهوم؟"، عمران، مج  9، العدد 35 (شتاء 2021)، ص.30–7

أو تسهيلات، مثل الإعفاء الضريبي الممنوح لذوي الإعاقة، حيث يشترط أّل تكون هذه الإعاقة ناتجة من مقاومة الاحتلال. وللأسف لم نتمكّن من العثور على إحصاءات موثّقة حول عدد المحرومين للتعرف إلى حجم هذه الظاهرة، وقد يكون السبب في عدم وجود مثل هذه المعطيات هو الافتقار إلى مؤسسات فلسطينية إحصائية فاعلة داخل الأرض المحتلة، ترصد مثل هذه الحالات وتوثّقها في الفترة الزمنية التي غطاها البحث. تحاول المنظومة الاستعمارية من خلال ممارسة الأبوية الظهور بمظهر الراعي، لكنها في حقيقة الأمر تمارس الاستغلال، فعدا التدوير المالي وشراء المواد "المدعومة" من السوق الإسرائيلية، فإن مصدر أموال هذه الرعاية هو جباية الرسوم من السكان المحليين، وسرقة الموارد من الأرض المستعمرة؛ ما يؤكد طبيعة السلطة الاستعمارية الإسرائيلية التي تجمع بين الاستغلال الاستعماري وإدارة السكان على أساس التمييز العنصري. وقد لمسنا ذلك في "تقنين" الفوارق في الأجور بين السكان المحليين والمستعمِرين، علاوة على التمييز في المواد الغذائية المدعومة للسكان الفلسطينيين، على قلّتها، واتّصافها

بالرداءة، مقارنة بما  يتلقاه المستعمِر كما  وقفنا على ذلك في مثال الأرز. لربما نجح الحكم العسكري في توظيف "الرعاية" والمنع والمنح أداةً للضبط والتحكم والسيطرة لدى قطاعات من الشعب الفلسطيني، لكن يمكننا الادعاء بأنّه في المجمل قد فشل في تحقيق مبتغاه، استنادًا إلى شواهد كثيرة، منها تفجر انتفاضة عام 1987، التي شارك فيها معظم شرائح الشعب الفلسطيني، وأثبتت فشل سياسات التحكم والضبط والسيطرة الاستعمارية التي يتبعها الحكم العسكري الإسرائيلي.

تنويه وتقدير

يعبّر المؤلفان عن شكرهما للجنة البحث العلمي في جامعة بيرزيت لتمويلها إعداد هذه الدراسة،

والشكر موصول لغسان أبو حطب من قطاع غزة لدوره في إجراء المقابلات الشخصية في القطاع.

المراجع

References

العربية

بدر، أشرف. "منظومة التحكم والسيطرة للحكم العسكري الإسرائيلي في المناطق المستعمرة عام 1967 في الفترة ما بين 1981–1967: البيوسلطة الزراعية كمدخل". أطروحة أعدت لنيل درجة الدكتوراه في العلوم الاجتماعية. جامعة بيرزيت..2022 ________. "الاستعمار الاستيطاني في فلسطين بين البنية والصيرورة: محو وإزالة أم تحكم وسيطرة؟". عمران. مج  10، العدد 39 (شتاء.)2022 بدر، أشرف وعاصم خليل. "الاستعمار الاستيطاني في السياق الفلسطيني: نموذج أم  مفهوم؟". عمران. مج 9، عدد 35 (شتاء.)2021 الزرو، صلاح. التعليم تحت الاحتلال 1987–1967. الخليل: رابطة الجامعيين؛ مركز الأبحاث،.1988 "قانون رقم (1) لسنة 1962: قانون الجمارك والمكوس". المقتفى. في: https://bit.ly/3fb3Ffc

العبرية

الأوامر العسكرية للحكم العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة في الفترة.1977–1967 تيفيث، شبتي. البركة الملعونة. القدس / تل أبيب: شوكن..1969 "جلسات لجنة المديرين في الفترة 1977–1967". أرشيف دولة إسرائيل. وحدة تنسيق النشاطات في الأراضي. ثلاث سنوات حكم عسكري: معطيات عن النشاطات المدنية في يهودا وشمرون وقطاع غزة وشمال سيناء 1970–1967. تل أبيب: وزارة الدفاع. حزيران/ يونيو.1970

الأجنبية

A ronson, Geoffrey. "Israel’s Policy of Military Occupation." Journal of Palestine Studies. vol. 28 (1978). Barbett, Michael. "International Paternalism and Humanitarian Governance." Global Constitutionalism. vol. 1, no. 3 (November 2012). Gazit, Shlomo. Trapped Fools: Thirty Years of Israeli Policy in the Territories. London: Routledge, 2003. Gibbon, Peter, Benoit Daviron & Stephanie Barral. "Lineages of Paternalism: An Introduction." Journal of Agrarian Change. vol. 14, no. 2 (April 2014). Gordon, Neve. Israel’s Occupation. London: University of California Press, 2008. Isaacman, Allen. "Coercion, Paternalism and the Labour Process: The Mozambican Cotton Regime 1938–1961." Journal of Southern African Studies. vol. 18, no. 3 (September 1992). Mendy, Peter Karibe. "Portugal’s Civilizing Mission in Colonial Guinea–Bissau: Rhetoric and Reality." The International Journal of African Historical Studies. vol. 36, no. 1. Special Issue: Colonial Encounters between Africa and Portugal (2003). Murphy, John F. "Legitimation and Paternalism: The Colonial State in Kenya." African Studies Review. vol. 29, no. 3 (September 1986). Narayan, Uma. "Colonialism and Its Others: Considerations on Rights and Care Discourses." Hypatia. vol. 10, no. 2 (Spring 1995). Nisan, Mordechi. Israel and the Territories: A Study in Control 1967–1977. Ramat Gan: Turtledove Publishing, 1978. Ophir, Adi, Michal Givoni & Sari Hanafi (eds.). The Power of Inclusive Exclusion: Anatomy of Israeli Rule in the Occupied Palestinian Territories. Brooklyne: Zone Books, 2009. Paret, Peter (ed.). Makers of Modern Strategy: From Machiavelli to the Nuclear Age. Princeton: Princeton University Press, 1986. Scott, James C. The Moral Economy of the Peasant: Rebellion and Subsistence in Southeast Asia. New Haven: Yale University Press, 1976. Stephens, Julia. "A Bureaucracy of Rejection: Petitioning and the Impoverished Paternalism of the British–Indian Raj." Modern Asian Studies. vol. 53, no. 1 (January 2019). von Soest, Christian. "What Neopatrimonialism Is – Six Questions to the Concept." Background Paper for GIGA–GIGA German Institute of Global and Area Studies. Hamburg, 23/8/2010.