Return to Article Details Transformations of Political Discourse in Libya After 2011: A Study of The Joint Effect of Belongingness

تحولات الخطاب السياسي في ليبيا بعد عام 2011: دراسة في التأثير المركب للانتماء

Transformations of Political Discourse in Libya After 2011: A Study of The Joint Effect of Belongingness

صالح أبو الخير| Saleh Abu Alkhir *

الملخّص

تسعى الدراسة لرصد تحوّلات الخطاب السياسي في ليبيا، من خلال بحث الخطاب المنتمي إلى ثورة 17 فبراير، وكيفية محافظته على اتّساقه وتأثيره خلال الشهور الأولى للثورة، ثم تفسير التحوّل من خطاب وطني جامع، إلى خطاب يُعبّر عن قضايا هووية وأيديولوجيات حزبية وعقائدية، وعلاقاته المركبة بانزلاق الواقع الليبي إلى الصراع، ثم إلى الحرب الأهلية. وتنظر الدراسة في تركيبة النخب المؤثرة في إنتاج القرار السياسي، وفي المفاهيم التي تشملها خطاباتها متأثرة بالهويات الخاصة.

Abstract

Abstract: This study traces the transformations of political discourse in Libya after the 17 February Revolution. It analyzes the discourse of the February Revolution, examining how it maintained its consistency and influence at the beginning of the revolution. Then, it explores how this discourse began to express issues related to the politics of identity and belonging. The study also analyzes the structure of the elites influencing the production of political decisions and discourse affected by the politics of identity.

الكلمات المفتاحية:
  • الخطاب السياسي
  • النخب
  • الهوية
  • ليبيا
  • الربيع العربي
Keywords:
  • Political Discourse
  • Elites
  • Identity
  • Libya
  • Arab Spring

ملخص: تسعى الدراسة لرصد تحّولّات الخطاب السياسي في ليبيا، من خلال بحث الخطاب

المنتمي إلى ثورة 17  فبراير، وكيفية محافظته على اتّساقه وتأثيره خلال الشهور الأولى للثورة،

ثم تفسير التحوّل من خطاب وطني جامع، إلى خطاب يُعبّر عن قضايا هووية وأيديولوجيات

حزبية وعقائدية، وعلاقاته المركبة بانزلاق الواقع الليبي إلى الصراع، ثم إلى الحرب الأهلية.

وتنظر الدراسة في تركيبة النخب المؤثرة في إنتاج القرار السياسي، وفي المفاهيم التي تشملها

خطاباتها متأثرة بالهويات الخاصة.

Abstract: This study traces the transformations of political discourse in Libya after the 17 February Revolution. It analyzes the discourse of the February Revolution, examining how it maintained its consistency and influence at the beginning of the revolution. Then, it explores how this discourse began to express issues related to the politics of identity and belonging. The study also analyzes the structure of the elites influencing the production of political decisions and discourse affected by the politics of identity.

Assistant Professor at the University of Benghazi, Libya. Email: betra66962@yahoo.com

مقدمة

تسعى الكثير من الأبحاث في العلوم الاجتماعية لتناول أساليب الخطاب وتأثيره في وعي أفراد المجتمعات ومجموعاته وسلوكها، عاملة على ابتكار مفاهيم جديدة، واجتراح مقاربات تُخضعه للتحليل والنقد من زوايا متعددة. وتبرز مفردة الخطاب Discourse بوصفها واحدةً من أكثر الكلمات المفتاحية شيوعًا في المقاربات الاجتماعية والثقافية. أما مفردة الخطاب السياسي، فيتواتر حضورها في الدراسات السياسية. ولأنه مفهوم متعدد التخصصات، فقد حظي باهتمام اللغويين وعلماء السياسة والاجتماع وعلم النفس، وحال هذا التعدد دون وجود تعريف محدد، لكن العديد من الدراسات تلجأ إلى تعريف أناتولي بارانوف Anatoliy Baranov بأن الخطاب السياسي هو مجمل أعمال الكلام المستخدمة في المناقشات السياسية وقواعد السياسة العامة التي تقدّست بالتقاليد

وُأثبتت بالتجربة. كما يُستخدم بتوسّع تعريف آخر لإيلينا رومانوفا ليفينكوفاُ Elena Romanova

Levenkova يُعرّف الخطاب السياسي بأنه تعبير لغوي عن ممارسة عامة في مجال الثقافة السياسية،

وهو الاستخدام المهني للغة، المرتكز على عقلية متكلّميها المشروطة وطنيًا واجتماعيًا وتاريخيًا.

وتُفضّل إيلينا لوستيفوفنا شيغال Elena Lostifovna Sheigal وأناتولي بروكوبيفيتش تشودينوف Anatoliĭ Prokopʹevich Chudinov وآخرون توسيع المفهوم ليشمل جميع أشكال النشاط اللغوي التي ترتبط بعالم السياسة، سواء كانت تتعلق بالموضوع أم بالمخاطب أم بمحتوى هذا الخطاب. مثّل تحليل الخطاب السياسي واحدًا من أهم مداخل دراسة الحركات الاجتماعية والثورات ودورات التغير الاجتماعي. وقد اعتمدت دراسة الخطاب السياسي على تقنية تحليل المضمون الذي تتعدد تعريفاته، من تعريف يجعل المضمون متأصل في النص، وآخر يجعل المضمون مصدرًا للنص،

وثالث يذهب إلى تناول المضمون ضمن عملية تحليلية للنص في سياق معيّن؛ وتوظّفه دراستنا

في تعريفه الثالث، لكننا نراه لن يكون كافيًا لمثل هذه الدراسة، لأنّ المتحدث بكلّ خطاب سياسي

يعتمد في بنائه له على معتقداته وأفكاره وثقافته التي تعلّمها في مجموعته الاجتماعية، وهي المؤثرات التي نوصّفها بأنها مكوّنات انتماء. ومن ناحية أخرى، نحن نرى أنّه حالما  تؤسّس حالة خطابية ما،

خاصة في أزمنة الصراع، يلجأ صاحب الخطاب، بوصفه فاعل سياسيًا، إلى توظيف استراتيجيّات

الُغويّة وخطابية تعكس رأيه وتصوّراته السياسية في المنظومة السياسية التي يعمل بها، متفاعل مع

السياق الذي فيه ينفّذ فعله السياسي. تستند الدراسة إلى افتراض تيون فان ديك، ومفاده ارتباط الخطاب والسياسة بطريقتين: الأولى حين يجري تكوين البنى والممارسات السياسية عن طريق تفاعل الفاعلين السياسيين مع السياقات السياسية التي فيها يفعلون، والثانية حين يلجأ هؤلاء الفاعلون السياسيون إلى ربط هذه السياقات السياسية

(1)  Petrosyan Nelya Valerevna & Khamrakulova Farangiz Rakhmatovna, "The Concept of 'Political Discourse'," European Scholar Journal , vol. 3, no. 3 (2022), pp. 88–91. (2)  Klus Krippendorff, Content Analysis: An Introduction to Its Methodology (London: Sage Publication, 2004), pp. 18–19. (3)  Teun van Dijk, Discourse and Power (New York: Palgrave Macmillan, 2008), pp. 162–163.

بالمفاهيم والمعتقدات والخبرات التي اكتسبوها من بيئاتهم الأولى. ويعني افتراض فان ديك أن الإدراك السياسي لدى الفاعل السياسي يجمع ما بين أبعاد شخصية لديه، بوصفه فردًا ينتمي إلى بيئة أو ثقافة ما، حيث  يُوظّف التمثلات العقلية والذاكرة والمعتقدات السائدة لدى جماعته، بمافيها التحامل على

الآخرين والتحيّز إلى أيديولوجيا وقيم معيّنة، وبين سلوكه السياسي بوصفه فاعل سياسيًا نخبويًا.

وعلى هذا الأساس، يكون محدّدا الخطاب السياسي في صياغته وكيفيات الإدلاء به والمشاركة به في الجدل السياسي، هما مكوّنات الانتماء من جهة، والسياق السياسي من جهة أخرى. ومن الواضح أنّ

المحدّد الأول أقرب إلى الاستقرار والديمومة، في حين ينزع المحدد الثاني إلى الحركية والتحوّل. يكون الانتماء إلى هوية، وعادة ما يجري الحديث عنه كإحساس أو شعور. ويوفر هذا الشعور للمنتمي حالة من الرضا تجاه وجوده، لأنه يُلبّي حاجة إنسانية. لكنّ لين ميلر يرى أن الانتماء، في الحقيقة، أبعد

من ذلك؛ إذ هو حالة من الوجود ربما مستقلة عن تلك المشاعر، ولهذا طرحته الدراسات المتعلقة به جزءًا لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية، لأنه يؤثر تأثيرًا بالغًا في تحديد الموقع الاجتماعي. ويضع

ميلر تعريفًا ثلاثيّ الأبعاد للانتماء، فهو: أول، الشعور بالانتماء عبر الروابط الاجتماعية نحو جماعة

من الناس؛ ثانيًا، الشعور بالانتماء عبر الروابط التاريخية نحو ماضي هذه الجماعة أو تقاليدها؛ ثالثًا،

الشعور بالانتماء عبر الروابط الجغرافية نحو منطقة معيّنة أو مكان أو سكن. وللأبعاد الثلاثة حضور

في هذه الدراسة، من خلال عملنا على رصد الكيفيات التي كشفت فيها مختلف الانتماءات عن نفسها وطبيعتها والاعتراف بها أو إنكارها، ومدى تأثّرها بالتصورات والاعتقادات المشتركة، وغيرها من محدّدات الخطاب السياسي. الحالة التي نستثمر فيها تحليل مضمون الخطاب السياسي بالمعنى الذي تقدم هي ثورة 17 فبراير 2011 الليبية؛ وإذ مضى أكثر من عقد عليها، وباعتبارها حلقة من حلقات الربيع العربي، فقد حفل سجلّها الخطابي بمطالب جرى التعبير عنها بشعارات ومصطلحات ومفاهيم سياسية كانت حاضرة في خطابات النخب السياسية الليبية المختلفة المشارب. وقد تشكّلت وحدات الخطاب السياسي التي ندرسها ممّا يسَّمَى، تقليديًا، بالخُطب السياسية التي صدرت عن مشتغلين بالسياسة، سواء أكانوا

مسؤولين رسميين أم لا، عسكريين أم مدنيين، وعن زعماء محليين أو فاعلين على مستوى وطني، ومن بيانات رسمية صدرت عن جهات مختلفة، حزبية وقبلية وسلطوية، وعن حراكات احتجاجية ومطلبية، ومن تصريحات أو مواقف تم التعبير عنها في القنوات التلفزيونية وعبر وسائل التواصل الاجتماعي. وسيكون الحد الزمني للخطابات المدروسة ممتدًا من 17–16 شباط/ فبراير 2011 إلى 2023. وقد عزّزنا هذه المدوّنة التي جمعناها بما وثّقناه خلال مقابلات أجريناها مع شخصيات شاركت، من مواقع

مختلفة ومتغيّرة في العمل السياسي خلال فترة الدراسة. وكون دراستنا هذه تخوض في سوسيولوجيا الثورة الليبية من خلال تحّولّات الخطاب السياسي المرتبط

بها، مع التركيز على التصوّرات والأفكار، فإنها ستعتمد رصد مكوّنات الخطاب اللفظية من كلمات

(4)  Linn Miller, "Belonging to Country – A Philosophical Anthropology," Journal of Australian Studies , vol. 27, no. 76 (2003), p. 217.

مفتاحية ومصطلحات ومفاهيم، وتحليل بنيته والوقوف على فاعليته السياسية إزاء قضايا من قبيل الجهوية والمظالم التاريخية، والتهميش والإقصاء الاجتماعيين، وغيرها. وتناقش دراستنا أيضًا تركيبة النخبة السياسية وممارساتها الخطابية والسياسية التي حاولت من خلالها توظيف المظالم التاريخية التي أبرزتها الثورة، وديناميات تأثير مكوّنات الانتماء في خطابات النخب السياسية؛ لذا، نُبرز فيها

ثلاثة أمثلة خطابية: أولها خطاب "حراك لا للتمديد"، وثانيها "خطاب الثورة المضادة"، وثالثها "خطاب الكراهية". وندّعي أن اختيارنا لهذه النماذج سيقدم رؤية سياقية لتحّولّات الوضع السياسي في ليبيا

في العقد الأخير، وما صاحبها من تحّولّات في الخطاب السياسي تجاه قضايا التعايش والاستقرار

والوحدة الوطنية... إلخ. ويهم الاختبار الذي نختم به الدراسة إمكانية عودة الخطاب الوطني الجامع باعتباره خطابًا متساوقًا مع الموجة الثانية من الربيع العربي، في مواجهة خطابات مضادّة من قبيل

خطابات الجهوية والأيديولوجيا والفساد. تتناول الدراسة في المبحث الأول خطابًا سياسيًا ارتبط بثورة شباط/ فبراير في شهورها الأولى، بالتركيز

على المشتركات الاجتماعية والسياسية، والدفع نحو التحشيد والتعبئة وتوحيد الصفوف. أما في مبحثها الثاني، فتعاين الدراسة ممارسات النخب السياسية الليبية الخطابية، وتستكشف مفاهيمها المركزية، مع التركيز أساسًا على السياق السياسي ودوره في صنع تحولات تلك الخطابات. وتختبر،

في مبحثها الثالث، إن كانت الخطابات التي ميّزت المظاهرات التي شهدتها ليبيا خلال السنوات

الثلاث الأخيرة، تزامنًا مع الموجة الثانية للربيع العربي، محاولةً لرفض التمذهب والانتماءات الأولية، وإن كانت قد تبنّت مفاهيم جديدة خرجت بها عن دوائر تأثير النخب السياسية التي بقيت فاعلة في ليبيا إلى حدود عامي 2020–2019. ويرتكز اختيارنا للقضايا التي نناقشها في هذا المبحث، على أن من مفاصل خوضنا في سوسيولوجيا الثورة الليبية من خلال الخطاب السياسي، استكشاف أهم المشتركات الممكنة بين سردية الثورة ومتطلّبات الدولة.

أولا: مطالب وشعارات وموارد خطابية في سياق توحيدي

في 15 شباط/ فبراير 2011، نشبت العديد من المظاهرات في مدينتَي بنغازي والبيضاء، وقبل ذلك خرجت مظاهرات لأهالي ضحايا مذبحة بوسليم، رافعة شعارات "الشعب يريد إسقاط الفساد"، بينما رفع آخرون الأعلام الخضراء الدالة على الولاء لنظام القذافي، هاتفين: "نوضي نوضي يا بنغازي". وتمكّنت قوات النظام من تفريق المظاهرة بالغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه الساخنة، ورد المتظاهرون عليها برشقها بالحجارة. وفي اليوم التالي، في 16 شباط/ فبراير، اندلعت الاحتجاجات في البيضاء، وكانت شعاراتها أكثر اندفاعًا، حينما طالب المتظاهرون بإسقاط النظام،

((("مظاهرات في بنغازي وإعلان الإفراج عن معتلقين"، بي بي سي عربي، يوتيوب، 2023/2/16، شوهد في 2024/3/2، في:

https://tinyurl.com/47s484wz

(((المقصود: انهضي انهضي يا بنغازي. (((إدريس المسماري، سيرة فبراير: تجربة شخصية (بيروت: دار  النهضة العربية، 2014)، ص.67

وشملت الهتافات رأس النظام معمر القذافي شخصيًا: "جاك الدور جاك الدور... قذافي يا دكتاتور"،

وقوبلت بعنف شديد من قوات النظام، فسقط اثنان من المتظاهرين، وتحوّلت جنازتهما إلى مظاهرة

في 17 شباط/ فبراير، رُفعت فيها مطالب، وجرى ترداد شعارات ثورية، تكررت فيها عبارات "إسقاط

الفساد" و"إسقاط النظام"، وتفجّرت أعمال العنف وقوبلت بالرصاص الحيّ، فسقط خمسة عشر

شخصًا، حين هاجم المتظاهرون مراكز الشرطة والأمن في المدينة، ثم قاعدة تتبع كتيبة أمنية في

شحات (كتيبة حسين الجويفي)، وهي لواء من ألوية الحرس الخاص بالقذافي. وفي مناطق أخرى، مثل درنة وطبرق والمرج وأجدابيا وبنغازي، هوجمت أيضًا المعسكرات ومراكز الأمن. وشهد الغرب الليبي انتفاضات في الزنتان والرجبان ومصراتة على التوالي، وسادت روح الثورة في غالبية المناطق الليبية، وتميّزت هذه الاحتجاجات بالعفوية. كانت الخطابات الصادرة عن المحتجين والمتظاهرين في الشوارع، في الأيام الأولى للثورة، غير متجانسة. لكن تصريحات المسؤولين المنشقين عن نظام القذافي، مثل مصطفى عبد الجليل وعبد الفتاح يونس وسليمان محمود وعبد الرحمن شلقم، وما احتوته بيانات انشقاقهم من ألفاظ، من قبيل "ضرورة إسقاط الدكتاتورية"، و"الوحدة الوطنية" و"الحياة الكريمة"، و"الدولة المدنية"، كانت ذات تأثير مهم تجاه توحيد الخطابات السياسية. وساهمت القنوات العربية التي يتابعها الليبيون في تشكيل تجانس مبدئي لهذه الخطابات. وقد اضطلعت قناة الجزيرة بالدور الأهم في هذا السياق، لثقة الجمهور فيها في ذلك الوقت، وتواتر مفردات سياسية محددة في ما يدلي به ضيوفها، مثل محمود شمّام وعلي الصلابي اللذين كانا الأكثر تأثيرًا. وكان الأول ينتمي إلى أيديولوجيا يسارية مدنية لائكية،

أما الثاني، فهو كاتب ينشط في العمل العام وينطلق من قواعد فكرية إسلامية. وكان لانضمام محمود جبريل، المفكر الإصلاحي المعروف عند الليبيين، إلى المحتجين، تأثير خطابي ملحوظ، ثم تبعه بروز شخصيات قبلية ذات تأثير اجتماعي تاريخي، كان القذافي قد استبعدهم من منظومته السياسية، بسبب انتمائهم السابق إلى النظام الملكي، أو بسبب مشاركتهم في حركة المعارضة لنظامه. بالتوازي مع ما سبق، اعتملت دينامية تطور منظومة عسكرية أعلنت عن ولائها للثورة، فتشكلت الكتائب المسلحة التابعة للمدن والمناطق. واستطاعت قياداتها الإفلات من الرقابة المركزية، وتشكيل خطابها الخاص المعبّر عنها والمتجانس مع خطاب النخب السياسية والاجتماعية المنادي بالثورة. على أن

مؤشرات اختلاف الخطابات السياسية المؤيدة للثورة اتضحت منذ البداية، حيث كانت بعض الخطابات الصادرة عن القيادات العسكرية تتشكل بحسب انتماءات كل تشكيل مسلح، فانتُقد محمود جبريل لأنه يقضي معظم وقته في الخارج مثل، وجرى التهديد بإسقاط المكتب التنفيذي الذي يرأسه، في حين كانت قيادات من الإخوان المسلمين تهاجم المجلس الانتقالي لضمّه العديد من القيادات السياسية

((("مظاهرات في البيضاء ليبيا"، Banghazino، يوتيوب، 2011/2/16، شوهد في 2023/6/16، في: https://tinyurl.com/3v7jthsm (((ياسين خطاب، أحد ناشطي الحراك في مدينة البيضاء، مقابلة عبر الهاتف،.2023/6/17

(10)  Wolfram Lacher, Libya’s Fragmentation, Structure and Process in Violent Conflict (London: I.B. Tauris, 2020), p. 27.

العلمانية. لكن، على الرغم من انعدام التجانس الفكري بين غالبية نخب الثورة الليبية، فإنه بدا واضحًا اتفاقها الكبير على عدد من المطالب، من قبيل "ضمان العيش الكريم" و"تقويض الدكتاتورية" و"ضمان الوحدة الوطنية"، واعتبار "ليبيا قبيلة واحدة". وشكّلت هذه المفردات أهم الشعارات المرفوعة، حيث بدا الخطاب الثوري متجانسًا، ورأى بعضهم أن "الدولة المدنية الديمقراطية" موضوع رئيس لهذا الخطاب الذي كان ينبذ القبلية والجهوية والمصالح الحزبية أو الشخصية. وكان على خطاب الثورة أن يتعامل مع هذه القضايا لأنها مُلحّة. فعلى صعيد الجهات الجغرافية، كانت من أسباب الثورة حالة التهميش والإقصاء التي مارسها نظام القذافي على عدد من المناطق التي شَّكَ في ولائها له. وكان واضحًا منذ البداية حرص نخبة الثورة السياسية على الخوض في الموضوعات الجهوية أو المتعلقة بتوزيع الفرص في الدولة. أما الجماعات السياسية المقيمة في الخارج، فاستطاعت تجاوز خلافاتها في الشهور الأولى للثورة، بطريقة ساعدت في خلق خطاب موحد، على الرغم من أنها كانت تتشارك تاريخًا طويل من الاختلاف والتناقض، ومن عسر التواصل بسبب سياسات النظام السابق للثورة في تجريم العمل الحزبي، ومنع تأسيس الأندية والجمعيات الأهلية، حيث كان المهجر هو البيئة المناسبة لممارسة المعارضة ضده. وقد اتسمت هذه المعارضة بالتنوع الشديد الذي بلغ حد التشرذم بين الإسلاميين على تنوّعاتهم، والقوميين والاشتراكيين والليبراليين، وغيرهم، وانعكست صراعاتهم على بنية المعارضة الليبية في الخارج وأدائها. اعتمد خطاب الثورة السياسي التوحيدي على عدد من الموارد التي استمدّ محتواه وقوّته منها، كان في مقدمها تأييد النخبة السياسية للثورة منذ لحظتها الأولى، وتولي قيادتها السياسية في ما بعد، وتفعيل تأثيرها الكبير في المجتمع. تشكلت هذه النخبة من أمثال مصطفى عبد الجليل ومحمود جبريل اللذين انشقا عن نظام القذافي منذ الأيام الأولى للثورة، وكان لرصيدهما الشعبي خلال توليهما منصبيهما أثرٌ كبير في توجيه خطاب الثورة الأول. وشكّل الأئمة الخطباء في المساجد مصدرًا آخر من مصادر الخطاب السياسي المواكب للثورة. ولعل ارتباط الليبيين الواضح بالدين الإسلامي، ساهم في فاعلية تحوّل خطب الجمعة التي كانت تُقام في الساحات، إلى خطب تؤكد مبادئ الثورة؛

(((1 عبد الحفيظ غوقة، نائب رئيس المجلس الانتقالي، مقابلة عبر الهاتف،.2023/5/22 (((1 مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الانتقالي، مقابلة عبر الهاتف،.2023/5/25

(13)  Tomas Husken, "Tribes, Revolution, and Political Culture in the Cyrenaica Region of Libya," in: Malika Bouziane, Cilja Harders & Anja Hoffmann (eds.), Local Politics and Contemporary Transformations in the Arab World: Governance Beyond the Center (London: Palgrave Macmillan, 2013), pp. 214–231. (14)  Federica Saini Fasanotti, "Libya: A Nation Suspended between Past and Future," Studia Diplomatica , vol. 68, no. 4 (2017), p. 97.

(((1  "تطور الأحداث بالمناطق الشرقية من ليبيا"، قناة الجزيرة، يوتيوب، 2011/2/21، شوهد في 2023/6/16، في:

https://tinyurl.com/4n776rsp (16)  Lisa Anderson, "Religion and State in Libya: The Politics of Identity," The Annals of the American Academy of Political and Social Science , vol. 483 (January 1986), p. 70.

من وحدة وطنية ووحدة التراب الليبي ونبذ الحكم الدكتاتوري وعدم تبجيل الطُغاة، وتنظيم صفوف الثورة ضدّهم، والحث على جمع التبرعات، والدعوة إلى القتال إلى جانب المناطق غير المحررة من سطوة نظام القذافي في الغرب الليبي. ومن خلال هذه المفردات، تركزت قضايا الخطاب السياسي المواكب لبدايات الثورة من منطلقات دينية، على الطعن في شرعية القذافي والتذكير بجرائمه، والتأكيد على شرعنة الثورة والخروج على النظام الحاكم، وعلى شرعية القيادة السياسية للثورة، والحثّ على طاعتها ومساندتها، وكان يجري ترداد الآية: ﴿إَونِ طَائِم فتَانِمْؤُمنْ اْلفَأ لُواتَتْنِينَ اْقِلْصَِإَف مَاُهَنْيَب حُواِنْ

فقَاِت رَىْخُلَى الُأَع مَاُدَاُهْحِإ تغَبيَلُوا اَّلِيْبَت تِيءَت تىَح غَِأ لَىِإ فِلْمتَرِ الَّ﴾ (الحجراَهِ)9:. ومن

الواضح أن في استحضار هذه الآية توظيفًا ذهنيًا لواحدة من أهم مرجعيات الإدراك ومكوّنات الانتماء

في اتجاه توحيد الخطاب في المقام الأول، وشرعنة القتال ضد القذافي وقوّاته، ووصفها بالفئة الباغية.

وفي هذا السياق، كان لانضمام شخصيات دينية مهمة إلى الثورة، أمثال الصادق الغرياني والدوكالي محمد العالم، أثرٌ كبير في جذب قطاعات مهمة من المجتمع نحو تأييد الثورة، على أساس خطاب

سياسي ذي مرجعية دينية في مواجهة الخطاب السياسي الذي استخدمه النظام، مستندًا هو أيضًا إلى المرجعية الدينية الإسلامية نفسها، خاصة بعد تدخّل حلف الناتو من خلال أعمال عسكرية في ليبيا. أدّى الزعماء الاجتماعيون المحليون دورًا بارزًا في بلورة الخطاب السياسي المناصر للثورة. فبحكم أن القبيلة في ليبيا اضطلعت عبر التاريخ بدور مهم في تحقيق التوازنات السياسية، من حيث كونها المكوّن الأهم في التركيبة الاجتماعية في البلاد، ولأن الشخصية الليبية تدين بالولاء للقبيلة أكثر منه

لمؤسسات الدولة، كان للنداءات والبيانات التي أصدرها زعماء بعض القبائل الليبية أثرٌ كبير في

توجيه الخطاب السياسي المناصر للثورة، نحو تأكيد المبادئ الثورية التي أصبحت تتردد في غالبية الجهات الليبية، مثل الوحدة الوطنية، والحثّ على الانضمام إلى الثورة لتوحيد الصفوف. وكانت نداءات القبائل لأبنائها مؤثرة في حركة الانشقاق عن النظام، حيث حرصت على حثّهم على الانضمام إلى الثورة وتأييدها، ووصم المسؤولين الذين رفضوا الانشقاق بالخونة والمتآمرين على حرية الشعب

(((1 "الشيخ إبراهيم هزاوي بساحة البيضاء–ثقافة الهتاف"، Balagrae، يوتيوب، 2011/12/14، شوهد في 2023/6/16، في:

https://tinyurl.com/34ydrmpu

(((1 "فرج الترهوني/ ممثل ثوار السابع عشر من فبراير في ليبيا"، قناة الجزيرة، يوتيوب، 2011/2/23، شوهد في 2023/6/16، في: (((1 "صلاة الجمعة من ساحة التحرير – بنغازي "2011/7/1، Khaled Butou، يوتيوب، 2011/7/1، شوهد في 2023/6/16، في:

https://tinyurl.com/43puxhze

(((2 "مداخلة مفتي عام ليبيا الشيخ د. الصادق الغرياني في مثل هذا اليوم 20 فبراير 2011 على قناة الجزيرة"، قناة التناصح الفضائية، يوتيوب، 2023/2/20، شوهد في 2023/6/16، في: https://tinyurl.com/bddff7w8 (((2 "الشيخ القارئ محمد الدوكالي يتحدث عن القذافي"، MrFreedomlibya، يوتيوب، 2011/7/11، شوهد في 2023/6/16،

في: https://tinyurl.com/d5yafe8h

((2(المولدي الأحمر، الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا: الفرد والمجموعة والبناء الزعامي للظاهرة السياسية، سلسلة أطروحات الدكتوراه 78 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص.140–139 ((2(مصطفى عمر التير، صراع الخيمة والقصر: رؤية نقدية للمشروع الحداثي الليبي (بيروت: منتدى المعارف، 2014)، ص.108 (((2 "بيان قبائل الزنتان"، قناة الجزيرة، يوتيوب، 2011/3/1، شوهد في 2023/6/14، في: https://tinyurl.com/3dbpy8wv

وكرامته، وكان بعض مواقف شيوخ القبائل حاسمًا في نزع فتيل نزاعات قبلية محتملة، مثلما كانت

الحال مع حادثة اغتيال عبد الفتاح يونس وقرار قبيلته العبيدات بتأجيل الخوض في القضية خوفًا على مصير الثورة. من حيث الموارد الخارجية، تأثر خطاب النخبة السياسية الليبية الموالي للثورة بثورات الربيع العربي في مصر وتونس، ويتضح ذلك من ملاءمة شعارات الثورة الليبية مع الأهداف العامة للاحتجاج في الدولتين، من تمثيل ديمقراطي وتداول سلمي للسلطة وحكم رشيد وسيادة للقانون. وقد ساهم هذا الاستلهام في إثراء البناء المعرفي للخطاب السياسي الليبي الموالي للثورة؛ إذ أصبحت بعض الشعارات المرفوعة في البلدين، مبادئ للحراك الاحتجاجي في ليبيا الذي حاول أن يكون واحدًا ومتّسقًا حولها، وذا أهداف تتجاوز الخاص، مثل المدينة والقبيلة والجهة والأيديولوجيا، نحو العام،

أي الدولة. فقد ساهم الوعي النسبي للمقاتلين في ازدراء الخطاب السياسي الجهادي، حيث تجنّبوا

أن يُفهم منهم أن قتالهم ضد القذافي كان بدافع ديني جهادي. وُأسّس وعيهم هذا على استقرائهم

عوامل نجاح ثورتَي مصر وتونس، التي لم يكن للإسلاميين أي دور في الأعمال الاحتجاجية التي دارت فيهما. وقد يكون هذا التكتيك الخطابي السياسي حامل لرسائل حرصت قوى الثورة على إيصالها إلى الغرب، لأنها تتوافق مع جزء من القراءة الغربية للربيع العربي. وحتى الدعوة إلى علن عنها في آذار الفدرالية التيأُ/ مارس 2012، وعلى الرغم من مطالبها الخاصة، بإلغاء التهميش والعدالة في توزيع الموارد والفرص، فإن قادتها حرصوا على التعبير عن تمسّكهم بالوحدة الوطنية

والاحتفاظ بليبيا الأم. كانت السمات الكبرى للخطاب السياسي الموالي للثورة في بداياتها، أنه منوّع المفردات والمصطلحات

والمفاهيم، وإن كان في اتجاهه العام موّح دًا، نحو شعارات إسقاط النظام وتغيير صيغة الدولة وإنهاء

الفساد والحفاظ على الوحدة الوطنية. وعلى الرغم من بروز اختلافات في التوجّهات الأيديولوجية،

فإن هذا الخطاب استفاد من تنوّع القيادات السياسية والاجتماعية والدينية التي حرصت على أن

تكون ذات توجّهات متقاربة اللغة، على الرغم من وجود انتقادات، وانتقادات مضادة. وعلى العموم،

كان السياق توحيديًا ومثابرًا على تحقيق "أهداف الثورة"، وكانت مكوّنات الانتماء القبلية والجهوية

والسياسية – الأيديولوجية متباينة، لكن، اشتغلت القيادات على موارد توحيدية، من قبيل الدين والمظلومية التاريخية المتقاسمة والرغبة المشتركة في التخلّص من نظام الحكم. ويمكننا القول، إن من أهم ما وفّر لمثل هذا الخطاب السياسي التوحيدي الموالي للثورة أسباب نجاحه في هذه الفترة، الروح الجماهيرية الصاهرة، وتغذية عاطفة مشتركة طغت على التمايزات الشخصية والمشاريع الخاصة،

(((2 عبد الجليل.

(26)  Muriel Asseburg & Heiko Wimmen, "Dynamics of Transformation, Elite Change and New Social Mobilization in the Arab World," Mediterranean Politics , vol. 21, no. 1 (2016), pp. 1–22. (27)  Hugh Roberts, "Who Said Gaddafi had to go?" London Review of Books , vol. 33, no. 22 (November 2011), pp. 8–18.

(((2 عمر العفاس، "ليبيا: إعلان الفيدرالية في برقة... الخلفيات والتداعيات"، مركز الجزيرة للدراسات، 2013/12/2، شوهد في

2023/6/14، في: https://tinyurl.com/996xxhtw

والمحافظة على الاتساق والصدقية طوال شهور المواجهة العسكرية ضد قوات القذافي، حتى موته، في 20 تشرين الأول/ أكتوبر.2011

ثانيًا: خطابات النخب السياسية وممارستها ما بعد القذافي

نجحت النخب السياسية في استثمار الحدث الثوري وتوظيفه لتمرير خطاب سياسي توحيدي في المراحل الأولى من الثورة، ومارست تأثيرًا في جموع الجماهير، ووجهتها، ولو نسبيًا، نحو التجانس

الوجداني تجاه تغيير النظام. وكان تكرار الشعارات والمصطلحات والمفاهيم التوحيدية من مصادر قوة هذا الخطاب واستمراريته في الشهور الأولى للثورة، وكذلك التذكير بالتضحيات الكبيرة التي قدّمت من أجل إسقاط النظام، والتحذير من تهديد الثورة والتآمر عليها. لكن هذا التكرار، الذي كان يهم "أهداف ثورة السابع عشر من فبراير" على الأخص، كان يتواتر من دون أن يعرف أحدٌ ما هي هذه الأهداف. وعلى الرغم من حضور الدولة المدنية موضوعًا رئيسًا في هذا الخطاب السياسي الثوري،

فإن الآلية التي تكفل الانتقال نحوها غابت تمامًا، وكانت الطروحات في هذا الباب خجولة ومتناقضة،

ولم تطرح مبادرة واحدة توافقية ومُقنعة. في المقابل، أدّى التنافس على إمدادات السلاح إلى تفاقم الخلافات بين مكوّنات الصف الثوري

المختلفة. وأشارت تقارير متقاطعة أنّ دولة قطر وجهت، تحت تأثير علي الصلابي، الأسلحة نحو فصائل الإسلام السياسي التي كان إسماعيل، شقيقُ علي الصلابي يقود إحداها، في حين مارس محمود جبريل ورجل الأعمال عارف النايض تأثيرهما في الإمارات العربية المتحدة لتسليح جماعات من الزنتان، أمّا

رجال أعمال من مصراتة، وعلى رأسهم علي الدبيبة، فأقاموا روابطهم الخاصة مع قطر والسودان. وقد ساهمت دينامية إمدادات السلاح هذه في توسيع الخلافات داخل معسكر الثورة، حتى صار كل طرف كأنه يُمثّل سياسة الدولة الداعمة له، ويعبّر عن إرادتها وسياساتها على الأرض الليبية. وفي اللحظة التي سبقت

استيلاء مجموعات مسلّحة متعددة على مناطق مختلفة من طرابلس (تشرين الأول/ أكتوبر 2011)، كانت لكل واحدة منها رؤيتها الخاصة للدولة المنشودة، وحلفاؤها وخطابُها السياسي الخاص الذي يصطدم

مع خطابات أطراف أخرى في معسكر الثورة نفسه. وعلى ذلك، كان دخولها عاصمة البلاد بداية فعليةً لتفكك خطاب الثورة السياسي التوحيدي، على أساس الصراع على النفوذ المسلح على المناطق والأحياء والبنايات والمرافق، مثلما تدل عليه المواجهة بين التشكيلات المسلحة التابعة لمصراتة، وتلك القادمة من الزنتان في الجبل الغربي للسيطرة على المرافق الحيوية في العاصمة. يدلّ اندلاع الصراع بين النخب السياسية على أن الخطاب الثوري التوحيدي لم يتمكّن من توحيدها فعليًا. يفترض في النخبة أن تمثل القيادة العليا للأمة في القطاعات كلها؛ السياسية والحكومية والتجارية

والنقابية والعسكرية والإعلامية والدينية والفكرية. وتعتبر نخبةً تلك المجموعةُ من الأفراد التي تؤثر في

(29)  Lacher, p. 27. (30)  Michael G. Burton & John Higley, "Elite Settlements," American Sociological Review , vol. 52, no. 3 (June 1987), p. 297.

عملية اتخاذ القرار ووضع السياسات العامة في المجتمع. وعلى أساس توسيع ما تشمله النخبة، تتّجه الدراسات الحديثة إلى تحديد المنتمين إليها، لا على أساس قياس مشاركتهم السياسية من خلال انتمائهم إلى الهياكل الرسمية للدولة فحسب، بل بما يشمل كذلك قياس أثرهم في صنع السياسات، مهما كانت مجالات فعلهم ومواقعه. في ليبيا، كانت النخبة السياسية موضوعًا لدراسات عدة، منها ما اهتم بفترات تاريخية سابقة على الثورة وركّز على علاقتها بالعسكر والتحديث، وهي على الرغم من غزارة مادتها التي حاولت تحليل البنى الاجتماعية والسياسية الساندة لها، افتقرت إلى الكثير من المعرفة بالمجتمع الليبي، وبقيت قاصرة على إسعافنا بالتحّولّات الاجتماعية الكبيرة التي طرأت عليه بعد عام 2011. أمّا

الدراسات التي اهتمت بالنخب الليبية، في الفترة نفسها التي ندرسها، فمنها ما ركّز على النخب المحلية وسياسات بناء التحالفات لديها، لكنه بقي ناقصًا، نظرًا إلى محدودية العيّنة التي اعتُمدت في مناطق

محددة من ليبيا، وهي مصراتة وبني وليد وطبرق، وإهمالها العديد من مكوّنات النخبة الليبية المؤثرة،

كالزعامات القبلية والدينية والنساء والجماعات السياسية وغيرها. ومن الدراسات عن النخبة السياسية الليبية كذلك ما تعلق باتجاهاتها وتركيبتها، لكنه اعتمد مصادر محدودة، وانتهى إلى الوقوف على بعض مؤشرات الاتجاهات، وخلا من تفكيك تركيبتها وتحليل اتجاهاتها الحقيقية. في ما يلي من دراستنا، نُحدّد النخبة على أساس معيارَي انتماء من نعدّهم من أفرادها إلى إحدى

دوائر السلطة من جهة، وحيازتهم النفوذ من جهة ثانية. وبالنسبة إلى الانتماء إلى دوائر السلطة، المقصود أن يكون العنصر النخبوي أو المجموعة النخبوية من أصحاب السلطة السياسية التشريعية أو التنفيذية. أما بالنسبة إلى حيازة النفوذ، فالمقصود أن يكون العنصر النخبوي أو المجموعة النخبوية من المرتبطين بالجماعات المسلحة و/ أو المجتمعات المحلية، و/ أو الجماعات الدينية والمؤثرين فيها. لقد عبّر تعدّد المؤثرين، من الفاعلين السياسيين في المشهد الليبي الذي شهد كمّا هائل من

الممارسات والمجادلات حول السلطة والحكم والشرعية، عن نفسه في تنوّع الخطابات السياسية

لدى أفراد ومجموعات انتموا إلى دوائر سلطوية مختلفة، وحازوا مقدّرات نفوذ مختلفة. وعلى ذلك، يسمح لنا التركيز على خطاباتهم بأن نلاحظ أثر تطور الأحداث السياسية والعسكرية فيها، مثل سقوط السلطة المركزية وافتقار البلاد إلى تحالف سياسي أو يُمهّد يُمكنه فرض مشروع سياسي عسكري

لبناء الدولة، وانخراط القوى في صراع مفتوح على السلطة، وتوزّع مراكز صنع القرار بين عدد من الفاعلين السياسيين... إلخ. وبهذه الطريقة، نواصل الاستناد إلى محّد دَي بناء الخطاب السياسي اللذين وضعناهما، أي مكوّنات البناء والسياق السياسي.

(((3 محمد زاهي المغيربي، "اتجاهات وتطورات تركيبة النخبة السياسية في ليبيا "1999–1969، Free Servers، شوهد في

2023/6/24، في: https://tinyurl.com/4xpsvcht (32)  Cilja Harders, "Bringing the Local Back," in: Bouziane, Harders & Hoffmann (eds.), p. 116. (33)  Moncef Ouannes, Militaire: Elites et Modernisation dans la Libye contemporaine (Paris: Harmattan, 2009). (34)  Wolfram Lacher, "Libya’s Local Elites and the Politics of Alliance Building," Mediterranean Politics , vol. 21, no. 1 (2016), pp. 64–85.

(((3 المغيربي.

1. النخب ذات الارتباط بالسلطة السياسية

بعد انتخابات 7 تموز/ يوليو 2012، تمثّلت السلطة السياسية المركزية في ليبيا في المؤتمر الوطني العام الذي تحوّل إلى المجلس الأعلى للدولة عقب اتفاق الصخيرات في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2015،

وبرزت ضمنه قيادات سياسية مؤثرة. وكان ضمن نخب السلطة السياسية أعضاء مجلس النواب الذي جاء عقب انتخابات 25 حزيران/ يونيو 2014، وكذلك الحكومات المتعددة التي انبثقت من المؤتمر، ومن المجلس. وعلى الرغم من أن الهيكلين أفرزتهما انتخابات عامة، فإنهما جمعا أطرافًا، حوّلتها التطورات

السياسية إلى أطراف متنازعة. وإذا كان من أسس قيام السلطة احتكارها وسائل الإكراه، فإن السلطات المنبثقة من انتخابات عامي 2012 و 2014 في ليبيا، وعلى اختلاف توجّهاتها، لم تكن تحتكرها، بل

كانت عرضةً لأثر هذه الوسائل التي استعملها ضدّها فاعلون سياسيون آخرون، وعلى الأخص منهم الأطراف المسلحة، كما سنُبيّن لاحقًا. ولهذه الأسباب، كانت الأجسام التمثيلية والهياكل الحكومية التي

كوّنت أجهزة السلطة التشريعية والتنفيذية في ليبيا، ما بعد هذه الانتخابات، ضعيفة التأثير، تعاني تآكل

الشرعية، حيث صبّت استراتيجياتها كلها على هدف إضفاء الشرعية على وجودها، أول، عبر القوانين

التي تصوغها، وثانيًا عبر التحشيد الجماهيري، وثالثًا عبر القوى الخارجية التي وجدت لها مدخل عبر

مسارات التفكيك والتفاوض، حتى تلك التي كانت تمارسها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. انتهى تنازع السلطات المنتخبة في عام 2014، على الرغم من اتفاق الصخيرات، إلى تشكيل مركزين متنافسين لصنع القرار: المؤتمر الوطني ومقرّه طرابلس، ومجلس النواب الذي اتخذ من طبرق مقرّا له.

واعتمد الهيكلان حربًا خطابية، خاصة بعد تبنّي الأول عملية فجر ليبيا، وتبنّي الثاني عملية الكرامة.

وقد استفاد المؤتمر الوطني من حكم المحكمة العليا الذي قضى بعدم دستورية انتخابات عام 2014، وشكّل حكومة جديدة، في حين رد مجلس النواب بعدم شرعية المؤتمر الوطني، ووصف في بيان صادر عنه عملية فجر ليبيا التي تبنّاها المؤتمر الوطني بالإرهابية. وخاض الطرفان جملة من الأعمال الحربية العدائية، بدأت في عام 2014، وانتهت إلى مواجهة مباشرة وواسعة في عام.2019

((3("البرلمان الليبي المعترف به يمدد لنفسه إلى حين انتخاب هيئة تشريعية جديدة"، فرانس 24، 2015/10/6، شوهد في

2023/8/2، في: https://tinyurl.com/4yns55jv

(((3 فجر ليبيا هي عملية عسكرية قادها تحالف من التشكيلات المسلحة، منها غرفة ثوار طرابلس ودرع الوسطى وقوات الردع، وكان معظمها يتبع لجماعات إسلامية، إضافة إلى ميليشيات تابعة لمدينة مصراتة، وأخرى من غريان والزاوية وصبراتة، حظيت فجر ليبيا بتأييد ودعم من المؤتمر الوطني وجماعة الإخوان المسلمين، وشنّت أول هجوم لها على مطار طرابلس الذي كانت تسيطر عليه

ميليشيات من الزنتان، في 13 تموز/ يوليو 2014، وبعد ذلك استطاعت السيطرة على معظم مدن إقليم طرابلس، وبعض مناطق فزان. (((3 معركة الكرامة، هي عملية عسكرية أطلقها القائد العسكري برتبة لواء، خليفة حفتر، ضد الجماعات المسلحة في برقة، بدأت في 16 أيار/ مايو 2014 بمهاجمة معسكرات كتيبة 17  فبراير وكتيبة درع ليبيا وأنصار الشريعة، التي تحالفت بعد ذلك تحت مسمى مجلس شورى ثوار بنغازي. واستمرت المعارك نحو ثلاث سنوات حول بنغازي وفي بعض أحيائها، حتى انتصرت قوات حفتر في ما سزُ/مّي بتحرير بنغازي في تمو يوليو.2017 (((3 "المحكمة العليا بليبيا تقضي بعدم دستورية انتخابات يونيو"، قناة الجزيرة، يوتيوب، 2014/11/6، شوهد في 2023/8/2، في:

https://tinyurl.com/mvxtn6xh

(((4 "البرلمان الليبي يعتبر 'قوات فجر ليبيا' و'أنصار الشريعة' مجموعتين إرهابيتين"، أخبار الآن، يوتيوب، 2014/8/24، شوهد في

2023/8/2، في: https://tinyurl.com/4ky8m3vy

على مر الشهور والسنوات خلال الفترة 2019–2012، كانت السلطة السياسية التشريعية والتنفيذية في ليبيا، على اختلاف مكوّناتها شرقًا وغربًا، تنقاد أكثر فأكثر لقبول توظيفها من حملة السلاح، وإلى

توفير الشرعية التي تحتاج إليها الكيانات العسكرية، في مقابل الاستفادة من نفوذ هذه الكيانات على مجتمعاتها، وتوفيرها التأييد الشعبي الذي يحتاج إليه السياسيون متى أحسّوا بالخطر يُداهم شرعياتهم.

2. نخب الكيانات المسلحة

يعود ظهور الكيانات المسلحة إلى الأيام الأولى للثورة، حين جرت عسكرتها من خلال تشكيل أول الكتائب المسلحة لمواجهة قوات القذافي. وقد ساهم قرار علي الترهوني، نائب رئيس المكتب التنفيذي (حكومة المجلس الانتقالي)، بتخصيص مكافآت مالية كبيرة لأفراد هذه الكتائب في جذب عدد كبير من الشباب العاطلين عن العمل إلى تشكيلات مسلحة تكاثرت في كل المناطق الليبية. وبعد سقوط نظام القذافي، احتفظت بعض المناطق بكتائبه المسلحة. وشكلت كتائب، مثل مصراتة والزنتان القوتين اللتين تقاسمتا السيطرة على السلطة السياسية حتى عام 2014، قبل أن تشهد الساحة السياسية العسكرية الليبية تحوّلها الأكبر، بعد الإعلان عن عملية فجر ليبيا في الغرب، وعملية الكرامة

بقيادة خليفة حفتر في الشرق. اعتمدت الكيانات المسلحة على استراتيجية بناء التحالفات التي كانت تتشكل على أسس اجتماعية محلّية، مُجدّدة قوى تحالفات قبلية قديمة، وعلى عودة موغلة إلى تراثها القيمي، وتاريخها الاقتصادي

الذي استمر في ظل غياب المؤسسات السياسية المدنية التي مُنعت في ليبيا عقودًا طويلة، إبان

حكم القذافي. وفي ظل انهيار التحالفات التي كانت متمحورة حول نظام القذافي وفوائد مناصرته السياسية والاقتصادية، بنيت التحالفات العسكرية والسياسية بين الكيانات المسلحة، على موروث ثُل والإدراكات والممارسات الاجتماعية والاقتصادية قوالب اجتماعية قديمة من التصوّرات والُم

القديمة المُستعادة. فقد سعت مصراتة لاستقطاب مدن، مثل زليتن وغريان، وهما مدينتان كانتا

محسوبتين على نظام القذافي، إضافة إلى مجموعات عسكرية من مدينة طرابلس، تتبنّى الإسلام

السياسي، مثل "الجماعة الإسلامية المقاتلة" و"لواء الردع" الذي يتبنّى أيديولوجيا سلفية. وفي المقابل،

جمعت ميليشيات الزنتان "القعقاع" و"الصواعق" التي تحالفت مع ورشفانة وورفلة اللتين كانتا من أشد مناصري نظام القذافي، واستوعبت في كتائبها الكثير من عناصر حرسه المحترفين. واستمر هذا التحالف حتى هزيمته على أيادي قوات الكتائب التابعة لعملية فجر ليبيا في تموز/ يوليو 2014. وبعد

(((4 تجاوزنا في هذا العرض الكيانات المسلحة التي تنتمي إلى تنظيم الدولة الإسلامية، والتي كانت تنشط في درنة وسرت وبنغازي، نظرًا إلى غياب تأثيرها المباشر في عملية صنع القرار السياسي، وكانت مرفوضة ومحل محاربة من السلطتين السياسيتين

في الشرق والغرب. غوقة (.((4

(43)  Fasanotti, p. 98.

((4(هنريكو دي أوغسطيني، سكان ليبيا، ترجمة خليفة التليسي، ط  2 (طرابلس/ تونس: الدار العربية للكتاب، 1978) ص.55–53 (((4 "الناطق باسم المجلس البلدي الزنتان محمد احتيوش في لقاء على قناة العاصمة"، أصداء ليبية، يوتيوب، شوهد في

2023/6/18، في: https://tinyurl.com/bdzhx3ke

عملية الكرامة في الشرق، بقيادة حفتر، انضمت إليه بقايا القوات المسلحة النظامية في طبرق والبيضاء والمرج وبنغازي، وأعلنت ثلاث قواعد جوية انضمامها إليه. وفي الغرب، انضمت كتائب القعقاع والصواعق التابعة للزنتان، وجيش القبائل التابع لورشفانة، إضافة إلى بعض التشكيلات التي تطالب بالفدرالية. ضم تحالف الكرامة كل الفاعلين السياسيين الذين وجدوا أنفسهم خارج المنظومة المسيطرة على الحكومة المركزية في طرابلس، وحظي بتأييد واسع من حزب تحالف القوى الوطنية، وكذلك من التيار الفدرالي في برقة. كما كان إعلان نشوء دولة إسلامية في درنة، أعلنت بيعتها لأبي بكر البغدادي، تعقيدًا إضافيًا في الخريطة العسكرية في ليبيا. وكان عام 2019 نقطة فاصلة في علاقة التحالفين المتصارعين،

حين هاجم تحالف الكرامة العاصمة طرابلس في أيار/ مايو 2019، ما كان مدخل للتدخل العسكري الخارجي، وأظهر إلى العلن وجود عدد كبير من القوات الأجنبية والمرتزقة على الأرض الليبية ولفائدة المعسكرين، قبل وقف الحرب بعد مسارات التفاوض التي قادتها الأمم المتحدة، التي انتهت إلى اختيار حكومة الوحدة الوطنية. واليوم، تتشكل هذه الخريطة من تحالفَين عسكريين كبيرَين: تحالف

الكرامة الذي يقوده حفتر في الشرق، وهو يسيطر على إقليم برقة وأجزاء كبيرة من إقليم فزان؛ وتحالف الغرب، وله قيادات متعددة، تمثل كتائب مدينة مصراتة الجزء الأكبر منه. على مستوى الخطاب السياسي، سبق خطابٌ تعبوي تجريمي عمليةَ الكرامة، وضع كل التشكيلات

المسلحة "المنتمية إلى الثورة" في وعاء واحد، ونسبها كلها إلى الإسلام السياسي. كما ساهم توسع عمليات اغتيال ضباط الجيش في إنتاج خطاب شعبي واسع، يؤيد عملية الكرامة. ولا يمكن في هذا السياق، تجاوز التأثر بالنموذج المصري، حين تحرك الجيش ضد الرئيس محمد مرسي وأسقط حكمه /(تموز يوليو 2013)، حيث كانت هتافات المؤيدين لعملية الكرامة، تقول: "نبو سيسي كي سيسيهم" (نريد سيسي مثل سيسي مصر). ومن الموارد التي ساعدت في تشكيل الخطابات السياسية لدى الكيانات المسلحة سعيها للحصول على التأييد الشعبي من مجتمعاتها المحلية، عبر تنظيم المظاهرات وحملات التفويض التي تمحورت حول شعارات تبرز أنها "تدين بالولاء للدولة"، وأنها "رهن لإرادة الشعب الليبي"، من دون أن تكون صورة هذه الدولة واضحة حتى في أذهان رافعي الشعار، ومن دون أن يتعدّى الوعي بالولاء حدود طاعة أمير الكتيبة، أو قائد التحالف العسكري. وعلى الرغم من الترداد الدائم للخطاب الذي يضع "مبادئ فبراير" شعارًا له عند المعسكرين، فإن

التحالفات لم تكن مبنية على ركائز تتعلق به، بل كانت انعكاسًا لسياق التدافع السياسي داخل السلطة

((4(السنوسي بسيكري، "ليبيا: التطورات العسكرية والموقف الإقليمي والدولي"، الجزيرة نت، 2014/11/11، شوهد في

2023/6/22، في: https://tinyurl.com/2awrfjwa (47)  "Devant le Conseil de sécurité, ingérence étrangère et violations de l’embargo sur les armes désignées comme responsables de l’impasse en Libye," United Nations: Couverture des réunions & communiqués de presse, 18/11/2019, accessed on 22/6/2023, at: https://tinyurl.com/k85seup9

(((4 "مصر سيسي كي سيسيهم"!، Burkanly، يوتيوب، 2020/6/20 شوهد في، 2023/8/16، في: https://tinyurl.com/3b77hvd6 (((4 "تفسير مناورة حفتر"، مجموعة الأزمات الدولية، 2020/5/4، شوهد في 2023/8/18، في: https://tinyurl.com/43tkcfh4

السياسية، بين المؤتمر الذي صار قريبًا من تحالف مصراتة والإسلاميين، والحكومة التي صارت أقرب

إلى تحالف الزنتان، ورفع كل فريق محتويات خطابية تحوم حول مصطلحات مشتركة الترداد، متباينة المعنى، من قبيل "حماية الثورة"، و"قهر أعدائها" اللذين تردّدا كثيرًا في خطاب الفريق الأول، و"محاربة

الإرهاب" الذي استُهلك بإسراف في الشرق والغرب. تحالُف السلاح، وتعاظم نفوذ الفريقين العسكري، وتقاسمهما السيطرة على شطري ليبيا، هي العناصر السياقية التي فرضت هيمنتهما على الواقع السياسي الليبي حتى اليوم. وعلى الرغم من ترديد المصطلحات السياسية التي ركزنا عليها في تحليل مضمون خطابهما، فإن موارد الخطابَين بقيت تستند

إلى الواقع الجغرافي المنقسم بين تحالف الشرق وتحالف الغرب. لقد كانت استراتيجيات القول لدى المعسكرين تتجه نحو ترسيخ السلطة الواقعة بين أياديهما، في المناطق الواقعة تحت نفوذ كل منهما، والمحافظة على وجودهم وعرقلة أي خريطة طريق سياسية قد تنهي هذا النفوذ، من خلال التعبئة الجماهيرية المناوئة لأي سلطة سياسية تحاول الذهاب في مسارات خرائط الطريق لحل الأزمة. لقد ظهر تأثير مكوّنات الانتماء، وتزايد على مرّ سنوات تعمّق الانقسام العسكري والسياسي والجغرافي

في الخطابات السياسية لدى النخب العسكرية الليبية التي زاد ابتعادها عن المحتويات التوحيدية التي كانت سائدة خلال الشهور الثمانية الأولى للثورة.

3. نخب المجتمعات المحلية

رًا في الأنثروبولوجيا السياسية وعلم الاجتماعّصار مفهوم الفاعلين السياسيين المحليين متجّذ

السياسي، حيث يعتبر المجال المحلي هو الفضاء الذي يعمل فيه السياسيون وقادة الرأي والجماعات العقدية في ظل ضعف الدولة وحيوية الساحة المحلية. وعلى الرغم من قلة عدد السكان في ليبيا، فإن حالة التنوع بقيت بينهم بالغة التركيب والتداخل والتشعّب. ونجدُ ضمن المجتمعات المحلية

الليبية مكونات القبيلة، والجهة واللغة. وإذا كان المكون الأول قديمًا، فإن الثاني والثالث لم يبرزا في

الواقع الليبي إّل بعد ثورة شباط/ فبراير. وقد أثمر هذا التحوّل تغيرًا في علاقة المجتمعات المحلية

الليبية بالدولة، حيث يمكن رصد ممارسات الفاعلين واستراتيجياتهم، من خلال خطاباتهم السياسية ذات الصلة بهذه المجتمعات المحلية وأوضاعها وشكاواها ومطالبها. تحِّرِكُ المجتمع الليبي، كغيره من المجتمعات التقليدية، العلاقات الأولية، وتمثل القبيلة المكوّن الأهم

فيها، وهي مكون مؤثر في السياسة الليبية منذ زمن الفترة العثمانية. وقد حاول القذافي في بداية حكمه استبعاد القبائل ومحاربتها، واستبدال قياداتها بشباب "اللجان الثورية"، في محاولة لتطبيق "السلطة الشعبية"، لكنها كانت تلاقي معارضة في المناطق الداخلية التي بقيت فيها التركيبة القبلية فاعلة. ومنذ

(((5 المرجع نفسه.

(51)  Thomas Hüsken & Georg Klute, "Political Orders in the Making: Emerging Forms of Political Organization from Libya to Northern Mali," African Security , vol. 8, no. 4 (2015), p. 327.

(((5 علي عبد  اللطيف حميدة، المجتمع والدولة والاستعمار في ليبيا: دراسة في الأصول الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لحركات

وسياسات التواطؤ ومقاومة الاستعمار، ط  2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998)، ص.82

انقلاب عام 1975 الذي تنتسب غالبية قادته إلى مدينة مصراتة، أسند القذافي إلى القبائل دورًا سياسيًا

ضمن نظام حكمه، واستخدم أحلاف قبيلته القديمة لتشكيل قوة تتحكم في الأجهزة الأمنية والإدارية، واهتم بإنشاء "منظمة القيادات الاجتماعية" التي كانت المؤسسة السياسية التي تدير العلاقة بين الدولة والقبائل. ولم تكن الثقافة السياسية للقبائل تعادي الدولة الليبية، بل تتفاعل معها؛ إذ لا يحكمها التسلسل الهرمي، بل تتشكل العلاقات فيها على أساس المشورة والتفاوض حول المنفعة وممارسة النفوذ. وقد مكّنت هذه الاستراتيجية القبائل من أن تستمر، بل أن تطوّر سعيها لتعزيز مشاركتها السياسية، وتعزيز

التمازج بين ممارستها السياسية ذات العلاقة بالدولة، وتقاليدها القبلية المحلية. وبهذا حلّت القبيلة محل الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني التي كانت مجرّمة وفقًا لمقولات الكتاب الأخضر. كان للقبائل والولاء لها، في ثورة شباط/ فبراير، دور كبير في تشكيل كيان الثورة، وتصعيد نخب سياسية وعسكرية، حيث كانت أكثر الانشقاقات عن النظام بفعل الانتماء إلى الجهة الثائرة أو العكس. وساهمت القبائل أيضًا في تشكيل المجلس الانتقالي ومنحه الشرعية. وعلى الرغم من الخطابات التي كانت تردد باستمرار شعار "ليبيا قبيلة واحدة"، في إشارة إلى العمل على نبذ الانتماءات القبلية وإنتاج حالة من التماسك المؤيد للثورة، فإن تأثير تلك الانتماءات كان واضحًا منذ الشهور الأولى

للثورة، وإن لم يلق بيئة يؤثر فيها بسبب الروح المتحمّسة للتوحيد لدى جموع المؤيدين للثورة. وحتى

الدعوة إلى الفدرالية التي انطلقت في برقة في آذار/ مارس 2012، واجهت معارضة كبيرة، ليس في طرابلس وفزان فحسب، بل في برقة أيضًا. ثم كان توسع المجلس الانتقالي في تأسيس المجالس العسكرية والاجتماعية للمناطق وتفويضها بإقرار الأمن ترسيخًا لها، مكّنها من تحقيق مساحة واسعة من الاستقلالية وتنمية الروح المحلية. وكانت النتيجة تكون قوى مسلّحة تعمل خارج سيطرة الدولة وعلى أسس قبلية وجهوية؛ ما ساهم في بروز الهويات اللّغوية الفرعية في ليبيا لأول مرة، حيث شكلت مجالسها وتجمّعاتها المبنية على أساس هووي لغوي. لكن، وحتى انتخابات المؤتمر الوطني على

الأقل، لم تعبّر كل هذه الأجسام الجديدة عن مشاريع خاصة، وإن بدا واضحًا أن تأثيرها أقوى من تأثير

المجالس البلدية الرسمية. تلوّن خطاب النخب المحلية، بعد انتخاب المؤتمر الوطني، في برقة والمدن التي ساندت نظام القذافي،

بإبعادها خارج المنظومة السياسية الجديدة، وتعلّقت مطالب الأمازيغ والتبو والطوارق بحقوق ثقافية

(((5 نقصد هنا محاولة الرائد عمر المحيشي الانقلابية الفاشلة ضد القذافي، وقد اُّتُهم فيها أكثر من 21 ضابطًا، من بينهم اثنان من

مجلس قيادة الثورة، هما بشير هوادي وعبد المنعم الهوني، بينما هرب المحيشي خارج البلاد.

(54)  Husken, p. 28.

((5(آمال العبيدي، "الثقافة السياسية للنخبة السياسية في ليبيا: دراسة لبرامج الإعداد السياسي للمصعدين شعبيًا"، دراسات في

الاقتصاد والتجارة، مج  25 (2006)، ص.77 (((5 عبد الجليل.

(57)  Wolfgang Mühlberger, "Libya After Qadhafi: Reshaping the Political and Security Systems," Connections , vol. 11, no. 3 (2012), p. 4. (58)  Lacher, "Libya’s Local Elites and the Politics of Alliance Building," p. 74.

أكثر من تعلّقها بالحقوق الاقتصادية أو السياسية، وادّعى أعضاء المؤتمر الوطني وزعماء المجالس المحلية تمثيل مجتمعاتها، والحديث نيابة عنها. وكانت غالبية هذه الخطابات موجّهة بطريقة غير

مباشرة نحو تصفية صراعات محلية، انخرط فيها الكثير من القرارات السياسية. ففي سياق الصراع بين مدينتي بني وليد ومصراتة مثل، يمكن فهم قرار المؤتمر رقم 7 ضد بني وليد رًّد ا على اختطاف شخص من مصراتة من أشخاص من بلدة بني وليد، الذي قاد عبد الرحمن السويحلي وصلاح بادي حملة داخل المؤتمر الوطني لإقراره، وفيه جرى تخويل وزارتي الداخلية والدفاع الصلاحيات كلها لاستخدام القوة. كما تمكّن نواب برقة من إقرار قانون انتخابات الهيئة التأسيسية لصوغ مشروع الدستور على أساس مبدأ المساواة بين الأقاليم، في حين تبنّى المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا خطابًا معارضًا لهذا

القانون الذي تجاهل مطلبه بجعل اللغة الأمازيغية لغة رسمية. وتزامنًا مع حرب عام 2019 حول طرابلس، تمحور الخطاب السياسي لدى المعسكرَين حول القذف والوصم والتخوين والتعبير عن

الزهو القبلي والجهوي واللغوي الذاتي الشديد، وازدراء الآخر والعمل على إلغائه. وأدّت الذاكرة الجماعية الحافلة بالمتناقضات دورًا في تأجيج مثل هذه المحتويات التي ترجمت التنوعَ المجتمعي

إلى تعدّد للذاكرات، حوّل التاريخ الوطني في ليبيا إلى ما يشبه مجموعة من التواريخ المتناقضة، تحفل

بالصور الإيجابية عن الذوات الفرعية، وتستحضر أسانيد "تاريخية" مروية لتبرير الصراع. ولم تكتف الهويات الفرعية القبلية والجهوية بممارسة التأثير الخطابي أو النفوذ التشريعي، بل شكلت القوى العسكرية المحلية للسيطرة على مؤسسات الدولة، ومارست النفوذ على مواقع ذات أهمية استراتيجية، حيث سيطرت قوة أمازيغية على منفذ رأس جدير، وتقاسمت مؤسسات العاصمة قُوى مصراتة والزنتان العسكرية، وسيطرت قوات إبراهيم الجضران على الموانئ النفطية.

4. نخب الجماعات السياسية ذات المرجعية الدينية

منذ بواكير الانتفاضة الأولى التي أطلقت ثورة شباط/ فبراير 2011، كان الخطاب السياسي ذو المرجعية الدينية حاضرًا في الأزمة الليبية، واشتبك مع الكثير من القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وفي

هذا السياق، انحاز الشيخ الصادق الغرياني، وهو داعية إسلامي معروف عند الليبيين، إلى المظاهرات التي انطلقت في مدن الشرق والزنتان والزاوية ومصراتة وتاجوراء في الغرب الليبي، داعيًا إلى إسقاط

نظام القذافي، ومعتبرًا إزاحة الظلم المتمثل فيه فرضًا دينيًا. في المقابل، عمد نظام القذافي إلى

((5(المؤتمر الوطني العام، قرار رقم  7 لسنة 2012 م بشأن ظروف اختطاف وتعذيب الشهيد عمران جمعة شعبان (طرابلس: 2012/9/23)، شوهد في 2023/5/30، في: https://tinyurl.com/mr3w5baz

(60)  Mulberger, p. 11.

((6("أمازيغ ليبيا يقاطعون تأسيسية الدستور"، الجزيرة نت، 2014/7/11، شوهد في 2023/5/30، في: https://tinyurl.com/sez9ex34 (((6  "سيطرة الثوار على معبر راس جدير"، قناة الجزيرة، يوتيوب، 2011/8/27، شوهد في 2023/5/30، في:

https://tinyurl.com/3hv9afxu (63)  Joan Tilouine, "Ibrahim el–Jadhran, l’homme qui défie Tripoli," Jeune Afrique , 13/1/2014, accessed on 3/12/2023, at: https://tinyurl.com/ym6u25hs

(((6 "مداخلة مفتي عام ليبيا الشيخ د. الصادق الغرياني في مثل هذا اليوم 20 فبراير 2011 على قناة الجزيرة."

توظيف خطاب سياسي مضاد، ذي مرجعية دينية هو أيضًا، قام على القول بوجوب طاعة ولي الأمر وتحريم الخروج عليه، استعان في الترويج له ببعض المنتمين إلى بعض المجموعات السلفية. وفي شباط/ فبراير 2012، بموجب قرار المجلس الوطني الانتقالي رقم 15، رأس الغرياني دار الإفتاء الليبية مجازاة له لانضمامه إلى الثورة، وتماهى في توجّهه مع توجهات المؤتمر الوطني العام، وكان

جزءًا من المنظومة التي سيطرت على مفاصل القرار السياسي. ومنذ البداية، تبنّت دار الإفتاء برئاسته رأيًا

سياسيًا يتعلق بالخلاف حول شكل الدولة في ليبيا والنزاع الجهوي والتاريخي بين الأقاليم حول النظام

الفدرالي/ النظام المركزي، ساندتها فيه هيئة علماء ليبيا، داعيًا إلى تحريم الفدرالية واعتبار الدعوة إليها

نوعًا من الإثم. وترتب عن هذا الرأي تضاؤل شعبية دار الإفتاء في الشرق الليبي تحديدًا. وفي العام نفسه، دعمت دار الإفتاء القرار رقم 7 الصادر عن المؤتمر الوطني الذي أشرنا إليه ليعزز انحيازها في الصراع القبلي في ليبيا. وفي صيف 2014، أصدر المفتي الغرياني فتوى تعتبر أن حفتر ومن معه يمثلون فئة باغية، وأن للمجموعات الإسلامية المختلفة المنضوية في "مجلس شورى ثوار بنغازي"، وكانت من بينها جماعة "أنصار الشريعة"، الحق في رد البغي. وتعدّدت "الاجتهادات الفقهية" والفتاوى، وُمزَ عة موازين

"الحق" و"الباطل" و"الإيمان" و"الكفر"، وتغذّت الفصول التي شهدتها بنغازي من معركة الكرامة بشعارات سياسية دينية صنعت مبررات للتحشيد بين الطرفين، خاصة أن حفتر عمد إلى توظيف السلفيين الذين قاتلوا في صفوفه. فقد واكب هذه المعركة استعمال الأناشيد الجهادية من "مجلس شورى ثوار بنغازي" الذي ضم جهاديين من مختلف أطيافهم، فيما وصف السلفيون المنضمون إلى جيش حفتر خصومهم بالخوارج، واستحضروا الموروث الديني السلفي في قتال من اعتبروهم "الفئات المارقة". واستمر التنافس والتربص بين دار الإفتاء والسلفيين. ففي حين اعتمدت المؤسسات السياسية في طرابلس على ولاء دار الإفتاء في اكتساب الدعم، تدثّر مركز القوى المقابل له في الشرق الليبي بمباركة التيار السلفي، وصار المجتمع الليبي أمام تنافس ثيولوجي سياسي، وانقسم حتى في إقامة الشعائر، كما حدث في الخلاف على أزمة هلال عيد الفطر السعيد في نيسان/ أبريل 2023.

(((6 "من قناة الليبية الفضائية 2011/3/18 ALJamahirya 2 TV "، ArchiveLibyan، يوتيوب، 2013/3/21، شوهد في 2023/12/2،

في: https://tinyurl.com/3hxwuvha

(((6 فريدريك ويري، "صراع الفصائل الليبية للسيطرة على الأوقاف الإسلامية"، مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط، 2022/1/5، شوهد في 2023/7/17، في: https://tinyurl.com/394j2hz6 (((6 "حديث الشيخ عن بيان دار الإفتاء بخصوص تأييد فتوى رابطة علماء ليبيا بتحريم الفيدرالية"، مؤسسة التناصح للدعوة والثقافة والإعلام، يوتيوب، 2013/11/8، شوهد في 2023/12/2، في: https://tinyurl.com/57d5nnsv (((6 دار الإفتاء الليبية، "حكم التفجيرات والاغتيالات"، 2012/9/27، شوهد في 2024/3/3، في: https://tinyurl.com/2zffzcsu (((6 "الشيخ د. الصادق الغرياني، رد الصائل عن أهل درنة واجب؛ وعلى الناس أن يناصروهم بالمال وبالخروج للساحات"، مؤسسة التناصح للدعوة والثقافة والإعلام، يوتيوب، 2018/6/13، شوهد في 2023/7/17، في: https://tinyurl.com/yh5zdvab

(70)  Mhlberger, p. 8.

((7(السنوسي بسيكري، "الانقسام وسؤال الشرعية و'فتنة' العيد في ليبيا"، عربي 21، 2023/4/22، شوهد في 2023/7/17، في:

https://tinyurl.com/tn9fda6r

وبحسب بعض الدراسات الاستطلاعية، عرقل الصراعُ السياسي باستناده إلى المرجعيات الدينية المسار التصالحي، وعطّل إيجاد بدائل في إدارة الخلاف وحقن الدماء وإرساء قواعد للتعايش وتجديد العقد الاجتماعي وتحقيق العدالة الانتقالية بعد عملية تغيير سياسي دامية تركت شروخًا في النسيج الاجتماعي الليبي، بل انخرطت المؤسسات الدينية والمجموعات السياسية ذات المرجعية الدينية في الصراع، وأغرقت في شيطنة خصومها، وأتاحت الفرصة لترسخ خطاب الكراهية والعداء والثأر بين أطياف الشعب الليبي. ولم تُفلح دعوات كثير من المثقفين لتحييد الخطاب الديني عن قضايا الصراع وعدم التدخّل في قضايا الشأن العام، إّل من خلال توجيه المجتمع نحو المبادئ العامة للإسلام والحثّ على الإجماع. تعكس هذه المحتويات السياسية ذات المرجعية الدينية إشكالية التداخل بين الدين والسياسة في ليبيا، وحدّة الجدل حول العلاقة بين الدين والدولة، التي استثمرتها الجماعات الدينية في خطاباتها التصارعية. كما أن عنصرَي الانتماء الجهوي – القبلي – اللغوي من جهة، والارتهان إلى استراتيجيات

الجماعات المسلحة من جهة أخرى، مّثلّا تعقيدًا إضافيًا في كيفيات صنع الخطاب السياسي

لدى النخب الليبية بعد انقضاء شهور التوحيد الثوري. وسنرى ذلك واضحًا في المبحث اللاحق،

حينما جرى تأطير الصراع السياسي إلى أن وصل إلى الحرب الأهلية.

ثالثًا: ديناميات تحول تأطير الصراع السياسي في الخطاب

كانت تشكيلة المؤتمر الوطني العام منقسمة بين الغالبية؛ تحالف القوى الوطنية، والقوى الإسلامية، ما تسبب في عدم حصول حكومة مصطفى بوشاقور على الثقة مرتين. كما فشل "حزب العدالة والبناء" في حصول مرشحه عوض البرعصي على الأصوات الكافية للترشح لرئاسة الحكومة. ومن بين الحجج التي استُعملت لتبرير رفض بعض نواب الحزب من إقليم طرابلس التصويت له، وتصويت بعضهم لبوشاقور أن الأخير ينتمي إلى منطقتهم، وكان من بين حجج تبرير الانقسام حول الموقف من رئاسة محمد المقيريف للمؤتمر الوطني أنه من برقة، وأن إقليمها حصل على موقع سياسي متميز من خلاله. وقد كان واضحًا تنافس الفصائل السياسية والعسكرية المنتمية على تقاسم الحقائب الوزارية

بينها، وعلى تحقيق مطامع نفعية لمناطقها، مغلفة إياها بشعارات ثورية، من قبيل "حماية الثورة" و"التوزيع العادل للفرص والمناصب". وفي هذا الخضم، باتت واضحة سيطرة "حزب العدالة والبناء" على صنع القرار داخل المؤتمر بفضل التحالفات التي استطاع قادته بناءها داخله وخارجه، ما مكّنه من فرض تحرير العديد من القرارات والقوانين، مثل القرار رقم 7 السالف الذكر، على الرغم من أنه بدا

(72)  Palwasha L. Kakar & Zahra Langhi, "Libya’s Religious Sector and Peacebuilding Efforts," United States Institute of Peace, 16/3/2017, accessed on 17/7/2023, at: https://tinyurl.com/fsvxwnhn (73)  Ibid.

((7(السنوسي بسيكري، أحد عشر عامًا على ثورة 17 فبراير الليبية: المسارات، العثرات، المآلات (الدوحة: مركز الجزيرة

للدراسات،.)2022

(75)  Wiesław Lizak, "Libya – Road to Dysfunctionality," Politeja , vol. 15, no. 56 (2018), pp. 23–40.

واضحًا أن العملية لم تكن إّل تصفية لحسابات تاريخية بين مصراتة وبني وليد. وقد كان إصدار القرار

دليل صارخًا على توجيه، لا الخطاب السياسي فحسب، بل أيضًا مُقدّرات السلطة نحو التوظيف الفردي والجهوي والقبلي، وتصفية الحسابات ونيل المكاسب الخاصة. وانتهى إصدار المؤتمر قانون العزل السياسي (5 أيار/ مايو 2013)، الذي بدأت المطالبات به تحت شعار "حماية الثورة وتحصينها"، إلى تصفية حسابات سياسية حزبية، خلّفت انقسامًا حقيقيًا بين القوى التي قادت الثورة، وساهم

في تراجع المطالب الكبرى الجامعة. ولم يكن هذا مجرد حادث، بل كان تحّولاّاا عميقًا في ديناميات

تأطير الصراع السياسي، من صراع بين الثورة وأعدائها، إلى صراع بين من بقوا على الدوام يحرصون على تقديم أنفسهم على أنهم هم وحدهم الثوريون. وعلى امتداد تاريخ ما بعد الثورة في ليبيا، بقي يُعبّر عن نفسه في الألفاظ والعبارات والمصطلحات والمفاهيم التي تصاغ تأطير الصراع السياسي

بها الشعارات التي تتخلل الخطاب السياسي. إن المقصود بتأطير الصراع السياسي هو تصويره على أنه كذلك، وتحديد أطرافه الفاعلة ورهاناته، وصول إلى تعيين من هو صاحب الحق فيه ومن هو غير المحق. وتعني عملية التأطير التركيز على جوانب بذاتها من الواقع، وإبرازها أكثر، بطريقة تُعزّز تعريف مشكلة معيّنة وتفسيرها وتقييمها ووصف العلاج لها، بغية رسم حدود لفهم الواقع وتفسيره. إن من

آثار التأطير الذي يجري من خلال الخطاب السياسي، أن الأحداث تكتسب معناها في ذهن المتلقي من خلال طريقة وصفها، وهو في حقيقته يخضع للمعرفة الإدراكية التي يحملها واصفُها وخلفياته النفسية والاجتماعية. وعلى ذلك يبتعد التأطير عن الموضوعية؛ إذ لا يعبّر إّل عن مصلحة محددة،

ماقليل  تكون جامعة. نعرض، في ما يلي، ثلاثة خطابات، تمحور كل واحد منها حول قضية سياسية محددة، وكان ذا أثر ملموس في تأطير التحّولّات السياسية التي شهدتها ليبيا على امتداد عشرية ما بعد الثورة.

الخطاب الأول هو خطاب "حراك لا للتمديد"، والخطاب الثاني تمحور حول مقولة "الثورة المضادة"، أما الخطاب الثالث فهو خطاب الكراهية. إن ما نريد التركيز عليه هنا هو أثر هذه الخطابات في محورة الصراع السياسي وتوزيع المواقع السياسية على مختلف الأطراف والتأثير، من خلال اللغة، في القيم الاجتماعية، وهذه العناصر هي من مكوّنات عمليات التأطير السياسي.

1. حراك لا للتمديد

منذ خريف 2013، ومع اقتراب أجل انتهاء ولاية المؤتمر الوطني، وتعبير الكثير من قياداته وأعضائه أن النيّة تتّجه نحو التمديد له بحجة الخوف من الفراغ السياسي، تعالت الأصوات في العديد من

مدن ليبيا للمطالبة بالانتخابات البرلمانية، وعدم التمديد له. وكانت هذه الأصوات بداية لحركة شعبية، سمّيت "حراك لا للتمديد". فقد انتشرت المظاهرات في أكثر من 15 مدينة ليبية، منها طبرق

((7(محمد خليل الزروق، أيام المؤتمر: الثورة في ليبيا يومًا بيوم (عمّان: أروقة للدراسات والنشر، 2015) ص.79

(77)  Robert M. Entman, "Framing: Toward Clarification of a Fractured Paradigm," Journal of Communication , vol. 43, no. 4 (1993), p. 52.

والبيضاء وبنغازي وطرابلس والزاوية وزليتن، واستمرت عدة أسابيع تُطالب برفض التمديد، ورفع المتظاهرون المكانس، في إشارة إلى ضرورة "كنس" المؤتمر، كما رفعوا بطاقات حمراء في إشارة إلى ضرورة "طرده من الملعب". وحدد الحراك أن ولاية المؤتمر تنتهي في 7 شباط/ فبراير 2014، مع ظهور بعض العلامات على رفض مشاركة الأحزاب في الانتخابات، والمطالبة بإجرائها على أساس فردي. حاول تحالف القوى الوطنية تجيير الحراك لمصلحته، وانضم إليه رفضًا لخريطة الطريق التي قدّمها أعضاء في المؤتمر، تمنحه التمديد لنفسه حتى إنجاز الدستور، حيث اعتبر رئيسه عبد المجيد مليقطة أنها "خريطة طريق إخوانية". كما حاول رئيس الحكومة علي زيدان تجيير المظاهرات لمصلحة بقاء حكومته، بعد أن تشكلت كتلة واسعة بالمؤتمر تسعى لإسقاطها. وعلى الرغم من محاولات التوظيف هذه، ومن خلال التركيز على حشد العدد الكبير في المظاهرات، فإن الحراك استطاع الوصول إلى هدفه الرئيس، وهو عدم التمديد للمؤتمر الوطني العام، وكانت شعاراته ومطالبه في كل المظاهرات واحدة، وركز على العودة إلى محورتها حول الدولة، في كنف التداول السلمي للسلطة، والتخفيف من الخطاب الجهوي، من خلال عمل تنسيقيات الحراك على التعاون في ما بينها في كل المدن الليبية. وقد استعار الحراك بعض مفردات خطابات التغيير في بعض بلدان الربيع العربي، وفي مصر تحديدًا، ومنها الشعارات التي تناوئ الإخوان المسلمين، على الرغم من طبيعتَي المجتمع والصراع في ليبيا المختلفتين تمامًا عن طبيعتيهما في مصر. في الميدان، اتصف هذا الحراك بالتنظيم الرصين والمطالب الواضحة والحيادية والبعد عن الاصطفافات السياسية، وكانت التنسيقيات تعمل بكفاءة وروح مسؤولة واعية، ركّزت على الهدف الواضح والقيم المشتركة. وبعد ثمانية شهور من الاحتجاج، أصدر الحراك بيانًا أعلن فيه انتهاء أعماله بعد انتخابات مجلس النواب. لقد كان القلق على المسار الديمقراطي، والعمل على تأمين التداول السلمي للسلطة، من أسباب وصول الحراك إلى غاياته، لكن الهدف الواضح والقيم المشتركة كانت أهم عوامل نجاحه.

(((7  "'لا للتمديد' بليبيا...  وجدل المراحل الانتقالية والرئاسة"، الجزيرة نت، 2014/2/19، شوهد في 2023/6/29، في:

https://tinyurl.com/2h5eyk3v

(((7 خالد محمود، "ليبيا: مظاهرات في طرابلس وبنغازي ب  'المكانس' ضد تمديد المؤتمر الوطني فترة ولايته"، الشرق الأوسط، 2013/12/25، شوهد في 2024/3/3، في: https://tinyurl.com/mryfcwnh (((8 "مظاهرات في طرابلس احتجاجًا على التمديد للمؤتمر الوطني"، قناة الجزيرة، يوتيوب، 2014/2/8، شوهد في 2023/6/30،

في: https://tinyurl.com/4jjwdd7f

((8("مليقطة: التصويت على خارطة الطريق 'غير شرعي'"، بوابة الوسط، 2014/2/4، شوهد في:2023/8/12، في

https://tinyurl.com/yeypypkd

((8("احتجاجات ضد التمديد بليبيا وزيدان يدعو لتجنب العنف"، الجزيرة نت، 2014/2/7، شوهد في 2023/6/30، في:

https://tinyurl.com/2h3mpxd4

(((8 "حراك 'لا للتمديد' يُنهي أعماله"، بوابة الوسط، 2014/8/2، شوهد في 2023/7/30، في: https://tinyurl.com/mrxh39p3

2. الخطاب المتمحور حول مقولة "الثورة المضادة"

صار مصطلح "الثورة المضادة" يتردد باستمرار في الخطابات السياسية الليبية المختلفة، خاصة بعد انطلاق عمليتي فجر ليبيا والكرامة. مفردات الخطاب الذي يُنعت بأنه موَالٍ للثورة المضادة، هي التي تمجّد النظام

السابق على الثورة، وعلى الأخص خلال إحياء المناسبات الخاصة به، التي جرت في مناطق متعددة، منها بني وليد وتاورغاء وورشفانة وسبها وغات. لكن مقولة "الثورة المضادة" لم تستعمل لتسمية مناصري نظام ما قبل الثورة فحسب، بل كانت حاضرة بكثافة في حالة من التدافع الخطابي بين الفاعلين السياسيين والعسكريين في منطقتَي الصراع في ليبيا. فكيف كان يجري توظيف الاسم عند كل طرف؟ حاول كل فريق، بعد انقسام البلاد سياسيًا وعسكريًا، تسويق خطاب يخدم مشروعه. وفي حين لم يبرز

ما يمكن أن يساعد في تحديد ما يسمّى "الثورة المضادة"، أو ييسّر قياسها، لم تتوافر، في المقابل، قيادة

مركزية للثورة، تقودها وتعبّر عنها، ولم يبرز طرف يقنع الغالبية على الأقل بأن مواقفه وممارساته هي

المؤيدة فعل للثورة. وكما يقول عزمي بشارة، حل هذا الإشكال لا يكون بالاتفاق على معنى المفهوم، بل بالتوافق على الموقف. لقد كان كل طرف في حاجة إلى كلمة ثورة، لما لها من تأثير وجداني في نفوس الجموع، فسمّيت عملية الكرامة (أيار/ مايو – تموز/ يوليو 2014) بعد حدوثها "ثورة الكرامة"،

وكذلك كان الأمر مع حركة بركان الغضب (4 نيسان/ أبريل 2019) التي تحوّل اسمها إلى "ثورة بركان

الغضب". وهكذا استمر تشرذم القوى التي كانت يومًا موحدة، حيث صارت أطراف عديدة تنسب

نفسها إلى الثورة، تشير إلى أطراف أخرى هي أيضًا تنسب نفسها إلى الثورة ذاتها، على أنها من قوى "الثورة المضادة"، لأن الأحداث جعلت بعضها يتمترس ضد بعضها الآخر، ويسعى كل فريق فيها لبناء التحالفات التي تقوّيه، لا التي تجعله يحافظ على انتسابه إلى مبادئ الثورة، عبر استقطاب قوى جديدة

كانت خارج المنظومة الثورية الأولى، وربما معادية لها. لقد ساهم وضع مقولة "الثورة المضادة" في مختلف الخطابات المتدافعة في غموض عمليات تأطير الصراع السياسي، وغابت المؤشرات الواضحة التي يمكن أن تدل على الأطراف التي تعمل حقًا على تحقيق أهداف الثورة، كما ساهم في تفكيك القيم الثورية. لقد تحوّلت لغة الخطاب السياسي إلى

تسميات عبثية وعشوائية، ولم تعُد المفردات تدل على معانيها، وتكاثرت الشعارات التي لا تتّسق مع ممارسات قائليها.

3. خطاب الكراهية

يمكننا أن نعرّف خطاب الكراهية باعتباره شكل التعبير الذي يرمي القائل به إلى النيل من شخص

أو فئة من الناس، قصد إهانتهم ووصمهم والتحريض عليهم. وفي توصية المفوضية الأوروبية، رقم 15

(((8 جمال جوهر، "أنصار القذافي يحتفلون ب  'ثورة الفاتح' رغم التضييق والإقصاء"، الشرق الأوسط، 2022/8/31، شوهد في

2024/2/24، في: https://tinyurl.com/37ydcm3y

((8(عزمي بشارة، "الثورة ضد الثورة والشعب ضد الشعب، والثورة المضادة"، سياسات عربية، مج  1، العدد 4 (أيلول/ سبتمبر 2013)، ص.7

لمكافحة العنصرية والتعصب (حول مكافحة خطاب الكراهية)، جرى تعريفه باعتباره التعبير عن الكراهية تجاه شخص ينتمي إلى مجموعة ما، وإذلاله وازدرائه، إما بسبب العرق أو اللون أو الدين أو الجنسية أو الهوية، وقد يتجلّى هذا الخطاب لفظيًا أو رمزيًا، أو بلغة ملتوية وغامضة أو مجازية.

أما استراتيجية عمل الأمم المتحدة بشأن خطاب الكراهية، فتعرّفه باعتباره أَّيَ نوع من التواصل بالقول

أو الكتابة أو السلوك، يهاجم أو يستخدم لغة تحقير أو تمييز، تجاه شخص أو جماعة على أساس هويتهم أو دينهم أو عرقهم أو جنسهم أو لونهم أو أي عامل هوية آخر. ظهرت خطاباتٌ، منذ الانقسام السياسي الليبي في عام 2014، تحتوي على مفردات يمكن عدّها من ضمن خطاب الكراهية. وكانت القنوات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي هي المنصّات التي

تنطلق منها التوصيفات التخوينية، وتُبدى فيها مشاعر الازدراء والعداوة. ولئن كان مثل هذا الخطاب يصنف أحيانًا، عند بعضهم، باعتباره أحد أشكال حرية التعبير، فقد كان بعضهم الآخر يعتبره وجهة نظر فردية لا تتبنّاها التحالفات المتصارعة، في حين كان هناك دائمًا من يُجرّمه ويُحذّر من مخاطره. وفي

ظل تعطيل القضاء وغياب القوة القادرة على تطبيق التشريعات، كان ردعه ضعيفًا، فضل عن استخدام هذه التشريعات مصطلحات فضفاضة وغير دقيقة، يتباين فهمها ويعسر تطبيقها على حالات عينية. كانت حرب السرديات التي اتخذت من الذاكرة الجماعية المختلف عليها ومكوّناتها، سلاحًا فاعل في

تأطير الصراع السياسي، مناسبة مُثلى لممارسة خطاب الكراهية. وانخرطت المجالس القبلية والهيئات

التي تتحدث بأسماء المدن وبالأجسام الهووية اللغوية في هذه الممارسة، عبر إعلان المواقف، أو عبر ما كانت تُدلي به النخب الإعلامية والثقافية التي تنطق باسمها. لقد اعتمد معسكر الغرب الليبي على التحالف القديم الذي كان سائدًا طوال العهد العثماني بين طبقة القولوغلية والطبقة التجارية في مدن مصراتة وزليتن وطرابلس والزاوية. وكانت تطلق في بعض الأحيان على هذه المدن تسمية "صف البحر"، وذلك للإشارة إلى هذا التحالف الذي حاز امتيازات كبيرة، خلال فترة الحكم العثماني، مكّنته من السيطرة الاقتصادية والاجتماعية على الإقليم: الإعفاء من الضرائب ومنح امتياز جمعها من القبائل العربية، واحتكار التجارة. وتوطّدت الروابط الاقتصادية والاجتماعية بين العائلات المكوّنة

لهذا التحالف الطبقي عبر أواصر المصاهرة والشراكات التجارية والسياسية طوال العهدين؛ الإيطالي والَماَ لَكي. من حيث الثقافة السياسية، احتوت خطابات هذا المعسكر في مبعد ثورة 17  فبراير على

شعارات "الدولة المدنية"، و"التحضر" و"العراقة"، التي استعيدت في محاولةٍ لزعم استمرار الشرعية القديمة. ولم تكن استقبالات فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق الوطني (2021–2016)، للسفراء واعتمادهم في قلعة طرابلس ممارسة عفوية، بل إشارة إلى ارتباط هذه المجموعة بمن كان يحكم القلعة، وصارت أحد التعبيرات عن وجدان الجماعة وذاكرتها وتقاليدها. ولم تكن هذه الإشارات

(86)  María Antonia Paz, Julio Montero–Díaz & Alicia Moreno–Delgado, "Hate Speech: A Systematized Review," Sage Open , vol. 10, no. 4 (2020), pp. 1–2. (87)  "What is Hate Speech?" United Nations, accessed on 22/12/2023, at: https://tinyurl.com/2vyby9ed (88)  Michel Le Gall, "The End of the Trans–Saharan Slave Trade to Tripoli: A Reassessment," Princeton Papers in Near Eastern Studies , vol. 2 (1993), p. 38.

وما توحي به من بين المشتركات الممكنة مع الطرف المنافس، بل علامات سياسية صدامية، استُثمرت في الصراع. ولهذا، لم يكن توصيف هجمات التشكيلات العسكرية القادمة من غرب ليبيا نحو الهلال النفطي "بالبندات" مستغربًا، في إشارة إلى التشكيلات العسكرية التي شكّلها المستعمرون الإيطاليون

لإخماد المقاومة في برقة، وكانت غالبية من التحق بهذه البندات تنتمي إلى مناطق الغرب الليبي. أما في شرق ليبيا، فقد كان الخلاف القديم بين طرابلس وبرقة مبنيًا هو أيضًا على الأحلاف والعلاقات

المتداخلة بين قبائل برقة والقبائل التي تقطن الدواخل الطرابلسية. وقد أدّت سرديات الذاكرة دورها في استعادة هذا الحلف وتقويته. لقد نظّم كل فريق صفوفه عبر استدعاء الذاكرة وإعلاء المشتركات التاريخية بين أفراد الجماعة الواحدة، واستذكار حوادث من قبيل مقاومة القبائل العربية للحكم العثماني ورفض دفع (الميري)، في مقابل استذكار فترة الحكم العثماني نفسها، لتلميع توقيع معاهدة مع تركيا تقضي بالمساعدة والتدخل العسكري لمصلحة قوات حكومة الوفاق (الغرب). كما استذكر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهو يحاول الرد على المعارضة التركية لتبرير تدخّله العسكري في ليبيا، الفترة نفسها، للزعم بأن من واجبه الدفاع عن أحفاد برباروس والأمازيغ والطوارق، مختزل تدخّله في محاربة المكوّن

العربي ضمن النسيج الاجتماعي الليبي. وفي المقابل، كانت التشكيلات العسكرية المنتمية إلى القائد العسكري حفتر توصف بالأزلام، وهي مفردة تطلق بتوسع على أنصار نظام القذافي، حيث إن المناطق الموالية له تحالفت مع قوات حفتر حينما هاجم العاصمة طرابلس. وبعد اشتداد المواجهات، وُصمت التشكيلات العسكرية التابعة لحفتر بالقرامطة، في استدعاء تاريخ موغل يعود إلى تحالف

قبائل بني سليم مع القرامطة في ثورتهم. وشكّل التدخل الأجنبي مدخل مهمًا لكل فريق كي يبرر

صراعه مع الفريق الآخر. ترددت في مختلف خطابات الأطراف المتصارعة مفردات الصراع، وعملاء الاستعمار والعسكر والمرتزقة وغيرها؛ ما ترك آثارًا عمّقت الانقسام الاجتماعي، لأنها أطّرت الصراع السياسي على أنه

(((8 "البيان الختامي لملتقى القبائل الليبية في مدينة ترهونة"، بوابة أفريقيا الإخبارية، فيسبوك، 2020/2/20، شوهد في 2024/2/24،

في: https://tinyurl.com/52dn8acy

(((9 جرى تعليق لوحة ضخمة في أكبر ساحات بنغازي، كُتب عليها "لن ندفع الميري"، في تعبير عن تحدي الوجود التركي على

الأراضي الليبية: بنغازي ضد الوجود التركي. ((9("البلعزي: الهيئة الطرابلسية تفاعلت إيجابًا مع الإعلان على مذكرتي التفاهم مع تركيا"، عين ليبيا، 2019/12/19، شوهد في

2023/12/24، في: https://tinyurl.com/ycxhr7zr

(((9 "أردوغان يهدد حفتر: 'ليبيا كانت ولاية عثمانية وسندافع عن أحفاد بربروس والأمازيغ والطوارق'"، بي بي سي عربي، يوتيوب، 2020/1/15، شوهد في 2023/12/24، في: https://tinyurl.com/3r4yxj4c (((9 "تقرير تغطية خاصة | عودة الأزلام بالتحالف مع حفتر، 2019/11/23"، مؤسسة التناصح للدعوة والثقافة والإعلام، يوتيوب، 2019/11/23، شوهد في 2014/2/24، في: https://tinyurl.com/4zsswutk (((9 "تغطية خاصة مع رئيس كويليام الدولية للأبحاث نعمان بن عثمان 2019/4/25"، ليبيا الأحرار، يوتيوب، 2019/4/26، شوهد

في 2023/4/13، في: https://tinyurl.com/2b6av4an

(((9 عبد الرحمن بن  خلدون، تاريخ ابنخلدون، مراجعة سهيل زكار، ج  4 (بيروت: دار الفكر، 2000)، ص.115

صراع مميت ضد أعداء لا يمكن التفاوض أو الاتفاق معهم، ولا يمكن أن تستعمل معهم إّل لغة السلاح للحسم.

رابعًا: أفق بناء مشترك بين سردية الثورة ومتطلبات الدولة

كانت التجربة الليبية إحدى أعنف تجارب الربيع العربي، وأنتجت حالة من الردة على الثورة والكفر بها، ووصفها بالنكبة، وتجريم كل من التحق بها أو نادى بمبادئها، خاصة بعد أن كانت الأحداث العسكرية خلال الثورة مدخلًا لتسرّب الحركات الإرهابية والمتطرفة، ومج ل للتعبير عن الهويات

والمصالح الجهوية والحزبية، التي مزّقت كيان الدولة. وأنتجب حالة الاصطفاف السياسي في ليبيا خطابين متنازعين، وكان كل خطاب جديد لا ينتمي إليهما، أو يعبّر عن حراك مناهض لما آل إليه

الوضع السياسي هدفًا للتخوين والقمع من كلا الطرفين، اللذين بلغا حدود الاعتقال والتغييب والتصفية لكثيرين من الناشطين السياسيين. لكن، بالتوازي مع ذلك، لم تتوقف الحركات الاحتجاجية ذات المطالب الوطنية، التي ركّزت على تدنّي مستوى المعيشة والنقص في السيولة النقدية وإمدادات الطاقة والانفلات الأمني والفساد المالي والإداري وفشل الأطراف السياسية في حل الانسداد السياسي وفقدان الثقة بها. وبسبب انتشار وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–)، وما ترتب عليه من إجراءات احترازية، مثل منع السفر وحظر التجول، كان النصف الأول من عام 2020 خاليًا من أي حراك احتجاجي، خاصةً بعد توقّف العمليات

العسكرية بين قوات الكرامة وقوات الوفاق بعد حرب عام 2019. وأصبح الحديث عن السلام ووقف الاقتتال أكثر كثافة وغزارة من أي وقت آخر، في إشارة إلى إمكانية وجود مشترك سياسي يساهم في خلق تيار وطني يتجاوز معسكرَي الصراع، ويقرّب وجهات النظر، ويوحّد المطالب. كانت بداية هذه الحركات الاحتجاجية بما عرف بحراك 23 آب/ أغسطس 2020، حين خرجت مظاهرة حاشدة جرت الدعوة إليها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وجرى قبل أيام من ذلك إطلاق هاشتاغ #طرابلس_تنتفض. احتشد المتظاهرون في ميدان الشهداء، مطالبين بمحاربة الفساد وتحسين المستوى المعيشي والخدمات، وردّدوا شعارات، منها "أولادنا في الجبابين... وهما مفرشكين"، "الشعب فد... معاش ينشد" (الشعب فاض به الظلم ولن يوقفه أحد عن انتفاضته). وعلى الرغم من محاولات رئيس حكومة الوفاق السراج ووزير داخليته فتحي باشاغا كسب ودّ المتظاهرين من خلال بياناتهم المؤيدة، فإن المتظاهرين وجّهوا إلى كليهما تهمة الفساد. وسقط أحد المتظاهرين برصاص قوات

الحكومة، واعتقل ستة منهم، طلق سراحهم لاحقًا. وقد استمر ضغط المتظاهرين، وحاصروا منزل أُ

(((9 "مظاهرات حاشدة في العاصمة الليبية ضد الفساد وسوء الأوضاع المعيشية"، قناة الحرة، يوتيوب، 2020/8/26، شوهد في

2023/8/2، في: https://tinyurl.com/3w2ksr3h

(((9 "باحث: حراك 23 أغسطس كشف عورات حكومة السراج... وتركيا الخاسر الأكبر"، قناة الغد، يوتيوب، 2020/8/29، شوهد

في 2023/8/2، في: https://tinyurl.com/6s8rtbwn

رئيس حكومة الوفاق، وقام الحرس الرئاسي بتفريقهم بإطلاق الرصاص والغاز المسيل للدموع. وتزامنت الاحتجاجات مع مظاهرات في الزاوية ومصراتة وصبراتة، واستمر الحراك أيامًا عدة بالاعتصام في الميادين. وتبلورت مطالب الحراك في "وحدة الأراضي الليبية" و"إخراج المرتزقة" و"تفعيل القانون" و"إنهاء سيطرة الميليشيات" و"رفض التدخل الأجنبي". الخاصية الأهم لهذا لحراك أنه حمل الخطاب الجامع الأول بعد الحرب الأهلية في عام 2019، ولهذا كانت أصداء هذا الحراك مؤثرة في غالبية المناطق الليبية، ولم تمض سوى أسابيع قليلة، حتى انتشرت نداءات احتجاجية في مدن الشرق، تحمل المطالب نفسها. وكانت المطالب السياسية هي الأكثر تأكيدًا، كما في مظاهرات 11 أيلول/ سبتمبر 2020 في البيضاء وجالو وشحات وبنغازي، حيث رُفع شعار "لاحكومة لا نواب...  الشعب الليبي منكم ذاب"، وهوجم مقر الحكومة وُأضرمت فيه النيران. وفي سبها ظهر حراك أطلق على نفسه اسم "ثورة الفقراء"، بينما أطلق حراك بنغازي على نفسه تسمية "إنقاذ ليبيا من الفساد والفاسدين". وحاولت السلطات السياسية في الشرق والغرب امتصاص غضب الجماهير، وأصدرت الحكومتان بيانات تشير فيها إلى عدالة المطالب التي ينادي بها المتظاهرون، لكنها مارست حملة اعتقالات ضد الناشطين من منظمي المظاهرات، ومنعت منح التراخيص للتظاهر في بنغازي والبيضاء وطرابلس. وأيّدت بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي هذه الاحتجاجات، وكذلك القيادات العسكرية في الشرق والغرب، لكن "أوقاف الشرق" أصدرت بيانًا يمنع التظاهر، ووصفته بالخروج على ولي الأمر والافتيات عليه.

(((9 "المتظاهرون الليبيون يحاصرون منزل السراج في طرابلس، منصات"، سكاي نيوز عربية، يوتيوب، 2020/8/27، شوهد في

2023/8/2، في: https://tinyurl.com/4n4eb74s

(((9  "احتجاجات طرابلس. غليان في وجه الوفاق"، سكاي نيوز عربية، يوتيوب، 2020/8/24، شوهد في 2023/8/2، في:

https://tinyurl.com/2z5e768z

(((10 "مظاهرات ليلية في منطقة المرج شرقي ليبيا، ومحتجون يقتحمون مقر الحكومة الموازية في حي أبوعطني ببنغازي"، قناة الجزيرة، يوتيوب، 2020/9/13، شوهد في 2023/8/2، في: https://tinyurl.com/2ahd3ta3 (((10 "تحت شعار 'إنقاذ ليبيا من الفساد'... نشطاء مدينة بنغازي يُطلقون دعوة للتظاهر السلمي يوم الاثنين الموافق 21 سبتمبر..."،

218 News، فيسبوك، 2020/9/17، شوهد في 2024/3/3، في: https://tinyurl.com/42jhaby5 ((10("داخلية الوفاق: ندعم التظاهر وضبطنا مندسين بمظاهرات طرابلس"، ليبيا الأحرار، 2020/8/23، شوهد في 2023/8/2، في:

https://tinyurl.com/yckhx9f3

((10("اختطاف ناشط مباشرة عقب مظاهرة ببنغازي ضد الفساد"، ليبيا الأحرار، 2020/9/22، شوهد في 2023/8/2، في:

https://tinyurl.com/2p8acn29

(((10 عمر علي الطربان، منسق حراك بالتريس، مقابلة عبر الهاتف،.2023/6/20

(105)  "Communiqué of Chairperson of the African Union Commission on the Situation in Libya," African Union, 30/7/2022, accessed on 23/8/2023, at: https://tinyurl.com/yc53vjek

((10("الجيش الليبي يؤيد مطالب الحراك الشعبي ويطالب بالبعد عن العنف"، العين الإخبارية، 2022/7/2، شوهد في 2023/8/4،

في: https://tinyurl.com/j2hc8cas

((10("أوقاف الحكومة المؤقتة تطلب من الخطباء النهي عن المظاهرات"، ليبيا الأحرار، 2018/10/19، شوهد في 2023/7/27،

في: https://tinyurl.com/yu87ty35

وشهد عام 2021 أيضًا حراكات احتجاجية، تبنّت مطالب تحسين المعيشة ومحاربة الفساد. وبعد أن قررت السلطتان التشريعيتان تأجيل الانتخابات التي كان مقررًا، بحسب اتفاق جنيف، إجراؤها في 24

كانون الأول/ ديسمبر 2021 إلى أجل غير مسمّى، تنادى ناشطون لتنظيم مظاهرات في غالبية المدن

الكبرى في ليبيا، واتخذوا من اليوم المقرر للانتخابات، وهو يوم الاستقلال الليبي، موعدًا للتعبير عن مطالبة بعثة الأمم المتحدة للإيفاء بتعهداتها، طبقًا لوفاق جنيف، واحتشدت الجماهير في ساحات بنغازي وطبرق والبيضاء ومصراتة وطرابلس. ثم كان عام 2022 ا حافل بالحراكات الاحتجاجية، خاصة بعد أن علن عن فشل الأطراف السياسية في أُ التوصل إلى وثيقة دستورية تنظم الانتخابات، وما صدر من تقارير رقابية محلية وأخرى دولية عن الفساد المالي الكبير، إضافة إلى الأزمة المعيشية. انتظمت المظاهرات في مدن طبرق والبيضاء وبنغازي وطرابلس ومصراتة، وكانت حاشدة ومحددة المطالب: "إسقاط جميع الأجسام السياسية" و"تحسين الخدمات المعيشية" و"إمدادات الطاقة"، و"إخراج القوات الأجنبية والمرتزقة"، مع توجيه اتهامات إلى المسؤولين بالفساد وسرقة المال العام. وفي طبرق هاجم المتظاهرون مبنى مجلس النواب وأضرموا النار فيه، وفي البيضاء وبنغازي ومصراتة خرجت مظاهرات، وكان أكبرها في العاصمة طرابلس، حيث جرى إغلاق أحياء سكنية وطرق رئيسة وساحات عامة. وكان تيار "بالتريس" الشبابي من منظمي هذه المظاهرة التي ارتدى فيها المتظاهرون السترات الصفراء، في إشارة إلى انتساب المتظاهرين إلى الطبقات الاجتماعية التي سحقها الوضع الاقتصادي للبلاد. تجاهلت السلطات السياسية التحركات الاحتجاجية والمطلبية في بادئ الأمر، خاصة في الشرق، لكن عدد المتظاهرين، وتهديد الشعارات والمطالب للأجسام السياسية على نحوٍ مباشر بعد حرق مقر البرلمان، دفع رئيسه عقيلة صالح إلى شيطنتها، واتهام منظّميها بأنهم من أنصار النظام السابق. أما في طرابلس، فقد تجاهل عبد الحميد الدبيبة، رئيس الوزراء، الحراك الذي طالب برحيله، وذهب ليقوم بتخريج دفعة تابعة لوزارة الداخلية، وعلى الرغم من الحاجة السياسية إلى تأييد الحراك من تحالف الغرب، خاصة بعد ورود توقعات بأنه من الممكن أن يزيد انتشاره ويرتفع سقف مطالبه إلى الهجوم على حفتر وربما إسقاطه، فإن جهود حكومة الدبيبة اتّجهت إلى محاولة قمع الحراك، بعد اتجاه المظاهرات نحو مقرّها. أظهرت الشعارات الاحتجاجية والمطلبية تجاوز الهويات السياسية والحزبية والجهوية، وكانت مناقضة

(((10 "مظاهرات في بنغازي احتجاجًا على تأجيل الانتخابات الرئاسية"، قناة الغد، يوتيوب، 2023/12/24، شوهد في 2023/7/27،

في: https://tinyurl.com/yc2vv5c4

((10(ديوان المحاسبة الليبي، التقرير السنوي العام 2022 م، 2023/10/25، شوهد في 2023/7/30، في: https://tinyurl.com/4h9k3njs (((11 تيار بالتريس، هو تيار شبابي له نشاط سياسي واجتماعي واقتصادي، ينشط في مدينة طرابلس، ونظم عدة مظاهرات فيها. (((11 الطربان. (((11 "بعد مظاهرات تطالب برحيل جميع المؤسسات السياسية... هدوء يسود ليبيا"، قناة الجزيرة، يوتيوب، 2022/7/2، شوهد

في 2023/7/30، في: https://tinyurl.com/wn3msjva

للمظاهرات الموجّهة ذات الأهداف السياسية الخاصة التي سادت حتى عام 2019. وقد يتوسع التيار

الاحتجاجي إلى قطاعات أخرى من المجتمع.

خاتمة

حاولنا في هذه الدراسة مقاربة الخطاب السياسي في ليبيا، خلال الفترة 2023–2011، مقاربة تحليلية نقدية من خلال تحديد مفرداته المفتاحية وشعاراته ومصطلحاته ومفاهيمه، ثم عملنا على تحديد بنياته ووضعها في سياقها، بردّها إلى من صاغوها وتحديد مواقعهم الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية والثقافية، كلما سمحت المعطيات بذلك. وقد اختبرنا أحقية القول إن ممارسات النخب السياسية حوّلت الخطاب السياسي من خطاب توحيدي إلى خطاب نزاعي، انتهى إلى الحرب الأهلية. وتبيّن

لنا أن السياق السياسي الذي عملته هذه النخب، وغذّت عناصر اتجاهه نحو الانقسام، كان في ارتباط وثيق بالمعتقدات والتصورات والقناعات التي اكتسبها عناصر النخبة السياسية في بيئاتهم الأولى. لقد طرحت الدراسة العديد من نماذج الخطابات التي أثبت الفرضية القائلة إن أداء الفاعلين السياسيين يتأثر بجماعاتهم الاجتماعية أو الأيديولوجية أو اللغوية. كما تبيّن لنا أنهم بذلك أنتجوا خطابات

أعادت إنتاج المجتمع بانقساماته وتفاوته وهشاشة بناه الاجتماعية، أكثر مما عملت على تغييره. وقد وقفنا على نماذج خطابية تدعو إلى الكراهية، وتهدد بقوة أسس العيش المشترك، وتولّد الشكوك حول قضايا "الوحدة الوطنية" والنظام الاجتماعي القبلي والمجتمع المدني والأحزاب والدولة. على هذا، كان الخطاب السياسي في ليبيا ما بعد الثورة، وفي قسماته الكبرى، مبنيًا على التنازع بين

الأفكار القديمة التي  يُغذّيها الموروث القيمي والثقافي والانتماءاتالأولية من جهة، والأفكار الجديدة

التي أطلقها الربيع العربي من جهة أخرى. لقد كانت العودة إلى القديم أسهل الاستراتيجيات لإدارة تفجر تناقضات الواقع الاجتماعي "الجديد"، وفي المقابل، أظهرت الحراكات الاحتجاجية والمطلبية، التي امتدت على السنوات الثلاث الأخيرة، أن خطابًا جديدًا آخذ في التشكل، في اتجاه بلورة مشروع

وطني تغييري، يجمع بين سردية الثورة ومقولة الدولة المُنصفة العادلة.

المراجع

References

العربية

ابن خلدون، عبد  الرحمن. تاريخ ابن خلدون. مراجعة سهيل زكار. بيروت: دار  الفكر،.2000 الأحمر، المولدي. الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا: الفرد والمجموعة والبناء الزعامي للظاهرة السياسية. سلسلة أطروحات الدكتوراه 78. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2009 بسيكري، السنوسي. أحد عشر عامًا على ثورة 17 فبراير الليبية: المسارات، العثرات، المآلات. الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات،.2022 بشارة، عزمي. "الثورة ضد الثورة والشعب ضد الشعب، والثورة المضادة". سياسات عربية. مج  1، العدد 4 (أيلول/ سبتمبر.)2013

التير، مصطفى عمر. صراع الخيمة والقصر: رؤية نقدية للمشروع الحداثي الليبي. بيروت: منتدى المعارف،.2014 "حكم التفجيرات والاغتيالات". دار الإفتاء الليبية. 2012/9/27:. في https://tinyurl.com/2zffzcsu حميدة، علي عبد  اللطيف. المجتمع والدولة والاستعمار في ليبيا: دراسة في الأصول الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لحركات وسياسات التواطؤ ومقاومة الاستعمار. ط  2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1998 دي أوغسطيني، هنريكو. سكان ليبيا. ترجمة خليفة التليسي. ط  2. طرابلس/ تونس: الدار العربية للكتاب،.1978 ديوان المحاسبة الليبي. التقرير السنوي العام 2022 م. 2023/10/25:. في https://tinyurl.com/4h9k3njs الزروق، محمد خليل. أيام المؤتمر: الثورة في ليبيا يومًا بيوم. عمّان: أروقة للدراسات والنشر،.2015 العبيدي، آمال. "الثقافة السياسية للنخبة السياسية في ليبيا: دراسة لبرامج الإعداد السياسي للمصعدين شعبيًا". دراسات في الاقتصاد والتجارة. مج).2006(25 العفاس، عمر. "ليبيا: إعلان الفيدرالية في برقة... الخلفيات والتداعيات". مركز الجزيرة للدراسات.

2013/12/2:. في https://tinyurl.com/996xxhtw

المؤتمر الوطني العام. قرار رقم  7 لسنة 2012 م بشأن ظروف اختطاف وتعذيب الشهيد عمران جمعة https://tinyurl.com/mr3w5baz 2012/9/23:في:.. طرابلس شعبان المسماري، إدريس. سيرة فبراير: تجربة شخصية. بيروت: دار  النهضة العربية،.2014 ويري، فريدريك. "صراع الفصائل الليبية للسيطرة على الأوقاف الإسلامية". مركز مالكوم كير–كارنيغي

https://tinyurl.com/394j2hz6 للشرق الأوسط 2022/1/5.في:.

الأجنبية

Anderson, Lisa. "Religion and State in Libya: The Politics of Identity." The Annals of the American Academy of Political and Social Science. vol. 483 (January 1986). Asseburg, Muriel & Heiko Wimmen. "Dynamics of Transformation, Elite Change and New Social Mobilization in the Arab World." Mediterranean Politics. vol. 21, no. 1

Bouziane, Malika, Cilja Harders & Anja Hoffmann (eds.). Local Politics and Contemporary Transformations in the Arab World: Governance Beyond the Center. London: Palgrave Macmillan, 2013. Burton, Michael G. & John Higley. "Elite Settlements." American Sociological Review. vol. 52, no. 3 (June 1987).

Entman, Robert M. "Framing: Toward Clarification of a Fractured Paradigm." Journal of Communication. vol. 43, no. 4 (1993). Fasanotti, Federica Saini. "Libya: A Nation Suspended between Past and Future." Studia Diplomatica. vol. 68, no. 4 (2017). Husken, Tomas & Georg Klute. "Political Orders in the Making: Emerging Forms of Political Organization from Libya to Northern Mali." African Security. vol. 8, no. 4

Kakar, Palwasha L. & Zahra Langhi. "Libya’s Religious Sector and Peacebuilding Efforts." United States Institute of Peace. 16/3/2017. at: https://bit.ly/432H3ln Krippendorff, Klus. Content Analysis: An Introduction to Its Methodology. London: Sage Publication, 2004. Lacher, Wolfram. " Libya’s Local Elites and the Politics of Alliance Building. " Mediterranean Politics. vol. 21, no. 1 (2016). ______. Libya’s Fragmentation, Structure and Process in Violent Conflict. London: I.B. Tauris, 2020. Le Gall, Michel. " The End of the Trans–Saharan Slave Trade to Tripoli: A Reassessment. " Princeton Papers in Near Eastern Studies. vol. 2 (1993). Lizak, Wiesław. " Libya – Road to Dysfunctionality. " Politeja. vol. 15, no. 56 (2018). Miller, Linn. " Belonging to Country – A Philosophical Anthropology. " Journal of Australian Studies. vol. 27, no. 76 (2003). Mühlber ger, Wolfgang. " Libya After Qadhafi: Reshaping the Political and Security Systems. " Connections. vol. 11, no. 3 (2012). Ouannes, Moncef. Militaire: Elites et Modernisation dans la Libye contemporaine. Paris: Harmattan, 2009. Paz, María Antonia, Julio Montero – Díaz & Alicia Mo reno–Delgado. " Hate Speech: A Systematized Review. " Sage Open. vol. 10, no. 4 (2020). Roberts, Hugh. " Who Said Gaddafi had to G o?" London Review of Books. vol. 33, no. 22 (November 2011). Tilou ine, Joan. " Ibrahim el– Jadhran, l’homme qui défie Trip oli. " Jeune Afrique. 13/1/2014. at: https://tinyurl.com/ym6u25hs Valerevna, Petrosyan Nelya & Khamrakulova Farangiz Rakhmatovna. " The Concept of ' Political Discourse '. " European Scholar Journal. vol. 3, no. 3 (2022). van Dijk, Teun. Discourse and Power. New York: Palgrave Macmillan, 2008.