Return to Article Details The October Uprising of 2019: Did It Impact in the Structure of the Lebanese Political System?

انتفاضة 17 تشرين 2019: هل نجحت في اختراق بنية النظام اللبناني؟

The October Uprising of 2019: Did It Impact in the Structure of the Lebanese Political System?

بول طبر| Paul Tabar *

الملخّص

تتناول الدراسة خصائص انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر2019 في لبنان، من خلال مقارنتها بحدثين أساسيين في تاريخ لبنان الحديث؛ الأول هو ثورة الفلاحين في جبل لبنان في الفترة 1858-1860، والثاني سلسلة الحركات الشعبية والمطلبية في الفترة 1964-1975. وفي سياق تحليل ما جرى خلال انتفاضة "17 تشرين" وما تلاها من أحداث وتطورات، تعتمدُ الدراسة على عمل ميداني قوامه مقابلات مع 65 فردًا شاركوا في الانتفاضة، إما بصفتهم الفردية وإما لعضوتيهم في مجموعات مشاركة فيها. وبتحليل أجوبة المستجيبين، تُحدد الدراسة خصائص الانتفاضة، وتُعيّن حدود اختراقاتها بنية النظام اللبناني، وعلى رأسها غياب البرنامج السياسي الموحد للمنتفضين، فضلًا عن فقدان الإطار التنظيمي المشترك بين جميع القوى المنتفضة.

Abstract

Abstract: This study addresses the features of the 17 October uprising of 2019 in Lebanon by comparing it with two significant events in Lebanon’s history: the peasant revolt in Mount Lebanon from 1858 to 1860, and a series of popular movements (workers, farmers, students, etc.) from 1964 to 1975. By interviewing 65 individuals who participated in the October uprising, whether as individuals or part of groups, this paper analyzes the events and aftermath. The findings indicate that the uprising lacked a unified political program and a common organizational structure, limiting its transformative impact on the Lebanese political regime.

الكلمات المفتاحية:
  • انتفاضة "17 تشرين"
  • ثورة الفلاحين
  • الحركات المطلبية
  • غياب البرنامج السياسي
Keywords:
  • October 2019 Uprising
  • Peasant Revolt
  • Social Movements
  • The Absence of Political Program

ملخص: تتناول الدراسة خصائص انتفاضة 17 تشرين  الأول/ أكتوبر 2019 في لبنان،

من خلال مقارنتها بحدثين أساسيين في تاريخ لبنان الحديث؛ الأول هو ثورة الفلاحين

في جبل لبنان في الفترة 1860–1858، والثاني سلسلة الحركات الشعبية والمطلبية في

الفترة 1975–1964. وفي سياق تحليل ما جرى خلال انتفاضة 17" تشرين" وما تلاها من

أحداث وتطورات، تعتمدُ الدراسة على عمل ميداني قوامه مقابلات مع 65 فردًا شاركوا

في الانتفاضة، إما بصفتهم الفردية وإما لعضوتيهم في مجموعات مشاركة فيها. وبتحليل

أجوبة المستجيبين، تُحدد الدراسة خصائص الانتفاضة، وتُعيّن حدود اختراقاتها بنية النظام

اللبناني، وعلى رأسها غياب البرنامج السياسي الموحد للمنتفضين، فضلًا عن فقدان الإطار

التنظيمي المشترك بين جميع القوى المنتفضة.

السياسي.

Abstract: This study addresses the features of the 17 October uprising of 2019 in Lebanon by comparing it with two significant events in Lebanon’s history: the peasant revolt in Mount Lebanon from 1858 to 1860, and a series of popular movements (workers, farmers, students, etc.) from 1964 to 1975. By interviewing 65 individuals who participated in the October uprising, whether as individuals or part of groups, this paper analyzes the events and aftermath. The findings indicate that the uprising lacked a unified political program and a common organizational structure, limiting its transformative impact on the Lebanese political regime.

Adjunct Professor, Institute for Culture and Society, Western Sydney University. Email: ptabar@lau.edu.lb

مقدمة

تتناول هذه الدراسة انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 في لبنان والحراكات الشعبية والمطلبية فيه التي جرت في القرنين التاسع عشر والعشرين. ويشكّل المجال الذي شهد هذه الحراكات فضاءً تاريخيًا – سياسيًا له مواصفات توحّدها الحداثة المرافقة للرأسمالية الوافدة

على لبنان التي بدأت بالبروز في جبل لبنان منذ القرن التاسع عشر، وشهدت تواتر حركات رفعت مطالب تتعلق بتحقيق المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية. كما يتمتع هذا الفضاء بمواصفات موَّحَدة لجهة استناده إلى آليات كانت قادرة، في كل مرحلة تعرّض فيها لضغوطات تغييرية، على

مساعدته على إعادة إنتاج ذاته مع بعض التعديلات، بحيث نجح في تحوير تلك الضغوطات لصالح الحفاظ على خصائصه البنيوية. وتحاول الدراسة الإجابة عمّا يأتي: ما خصائص انتفاضة 17" تشرين"؟ وما أوجه الاختلاف والتشابه بينها وبين الحراكات في القرنين التاسع عشر والعشرين، تحديدًا ثورة الفلاحين التي جرت في جبل لبنان في الفترة 1860–1858 من جهة، والحراكات الشعبية والمطلبية التي شهدها لبنان في أواخر الستينيات والنصف الأول من السبعينيات من القرن العشرين من جهة ثانية؟ يكتسب هذا السؤال مشروعيته من معالجته حراكات شعبية ومطلبية شهدها لبنان خلال تاريخه الحديث ليمسح مدى زمني يتجاوز مئة وخمسين عامًا. قبل الخوض في انتفاضة 17" تشرين"، تعود الدراسة إلى محاولتين شهدهما هذا الفضاء: الأولى حدثت في جبل لبنان، في حين جرت الثانية بعد تأسيس الكيان اللبناني عام 1920 وتحقيق استقلاله عن الانتداب الفرنسي عام 1943. ويتم التركيز على سؤال محوري يتعلق بالخصائص المميزة لكل منهما. ولا تتعلق هذه الخصائص بالقوى الاجتماعية المنتفضة والشعارات التي رفعتها وجَّسَدت مطالبها فحسب، وإنما أيضًا بالأطر التنظيمية التي اعتمدتها للقيام بنشاطها السياسي وتأثير كل ذلك في وحدة هذه القوى وفعاليتها في إحداث التغيير الذي سعت إليه. فيما يتعلق بالحراك الأول، نبين كيفية نجاح الكنيسة المارونية في وضع مطالب ثورة الفلاحين تحت سقف المطالب السياسية للطائفة المارونية – المسيحية، رغم تحقيق انعتاق الفلاحين من النظام المقاطعجي وتداعياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وإحلال نظام المتصرفية مكانه عام 1860. أما بالنسبة إلى الحراك الثاني، فنبين أن الحرب الأهلية التي جرت في الفترة 1989–1975، في سياق نمو الحركات المطلبية والطلابية والقومية العابرة، لا بل المستخِّفةِة أحيانًا كثيرة بالمصلح

(((للاطلاع على تفسير تاريخي واجتماعي للظاهرة الطائفية وارتباطها بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي رافقت دخول

العلاقات الرأسمالية الأوروبية إلى منطقة جبل لبنان، يُنظر: وَّضَاح شرارة، في أصول لبنان الطائفي: خط اليمين الجماهيري (بيروت:

دار الطليعة للطباعة والنشر، 1975)؛

Ussama Makdissi, The Culture of Sectarianism: Community, History, and Violence in Nineteenth–Century Ottoman Lebanon (California: University of California Press, 2000).

الوطنية اللبنانية، انتهت إلى بروز "الشيعية السياسية" و"السنية السياسية"؛ أي إلى "تطييف" الشيعة والسنة بالمعنى السياسي اللبناني للكلمة. وفيما يتعلق بالحراك الثالث، ننظر في تداعيات انتفاضة 17" تشرين"، ونختبر إن كانت تتضمن مكاسب ذات طابع سياسي – ثقافي تشكل خرقًا للنظام السياسي في لبنان ولقواه الطائفية التي بدأت أطوار تشكّلها منذ منتصف القرن التاسع عشر. وبناء

على ذلك، نبيّن أن الانتفاضة، وإن كانت إصلاحية من ناحية المطالب الاقتصادية – الاجتماعية التي

رفعتها، فإنها ثورية لجهة الأهداف السياسية التي طالبت بتحقيقها والثقافة السياسية التي أفرزتها ووجهت ممارسات العديد من المجموعات التي انضمت إليها. تبدأ الدراسة بتقديم المعطيات التاريخية والميدانية الداعمة لما سبقت الإشارة إليه، ثم تتناول الخصائص التي وسمت انتفاضة 17" تشرين" من منظور قدرتها أو عجزها عن فرز قيادة سياسية موَّحَدة تستند إلى سردية سياسية متماسكة ومشتركة بين جميع الأطراف والكتل الشعبية التي انضوت

تحت سقفها. وتُختم الدراسة بتبيان مدى تأثير الانتفاضة في إحداث تغيير جذري في بنية الوعي السياسي لقطاعات من الشعب اللبناني وفي تحسين قدراته على تغيير النظام اللبناني. من ناحية المنهج، اعتمدنا على عدة وسائل، كان أولها جرد الأبحاث والكتب التاريخية التي تناولت ثورة طانيوس شاهين الفلاحية، وكذلك الحرب الأهلية، وما سبقها من تطورات مهدت لها، وبروز الطائفية بوصفها قاعدة للنشاط السياسي وبناء الدولة في لبنان. أما ثاني الوسائل فكانت المقابلات التي أجريناها عقب وقوع انتفاضة 17" تشرين". وأخيرًا، اعتمدنا الملاحظات الميدانية التي دوناها

خلال اشتراكنا بالانتفاضة حتى نهاية عام.2020 تمت المقابلات في مدينة بيروت، قبل انفجار مرفأ بيروت، في الفترة شباط/ فبراير–آب/ أغسطس 2020، وشملت خمسين فردًا. وبعد الانفجار، في الفترة أيلول/ سبتمبر – كانون الأول/ ديسمبر، تمت مقابلة حوالى 15 شخصًا إضافيًا. ولم تشكل مجموعة المشاركين والمشاركات في المقابلات

عينة تحمل صفة تمثيلية لجميع المشاركين في الانتفاضة، لكنها جمعت منتفضين ومنتفضات من أعمار مختلفة ومن انتماءات سياسية ومن ذوي قناعات مختلفة، قادتنا إليهم معايشتنا لفعاليات الانتفاضة ومشاركتنا في الكثير منها على امتداد أشهر متتالية. فعلى وقع أنشطتنا في الانتفاضة، ووفقًا لملاحظاتنا الميدانية، كنا نتوجه إلى منتفضين ومنتفضات عاملين لعكس أوسع مجموعة ممكنة من المواقف والتفاعلات مع مسار الأحداث. وبناءً على ذلك كانت المقابلات التي أجريناها

شبه مفتوحة؛ إذ تضمنت مجموعة من الأسئلة التي تستدعي أجوبة محددة حول مواضيع معينة، وأخرى تتيح للمستجيبين/ المستجيبات تقديم الإجابات وبعد جمع الإجابات وتصنيفها بحسب

(((تجسد الاستخفاف أو الاستهتار ب "المصلحة الوطنية اللبنانية" خلال أعوام الحرب الأهلية في لبنان (1989–1975) بطغيان الأهداف السياسية المتعلقة بقوى سياسية غير لبنانية، مثل مصلحة منظمة التحرير الفلسطينية ومصلحة النظام السوري، على حساب

مصلحة لبنان في بناء دولة تقوم على الالتزام بمبادئ الديمقراطية والحقوق السياسية والقانونية المتساوية لجميع أبنائه والعدالة الاجتماعية، كما جاء في البرنامج المرحلي للحركة الوطنية اللبنانية الذي أعلن عنه في 18 آب/ أغسطس.1975 (((التطييف في هذا السياق يعني جعل الهوية الطائفية معيارًا أساسيًا للنشاط والتنظيم السياسي في وسط أبناء الطائفة.

المواضيع التي تطرق إليها للمستجيبون/ المستجيبات حللناها بناءً على أهميتها من جهتَي التكرار

والمضمون، وبهذا يمكن اعتبار العينة المستجيبة تحمل صفة تأشيرية، لا صفة تمثيلية لمجموع المشاركين والمشاركات في الانتفاضة.

أولا: حراكات القرنين التاسع عشر والعشرين في لبنان

1. ثورة طانيوس شاهين: تحدٍ جدي للنظام المقاطعجي ودخول متعثر في الحداثة الرأسمالية الوافدة

مهّدت عامية أنطلياس 1820 وعامية لحفد 1821 وعامية 1840، لثورة الفلاحين بقيادة طانيوس شاهين. ولئن اتسمت العاميات الثلاث بمطالب تصب في اتجاه تحسين شروط عمل الفلاحين كإلغاء الضرائب التعسفية، فإن مطالب الثورة كانت أشد جذرية؛ إذْ شملت الأسس الاقتصادية والسياسية للنظام المقاطعجي. في هذا الصدد، يشير طرابلسي إلى أن عامية كسروان حددت مطالبها بالدعوة إلى المساواة بين المشايخ والعامة، وإلغاء الامتيازات السياسية والقضائية التي يتمتع بها المقاطعجية، وسحب الضرائب الإضافية، وتعيين حاكم واحد لكسروان، يعاونه اثنان من العامة، وإنشاء محكمة من المشايخ والعامة للنظر في النزاعات بين الطرفين، وإلغاء الفروض الأُخرى والمظلمات مثل الهدايا والسخرة وسواها من "الاحتقارات"؛ مثل التمييز في الملبس وإجبار أبناء العامة على تقبيل أيدي المشايخ وسواها. أما المؤرخ مقدسي، فقد لخص هذه المطالب بقوله إن ثورة الفلاحين هدفت أساسًا

إلى ضرب "نظام الوجاهة"، حيث قدم قائدها طانيوس شاهين، وهو من عامة الناس، فهمًا ديمقراطيًا

ل "التنظيمات" العثمانية بقوله إنها تنطوي على المساواة بين الطوائف. وإذا تفحصنا التركيبة الاجتماعية للمجلس الذي تولى حكم منطقة كسروان لأكثر من سنتين خلال تحررها من سلطة المشايخ بعد طردهم منها، فإننا ندرك أن المطالب التي رفعتها ثورة الفلاحين عكست مصالح الفئات الاجتماعية المستغَّلَة والمتضررة من نظام المقاطعجية. فقد كان المجلس يتألف من حوالى مئة عضو، منتخبين مباشرة من أهالي القرى، وكان يصدر القرارات ويفرض الضرائب الجديدة ويتصرف في حوالى ألف مسلح. وكان أكثر من نصف أعضاء المجلس ينتمون إلى صغار الفلاحين أو الفلاحين المحرومين من الأرض، في حين لم يكن إلا 32 منهم من المزارعين الأغنياء أو المتوسطين. وشملت عضويته أيضًا عشرة من الكهنة وحوالى ثلاثة تجار ومرابين وعددًا

(((تعبير "عامية" تم استخدامه خلال تمرد الفلاحين على أسيادهم "المقاطعجيين"، وهو يشير إلى الجذر الشعبي للمتمردين، أي الفلاحين وأصحاب المراتب الدنيا وفق "نظام الوجاهة" الذي كان سائدًا قبل عام 1860، والمقابل في اللغة الإنكليزية هو " Commune."

ينظر: Makdissi, pp. 51–66.

(((لمزيد من التفصيل حول العاميات التي سبقت "ثورة" طانيوس شاهين، يُنظر: بوغوص توتونجيان، الانتفاضة الفلاحية في

كسروان بقيادة طانيوس شاهين: 1860–1859 (بيروت: يريفان، 2006)؛ ونسكايا سيميليا، الحركات الفلاحية في لبنان: النصف  الأول

من القرن التاسع عشر، ترجمة عدنان جاموس (بيروت: دار  الفارابي، 1972)؛ يوسف الخطار الحلو، العاميات الشعبية في لبنان (بيروت: دار الفارابي،.)1986 (((فواز طرابلسي، تاريخ لبنان الحديث: من الإمارة إلى اتفاق الطائف، ط  5 (بيروت: رياض الريس، 2008)، ص.56–55

من المثقفين من بينهم إلياس حبالين المعروف بدفاعه العلني عن أفكار الثورة الفرنسية. وعلى الرغم من أهمية هذه الثورة الفلاحية من منظور التمهيد لبناء مجتمع من الأفراد المتساويين سياسيًا

واجتماعيًا، فإن السياق الذي جرت فيه وتفاعلت معه أدى إلى لجم تطلع الفلاحين التحرري نحو

المساواة سياسيًا واجتماعيًا، بدعم من الفئات البرجوازية الناشئة (تجّار، حرفيين وأصحاب ورش

ومؤسسات إنتاج،... إلخ)؛ فقد تَّمَ تأطيره بعلاقات أهلية، وعلى رأسها العلاقات الطائفية. وهكذا

انتهت الثورة إلى نشأة المتصرفية عام 1860، والتي تم بموجبها تكريس الطائفية لبناء السلطة في جبل لبنان. وبدوافع محلية وإقليمية ودولية، تحولت هذه السلطة الطائفية إلى نواة صلبة لعملية نشوء الكيان اللبناني المعاصر وتكوينه.)1943–1920(كان جبل لبنان في سياق ثورة الفلاحين إزاء ظاهرة سياسية واجتماعية لها طابع متناقض؛ فمن جهة نلاحظ حدوث ثورة تصدّرتها فئات فلاحية بدعم من فئات ومصالح برجوازية ناشئة ضد النظام الاقتصادي والسياسي المقاطعجي، ومن جهة أخرى، نسجل سعي الكنيسة المارونية لتقوم بدور المؤطر الأيديولوجي والسياسي الرئيس لهذه الثورة، فتجعل مطالب الثوار لتحقيق المساواة القانونية والسياسية للأفراد تقف عند حد الهوية الطائفية لتعود وتتوزع بصورة غير متساوية وفقها. كانت صياغة دور الكنيسة نتاج مسار تاريخي معقّد برزت فيه الأدوار السياسية والاجتماعية التي تبنتها الطوائف الأخرى، وعلى رأسها الدور الأيديولوجي والتنظيمي والسياسي للطائفة الدرزية، ولا سيما منذ نشوء نظام القائممقاميتين (1860–1840). وقد انتهى المسار التاريخي لتشكل هذه الأدوار إلى الدفاع عن النظام المقاطعجي وفئاته الطبقية في وجه المطالبين بإلغائه. فقد سيست هذه الأدوار المستجَّدَة الطوائف، حيث حولت الهوية الطائفية (والعصبية الطائفية الملازمة لهذا التسييس) إلى رأس مال سياسي (مواقع نفوذ) واجتماعي (مراتب اجتماعية) يمكن له أن يستدر أيضًا منافع اقتصادية مهمة. وهكذا حلّت التراتبية الطائفية، في تمفصلها مع خصائص النظام الاقتصادي – الرأسمالي الناشئ، مكان تراتبية المجتمع المقاطعجي، وأصبحت القاعدة التي يتم على أساسها انتظام السلطة والعمل السياسي الذي يدور حولها. وفي سياق مواجهته لعدم

(((المرجع نفسه. وللمزيد من التفصيل حول ثورة الفلاحين،:يُنظر

Ussam Makdisi, "Corrupting the Sublime Sultanate: The Revolt of Tanyus Shahin in Nineteenth–Century Ottoman Lebanon," Comparative Studies in Society and History , vol. 42, no. 1 (2000), pp. 180–208; Yehoshua Porath, "The Peasant Revolt of 1858–61 in Kisrwan," Asian and African Studies , vol. 2 (1966), pp. 77–157.

(((للتوسع في هذا الموضوع، يُنظر: دومينيك شوفالييه، مجتمع جبل لبنان في عصر الثورة الصناعية في أوروبا (بيروت: دار  النهار

للنشر،1971)؛ شرارة؛ المقدسي. (((يكتب نيروز ساتيك حول هذه النقطة ملخصًا المقدسي: "لقد أدّى ضرب نظام الوجاهة وتدخل القوى الأوروبية لخلق جبل

لبنان ذي حدود وإدارة طائفية إلى بروز شكل من أشكال 'السياسات المحلية' تنَّبَهت بموجبها القوى المحلية إلى ما تمتلكه من

رأسمال ديني، توهمت من خلاله أنها لاعب أساسي في العالم الحديث. وقد ترجمت هذه القوى هذا الاعتقاد إلى مزيدٍ من التحالفات مع القوى الأوروبية المختلفة، وإلى سياسات خطاب رفعت شعار الحق في تمثيل كل جماعة لنفسها، أي اعتبار نفسها

جماعة سياسية، وبذلت كل نخبة جهدًا كبيرًا لتسخير التراث في خدمة قضاياها الخاصة، واستلزم ذلك منها لقاءات وممارسة ضغوطٍ

أخلاقية ومادية متواصلة من قبل زعماء كل طائفة للتغلب على المنافسين المحليين والفروق المناطقية والولاءات العائلية". ينظر:

نيروز ساتيك، "مراجعة كتاب ثقافة الطائفية"، عمران، مج  1، العدد 1 (2012)، ص.292

المساواة داخل الطائفة (نظام الوجاهة) وبين الطوائف (وفق نظام الدولة العثمانية الإسلامي)، "رفع طانيوس شاهين قبل أحداث 1860، خطابًا دينيًا ممزوجًا بالحرية والعدالة الاجتماعية، واستطاع

بشعبيته الكبيرة بين الفلاحين الموارنة وتمرده على الوجهاء الدروز والموارنة معًا تحدي الكنيسة وتقويض محاولتها لتقديم نفسها ممثل عن جماعة متخيلة هي الطائفة المارونية". وقد كانت هذه المواجهة نواة الصراع التاريخي على تمثيل الطائفة ومصالحها السياسية ما بين الكنيسة والقوى السياسية المارونية، وهو الصراع الذي لا يزال مستمرًا إلى حد الآن. وينطبق الأمر نفسه على باقي

الطوائف في لبنان كالدروز والسنة والشيعة، حيث يشتد الصراع بين المؤسسات الدينية والقوى السياسية كلما تعارضت المصالح وتضاربت المواقف السياسية بينهما.

2. الحركات المطلبية والقومية والحرب الأهلية (1975 - 1990)

ظل جبل لبنان، بين عامَي 1861 و 1915، خاضعًا لنظام المتصرفية الذي كانت حدوده تشكل ما عُرف

بلبنان الصغير. وفي إثر انهيار السلطنة العثمانية مع نهاية الحرب العالمية الأولى (1918–1914)، احتلت فرنسا رسميًا ما عُرف لاحقًا بلبنان وسورية، في حين احتلت بريطانيا العراق والأردن وفلسطين،

وذلك وفق اتفاقية سايكس–بيكو المعقودة سلفًا بين البلدين (1916). وفي أيلول عام 1923، منحت عصبة الأمم الدولة الفرنسية حق انتداب لبنان وسورية، بعدما ساهمت قوة الاحتلال الفرنسي بالتعاون مع قوى "لبنانية" محلية، عام 1920، في إنشاء ما أطلق عليه اسم "دولة لبنان الكبير"، وذلك لتمييزه من "لبنان الصغير". ومع هذا الحدث التأسيسي للكيان السياسي اللبناني، دخل الصراع السياسي والاجتماعي مرحلةً جديدة اتسمت بوجود إطار سياسي جديد هو "النظام الجمهوري – الطائفي". لم تختلف القواعد التي تشكلت على أساسها هوية القوى السياسية الفاعلة في هذا الكيان عن تلك التي كانت سائدة خلال حكم المتصرفية، ولكن مع زيادة عدد الطوائف الوازنة ديموغرافيًا

لتشمل إضافة إلى الموارنة والكاثوليك والدروز، السنة والشيعة والروم الأرثوذكس. وهكذا تشكل النظام السياسي للبنان الكبير كما تبلور مع حصول لبنان على الاستقلال عام 1943 (الدستور وميثاق 1943)، وكِّرسلِ التمثيل السياسي للطوائف المشار إليها، موِّزِعًا على ممثِّي ها، وبصورة متفاوتة،

المراكزَ السياسية والإدارية وما تفرزه من منافع. وقد جرت كل هذه التطورات السياسية مع تزايد تبعية الاقتصاد اللبناني بمختلف قطاعاته الإنتاجية والتجارية والمالية للمصالح الاقتصادية الرأسمالية لة بالاقتصادين الفرنسي والإنكليزي بصورة رئيسةِالمتمِّث. اتسمت المرحلة الفاصلة بين عام 1943 والنصف الأول من ستينيات القرن العشرين باندلاع أزمة سياسية عامة،  عُرفت ب"ثورة 1958". وكان الصراع الأساسي خلال تلك الثورة يدور حول تموضع

(((1 المرجع نفسه. ((1(كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث، ط  7 (بيروت: دار النهار للنشر،.)1991 يُنظر على الأخص الفصول السادس والسابع

والثامن. (((1 المرجع نفسه، ص.195–143

لبنان حيال الصراع بين المعسكر القومي العربي بقيادة مصر الناصرية الساعي للتحرر من هيمنة الغرب الرأسمالي، وبين الولايات المتحدة الأميركية التي كانت تسعى لضم لبنان إلى "حلف بغداد" في حربها الباردة ضد المعسكر الاشتراكي. وبسبب طغيان هذا الصراع وضمور الجانب الاجتماعي منه خلال تلك الثورة، فإننا لن نتوقف عند هذا الحدث لجهة مقارنته بالأحداث المبحوث فيها في هذه الدراسة. ولكن الطابع الطائفي المشترك الذي اتخذته الأطراف المتصارعة خلال ثورة 1958 كان طاغيًا قياسًا على ما كان عليه إبان ثورة الفلاحين التي قامت قبله بمئة عام. فخلال ثورة

1958، استندت الأطراف المتصارعة بصورة واضحة إلى الرافعة الطائفية، وتجلى الانقسام الطائفي للبنانيين، ورفعت مطالب تعلقت بحجم نفوذ "المسلمين والمسيحيين" في السلطة، وكذلك بالدور الذي ينبغي على لبنان أن يقوم به في الصراع الدائر بين الغرب الرأسمالي وحركات التحرر الوطني في مصر وسورية والعراق. وفي هذا السياق، دخل لبنان مرحلة محتدمة من النضال رُفعَت

دُنيا من الطبقة الوسطى وطلاب مدارس ثانوية وجامعية فيها مطالب عمال ومزارعين وفئات، كما شهد ارتفاعًا لوتيرة العمل المساند لتصاعد نضال الشعب الفلسطيني المسلح الساعي لتحرير فلسطين من الاستعمار الصهيوني، ولا سيما بعد هزيمة الدول العربية في حربها مع إسرائيل عام

إن ما يهمنا من تناول هذه الحقبة من تاريخ لبنان الحديث هو تسجيل نشوء حركات اجتماعية رفعت، للمرة الثانية بعد ثورة طانيوس شاهين، مطالب اجتماعية تناولت قضايا؛ مثل: تحسين الأجور وشروط العمل وتأمين الضمان الاجتماعي والتعليم الرسمي وحماية الصناعة الوطنية ودعم الزراعة والمزارعين. وقد نبعت تلك المطالب من تناقضات الاقتصاد الرأسمالي اللبناني التي تعود جذور تشكله إلى منطقة جبل لبنان منذ بداية القرن التاسع عشر. وحملت المطالب في طياتها العمل على تأسيس علاقات سياسية واجتماعية عابرة للانقسامات الطائفية والأهلية المتغلغلة في المجتمع ومؤسساته، ضمن دولة مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات وتقوم على العدالة الاجتماعية. وكان هذا منطوق البرنامج السياسي الإصلاحي لأحزاب "الحركة الوطنية اللبنانية"، عشية اندلاع الحرب الأهلية، عندما وضعت على رأسه مطلب "إلغاء الطائفية السياسية" مدخل لإلغائها في مجال الأحوال الشخصية لاحقًا.

(((1 أعلن حلف بغداد عام 1955، وشمل العراق وباكستان وتركيا وإيران. لم ينضم لبنان رسميًا إلى هذا الحلف المعادي للشيوعية،

إلا أن الرئيس اللبناني كميل شمعون (1958–1952) لم يترك مج ل للشك في أنه مؤيد لهذا الحلف. (((1 لمزيد من التفصيل حول هذا الموضوع،  يُنظر: طرابلسي، ص.236–221 (((1 المرجع نفسه، ص 254–251،.303–293 (((1 المرجع نفسه، ص.267–262 (((1 للاطلاع على النص الكامل للبرنامج السياسي والمطالب التي رفعتها الأحزاب المعارضة للنظام في آب/ أغسطس 1975،

والتي تمثلت بالحركة الوطنية اللبنانية، يُنظر: "النص الكامل للبرنامج المرحلي للحركة الوطنية اللبنانية"، الأنباء، 2018/12/14،

شوهد في 2024/2/28، في: http://tinyurl.com/yzw3mc8n. وقد تشكلت الحركة الوطنية اللبنانية برئاسة كمال جنبلاط وحزبه التقدمي الاشتراكي، من تحالف الأحزاب اليسارية والقومية (شيوعيين وقوميين سوريين وناصريين وبعثيين)، إضافة إلى عدد من الشخصيات المستقلة.

وعندما نجري مقارنة بين ما كان يحدث في تلك السنوات (1975–1963) وبين ثورة طانيوس شاهين الفلاحية (1860–1858)، نجد أن المنتفضين في الثورة الفلاحية لم يستطيعوا أن يتجاوزوا الإطار الطائفي في تعبيرهم عن مطالبهم الاجتماعية – الطبقية والسياسية، كما أشرنا سابقًا. أما في الحالة الأخرى، فقد استطاع المنتفضون أن يتجاوزوا الإطار الطائفي عندما رفعوا مطالبهم الاجتماعية والسياسية. غير أن التعبير السياسي عن هذه المطالب خارج الإطار الطائفي وبمفردات علمانية تقوم على مبدأ المواطنة والحقوق المتساوية للمواطنين لم يدم طويل، لا سيما بعد اغتيال كمال جنبلاط (16 آذار/ مارس 1977)، قائد الحركة الوطنية اللبنانية. فمع هذا الاغتيال، ومع احتدام الصراعات بين النظام السوري ومنظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل للسيطرة على لبنان استنادًا إلى الخلافات بين الأطراف اللبنانية المتنازعة، تراجع نفوذ أحزاب الحركة الوطنية اللبنانية، وبدأت المواجهة تدور بين "الأحزاب المسيحية" المدافعة عن النظام والقوى الإسلامية ومن خلال خطاب طائفي في الجهتين. وفي هذا السياق، فقدت الأحزاب اليسارية (الحزب الشيوعي اللبناني، ومنظمة العمل الشيوعي أساسًا) والقومية (التنظيم الشعبي الناصري في لبنان، والبعثيون، والحزب السوري القومي

الاجتماعي) استقلاليتها، وانضوت تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، أو النظام السوري. في الوقت ذاته، تعاونت حركة "أمل" الشيعية مع الحزب التقدمي الاشتراكي، بتصفية "حركة الناصريين المستقلين – المرابطون"، وهي تنظيم قومي عربي سني في بيروت. ومع تحول الحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة وليد جنبلاط، ابن زعيم الحركة الوطنية كمال جنبلاط، إلى تنظيم سياسي يدافع عن "مصلحة الطائفة الدرزية" في وجه القوى الطائفية المنافسة له، أفلَ الخطاب السياسي العابر للطوائف والمدافع عن المطالب الاجتماعية – دة لجميع الطبقية وعن المواطنة هوية سياسية موِّح

اللبنانيين. خلال تلك السنوات التي احتضنت كل التحّولّات السياسية والتنظيمية والأيديولوجية، كنا أمام ظاهرة

سياسية – اجتماعية تمثلت في تكتل قوى سياسية لتحتضن مطالب فئات طبقية مستغَّلَة ومقهورة، وترفع البرنامج السياسي لتحقيق هذه المطالب. وقد تحكم في تلك الظاهرة أمران: الأول له علاقة بموازين القوى التي أفرزها الصراع بينها وبين خصومها الطائفيين وغيرهم كالقوى الإقليمية المحيطة (سورية وإسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية) والقوى الدولية (الولايات المتحدة). فكلما زادت قوة خصومها، تراجع نفوذ القوى والأحزاب المناهضة للنظام القائم. أما الأمر الثاني، فله علاقة بطبيعة هذا النظام المطلوب إصلاحه، وتأثير مفاعيله في ديناميكية تشكل القوى المناهضة له بْنيْ ةً

وَحركدَ ةً وإنجازًا. "ففي بلتُعَرَّف فيه حقوق البشر وواجباتهم في كل الأحوال تقريبًا على أساس

انتماء الفرد بالولادة إلى واحدة من الطوائف السياسية"، يكون احتمال انزلاق الاحتقان الاجتماعي

(((1 بعد اغتيال كمال جنبلاط، تحول الحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة نجله وليد جنبلاط، إلى حزب يعبر أساسًا عن مصالح

"الطائفة الدرزية"، ويواجه الأطراف الطائفية الأخرى على هذا الأساس. وأخذت حركة أمل، التي كانت ترفع شعار "حقوق المحرومين" الشيعة، تحتل الصدارة في الصراع الدائر في لبنان. في المقابل، بدأت منظمة العمل الشيوعي بالانكفاء التدريجي أمام الصعود المتنامي (والمدعوم من النظام السوري) للقوى الطائفية الشيعية والدرزية، كما شهد الحزب الشيوعي سلسلة اغتيالات لأهم كوادره السياسية والفكرية، لا سيما خلال عقد الثمانينيات.

إلى انقسام طائفي ومناطقي عاليًا. وليس تحالف أحزاب الحركة الوطنية اللبنانية خارج أثر هذا

الاحتمال، حيث كانت صفته الملتبسة طائفيًا ماثلة فيه منذ نشأته عام 1969، وكان غالبًا ما يشار

إليه باسم 'تحالف القوى الوطنية والإسلامية'. وبالتدريج، تمكنت القوى الطائفية في المناطق التي كانت تسيطر عليها أحزاب الحركة الوطنية من الحلول مكانها، في حين بدأت تطغى على الخطابَين

الحزبي والجبهوي الوطني المعارض للنظام مطالب المشاركة في إدارة السلطة، والدعوة إلى تحقيق "التوازن الطائفي" في الحكم. ولم يكن مسار التطييف هذا سياسيًا فحسب، حيث لم يخلُ من

المواجهات العسكرية بين الطرفين، ومن ضمنها العديد من الاغتيالات التي شملت قيادات وكوادر من الحزب الشيوعي اللبناني. ومع حلول عام 1989، أتى "اتفاق الطائف" ليجسد الطابع الطائفي الحاسم لمعارضي النظام من خلال تحقيق "الشراكة والتوازن" في الدولة والحكم. من هنا، أصاب طرابلسي عندما استنتج أنه: "عمليًا، أدى اتفاق الطائف إلى إعادة إنتاج النظام الطائفي لكن بعد إجراء تعديلات هامة على توازن

القوى بين مكوناته. بداية، حلت المناصفة محل نسبة 6/5 في توزيع مقاعد مجلس النواب، التي زيدت إلى 128 مقعدًا، والحقائب الوزارية. ثم ألغيت نسب التمثيل الطائفي في الوظائف الإدارية والقضاء والجيش والشرطة باستثناء الوظائف الأولى؛ أي المديرين العامين في الوزارات، حيث اعتمدت المناصفة وتداول المراكز مما يعني أنه لم تعد توجد مراكز فئة أولى مخصصة لهذه الطائفة أو تلك. والأهم من ذلك، أن صلاحيات رئيس الجمهورية تقلصت إلى حد بعيد لمصلحة رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب لكن مع المحافظة على نسب التمثيل الطوائفية في تلك المناصب بين الموارنة والشيعة والسنة. أما رئيس الوزراء، وهو في السابق معين من رئيس الجمهورية، فصار منتخبًا في 'استشارات إلزامية' يجريها رئيس الجمهورية مع النواب، تلزمه بتكليف من ينال أكثرية

أصوات النواب بتأليف الحكومة (المادة 53 معدلة). إضافة إلى ذلك، انتقل الحق في حل مجلس النواب من الرئيس إلى مجلس الوزراء (المادة 55 معدلة) والمراسيم التي كان يوقعها الرئيس سابقًا مع الوزير المعني باتت تتطلب التوقيع الإضافي لرئيس مجلس الوزراء (المادة 54 معدلة)". عَّدَل اتفاق الطائف ميزان القوى الطائفي على حساب الامتيازات التي كانت "المارونية السياسية" تتمتع بها وفق النظام السياسي لما قبل عام 1989. ويعني هذا أن نفوذ "الحركة الوطنية اللبنانية" لم يعد قائمًا على أساس دعم القوى الاجتماعية العابرة للطوائف من نقابات عمالية ومهنية ومزارعين

وحركة طلابية، وأن شعارات الحركة لم تعد معبرة عن مطالب هذه القوى، وأن تأطير هذه المطالب لم يعد اجتماعيًا سياسيًا في المعنى المواطني، كما كان في منطلقه، بل صار طائفيًا. وقد كان

تحول معارضة النظام الطائفي من موقع وطني غير طائفي إلى موقع طائفي يكتفي بالمطالبة بتحسين حصة الطوائف الإسلامية مقارنة بحصة "المسيحيين" من الحكم وإدارة الدولة تحت عنوان

(((1 طرابلسي، ص.308 (((2 للمزيد من التفصيل حول إعادة إنتاج الطوائف المسلحة في الوسطَين المسيحي والإسلامي،  يُنظر: المرجع نفسه، ص.415–399 (((2 المرجع نفسه، ص.426–425

"الشراكة والتوازن"، عامل حاسمًا في تغيير وجهة النضالات الاجتماعية والوطنية في أواسط ستينيات

القرن العشرين وسبعينياته نحو إعادة إنتاج النظام الطائفي وإعادة ضبط التناقضات الاجتماعية والسياسية تحت المظلة الطائفية.

ثانيًا: انتفاضة 17 تشرين

1. خصائص الانتفاضة ومطالبها

انطلقت انتفاضة 17" تشرين" من العاصمة بيروت؛ بسبب اندلاع الحرائق في جنوب جبل لبنان وعجز الدولة عن إطفائها، وصدور قرار حكومي بفرض رسوم على المواطنين مقابل استخدام تطبيق ال "واتس آب" لإجراء المكالمات الهاتفية. تدفق الناس من مختلف مناطق بيروت حتى امتلأت ساحتا الشهداء ورياض الصلح. وبدأت ساحات المدن الرئيسة، كطرابلس وصيدا وصور، وساحات البلدات الموزعة بين شمال لبنان (عكار، زغرتا، الكورة،... إلخ) وجنوبه (النبطية) مرورًا بمنطقة البقاع وبعلبك في شرقه، تستقبل تباعًا جموع

المتظاهرين، رافعين شعارات تدين السلطة وتطالب بإسقاط الحكومة. وكان المشاركون من مختلف المذاهب الدينية والفئات الطبقية، ومن مختلف الفئات العمرية مع غلبة العنصر الشبابي من الذكور والإناث، والفئات الطلابية وفئات الطبقة الوسطى. وبفعل هذا الانتشار والجماهيرية وتنوع الفئات المشاركة، تحولت المظاهرات إلى انتفاضة شملت عدة أشكال نضالية؛ منها التظاهر والتجمهر في الساحات وإلقاء الخطب وتنظيم حلقات النقاش وتقديم الوجبات المجانية للمشاركين وتوفير أماكن لرعاية الأطفال المرافقين للأهل المشاركين في الانتفاضة، وإقامة المهرجانات الفنية الموسيقية المنظمة والعفوية والعروض المسرحية، وتنظيم معارض الصور والمنحوتات والرسوم. وكانت كل هذه الفعاليات تؤكد الطابع السياسي المباشر للانتفاضة واستعداد المشاركين لمواجهة عنف السلطة على هذا الأساس، كما تؤكد طابعها الاجتماعي التعاضدي وطابعها الفني المتنوع. ويستدعي تعدد أبعاد الانتفاضة اعتماد رؤية تحليلية لمفاعيلها لا تحصر قياسها في المجال السياسي في معناه التقليدي فقط، بل تشمل أيضًا التحولات التي قد تحدث على مستوى الثقافة السياسية وتشكل الوعي. ويشمل هذا المستوى المشاركين في الانتفاضة وداعميها، وعددهم يناهز نصف البالغين في لبنان بحسب ما أظهرت نتائج التصويت لصالح المرشحين التغييرين في انتخابات 2022. وقد تمظهر الوعي السياسي التغييري في مجالات عدة، منها المجال الفني. كما جسدت

(((2 يشير ياسين ياسين، أحد نواب الثلاثة عشر الذين أوصلتهم الانتفاضة إلى البرلمان في انتخابات عام 2022، إلى أن لوائح المرشحين التغييرين قد حصلت على 472 ألف صوت تفضيلي، "متفوقة على جميع اللوائح الأخرى". ويضيف العميد المتقاعد، جورج نادر، وهو من مجموعة "حراك العسكريين المتقاعدين"، أنه لو توحدت لوائح المرشحين المنتمين إلى الانتفاضة، لكانوا قد حصدوا 50 مقعدًا من أصل 128 مقعدًا في البرلمان اللبناني، "فمجموع 426 ألف صوت كانت كافية للحصول على 50 مقعدًا،

بينما الأحزاب التي تمثلت بأكثر من 17 نائبًا، نالت 172 ألف صوت (للقوات اللبنانية) و 127 ألف صوت (للتيار الوطني.") يُنظر:

"مشروع ذاكرة"، بوابة بيروت، شوهد في 2024/2/28، في: http://tinyurl.com/yc2uzrsf. وللحصول على نتائج انتخابات 2022

بالتفصيل، يُنظر: زينة عكر عدره، انتخابات مجلس النواب اللبناني 2022: أرقام ونتائج (بيروت: الدولية للمعلومات،.)2022

مظاهر أخرى ذلك الوعي؛ فقد عمل المنتفضون على تملّك الساحات العامة في المدن، وعلى الأخص في بيروت، وإعادة رسم شروط الدخول إليها بحيث تحولت إلى ساحات لعزف الموسيقى وأداء الغناء الجماعي وعرض الرسوم والمنحوتات والصور الفوتوغرافية. وبلغ تملّك المنتفضين الفضاءَ الحضري وفرضهم سيطرتهم عليه حدّا جعل السياسيين يتجنبون الظهور في الأماكن العامة

أو الذهاب إلى مجلس النواب، خوفًا من تعرضهم للإهانة والنقد والتجريح من المواطنين. كما أن الشعارات التهكمية والساخرة ملأت الساحات التي احتضنت الثوار، ومنها: "سعد، سعد، سعد، ما حتى تحلم فيها بعد" (والمقصود هو إمكانية عودة رئيس الوزراء السابق سعد الحريري إلى منصب رئاسة الوزارة)؛ "هيلا هيلا هيلا هو ملحم نقيب يا حلو!"؛ "مين جابو لنا هيدي الثورة، كنا عايشين عيشة كلاب ومبسوطين"؛ "ألغيت الجلسة لعدم اكتمال النصابين"؛ "هالصيصان شو حلوين عم بدورو حول المجلس هربانين"؛ "هيلا هيلا هيلا هو، الأوتستراد سكر لا حالو"؛ "عا بالي قهوي على هيلا هيلا هيلا هو"؛ "سرقتو البلد ماشي، سرقتو حقوقنا ماشي، سرقتوا مستقبلنا ماشي، بس تسرقوا هيلا هيلا هيلا هو ما رح نقبل". ولم تغب الشعارات النسوية؛ مثل: "الثورة أنثى"؛ "المستقبل أنثى"؛ "أجسادنا لنا". ومن علامات الوعي السياسي المتأثر بمفاعيل الانتفاضة تواتر الشعارات التي تدل على حدوث قطيعة مع سردية النظام والأقطاب السياسية الممثلة له، فقد كانت الحكومة وقتئذٍ "حكومة وفاق وطني"، تشارك فيها جميع القوى والأحزاب التي تمِّثل مختلف ألوان المشهد السياسي في البلاد. وعلى الرغم من الاختلافات العلنية بين الوزراء واستقالة بعضهم (وزراء حزب القوات)، فإن الشعار الرئيس الذي انضوى المتظاهرون تحت لوائه استهدف السلطة بجميع مكوناتها، وهذا ما جسده الشعار الرئيس للمنتفضين: "كلن يعني كلن (كلهم تعني كلهم)". كما رفع المنتفضون العديد من الشعارات التي استهدفت نقد السلطة؛ مثل: "يسقط حكم الأزعر"؛ "الشعب يريد إسقاط النظام"؛ Aoun je t’aime en France" "؛ "يأتي العفو عن المظلوم على الأيادي النظيفة، ولكن أوليسقط ا

(23)  Wael Sinno, "How People Reclaimed Public Spaces in Beirut during the 2019 Lebanese Uprising," The Journal of Public Space , vol. 5, no. 1 (2020), pp. 193–217; Rima Majed & Lana Sakman, "Lebanon’s Thawra," Middle East Report , vol. 292, no. 3 (2019); Sabah Jalloul, "Lebanon October 17 Uprising, Graffiti, Slogans and Songs," Assafir , 8/3/2021, accessed on 1/11/2023, at: http://tinyurl.com/bdhvzv7j

((2(تقارير صحفية مختلفة، منها: سلمان العنداري، "لبنان.. المحتجون يطاردون السياسيين في الأماكن العامة"، سكاي نيوز

عربية، 2020/2/7، شوهد في 2024/2/28، في: qzkbc http://surl.li/ (((2 يتطلب قياس هذا التحول في الوعي والثقافة السياسية بحثًا آخر يغطي مراحل زمنية متعاقبة بعد حدوث الانتفاضة، لا مجال

لتناوله في هذه الدراسة. (((2 صرح سمير سكاف أنّ ثورة 17" تشرين" امتدت إلى عدد كبير من الوزارات والإدارات وواجهت وزراء ومديرين عامين،

وتظاهر المنتفضون مرات عدة في محيط عين التينة وعلى مداخل القصر الجمهوري، قائل: "أخافت ثورة 17 تشرين ومنعت عشرات

المسؤولين من التواجد في الأماكن العامة، لا بل حرمت كل 'الأسماء النافرة' من المسؤولين من العودة لأي حكومة منذ بدايتها

وحتى اليوم". ينظر: شربل صفير، "أربع سنوات على ثورة 17 تشرين: غياب عن الساحات وصمت مريب"، جسور، 2023/10/17، شوهد في 2024/2/28، في: http://tinyurl.com/ksuf42ds؛ "هل حققت ثورة 17 تشرين الأول أي إنجازات؟"، المركز اللبناني للدراسات، 2021/9/21، شوهد في 2024/2/28، في: http://tinyurl.com/mtp5se7a

حكم الأزعر"؛ On ne demande pas la lune" "؛ "سلاحنا العلم وسلاحكم القتل  والتهجير"؛ "لا ثقة للفاسدين حلو عنا"؛ "ما بدنا كسارات: جريصاتي بيسوى صباتي ثورة"؛ "الثورة لنا"؛ "لأ وألف لأ لم تحترق الثورة" (إشارة إلى إحراق قبضة الثورة في ساحة الشهداء)؛ "راجعة الثورة أقوى وبكل ساحات لبنان" (بعد إحراق القبضة)؛ "الخوف التبعية الطائفية الظلم يليها ضربة بالشاكوش، ليظهر من بعد تكسير الكلمات السابقة: ثورة 17 تشرين #لبنان ينتفض"؛ "إرفنا منكم يا تجار الهيكل"؛

"استقيل يا سئيل"؛ "ثورة حلم حرية"؛ " First they ignore you Then laugh at you Then they

fight you Then you win #ثورة"؛ "قضاء عادل أولًالعفو عن المظلومين". ومن العلامات الأخرى على الوعي السياسي المتأثر بمفاعيل الثورة، تبلور مطالب مشتركة رفعها المنتفضون، منها ما صَّوَب نحو ضرورة إنعاش الهوية الوطنية العابرة للطوائف والتمسك بها بدل

من الهويات الطائفية؛ مثل: "سأعيش لأجل وطني"؛ "سأتنفس لينبض وطني"؛ "تسقط المحاكم الدينية"؛ "تحية للزوق" (إشارة إلى المنتفضين في منطقة الزوق ذات الغالبية المسيحية)؛ "انتبه!!! وقت نزلت إنت تتظاهر وتثور شلحت طايفتك، ما ترجع تلْبسها مرة تانية، خِّلي حلمك وطنك"؛ "ما بدي وزير طاقة من طايفتي، بدي طاقة"؛ "علمانية – ديمقراطية عدالة اجتماعية مساواة"؛ "قانون مدني موحد الأحوال الشخصية". ولم يفتْ الحراكيون رفع شعارات عديدة طرحت مسألة العدالة الاجتماعية، على منوال: "البلد بساع الكل والشغل حق للكل"؛ "يا أبانا أين خبزنا كفاف يومنا"؛ "لا للغلاء المعيشي"؛ "لنستعيد كل شي مع الفائدة"؛ "مرت الثورة من هنا وأغلقت محلات الصيارفة".

2. أصوات المشاركين في انتفاضة 17 تشرين: تحليل إجابات المستجيبين

ما حدث في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 وما تلاه، من تحركات ومظاهرات واعتصامات، يطرح عدة أسئلة: ما الذي حدث بالتحديد؟ ما الدوافع التي أفرزت هذه المشاركة الواسعة في التحركات؟ ولماذا هبط عدد بدا معه أن الانتفاضة قد انتهت؟ ماٍالمشاركين لاحقًا إلى حٍّد  الذي حققته؟ ما الذي فشلت في تحقيقه؟ ما أهم المصاعب التي واجهها المنتفضون؟ وأخيرًا، هل من أمل لدى

المشاركين في تغيير النظام أو إصلاحه؟ توجهنا بهذه الأسئلة وغيرها إلى 65 شخصًا من الذين شاركوا في الانتفاضة؛ منهم من شارك في الانتفاضة بصفة فردية، ومنهم من شارك بصفته عضوًا في مجموعة من المنتفضين. وفيما يلي نعرض

نماذج عن المواضيع التي أثارها المستجيبون بصورة مشتركة. ونعمد في عرض هذه المواضيع إلى ذكر المواقف حيالها واقتطاف مقاطع مما قاله المستجيبون مع بيان أعداد المستجيبين الذين تناولوا

(((2  جُمعت جميع الشعارات المذكورة من قبل الباحث أثناء مشاركته في المظاهرات خلال عامي 2019 و.2020

تلك المواضيع، وهي أرقام لا نقصد منها الإحصاء الكمي بل المساعدة على إدراك موقعها ضمن طيف مواقف المنتفضين. وقد عرفتنا مواقف المنتفضين بمطالب الانتفاضة وتقييمهم لها.

أ. مطالب الانتفاضة

توزعت مطالب المنتفضين على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. • على المستوى السياسي من بين جميع المستجيبين (65)، أبدى 13 مستجيبًا رأيهم بإجراء انتخابات مبكرة، فأظهر 12 منهم

تأييدهم لمطلب إجراء انتخابات مبكرة باستثناء مستجيب واحد دلت إجاباته على أنه مقرب من حزب الله. عدا هذا القاسم المشترك، فإن جميع المؤيدين لإجراء انتخابات مبكرة لديهم مطالب إضافية من الانتفاضة؛ فقد طالب أحدهم بإلغاء الطبقة السياسية بجميع أطرافها، وطالب اثنان منهم بإسقاط الحكومة والمجيء بحكومة تكنوقراط. أما باقي المستجيبين فقد أرادوا إلى جانب إسقاط الحكومة إلغاء الطائفية السياسية وإنشاء دولة مدنية ومحاسبة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة وخيرات البلاد، وأخيرًا إجراء الانتخابات وفق قانون انتخابي جديد، "وإلا بيرجعوا هنّي

ذاتن". وفي موضوع الموقف من حكومة حسان دياب التي خلفت حكومة الحريري المستقيلة، وكانت مراسيم تشكيلها بتاريخ 12 كانون الثاني/ يناير 2020، تبين أن 23 مستجيبًا حدّدوا موقفهم منها

بإسقاطها والمجيء بحكومة مستقلين "تحكي باسم الشعب" أو حكومة تكنوقراط، باستثناء مستجيب واحد عرّف عن نفسه بأنه ينتمي إلى حزب الله قال: "رحنا على إسقاط الحكومة ولكن

نحن بحاجة إلى سلطة تنفيذية في البلد، وهم (أي المنتفضون) لم يستطيعوا الإقدام على التغيير والتربع على السلطة والحكم وقلب النظام وتحسين المؤسسات. لذا من نحاسب إذا سقطت الحكومة وعلى من يضغطون لتحقيق المطالب؟". ومن بين المستجيبين، ذهب بعضهم إلى حد المطالبة بالإتيان بحكومة ب "بصلاحيات استثنائية" تشرع "لقانون انتخابات خارج القيد الطائفي"، ومن ثم إجراء انتخابات عامة "على أساس هذا القانون". واشتكى مستجيبون (26 مستجيبًا) من قمع السلطة، متمثلةً في الجيش وقوى الأمن، وممارستها

العنف والاعتقالات بحقّ العديد من المشاركين في الانتفاضة؛ ما أدّى إلى تعرّض بعضهم إلى أذى

جسدي. وأشار عشرة من المستجيبين إلى دور "زعران السلطة" والأحزاب بصورة عامة في ذلك، ومن بينهم من خَّصَ بالذكر "زعران حركة أمل وحزب الله وشباب الخندق الغميق وحرس المجلس

ورجالات النائب أكرم شهيب". وأفاد 20 مستجيبًا أنهم يؤيّدون قيام دولة غير طائفية، وقد جاء التعبير عن هذا المطلب بطرائق

متنوعة؛ منها: "السعي نحو الخلاص من الطبقة السياسية الحالية وحل مشاكل النظام السياسي الحالي منها المحاصصة والطائفية السياسية والفساد والتمييز وتقليص سلطة المؤسسات الدينية

وامتيازاتها والحد من سيطرتها"؛ و"أملنا الوحيد بمستقبل أفضل، أملنا بدولة مؤسسات علمانية قائمة على احترام الفرد ومبدأ فصل السلطات وتكافؤ الفرص بعيدًا عن الطائفية ووهم 'القطيع يحمي'"؛ و"إسقاط هذه المنظومة الفاسدة وتغيير هذا العقد الاجتماعي القائم على التبعية الحزبية والطائفية المتعصبة من خلال إنشاء دولة مدنية"؛ و"فصل الدين عن الدولة وإلغاء الطائفية السياسية"؛ و"الدين مهم لبناء الإنسان والقانون مهم لبناء دولة مدنية"؛ "بدي هالبلد يتحول من دولة طائفية ومحسوبيات لدولة مدنية ومؤسسات وديمقراطية حقيقية مش محاصصة بين مجموعة مجرمين وزعما عصابات"؛ "بدي دولة مدنية وبدي يسمحوا بالزواج المدني"؛ "إلغاء النظام الطائفي والمحسوبية وإنشاء دولة مدنية وتفعيل دور المجتمع المدني"؛ "إذا لم نخرج من الذهنية الطائفية أو الحزبية [في المفهوم اللبناني، لكلمتَي الطائفة والحزب المعنى ذاته] لا مستقبل للحراك"؛ "المطلوب هو تغيير النظام السياسي والطائفي بالكامل وصياغة دستور جديد للبلاد يضمن وجود دولة علمانية"؛ "هالانتفاضة أطلقت شرارة التغيير والعبور لدولة عصرية ومدنية وأنا مؤمنة بأن التغيير جايي ولو تأخر"؛ "السعي لإنشاء دولة مدنية خارج القيد الطائفي من خلال أول إقرار قانون انتخابي على النسبية ويكون لبنان دائرة واحدة"؛ "تطبيق الدستور الذي يعتبر المدخل الأساسي باتجاه الدولة المدنية – قانون انتخابات عصري خارج القيد الطائفي"؛ "تأسيس دولة مدنية علمانية". وهكذا، تدرجت المواقف السياسية لدى المنتفضين من البسيط والمباشر إلى الجذري المتمثل بتغيير النظام الطائفي والمحاصصة الطائفية والتحول نحو نظام مدني – علماني. • على المستوى الاقتصادي خلال التحركات والمظاهرات التي أطلقتها انتفاضة 17" تشرين"، رُفع مطلبٌ يدعو إلى إسقاط

"حكم المصرف"، إلا أن هذا المطلب بقي محصورًا بعدد قليل من المجموعات اليسارية، فكانت

الدعوة إليه مطلبًا لخمسة مستجيبين من أصل 65 مستجيبًا. وكان مطلب "إعادة هيكلة القطاع العام

للنظام المصرفي" يعود إلى شخصين فقط من مجمل عدد المستجيبين. في المقابل، كانت الدعوة صريحة إلى إنشاء قضاء مستقل من قبل 15 مستجيبًا. كما أضاف بعضهم تحديد مهمة القضاء

المستقل ب "محاسبة الفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة"، و"ليقف ولو لمرة واحدة في محاربة اللصوص الحقيقيين". وأوضح أحد مستجيبين أن ما يريده هو "نظام قضائي عادل ومنفصل ومستقل عن السلطة السياسية وقادر على محاسبة السياسيين والموظفين الفاسدين بلا خوف من الزعماء والمسؤولين وبلا ارتهان لأحد". ومن المستجيبين من رأى "أنه لا أمل في مستقبل لبنان" إذا بقي النظام القضائي على حاله. أجمعَ المشاركون في الاستبيان على أن تدهور المستوى المعيشي المتمثل في ارتفاع معدل الفقر والبطالة وتدهور درامتيكي لسعر الدولار، يشكل أحد الأسباب الرئيسة التي دفعتهم إلى المشاركة في الانتفاضة. هذا كان لسان حال 22 مستجيبًا: "بدنا نعيش يا بنت الحلال، أنا بشتغل كل يوم 15

ساعة، أنجق آكل ونام. وأمي بتنظف بيوت وأختي بتعلم ولاد زغار بالمدرسة كلو لندفع أجار البيت وناكل ونشرب ومش ملحقين. لأيش قولك شاركت بالثورة؟ مش مقبول نحنا شعب عايش من قلة الموت". • على المستوى الاجتماعي كان موضوع الهجرة حاضرًا لدى 25 من المستجيبين؛ فقد رفض 6 منهم مغادرة لبنان مفضّلين البقاء

فيه رغم جميع الصعوبات، وركز اثنان على مهمة تغيير النظام، وعبّر آخر عن أن الشيء الوحيد

الذي يجعله لا يتخذ قرار الهجرة من لبنان هو عودة الثورة إلى الشارع. وأفاد مستجيبان آخران أن الهدف من الهجرة هو استكمال الدراسة، وأنهما سوف يبقيان في الخارج إذا لم تنجح الثورة. أما باقي المستجيبين (18)، فقد أبدوا رغبتهم في ترك لبنان لصعوبة العيش فيه وغياب فرص العمل. وهذا ما أكدته الأعداد الكبيرة التي غادرت لبنان منذ اندلاع الانتفاضة؛ ما يساهم في تخفيض الضغط على النظام ورعاته؛ ففي الفترة 2021–2017، بلغ عدد المهاجرين من لبنان 215653. وفي الفترة 2021–2020، ارتفع عددهم من 17721 إلى 79134. وفي عام 2019، هاجر 66541. ويعود الهبوط في العدد الإجمالي إلى صعوبات السفر بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–). وقد زاد عدد الراغبين في الهجرة بشكل ملحوظ بعد انفجار 4 آب/ أغسطس 2020؛ ما انعكس في ارتفاع عدد المهاجرين بعد ذلك التاريخ.

ب. حصيلة الانتفاضة: ما بين الإنجاز والفشل والتشرذم

فيما يهم إنجازات الانتفاضة، ركز 14 من المستجيبين على أربعة محاور: كسر حاجز الخوف من الزعيم لدى اللبنانيين؛ وخلق وعي بحقوق الفرد السياسية والقانونية؛ وتحقيق الوحدة بين الناس بغض النظر عن المذهب والانتماء المناطقي؛ وتوجيه صفعة إلى السلطة تليها صفعة أقوى إذا لم ترحل. وفي محور كسر حاجز الخوف من السلطة، رواح ما قاله المستجيبون بين ما يأتي: "مشهد الملايين من الناس كان أروع مشهد، وهذا يكفي"؛ و"في عالم كتير صاروا أحرار وبطلوا يخافوا من حدا وطلعو من تحت عباية الزعيم وشيخ القبيلة"؛ و"يللي قدر يتحقق لحد هلق هو خوف السياسيين يللي برز خصوصًا بعد ما صار في احتجاجات بمناطق غير متوقع أنو يصير فيها تحركات بهالحجم الكبير، متل طرابلس وبعض مناطق الجنوب"؛ و"الانتفاضة خوفت الكبار". أما في محور مساهمة الانتفاضة في تحقيق الوحدة بين الناس، فقد توزعت التصريحات بين "الانتفاضة كسرت القيود والحواجز الطائفية والمذهبية والمناطقية"؛ و"البترون مش بجيبة حدا.. على مستوى المنطقة كسرنا صورة أنو البترون هي للتيار"؛ و"هو أنو الناس لمست حقيقة أنو في

(((2 مقابلة شخصية، بيروت،.2020/9/22 (((2 ينظر: آلاء ترشيشي، "عدد المغادرين من لبنان يرتفع بنسبة %312 عام:2020 20 ألف لبناني هاجروا خلال شهر أيلول"،

أحوال ميديا، 2020/10/9، شوهد في 2024/2/28، في: http://tinyurl.com/yubzykxn

أرضية مشتركة بيناتنا كتير كبير أكتر من القصص يللي بتفرقنا"؛ و"ناس من أقصى اليمين لأقصى اليسار، وهالشي كان كتير مهم"؛ و"الانتفاضة خلقت نفس جديد". أمّا ما قيل في محور توجيه صفعة إلى السلطة: "الحراك بشكل عام حقق للأحزاب إنهم أكلوا كف

وهيدا الكف بدو يفرجيون هلق أنو إذا ما سلموا السلطة رح يرجعوا ياكلوا كف متلو... كف حيكون أقوى من أول كف. وهيدا بالنسبة إلي إنجاز كبير". عبّر 33 مستجيبًا عن آرائهم في موضوع تشرذم الحراك. ويمكن تصنيف الأجوبة إلى

مجموعتين؛ الأولى تعيد تشرذم الحراك إلى الحراك نفسه؛ إذْ شددت على غياب الرؤية الموحدة لدى المنتفضين وغياب الوحدة في المطالب والتنظيم والقيادة، مع إشارة أحدهم إلى نفوره من سيطرة اليسار على الحراك. أما المجموعة الثانية، فإنها تعزو تشرذم الحراك إلى دور السلطة التي نجحت في تخريبه عن طريق المندسين والجواسيس والمخربين لاستدراج المنتفضين للمواجهة مع القوى الأمنية. وركزت أجوبة هذه المجموعة على استغلال السلطة حالة الحراك الرخوة سياسيًا

وتنظيميًا (أي سهولة إحداث اختراقات للانتفاضة من السلطة وأجهزتها) لإفشاله بوساطة دفعه إلى

ممارسة العنف وتدمير المؤسسات وإرسال مجموعات مرتبطة بالسلطة لتفكيك الحراك وتغذية شرذمته. كما اعترض 11 مستجيبًا على سلاح حزب الله لعدة أسباب؛ منها أنه غير شرعي ويتدخل في شؤون

دول أخرى دون العودة إلى الدولة والحكومة بوصفهما مرجعية سياسية، وأنه يهيمن على قرارات الدولة في السلم والحرب وإنشاء التحالفات الاستراتيجية. ويرى أحد المستجيبين أن لا مستقبل للبنان ما لم يسلم حزب الله سلاحه. ومنهم من يدرج سلاح حزب الله بمطلب نزع السلاح غير الشرعي في لبنان عمومًا والمطالبة بدولة قوية ليس فيها ميليشيا أقوى منها. وسجّل 22 مستجيبًا أنالحراك قد فشل. ومن بين هذه المجموعة، أفاد 10 مستجيبين أن فشل

الحراك يعود إلى انقسامات الحراك وتفتته وعدم وحدة الرؤيا السياسية وعجز الحراك عن إنتاج البديل من السلطة. إضافة إلى ذلك، يقول أحدهم إن السلطة قد نجحت في اختراق الحراك بعدما سمحت للأخير أن ينفس عن غضبه في الأيام الأولى منه. في المقابل، أفاد الباقون أن الحراك لم يأِت  بأي نتيجة، "لا بل خسرنا أشغالنا وفِقرْنا أكتَر". وصرح

أحدهم أنه حتى سقوط حكومة الحريري كان حاصل قبل الحراك، وما فعله الحراكيون في هذا المجال كان الإسراع في هذا السقوط. وقال آخرون كلامًا مفاده أن فشل الانتفاضة يعود إلى عدم

الثقة فيها، وأن شعبًا ليس حرًا لا ينتج انتفاضة ناجحة: "فشلنا لأننا لا نؤمن بحق الاختلاف وأن

الغناء وغياب طول النفس لا يؤديان إلى إسقاط السلطة". لا تدعي العينة المستجيبة تمثيل "جميع" آراء الذين شاركوا في الانتفاضة، إلا أن أهمية المعطيات التي قدمها المستجيبون تكمن في شمولها مجموعة واسعة من المواقف والتقييمات التي وجدت في أوساط المشاركين في الانتفاضة. ويمكن الوثوق باتساع هذه المواقف لوجود صدى لما جاء فيه

في كم كبير من الكتابات التي صدرت عن انتفاضة 17" تشرين"، أكانت كتابات صحفية أم بحثية، والكثير مما بثته وسائل الإعلام، ومحتويات التعليقات والنقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي.

ثالثًا: حصيلة انتفاضة 17 تشرين وآفاق النقاش النظري حول الحراك الاجتماعي

تستحضر هذه الوقائع الغنية التي حفلت بها انتفاضة 17" تشرين"، النقاش الدائر في الأوساط الأكاديمية حول الحراك الاجتماعي واستنتاجاته النظرية. وبالاستناد إلى هذا النقاش والمساهمة فيه، نتناول في الأسطر التالية تقدير مدى صحة القول بتراجع انتفاضة 17" تشرين" وفشلها في تحقيق المطالب الأساسية التي دعت إليها. وفي هذا التناول أعود إلى ثلاثة مفاهيم أساسية: الفرص السياسية، وبنى التعبئة، والإطار الذهني والمعرفي المشترك.

1. توفر الفرص السياسية لإطلاق الحراك الاجتماعي

يعود المكون الديمقراطي في النظام السياسي اللبناني إلى الظروف التاريخية التي واكبت ولادته في أواسط القرن التاسع عشر. فكما أسلفنا القول، كان لبداية تغلغل العلاقات الإنتاجية الرأسمالية في لبنان في تفاعلها مع ما خلّفته ثورة الفلاحين دورٌ في وضع لبنات هذا النظام. ومهما كان

أثر العلاقات الإنتاجية متدرجًا فلا بد له من رافعة سياسية ديمقراطية. كما أن مطالب الثورة ذات

شعارات مواطنية ديمقراطية عززتها مساندة بعض العناصر البرجوازية والتمثيل في المتصرفية. يتكرس المكون الديمقراطي في النظام السياسي اللبناني في توفر الفرص للتداول في الشأن العام، ومنه أداء السلطة والقوى التي تمثلها، وإمكانية تشكيل المجموعات السياسية للقيام بذلك، وهو ما لا ينفي وجود حدود ومراقبة من السلطة. عماوفضل  مررنا به خلال تناول الحركات الاجتماعية والسياسية التغييرية في أواسط القرن العشرين من إشارات إلى ترسخ الفرص للعمل السياسي المعارض وحتى المسلح في لبنان، يمكن الإشارة إلى علامات تلك الفرص خلال انتفاضة 17" تشرين". فخلال عملنا الميداني، أجرينا مسحًا ميدانيًا

للإمكانيات المتاحة للحراك للتعبير عن المواقف السياسية وممارسة النشاط السياسي. وإضافة إلى تسجيلنا إنشاء محطتَي تلفاز ناطقتَين باسم الحراك، عملنا على إحصاء المجموعات المنظمة التي انخرطت فيه. وقد تمكنا من إحصاء 550 مجموعة؛ منها: الأحزاب (22)؛ والنقابات والاتحادات

يُنظر على سبيل المثال (((3:

Victoria Carty, "Arab Spring in Tunisia and Egypt: The Impact of New Media on Contemporary Social Movements and Challenges for Social Movement Theory," International Journal of Contemporary Sociology , vol. 51, no. 1 (2014), pp. 51–80; Phillipp O. Amour, Middle East Reloaded: Revolutionary Changes, Power Dynamics, and Regional Rivalries Since the Arab Spring (Washington: Academia Press, 2018), pp. 199–224.

(((3 حول مسار تراجع أعداد المشاركين في الانتفاضة والأسباب التي ساهمت في ذلك، يُنظر: انتفاضة 17 تشرين في لبنان:

ساحات وشهادات، إعداد وإشراف خالد زيادة ومحمد أبي  سمرا (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،

العمالية (7)؛ ومجموعات الأساتذة والطلاب الجامعيين (11)؛ ومجموعات رجال الأعمال (3)؛ والعسكريون المتقاعدون (15)؛ والجمعيات الثقافية (38)؛ والجمعيات النسائية (12)؛ ومجموعات أخرى عرفت نفسها على أنها "ساحات وأندية وخيم" (17)؛ وأخرى عرفت نفسها على أنها "مجموعات ثوار" (157)؛ وجبهات وائتلافات (42)؛... إلخ. وإذا أضفنا إلى الفرص السياسية توفر تطبيقات "واتس آب" و"تويتر" و"إنستغرام" وغيرها لدى المنتفضين واستخدامها الكثيف للاتصال ونقل الأخبار والتحشيد والتعبئة، ظهر لنا دور وسائط التواصل الاجتماعي في التواصل بين أعضاء المجموعات وفيما بينها. في ضوء هذه المعطيات يتبين لنا أن الفرص السياسية كانت متوفرة لإطلاق انتفاضة 17" تشرين"، وتبلور فعل المجموعات المنظمة والداعية لها. فكيف كان بناؤها التنظيمي؟ وما الذي كَّرَسه

الاستخدام المكثف لوسائط التواصل الاجتماعي في هذا المستوى؟

2. بنى التعبئة والممارسات التحشيدية

تنظيميًا، كانت غالبية بنى التعبئة أفقية ولاهرمية، وقد تعزز هذا الملمح بالاستخدام المكثف لوسائط

التواصل الاجتماعي التي كَّرَست لامركزية تناقل الأخبار والتعليق عليها وتقييمها والتعبير عن المواقف

والدعوة إلى الممارسات العملية. إلا أن تأثير هذا العدد الكبير من المجموعات التي انتسبت إلى هذه الانتفاضة في تحقيق المطالب كان متناقضًا؛ فمن جهة أعطى تعدد قوى الانتفاضة بعدًا شعبيًا واسعًا،

ومن جهة أخرى، أدى إلى صعوبة، لا بل استحالة توحيد الرؤية وتحديد الأوليات، ومن ثم الاتفاق على الجهة الممِّثل ة للمطالب المشتركة للانتفاضة والناطقة باسمها. وتمثّل لامركزية التحركات وغياب القيادة العلنية والمركزية للانتفاضة جانبًا ديمقراطيًا في التعبئة والتحشيد ضد سلطة متعددة المراكز

والرؤوس، وعامل ضاغطًا عليها ومساعدًا على تحقيق الإنجازات. ولكن ذلك لم يحقق شرط وجود قيادة مركزية مضادة ذات مطالب واضحة وُممُ رْحلة تتوفق في تغيير السلطة. وهذه حقيقة أثبتتها العديد

من الأحداث السياسية، وما "الربيع العربي" إلا الفصل الأخير منها. وفي هذا السياق، لفت بعض الباحثين النظر إلى أن المجموعات الشبابية التي تشكلت خلال الانتفاضة قد استبطنت البنى التنظيمية للمنظمات غير الحكومية ولمعاييرها التوافقية في اتخاذ القرار، الأمر الذي فاقم من أزمة غياب القيادة والفاعلية السياسية للانتفاضة. وجسّد هؤلاء الشباب

تلك المعايير التوافقية في تمسكهم بمبدأ التنظيم الأفقي النابذ للقيادة المركزية والمبني على مبدأ حصول الإجماع بين المتحاورين شرطًا مسبقًا لاعتماد القرارات والتوجه نحو تنفيذها. يستخدم باحثون تسمية "أنْجزَة" لوصف طبيعة هذا النشاط السياسي الذي لا يسمح بإحداث أي تغيير

(((3 تابع جمال حلواني، الباحث الميداني المساعد، رصده للمجموعات، وتبين له أن عدد المجموعات المتبقي في نهاية عام

2023، قد أصبح 25 مجموعة، ولم يرتقِ أي من هذه المجموعات إلى مستوى الحزب السياسي. نجز التقرير الميداني فيأُ 11 كانون الأول/ ديسمبر.2023

(33)  Ibrahim Halawi & Bassel F. Salloukh, "Pessimism of the Intellect, Optimism of the Will after the 17 October Protests in Lebanon," Middle East Law and Governance , vol. 12, no. 3 (2020), pp. 322–334.

فعلي للنظام السياسي. وتشتق التسمية من تعريب التسمية الإنكليزية للمنظمات غير الحكومية "أنجي أوز" NGOs. ويرى حلاوي وصلّوخ أن من أهم أعطاب الانتفاضة اعتبار المجموعات المشاركة أنها من خارج العمل السياسي، وأن على العمل الجماعي أن ينحصر في القيام بحملات لتحقيق مطالب محددة ومفردة. ويعتبر هذا التوجه جزءًا من ظاهرة معولمة تتمثل في "أنجزة"

النضالات والمجموعات السياسية بما يكرس غياب القيادة السياسية الموحدة ويؤكد ضعفها السياسي البارز. وليست "أنْجزة" المجتمع في لبنان جديدة أو وليدة سياق انتفاضة تشرين؛ إذ تعود إلى هيمنة النموذج النيوليبرالي للإعمار الذي تبناه رفيق الحريري بعد نهاية الحرب الأهلية عام 1990. منذ ذلك التاريخ، قام قطاع العمل التطوعي وعدد من المنظمات غير الحكومية بملء الفراغات التي ولّدتها سياسة تقليص الخدمات الاجتماعية التي كان يتولاها القطاع العام. ومع دخول لبنان مرحلة من القمع السياسي والتضييق على النشاط السياسي المعارض، مع تراجع العمل السياسي الديمقراطي عمومًا واليساري المنظم خصوصًا، تحول قطاع العمل التطوعي ومنظمات ال "أنجي أوز" إلى "محطة توليد" لما سُمي ب "الناشط" الطامح إلى تغيير الأوضاع السائدة. وقد عَّزَز هذا النوع من النشاط المجتمعي

ثُل والِقُي الُمِتبِّنِيَم النيوليبرالية، ونشرها في أوساط شبابية واسعة، الأمر الذي دفع أحد الدارسين إلى

استنتاج أن النيوليبرالية نزعت عن النشاط السياسي المعارض صفته الراديكالية والتغييرية عن طريق استبطان قيم السوق وآليات عمله و"تطبيعهما".

3. إنتاج الإطارَين الذهني والمعرفي المشترك بين الحراكيين

إن المقصود بالإطار الذهني هو التصور المشترك الذي يكون لدى فاعلين عما يقومون به، بحيث يضفي المعنى على الأحداث ويعطيها وجهتها ويشرْعنها، الأمر الذي يحفزهم على الانخراط في

عملية التغيير. وكما تبَّيَن لنا من عينة الشعارات وآراء المستجيبين، تمَّكَن المنتفضون من صياغة

العناصر الأساسية لإحداث القطع مع سردية النظام الطائفي وإطلاق سردية معاكسة له، إلا أنهم عجزوا عن تجميع هذه العناصر في سردية مشتركة ومتفق عليها وترجمتها إلى برنامج سياسي يشكل أساسًا للتحاور مع قوى السلطة أو السعي للوصول إليها. وكان هذا القصور على مستوى الهوية السياسية امتدادًا لحالة السيولة التنظيمية التي كانت سائدة في صفوف المنتفضين، كما أنه عزز تشرذمهم وكرّسه.

(34)  Ibid. (35)  Nada Maucourant Atallah, "Lebanese Protests: The Missing Trade Unions," Le Commerce , 21/2/2020, accessed on 11/11/2023, at: http://tinyurl.com/54znvntc (36)  Mona Khneisser, "The Specter of 'Politics' and Ghosts of 'Alternatives' Past: Lebanese 'Civil Society' and the Antinomies of Contemporary Politics," Critical Sociology , vol. 46, no. 3 (2020), pp. 359–377. (37)  Martin Sökefeld, "Mobilizing in Transnational Space: A Social Movement Approach to the Formation of Diaspora," Global Networks , vol. 6, no. 3 (2006), pp. 265–284.

يحتل الموقف من حزب الله موقعًا مركزيًا في غياب السردية المشتركة بين المنتفضين؛ إذ توزع

تقدير مسؤوليته عن الأزمة التي يمر بها لبنان، والتي اندلعت انتفاضة 17" تشرين" في سياقها بين ثلاثة اتجاهات. ألقت سردية حزب الله عن الأزمة التي يغرق فيها لبنان منذ بداية الحراك بظلالها على بعض المجموعات اليسارية التي شاركت في الانتفاضة متقلبة بين الحماس والمشاركة الشعبية الواسعة والانكفاء. ومع وجود مجموعات يسارية تعتبر حزب الله مسؤول أساسيًا عن

الأزمة، تتحدر المجموعات التي نقصدها من أصول تعود إلى الحزب الشيوعي، وحركة الشعب، والناصريين. وظلت تتأرجح بين عدم اعتبار حزب الله جزءًا من المنظومة الحاكمة بحيث لا يتحمل

المسؤولية عما وصلت إليه البلاد، وبين اعتباره مسؤول، وإنما بدرجة أقل أو غير مباشرة قياسًا على

المسؤولية الرئيسة التي تتحملها القوى السياسية المشاركة في الحكم. وفي الحالتين، تستنتج المجموعات المذكورة أنه يجب عدم إخضاع الحزب للمحاسبة مثل باقي القوى الحاكمة، والأهم عدم مطالبته بتسليم سلاحه المطلوب في مواجهة "العدو الإسرائيلي". في المقابل، هناك مجموعات أخرى، "َألْترا–سيادية"، تعتبر أن حزب الله – وامتلاكه السلاح وقرار الحرب والسلم بموازاة الدولة ومؤسساتها – هو السبب الرئيس لتدهور الأوضاع في لبنان، وأنه لا وجود لحل هذه الأزمة بدون تسليم الحزب سلاحَه وخضوعه لأحكام الدولة. ووفق هذا التصور،

تتراجع الأسباب الداخلية (والخارجية) للأزمة اللبنانية، إن لم تغب عند بعضهم، لصالح التركيز على حزب الله واعتباره أصل الأزمة ومولدها الأساسي. ثمة أيضًا مجموعات  تُعدّ مواقفها وسطيّة، وهي لاتتفق مع رؤية اليسار "الممانع"، ولا مع

الرؤية السيادية المغالية؛ إذ يرى الوسطيون أن اليسار الممانع يضرب مبدأ السيادة الوطنية، بينما يختزل السياديون المغالون جميع مشاكل النظام والطاقم الحاكم في مسألة غياب ممارسة الدولة للسيادة الكاملة على البلاد ترابًا وقرارًا. ومن المجموعات التي تنتمي إلى الوسطيين:

الكتلة الوطنية، والائتلاف الوطني، والجبهة المدنية، ومجموعة واصف حركة، وجبهة المعارضة اللبنانية الوطنية، ولقاء تشرين، وعامية 17 تشرين، ومجموعة خط أحمر. وإلى جانب المطالبة باستعادة الدولة السيادة الوطنية كاملةً، واعتبار حل مشكلة السيادة المدخل الوحيد لعلاج الأزمة المركبة التي يعانيها لبنان، تلتقي هذه المجموعات إلى حد بعيد على مطالب محاربة الفساد وبناء دولة المواطنة والرعاية الاجتماعية والاقتصاد المنتج على أن يكون موضوعًا تحت سلطة الدولة بدرجة ما.

خاتمة

تقاربت تطلعات الناس الذين تدفقوا بعفوية إلى الشوارع والساحات العامة في لبنان، مدة ثلاثة أشهر، منذ 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، ولكن لم  تُوجد قوة توحّد تطلعاتهم وتبنيبرنامجًا سياسيًا

تغييريًا. وبعد انقطاع المشاركين في الانتفاضة عن النزول إلى الشوارع بأعداد كبيرة، ولا سيما بعد

انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/ أغسطس 2020، عادوا في الذكرى السنوية الأولى لهذا الحدث

المفجع، إلى النزول بأعداد كبيرة. ومع ذلك، لم يتحقق استمرار النشاط الحراكي ضد السلطة إلا من خلال مجموعات صغيرة الحجم وبصورة متقطعة، في ظل تدهور مستوى المعيشة بسبب هبوط قيمة العملة الوطنية قياسًا على سعر صرف الدولار الأميركي بنسبة 95 في المئة، واستخدام السلطة وأحزابها العنفَ في حق المنتفضين، وتقديم النظام الزبائني الذي تديره الطبقة السياسية السائدة على أنه خشبة الخلاص الوحيدة للمواطن الذي يواجه هذه الأزمة المعيشية الخانقة. تلك هي سمات الأشهر الأخيرة من أحداث انتفاضة 17" تشرين" وتفاعلاتها، التي شهدت بروز مطالب اجتماعية واقتصادية وسياسية مست بعض أسس النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي اللبناني. وهي سمات ذات خصائص تشترك مع الحراكين الذين بدأنا بهما دراستنا. وذكرنا تميّز مرحلة 1975–1963، وما تلاها من حرب أهلية انتهت بعقد اتفاق الطائف، بشهودها بروز حركات مطلبية وسياسية دعت، فيما دعت إليه، إلى إصلاح النظام السياسي (إلغاء الطائفية السياسية أساسًا)، وليس تغييره جذريًا، كما حدث في إثر ثورة الفلاحين. كما وقفنا في الحالات الثلاث على أن صخب الحركات المطلبية والسياسية انتهى إلى استغلال تحالف القوى السياسية والطائفية له؛ للمطالبة بتحسين حصتها في السلطة. وفي المنعرجات السياسية الثلاثة، تراجع تأثير الأحزاب والمجموعات المطالبة ب "إلغاء الطائفية السياسية" أمام صعود قوى طائفية. وقد تحول النظام في لبنان بعد ثورة طانيوس شاهين من نظام مقاطعجي إلى نظام رأسمالي – سوقي، ولكنه لم يشهد إصلاحًا سياسيًا ينقله إلى مرحلة بناء دولة تقوم على الحقوق المتساوية لجميع المواطنين، كما لم تنجح جبهة الأحزاب التي تشَّكَلت في سبعينيات القرن العشرين باسم المعارضة الوطنية في تحقيق ذلك الهدف. وتبيّن المقارنة بين الحركات الثلاث أنها لم تكن محكومة برؤية سياسية طائفية (ثورة طانيوس شاهين)، ولا بتحالف مع قوى سياسية طائفية "محرومة" (جبهة الأحزاب الوطنية والقومية في سبعينيات القرن العشرين). وعلى العكس من ذلك، كانت الانتفاضة حاسمة في رفضها النظام الطائفي، ولم تعتمد رافعة الطوائف الأضعف في تحركاتها ضد النظام، بل حمّلت جميع القوى الطائفية مسؤولية الأزمات التي حَّلَت بالمجتمع اللبناني، رغم عجزها عن إنتاج تحالف سياسي على أساس برنامج موَّحَد. وقد مكنتنا هذه المقارنة التاريخية من اختبار عدد من الأدوات النظرية والمفهومية في مقاربة الحراكات الاجتماعية كانت أداة لنا للمشاركة في المناقشة العلمية الاجتماعية الدائرة حولها.

(((3 للتوسع حول هذه النقاط،:يُنظر

Scherpenzeel van Matthias, "All of them Means all of them: The Rise of Anti–sectarian Movements in Lebanon," Master’s Thesis, Radboud University, Netherlands, 2021.

المراجع

References

العربية

ترشيشي، آلاء. "عدد المغادرين من لبنان يرتفع بنسبة %312 عام:2020 20 ألف لبناني هاجروا خلال شهر أيلول". أحوال ميديا. 2020/11/9:. في http://tinyurl.com/yubzykxn ساتيك، نيروز. "مراجعة كتاب ثقافة الطائفية". عمران، العدد).2012(1 شوفالييه، دومينيك. مجتمع جبل لبنان في عصر الثورة الصناعية في أوروبا. بيروت: دار  النهار للنشر،.1971 شرارة، وَّضَاح. في أصول لبنان الطائفي: خط اليمين الجماهيري. بيروت: دار  الطليعة للطباعة والنشر،.1975 الصليبي، كمال. تاريخ لبنان الحديث. بيروت: دار  النهار للنشر،.1991 طرابلسي، فواز. تاريخ لبنان الحديث: من الإمارة إلى اتفاق الطائف. ط  5. بيروت: رياض الريس،

المقدسي، أسامة. الطائفة والتاريخ والعنف في لبنان القرن التاسع عشر تحت الحكم العثماني. ترجمة ثائر ديب. بيروت: دار الآداب،.2005 انتفاضة 17 تشرين في لبنان: ساحات وشهادات. إعداد وإشراف خالد زيادة ومحمد أبي  سمرا. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2022

الأجنبية

Atallah, Nada Maucourant. "Lebanese Protests: The Missing Trade Unions." Le Commerce. 21/2/2020. at: http://tinyurl.com/54znvntc Carty, Victoria. "Arab Spring in Tunisia and Egypt: The Impact of New Media on Contemporary Social Movements and Challenges for Social Movement Theory." International Journal of Contemporary Sociology. vol. 51, no. 1 (2014). Halawi, Ibrahim & Bassel F. Salloukh. "Pessimism of the Intellect, Optimism of the Will after the 17 October Protests in Lebanon." Middle East Law and Governance. vol. 12, no. 3 (2020). Jalloul, Sabah. "Lebanon October 17 Uprising, Graffiti, Slogans and Songs." Assafir. 8/3/2023. at: http://tinyurl.com/bdhvzv7j Khneisser, Mona. "The Specter of 'Politics' and Ghosts of 'Alternatives' Past: Lebanese 'Civil Society' and the Antinomies of Contemporary Politics." Critical Sociology. vol. 46, no. 3 (2020).

Majed, Rima & Lana Sakman. "Lebanon’s Thawra." Middle East Report. vol. 292, no. 3 (2019). Makdissi, Ussama. The Culture of Sectarianism: Community, History, and Violence in Nineteenth–Century Ottoman Lebanon. California: University of California Press,

_______. "Corrupting the Sublime Sultanate: The Revolt of Tanyus Shahin in Nineteenth–Century Ottoman Lebanon." Comparative Studies in Society and History. vol. 42, no. 1 (2000). Phillipp O. Amour. Middle East Reloaded: Revolutionary Changes, Power Dynamics, and Regional Rivalries Since the Arab Spring. Washington: Academia Press, 2018. Porath, Yehoshua. "The Peasant Revolt of 1858–61 in Kisrwan." Asian and African Studies. vol. 2 (1966). Sinno, Wael. "How People Reclaimed Public Spaces in Beirut during the 2019 Lebanese Uprising." The Journal of Public Space. vol. 5, no. 1 (2020). Sökefeld, Martin. "Mobilizing in Transnational Space: A Social Movement Approach to the Formation of Diaspora." Global Networks. vol. 6, no. 3 (2006). van Matthias, Scherpenzeel. "All of them Means all of them: The Rise of Anti–Sectarian Movements in Lebanon." Master’s Thesis. Radboud University. Netherlands. 2021.