فضاءات النص الأدبي: قراءة مكانية في رواية
Mapping the Literary: A Spatial Reading of Hilal Chouman’s Kana Ghadan
الملخّص
تركّز الدراسة على المكان عنصرًا سرديًّا أساسيًّا لكشف النص الروائي وفهمه، معتبرة هذا النص مساحة تأويلية مفتوحة؛ وتقاربه باعتباره خريطة طريق نقدية تسعى لإنتاج معرفة، وذلك بالاعتماد على الدراسات الأدبية المكانية التي تشدّد على أهمية التفكير في النص مكانيًا؛ أي استنادًا إلى العلائقية المبنية بين نصية المكان ومكانية النص. ومن خلال مقاربة نص روائي لهلال شومان، تسعى الدراسة للمساهمة في إبراز دور القراءة المكانية في إعادة النظر في مفهومَي النص والمكان في خضمّ تطورات النظرية المكانية في العالم، وفي البلدان العربية، مع التشديد على خصوصية التجربة العربية.
Abstract
Abstract: This paper highlights the significance of space as a narrational component capable of opening the text onto various possibilities. As such, the text here is treated as a critical roadmap, able to theorize for itself produce meaning and knowledge. This paper leans on spatial literary studies with its emphasis on thinking about the text spatially through the relationality of spatiality and textuality. Through a spatial reading of Hilal Chouman’s novel, this study revisits the concepts of spatiality and textuality. Such reconsideration is paramount, specifically amidst the recent conjectures in spatiality–literary studies in the Arab world and beyond, with the emphasis on the specificity of the Arab experience.
- المكانية
- النصية
- الجغرافيا الأدبية
- الخريطة الأدبية
- الدراسات الأدبية المكانية
- Spatiality
- Textuality
- Literary Geography
- Literary Cartography/ Map
- Spatial Literary Studies
ملخص: تركّز الدراسة على المكان عنصرًا سردًّيًا أساسّيةّا لكشف النص الروائي وفهمه، معتبر
هذا النص مساحة تأويلية مفتوحة؛ وتقاربه باعتباره خريطة طريق نقدية تسعى لإنتاج معرفة، وذلك بالاعتماد على الدراسات الأدبية المكانية التي تشدّد على أهمية التفكير في النص
مكانيًا؛ أي استنادًا إلى العلائقية المبنية بين نصية المكان ومكانية النص. ومن خلال مقاربة
نص روائي لهلال شومان، تسعى الدراسة للمساهمة في إبراز دور القراءة المكانية في إعادة النظر في مفهومَي النص والمكان في خضمّ تطورات النظرية المكانية في العالم، وفي البلدان
العربية، مع التشديد على خصوصية التجربة العربية.
المكانية.
Abstract: This paper highlights the significance of space as a narrational component capable of opening the text onto various possibilities. As such, the text here is treated as a critical roadmap, able to theorize for itself produce meaning and knowledge. This paper leans on spatial literary studies with its emphasis on thinking about the text spatially through the relationality of spatiality and textuality. Through a spatial reading of Hilal Chouman’s novel, this study revisits the concepts of spatiality and textuality. Such reconsideration is paramount, specifically amidst the recent conjectures in spatiality–literary studies in the Arab world and beyond, with the emphasis on the specificity of the Arab experience.
Assistant Professor of Comparative Literature at the Doha Institute for Graduate Studies. Email: Farah.aridi@dohainstitute.edu.qa
مقدمة
تستجيب هذه الدراسة لهمّ معرفي يبحث في علائقية النص والمكان ودورها في تشكّل الرواية ومساهمتها في تقديم معرفة مكانية – اجتماعية؛ وتتموضع ضمن مقاربات الأدب المقارن الحديث والدراسات الأدبية – المكانية، وتتأسّس على موقف نقدي من كلّ من القراءة البعيدة التي تعتمد المقاربة الكمية للأعمال الأدبية، والقراءة الفاحصة المنقطعة عن سياقاتها المادية، لتقترح قراءة جامعة، تستثمرهما وتضيف إليهما. ومن خلال هذا، تروم الدراسة أن تشكّل نقطة بداية في مشروع أكبر لخَرطَطة الروايات العربية، مكانيًا ونّص يًا، وتَسريد الخريطة الحضرية
العربية ضمن سردية جامعة. من أهمّ الأهداف التي نعمل عليها، دراسة السبل التي تؤدي بالممارسات المكانية (بما فيها عملية
القراءة والتأويل وإنتاج المعرفة) إلى إنتاج سرديات متعدّدة، تعكس خي لًاِم مكانيًا – اجتماعيًا، يؤكد
التعددية المكانية التي غالبًا ما تهمّشها السرديات الأُحادية. وتسعى الدراسة لتخطّي مقاربة النص
الأدبي (والروائي خصوصًا) بالمدينة، التي تمّ استهلاكها في الأوساط الإبداعية والأكاديمية على حدّ سواء، وذلك من خلال التفكير مكانيًا (ليس في أبعاد المكان الجغرافية أو الطوبوغرافية وتعقيداتها أو
اختزال المدينة في النص الذي يروي عنها فحسب). إن ما نعتمده هو التفكير بالنص، بصفته مُنتِجًا ومُنَتجً ا مكانيّين، وعمليةً فاعلة في إنتاج المعرفة، بعيدًا عن تشييئه وتسطيح احتمالاته، أو حصرها في
كونه سردية وخطابًا معيّنين لا غير. ويؤسّس التفكير الذي تعتمده هذه الدراسة على أن نصّية النص (أي
ما يجعله نًّصًا) ومكانيّته (ما يجعله مكانًا، وليس شكل حاويًا الأحداث فحسب) في علائقية تبادلية،
ترتبط فيها وتتفاعل عوامل عدة في عملية مستمرة. لذا، لا نكتفي بالقول، كما ساد إلى حد الآن، إنّ النص الأدبي (والروائي خصوصًا) منَتجٌ مدينٌّيٌ، يتأثّر شكله (ومضمونه) بشكل عمارتها والخطاب
السائد فيها، بفعل قوانين وقواعد وشروط وظروف مادية وتاريخية واجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية معيّنة، بل نتوسّع إلى ما هو أبعد من ذلك، لأشكلة الطرح عبر رفض اعتبار علاقة النص
والمكان علاقةَ تماهٍ. وعلى ذلك، تركز الدراسة على المكان في النص بصفته عنصرًا سردًّيًا أساسيًا.
ويمكّن إيلاء المكان وظيفة سردية ضمن النص من فتحه على تأويلات وتفاعلات نقدية متعدّدة، تعكس تعددية التجارب الحياتية التي يشهدها. ومن أجل التوصل إلى ذلك، تقارب الدراسة النص الروائي على أنه خريطة طريق نقدية، مستفيدة من المقاربات المكانية التي ظهرت مؤخرًا في مباحث
الأدب المقارن الجديد New Comparative Literature، مثل ما يرد لدى غياتاري سبيفاك من تشديد على أهمية اعتبار النص مفتوحًا على تأويلات متعددة، وعلى أن قراءته فعل نقدي مستمر ومتجدد. وبذلك، توظّف الدراسة العلائقية التي تبنيها بين نصية المكان ومكانية النص، أداةً تحليلية في سبيل المساهمة في إبراز دور القراءة المكانية للنص الروائي، لما فيها من أهمية في إعادة النظر في مفهومَي
(1) Gayatri Chakravotry Spivak, "Megacity," Grey Room , no. 1 (2000), pp. 8–25.
النص والمكان. وتُدرج الدراسة في خضمّ تطورات النظرية المكانية الغربية والعربية، مع العمل على
التشديد على خصوصية التجربة العربية في هذا المجال. وفي هذا السياق، تعتبر الدراسة المخيال المكاني – الاجتماعي مُنتجًا للسرديات، ومن ثمّ للوجود الاجتماعي– السياسي، وتسعى لتبيان أهمية
الممارسة المكانية في فعل القراءة وإظهار دور النص ووظيفته في تفعيل الفعل التنظيري، وليس في إنتاج المعنى والمعرفة فحسب. بعد أن تستفيض الدراسة في مناقشة القضايا ذات الصلة بعلائقية النص والمكان، تستثمر حصيلة هذه المناقشة في الإجابة عن الأسئلة التأطيرية التالية: أولًا، ماذا تعني العلائقية المكانية والنصية؟ وكيف تتمظهر؟ ثانيًا، كيف تعكس تعددية السرديات المكانية والنصية ممارساتنا اليومية وتنعكس
فيها؟ وثالثًا، كيف يكون النص مفتوحًا؟ وكيف يواجهه القرّاء في تجربة تجسيدية / مجسّدة له؟ وفي
مبحثها الأخير، تستخدم الدراسة رواية هلال شومان كان غدًالما تقدّمه من رسم روائي لجغرافية مدينة بيروت، فتنتج تجربة مخصوصة للمدينة من خلال تتبّع خطى الشخصيات اليومية، سواء أكانت
خطى عادية أم متحدّية للنمطية السائدة. ندرس الرواية لأن الخريطة التي ترسمها للمدينة تُمكّن القارئ من تصوّرها ذهنيًا من خلال الدقة في توصيف الأمكنة المحددة من جهة، وفي إظهار علاقة
الشخصيات اليومية والحميمية بالمدينة، من جهة أخرى. في نص الرواية، تُرسم أحوال الشخصيات وتتمظهر مكانيًا، من خلال مخاوفها، مثل، وتبريراتها ممارسات معيّنة، وحالاتها النفسية، ومواقعها في
الأمكنة التي تسكنها، فضلًا عن نظرتها إلى المدينة وتصوّراتها لها، ماضيًا وحاضرًا ومستقبل. وتصوّر
الرواية أيضًا عمق معرفة الشخصيات بإيقاعات المدينة اليومية، وتاريخها وما مرّت به من تغير خطاباتها
والممارسات المُتاحة فيها، وأوضاعها السياسية – المكانية والاجتماعية، ومعالمها المكانية، وأسماء
شوارعها، الرئيسة منها والفرعية. وتعكس هذه الاعتبارات وغيرها ارتباط الشخصيات بأماكنها، معرفيًا
وسياسيًا وعاطفيًا واجتماعيًا وثقافيًا، ولذلك تكوّن نوعًا من الخريطة التي تقود القارئ في اتجاهات
مختلفة، وتمكّنه من قراءة تجاربها المكانية وفهم ممارساتها المكانية – الاجتماعية المتأتّية عنها. إن التلفّت إلى علائقية النص والمكان في دراسة رواية شومان كفيل بفتح أفق نصّها على علاقات القوة
التي تتحكّم في الممارسة المكانية وسرديات المكان في آنٍ (داخل الرواية وخارجها). إن ما يهمّ هذه
الدراسة هو الوقوف على آليات تحدّي علاقات القوة كما تظهرها الرواية وكيفيات تمظهرها ممارساتيًا
في أشكال الحياة اليومية التي تتحدّى التنميط، وتبني معرفة مكانية – اجتماعية تُمكّن الاستفادة منها في قراءتنا المدينة قراءة أشمل. إن الرهان في هذه الدراسة، بمكوّناتها النظرية – المفهومية والتحليلية،
هو التوفيق لا في المقارنة، أو في إسقاط تحليل خطابي من سياق إلى آخر، بل محاورة العمليتين بفعل علائقية تفرضها مكانية النص ونصّية المكان، حيث يتم تخطّي الفخّ الديالكتيكي التوفيقي. وبذلك
(((برز اهتمام بعض الكتّاب العرب بمفهوم الفضاء الاجتماعي، من خلال الاعتماد على مفهوم المكان الكانطي، لكن تأثر
كثيرون، بالأخص، بأعمال المنظّر الفرنسي الماركسي هنري لوفيفر، وكذلك أعمال روبرت أزرا بارك، وغاستون باشلار. واهتم
إدريس مقبول بدراسة المدينة والمكان من وجهة نظر سوسيولغوية، ينظر: إدريس مقبول، الإنسان والعمران واللسان: رسالة في
تدهور الأنساق في المدينة العربية (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2020 (((هلال شومان، كان غدًا (بيروت: دار الساقي،.)2017
لا يتمّ اختزال المدينة إلى اعتبارها مجرّد نص يُقرأ، ولاالنص باعتباره مكانًا أو شكل مادًّيًا صرفًا، حيث
تكون مقاربة المكان بصفته عملية إنتاج يومية، وليس باعتباره شيئًا مادًّيًا بحتًا.
أولا: العلائقية المكانية - تحليلية النصية أداةً
1. مكانية النص ونصّية المكان
يؤسّس وضع مكانية النص ونصّية المكان في مركز العملية النقدية والمحاولة التأويلية التي تقارب النص، على اعتبار النصية والمكانية طرفين في علائقية مفتوحة، وليست جدلية، تتجاور فيها الاحتمالات والصراعات التي يختزنها نظام الأشياء من تركيبات وترتيبات اجتماعية – مكانية Socio– spatial configurations and organizations. ولهذه التركيبات والترتيبات أبعاد سياسية وثقافية وأيديولوجية، تتمظهر في الحياة اليومية الممارساتية، وفي الخطاب العام والرسمي الذي يُهندِس إيقاعات تلك الحياة والسرديات المتأتية منها. وتفرض التركيبات المكانية والعمرانية تركيبات وتنظيمات اجتماعية معيّنة، تحدّد أيّ الفئات الاجتماعية في إمكانها السكن فيها، ونوعية حياتها اليومية، وماهية
سردياتها المعيشة. وتؤثّر هذه الترتيبات الاجتماعية بدورها في تطوّر المكان وتغيّره عبر الزمن (عبر
استخدامه)، أو)تُعيد إنتاج التركيبة المهيمنة أو السائدة (عبر استهلاكه. أما السلطة القائمة، فتعمل عبر تقنيات قوة واستراتيجيات تحكّم اجتماعي على الحفاظ على شكل هذه العلاقات الاجتماعية. ويكون الخطاب حّيزً ا من تلك التقنيات، فتقترن صورة المكان وتصوّره بخطاب معيّن، يحافظ عليه،
أو يُعيد إنتاجه بالشكل الملائم للحفاظ على سلطة السلطة. وتقترن مكوّنات هذا التشكل المادية والمكانية والاجتماعية والخطابية، لتشمل إنتاج الحياة اليومية (ونوعيّتها وتجربتها) والتجربة المكانية
والمعرفية، حيث يؤثّر في عملية إنتاج المعنى والمعرفة التي تقع ضمنها الممارسات الأدبية والنقدية وأشكالها. وفي أسوأ الأحوال، فإنّ طغيان سردية واحدة دون غيرها، يؤدي إلى تفرّد تجربة مكانية
واحدة وتنميطها وتطبيعها وتيسير هيمنتها، حيث تصير الحياة اليومية مبرمجة لتلائم فئة معيّنة من البشر،
وتستثني فئات أخرى، ومن ثّم تُهمّشها، وغالبًا مايتمّ ذلك عبر فرض خطاب ونظام معيّن (بالمعنى
(4) Robert Tally Jr., Spatiality (London: Routledge, 2013); Barney Ward & Santa Arias (eds.), The Spatial Turn: Interdisciplinary Perspectives (London: Routledge, 2009); Robert Tally Jr., Geocritical Explorations: Space, Place, and Mapping in Literary and Cultural Studies (New York: Palgrave Macmillan, 2011); Kevin R. McNamara (ed.), The Cambridge Companion to The City in Literature (New York: Cambridge University Press, 2014); Adam Hansen, "Introduction: Narrating Cities," Journal of Narrative Theory , vol. 39, no. 3 (2009), pp. 271–279;
ياسين النصير، مدخل إلى النقد المكاني: الخطاب، الحدود – المألفة – التفضّي – الموضعة، المابين – المسافة – الاستعارة – الكفاءة
(دمشق: دار نينوى، 2015)؛ علي عبد الرؤوف، مدن العرب في رواياتهم (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.)2017
(5) Henri Lefebvre, The Production of Space , Donald Nicholson–Smith (trans.) (Malden: Blackwell Publishing, 1991). (6) Ibid., p. 43. (7) Henri Lefebvre, The Critique of Everyday Life: The One–Volume Edition (London: Verso Books, 2014); Michel Foucault, The Archaeology of Knowledge and the Discourse on Language , A. M. Sheridan Smith (trans.) (New York: Pantheon Books, 1972).
البيوسياسي، أو بفعل السياسيات الحيوية). ومن خلال الطمس والتسكيت متفاوتَي الدرجة بحسب أنواع السلطة القائمة، لا يُسمح بظهور أي سردية معارضة أو مخالفة تهدّد بقاء ذلك التشكّل واحتمالية إعادة إنتاجه؛ ما يؤدي إلى الطمس والتسكيت بدرجات متفاوتة، باختلاف أنواع السلطة الفارضة.
2. المخيال والسلطة والممارسات النقدية داخل النص وخارجه
بهذه الاعتبارات، يُقارَب النص بوصفه مكانًا تتفاعل فيه وضمنه سرديات مختلفة للمدينة ومحاولات متعدّدة لإنتاج معنى ومعرفة مكانية – اجتماعية. فلا وجود لأيّ مكان/ نص حيادي أو متجانس مطلقًا. وتُنتج كلّ تركيبة اجتماعية – مكانية، بالضرورة، "آخر" ما، تقيس من خلاله تميّزها واختلافها عنه. فيُعرَف
ويُعرّف كل مكان ووظيفيّته بفعل هذه العلائقية Relationality، ولا يمكن دراسته بمعزل عن علائقيّته
بالأمكنة الأخرى، مشابهة له كانت أم مختلفة. بعبارة أخرى، تقوم التركيبات الاجتماعية بإنتاج الاختلاف Difference والسرديات المتعددة التي تراوح بين الإظهار والإخفاء، وفقًا للسياسات المتّبعة، ولمصالح السلطة القائمة. ما س علاقة كلّ هذا بالنص الروائي؟ تتمظهر التجارب المكانية في ممارساتِيَر فردية أو جماعية معيّنة
وأدائياتها. فطريقة عيش، أو سكن، مكان معيّن تؤِّطِر نوعية الحياة التي يُنتجها المكان، وتتحكّم فيها،
فيستحيل فهم التجارب اليومية من: كيف نتكيّف مع أماكننا؟ إلى كيف نُنتِج مساحاِتنا الخاصة؟ وكيف
نُفاوض تركيبة معيّنة، أو نتصدى لها، أو نعارضها؟ وكيف نتحدّث عن أماكننا؟ إن النص والخطاب والسردية، مثلها مثل المكان/ المدينة، عملية انتقائية – إقصائية، قادرة على إخفاء ما تريد وإظهاره، حيث تُقصي كلّ ما، ومن، يتعارض معها، ومع صورتها المبتغاة. لذلك فهي أيضًا
منتِجة الاختلاف الذي في حالات معيّنة يكون مبعدًا عن الأنظار. ولا يقتصر إنتاج الاختلاف على إنتاج
احتمالات مغايرة لما هو قائم فحسب، بل يشمل أيضًا إنتاج احتمالات مقاوِمة لتلك المهيمنة، تتصدّى لها ولسيطرتها. ولذلك، إذا ما ركزّنا على نصية المكان، نستطيع أن نعامل المدينة، كما نعامل النص المفتوح؛ أي أن نعتبرها جامعة لسرديات متعدّدة ومختلفة لما وصفته دورين ماسي بتشاركنا الوجود Throwntogetherness، وهي حالة وجودية تحيلنا إلى ضرورة النظر إلى المكان بوصفه ممارسة. بهذا المعنى، يتعدّى النص هنا الصفحة التي تحتويه؛ إذ لا يمكننا، من وجهة نظر أدبية – مكانية، اعتبار
(8) Vernon W. Cisney & Nicole Morar (eds.), Biopower: Foucault and Beyond (Chicago: The University of Chicago Press, 2016). (9) Lefebvre, The Production of Space. (10) Doreen Massey, For Space (London: Sage Publications Ltd, 2005).
(((1 ينظر:
Ash Amin & Nigel Thrift, Cities: Rethinking the Urban (Cambridge: Polity, 2002); Ash Amin & Nigel Thrift, Seeing Like a City (Cambridge: Polity, 2017). (12) Massey. (13) Ibid., p. 154.
النص وجودًا مجّر دلًاّا وثابتًا، وحتى مكانًا/ فضاءً متجانسًا. من هنا تمكن الاستفادة من الفرق الذي أصّر عليه عبد الفتاح كيليطو بين النص واللانص، إضافة إلى إصراره على تعذّر تعريف النص. فالنص، بوصفه موضوع بحث، يقاوم التعريف الثابت، ويفرض نفسه وجودًا مِرنً ا، عبر مختلف الحقول المعرفية والسياقات والأماكن والأزمنة والثقافات. ولذلك، فإنّ خصائصه قابلة للتغيّر والتموضع. والنص في هذا كالمدينة؛ أرض خصبة لاحتمالات معرفية، وانطلاقات مفاهيمية، وتأويلات نقدية متعدّدة. وبهذا المعنى، اعتبره إتيان باليبار فضاء التعارض الأيديولوجي. ويمكن وصل هذه الفكرة، بوجهة نظر ميشيل فوكو عن النصية والخطاب، حين ذكر أنّه (الخطاب) يُعنى بالتعددية في النص، وكذلك بالتاريخ والسلطة والمعرفة والمجتمع. من هذا المنطلق، يمكننا القول إنه لا يمكن أن يكون نّصٌ ما واحدًا، بالطريقة نفسها التي يستحيل فيها على مدينة ما أن تكون المدينة نفسها لجميع ساكنيها. تأتي عملية القراءة هنا، عمليةً انتقائية هادفة إلى إنتاج معنى، نخوضها بأجسادنا ومِخيالنا معًا. فتتشابه عمليّتا إنتاج النص والمكان في كونهما تنبثقان من تصوّر ما، أي مخيال معيّن، وتُعنَيان بممارسة موجّهة. في سياق الفضاء الاجتماعي، يسمّي لوفيفر هذا المخيال المخيال المكاني Spatial Imaginary الذي يتطوّر بعد ذلك إلى خريطة أو رسم، قبل أن يصل إلى التطبيق العملي لبناء المكان (وتجربته التي تلائم الصورة والتصوّر، والتي عادة ما تطِّبِق وظيفة أيديولوجية وسياسية)، فيصبح المكان عمل فنًّيًا Oeuvre وسياسيًا في آن، كما يسمّيها لوفيفر. تتبع عملية إنتاج النص مسارًا مشابهًا، بما في ذلك الانطلاق من مخيال ما، أو من احتواء تجربة إنسانية معيّنة والتعبير عنها، أو من ناحية وظيفية خطابية وسياسية معيّنة. فالمكان (والنص) مُنتَج، وعملية إنتاج في آن Product and process، وللمشّاء، كما للقارئ، دور أساسي في استخدام هذا المُنتَج، وفي عملية الإنتاج، أو إعادة الإنتاج للمكان وخطابه ومعناه، فلا لزوم لكتاب من دون قارئ، ولا لمدينة من دون سكان.
(((1 عبد الفتاح كيليطو، الأدب والغرابة (ميلانو: منشورات المتوسط،.)2020
(15) Verena Andermatt Conley, Spatial Ecologies: Urban Sites, State, and World–Space in French Cultural Theory (Liverpool: Liverpool University Press, 2012). (16) Edward Said, "Introduction: Secular Criticism," in: Edward Said, The World, the Text, and the Critic (Cambridge: Harvard University Press, 1983).
(((1 يرافق هذا المخيال عند لوفيفر ممارسة مكانية واعية، قادرة على قراءة السنن المكانية – السياسية وإنتاج المعرفة، وقد تحدّث
عنها بالتفصيل في كتابه عن إنتاج الفضاء الاجتماعي. (((1 يتخطى العمل، وما يسمّيه لوفيفر Oeuvre، كونه مُنتجًا ماديًا وعملية إنتاج، ليتضمّن طابعًا إبداعيًا. فعملية الإنتاج هذه تتكئ
على المخزون الفكري والنقدي لدى مُنشئها، وقدرته على توظيفها في اللحظة الإبداعية عملًّيًا، وهي أيضًا عملية خاضعة للتأثر
والتأثير والتغيير. لذلك يمكننا أن نعيد النظر فيها باستمرار، وتغييرها بما يتناسب مع متطلّبات حياتنا اليومية ومستلزمات العيش في مكان ما. وقد شكلت هذه الفكرة في أعمال لوفيفر نقطة انطلاق إلى فكرة أخرى توسع فيها، وهي الحقّ في المدينة.
(19) Lefebvre, The Production of Space.
3. المكان عنصر سردي تخطيطي
المكان، بوصفه عنصرًا سرديًا، يصبح مُنتِ جًا للأحداث التي تتحدّد بدورها به أيضًا. فكون الرواية "نتاج
علاقات تتفاعل في المدينة، بكلّ ما تعنيه الأخيرة من مظاهر عمران ونمط حياة واختلاط بين البشر، وانفتاح على الآخر، تبدو المدينة حاضنة لها من جهة، ومن جهة ثانية فضاءً لأحيائها وشوارعها وحواريها،
وأحلام ساكنيها، وشروط حياتهم وتفاعلهم وتآلفهم، أو اغترابهم فيها وعنها، ومواقفهم منها، وكشفهم لجمالياتها وقُبحها، فضاءً يضمّ فضاءات". لذلك، يُنتج المكان هنا الحياة الاجتماعية وأشكالها
وتمّثلّاتها الثقافية والسياسية والأدائية. ويؤكّد علي عبد الرؤوف أن "العلاقات المكانية/ الزمانية تخترق البرنامج السردي أيضًا في كلّ عمل روائي، فلا أحداث، ولا شخصيات، خارج المكان الروائي، حتى لو كانت الشخصيات والأحداث محتملة، متخيّلة، أو عالم ميتافيزيقيا محضًا". وبذلك، يمكن، إذًا،
أن نعتبر الفضاء الروائي مُنتجًا اجتماعيًا– مكانيًا، ولئن استمد بعض تفاصيل واقعه من خارجه، فإنّه
عالَم اجتماعي وسياسي متكامل في شخصياته وشخوصه وأحداثه. يعتبر ميشيل دو سيرتو أنّه يمكننا معرفة المدينة والكشف عن سردياتها من خلال مقاربتَين: أولاهما مقاربة
النظر من أعلى، التي تكشف لنا تركيبات المدينة وتخطيطها؛ وثانيتهما من خلال التجربة المباشرة للمدينة من تحت، وهي التي يعتبرها دو سيرتو التجربة الأكثر نجاعة في التعرّف إلى المدينة، وذلك من خلال
المشي فيها. ما يقابل هذه المقاربة في الأدب المقارن، هما مقاربتا القراءة البعيدة، والقراءة الفاحصة. يعتبر فرانكو موريتي أن السرد ممارسة مكانية؛ إذ إنّه يتمتع بميزة تمثيلية، وهو اعتبار تستند إليه هذه الدراسة. لكنها تفترق عن موريتي، خاصة مع مقاربته للنص التي تدعو إلى القراءة البعيدة. فعلى الرغم من اعتباره فعلَ السرد فعل تخطيطيًا، فإنه وظّف الخرطَطة لخدمة مقاربة الأدب كّم يًا، وإنتاج خريطة
تخدم التاريخ الأدبي الذي لم يتخَّطَ أزمة الوقوع في تصنيفات نمطية Canonical. وبذلك انشغل موريتي بكشف نظام الفلك الذي تدور في وسطه أعمال أدبية قام باختيارها، فضل عن تصنيفات تخصّ الجنس الأدبي، واعتبارات بلاغية وبدع أدبية وغيرها. لكنه في معالجته الكمية للأدب هذه أهمل
السياق والأدبية والنصّية، مركًّزًا على التموضع والتنظيم والعلاقة، بدل من احتمالات النص نفسه،
فأغلق النص، بدل من فتحه. من ناحية أخرى، قام أصحاب القراءة الفاحصة، أمثال جاك دريدا، بنفي ما هو خارج النص، بينما حلّ أمثال إدوارد سعيد وسبيفاك بين الاثنين، معتبرين النص ممارسة وامتدادًا لما هو خارجه، مع اعتبار
(((2 عبد الرؤوف، ص.55 (((2 المرجع نفسه.
(22) Edward Soja, Postmo d ern Geographies: The Reinsertion of Space in Critical Social Theory (London: Verso, 1989). (23) Michele de Certeau, The Practice of Everyday Life (Berkley: University of California Press, 1984). (24) Franco Moretti, Graphs, Maps, and Trees: Abstract Models for. Literary History (London: Verso, 2005); Franco Moretti, Distant Reading (London: Verso Books, 2013); Franco Moretti, "Conjectures on World Literature," in: Christopher Prendegast (ed.), Debating World Literature (London: Verso, 2004), pp. 148–162.
التموقع السياسي – الثقافي والسياق.، تُميل هذه الدراسة إلى المقاربة الأخيرة، فتبتعد عن النص لكشف نظامه المهيمن، وتقترب منه، لكشف ما لا يُرى من بعيد من خروق وفروق واختلاف، مع الاتّكاء الدائم على السياق، فتصبح القراءة كالمشي، ممارسة مستمرة، اجتماعية – سياسية. ليس المقصود بالمشي تلك الحركة في المدينة التي تسعى لغاية ما فحسب؛ إذ يصف دو سيرتو فعل المشي في المدينة بالقصيدة الطويلة، لما له من القدرة على "النطق" والاستنطاق. لذلك هو يشبّهه
بالكتابة، مؤّكدً ا قدرة المشّاء في أن يخطّ سرديّته على طرق المدينة، وأن يكون له دور فاعل في تغيير الحياة اليومية، وفي إنتاج المعرفة أيضًا من هنا، يأتي النص (أًّيًا كان شكله)، بماديته واجتماعيته، شبيهًا بالفضاء الاجتماعي، كعالم ينقشع أمامنا من خلال ممارستنا وتحركاتنا اليومية فيه، أو من خلال تجربتنا له ومحاولاتنا فهمه.
ثانيًا: المشي والتجسد والخرططة: مقوّمات القراءة النقدية
يخضع النص لاعتبارات تجعل القارئ/ الباحث يخوض معه تجربة جسدية وفكرية وتمرينًا على الإدراك وإنتاج المعرفة، فيصبح القارئ كما المشّاء، يتّبع خريطة النص للوصول إلى المعرفة. لكن عملية القراءة المكانية، كأيّ عملية نقدية، ليست مفتوحة بطريقة مطلقة. فهي مرتبطة بالناظر/ المتلقّي
وحمولته الشخصية، وموقفه، وبالقدر ذاته، ترتبط بالعوامل نفسها التي نتجَ النص من خلالها، أي أُ
شروط إنتاجه وظروفه، فضل عن الحدود التي يفرضها واقع العالم الروائي.
1. القراءة فعل وممارسة
تتطلّب أي عملية قراءة لمكان ما وعيًا ومعرفة بالبيئة المبنية، وبطريقة استخدام المكان على الصعيد
اليومي، وبطريقة السكن الفاعل Inhabiting من السكان وطبيعته أيضًا. لذلك، فإنّ أي تجربة مكانية إنما تنمّ عن ممارسة اجتماعية – سياسية متجسّدة/ مُجَسَّدة Embodied، يتأتى منها تأكيد
(((2 لمزيد من التفاصيل عن النظرتين، ينظر: The World, the Text, the Critic Said,؛ كيليطو؛
Moretti; Franco Moretti, "Conjectures on World Literature," Debating World Literature , Christopher Prendegast (ed.) (London: Verso, 2004), pp. 148–62; Jacques Derrida, On Grammatology , Gayatri Chakravorty Spivak (trans.) (Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1997). (26) de Certeau, p. 102. (27) Lefebvre, The Critique of Everyday Life.
تُعتبر هنا تجربة المكان تجربة تنصّ على اعتبارها تتخطّى مجرّد السكن بمعنى الوجود واللزوم في المكان إلى اعتبارات (((2
شعرية، متجسّدة، وسياسية. للمزيد في هذا الخصوص، ينظر:
Martin Heidegger, "Building, Dwelling, Thinking," in: Martin Heidegger, Poetry, Language, Thought , Albert Hofstadter (trans.) (New York: Harper Colophon Books, 1981); Jeff Malpas, Rethinking Dwelling: Heidegger, Place, Architecture (London: Bloomsbury Academic, 2021); Gilles Deleuze & Felix Guattari, A Thousand Plateaus: Capitalism and Schizophrenia , Brian Massumi (trans.) (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1987); Gaston Bachelard, The Poetics of Space , Maria Jolas (Trans.), Richard Kearney (Intro.), Mark Z. Danielewski (Foreword) (New York: Penguin Books, 2014).
خطاب المكان ونظامه أو مفاوضتهما أو رفضهما، ولا يكون ذلك ممكنًا إّل متى صاحبته معرفة وَتمَوقُع مكانية Positionality سياسي من الفرد الخاضع لهذه التجربة، يعكس موقعه/ ا في الترتيب
المكاني – الاجتماعي الذي هو/ هي جزء منه. بمعنى آخر، تعكس طريقة استخدامنا المكان وسُكننا فيه موقعنا ضمن شبكة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي نتحرّك بموجبها،
وتنعكس على طريقتنا في الحديث عن مدننا. ترسم لنا هذه الشبكة خريطة طريق، وتحضّرنا لتعلّم ماهية هذه الأمكنة وكيفية استخدامها، أي الممارسات النمطية المقبولة، والمتوقّعة منا. وتكشف لنا القراءة الفاحصة لهذه الخريطة، والأنماط التي تنتجها، كيف تُحكَم حياتنا اليومية وإيقاعاتها وإنتاجنا المعنى والمعرفة، كما تكشف لنا ما تخفيه هذه الأنماط والنسقيات والعلائقيات من نُظم وعلاقات، من حيث تكشف لنا أيضًا الفروق والاختلافات والخروق واحتمالات نشوء سرديات أخرى مختلفة، وليست بالضرورة معارضة. يمكن اعتبار فعل القراءة نوعًا من العبور إلى عالم جديد، نتواصل ونتماهى أحيانًا من خلاله مع أبطاله. ويكاد يكون ذلك مستحيل، لو لم يتمكّن الكاتب من تحديد المألوف (بمعنى جعله Relatable)، أو رسم عالم على الورق، يُمكننا الوثوق، ولو لوقت قصير، بأنّه حقيقة. فكمايقول إدوارد سوجا
كلّ عالم روائي يحمل في ثناياه مزيجًا من الحقيقة والخيال، ويبني لنا واقعًا اجتماعيًا نعيش فيه نحن
القرّاء، للوقت الذي ستأخذه رحلتنا بين صفحاته. لا يعبر القارئ النص خطًّيًا. فالرواية المعاصرة خصوصًا تتحدّى النمط التقليدي للنوع، وتأخذنا
في جميع الاتجاهات. فتكسر توقّعات القارئ، في الشكل أو في طريقة السرد، أو حتى في التحرّك
المستمر في زمن الرواية نفسه. على ذلك، تكون القراءة عملية تتطلّب الحركة الدائمة عبر الزمان والمكان معًا؛ ما يجعلها، تمامًا كالمشي في المدينة، تجربة جسدية/ مجسّدة. ونكاد نضيع فيها،
لولا إرشادات يوظّفها لنا الروائي، على شكل دلالات وسِنن مكانية وزمانية، تُمكّننا من تخيّل ظروف
الأبطال وُأطر تجاربهم الاجتماعية والسياسية واليومية. فمن دون هذه الإرشادات، يصعب على القارئ مجاراة النص وفهمه وتحديد نقاط منطقه، أو حتى تحليله تحليل دقيقًا. وبناء عليه، تكون الإرشادات ما يجعل النص متماسكًا ومقروءًا.
(29) Kevin Hetherington, The Badlands of Modernity: Heterotopia and Social Ordering (London: Routledge, 1997). (30) Soja, Postmodern Geographies. (31) Robert Young, "Contemporary Literary Theory: Its Necessity and Impossibility," The Newest Criticisms , vol. 9, no. 3 (1982), pp. 165–173; Fredric Jameson, The Political Unconscious: Narrative as a Socially Symbolic Act (New York: Cornell University Press, 1981); David Duff (ed.), Modern Genre Theory (London: Routledge, 2016); Georg Lukács, The Theory of the Novel: A Historico–Philosophical Essay on the Forms of Great Epic Literature , Anna Bostock (trans.) (London: The Merlin Press, 1971); Paul Dawson & Maria Mäkelä (eds.), The Routledge Companion to Narrative Theory (New York: Routledge, 2022); Jeffrey R. Di Leo, Contemporary Literary and Cultural Theory: An Overview (London: Bloomsbury Publishing, 2023); Raman Selden, Peter Widdowson & Peter Brooker (eds.), A Reader’s Guide to Contemporary Literary Theory (London: Routledge, 2016). (32) Setha Low, "Embodied Space(s): Anthropological Theories of Body, Space, and Culture," Space & Culture , vol. 6, no. 1 (2003), pp. 9–18; de Certeau.
تأتي هذه التوجيهات لتحدّد البدايات ونقاط الانطلاق الروائية الحدثية والانعطافات الزمكانية والسردية معًا، كما تُحدّد لنا معالم مكانية مهمة لتشكيل سياق الأحداث، فتصبح قدرتنا على تصوّرها وتفاصيلها
وفهم النص الأدبي ممكنةً، من خلال قدرتنا على استيعاب الفضاء الاجتماعي في السياق المحدّد من الكاتب. وتصبح الأمكنة والفضاءات السردية، من حارات وبيوت وشوارع وأبنية وأزقّة ومدن، وغيرها من الأمكنة التي يتكوّن منها عالم الرواية تلك، أمكنة حاضرة في مخيّلتنا (التي ستختلف من قارئ
إلى آخر)، ومرافقة لنا في رحلتنا عبر النص، كأماكن واقعية، حية، مَعيشة. وهو ما يُمكنّنا من اعتبارها
ومعالجتها بصفتها أماكن حقيقية. يقول عبد الرؤوف: "الرواية التي تستدعي المكان، تعكس حقيقته وممكناته المادية واللامادية. والأمكنة في صناعة الرواية هي الإطار الذي تجتمع بين جنباته الأحداث في العمل الروائي، وفي ذات الوقت الخلفية التي تقع فيها الأحداث وتكتمل". كما لا يمكن اعتبار القارئ هنا مجرد عابر سبيل، يسير مُجبرًا في اتجاه واحد، أو نحو وجهة واحدة، فهو ليس مُسّيرًا
بصفة مطلقة يحول دون احتمالية المشاركة الفاعلة في إنتاج المكان (الروائي وما تخطّاه) والمعنى،
بقدر ما هو /مُرشَد؛ فللقارئ دور مهمّ في كشف فهم تلك السِنن المكانية وإنتاج الاحتمالات المعرفية
والتأملات النقدية، فضل عن قدرته على إنتاج النص نفسه (فكلّ فعل تأويل عبر القراءة يمكن اعتباره عملية إنتاجية)، وبذلك تكون الأمكنة (أي الفضاءات الروائية) مفتوحةً على احتمالات نقدية وتحليلية واستخدامات متعدّدة، تتوفّق بحسب تجربة القارئ لها وفيها. تُمكنّنا هذه المقاربة من قراءة النص الروائي مكانيًا، باعتباره مكانًا في حدّ ذاته، يحتوي بدوره
فضاءات وأمكنة تكوّن العالم الروائي، وتدور ضمنه وبفعله أحداث الرواية. فتكون علاقة "الرواية
بالمدينة، وعلاقة المدينة بالرواية" إذًا، علاقة قائمة على التواصل والتبادل؛ فهي علاقة "متناقضة ومتشعبة، تتجاوز طرفيها لتضمّ طرفًا ثالثًا هو القرّاء، سكان المدينة".
2. التجربة المكانية - الجسدية/ المجسّدة
يُعتبر الجسد فضاءنا الأول والأقرب والأكثر حميمية، لذلك لايمكن عزل فهمنا للفضاء أو المكان
عن فهمنا للجسد، باعتبار أن تجربتنا لأمكنتنا ما هي إّل امتداد لتجربتنا وعلاقتنا بجسدنا. ومن غير الممكن خوض أي تجربة مكانية خارج نطاق الجسد. وهذا ما يثبّت استحالة اعتبار الفضاء الاجتماعي
فراغًا منقطعًا عن سياقه، نتحرّك فيه، أو يُحرّكنا بصفة عبثيّة، أو بلاأهداف أو تبِعات. ولا يمكن أيضًا
اعتبار السياق مطلقًا، ونكران فردانيته التي لن تتكرّر بشكلها الآني/ الحالي، وإن تشابهت مظاهرها
(((3 عبد الرؤوف، ص.56 (((3 للمزيد من مكوّنات النص التي تقع خارجه وتنتجه بدورها، ينظر:
Gerard Genette, Paratexts: Thresholds of Interpretation , Jane E. Lewin (trans.) (Cambridge: Cambridge University Press, 1987); Gerard Genette, Narrative Discourse: An Essay in Method , Jane E. Lewin (trans.) (New York: Cornell University Press, 1980); Julia Kristeva, Desire in Language: A Semiotic Approach to Literature and Art , Leon S. Roudiez (ed.), Homas Gora, Alice Jardine & Leon S. Roudiez (trans.) (Columbia: Columbia University Press, 1969).
(((3 عبد الرؤوف، ص.19 ((3(لقد تطرّق لوفيفر في كتابه إنتاج الفضاء الاجتماعي (المذكور سابقًا) إلى علائقية الجسد بالمكان.
وتمظهراتها أو تقاطعت مع غيرها. فلا يتحقّق الحدث في فراغ من أي نوع. لذلك يتضمن الفضاء الاجتماعي مجموعة علاقات وتركيبات وخصائص تجعل منه هذا المكان دون غيره (أي تميّزه من الأماكن الأخرى، وإن تشابهت في النوع). فتكون تجربتنا المكانية بهذه الطريقة، وممارساتنا الاجتماعية اليومية، مرتبطة بهذه الشروط لتحقيقها ومحدودة بها. وتخوّلنا، عبر قراءة دقيقة ومعرفية، تكوين فكرة عن فاعلية المكان وممكناته، إضافة إلى قيوده وتحدياته لنبنَي طرًا لممارساتنا، بماأُ في ذلك إمكانية أي ممارسة مقاوِمة أو بديلة ممّا تفرضه البنية السائدة. ففي الوقت نفسه الذي تحدّد وتؤطّر لنا تحرّكاتنا اليومية ومفاهيمنا عن العالم وعلاقتنا به، تتضمّن هذه الفضاءات مساحات لمقاومتها إذا ما ضاقت بنا، أو تعذّرت عن إتاحة حياة يومية تخدم مصالحنا بوصفنا سكانًا فيها. ويعتبر فوكو أن كلّ بنية اجتماعية سائدة تتضمّن شروطَ مقاومتها وظروفَها، وتوفّر أدوات وأساليب لذلك، حيث يمكن الأفراد والجماعات استغلالها. وإذا ما اعتبرنا الرواية عالمًا وواقعًا اجتماعيًا يُعبّر عن حالة إنسانية وتجربة اجتماعية معيّنة، ويحتوي بدوره فضاءات عدة، فإنّ قراءة النص الأدبي، بوصفه خريطة، تكون مفتاحًا لفهم الشخصيات والأحداث والتطوّرات، ودراستها جميعها مكانًّيًا Spatially، يؤدّي الغرض نفسه: الكشف عن النظام الذي يحدّد التركيبات الاجتماعية والمكانية الموجودة في العالم الروائي ويؤطّرها (كأننا ننظر من أعلى)، وإنتاج معنى ومعرفة متجدّدة وعلاقات مفتوحة على احتمالات وتجارب وسِيَر جديدة
(من خلال القراءة النقدية الدقيقة، كأننا ننظر من تحت). ويقودنا ذلك عندئذٍ إلى طرائق مغايرة لفهم الشخصيات وتجاربها والأحداث التي تدور في الرواية. من هنا تأتي أهمية التنبّه بصفتنا قرّاءً إلى خريطة الكاتب الأدبية Literary Cartography/ Literary Map، ليكون لنا دور بارز وواعٍ ومتفاعل، في إنتاج الجغرافيا الأدبية Literary Geography، الخاصة بقراءتنا التي تشكّل بدورها مفتاحًا لعالم الرواية، وبداية علاقتنا المعرفية والنقدية بالنص.
(((3 للمزيد من التفاصيل حول التنظيمات الاجتماعية والسياسية، بما في ذلك السياسات المكانية، ينظر لوفيفر وكتابه إنتاج الفضاء
الاجتماعي الذي سبق أن ذكرناه، إضافة إلى:
Michel Foucault, "Of Other Spaces," in: Neil Leach (ed.), Rethinking Architecture: A Reader in Cultural Theory (New York: Routledge, 1997), pp. 330–336; S. Susan, "The Place of Space in Social and Cultural Theory," in: A. Elliott (ed.), Routledge Handbook of Social and Cultural Theory (Abingdon: Routledge, 2014), pp. 337–357; Edward Soja, "The Socio–Spatial Dialectic," Annals of the Association of the American Geographers , vol. 70, no. 2 (1980), pp. 207– 225; Edward Soja, The Political Organization of Space (Washington: The Association of American Geographers, 1971).
(((3 يمكن هنا الاستفادة من الأعمال التالية التي تطرّقت إلى الحق في المدينة:
David Harvey, "The Right to the City," Debates and Developments: International Journal of Urban and Regional Research , vol. 27, no. 4 (2003), pp. 939–941; Robert Park & Ernest W. Burgess, The City (Chicago: The University of Chicago Press, 2019); Phil Hubbard, The City (London: Routledge, 2018); Henri Lefebvre, Writings on Cities , Eleonore Kofman & Elizabeth Lebas (trans.) (Oxford: Blackwell Publishers, 2000); Lefebvre, The Critique of Everyday Life. (39) Foucault, "Of Other Spaces."
3. مكانية النص الأدبي: الخَرطَطة بوصفها قراءة نقدية
في عملهما الأدبي المشترك عالم بلا خرائط، يكتب عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا: "أعطني خريطة، ثمّ دعني أرى ما الذي تبقّى لي لأفتح العالم". يأتي هذا الاقتباس في سياق حديث بين علاء سلوم، بطل الرواية، وكاتب ومؤلف فيها، وبطل روايته رياض برهان. في هذا الحوار الذي يمتدّ على طول ثلاث صفحات أو أكثر، يلوم رياض علاء على عدم إعطائه الفسحة الكاملة، ليُصبح ما يريد،
وأن يقول ما يريده، أي أن يستدلّ على طريقه؛ وذلك لأنّه، كما يزعم رياض، لم يُعطِه خريطة الرواية، بل رماه فيها عاريًا، لا حول له. فضاع رياض، بحسب قوله، وظلمَه علاء. يُدخلنا هذا الحوار بين المؤلف وأحد أبطال روايته في متاهات عالم الكتابة، فنتأرجح بين اضطرابات تجعلنا نعيش مع الكاتب آلام الكتابة الجارحة وضرورة الوضوح في الخطوط والدوائر التي تبني هيكل الرواية ومرجعيتها الزمكانية. فكما يضيع بطل الرواية في ثنايا النص الأدبي وفضاءاته، من دون خريطة، يضيع القارئ في ظلّ عدم توافر خريطة طريق تشير إلى نقاط ارتكاز معيّنة، يمكن القارئ الاستناد إليها، فضل عن ترتيب معيّن لتحديد الأمكنة والشخصيات والأحداث. ولا نعني هنا الترتيب الكرونولوجي الخطّي بالضرورة، بل أي ترتيب (بمعنى Configuration) يمكن القارئ المرور من خلاله في الرواية، بطريقة تُفهَم وتنتِج معرفة نفعية ما. وهنا تكمن أهمية القراءة المكانية. فإن مقاربة النص بصفته فضاءًاجتماعيًا قائمًا بذاته، بأبعاده المكانية والاجتماعية والتاريخية التي تمكّنه من إنتاج العالم الروائي وتسمح للشخصيات بأن تتفاعل فيه، ومن خلاله في تجربتها اليومية، وبفعل علاقات قوة ذات أبعاد حياتية ومَعيشة متعددة، يخوّلنا قرّاءً خوض تجربة جسدية/ مجسّدة عند القراءة، نختبر من خلالها مشاعر أبطال الرواية وظروفهم وأفعالهم، نلتمسها ونتذوّقها ونجد فيها معنى وترابطًا وانسجامًا، يُمكّننا من فهم النص وتطوّر أحداثه. فلايمكننا الوصول إلى معنى بمعزل عما يحدّده
لنا النص من توجيهات وإرشادات ودلالات وُأطر وسياقات، أي أنّه لاُ يمكننا قراءة الخريطة وإنتاج جغرافيتها وتحديد سردياتها. وبناءً على ذلك، فإننا حين نلحق بطل رواية ما في شوارع مدينة معيّنة، أو نجلس معه في مقهى في انتظار موعد مهم، مثل، أو ننعزل معه في زاوية بيته الجديد، فنحن نقوم بفعل التزام غير مشروط (يكون تلقائيًا أحيانًا ومؤّق تًاّا)، كنا قد قطعناه على أنفسنا بصفتنا قرّاءً. فمنقرؤه من أحداث وتفاصيل روائية، أصبحت ممكنة وذات معنى بفعل خريطة تتضمن الفضاء المادّي الملموس، وإطاره الزمني وحدوده، فضل عن شروطه الاجتماعية والسياسية التي توفّر لنا السياق العام للرواية وتنظّم الأحداث في ذهننا ومخيالنا.
(((4 عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا، عالم بلاخرائط (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر؛ المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2001)، ص.220 ((4(تحدّث كيليطو، في كتابه الأدب والغرابة، عما سمّاه "أفق الانتظار"، وهو نوع من الاستعداد الفكري لدى القارئ، بمعرفته
الأنواع والأجناس الأدبية ومتطلّباتها وشروطها ونُظمها، فيرتكز القارئ عليها باعتبارها أحد أركان الخريطة التي ستوجّهه في عملية
القراءة. ينظر: كيليطو، ص.31
4. نصية المكان الأدبي: التسريد بوصفه قراءةً نقدية
استكم ل لما ذُكر أعلاه، أستحضر هنا بيتر تركي الذي شبّه الخريطةَ بالعمل الروائي؛ إذ يعتبر
أننا حين نسأل عادة عن خريطة ما، فإن ما نطلبه حقيقةً هو قصة، ومن المستحيل أن تضمّ خريطة
واحدة جميع الاستخدامات والإرشادات المكانية، وأن تخدم جميع الوجهات والأهداف والرغبات المكانية – الاجتماعية اليومية. فكلّ خريطة تخدم غاية معيّنة، وترشدنا نحو اتجاهات توصلنا إلى
وجهات محدّدة. فالخريطة التي تُستخدم لأجل غايات عسكرية، على سبيل المثال، لايمكن أن يستخدمها من يهمهم معرفة أماكن المتاحف والمكتبات، مثل. فتكون صناعة الخرائط (وقراءتها)، كالكتابة والقراءة، عملية انتقائية وإقصائية وفقًا لغايات محدّدة المعالم، حيث نقوم، وفقًا لتركي، باختيار خريطة معيّنة تتوافق مع احتياجاتنا وغاياتنا ونوعية التجارب التي نبحث عنها. ويقول تركي
إن الكاتب يحدّد التفاصيل التي يريد لنصّه أن يشملها، إضافة إلى زخمها، عبر تحديد ماهية ما يريد
صنعه والهدف منه، فالرواية، كما الخريطة، تُعَرَّف بأهدافها، التي بدورها توجّهنا من دون التباس أو
لغط إلى وجهة أو غاية معيّنة واحتمالاتها، يمكّننا ذلك من الوثوق بها مصدرًا للمعلومات والمعرفة،
ومرجعية مُعقلَنة لاحتمالات تأويلية مفتوحة ضمن هذه الحدود. لا يعني اعتبار النص خريطة طريق اختزال أدبيّته ونصّيته، بل التعامل مع جميع هذه العوامل بصفتها
عناصر سردية تنظّم العالم الأدبي. يقول روبرت تالي إنّه عند تحديد عناصر الرواية/ الخريطة، عبر اختيار أي عناصر ستطغى على غيرها، وأي منها ستؤدي دورًا خلفيًا أو ثانويًا، وعبر تنظيمها
بالطريقة الفُضلى للتأثير في القارئ، ينجح الكاتب في تحديد نوعية الرواية ووظيفتها وهدفها، ويحمي القارئ من الضياع. وإذا كان الكاتب يقوم بعملية التخطيط هذه لتنظيم فضاءات حقيقية ومتخيّلة، يصنع من خلالها خريطة عالمه الأدبي، فإن القارئ يشترك في هذه العملية من خلال
تصوّر هذا الفضاء واتّباع وجهاته وتحديد المعاني المتحوّلة والعابرة، كما يقول تالي، التي يجدها
في الخريطة، فيُعطيها قيمة نقدية وتحليلية. ويصبح القارئ – الناقد عاِلمًا جغرافيًا، يفسّر الخريطة
الأدبية على نحوٍ يُنتج رسمًا (أو ترتيبات جديدة لإحداثيات الخريطة المرسومة)، ومن ثمّ خرائط غير
متوقعة سابقًا. هذا ما سمّاه تالي "الجغرافيا الأدبية" التي يُنتجها القارئ بفعل عملية القراءة التي
تتّبع خريطة النص الأدبية. تعتبر هذه الدراسة أن هذه الجغرافيا الأدبية تضمّ احتمالات سردية
(42) Peter Turchi, Maps of the Imagination: The Writer as Cartographer (San Antonio: Trinity University Press, 2004). (43) Ibid., p. 69. (44) Ibid. (45) Tally Jr., Spatiality , p. 54. (46) Ibid., p. 79.
(((4 للمزيد من المعلومات عن الجغرافيا الأدبية والخريطة الأدبية والعلاقة التبادلية بين القارئ والكاتب، ينظر:
Tally Jr., Spatiality ; Tally Jr. (ed.), Geocritical Explorations ; Robert Tally Jr. (ed.), The Routledge Handbook of Literature and Space (New York: Routledge, 2017); Robert Tally Jr., Literary Cartographies (New York: Palgrave Macmillan,
صلاح صالح، قضايا المكان الروائي في الأدب المعاصر (القاهرة: دار شرقيات للنشر والتوزيع،.)1997
معيّنة، يقوم القارئ بفتحها – أي أنّ القارئ يتواطأ مع النص لتسريد الجغرافيا الأدبية التي أنتجتها
قراءته هذه، عبر تتبّعه الخريطة الأدبية المحدّدة من الكاتب. ولا يكون الكاتب ملزمًا بالضرورة بأن
يتّبع سلسلة زمنية خطّية معيّنة، وهو ما صار معتمدًا في الروايات المعاصرة مثل، فيُمكّنه ذلك من
كسر السيْر الزمني، ويمكن اعتبار الكسر في حدّ ذاته أحد أنواع الخرائط. هذا فضل عن استخدام
تقنيات أدبية يّتُتيح تفعيل هذا الكسر، لكن مادّيًا أو مكانًّ ا، عبر التفكيك وتعدّد الروايات والتناصّ
والتجانس، على سبيل المثال، وليس الحصر. وإنّ كسر الشكل المادي للنصّ يجعل منه خريطة بصرية ملموسة، وليس خريطة ذهنية أو تصوّرية فحسب.
ثالثًا: الخريطة الأدبية في رواية شومان
تعتبر هذه الدراسة السياسة العمرانية والتخطيطية المتّبعة في بيروت، بعد انتهاء الحرب الأهلية (–1975 1990) رسميًا، تمظهرًا لثقافة اقتصادية ميليشياتية، كما وصّفها نجيب حوراني، وامتدادًا للعنف
المستأثر بالبلد من زمن الحرب إلى يومنا هذا، الذي تجلّى في استمرار مظاهرها (انفجارات واغتيالات و"حروب صغيرة" و"ظهور مسلّح"... إلخ). ويتجلّى العنف أيضًا في الممارسات القمعية النيوليبرالية وتقنيات القوة واستراتيجيات التحكّم الاجتماعي المتّبعة من الدولة اللبنانية وسياساتها، التي تتحكّم في حياة السكان اليومية وتجاربهم على أوجه اختلافاتها. إنّ تصوّر المدينة وطرحها بهذا الشكل في
رواية شومان، يضعها ضمن إطار وحدود حرب لم تنتهِبعد، فيمكننا ذلك من موضعتها ضمن سردية أدبية جمعية، تتبنّى الطرح نفسه، وتُمكّننا من تعقّب الأثر السياسي – الاجتماعي الذي أنتجها ومكّنها من الاستحواذ على حيّز سردت من خلاله هذا الموقف أدبًّيًا.
1. بيروت خارج الرواية، بيروت داخل الرواية
يَبانُ امتداد الحرب وعدم انتهائها في افتتاحية شومان لروايته؛ إذ يقول: "رغم كونها تُعيد ترتيب الأحداث
العامة على طريقتها، وتوسّع الهامش التخييلي في بعضها، وتبتدع أحداثًا أخرى لم تقع أصل، يمكن
القول إن معظم الأخبار المُدرجة في هذه الرواية قد حدثت فعل في لبنان في العام 2016 أو قبله
بأعوام، أو إنّها ستحدث على الأرجح في العام 2017 أو بعده بأعوام". تدور أحداث الرواية في الزمن الروائي الحاضر، بعد 27 عامًا على انتهاء الحرب اللبنانية الأهلية
رسمّيًا. يعكس تصوير شومان للمنظومة المسيطرة في بيروت الهيمنة الاستراتيجية للدولة على التاريخ
والجغرافيا على حدّ سواء؛ فهي تسعى لمحو الحرب من الذاكرة الجمعية اللبنانية، ولتشتيت اللبنانيين وإبعادهم عن مدينتهم وحقّهم المديني. يتجلّى ذلك في الرواية عبر حضور كثرة الإعلانات مثل، والدعوات المكثّفة للاستهلاك المفرط للكماليات، فضل عن الحفلات الموسيقية الراقصة والموسيقى
(48) Najib Hourani, "Transnational Pathways and Political–Economic Power: Globalization and the Lebanese Civil War," Geopolitics , vol. 15, no. 2 (2010), pp. 290–311.
(((4 شومان، ص.6
"الهابطة" التي يجري الترويج لها والاستثمار فيها، والظهور المسلّح الذي لا يُردع في الطرق... إلخ. تعلّق الشخصيات الرئيسة في الرواية على هذه المظاهر بالقول المستمر إن الأمور دائمًا ما كانت على هذا المنوال، ولا جديد تحت الشمس، فما يتغيّر هو الظاهر فحسب. بيروت خارج الرواية، وفي مختلف البحوث التي تناولت أوضاعها وأوضاع لبنان بعد الإعلان الرسمي عن انتهاء الحرب الأهلية، لا تزال تعاني وتتحدّى حالة فقدان الذاكرة المُمنهجة – مؤسسة ومَرعِية من الدولة – بالنسبة إلى علاقتها بماضيها الدموي الأليم. وتتجلّى هذه الحالة في التقسيم الطائفي للقوى وموازينها، حيث انحصرت القوة بيد أمراء الحرب الذين تحوّلوا بعد ذلك – بفعل عفو عام صادر في عام 1991 – إلى حرّاس الدولة الجديدة. أضف إلى ذلك غيابًا شبه تام لسيرة الحرب في الخطاب الرسمي واليومي والسياسي، وعدم توافر موقف موحّد يوثّق أحداث الحرب الأهلية في كتاب التاريخ في المناهج الدراسية اللبنانية (إذ ينتهي فصل لبنان في كتاب التاريخ عند حصوله على استقلاله من الانتداب الفرنسي)، وافتقار المدينة إلى نُصب تذكيرية أو متاحف أو أرشيف رسمي يشمل تلك الحقبة من التاريخ. بذلك، صارت الممارسات الذاكراتية، القائمة على النسيان وتطبيعه، نوعًا من أنواع التحكّم الاجتماعي في سكان المدينة (والبلد بأكمله). ويتجلّى ذلك في التضييق المُمنهج للتنقّل والحركة في المدينة عبر تقييد حرية الوصول والدخول إلى أماكن عامة معيّنة، فضل عن تهميش سكان المدينة واستثنائهم من المشاركة في صنع القرار. وبهذا الشكل وعبر استراتيجيات نيوليبرالية تشمل خططًا إعمارية وترويجية وتسويقية وأمنية، إضافة إلى تنظيمات الخصخصة المباحة، يجد سكان بيروت أنفسهم أمام مفاوضة دائمة مع ماضيهم وأمكنتهم، عاجزين عن تصوّر المستقبل بوضوح تام، وعن تقبّل حاضرهم، ومصارحة ماضيهم. بيروت داخل الرواية تتشبّه ببيروت خارجها. ففي كان غدًا، تستأثر مظاهر العنف في حياة سكّان المدينة وتحركهم، بالتوازي مع حوادث السير وتدهور البنى التحتية الرديئة، واستشراء الخطابات السياسية الهابطة والعنصرية، والتهدئة المزيّفة، والحفلات الموسيقية والفنية الصاخبة، وغيرها. فتظهر من جهة تناقضات المدينة بوضوح، ومن جهة أخرى، تنكشف المنظومة السياسية المهيمنة ومحاولاتها الحثيثة للتحكّم في سكّان المدينة عبر إلهائهم عن خططها في التضييق والسيطرة على المكان والزمان معًا.
(50) Fawwaz Traboulsi, A History of Modern Lebanon , 2 nd ed. (London: Pluto Press, 2012); Kamal Salibi, A House of Many Mansions: The History of Lebanon Reconsidered (London: I.B. Tauris, 2005); Theodor Hanf, Coexistence in Wartime Lebanon: Decline of a State and Rise of a Nation , John Richardso (trans.) (London: I.B. Tauris, 2015); Samir Khalaf, Heart of Beirut: Reclaiming the Bourj (Beirut: Saqi, 2006); Aseel Sawalha, Reconstructing Beirut: Memory and Space in a Postwar Arab City (Austin: University of Texas Press, 2010); Hiba Bou Akar, For the War Yet to Come: Planning Beirut’s Frontiers (California: Stanford University Press, 2018); Ghenwa Hayek, Beirut, Imagining the City: Space and Place in Lebanese Literature (London: I.B. Tauris, 2015); Yasmine Khayyat, War Remains: Ruination and Resistance in Lebanon (New York: Syracuse University Press, 2023).
2. المشي بوصفه محاولة لعَقلنة المدينة
كتب غاستون باشلار في كتابه شاعرية المكان: "على كلّ منا أن يتكلّم عن الطرق ومفارقاتها، عن مقاعد جانب الطريق؛ يجب على كلّ منا أن يرسم خريطة حقوله ومروجه الضائعة". وفي رواية شومان، هذا ما يحاول كلّ من خالد وريم، بطلَي الرواية، فعله، عبر المشي. فمن خلال تصوّر
خالد المغاير للمدينة، الذي يتمثّل في مساءلته المستمرة ومشاكساته اليومية في كسر نمط الأشياء،
يمشي في بيروت، عاِل مًا بتاريخها الحضري والمكاني والعمراني والسياسي، متنّبهًا، خصوصًا،ِ
للتغييرات التي فُرضت عليها، إن كان ذلك على خلفية الحرب الأهلية أو التخطيط المدني الجدليّ
أو التطوّرات السياسية والسوسيو – اقتصادية التي بدّلت أولويات السلطة وتجلّت مكانيًا. يصرّ خالد
على التشبّث بالوعي المكاني بوصفه نقطة بداية لتحدّيه السردية المكانية والممارسات الانهزامية
منها والقمعية. في محاولة لقراءة هذه التجربة المغايرة، تسلّط هذه الدراسة الضوء على أهمية قراءة الدلالات المكانية في الرواية والتخطيط المغاير لفضاءات المدينة وأمكنتها كما يقوم بها كلّ من خالد وريم من خلال المشي في المدينة. وستوضح هذه القراءة أيضًا وجود سرديات متعدّدة (ومتناقضة أحيانًا) للمدينة من ساكنيها، تتماشى وتتعارض وتخالف السردية المسيطرة أو المهيمنة، من ناحية الخطاب أو الممارسة الاجتماعية – المكانية، أو من ناحية استخدام فضاءات وأمكنة المدينة. وتسعى هذه المقاربة لتحليل فاعلية Agency المشاة من خلال قراءة المساحات التي يُنتجها خالد وريم في الرواية، والتي تمكّنهما، ولو مرحلًّيًا أو مؤّقتًا، من تحقيق تجربة مكانية غالبًا
ما تكون مستثناة/ مقموعة من النظام المسيطر على الإنتاجات والتنظيمات المكانية – الاجتماعية، ومن ثمّ تسيطر سردية مكانية مغايرة. فكما يقول عبد الرؤوف: المدينة "سياق مادي قائم يواصل
سكّانها إعادة إبداعه".
3. "الفناء الخلفي": قراءة المدينة وكشف نظامها عبر المشي
تفَاوض وإعادة نظر وتأويل تبدو علاقة خالد وريم اليومية بالمدينة متأزّمة وقلقة وتحت تأثير عمليات مستمرة. وتحدّد هذه العلاقة طبيعة ممارساتهما المكانية التي تتمظهر من خلال نظرتهما إلى المدينة وتفاعلهما معها وضمنها، وفهمهما لها وطريقة قراءتهما لُناُ ظُمها، وقدرتهمعلى فهم موقعهما فيها وتحديده بصفتهما أفرادًا وسكّانًا ومستخدمين فاعلين (لا مجرّد مستهلكين لها)، فيكون لكلّ منهما نظرته
الخاصة إلى المدينة، النابعة من تجارب شخصية ومعرفة مكانية ووعي (مكاني/ سياسي/ اجتماعي)، تُحدّد بفعل هذا الموقع وهذه المعرفة وممارسة يومية تختلف باختلاف موقعيهمافيها. لا تشعر ريم، بصفتها امرأة مثل، بالأمان في بيروت وتتجنّب المشي فيها، خاصة في ظلّ نوبات العنف التي تصيب
المدينة على نحوٍ شبه يومي ومتواتر.
((5(ترجم غالب هلسا الكتاب إلى العربية، واختار أن يترجم عنوانه إلى جماليات المكان، وهي ترجمة غير دقيقة في نظري، لما فيها من إشكاليات مفهومية. فالشعرية هي حيز من الجماليات، لكن لا يمكن استخدام المفردتين على أنهما مرادفتان.
(52) Bachelard, The Poetics of Space.
(((5 عبد الرؤوف، ص.32
تُصوّر ريم هذا الواقع تصويرًا دقيقًا، من خلال وصفها لتصوّر المدينة في أذهان سكّانها وكيفية انعكاس
تلك الصور على موقعهم أفرادًا، وعلى حسّهم المكاني والانتمائي Sense of Place and Belonging،
وعلى تجاربهم وممارساتهم اليومية. ففي ضوء منام تشهده ويوثّر فيها، تصف ريم سكّان مدينتها بأنّهم يعيشون في "الفناء الخلفي"، كما تشير إليه، وكأنّهم منبوذون من الدخول إلى صدر البيت، فيعيشون على هوامش المدينة، بدل من العيش فيها. تقول ريم: "أرانا جميعًا نتقدّم. أنظر فأتعرّف على الجميع.
الكلّ، بمن فيهم الموتى منّا، من مات ومن سيموت، يمشي. نخطو إلى الأمام، وتنبعث خلفنا انفجارات صغيرة. ولا تحدث الانفجارات إّل عندما تصبح الأشياء خلفنا ونتجاوزها. لكأنّنا نحن الذين نُنتجها، ثمّ ننجو منها. في المساحة وراءنا، تحدث المصارحات، ونتركها. سأسمي المكان: الفناء الخلفي. فيه
يفنى كلّ ما يبدو لنا عظيمًا". وتعلّق ريم مضيفةً أن هذه الحالة مشتركة بين جميع أفراد المجتمع،
فجميعهم يحسّون بهذا التناقض، ولا يبالون، يدركون تمامًا أن هذا "الفناء الخلفي" يمكنه ابتلاعهم
جميعًا، فتضيف قائلة: "لا نعرف متى تنكسر القاعدة ويختلف كلّ شيء، ونصير نحن انفجارات صغيرة وراء آخرين متقدّمين". يشكّل "الفناء الخلفي" في تصّور ريم تناقضًا يعايشه سكّان المدينة يومًّيًا. تذكر ريم أن فضاء المدينة
فضاءٌ جامع لكلّ ما حدث، ولكلّ ما قد يحدث في المستقبل، فيُخيّل للقارئ مستقبل شبه معدوم،
وتكتمل هذه الصورة عندما تصف ريم سكّان المدينة بالمشاهدين المنتظرين على هامشها "بتوتر وقلق"، وكأنّ واقعهم قد حوّلهم إلى متفرّجين غير قادرين على التحرك قُدمًا، أو تغيير واقعهم أو
حتى المشاركة بأي قرار فعّال يؤثّر في شكل حياتهم اليومية. فقد أصبح هذا الواقع مُطَّبعًا معهم في
ممارساتهم اليومية بطريقة بيوبوليتيكية Biopolitical. لكنّ تصوّر ريم ليس تصّو رًا انهزامًّيًا، فسكّان
المدينة ليسوا مسيّرين، بقدر ما هم غير مكترثين بظواهر وطرائق عيش، أصبحت طبيعية بالنسبة إليهم،
فاعتادوها. لكن، على الرغم من هذا الوعي بمصابهم وعدم اكتراثهم بواقع الأشياء كما تدور من حولهم، فإن ريم ترى أنّ سكّان المدينة يعيشون في خوف وقلق مستمَّر ين من أن يصبحوا هم أنفسهم
عبوات عنف متفجّرة تلاحق غيرهم. إن هذا الشعور بالمسؤولية هو ما يدفع خالد وريم إلى الانتفاض
على الخمول واللامبالاة والتسكّع (تجربةً مكانيةً غير فاعلة) والتهميش فلجأا إلى تغيير واقع الأشياء من حولهما عبر اختبار أماكنهما، من خلال فعل المشي، على نحوٍ مختلف، وإنتاج المكان (بدل من إعادة
إنتاجه) عبر رسم خريطة بديلة لمدينتهما، نابعة من تصوّر ومِخيال مكاني مغاير لما طبّ ع من حولهم،
وذلك عبر توثيق الأماكن والشوارع الفرعية التي يمشيان فيها، وتسميتها باستخدام أسمائها الحقيقية التي سقطت من اللغة المتداولة وخطابها اليومي والرسمي، وتدوين الأحداث الشخصية والتاريخية
(((5 شومان، ص.133 (((5 المرجع نفسه. (((5 أختار هنا عدم ترجمة هذا المصطلح إلى العربية والإحالة إلى المصادر التالية لمزيد من المعلومات حول استخدامي له:
Cisney & Morar (eds.); Thomas Lemke, The Government of Things: Foucault and the New Materialists (New York: New York University Press, 2021); Hubert L. Dreyfus & Paul Rabinow, Michel Foucault: Beyond Structuralism and Hermeneutics (Sussex: The Harvester Press, 1986).
والسياسية التي شهدتها هذه الأماكن. وذلك لإنتاج ذاكرة مكانية وتجربة مدينية تتذكّر ما قد نُسي أو
أرغم على النسيان، وتفسح المجال أمام سرديات مغايرة، أكثر وفاءً لتجربة الأفراد العاديين اليومية.ُ استكم ل لملاحظة ريم، يختبر خالد الجمود السياسي المُطبق وحالات العنف المستمرة والمتفشية
في خبايا مختلف طبقات المجتمع اللبناني، كحالة "ليمبو"، وحلقة مفرغة من اللامسؤولية واللامبالاة Laissez–faire التي تعرقل حياة الأفراد اليومية. لذلك يبدو الصراع مخّد رًا ومقموعًا، والنظام القائم
مفّعلاّااًا ومسيطرًا. يلاحظ خالد مثل، خلال تواتر مشيه في طرق المدينة، أن لا شيء يتغيّر في هذا البلد،
وأنّ الطريق متّجهة إلى "اللاعودة" و""مُغرقة بالملل. لا يبدو هذا كله مُفاجئًا له، أو لسكان المدينة
الآخرين؛ إذ يعتبر خالد أن هذا التدهور متوقّع، ويؤدّي إلى نوع "من الافتراق، يحدث عندهم بين حيواتهم الشخصية، وبين ما يحدث حولهم، فيصيرون يخرجون كل حدث عام من تفاصيل يومياتهم ويرمونه بالقرب منهم. يمرّون من جانبه فقط [...] وهكذا ينعدم الاشتباك". يؤرّق عدم الاشتباك هذا
كاًّل من خالد وريم، فتأتي قدرتهما على كشف أوجه المدينة وتحليلها وإنتاج هذه الخريطة البديلة (ليس مكانيًا فحسب، بل أيضًا معرفيًا وأيديولوجيًا)، دلالةً على توجّه مغاير لفهم المدينة وممارسة
حياتها اليومية، وتسطّر في الوقت نفسه إحدى السرديات المتعدّدة لمدينة بيروت.
4. خريطة الطريق البديلة: تفاوض وتحايل على تركيبات المدينة
يعيش سكّان بيروت، في رواية شومان، إذًا نوعًا من الانفصام، تمامًا كذلك الذي تعيشه المدينة.
ويطغى في الرواية استخدام كلمة "ملل" لوصف حالة السكان. وتتمثّل دقة هذا الوصف في الوهن والجمود اللذين أصابا معظم سكّان المدينة، حيث أصبحوا مُجبرين، وأحيانًا من دون وعي، على إعادة
إنتاج هذا النظام وسياساته في حياتهم اليومية. في ظلّ هذا الواقع، تتحوّل ذاتية السكان وفاعليتهم
Agency إلى إشكالية؛ إذ تشكّل عملية إعادة إنتاج العنف هذه، وما يتأتّى منها من عواقب، انعكاسًا
لتوطّن العنف في يومياتهم وتطبيعه واستدخاله، واستيطانًا لتقنيات العنف والقوة المتّبعة لتطويعهم في حياتهم اليومية. ويستكمل خالد وصفه هذا باعتباره فشل ذريعًا في خلايا المجتمع ككلّ، ومُترجمًا
في يوميات سكّان المدينة وطرائق عيشهم الانهزامية. فهُم – كما يقول – "يخرجون كل حدث عام من تفاصيل يومياتهم، ويرمونه بالقرب منهم". وسبب هذا الافتراق والبُعد عمّا يجري من حولهم
تطبيع الوضع السائد في حيواتهم، فيصيرون كأنّهم يعيشون خارج المجتمع، أو على هوامشه، في حالة نكران لإطارهم وسياقات حياتهم وواقعهم الاجتماعي – السياسي. فعندما "يمرّون من جانبه
فقط"، يتملّصون من الاشتباك والمواجهة؛ لذلك يمكننا أن نعتبر أن معظم هؤلاء الذين يتكلّم عنهم خالد هم متسكّعون طيّعون، عابرو سبيل، ومستهلكون انهزاميّون، لا يطرحون الأسئلة، في مدينة
مستحدثة، خاضعون لنُظمها ومنظوماتها. وتأتي هذه الصورة بالتزامن والتوافق مع الصورة التي
(((5 شومان، ص.214 (((5 المرجع نفسه. (((5 المرجع نفسه.
رسمتها ريم في مذكّراتها، تصف سكان المدينة فيها بأنّهم يعيشون في الفناء الخلفي لمدينتهم، بعيدًا عن مركزها الاجتماعي – السياسي، على الأطراف، وليس فيها – أجساد طيّعة يسهل التحكّم فيها
.Docile bodies
في جزئية قصيرة في الرواية، بعنوان "خارطة الطريق"، تظهر محاولات ريم وخالد التفاوضية على المكان واضحة، من خلال الخريطة التي يدعواننا إلى اتّباعها معهما. يمشيان في شوارع المدينة. ينطلقان من وجهة معيّنة، ويسلكان شوارع، مُحدّدة تُمكّن القارئ من تتبّع تحرّكاتهمافي المدينة والتعرّف إلى
وجهة سيرهما بوضوح، سواء بتصوّر الشوارع (إذا ما كان القارئ يألفها)، أو بالاطلاع على خريطة
فعلية لمدينة بيروت. خالد وريم لا يمشيان على غير هدى، ولا يتّبعان الطرق الرئيسة، منتفضين بذلك على السُبل الشائعة لاستخدام المكان في بيروت. ويتمّ ذلك عبر أربع طرائق مختلفة: أولًا، لا يمشي
خالد وريم وحيدَين، مخالفين الوقوع ضمن طر التعريف النمطي للمشّاءأُ (بمعنى Flaneur)، ولا يتسكّعان في المكان أيضًا، فوجودهما في الشارع هو حالة دائمة من الحركة. ثانيًا، لا يمشي خالد من غير وجهة، بل يحيك له ولصديقته طريقًا خاصة بهما، على الرغم من القيود التي يواجهانها، ونذكر منها، الشوارع المقفلة، والطرق المقطوعة بفواصل إسمنتية أو أسلاك شائكة، والأملاك العامة التي تمّت خصخصتها، والحواجز الأمنية المنتشرة بكثرة في بيروت. فيقومان ببناء طريقهما بنفسهما، عبر
مشيها واجتيازها أفرادًا مستقلين Subjects، محققين بعضًا من احتمالات المدينة، على الرغم من القيود المفروضة عليهما ووعيهما فيها، التي مكّناها من الظهور بفعل المشي نفسه، كما يقول دو سيرتو. ثالثًا، خالد عالم بالطبيعة المكانية والطبوغرافيا السوسيوبوليتيكية للشوارع التي يجتازها، ويرسم خريطة مشيهما مما يتوافق مع ذاكرته المكانية التي يشاركها مع ريم في أحاديثهما في أثناء المشي. ويصرّ
على استخدام أسماء الشوارع الأصلية التي انجرفت من الذاكرة الجمعية والاستخدام اليومي مع مرور الزمن. ويدلّ إصرار خالد على الأسماء الأصلية للشوارع التي يجتازانها على أنّ نسيانها واستبدالها بأخرى، أو بالأحرى بسبل تعريف وإشارة مغايرة، ما هو إّل انعكاس لمحاولة السكان على التعامل مع واقعهم المكاني، ولظاهرة تفشّي خطاب معيّن يسيطر على الحياة اليومية ويحدّد (ويحّد ن) تجربة مِ
(60) Michel Foucault, Discipline and Punish: The Birth of the Prison , Alan Sheridan (trans.) (London: Penguin Books, 1991); Michel Foucault, Society Must be Defended: Lectures at the College de France 1975–76 , David Macey (trans.) (London: Penguin Books, 1997); Michel Foucault, History of Sexuality: The Will to Knowledge , vol. 1, Robert Hurley (trans.) (London: Penguin Books, 1976).
(((6 لا تستخدم هنا مفردة مشّاء بمعنى "فلانور"، وذلك لبُعد السياق والتجربة بينها وبين المشاء. يُقارب المشاء في هذه الدراسة
وفقًا لتجربة ريم وخالد في مدينة بيروت، مدينة في بلد في الجنوب العالمي، وبلد له تجربته الخاصة التي تمتدّ عبر زمن من
الحروب والعنف والصراعات والتناقضات الطبقية، ولا يتميز كلّ من خالد وريم من شرائح المجتمع طبقيًا بما يجعلهما من النخبة،
فينعكس ذلك على تجربتهما المكانية. للمزيد من المعلومات عن "الفلانور"، ينظر:
de Certeau, The Practice of Everyday Life ; Walter Benjamin, The Arcades Project , Howard Eiland & Kevin McLaughlin (trans.) (Cambridge: The Belknap Press of Harvard University Press, 1999); Rebecca Solnit, Wanderlust: A Short History of Walking (London: Granta Books, 2014); Lauren Elkin, Flaneuse: Women Walk the City in Paris, New York, Tokyo, Venice, and London (London: Chatto & Windus, 2016). (62) de Certeau, p. 100.
المدينة – ومن ثمّ الحسّ المكاني والانتمائي – ويحجب النظر عن سيطرة النظام القائم. فكما يقول
إدوارد سعيد، تظهر القوة وتبان صراعًا على الجغرافيا، أي صراعًا على المكان. تعترف ريم بأنّها مدينةٌ لخالد في رؤيتها المغايرة للمدينة، التي انعكست على تجربتها المكانية وعيًا
مختلفًا. فتصف علاقتها بالمدينة بكل تعقيداتها وتناقضاتها، مستندة إلى تجربة المشي مع خالد، وإلى تصرفاته وملاحظاته الدقيقة عن المدينة، فتلاحظ أن العبثية قد أصبحت جزءًا من طريقة العيش في
بيروت، فنحن "نعبُر بين الأشياء، فلا نلاحظها، ولا نعود نسأل". إن كانت هذه الملاحظة تدلّ على
شيء، فعلى عدم قدرة سكان المدينة على تخطّي ممارسات مكانية سلّطت عليهم، فتطبّعوا بها. يأتي
خالد هنا إلى زحزحة جمود ريم أمام مدينتها، وحثّها على إعادة النظر في علاقتها مع أمكنتها وموقعها فيها وسبل استخدامها لها. يفتح أمامها فرصة التعرّف إلى مدينتها وتجربتها بحيث تكون هي من تشقّ
فيها طريقًا، على عكس ما اعتادته سابقًا.
5. ممارسة مِخيال خالد وريم المكاني وتسريده
نرى، من خلال استطراد ريم وطريقة تحليلها للمشي في المدينة، ردّة فعل عكسية للنمطية والإيقاع السائد اللذين فُرضا على أهل مدينتها. فترى فرصة احتمال تحقيق تجربة مكانية بديلة مع خالد. فيأتي المشي هنا، كما وصفه دو سيرتو، فعل "يؤكّد، ايُجرّب، يتجاوز، ويحترم المسارات"، فعل قادرًا
على الكلام واستنطاق المعنى. إنّ مشي ريم وخالد يعارض بشدّة ما كانت قد وصفته الأخيرة في ملاحظاتها عن سكّان المدينة وطريقة تعاملهم معها يومًّيًا، وكأنّهم يعبرون من خلالها فقط، من دون
التساؤل وطرح الأسئلة أو التشكيك، ومن دون الانتباه إلى التفاصيل. ويعود ذلك إلى شيئين أساسيين: أول، نظرتهما المكانية ذات القاعدة المعرفية المستَمدّة من تمسّكهما بسرديات مكانية واجتماعية
وسياسية وتاريخية يستثنيها الخطاب المديني المهيمن. وثانيًا، إصرارهما على تجربة ممارستية للمدينة،
تتخطّى قيود السائد، إضافة إلى تمسّكهما بأسماء الشوارع الأصلية. ويقول دو سيرتو في هذا الصدد
إن الأسماء الرسمية تستطيع أن تُظهر المعاني الخفية والمألوفة؛ إن التسميةتُضفي معنى على المكان وتجربته، وتحفّز على الحركة، وتُحوّل اللامكان في الفضاء العام إلى مناطق عبور. هذه المناطق،
وفقًا له، تصبح مج ل يمكن الاستحواذ عليه والتحرّر من خلاله وإنتاج البديل. ثالثًا وأخيرًا، لا ينفكّ خالد عن مشاركة ريم القصص والروايات التي يعرفها عن الشوارع التي يجتازانها،
فكأنّه عبر سرده يستحضر تاريخًا وروايةً منسيين. يُحيك خالد، بهذه الطريقة، تجربته المغايرة في
شوارع المدينة من خلال سردية فريدة تجمع الشخصي والجماعي في آن. يمكن قراءة هذه السردية
(((6 ينظر:
Edward Said, "Reflections on Exile," in: Edward Said, Reflections on Exile & Other Literary and Cultural Essay (New York: Granta, 2000), pp. 97–173.
(((6 شومان، ص.168–167
(65) de Certeau, p. 100. (66) Ibid., p. 105.
على أنها محاولة تفعيل مخيال مغاير للمدينة Alternative Spatial Imaginary، يُقاوم السردية
نية التي تسعى الدولة وغيرها من الفعاليات غير الحكومية لتطبيعها في اااّلُالمدينية المتجانسة والُك الوعي الجمعي والممارسات الاجتماعية – المكانية المسموح بها، من خلال استراتيجيات نيوليبرالية وبيوبوليتيكية تستفحل بشتّى أشكال الحياة وإيقاعاتها في بيروت.
خاتمة
حاولت هذه الدراسة تسليط الضوء على أهمية القراءة المكانية في فتح النص الروائي على احتمالاته التأويلية والنقدية، من خلال خرطَطة النص، والتلفّت إلى السرديات التي تنفتح عليها هذه الخريطة من خلال العلائقية التي تفرضها هذه الخرطَطة بين النصّية والمكانية. وقد اعتبرت
الدراسة مفهومَي النصّية والمكانية مفهومين غير ثابتين، يحملان من المرونة ما يخوّلهما المزيد
من التحدي للحدود والضوابط التي من الممكن أن تربطهما بقراءات تقليدية تسعى لتوحيد المعنى، والوصول إلى أصله، والتوصّل إلى سردية حاديةأُ لُكاااّنية اختزالية. وقد سعت هذه الدراسة
للانطلاق من فكرة النص ممارسةً وعملية، وركّزت على ضرورة أشكلة مفهوم المكان باعتباره أداةً سردية، وإعادة النظر في البنى السردية الروائية من هذا المنطلق. وقدّمت هذه الأشكلة من خلال ثلاث نقاط انطلاق أساسية حاولت من خلالها قراءة الممارسات المكانية لشخوص رواية هلال شومان كان غدًا. أولًا، ضرورة اعتبار مكانية النص ونصية المكان في العمل الروائي الأدبي، عملية نقدية تسعى للقراءة والتأويل ضمن علائقية مفتوحة على احتمالات واتجاهات متعدّدة، ومضبوطة ضمن حدود الخريطة الجغرافية للواقع الروائي وأحداثه التي يحدّدها الكاتب. ثانيًا،
عبر مقاربة النص مكانًا تتمظهر فيه طر قيام واقع اجتماعي سردي متكامل وظروفه وشروطه، أُ تتفاعل ضمنه وفيه سرديات وحيوات متعدّدة، إضافة إلى إمكانية خرطَطته وتسريد هذه الخريطة بطريقة نفعية تحليلية. وثالثًا، عبر التلفّت إلى دور القارئ الفاعل في إنتاج النصية والمكانية في العمل الروائي من خلال القراءة النقدية–المكانية واتّباع احتمالات الخريطة الجغرافية والمعرفية للرواية التي يخطّها الكاتب، فتكون عملية القراءة هنا تمرينًا على الإدراك وإنتاج المعرفة
المكانية – الاجتماعية، متّبعة عملية القراءة البعيدة الكاشفة (من أعلى) عبر الخرططة والقريبة
الفاحصة (من تحت) عبر تسريد الخريطة. لقد استطاع خالد خطّ فضاءات وأمكنة مدينته عبر المشي فيها، ممارسةً اجتماعية – مكانية بديلة، مُدرِكة، ومُوَجَّهة. فهو يمشيلّمُحّمااا بغاية فكرية وسياسية في إعادة استحواذ حسّه المكاني، متسّلحً ا
بنظرة نقدية ومتسائلة، فضل عن معرفة جغرافية ومكانية تتعدّى الظاهر بكونها ترتكز على التاريخ
(((6 يمكن هنا الاستفادة من مقالة هيو سيلفرمان عن النصية. ينظر:
Hugh Silverman, "What is Textuality? Part II," Phenomenology + Pedagogy , vol. 4, no. 2 (1986), pp. 54–61.
(((6 لمزيد من التفاصيل حول النص/ النصية ممارسةً اجتماعيةً، يمكن الاستفادة من:
Julia Kristeva, Revolution in the Poetic Language , Margaret Waller (trans.), Leon S. Roudiez (Intro.) (New York: Columbia University Press, 1984), pp. 208–213; Jameson, pp. 17–102.
والممارسة. فهو إذًا مثال لمستخدم المكان، وفق تعريف لوفيفر، مُقاوم لجميع أشكال الاستهلاك
المكاني الذي يجرّد المكان من تجربته. تعرض رواية شومان اليوميات العنيفة للمواطن العادي في
مدينة بيروت. فيظهر بذلك اليوميّ كحقل صراع مفتوح على احتمالات وإمكانيات لفعلٍ هادف،
مسيّس ومقاوم ومتجاوز، كما شدّد لوفيفر في نقده الحياة اليومية. ويمكن قراءة إصرار خالد
على حقّه في المدينة على أنّه بادرة فعل يومي مواجه للهيمنة Counter–Hegemonic ومتحٍّدٍ لها. ونستشهد هنا بما كتبه آصف بيات؛ إذ اعتبر "الاستخدام الفعّال يتحدّى سلطة الدولة والفرق
الاجتماعية التي تستفيد من النظام". تتبنّى هذه القراءة ما كتبه بيات في سعيه لتحليل ممارسة
خالد البديلة في بيروت. حاولت هذه الدراسة عبر قراءة تجربة كلّ من خالد وريم تقديم جغرافيا أدبية، بالاستناد إلى خريطة شومان الأدبية (إذا ما استخدمنا مصطلح روبرت تالي هنا)، خاصة بتجربة بيروت ليست كما رآها خالد وريم أو فهماها فحسب، بل أيضًا كما اختبراها ومارساها على الصعيد اليومي؛ إذ إن هذه الممارسة وكيفية حديث خالد وريم عن بيروت، إنما تعكس مخي ل مكانيًا – اجتماعيًا، يتحدّى
السردية القائمة. لذلك، فإن فعل الخرططة وحده ليس كفيل بفهم النص وسردياته، ولا بتفعيل العلائقية المكانية – النصية. وبناء عليه، أتت عملية القرب من النص وتحليله، لتكون تجربة تفعيل علائقية المكانية – النصية، قد تجلّت في علائقية التحييز – التسريد التي حاول البحث اتّباعها. وقد استوحيت هذه المقاربة من مقاربات الأدب المقارن الحديث الجامعة بين القراءة الفاحصة والقراءة البعيدة، بالتوافق مع مقاربات الدراسات الأدبية – المكانية. وقد اعتُمد على رؤية
دو سيرتو التي تنضوي علىبُعدين: يتضمن الأولنظرة من أعلى تكشف نظام المدينة وتركيباتها
الاجتماعية – المكانية (أي سلطة المكان)، ويتضمن الثانيممارسة مباشرة للمكان على الصعيد اليومي الحميمي. وتجمع المقاربة المكانية المطروحة هنا بين الشكل والمضمون والسياق بطريقة تلقائية وعلائقية، لا تخلو من الضرورة النقدية والحركية المستمرة في إنتاج معنى، والمساهمة في إنتاج معرفة. فيصبح القارئ والنص هنا في حالة تموضع مستمرّ، يعكس موقفًا نقديًا وفلسفيًا
وسياسيًا، والتزامًا بقدرة النص على الكشف والتنظير. ولم يكن الهدف تقديم استنتاجات أو
مخرجات بحثية بالمعنى التقليدي، وذلك تماشيًا مع الموقف النقدي التي تتبناه هذه الدراسة من
منطلقات طبيعة المقاربة المقارنة المتّبعة هنا. ويعترف البحث بقدرته عبر القراءة التي يقدّمها،
تمرينًا أدبيًا – مكانيًا، على ممارسة ما يحاول التنظير له. فقد هدف إلى إرساء نقاط انطلاق، وفتح
تساؤلات تكون بداية مشروع يرتكز على تسريد التجربة المكانية Narrativise وتحييز Spatialise التجربة السردية، والانطلاق من هذه العلائقية لفتح تساؤلات، منها: كيف تخدم هذه المقاربة قدرة النص الأدبي على التنظير عن نفسه؟ وكيف لهذه القدرة المساهمة في تحويل الفعل التنظيري دّمت هنا كشف المخيال المكانيُق ممارسةً؟ وكيف تستطيع القراءة التي – الاجتماعي الخاص
(69) Lefebvre, Critique of Everyday Life. (70) Asef Bayat, Life as Politics: How Ordinary People Change the Middle East (Amsterdam: Amsterdam University Press, 2010), p. 63.
بالرواية؟ وما أشكال المعرفة وأنواعها التي ينتجها هذا المخيال؟ وكيف يمكن توظيفها على نحوٍ مبدع ومنتج؟ وبماذا يفيدنا هذا التموضع لروايات مثل رواية شومان والمقاربة المطروحة ضمن إطار نظري ينطلق من السياق العربي ويحاكيه؟ وما احتمالات تعددية هذا السياق، مع الأخذ في الحسبان فردانيته؟
المراجع
References
العربية
شومان، هلال. كان غدًا. بيروت: دار الساقي،.2017 صالح، صلاح. قضايا المكان الروائي في الأدب المعاصر. القاهرة: دار شرقيات للنشر والتوزيع،.1997 عبد الرؤوف، علي. مدن العرب في رواياتهم. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2017 كيليطو، عبد الفتاح. الأدب والغرابة. ميلانو: منشورات المتوسط،.2020 مقبول، إدريس. الإنسان والعمران واللسان: رسالة في تدهور الأنساق في المدينة العربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 منيف، عبد الرحمن وجبرا إبراهيم جبرا. عالم بلا خرائط. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر؛ المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2001 النصير، ياسين. مدخل إلى النقد المكاني: الخطاب، الحدود – المألفة – التفضّي – الموضعة، المابين – المسافة – الاستعارة – الكفاءة. دمشق: دار نينوى،.2015
الأجنبية
Amin, Ash & Nigel Thrift. Cities: Rethinking the Urban. Cambridge: Polity, 2002. ________. Seeing Like a City. Cambridge: Polity, 2017. Bachelard, Gaston. The Poetics of Space. Maria Jolas (Trans.). Richard Kearney (Intro.). Mark Z. Danielewski (Foreword). New York: Penguin Books, 2014. Bayat, Asef. Life as Politics: How Ordinary People Change the Middle East. Amsterdam: Amsterdam University Press, 2010. Benjamin, Walter. The Arcades Project. Howard Eiland & Kevin McLaughlin (trans.). Cambridge: The Belknap Press of Harvard University Press, 1999. Bou Akar, Hiba. For the War Yet to Come: Planning Beirut’s Frontiers. California: Stanford University Press, 2018.
Cisney, Vernon W. & Nicole Morar (eds.). Biopower: Foucault and Beyond. Chicago: The University of Chicago Press, 2016. Conley, Verena Andermatt. Spatial Ecologies: Urban Sites, State, and World–Space in French Cultural Theory. Liverpool: Liverpool University Press, 2012. Dawson, Paul & Maria Mäkelä (eds.). The Routledge Companion to Narrative Theory. New York: Routledge, 2022. de Certeau, Michele. The Practice of Everyday Life. Berkley: University of California Press, 1984. Deleuze, Gilles & Felix Guattari. A Thousand Plateaus: Capitalism and Schizophrenia. Brian Massumi (trans.). Minneapolis: University of Minnesota Press, 1987. Derrida, Jacques. On Grammatology. Gayatri Chakravorty Spivak (trans.). Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1997. Di Leo, Jeffrey R. Contemporary Literary and Cultural Theory: An Overview. London: Bloomsbury Publishing, 2023. Dreyfus, Hubert L. & Paul Rabinow. Michel Foucault: Beyond Structuralism and Hermeneutics. Sussex: The Harvester Press, 1986. Duff, David (ed.). Modern Genre Theory. London: Routledge, 2016. Elkin, Lauren. Flaneuse: Women Walk the City in Paris, New York, Tokyo, Venice, and London. London: Chatto & Windus, 2016. Elliott, A. (ed.). Routledge Handbook of Social and Cultural Theory. Abingdon: Routledge, 2014. Foucault, Michel. The Archaeology of Knowledge and the Discourse on Language. A.M. Sheridan Smith (trans.). New York: Pantheon Books, 1972. _______. History of Sexuality: The Will to Knowledge. vol. 1. Robert Hurley (trans.). London: Penguin Books, 1976. _______. Discipline and Punish: The Birth of the Prison. Alan Sheridan (trans.). London: Penguin Books, 1991. _______. Society Must be Defended: Lectures at the College de France 1975–76. David Macey (trans.). London: Penguin Books, 1997. Genette, Gerard. Narrative Discourse: An Essay in Method. Jane E. Lewin (trans.). New York: Cornell University Press, 1980. ________. Paratexts: Thresholds of Interpretation. Jane E. Lewin (trans.). Cambridge: Cambridge University Press, 1987. Hanf, Theodor. Coexistence in Wartime Lebanon: Decline of a State and Rise of a Nation. John Richardso (trans.). London: I.B. Tauris, 2015. Hansen, Adam. "Introduction: Narrating Cities." Journal of Narrative Theory. vol. 39, no. 3 (2009).
Harvey, David. "The Right to the City." Debates and Developments: International Journal of Urban and Regional Research. vol. 27, no. 4 (2003). Hayek, Ghenwa. Beirut, Imagining the City: Space and Place in Lebanese Literature. London: I.B. Tauris, 2015. Heidegger, Martin. Poetry, Language, Thought. Albert Hofstadter (trans.). New York: Harper Colophon Books, 1981. Hetherington, Kevin. The Badlands of Modernity: Heterotopia and Social Ordering. London: Routledge, 1997. Hourani, Najib. "Transnational Pathways and Political–Economic Power: Globalization and the Lebanese Civil War." Geopolitics. vol. 15, no. 2 (2010). Hubbard, Phil. The City. London: Routledge, 2018. Jameson, Fredric. The Political Unconscious: Narrative as a Socially Symbolic Act. New York: Cornell University Press, 1981. Khalaf, Samir. Heart of Beirut: Reclaiming the Bourj. Beirut: Saqi, 2006. Khayyat, Yasmine. War Remains: Ruination and Resistance in Lebanon. New York: Syracuse University Press, 2023. Kristeva, Julia. Desire in Language: A Semiotic Approach to Literature and Art. Leon S. Roudiez (ed.). Homas Gora, Alice Jardine & Leon S. Roudiez (trans.). Columbia: Columbia University Press, 1969. _______. Revolution in the Poetic Language. Margaret Waller (trans.). Leon S. Roudiez (Intro.). New York: Columbia University Press, 1984. Leach, Neil (ed.). Rethinking Architecture: A Reader in Cultural Theory. New York: Routledge, 1997. Lefebvre, Henri. The Production of Space. Donald Nicholson–Smith (trans.). Malden: Blackwell Publishing, 1991. _______. Writings on Cities. Eleonore Kofman & Elizabeth Lebas (trans.). Oxford: Blackwell Publishers, 2000. _______. The Critique of Everyday Life: The One–Volume Edition. London: Verso Books, 2014. Lemke, Thomas. The Government of Things: Foucault and the New Materialists. New York: New York University Press, 2021. Low, Setha. "Embodied Space(s): Anthropological Theories of Body, Space, and Culture." Space & Culture. vol. 6, no. 1 (2003). Lukács, Georg. The Theory of the Novel: A Historico–Philosophical Essay on the Forms of Great Epic Literature. Anna Bostock (trans.). London: The Merlin Press, 1971.
Malpas, Jeff. Rethinking Dwelling: Heidegger, Place, Architecture. London: Bloomsbury Academic, 2021. Massey, Doreen. For Space. London: Sage Publications Ltd, 2005. McNamara, Kevin R. (ed.). The Cambridge Companion to The City in Literature. New York: Cambridge University Press, 2014. Moretti, Franco. Distant Reading. London: Verso Books, 2013. ________. Graphs, Maps, and Trees: Abstract Models for. Literary History. London: Verso, 2005. Park, Robert & Ernest W. Burgess. The City. Chicago: The University of Chicago Press,
Prendegast, Christopher (ed.). Debating World Literature. London: Verso, 2004. Said, Edward. The World, the Text, and the Critic. Cambridge: Harvard University Press, 1983. _______. Reflections on Exile & Other Literary and Cultural Essay. New York: Granta,
Salibi, Kamal. A House of Many Mansions: The History of Lebanon Reconsidered. London: I.B. Tauris, 2005. Sawalha, Aseel. Reconstructing Beirut: Memory and Space in a Postwar Arab City. Austin: University of Texas Press, 2010. Selden, Raman, Peter Widdowson & Peter Brooker (eds.). A Reader’s Guide to Contemporary Literary Theory. London: Routledge, 2016. Silverman, Hugh. "What is Textuality? Part II." Phenomenology + Pedagogy. vol. 4, no. 2 (1986). Soja, Edward. The Political Organization of Space. Washington: The Association of American Geographers, 1971. _______. "The Socio–Spatial Dialectic." Annals of the Association of the American Geographers. vol. 70, no. 2 (1980). _______. Postmodern Geographies: The Reinsertion of Space in Critical Social Theory. London: Verso, 1989. Solnit, Rebecca. Wanderlust: A Short History of Walking. London: Granta Books, 2014. Spivak, Gayatri Chakravotry. "Megacity." Grey Room. no. 1 (2000). Tally Jr., Robert. Geocritical Explorations: Space, Place, and Mapping in Literary and Cultural Studies. New York: Palgrave Macmillan, 2011.
________. Spatiality. London: Routledge, 2013. ________. Literary Cartographies. New York: Palgrave Macmillan, 2014. Tally, Robert Jr. (ed.). The Routledge Handbook of Literature and Spacei. New York: Routledge, 2017. Traboulsi, Fawwaz. A History of Modern Lebanon. 2 nd ed. London: Pluto Press, 2012. Turchi, Peter. Maps of the Imagination: The Writer as Cartographer. San Antonio: Trinity University Press, 2004. Ward, Barney & Santa Arias (eds.). The Spatial Turn: Interdisciplinary Perspectives. London: Routledge, 2009. Young, Robert. "Contemporary Literary Theory: Its Necessity and Impossibility." The Newest Criticisms. vol. 9, no. 3 (1982).