ماءٌ مُتنجَم: تتبّع الحياة في قرية فلسطينية مستعمَرة في زمن الأنثروبوسين
Star–Tied Water: Tracing Life in a Colonized Palestinian Village during the Time of the Anthropocene
الملخّص
تتّبع هذه الدراسة بعض الممارسات التي تُحقق استمرارية الحياة في القرية الفلسطينية، من خلال الاقتراب الحميمي من الممارسين، ومنهجية البطء، حيث يجري تفكيك عصر الأنثروبوسين الذي يشكل تجلّيًا لزمن التسارع الذي يرتكز على تمفصل "الحداثة/ الاستعمار/ الرأسمالية". وتكمن محاولة صدّ هذا التسارع في البيئة الحسّية، أي من خلال لمس العلائقية بين كل مكوّنات البيئة بداية من الأرض وما تحتها، وصولًا إلى السماء والنجوم، مرورًا بالدم في عروقنا. فالماء المتنجم الذي تبحث فيه هذه الدراسة، يعطينا إمكانية تتبع مسار آخر للحركة الرابطة بين البيئة والجسد، والتأمل في المكان كله حولنا، ورصد الممارسات التي تصل بين أزمنة الماضي والحاضر والمستقبل.
Abstract
Abstract: This article traces practices that ensure the continuity of life in the Palestinian village, approaching practitioners intimately through a methodology of slowness. It seeks to deconstruct the Anthropocene, an embodiment of the accelerated time that is intertwined with modernity, colonialism, and capitalism. The attempt to resist this acceleration lies in the sensory environment, through the relationality between all its components, from the earth and its depths to the sky and stars, passing through the blood in our veins. The Star–tied water, which this article explores, offers the possibility of tracing an alternative trajectory of interconnected movement between the environment and the body, allowing for contemplation of the surrounding space and the identification of practices that bridge past, present, and future.
- الماء
- فلسطين
- القرية
- الاستعمار
- البيئة
- المشهد الطبيعي
- water
- Palestine
- Village
- Colonialism
- Environment
- Landscape
ملخص: تتّبع هذه الدراسة بعض الممارسات التي تُحقق استمرارية الحياة في القرية
الفلسطينية، من خلال الاقتراب الحميمي من الممارسين، ومنهجية البطء، حيث يجري
تفكيك عصر الأنثروبوسين الذي يشكل تجلّيًا لزمن التسارع الذي يرتكز على تمفصل
"الحداثة/ الاستعمار/ الرأسمالية". وتكمن محاولة صدّ هذا التسارع في البيئة الحسّية، أي
من خلال لمس العلائقية بين كل مكوّنات البيئة بداية من الأرض وما تحتها، وصولًا إلى
السماء والنجوم، مرورًا بالدم في عروقنا. فالماء المتنجم الذي تبحث فيه هذه الدراسة،
يعطينا إمكانية تتبع مسار آخر للحركة الرابطة بين البيئة والجسد، والتأمل في المكان كله
حولنا، ورصد الممارسات التي تصل بين أزمنة الماضي والحاضر والمستقبل.
Abstract: This article traces practices that ensure the continuity of life in the Palestinian village, approaching practitioners intimately through a methodology of slowness. It seeks to deconstruct the Anthropocene, an embodiment of the accelerated time that is intertwined with modernity, colonialism, and capitalism. The attempt to resist this acceleration lies in the sensory environment, through the relationality between all its components, from the earth and its depths to the sky and stars, passing through the blood in our veins. The Star–tied water, which this article explores, offers the possibility of tracing an alternative trajectory of interconnected movement between the environment and the body, allowing for contemplation of the surrounding space and the identification of practices that bridge past, present, and future.
PhD Researcher in Social Sciences, Birzeit University, Palestine. Email: yasmeen_qadan@hotmail.com
مقدمة
تركّز هذه الدراسة على "تتبّع الحياة" من خلال المشهد الطبيعي وبعض الممارسات
المساكنية Dwelling Practices في قريةٍ فلسطينية مستعمَرة في زمن الأنثروبوسين. يقوم هذا
التتبع على اعتبار "البيئة" جزءًا مما تشمله المعرفة المحلية الحسيّة والمتغيرة للسكن في حياة القرية.
ويتجاوز السكن Dwelling كما تطرحه الدراسة مجرد العيش في مساحة مادية، ليشمل التفاعل المعقد بين الناس وبيئتهم، والمعنى الذي يُضفونه على تجربتهم الحياتية. ويتعلق الأمر بفهم كيف يبني الناس
واقعهم، من خلال علاقتهم بمحيطهم عبر عناصر تشمل كل من البيئة المادية، أي البنى والمواد والمشاهد الطبيعية التي يتفاعل معها الناس، مثل منازلهم وأدواتهم والبيئة الطبيعية أولًا، والممارسة التي تتضمن الروتين اليومي والطقوس والنشاطات التي يمارسها الناس داخل مساحة سكنهم ثانيًا، وبما يشمل، على سبيل المثال، الطبخ أو الزراعة أو ببساطة تجوّلهم في أحيائهم وشوارعهم.
أما العنصر الأخير، فهو المعنى الذي يأتي من الأهمية الثقافية والاجتماعية والذاتية المنسوبة إلى مساحة السكن، ويمكن أن يكون ذلك على أساس الصلة بالأجداد والأرض أو المعتقدات الدينية المُدمّجة داخل البيئة أو الذكريات والمشاعر الفردية المرتبطة بمواقع معيّنة. بذا، نتساءل هنا عن
ديناميات التغيير الذي يطرأ على تفاصيل هذه الحياة من خلال الممارسات المساكنية المختلفة في القرية، في زمن التسارع الرأسمالي والاستعماري في فلسطين. وتقوم الدراسة على المجادلة بأن هناك زمنيةً معيشة من الفلسطينيين أبطأ من التسارع الرأسمالي الاستعماري، لكنها أكثر اتساعًا منه
(((للمزيد عن مفهوم السكن أنثربولوجيًا وفلسفيًا، ينظر:
Tim Ingold, Being Alive: Essays on Movement: Knowledge and Description (London: Routledge, 2001); Martin Heidegger, Building Dwelling Thinking: In Poetry, Language, Thought , Albert Hofstadter (trans.) (New York: Harper & Row, 1971), pp. 145–161; Christopher Tilley, A Phenomenology of Landscape: Places, Paths and Monuments (Oxford: Berg, 1994).
(((ترتكز الدراسة في تحديد إطارها الزمني على التسارع الرأسمالي الاستعماري في فلسطين، من الاستعمار البريطاني وامتداده للوقت المعاصر. فقد قام الاستعمار البريطاني بتفعيل واستخدام قانون ملكية الأراضي العثمانية وتكثيفه؛ إذ قسّم هذا القانون
الأراضي خمسة أنواع ضمن عملية تقنين للأراضي الزراعية وتخصيصها، وعقلنة الإنتاج الزراعي، وتسهيل جبي الضريبة من دون وساطة العُرف الخاص بالحمولة، وعلاقات القرية العائلية والتضامنية التي كانت تسهّل عمليات "التحايل" التي مارسها الفلاحون
على الدولة العثمانية في الحصول على "نصيبها" من خلال تفعيل نمط إنتاج زراعي مشاعي. تبعًا للمنظور الماركسي البنيوي،
استغل الاستعمار البريطاني هذا القانون الذي كان يؤطر نمط الإنتاج السابق على حلوله في فلسطين، من أجل تحقيق الوساطة التي كها تضمن دخول نمط الإنتاج الرأسمالي عبر الاستثمارات التي قدّمها رأس المال اليهودي الأوروبي باعتماد شراء الأراضي من مّل
الغائبين، أو استغلال قانون "الأراضي الموات" لحرمان الفلاحين الفلسطينيين من زراعتها وتقديمها لليهود والأوروبيين لبناء المستوطنات، وتوفير الأسواق لمنتجاتها التي أدّت إلى هدم قيمة المحصول المحلي الزراعي الفلسطيني. في هذه المفصلة، جرى
استدخال رأس المال النقدي إلى علاقات إنتاجية ما قبل رأسمالية. وقد أدى التعامل النقدي مع المنافسة مع البضائع الأوروبية، وركود المنتج المحلي، إلى زيادة مديونية الفلاحين، وتوجّههم إلى العمل المأجور، ومن ثمّ زيادة فائض القيمة لمصلحة المستعمرات
الأوروبية اليهودية، وتوسيع نمط الإنتاج الرأسمالي. لقد أنتج إخلاء الأراضي من الفلاحين الفلسطينيين وتوجّههم بصورة قسرية إلى
العمل المأجور، والهيمنة المتزايدة لنمط الإنتاج الرأسمالي فائضَ قيمة عُليا، وخلق فوارق طبقية متزايدة داخل الريف الفلسطيني،
وأفرز نخبًا محلّية من مّلك الأراضي الذين استغلوا هم أيضًا قانون الملكية نفسه، وإن لم تكن لهم سلطة التوسع نفسها التي كانت
لنمط الإنتاج الرأسمالي الذي لم بفعل الوساطة السياسية التي قدّمها الاستعمار البريطاني لأصحاب رؤوس الأموال يتحقق إّل
الأوروبيين في فلسطين. ينظر:
Talal Asad, "Class Transformation under the Mandate," MERIP Reports , no. 53 (December 1976).
في هذه البيئة التي تمتد من النجوم إلى الأرض، وفي المياه العميقة حولهم، وفي أجسادهم. ويمكّننا تتبع هذه الحياة المَعيشة من استكشاف الاستمرارية التي تأخذ في اعتباراتها فكرة البيئة الحيّة والمتغيرة
بكل مكوّناتها، بعكس طرح الأنثروبوسين عن بيئةٍ ليس لها إّلأن تموت وتنقرض على اعتبار الخطاب ا
الرأسمالي/ الاستعماري المعاصر. في سياق فلسطين المستعمَرة، لا تزال دراسة البيئة عالقة بفخ "الفقدان" الاستعماري، لبيئة مسلوبة
ومنكوبة، وأملٍ في حلول الدراسات والتطبيقات العلمية والتنموية للبيئة، التي تصب في البنية الإبستيمولوجية نفسها المشتقة من تمفصل الحداثة/ الاستعمار/ الرأسمالية، مساهمة في صيانتها. ويرتكز نقاشنا على "البيئة الحسيّة" وجوديًا، وذلك من خلال فهم المعاني المعطاة لها بوصفها معرفةً
محلية تعاش يوميًا على نحوٍ متعدد ومتغير ومتناقض، تبعًا لزمنيتها الخاصة التي تتفاعل مع الزمن
الاستعماري على عدة مستويات. وثمة محاولات قليلة، مثل كتابات توفيق كنعان، حاولت أن تحفر في علاقة قديمة بين الفلاح الفلسطيني والبيئة التي يسكنها، وفي الإشارات البيئية التي كان يدركها باعتبارها علامات لتقلّب الطقس وكمية المحصول ونوعيّته، ومواقيت بدء الحرث والزراعة، تبعًا لتقويم
الحياة المعتمِد على: النجم، الحيوان، النبات، الصخر، الماء. لكن، جرى استخدام هذه الدراسات لتصنيف الممارسات البيئية الفلاحية الفلسطينية باعتبارها جامدة أو ثابتة، ومُدرجة تحت فروع من
"التقاليد" و"التراث"؛ وإذ تثير مثل هذه الدراسات التساؤل عمّا إذا كانت القرية الفلسطينية لا تزال
موجودة (حيّة) اليوم، فإن هذه الدراسة تقوم على القول ببقاء القرية الفلسطينية، مع الانتباه إلى أننا
لا نستطيع فهم التغيرات في طبيعة هذه القرية وممارسات الفلاح الفلسطيني، وعلاقته بالبيئة التي يسكنها، إذا ما تمّ تأطيرها ضمن دراسات "تراثية"، تغيّب النظر إلى البيئة من خلال الممارسات اليومية
المَعيشة (في/ مع) المشهد الطبيعي، والتغيرات التي تشهدها هذه البيئة مع تجارب الحياة. ولذلك،
يهدف هذا المقترح، على وجه التحديد، إلى تأكيد استمرارية الفلاح الفلسطيني والقرية، لكن ضمن منظورٍ مختلف، ويتطّلب منّا اتّباع منهجية "البطء – مثل "سُلحفاة بنيامين ضًّدًا بالتسارع المهيمن –
الذي يصنف كل شيء حولنا. وعلى هذا الأساس، نتّجه في هذه الدراسة نحو تصوّر حركةٍ مختلفة،
(((تأتي ثلاثية الحداثة/ الاستعمار/ الرأسمالية التي تُبنى عليها إعادة تعريف البيئة فلسطينيًا من خلال تمفصل كل من التقدم
والسرعة والقيمة والاستهلاك والعنف والاستنزاف، من دون فصل أي من المكوّنات السابقة عن الأخرى. وقد بنيت هذه الثلاثية من
خلال فرض التصنيفات التي شرعنت عملية متواصلة ومتسارعة من تدمير الأجساد والبيئة المستعمرَة، كما سيتم توضيحه على امتداد
محاور هذه الدراسة.
(4) Tawfiq Canaan, "Folklore of the seasons in Palestine," Journal of the Palestine Oriental Society , vol. 3 (1923), pp. 21–35; Tawfiq Canaan, "Plant–lore in Palestinian Superstition," Journal of the Palestine Oriental Society , vol. 8 (1928), pp. 163–203.
يضاف إلى ذلك مشروع مجلة التراث والمجتمعالذي أنشأته جمعية إنعاش الأسرة في بداية سبعينيات القرن الماضي، والذي استند إلى العديد من كتابات توفيق كنعان، وظهرت فيه ترجمات لنصوص عديدة له، ومواضيع أخرى صنّفت تحت اسم التراث والفلكلور
ينظر: جمعية إنعاش الأسرة، شوهد في 2024/10/20، في: bdnatmyz / tinyurl.com:// https
(5) Walter Benjamin, "Central Park," in: Walter Benjamin, Walter Benjamin: Selected Writings , vol. 4: 1938–1940, Howard Eiland & Michael W. Jennings (eds.) (Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University press, 2003), pp. 30–31.
يمكن أن تقدّمها الحياة المحلية في البيئة/ المشهد الطبيعي؛ ما يجسّد تواصل الأزمنة كافة (الماضي،
والحاضر، والمستقبل). تركّز هذه الدراسة على قصص محددة من حياة قريتي (الجاروشية) والممارسات التي عايشتها داخل عائلتي وخارجها، والتي استغرقتُ سنوات عديدة أتأمّلها، من خلال منهجية الإثنوغرافيا الذاتية. وقد أطّرت معايشتي وتأمّلي في سياق التناقض الذي نعيشه في هذا الزمن المتسارع الذي غالبًا ما يقوم على
تجاهل – أو إماتة – الروابط الحسيّة التي نعيشها يوميًا؛ وهو ما يتطلّب نهجًا أبطأ لرؤيتها وسماعها
والتفاعل معها. من بين القصص التي أعتمدها علاقة والدتي بوضع الماء ليل على حافة نافذة منزلنا، لتربطها بالنجوم "تنجيم الميّ"، وذلك لغايات علاجية. عادة، يتم تصنيف هذه الممارسة باعتبارها
جزءًا من "التقاليد" التي اندثرت منذ فترة طويلة، لكني أقترح أنها بالفعل ممارسات تختلف في زمنيتها
بحسب من يدركها أو يعيش بها، أو يسير نحوها ببطء. وتنبغي الإشارة هنا إلى أن "تنجيم الميّ"
ارتبط، إضافة إلى الشفاء المرجوّ، بعلاقات الزواج والإنجاب التي تجمع بين "الكل البيئي" من الماء
والنبات والنجوم والدم. وتدور كل القصص حول العلاقات في القرية التي تعتمد أساسًا على تغيّر
المشهد الطبيعي بكل مكوّناته، تبعًا للشرخ الحادث خلال الزمن الاستعماري/ الرأسمالي. ومن خلال
هذه القصص، تُجادل الدراسة بأن الممارسات المساكنية المتغيرة، على الرغم من عيشها هذا الزمن المتسارع، فإنها /تُبقي الروابط الحسيّة الوجودية مع البيئة المسكونة في الزمن الآني، حيث تمتزج مع
كل التهجين القائم على "القيم" المادية أو الرأسمالية/ الاستعمارية فيه. تُدرج هذه الدراسة في أربع مصاطب معرفية، يتبانى بعضها وينمو مع بعض الآخر، تبدأ المصطبة الأولىبتوضيح الكلمة الأخيرة من عنوان الدراسة "الأنثروبوسين"، حيث تُكوّن إطارًا يجري
تفكيكه نظريًا، وعلى عكس ما قد يظن القارئ من تقديمي النظرية على الميدان وقصصه، فإنه سيتضح أن هذا التقديم هو جزء من منهجية البطء التي نقارب بها حركة الحياة في تساوق مع العناوين الأخرى. ومن ذلك، تأتي المصطبة الثانية في صدّ السرعة والتسارع التي ظهر منها الأنثروبوسين، تبعًا لطروحات نفنّد بها اتهامات "التقليدية" و"التراثية" التي قد تأتي مع تفاصيل حكاية الماء المتنجّم في المصطبة
الثالثة التي تتّبع الحياة عبر الممارسات المساكنية بين الماضي والحاضر والمستقبل. وختامًا، نعيد قراءة القرية بما هي مكان ومشهد طبيعي، بعيدًا عن الاختزالات الثقافية التمثيلية؛ لكونها مكانًا متحركًا عبر التجارب والإيقاعات الزمنية. ويكمن الخط الواصل بين كل هذه المصاطب في البطء، حيث يقوم البطء بصفته منهجية بالتقاط الإحساس، واستمرارية الحياة في تفاصيل حميمية نعيشها وندركها، أو نستعيدها ضمن المعيش اليومي.
(((تُستخدم كلمة مصطبة في هذه الدراسةضمن سياقٍ فلسطيني، نستهلم منه الحياة الزراعية والطبوغرافية المرتبطة بعملية حماية
الأشجار في الجبال والتلال، وتخزين أكبر قدر من مياه الأمطار، عبر استخدام الصخور الجبلية الصغيرة أو الكبيرة. تُصمّم المصاطب
على شكل مدرجات تكون فيها ممرات للمياه ولحركة الأجساد البشرية والحيوانية أو الآليات الزراعية، وهي عملية بطيئة وشاقة. أما الاستخدام المعرفي هنا، فيستند إلى ما في تصميم المصاطب من التدرج والبطء، مطّب قًا على تساند الأطروحات المتتالية التي
تتبانى سويّة طرحًا وتصميمًا.
أولا: زمن الأنثروبوسين: التمفصل الإبستيمولوجي للحداثة/ الاستعمار/ الرأسمالية
يستدعي مفهوم "الأنثروبوسين" شعورًا مباشرًا بالغرابة لحظة قراءته ومحاولة استقباله؛ يأتي ذلك من
كونه حمل معه خطابًا علميًا يُحدّد زمن الحياة من خلال إعلاء التهديد البيئي، وحسابات تدّعي القدرة
على تحديد مدّة بقاء هذه الأرض حيّة. يقدم لنا دخولنا في الأنثروبوسين تمهيدًا واسعًا لفهم البنية
الإبستيمولوجية التي تتمفصل فيها ثلاثية الحداثة/ الاستعمار/ الرأسمالية، وكيفية حدوث الشرخ الزمني والاجتماعي الذي يأتي متسارعًا تحت عنوان هذه الحقبة، لجعل أجسادنا جزءًا من إعادة تعريف
العلاقة بالبيئة والحياة حولنا من خلال شبح الإماتة. صاغ مصطلح الأنثروبوسين عالم الأرصاد – عالم في كيمياء الغلاف الجوي – بول ج. كروتزن، في دراسة له عنوانها "الجيولوجيا البشرية"؛ أوضح فيها أن البشرية أحدثت تغييرات هائلة على سطح الأرض؛ أدت إلى نوع من القطيعة مع عصر "الهولوسين". بدأ عصر الأنثروبوسين، تبعًا لكروتزن، منذ القرن الثامن عشر وتصنيع الآلة البخارية التي ساعدت في زيادة نسبة الغازات المسببة الاحتباس الحراري وتدمير طبقة الأوزون، مع ترافق ازدياد عمليات قطع الغابات والصيد الجائر واستغلال المواد الخام في كل مكان، وترافق أيضًا مع نموّ سكاني متعاظم. عمومًا، يعني مصطلح الأنثروبوسين،
بقوّته اليوم، "عصر البشر". ويأتي تحديد هذه التسميات وتعيين القطيعة بين العصور، تبعًا لمنهجية
الجيولوجيين الذين يتفحصون طبقاتٍ من الصخور تُسمى الطبقات الأرضية Strata، التي تروي قصة التغيرات الناجمة عن سير العمليات التي تجري على سطح الأرض، أو بالقرب منه، سواء أكانت عمليات محيطية، أم بيولوجية، أم أرضية، أم نهرية، أم جوية، أم تكتونية أم كيميائية. على الرغم من تحديد كروتزن بداية عصر الأنثروبوسين في القرن الثامن عشر، فإن خلافًا "علميًا"
حولها لا يزال قائمًا. فقد اقترح عالمَا الجغرافيا، سيمون لويس Lewis Simon، ومارك ماسلين
Maslin Mark، أن عام 1610 يمكن أن يكون هو بداية إحداث البشر تغييراتٍ حاسمة؛ حيث انخفضت نسبة ثاني أكسيد الكربون في ذلك العام انخفاضًا ملحوظًا، ما يشير إلى بصمة بشرية تتعلق بتأثير مستعمري العالم الجديد (أميركا) في زراعة السكان الأصليين. وتتفق مجموعة أخرى من العلماء على أن الفترة التي تلت عام 1950، والتي سمّاها كروتزن "التسارع العظيم" Great Acceleration،
شهدت مجموعة من العوامل زادت في تأكيد سمات الأنثروبوسين، بدءًا من تكاثر عدد سكان الكرة
الأرضية وتزايد استخدام البلاستيك غير القابل لإعادة الاستعمال، وتكثف الأسمدة النيتروجينية وتزايد
(7) Peter Brannen, "The Anthropocene is a Joke," The Atlantic , 13/8/2019, accessed on 20/10/2024, at: https://tinyurl.com/ 2avcuyjz
(((عالم غرابوفاك، "الإنسان أم الطبيعة: تصور الأنثروبوسين"، فكر وفن، العدد 99 (2012)، ص.59 ((("ترحيب رسمي بمرحلة الأنثروبوسين"، ناسا بالعربي، 2016/12/21، شوهد في 2024/10/20، في:
https:// tinyurl.com / ykye2spp
(((1 المرجع نفسه.
الإشعاعات النووية بمعدلات سريعة جدًا. وبالفعل، حدثت منذ منتصف القرن العشرين تحّولّات
عميقة في حالة النظام الأرضي وطريقة اشتغاله، تمتد إلى ما بعد تقلبية العصر الجيولوجي الحديث. ويبدو أن ما يُحرّك هذه التحّولّات هي النشاطات البشرية، وليس التقلبات الطبيعية. وبذلك، اعتُبرت
النشاطات البشرية اليوم قوةً عظمى من قوى الطبيعة، إلى حد وصف البشر ب "القوة الجيولوجية". وعلاوةً على كل ما سبق، يبدو أن العمليات الجيولوجية نفسها تتطوّر بمعدلات متسارعة، بحيث يكون
كل عصر جيولوجي جديد أقصر من سابقه. انطلاقًا من هذا النقاش، يبدأ الطرح هنا بأن هنالك اتفاقًا "علميًا" حول الأنثروبوسين، باعتباره العصر
الذي نعيش فيه اليوم، أما الأجدى من هذا الاتفاق، ومع الإشارة إلى معظم الاتفاقات والاختلافات العلمية الكيميائية والجغرافية والجيولوجية حول موضوع الأنثروبوسين، فهو أن يكون نقاشنا حول أثر مفهوم الأنثروبوسين في ما تعنيه البيئة سياسيًا واجتماعيًا عند تمفصل الحداثة/ الاستعمار/ الرأسمالية.
يُبنى معنى "عصر البشر" عبر القطع الديكارتي الغربي بين الطبيعة والإنسان، وزمن السيطرة على
الطبيعة، حيث تمّ إعلاء مشروع الحداثة من خلال تطوير الممارسات الاستنزافية لموارد الأرض التي
نعيش عليها، وصول إلى تبلور الخطاب الغربي الاستعماري الذي ساعد في تنامي الرأسمالية عبر تراكمٍ متواصل لرأس المال ضمن عجلة زمنية متسارعة، حتى بمسميات الخطاب البيئوي الجديد. تنبغي الإشارة إلى أن ملاقاتنا مفهوم الأنثروبوسين كانت جزءًا من بحثنا حول مفهوم البيئة الذي
ينطوي على إرث معرفي فلسفي، ويؤسّس على الصراع حول تعريف الطبيعة والتأملات حول ماهيتها
واختلافها عن الإنسان. إن ما شدّنا، تحديدًا، هو التحول المركزي في الفلسفة الأوروبية الحديثة
خلال القرن السابع عشر، الذي شهد عداءً واضحًا لما أطلق عليه "حالة الطبيعة"، في ارتباط باستعمار
الأميركتين بوصفها لحظة بدء زمنية للأنثروبوسين. لقد كان التحوّل الأبرز مع ديكارت الذي أرسى
حدًا فاصل بين الإنسان والطبيعة، بفعل عقلانية "أنا أفكر، أنا موجود"، وأن الطبيعة هي المادة (الموضوع)، وأن على الإنسان أن يسيطر عليها لحاجته. وقد امتدّ هذا النهج الديكارتي لتعزيز الثنائيات في تخصصات العلوم الطبيعية والاجتماعية، كما ساهم في تعزيز المنطق الغائي والأداتي الذي كان عنوانًا لمشروع الحداثة/ الاستعمار/ الرأسمالية. تبعًا لهذا التصور، يأتي تفكيك مفهوم "التسارع" أداة تحليلية، وليست وصفية فحسب، لتعطينا فهمًا واضحًا عن "الأنثروبوسين" بوصفه زمنية متواصلة
للحداثة/ الاستعمار/ الرأسمالية. يجادل هارتموت روزا Hartmut Rosa من النظر إلى الحداثة ا بأنّه بدل باعتبارها عملية عقلنة " Rationalization "، يستحسن فهمها باعتبارها مدفوعة بعمليات التسارع الاجتماعي. ويمكن اعتبار أن أزمات عصر الحداثة المتأخرة تنظمها منطقيات التسارع " Escalation "،
((1(جودي وايكمان ونايجل دود، علم اجتماع السرعة: زمنيات رقمية، تنظيمية واجتماعية، ترجمة حسن احجيج (الجبيل: صفحة 7، 2022)، ص.81–80 ((1(ينظر: هنريك سكوليموفسكي، الفلسفة البيئية، ترجمة ديمتري أفييرينوس (دمشق: الأبجدية للنشر، 1992)؛ جان جاك
ميخالف، "هيدجر... مفكر العودة إلى الوراء"، ترجمة محمد سبيلا، الاتحاد، 2020/8/6، شوهد في 2024/10/20، في:
bdfudu9k / tinyurl.com:// https؛ عمر مهيبل، إشكالية التواصل في الفلسفة العربية المعاصرة (بيروت: الدار العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف والمركز الثقافي العربي،.)2005
وإلغاء التزامن " De–synchronization "، حيث أصبحت الفكرة، التي مؤادها أن المستقبل ينبثق بسرعة أكبر من أي وقت مضى، أمرًا مسّل"ملّا به في التفكير في المستقبل، أو في "علم المستقب. في نقل
القطع الديكارتي إلى باطن الثورة الصناعية وانتشار الاستعمار لمصلحة تمدّدها، حصل تسارع استثنائي لاستخدام الطاقة منذ الاحتراق الأولي للوقود الأحفوري الذي بدأ في إنكلترا في أواخر القرن الثامن عشر. يُعدّ هذا الاحتراق لتوليد الحرارة والطاقة والحركة أهم خاصية تُميّز العالم الحديث؛ فلاتوجد
حداثة نظيفة ودينامية ومتسارعة من دون كميات كبيرة جدًا من الوقود الأحفوري يتم حرقها، من الفحم والغاز والنفط. لقد أنتجت هذه المحركات البخارية التي تعمل بالفحم مواقع عمل وصناعات ومنتجات جديدة ومصانع ضخمة ومدنًا شاسعة، وسرعة تعتمد على الآلات من خلال نظام السكك الحديدية. كانت الطاقة المعتمدة على الفحم مهمة، خاصة لتشغيل الحركة البشرية. فقبل القرن التاسع عشر، كانت الحركة بطيئة، سيرًا على الأقدام وعلى الحمّالة والدواب والمراكب الشراعية والعربات
المجرورة بالحيوانات. وجاءت السكك الحديدية التي تعمل بالفحم، وهي "الآلات المتنقلة الأولى"، لتُعيد هيكلة العالمَين المادي والاجتماعي. وفي أطروحة فذّة عن السرعة والحداثة، يشير بول فريليو
في كتابه السرعة والسياسة إلى أن مشروع الحداثة كان في أساسهثورة سرعة، وليست ثورة صناعية، وبأن أساسها كان سياسة تغيير التعامل مع الزمان والمكان والشعور بهما عبر حركةٍ مستمرة وسريعة، لاا يُسمح خلالها للمرء بالركود أو البطء، وإّل تمّ استبعاده من النظام. ومن ثمّ، فإن استخدام مفهوم
"التسارع" لا يأتي من خلال التسريع المادي للنقل فحسب، بل من التسريع الزمني للحاضر والمستقبل أيضًا، عبر مبدأ التقدم في اتجاه زمني خطي لمصلحة من يمتلك أداة التسريع. وفي المقابل، لم تتوافر للطبيعة السرعة نفسها في التخلّص من الغازات والنفايات المصاحبة للتسريع المادي؛ ما أدى إلى نشوء ما أطلق عليه روزا "إلغاء التزامن". فكلما كان هناك اقتران أو "توافق" زمني بين نظامين أو فاعلين أو عمليتين، وتم تسريع أحدهما، بدا الآخر بطيئًا جدًا، وتحوّل إلى انقطاع أو عائق، وصار التزامن
متوترًا. يمكن القول إنه يمكن إعادة تأويل جميع أبعاد ما نُسمّيه "الأزمة البيئية" تقريبًا، باعتبارها
مشكلة زوال للتزامن. فمن جهة، لا توجد مشكلة على الإطلاق في قطع الأشجار وصيد الأسماك – لكن المشكلة في أننا نقطع الأشجار في الغابة المطيرة، ونصطاد الأسماك في المحيطات بمعدلات عالية جدًا، تفوق معّدلّات تكاثرها – قدرتها على إعادة بناء حياتها. كما من الواضح أن الفرق الزمني يتّسع كثيرًا بين معدل استهلاكنا النفط وإمدادات الطاقة الأخرى القائمة على الكربون والزمن الذي تحتاجه
الطبيعة لإعادة إنتاج هذه الطاقة. وفي المثل، فإن معظم ما يعتبر "تسميمًا" للبيئة بالانبعاثات، يمثّل
مشكلة فحسب، لأننا ننتج هذه المواد والانبعاثات بسرعة أعلى من قدرة الطبيعة على التخلّص منها.
(((1 وايكمان ودود، ص.16 (((1 المرجع نفسه، ص.78–77 (((1 المرجع نفسه.
(16) Paul Vilirio, Speed and Politics , Marc Polizzotti (trans.) (Los Angeles: Semiotex, 2007).
(((1 وايكمان ودود، ص.62–61 (((1 المرجع نفسه، ص.62
هنا نستحضر نقد جيسون مور لمفهوم "الأنثروبوسين"، ويتلاعب به لُغويًا ليصبح "كابيتالوسين"؛ أي إنه عصر "الرأسماليوسيين"، وليس أي إنسان. فالرأسمالية هي المنتج الوحيد للأزمة البيئية التي عملت على تغيير معادلات العصر الجيولوجي. يعتمد مبدأ التسارع هذا أساسًا على تحويل الطبيعة كلها إلى "قيمة"، وهذا يشمل الغاز والماء والنفط،
والأهم الأرض نفسها. فالأخيرة هي مخزن لكل ما تحتها وما فوقها؛ لهذا هي ركيزة للرأسمالية باعتبارها مصدرًا أساسيًا في تراكم رأس المال. وعبر تطوير الممارسات الاستعمارية تبعًا للمنطق
الغائي والأداتي، والأهم منه نظام تصنيف الآخر، تم تسريع الاستنزاف الطبيعي وانتهاك المجتمعات باطراد منذ القرن السابع عشر. بعبارة أخرى، تكمن نواة الرأسمالية في تصنيف "الآخر" ضمن نظام عرقي تجعله غير مؤهل لتقدير الملكية، وفي حاجة إلى وصي عليها، ضمن نظام يُشرعن العنف ويبيح الإبادة الجماعية للاستحواذ على الأرض. وقد نتج ذلك من داخل أوروبا نفسها، ثم انتقل إلى المستعمرات، مثل ما حدث مع الإيرلنديين. فقد تم تطوير هذه الممارسات الاستعمارية وتطبيقها في كل المجتمعات المستعمَرة، بتنفيذ أنظمة إدارية وحسابية لقياس مساحات الأراضي وخصخصتها، لفرض تعميم منطق "الملكية الفردية"، ونزع العديد من السكان من بيئاتهم عبر سيطرة الشركات الكبرى على الأراضي وتقديم زراعة متجانسة تتطابق مع حاجة السوق. حدث ذلك أيضًا في فلسطين، عبر تفعيل قانون الأراضي فترة الاستعمار البريطاني، ونزع الأراضي لمصلحة الجماعات الاستيطانية الصهيونية، التي جعلت الإبادة الجماعية أساسًا لنزع الأرض من الفلسطينيين
مع نكبة عام 1948. هنا ينبغي لنا الإشارة إلى أن العنف سمة أساسية، رافقت بدايات القطيعة بين الإنسان والطبيعة في الحداثة/ الاستعمار/ الرأسمالية، إّل أن سمة العنف البيئي المعاصر أنه غير مرئي وعابر للزمان والمكان؛ فهو عنف بطيء، يحتاج إلى وقت طويل بعد تغلغله في الأرض والأجساد لظهور آثاره فيها، وهو ما تركز عليه الرأسمالية في مناطق الجنوب العالمي المستعمَر الذي يكون فيه ضحايا هذه الأرض غير متجانسين. يمس العنف البطيء أرضًا وجسدًا المستعمَرين الفقراء، وليس أي أرض، ولا أي جسد، على عكس تعميم "النحن" للإنسان العالمي في خطاب الأنثروبوسين.
(19) Jason W. Moore, Anthropocene or Capitalocene?: Nature, History, and the Crisis of Capitalism (New York: PM Press, 2016).
((2(سيدريك روبنسون، الماركسية السوداء: تكوين حراك ثوري للشعوب السوداء (القاهرة: المركز القومي للترجمة،.)2005
(21) Tania Li Murray, "After the Land Grab: Infrastructure Violence and the Mafia System in Indonesia’s Oil Palm Plantation Zone," Geoforum , vol. 96 (2018), pp. 328–337.
(((2 للمزيد، ينظر: محمد السيد صلاح الدين، "ملكية الأراضي في فلسطين 1948–1918"، أطروحة لنيل درجة الدكتوراه، الجامعة
الأردنية، 1993؛ صابر موسى، "نظام ملكية الأراضي في فلسطين في أواخر العهد العثماني"، شؤون فلسطينية، العدد 95
(تشرين الأول/ أكتوبر 1979)؛ صابر موسى، "نظام ملكية الأراضي في فلسطين (1937–1917)"، شؤون فلسطينية، العدد 101 /(نيسان أبريل.)1980
(23) Rob Nixon, "Neoliberalism, Slow Violence, and the Environmental Picaresque," Modern Fiction Studies , vol. 55, no. 3 (Fall 2009), pp. 443–467.
يمكن القول إن سؤال الأنثروبوسين يُطرح من خلال سؤالٍ أوسع، ليس عن البيئة بشكل محدود، بل عمّا
يطرحه ديبش شاكراباتي – من خلال القول "توَهان الفكر التاريخي"؛ ما يقصده شاكراباتي هنا هو أن
العصر الأنثروبوسيني يُظهر تصادمًا بينثلاثة "تاريخات" يُفترض عادة، من وجهة نظر تاريخ الإنسان، أنها
تعمل بسرعات ومعّدلّات مختلفة، حيث يجري التعامل معها باعتبارها عمليات منفصل بعضها عن بعض للأغراض العملية كلها: تاريخ نظام الأرض، وتاريخ الحياة بما في ذلك تطور الإنسان على الكوكب، وتاريخ الحضارة الصناعية الأكثر حداثة (الرأسمالية). يتقاطع البشر الآن عرضيًا بين هذه "التاريخات"
الثلاثة التي تعمل بمقاييس زمنية مختلفة وبسرعات متباينة. إن اللغة نفسها التي نتحدث بها عن أزمة المناخ مشوبة بمشكلة تحديد البشري وغير البشري في الزمن. وعبر اللغة البيئوية، يجري تصوير المناخ على هيئة الوحش الذي يفاجئ بافتراسه الحياة، أو فهم دورة الكربون في حياة الأرض بجعله يأكل الحياة، بينما يشير زمن الأرض إلى قدرتها على التخلّص منه. وهذا يشكل توهانًا آخر عن فاعلية غير البشري ضمن البشري الذي يأتي "من البشر". يرد فرنسوا هارتوغ François Hartog على هذا القول بأن زمن الأنثروبوسين هو نتاج الحاضرية التي تلغي سلطة التاريخانية، فيصبح الزمن متوقفًا في الحاضر عبر توظيف مجتمعات الماضي من أجل اللحظة الآنية، ومن ثم محو اتصالنا بالماضي عبر سلطة قرينتَي الذاكرة والتراث في إعادة إنتاج للزمن الحداثي. وترّد رُبا صالح على هذه الجملة الختامية بإزاحة زمن
الأنثروبوسين الذي يقفز عن قطعٍ سياسي بين اللاجئ الفلسطيني وبيئته التي سُلبت منه، لأن اللجوء شكّل
حالةً مخيالية ومادية في ربط الأجساد بالبيئة الفلسطينية، وتحديدًا الشجر، حيث حاول اللاجئون زرع الأشجار التي تُذكّرهم بقُراهم، مثل أشجار البرتقال والزيتون والليمون والتين في أي مترٍ يتوافر في مخيم اللجوء، وأصبحت هذه الأشجار تشكل امتدادًا حًّيًا يصل بين الماضي والحاضر والمستقبل. يضاف إلى
ذلك أن قصص اللجوء تتضمن دومًا ذكرى تخص الأشجار في القرى الفلسطينية، وتجعل منها علامةً
دائمة تشير إلى حياةٍ كانت، وإلى الأمل في عودتها. ومع أن صالح قدّمت في أطروحتها ما د مّر من قرى
على القرية الباقية، فإنها أشارت إلى زمنٍ بيئي يختلف التعامل معه في حالة اللجوء بين الماضي الحاضر وامتداد الأجساد بينهما، والأمل ومستقبل استعادة الأرض. ولربما يمكن القول إن هناك خصوصية ما للزمن الفلسطيني محّل يًاّا، مقارنةً بمسار الزمن العالمي لمأصبح يُسمّى الأنثروبوسين. تكمن تلك
الخصوصية في تعقيدات "المسار النكبوي" المستمر بتعبير إلياس خوري، الذي يشكل بنية متواصلة من نزع الجسد والأرض والشجر وكل المكوّنات البيئية بلا توقّف، لمصلحة توسيع الإحلال الاستعماري
وجدار الفصل العنصري. فإذا كان زمن النكبة زمنًا خاصًا يعيشه الفلسطينيون، فإنه أيضًا لا ينفصل عن بنية
(24) Dipesh Chakrabarty, "The Anthropocene and the Convergence of Histories," in: Clive Hamilton, François Gemenne & Christophe Bonneuil (eds.), The Anthropocene and the Global Environmental Crisis: Rethinking Modernity in a New Epoch (London: Routledge, 2015), pp. 44–56.
((2(فرنسوا هارتوغ، تدابير التاريخانية: الحاضرية وتجارب الزمن، ترجمة بدر الدين عردوكي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010)، ص.35–30
(26) Ruba Salih & Olaf Corry, "Displacing the Anthropocene: Colonization, Extinction and the Unruliness of Nature in Palestine," Environment and Planning E: Nature and Space , vol. 5, no. 1 (2022), pp. 381–400.
((2(إلياس خوري، "النكبة المستمرة"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 89 (شتاء.)2012
الزمن العالمي الذي ايُستبعد منه كتابةً وتمثيلًا وتأويلًالمغلوبُ والمعذّب والجنوبي؛ ما يستدعي سؤال
تحرير الزمن الحاضر من هذه المقارنة والتأويلات مع أي "تاريخٍ علائقي" مع الأعداء الصهيونيين. واستكم ل لهذا، يمكن القول هنا إن محاولة البحث والنظر والتعلم في الحاضر الفلسطيني في عملية السكن داخل إيقاع الزمن المحلي للحياة المستمرة، ليست تحريرًا بالمعنى الكلي، إنما نوافذ تتّسع من
مأزق حصرنا بالرد من خلال النكبة. وإذ يطرح هذا المبحث من الدراسة الأسس والجدالات النظرية المكثفة التي قام عليها "عصر الأنثروبوسين" في تمفصل الحداثة/ الاستعمار/ الرأسمالية، فقد كان ضروريًا، لتوضيح المنظور
المختلف لزمنٍ آخر، أو زمنيات أخرى متعددة، مختلفة عن الاتجاهات التاريخية الكبرى أو التقدمية الكرونولوجية. ذلك ما يفسر عدم وجود قصة واحدة لما يحدث لوتيرة حياة الناس في سياقات وزمنيات متعددة، تحمل معاني متباينة، ضمن إيقاعات مختلفة، وتعامل متعدد مع التسارع الزمني، تتشابك في الوقت نفسه مع المعرفة المحلية والبيئة الحسيّة.
ثانيًا: البيئة الحسيّة عبر منهجية البطء: محاولات لصد التسارع
نعتمد في هذا المبحث على صد التسارع عبر منهجية البطء التي تقوم مركزيًا على الإحساس بالزمن
الآني، حيث يأخذ الجسد وقته في البيئة لالتقاط الإشارات الحسيَة وخلق علاقةٍ معها، على عكس
ما يفرضه عليه التسارع الرأسمالي الاستعماري؛ وذلك برؤية الحيّز الممكن لاستمرار العلائقية البيئية
في تعقيدات الزمن وحلقاته المتعددة. ومن أجل التفكر في الزمن الآني، وفي حيّز الإحساس به، نشير
هنا إلى الطروحات الفكرية التي خلقت إمكانية رؤية فجوة في الزمن المتسارع، عبر اتصالٍ تمفصلي بين الحاضر والماضي والمستقبل، يسمح بالتشبّع الحياتي من خلال الحواس والشعور والتفاصيل
المتواردة في الذاكرة، وفي الممارسة داخل عملية السكن. إحدى الطروحات الملهمة في هذا الموضوع كانت لوالتر بنيامين حول القدرة على الإحساس بالألوان المتداخلة بين الماضي والحاضر والمستقبل، والقدرة على تحريك اليد والعين ببطء للإحساس بالزمنيات المتعددة. لقد قدّم بنيامين، من خلال استخدامه لوحة "ملاك التاريخ"، تحذيرًا من الكارثة
التي نسير إليها في خط النظام الزمني للرأسمالية الحديثة. وتأتي تأّملّاته لهذا الزمن عادةً في فكرتين
مترابطتين: أولًا، فكرة الزمن بوصفه زمنًا "فارغًا" و"متجانسًا"، حيث تشير هذه الفكرة إلى ترتيب
كرونولوجي تقع فيه الأحداث في شكل متوالية على طول سلسلة متّصلة واحدة، من دون أي تمايز
(((2 عبد الرحيم الشيخ، "الزمن الموقوت: نكبة فلسطين ومسارات التحرير"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 118 (ربيع.)2019 ((2(كايجل هوارد [وآخرون]، أقدم لك فالتر بنيامين، ترجمة وفاء عبد القادر مصطفى (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2005)، ص.56 (((3 لوحة ملاك التاريخ لبول كليه Klee Paul، كانت ركيزة مقالة بنيامين عن مفهوم التاريخ. ينظر: والتر بنيامين، "عن مفهوم
التاريخ"، ترجمة أميرة المصري، مدى مصر، 2018/8/25، شوهد في 2024/10/20، في: 46zmbphy / tinyurl.com:// https (((3 وايكمان ودود، ص.36–34
بين حلقاتها، ومعها تأتي فكرة الزمن باعتباره متوالية تراكمية، أي عملية بناء تتّجه نحو شيء ما، على
الرغم من أن الهوية الدقيقة للهدف لا تكون واضحة. إن هذا الشكل من الزمن فارغٌ، لأنه يتكوّن
من انتقالات كمية فحسب؛ أي إضافات وقائع مرتبة في سلسلة زمنية لا نهائية. وهو متجانس لأنه يُستَخدم– لدى أولئك الذين يشير إليهم بنيامين باسم "المنتصرين" في التاريخ – لإضفاء التجانس
على موضوعات التاريخ من خلال تمرير الأحداث التاريخية التراكمية، باعتبارها تاريخ البشرية ككل. بذلك، يشير بنيامين إلى أن هذا الزمن الفارغ والمتجانس سيقود البشرية إلى حطام، إلى كارثة، حيث يجب إرساء قطيعة مع منظومة التكرار الأبدي لزمن الحداثة والرأسمالية. وبذا، فإنه لم يُحذّر من الكارثة
عبر مشروعه عن مفهوم التاريخ فحسب، بل حاول أيضًا صد كل هذا التكرار المتسارع الذي نسير فيه نحو الكارثة. فإذا كان هذا الزمن الحداثي/ الاستعماري/ الرأسمالي، الذي يتراكم على أجسادنا، يجعلنا أهم أداة لاستبقائه وتحفيز وجوده، فكيف لحركة الجسد أن تكون مغايرة، حيث تصدّ الكارثة وبسرعة مختلفة عن سرعة حلولها؟ إن الزمن الآني عند بنيامين هو ما يربط البطء بالحسي (التجربة)، ومن ثمّ يتمحور مشروعه المركزي
حول إشكاليات أو ترسيخات قراءة الزمن عبر العملية التأريخية للحداثة "التاريخ هو موضوع بناء، ولا يحدد موقعه الزمن الخاوي وغير المتجانس، بل الزمن الممتلئ باللحظة الراهنة". أي إن نقده للتاريخ ولعمل المؤرخ يأتي من خلال عمليات الفصل التي تتم ممارستها على الماضي والحاضر والمستقبل؛ إذ رأى أن هناك فهمًا (تاريخانيًا) برجوازيًا للماضي، حيث يتم التعامل مع الماضي باعتباره
سردًا عاديًا ومبتذل للأحداث، "إن صياغة الماضي تاريخيًا لا تعني تعريفه 'كما حدث في الواقع'،
بل تعني الاستحواذ على الذكرى كما تظهر عندما تومض في لحظات الخطر". يرى بنيامين أن التعامل مع الماضي ينبغي أن يكون على شكل تدخلٍ سياسي وتفعيل مستمر للماضي بالحاضر من خلال التجربة الحسية، وهذا التقاطع والتفاعل بين "الآنذاك" و"الآن" ضمن سجلٍ مرئي يشكل الصورة الديالكتيكية. تبعًا لذلك، يُنشّط فينا بنيامين فكرة أن يكون المكان محفزًا للتذكر "الذاكرة الإرادية"
التي تنشأ في الحاضر مع التجربة، حيث تشكل تقاطعًا مباشرًا مع الماضي، ويضيء أحدهما الآخر.
ويعني ذلك تحويل الذاكرة الإرادية إلى منهج تأريخي، يستعاد من خلاله أولئك الذين أودعهم التاريخ البرجوازي، أو تاريخ المنتصرين في غياهب النسيان. وهنا بالذات نستطيع أن نحرر المستقبل من الزمن الخطي الكارثي. تنبغي الإشارة هنا إلى أن الزمن الآني عند بنيامين يختلف عن الحاضرية المذكورة في المبحث الأول من هذه الدراسة. فما يقصده هارتوغ بالحاضرية ليس الحاضر بوصفه لحظة راهنة، إنما الحاضر الذي يُكَثَّف عبر استغلال الماضي لنصبح عالقين فيه من دون إحساس؛ أي إنه نتاج النقد
نفسه الذي قدّمه بنيامين لفهم الزمن من خلال (الحداثة/ الاستعمار/ الرأسمالية).
(((3 بنيامين، "عن مفهوم التاريخ." (((3 المرجع نفسه، أطروحة رقم.14 (((3 المرجع نفسه، أطروحة رقم.6 ((3(غريم غيلوتش، فالتر بنيامين: تراكيب نقدية، ترجمة مريم عيسى (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.45–44
يشير بنيامين أيضًا إلى أن الزمن الآني هو حيّز الممارسة الحسيّة، وهو الزمن الذي نشعر به، والذي
يقدم لنا تفاصيل كثيرة عن المكان والأثاث فيه وتحرك الجسد معه وداخله، إنه الزمن الذي يربط البطء بالحسي، مثل السير والمسارات، فيقول: "تختلف قوة طريق ريفية حين يقطعها المرء سيرًا على
الأقدام، عنها حين تُحلّق فوقها في طائرة [...] من يحلق لايرى إّل كيف تتقدم الطريق عبر المنظر الطبيعي: كيف تنبسط أمام عينيه وفق قوانين الأرض نفسها المحيطة بها. وحده من يسير في تلك الأرض يُدرك بعضًا من سطوتها، ويدرك كيف أنها، من هذا الفضاء الذي لايعدو بالنسبة إلى الطيار
أن يكون سهل منبسطًا، تِتُخِر"جُ، عند كل منعطف، مسافات وإطلالات وفُرجات ومنظورا.
لقد كانت هذه ملاحظة عن الكيفية التي نعيش بها بحركةٍ غير متوقعة أو مضبوطة، وكيف لهذا اللاتوقع الآني أن يشكل تعددًا للمعاني عبر الخطو، بوصفه ممارسة حسيّة. يُحلينا ذلك إلى ممارسة
فلسطينية يحكي عنها رجا شحادة، هي "السّرحة"، وهي حالة من حالات المشي والحركة في
الأرض، تتمثل بمعناها الفعلي في أن تُترك الماشية ترعى بحرية في الأراضي. لكن معنى السرحة حِّمِل سياقًا آخر للدلالة على التجوال في التلال بصفته جزءًا من العلاقة بالأرض والبيئة الفلسطينية.
وهي تحمل خصوصية متعلقة بالزمن والغاية؛ فالشخص الذي يذهب في السرحة يتجول بلا هدف
لأيامٍ، وأحيانًا لأسابيع، غير مقيدٍ بالزمان والمكان، يذهب إلى حيث تأخذه قدماه لتغذية روحه وتجديد نفسه. وتقدّم السرحة حالةً حسيّة مختلفة في تمييز الألوان والروائح التي تنتجها التلال،
وتختلف بين أوقات النهار والليل، وتعدد الفصول، وتأتي هذه الحالة مع قرار التخلّي عن كل شيء، إلى حد أن يصفها شحادة بأنها نوعٌ من النشوة على الطريقة الفلسطينية. تبدأ رحلة شحادة في هذه السرحات من خلال ذكرى جده القاضي سليم الذي كان يحب القدوم إلى رام الله في الصيف الحار، والذهاب في سرحة مع ابن عمه أبي أمين، تاركَين وراءهما مدينة يافا الساحلية الرطبة والإدارة الاستعمارية التي كان يخدمها سليم، والتي كان يكره سياستها. لقد شكّلت هذه الذكرى امتدادًا لزمنيات متعددة، حملها وسار من خلالها شحادة حسًّيًا وسياسيًا، وتأمّل واصل بين الماضي
والحاضر وتخوّفات المستقبل. يحلينا هذا إلى أطروحة هنري برغسون عن الإحساس بأنه ذاكرة
لا تقتصر عنده على الماضي، بل، بما أنها مرتبطة إلزاميًا بالشعور والإحساس، تحدث في الحاضر
عبر الانتباه إلى الوجود. وفي هذا الانتباه انتظار، وبذلك يصنع الجسر بين الماضي والمستقبل. هي ذاكرة، تحاول أن تحفظ الماضي – تتكئ عليه – وتستبق المستقبل – تنعطف عليه – ولا يُخلق
المستقبل إلا بتهيئة شيءٍ منه في الحاضر؛ إذ تشكل هذه العملية ديمومة الحياة باتصال الماضي والحاضر والمستقبل، بلا انقسام. إذا استعرنا كًّل من الانتباه والانتظار من برغسون، يمكننا تقريبها إلى الطرح هنا بكون الانتباه يعبّر عمّا
هو زمنٌ آني، وإلى الانتظار بتعبيره عن منهجية في البطء. وبذلك هو يعطينا هذا الإيقاع المختلف
((3(والتر بنيامين، شارع ذو اتجاه واحد، ترجمة أحمد حسان (عمّان: أزمنة للنشر والتوزيع، 2008)، ص.18
(37) Raja Shehadeh, Palestinian Walks: Notes on a Vanishing Landscape (London: Profile Books, 2009). (38) Ibid., intro.
((3(هنري برجسون، الأعمال الفلسفية الكاملة، ترجمة سامي الدروبي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2008)، ص.19–17
للإحساس اللحظي الذي يخلخل السرعة. لكن تزداد تعقيدات هذه الخلخلة على حركة الجسد ضمن ارتباطه بالعملية الإنتاجية والاستهلاكية، وهذا ما جعل بنيامين يلتقط شخصية المتسكع "الفلانور" Le flaneur، هذه الشخصية التي كتب عنها أيضًا تشارلز بودلير وعبّر بها عن شعوره بالكره لمشروع
التقدم الحداثي. إن الملاحظات الحرجة والضخمة في مشروع "الأروقة" – غير المكتمل – عند بنيامين، وكل كتاباته المتصلة، تضعنا أمام حالة حسيّة بكم الملاحظات المكتسبة والمدوّنة عنده، عبر
تفعيل كل الحواس لصد التسارع عبر القرب الحميمي. لقد أصدر بنيامين من هذه الملاحظات نصًا بعنوان "باريس: عاصمة القرن التاسع عشر"، وصف به كيف يفقد الزمن التاريخي أو الاجتماعي معناه مع المتسكع؛ فهو لا يُدرج في زحام الحداثة والاستهلاك الرأسمالي في أروقة باريس. ومع أنه نتاج هذه المرحلة، فإنها تنبذه، لأنه لا يدخل في العملية الإنتاجية – أو بالأحرى هو يتفاخر أنه أبطأ منها. في عام 1840، نشأت ظاهرة المتسكعين الذين كانوا يتنزّهون داخل أروقة باريس، مصطحبين السلاحف، وكانت السلحفاة في هذه الممارسة تُحدّ من إيقاع المشي داخل المكان، وبحسب قول بنيامين: "لو نجحوا، لاضطر التقدم إلى التكيّف مع هذا الإيقاع". يلمس المتسكع المدينة ويراها ويحاول أن يعيشها خاويةً أو ممتلئة، يدّون تفاصيلها، ويكون موجودًا في قلب المكان ومختفيًا في الوقت نفسه. ويأتي استكشاف المتسكع للمكان ضمن
نوع من المشي غير المخطط له في مساحة حضرية، حيث يمشي في المدينة بلا هدف ولا وجهة، وتأتي من ذلك خريطة حسيّة بفعل انجذاب عينه إلى مشهد ما، أو بفعل ازدحامٍ أو حدثٍ يقوم
في المكان الذي يمشي فيه مع تخلّيه عن أي توقعات في أثناء المشي. ويعني ذلك أن الفلانور يعطينا معاني أخرى عن حركة حياة مختلفة وتعددية، لا تُدرج تحت التسارع المسبب للتغيير، والمستلزم للاستهلاك، ولا تقف جامدة بسمة "التراث" والحنين الماضوي. إذًا، وعلى الرغم من الانتقادات التي رافقت شخصية المتسكع في الدراسات ما بعد الاستعمارية، بصفته نتاج الاستعمار، ونتج بفعل صنافية الآخر، والتوسع الاستعماري في سمة الكوزمبولوتانية في مدينة حداثية مثل باريس، فإننا هنا نأخذ ما لرمزية شخصية المتسكع المعادية والمتباطئة لزمن التقدم والاستهلاك الرأسمالي، والمتمثل في ما نقصده حول البطء، وهذا ما أثّر في بنيامين، لجعله حلمًا
له بإيقاف الكارثة. إن ما يُميّز حالتَي السرحة في التلال الفلسطينية عند شحادة، والمتسكع عند
بنيامين، هو أنهما يصفان كيف للجسد أن يعيش حالةً حسيّة بعيدًا عن ثنائيات الريف والمدينة،
(40) Walter Benjamin, The Arcades Project , Harward Eliand & Kevin Mclaughlin (trans.) (Cambridge, MA: The Belknap Press of Harvard University Press, 1999), p. 346. (41) Ibid., pp. 416–418.
((4(فالتر بنيامين، مقالات مختارة، ترجمة أحمد حسان (عمّان: أزمنة للنشر والتوزيع، 2007)، ص.194–177
(43) Benjamin, "Central Park," pp. 30–31. (44) Benjamin, The Arcades Project , p. 417. (45) Ibid. (46) Jacob Edmund, "The Flâneur in Exile," Comparative Literature Review , vol. 62, no. 4 (2010), pp. 376–398.
أو عبر الاقتصار على أن تأتي الحالة الحسيّة بصفة رومانسية ونقية "للطبيعة"، بل باعتبارها فكرة
خلق للعلائقية عبر إيقاعٍ زمني آني، يسمح بامتلاك هذه الحالة في أي مكان نسكنه. وربما كان وجه التشابه، بين تسكّع الفلانور وسرحات شحادة، أن الأول كان يحاول تجاوز بشاعة المدن الاستهلاكية وكيف تتحول بها الأجساد إلى منتج وسلعة، في حين اعتبر الثاني السرحات تمرينًا معقدًا وصعبًا لاستعادة الذات الفلسطينية في ظل الاستعمار الصهيوني الذي يستهدف قتل التلال
والمشهد الطبيعي فلسطينيًا. السؤال الآن: إذا كان الزمن الآني يسمح بالانتباه إلى الوجود حولنا حسًّيًا، بين خطوات المتسكع
وسلحفاته، وإحساس شحادة بتغير التلال مع واقع حياة يلفّها الاستعمار والاستنزاف المتسارع، فما الذي تقدمه منهجية البطء لفهم علائقية الماء والنجوم، والإحساس بالحركة؟
ثالثًا: الماء والنجوم: العلائقية والزمنية
يعتمد اختيار علائقية الماء والنجوم في هذه الدراسة في الأساس على الامتداد البيئي الواسع وعلاقتنا به، وصعوبة التحكم فيه وضبط إيقاعه. إن ما يهمنا في ذلك هو كيف نرى هذه العلائقية، وكيف ندرك هذا الترابط بين الماء والنجوم والجسد في الممارسات المساكنية وتفاصيل الحياة اليومية عبر القرب الحميمي والبطء في سياق القرية الفلسطينية. تضع والدتي منذ سنوات عديدةا زجاجة ماء على نافذة المنزل ليل. وفي الكثير من المرات، كانت تطلب مني، وهي تقول بشكل اعتيادي: "حطي الميّ على الشباك عشان تتنجّم"؛ فكنت
أضعها من دون أن أتوقف لأفهم اللحظة أو الزمنية التي تعيش فيها والدتي، أو العلاقة التي تربط بين جسدها والماء المتنجم. حاولت أن أسأل إن كانت أمي وحدها تُنجّم الماء، لأنها عادة
تأتي في فضاءٍ خاص ومتوارٍ داخل البيوت. وتبدّى لي أن كثيرات من النساء في القرية يقمن بهذه العادة نفسها، وأن تنجيم الماء لا يتبع زمنًا متّسقًا بالتكرار، بل يرتبط بحالات ترى فيها أمي والنساء حولي أن الماء المتنجم جزء من عملية شفاء للجسد عامةً. في الآونة الأخيرة، وبعد محاولاتي العديدة للنقد والتأمل المتواصل لكل موضوع البيئة، توصلت إلى أن التسارع كان سببًا لئلا أرى حركة والدتي مع الماء والنجوم وبمكاني بينها أو أشعر بها؛ لقد كنت أسرع منها
إلى حدٍ ما. وهنا بدأت رحلة الكتابة امتدادًا لهذه العلاقة وللتعلم عن جسدي وارتباطه البيئي. لم تكن الكتابة بالتأكيد تهدف إلى الأرشفة، بل إلى رسم الموقعية الحميمية في كل هذه الشبكة البيئية والحسيّة المتسعة. كانت والدتي تحافظ على هذه العادة منذ أن كنتُ في عمرٍ صغير،
فكيف واصلت الاستمرار عليها عبر تغيرات الزمن وتعقيداته؟ وما معنى "تنجيم الميّ"؟ أي لمَ
تُقام بما كانت هذه العادة تحديدًا هي التي يخص الماء والنجوم؟ هذه هي الأسئلة التي شكّل
(((4 يأتي الإطار الزمني لممارسة والدتي عادة "تنجيم المي" منذ العشرينيات من عمرها، أي من بداية ثمانينيات القرن الماضي إلى اللحظة الحالية. وقد شهدت والدتها وجدّتها تنجّمان الماء من قبل، أي تعود هذه العادة تبعًا لمسار حياتهن إلى ثلاثينيات القرن
الماضي. أما أنا، فقد شهدتها في بيتنا، مع والدتي، تبعًا لما أذكر طوال أكثر من عقدين حتى اللحظة الحالية.
البحث عن إجابات لها رحلة بحثي عن الأنطولوجيا البيئية التي بدأتُ بها منذ فترة. وكان هدفي هو الإحساس بالممارسات المساكنية التي يحاول تمفصل الحداثة/ الاستعمار/ الرأسمالية إماتتها وفصلها عن أجسادنا، بجعلنا لا ننتبه إلى الوجود حولنا، أو أّل نعيش إشباع الزمن الآني في مراقبة التفاصيل حيثما نسكن بيوتًا وشوارع وسماءً. فما بين التنقلات المقيتة بين الحواجز
العسكرية، ورؤية انتزاع الأرض وصعود المستعمرات، والقتل المتواصل للأجساد الفلسطينية وأسرها كذلك، ومحاولات البقاء ضمن إيجاد أي موقع في عملية إنتاجية هجينة في اقتصادٍ مشوّه، وخطابات سياسية مغرقة في الانقسامات، والحرمان من الموارد اللازمة أساسًا للحياة،
مثل الماء واستعمار العيون المائية في القرى، كنتُ أحاول أن أجد حّيزً ا أفهم منه كيف تواصل
عجلة الاستمرارية الفلسطينية، المتجذّرة بيئيًا، الدوران من خلال القرب الحميمي وحكايات
المكان. تتعلق الأنطولوجيا العلائقية القائمة على الأرض بتشابك المادة مع الروحية والبيئية والثقافية، وتنتج منها معارف العالم، تلك المعارف المتعلقة بنزع الاستعمار، التي تقف في وجه العنف الاستعماري الذي يزيل السكان من أرضهم ويدمّرها. وكما كتبت وينونا لادوك
ليست المجتمعات الأصلية في وضع يمكنها من الرضى بحل وسط، لأن من "نحن" هي أرضنا وأشجارنا وبحيراتنا. وتبعًا لهذا المنظور نطرح تنجيم الماء بوصفه جزءًا من المعرفة المحلية
التي تربط المادي بالروحي بيئيًا. ضمن بحثٍ متأنٍ، يأتي هذا التفكير بالكل البيئي، دون "الدراما العلمية" لحاضرية الأنثروبوسين، ومحاولة عيش العلاقة والتواصل بين الماضي والحاضر ل "تنجيم الميّ"، وممارسات أخرى بين
الماء والنجوم شهدتها عند عائلتي أو في قريتي. ما أقصده هنا بالكل البيئي هو نوع من العلائقية التي تصل بين كل الكائنات الحيّة وغير الحيّة من الأرض وما تحويها، إلى السماء، وما بينهما. تقول
والدتي في واحدٍ من حواراتنا عن الماء المتنجم إن ممارسة تنجيم الماء تهدف أساسًا إلى تحصيل
الشفاء. وبالنسبة إليها، لا يقتصر ذلك على الماء، بل هي ترى أن على المرء أن يضع أي سائل يودّ شربه، بغية الشفاء، تحت النجوم. وذلك يعني أن اتصال النجوم بالماء، أو بأي سائل آخر، يعطيها القوة على شفاء الجسد. فهي مثل تضع بيضة مع عصير الليمون تحت النجوم، لتستخدمه علاجًا
لحصى الكلى. لا تقتصر قوة الشفاء هذه على الماء الموضوع في زجاجة، أو على عصير الليمون تحت النجوم، بل هي تُطبّق أيضًا على "المطر"، وهو بتعبير الفلاحين "ميّة السما" أو "ميّة الرحمة".
يشترط في "تنجيم الميّ" أن يتحرك من تحت في اتجاه السماء، قبل أن تمسّه شمس الصباح،
(((4 هذا المبحث من الدراسة مستل من مشروع أطروحتي لنيل درجة الدكتوراه، تحت "الأنطولوجيا البيئية في زمنية الفلاح الفلسطيني: مسارات الحركة في المُعاش اليومي." (((4 أنس إبراهيم، "السّيطرة الإسرائيليّة على المياه... ينابيع الضفّة الغربيّة ك 'مواقع ارتكاز' للممارسات الاستيطانية"، مدار – المركز
الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، 2021/8/23، شوهد في 2024/10/20، في: yc24f7dk / tinyurl.com:// https؛ تيسير جبارة،
"السيطرة الصهيونية على المياه في فلسطين"، تقارير متابعات، مركز الأبحاث الفلسطينية، 2022/12/12، شوهد في 2024/10/20،
في: e5ew58ks / tinyurl.com:// https (50) Winona LaDuke, The Winona LaDuke Reader: A Collection of Essential Writings (Stillwater, MN: Voyageur Press, Inc, 2002).
حتى لا يفسد، فيصبح الماءُ سًّمًا. وحينما سألت والدتي كيف تعلّمت هذه العادة، سكتت للحظة،
وقالت: "الإيمان بالله"، ثم قالت: "بصراحة، شفت إمي وستّي (والدة الوالدة) تعملانها، وأنا أؤمن بتجربتهما في الحياة". وهذا ما جعلني أيضًا أفكر في القرب الحميمي أساسًا لاستمرارية هذه العادة،
س منِ ت (َجدّة) أمي، إلى ستي (جدّتي)، إلى أمّي، ومنها إليّ أنا التي أكتب عن والدتي الآن. هناك
حميمية في هذه الذاكرة تجعلها مربوطة بالتجربة والاتصال بين التجارب الحياتية والإيمان بكل ما يعيش داخلنا وحولنا، ونعيش معه. وأضافت: "اليوم الناس عشان بطّل [لم يعد] عندهم بيار (آبار باللهجة الفلسطينية)، صاروا يسألون بعضهم عن ميّة المطر، لإنها كمان شافية – نازلة من يد ربنا".
ويشير ذلك إلى الناس في فلسطين، على الرغم من شرخ زمن التسارع ومحاولات تحديث المكان و"بنيته التحتية لأنظمة مصارف الماء المخفية"، وكل نظريات الاقتصاد السياسي، وأزمة المياه في فلسطين، وكفّهم عن حفر آبار في الأبنية الجديدة في القرية، فإنهم لا يزالون يسألون بعضهم ويبحثون عن ماء المطر للشفاء. من خلال هذا السؤال يتشكل جدل الاستمرارية، وتقام الروابط الحسيّة. هم يمارسون حركة البحث عن المطر أو تنجيم الميّ، كي يتملّكوا عبرها قدرتهم على
استعادة رابطتهم بالبيئة أرضًا وسماءً، وبقصص حميمية لتقريب أناسٍ رحلوا عنهم، وهي تفاصيل
تكتمل معها وبها عملية شفاء تمس أكثر من جسدٍ فردي. لقد نوقشت العلاقة بين الماء والنجوم، وممارسات أخرى كثيرة في مشروع كنعان ضمن دراساته العديدة عن الفلاحين الفلسطينيين، التي يتوسّع في سردها ضمن بحثه الإثنولوجي الذي تناول
النصف الأول من القرن العشرين. ونحاول هنا أن نلتقط إشارات البيئة الحسيّة التي حاول كنعان
أن يحفظها ضمن مجموعة الطلاسم والتمائم التي جمع قصصها من الفلاحين، والتي تبرز أيضًا تردّده في فهم المعاني الثقافية، بعيدًا عن السلطة "العلمية" والاستشراقية، الألمانية بالتحديد. ومن ذلك كتب، في عام 1929، دراسةً معمّقة عن معاني الماء عند الفلسطينيين، عنوانها "الماء
و'ماء الحياة' في المعتقدات الفلسطينية"، وفيها أثار قدسية الماء على مدى آلاف السنين، وهي قدسية لا تزال مستمرة وممارسة عند الفلسطينيين، ووصف طقوسًا عديدة تتعلق بالطهارة في
الأديان التوحيدية، أو بالمعتقدات الشعبية للقوى الخارقة للماء، كالتي تطرد أي عدوٍ من الأرواح الشريرة التي تحيط بالمساكن، أو التي تؤمن بأن كل من الأموات والأحياء يتشاركون بالماء نفسه الذي تأتي به ينابيع القرى؛ حيث تقول القصة إن الأرواح تتحرر كل يوم جمعة لتذهب إلى الينابيع وتشرب منها. وطرح كنعان أيضًا أسطورة الأنهار الأربعة التي تمتد من الجنة إلى الأرض،
(((5 شكّل متحف جامعة بيرزيت، ضمن برنامج البيداغوجيا، مجموعةً من الباحثين الأنثربولوجيين والسوسيولوجيين والمؤرخين
لقراءة أعمال ومجموعة توفيق كنعان في عام 2024–2023. ويحوي هذا المتحف في جزء من مقتنياته غالبية مجموعة كنعان من الطلاسم والتمائم، التي يتجاوز عددها 1400 قطعة. وقد عملت المجموعة على فهم منحى المسار البحثي لكنعان عبر ربط النصوص التي أنجزها بالمجموعة التي جمعها وحفظها، والتي على الرغم من أنها تشير إلى تخوّفات كنعان من أن الفلاح سيموت
بفعل مشروع التقدم الحداثي الاستعماري، فإنه أيضًا يظهر ترددًا وتناقضًا بين كونه طبيبًا، ونبشه في كل تفاصيل الشفاء التي كانت
تعيش مع الفلاح على جسده وداخله وفوق رأسه وتحت قدميه. ينظر: "مجموعة توفيق كنعان للحجب والتمائم الفلسطينية"، متحف جامعة بيرزيت، شوهد في 2024/10/20، في: 78hhpv73 / tinyurl.com:// https
(52) Canaan, p. 59.
وأحدها في القدس. ولقدسيتها، لها قدرة على الإشفاء وإعطاء الحياة لكل من يشرب منها. وحتى بعيدًا عن الأديان التوحيدية الثلاثة، أشار كنعان إلى أن هذه القصة تتشابه مع بعض الأساطير عن الأنهار الأربعة عند كل من المصريين القدماء والبابليين، كما أشار أيضًا، خاصة إلى الاعتقاد أن قوة الماء تتزايد بعد تعريضها للنجوم ليل، وأنها في الأساس تستخدم لتفعيل قوى الشفاء. وأعطانا كنعان إشارةً إلى شرب الماء من "طاسة الرجفة/ الرعبة". وأقدّم هنا القصة نفسها بطريقة مختلفة، لشفاء الخوف الشديد، وهو ما سنقدمه بطريقة أخرى عن ممارسة توضح العلائقية بين الماء والنجوم. رأيت والدي، خلال نشأتي في بيتنا، يمارس عادة شرب الماء من طاسة الرجفة، وأذكر شربي منها، وأنه كان يسقيها لآخرين كُثر. لقد كان من دراويش الأرض الذين يقدّمون وسائل مختلفة
لشفاء للناس. لقد فقدت والدي قبل عقدٍ من الزمن، وكما في العلاقة بوالدتي، لم أكن قادرة على أن أرى حقيقةً بحميمية ما كان يفعله أو أقترب منه. قد يكون هذا الفقدان أحد أسباب استعادتي لكل هذه القصص، لكن الأهم أنه دفعني إلى حالة التأمل عن تعدد زمنية الحياة حولنا. تعمل طاسة الرجفة، عبر العديد من المعاني الزمنية والروحية والجمعية والبيئية التي تنسب إليها. هي موجودة في القرى الفلسطينية، لكنها ليست متملكة بشكلٍ فردي. فمثل لم يكن لوالدي طاسة رجفة خاصة به – بل هناك طاسة واحدة تجوب منازل القرية لحظة الحاجة إليها، ولها زمن خاص بها. وكذلك لها شروط استخدام عديدة حتى لا تُهان قدرتها الشفائية، وغالبيتها تتعلق بالنجوم، وقد سمعت بعضًا منها من والدي، ثم أضاف إليّ عليها كنعان الذي يبدو أنها أثّرت فيه كثيرًا، بدراسات عديدة،
ومنها دراسته التفصيلية بعنوان "الطاسات العربية السحرية". يقول كنعان إن قصص الفلاحين عن طاسة الرجفة تأتي من اعتقادهم أن الأرواح الشريرة تجد في الخوف اللحظة الأنسب لدخول الجسم لحظة ارتجافه؛ وذلك لأنه يكون في أضعف حالاته، لذا تأتي طاسة الرجفة لإخراج هذه الأرواح واستعادة عافية الجسم. تشترك غالبية الطاسات العلاجية والسحرية في وجود ترتيبات النجوم الفلكية عليها (الأبراج الاثنا عشر)، أو بعض الكواكب وأسمائها، مثل القمر والشمس وزحل، وفي حال لم توجد بصفة صريحة، اتُرسم مثلًاثنتا عشرة دائرة تحيط بالطاسة دلالة على الأبراج. ويقول كنعان إن النجوم لم تنفصل يومًا عن حياة الناس "الشرقيين"، "فكل منّا يجب أن
يعرف نجومه لحظة ولادته فهو يرتبط فيها خيرًا وشرًا". وبما أن معرفة النجوم لدى الكل أمر
صعب، فإن شرب الماء من طاساتٍ تحيط بها كل تلك النجوم، يساعد في تلقّي قوّتها. لذا يوضع
(53) Ibid., pp. 67–68.
(((5 توفي والدي في عام 2014 عن عمر يناهز 55 عامًا، وكان يعمل بالحِدادة. وكنت قد شاهدته يمارس الطرائق الشفائية المختلفة
للناس منذ طفولتي داخل منزلنا، أو في منزل جدتي.
(55) Taufik Canaan, "Arabic Magic Bowls," Journal of the Palestine Oriental Society , vol. 16 (1936), pp. 79–127. (56) Tawfiq Canaan, "Tasit ar–Radifeh (Fear Cup)," Journal of the Palestine Oriental Society , vol. 3 (1923), p. 130.
(((5 كما يشير كنعان إلى مقولات متداولة بين الفلسطينيين عن هذه العلاقة مع النجوم مثل "نجمه ضعيف"، أو "طالعه ضعيف."
ينظر: Ibid., p. 129.
فيها الماء النظيف "طاهرًا"، أو ماء المطر، أو ماء زمزم، وبعض الطاسات تذكر ماء النيل، وتُشرَب
بنيّة الشفاء. ترتبط حركة الطاسة هي أيضًا، وحركة الناس معها، بزمنٍ معيّن وخريطة حسيّة للشفاء. هي تُنقل بين
المنازل ليل، وقد سمعت من والدي أنها لا تنقل إّل حين يكون القمر محاقًا. وبالنسبة إلى والدي، هذا يعكس بدايات الطاقة وتعظيم قدرة الطاسة، أما إذا كان القمر بدرًا مثل، فالضوء المنبعث منه
يقلل من طاقتها. يمكن تخيّل خريطة تحرك الناس وسؤالهم عن أي منزل يحتضن الطاسة لحظة
مرض أو تعب أحدهم، وكيف تتجوّل معهم باحتضانها ونقلها ليل. بهذا يتحوّل فعل الشفاء إلى
طقس جمعي تضامني. فضل عن هذا، يعتنى بهذه الطاسة الفلاحون خاصةً، حيث تُلفّ بقماش أبيض قطني نظيف، وتُحفظ في مكان معتم، وينبغي لأي جسد يلمسها أن يكون نظيفًا. ويراوح زمن بقائها في المنزل المحتاج بين ليلة وثلاث، وأحيانًا أكثر قليل بحسب ما تستلزم عملية شفاء المريض. ويتعهد فيها كل من يأخذ الطاسة أن يُعيدها إلى المنزل الذي أخذها منه، أو أن يبلّغ عن
إعطائها لشخص محتاج. ويشير كنعان إلى أن بعض الطاسات يُكتب عليه لحظة تحرك نجوم
معيّنة، فهناك مثل طاسات يكتب عليها أنها نقشت أو نقلت "في طالع الأسد أو العقرب". ومع
كل ذلك، نرى كيف تُدرك البيئة من الفلاحين. فحتى الزمن الآنييُدرك بزمنيةٍ مختلفة من خلال عمر
النجوم وحركتها في السماء وتبدّلها، وليس من خلال ربط الماء بالأرض والجسد بشكلٍ انفصالي فحسب. ولا يسير الماء وحده، ولا تتمّ حركته أفقيًا في أجسادنا وأرضنا فحسب؛ إذ هو يتحرك فيها
عموديًا أيضًا، بل له عتبات ونوافذ كثيرة بخطوط وعقد تقع على شبكة خطوط الحياة بين عناصر
الكل البيئي. ولم تكن كل محاولات الاستعمار لنزع الماء من حياتنا تترافق مع هذه العلائقية بين النجوم والماء، وهو لم يستطع شرح معانيها لأنها كانت غير مرئية أو مدركة منه. وإذا أراد تحقيق تقدّمه، يلزم لزمن الحداثة/ الاستعمار/ الرأسمالية أن يميت هذه الخطوط المتحايلة التي تتبعها الحركة الوجودية في الزمنيات المتعددة. من خلال حركة الماء والنجوم في عملية الشفاء، نلمس كل من التأنّي والبطء في التنقل والحركة، وهي ليست حركة سريعة، وكما ذكرنا هو ليس بالزمن الذي يمكن ضبطه في عجلة السرعة، بل له زمنية خاصة بها. وكما كان التقاط تفاصيل هذه الممارسة عبر القرب الحميمي من والدتي ووالدي، لاحظتُ أنها توجد في منازل عديدة، ولا تزال تعيش فينا ومعنا. ولو أعدنا التفكير مرةً أخرى في خطوات المتسكع بعيدًا عن استهلاك المدينة وتسارع زمنها، وبين خطوات شحادة في السرحة الفلسطينية، بحثًا عن الصلات البيئية والعائلية في التلال التي شوّهتها الممارسات الاستعمارية الاستيطانية، لاكتشفنا أن
كليهما يسعى لعملية شفاء من نوعٍ مختلف، شفاء يكمن في الصلة الحسيّة في اتصال الجسد بالبيئة،
من دون انفصال.
(((5 بعد وفاة والدي، وجدنا العديد من أدوات الشفاء التي كان يستخدمها، في الخزانة كان هناك تعهد لأحد معلميه الذي استعارها منه وهو أبو الفرحاني من مخيم طولكرم، وأعيدت إليه كاملة.ً
(59) Canaan, "Arabic Magic Bowls," p. 122.
صورة طاسة رجفة عليها صور الاثني عشر برجًا
المصدر: من مجموعة توفيق كنعان، في متحف جامعة بيرزيت، فلسطين.
خاتمة من البداية: إعادة قراءة المشهد الطبيعي/ القرية من خلال البيئة الحسية
أوقع زمن الحداثة/ الاستعمار/ الرأسمالية الدراسات الفلسطينية في فخٍ إبستيمولوجي من ناحية فهم المكان وزمنيته، ومن ذلك كتابات كنعان المحاطة بشعور الخوف من حالة التقدم التي كانت ستقتل الفلاح، حيث يجب أن نحفظه ونؤرشفه، لأنه سيختفي، أو الكتابات التي ربطت اتصالنا الوجودي فلسطينيًا بالنكبة، والهزيمة وتدمير القرى وتهجير سكانها، حيث يتم تصويب العدسات نحو ما يقتله
الاستعمار الصهيوني، وبذلك نقع في صنّافة الهزيمة والانتصار نفسها. أدّى الوقوع في هذا الفخ إلى ترسيخ مجموعة كبرى من الدراسات "لمنع النسيان"، على اعتبار أن القرية هُزمت وماتت،
والواجب الآن أن تُحفظ بصريًا بمسمّيات المشهد الطبيعي، في تمثيلٍ ثقافي فحسب، أي إن القرية
صارت تمثيلًا لشيء مات، جُمدّت معانيها واختُزلت في حالة من الثبات، بلا تغيير، أو تعدد لمعاني
الحياة فيها وتواصلها زمنيًا. ينطبق ذلك على معاني البيئة عالميًا، حيث حوّلت البيئة كلها إلى "تراث"
(60) Rana Barakat, "Writing/ Righting Palestine Studies: Settler Colonialism, Indigenous Sovereignty and Resisting the Ghost(s) of History," Settler Colonial Studies , vol. 8, no. 3 (2017), pp. 349–363.
وتمّت متحفتها بكل الطرائق على شكل علاماتٍ مرئية بحجة الذاكرة الجمعية، وحماية الاثنتين من
المستقبل. تمنعنا المتحفة من رؤية اللامرئي العادي، حياة بتفاصيل يومية وبزمنية خاصة بين الليل والنهار، مثل النوافذ مع الماء المتنجم، ومهمات اعتيادية أخرى تشكّل استمرارية الأمكنة المَعيشة. يقوم سؤال خاتمة الدراسة بشأن "إعادة" قراءة المشهد الطبيعي، عبر مفهوم السكن Dwelling. إن السكن يحمل إيقاعًا زمنيًا على مستوى حركة يومية مستمرة – غير إلزامية. هي ليست واجبًا، بل
حركة حياة فحسب. كان بحثي منذ البداية نتيجة تأملات ذاتية حول تجربتي، "ابنة" فلاحين في قرية فلسطينية. خلال طفولتي، كنت أنتظر اليوم الذي تسقي فيه جدتي بيّارة (بستان) البرتقال الملاصقة
لمنزلنا، تلك البيّارة التي طُقِعَت أشجارُها في بداية التسعينيات بسبب ارتفاع أسعار المياه اللازمة
لريّها. من البيارة نفسها أحمل ذكرى زواج والدي ووالدتي من خلال صورٍ فوتوغرافية يحتضنان بها
الشجر وحبات البرتقال في ثمانينيات القرن الماضي. لقد أصرّ والدي عندما قُطعت البيارة على أن
يبقى الصف الأول من الأشجار موجودًا. وربما شكّل فقدان البيارة أول ما أنبش فيه من علاقتي بتغير المكان حولي وداخلي في قريتي، وكيف يتغيّر إيقاع حياتنا مع الماء والشجر. لقد استبدلت بيارة
البرتقال بأشجار الزيتون، وأصبحت زمنية الشجر الذي يلاصقنا مرتبطة بموسم الزيتون، بدل من موسم البرتقال. وكما اختلف الموسم، اختلفت معه لغة الشجر وحركة الجسد، فلموسم الزيتون لغة خاصة بالعناية بالأرض وعدد زيارات الشجر في السنة التي تختلف عن عدد زيارات البرتقال. كان الأخير يُسقى مرتين في الأسبوع صيفًا ويترك شتاءً، أماالزيتون فيعتمد أساسًا على مياه الأمطار. ولا بد من
الإقرار بأن العلاقة البيئية هنا بدأت بشعوري بالفقدان – بما هو حركة – ثم شعوري بتغيّر نوع ومن
الحركة والحواس مع تغيّر نوع الشجر. بيّارتنا لم تكن الوحيدة التي قُطعت في القرية، فالعديد من أهل
القرية قطع أشجار البرتقال وزرع الزيتون للسبب نفسه، ومن ذلك أصبحت قريتي مختلفة من حيث حركة الناس بين الشجر والمواسم واللون والروائح والمحصول المنتظر. ومع هذا الاختلاف، حملني التأمل إلى أن أرى أن الدراسات التي قرأتها عن القرية باعتبارها مكانًا ثابتًا كانت مقلقة، فقد كنت أنا أراها تتغير، وتتغير معها الحالة الحسيّة باختلاف الشجر والطرق الجديدة وتوسع البناء، وتزايد القصص
وتعدّدها، وهذا ما أشير إليه بإعادة قراءة القرية مشهدًا طبيعيًا من خلال البيئة الحسيّة للسكن. يُعدّ "منظور السكن" الذي توسع فيه تيم إنغولد هو الشرط الأساسي للوجود؛ من خلال أداء النشاطات
اليومية، حيث تقوم الكائنات الحيّة بخلق البيئات التي تعيش فيها وتحويلها، ومعها هم يتغيّرون، ويتحوّلون،
ومن ثمّ يتم بناء البيئة، ويتم تشكيل المشاهد الطبيعية الحيّة والمستمرة. ويطرح إنغولد أننا نستطيع عبر
السكن إخراج مفهوم "المكان" من كونه مجرد حيّز جغرافي، أو اختزاله إلى وجود "ثابت وعرضي" لا غير،
لمصلحة إعلاء الزمن "المتغير"، بل إلى أبعد من ذلك من خلال الشبكة العلائقية داخل زمنية المشهد الطبيعي نفسه. يتعلق السكن هنا بالتواصل الحميم والمستمر للكائنات والأشياء التي تشكل المشاهد
(((6 هارتوغ، ص.314–312
(62) Tim Ingold, The Perception of the Environment: Essays on Livelihood, Dwelling and Skill (London: Routledge,
الطبيعية والأماكن، والتي تربط الطبيعة والثقافة معًا عبر الزمن. وتكمن مساهمة "السكن"في هذا في كيفية
تكرار اللقاءات مع الأماكن، والارتباطات المعقّدة بها، وفي خدمة بناء الذاكرة والمودّة مع تلك الأماكن، ما يجعلها هي نفسها تتعمّق بالزمن وتتأهل بالذاكرة. ولذلك، يرتبط السكن كثيرًا بأفكار المنزل والمحلي
والاهتمام أو المودة تجاه الطبيعة والبيئة. ويصبح السكن، وفقًا لهذا النوع من التفسير، متجّذ رًا من خلال
فعل الإقامة في المكان. وعلى هذا النحو، فهو يبني منظورًا لإعادة النظر في قراءة الطبيعة، والمشهد
الطبيعي والأماكن. إن البعد الزمني في فهم مشاهد الممارسة هو أمر مركزي، فالزمنية متأصلة في مرور الأحداث، بدل من أن تكون متعالية عليها: فالزمن والممارسة، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، ولا يتم التعامل معهما باعتبارهما تاريخًا، أو سلسلة من الأحداث المنقطعة التي وقعت في فترات زمنية متعاقبة. الزمنية هي بالأحرى عبارة عن "مستمرية" الزمن: إنها عملية تنشأ جنبًا إلى جنب مع نشاطات السكن؛
إنها الرنين الإيقاعي الذي يكمن بين المهمات المتعددة والمنوعة التي تتكوّن منها المناظر الطبيعية،
والوسيلة التي يأخذ بها المشهد الطبيعي حركة الانشغال بالحياة. هي ليست مسؤوليات، أو واجبات، إنما محاولات الناس القيام بمهمات بعيدًا عن "الساعة"، وفقًا لما نفعله عبر التنسيق الاجتماعي لساكني المكان. إنها تشكل "الحياة الاجتماعية" وتحملها. يربط هذا الطرح حول المشهد الطبيعي كل المحاور التي عالجتها الدراسة بعضها ببعض، ويتداخل فيها لأنه يرصد هذا التآلف الإيقاعي بين الحركة والزمن. أما طرح البطء، فيظهر من خلال تغيرات المشهد الطبيعي على امتداد فترات طويلة من الزمن، لكن، يبقى التغيّر من داخله – أي من ضمن
إيقاعات الحياة المستمرة. وحتى إن شعرنا بالتناقض، فإن الاستمرارية اليومية ترسم لتلك الإيقاعات زمنية أخرى متشابكة. إن الأهم في طرحنا أن الذاكرة موجودة ضمن المكان وحركته، وليست شيئًا
للحفظ والأرشفة، بل هي تتقلب وتضيء عبر كل خطوة، وكل مهمة، وكل كائن حي أو شيء موجود في المكان أو مقيم فيه. لا شك في أن الاستعمار يشرخ زمنية المشهد الطبيعي بعنف، وأن الإيقاعات تختلف قسرًا. وقد لا يصمد المشهد، أحيانًا، أمام عمليات النزع والدمار، لكن العلاقة الوجودية، التي
تنشأ عبر العلائقية بين كل مكوّنات الحياة في فلسطين، تجعلنا بالتأكيد نصّد ثنائية الهزيمة والانتصار،
ونحاول إعلاء حميمية قصصنا وبيئتنا وأمكنتنا.
المراجع
References
العربية
إبراهيم، أنس. "السّيطرة الإسرائيليّة على المياه... ينابيع الضفّة الغربيّة ك 'مواقع ارتكاز' للممارسات
الاستيطانية". المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية. 2021/8/23:. في 24f7dk https://tinyurl.com/yc برجسون، هنري. الأعمال الفلسفية الكاملة. ترجمة سامي الدروبي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.2008
(63) Paul Cloke & Owain Jones, "Dwelling, Place, and Landscape: An Orchard in Somerset," Envir o nment and Planning A , vol. 33, no. 4 (2001), pp. 649–666.
بنيامين، فالتر. مقالات مختارة. ترجمة أحمد حسان. عمّان: أزمنة للنشر والتوزيع،.2007 _______. شارع ذو اتجاه واحد. ترجمة أحمد حسان. عمّان: أزمنة للنشر والتوزيع،.2008 _______. "عن مفهوم التاريخ". ترجمة أميرة المصري. ملتقى مدى مصر. 25 آب/ أغسطس 2018.
في: 46zmbphy https://tinyurl.com/
جبارة، تيسير. "السيطرة الصهيونية على المياه في فلسطين". تقارير متابعات. مركز الأبحاث الفلسطينية.
2022/12/12:. في 5ew58ks https://tinyurl.com/e
خوري، إلياس. "النكبة المستمرة". مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 89 (شتاء.)2012 روبنسون، سيدريك. الماركسية السوداء: تكوين حراك ثوري للشعوب السوداء. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2005 سكوليموفسكي، هنريك. الفلسفة البيئية. ترجمة ديمتري أفييرينوس. دمشق: الأبجدية للنشر،.1992 السيد صلاح الدين، محمد. "ملكية الأراضي في فلسطين 1948–1918". أطروح أعدت لنيل درجة الدكتوراه. عمّان، الجامعة الأردنية..1993 الشيخ، عبد الرحيم. "الزمن الموقوت: نكبة فلسطين ومسارات التحرير". مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 118 (ربيع.)2019 غرابوفاك، عالم. "الإنسان أم الطبيعة: تصور الأنثروبوسين". فكر وفن. العدد).2012(99 غيلوتش، غريم. فالتر بنيامين: تراكيب نقدية. ترجمة مريم عيسى. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 كايجل هوارد وآخرون. أقدم لك فالتر بنيامين. ترجمة وفاء عبد القادر مصطفى. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2005 مهيبل، عمر. إشكالية التواصل في الفلسفة العربية المعاصرة. بيروت: الدار العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف والمركز الثقافي العربي،.2005 موسى، صابر. "نظام ملكية الأراضي في فلسطين في أواخر العهد العثماني". شؤون فلسطينية. العدد 95 (تشرين الأول/ أكتوبر.)1979 _______. "نظام ملكية الأراضي في فلسطين (1917–1937)". شؤون فلسطينية. العدد 101 (نيسان/ أبريل.)1980 ميخالف، جان جاك. "هيدجر... مفكر العودة إلى الوراء". ترجمة محمد سبيلا. الاتحاد،.2020/8/6
هارتوغ، فرنسوا. تدابير التاريخانية: الحاضرية وتجارب الزمن. ترجمة بدر الدين عردوكي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2010 وايكمان، جودي ونايجل دود. علم اجتماع السرعة: زمنيات رقمية، تنظيمية واجتماعية. ترجمة حسن إحجيج. الجبيل: صفحة 7،.2022
الأجنبية
Asad, Talal. Class Transformation under the Mandate , MERIP Reports , no. 53 (December 1976). Barakat, Rana. "Writing/ Righting Palestine Studies: Settler Colonialism, Indigenous Sovereignty and Resisting the Ghost(s) of History." Settler Colonial Studies. vol. 8, no. 3 (2017). Benjamin, Walter. The Arcades Project. Harward Eliand & Kevin Mclaughlin (trans). Cambridge, MA: The Belknap Press of Harvard University Press, 1999. _______. Walter Benjamin: Selected Writings , vol. 4: 1938–1940. Howard Eiland & Michael W. Jennings (eds.). Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University press, 2003. Brannen, Peter. "The Anthropocene is a Joke." The Atlantic. 13/8/2019. at: https://tinyurl.com/ 2avcuyjz Canaan, Tawfiq. "Tasit ar–Radifeh ("Fear Cup")." Journal of the Palestine Oriental Society. vol. 3 (1923). _______. "Folklore of the Seasons in Palestine." Journal of the Palestine Oriental Society. vol. III (1923). _______. "Plant–lore in Palestinian Superstition." Journal of the Palestine Oriental Society. vol. VIll (1928). _______. "Water and 'the Water of Life' in Palestinian Superstition." Journal of the Palestine Oriental Society. vol. IX (1929). _______. "Arabic Magic Bowls." Journal of the Palestine Oriental Society. vol. XVI
Cloke, Paul & Owain Jones. "Dwelling, Place, and Landscape: An Orchard in Somerset." Environment and planning A. vol. 33, no. 4 (2001). Edmund, Jacob. "The Flâneur in Exile." Comparative Literature Review. vol. 62, no. 4
Hamilton, Clive, François Gemenne & Christophe Bonneuil (eds.). The Anthropocene and the Global Environmental Crisis: Rethinking modernity in a New Epoch. London: Routledge, 2015. Heidegger, Martin. Building Dwelling Thinking: In Poetry, Language, Thought. Albert Hofstadter (trans.). New York: Harper & Row, 1971.
Ingold, Tim. Being Alive: Essays on Movement: Knowledge and Description. London: Routledge, 2001. _______. The Perception of the Environment: Essays on Livelihood, Dwelling and Skill. London: Routledge, 2000. LaDuke, Winona. The Winona LaDuke Reader: A Collection of Essential Writings. Stillwater, MN: Voyageur Press, Inc, 2002. Li Murray, Tania. "After the Land Grab: Infrastructure Violence and the Mafia System in Indonesia’s Oil Palm Plantation Zone." Geoforum. vol. 96 (2018). Moore, Jason W. Anthropocene or Capitalocene?: Nature, History, and the Crisis of Capitalism. New York: PM Press, 2016. Nixon, Rob. "Neoliberalism, Slow Violence, and the Environmental Picaresque." MFS Modern Fiction Studies. vol. 55, no. 3 (fall 2009). Salih, Ruba & Olaf Corry. "Displacing the Anthropocene: Colonization, Extinction and the Unruliness of Nature in Palestine." Environment and Planning E: Nature and Space. vol. 5, no. 1 (2022). Shehadeh, Raja. Palestinian Walks: Notes on a Vanishing Landscape. London: Profile Books, 2009. Tilley, Christopher. A Phenomenology of Landscape: Places, Paths and Monuments. Oxford: Berg, 1994. Vilirio, Paul. Speed and Politics. Marc Polizzotti (trans.) Los Angeles: Semiotex, 2007.