Return to Article Details The Sea History in Tunisia and Its Memory in the Modern Period: Between the Oral and The Written

تاريخ البحر في تونس وذاكرته في الفترة الحديثة: بين المنطوق والمكتوب

The Sea History in Tunisia and Its Memory in the Modern Period: Between the Oral and The Written

هشام الشرفي| Hichem Charfi *

الملخّص

عنوان الكتاب: تاريخ البحر في تونس وذاكرته في الفترة الحديثة: بين المنطوق والمكتوب . المؤلف: الصغيرة بنحميدة. الناشر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سنة النشر: 2024. عدد الصفحات: 271.

Abstract

Research Professor, Department of History, Faculty of Literature and Humanities, University of Sfax, Tunisia. Email: chaarfi.hichem@gmail.com

الكلمات المفتاحية:
  • تاريخ البحر
  • البحر الأبيض المتوسط
  • تقنيات الصيد
  • تقنيات الملاحة
  • الألفاظ البحرية
Keywords:
  • Maritime History
  • Mediterranean Sea
  • Fishing Technics
  • Navigation Technics
  • Sea Glossary

عنوان الكتاب: المؤلفة: الصغيرة بنحميدة.

سنة النشر: عدد الصفحات:

The Sea History in Tunisia and Its Memory in

the Modern Period: Between the Oral and The

Written

تاريخ البحر في تونس وذاكرته في الفترة الحديثة: بين المنطوق والمكتوب.

الناشر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

مقدمة

لفت البحث في تاريخ البحر نظر عدد كبير من الباحثين الذين كرّسوا له اهتمامات

بحثية متنوعة، تفرّعت إلى إشكاليات عولجت في

سياقاتٍ زمنية مختلفة، بدايةً من الحقب القديمة حتى الفترة الاستعمارية. وكان أول اعتناء بدراسة تاريخ البحر من المتخصصين في الفترة القرطاجية، ثم توسع هذا الاهتمام ليشمل مختلف الحقب الزمنية الموالية. أما في الفترة الحديثة، موضوع هذه المراجعة، فقد ركزت البحوث في البداية على موضوع القرصنة والأسرى والغنائم البحرية،

لينتقل الاهتمام لاحقًا إلى موضوعاتٍ أخرى، مثل التجارة البحرية والتهريب، ودراسة الأسطول البحري الرسمي للإيالة التونسية، وحركة الملاحة وطرائق الصيد المحلية وخصوصياتها، وأهمية البحر في الحياة اليومية بالنسبة إلى التونسيين.

(((عبد الواحد المكني، "المعارك والسرقات البحرية بساحل

صفاقس في الفترة المعاصرة"، في: أعمال الندوة الدوليةالإنسان

والبحر: قرقنة 9–8–7 ماي 1999، إشراف عبد  الحميد الفهري

(صفاقس: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية؛ مركز سرسينا

للبحوث في الجزر المتوسطية، 2001)؛ سمير البرشاني، ميناء صفاقس

خلال الفترة الاستعمارية (صفاقس: دار  تبرورة للنشر،.)2017

(2)  Mohamed Hassine Fantar, "Les divinités marines chez les phéniciens–puniques," in: Pierre Chantraine (dir.), L’école pratique des hautes études , 4 ème section, Sciences historiques et philologiques (Paris: Centre de recherche et d’histoire et de philologie, 1965), pp. 547–549; Mohamed Hassine Fantar, "La Tunisie et la mer," Académie des Inscriptions et Belles Lettres , no. 7 (1997), pp. 79–88; Abdelhamid Barkaoui, La marine carthaginoise: Approche des activités militaires des carthaginois sur mer depuis les origines jusqu’en 146 Av. JC (Tunis: l’or de temps, 2003).

(((ايُنظر مثل:

Taoufik Bachrouch, Course et corsaires en Tunisie dans la première moitié du 17 ème siècle (Tunis: Edition arabesques,

ليلى زغدود، البحرية التونسية في قرن 1881–1782 (تونس:

كلمة للنشر والتوزيع، 2022)؛ فريد خشارم، الحياة اليومية بجهة

صفاقس خلال النصف  الثاني من القرن التاسع عشر (صفاقس:

محمد علي للنشر، 2022)، ص.211

في هذا الإطار، يتحدد العصر الحديث في تونس بفاصلين زمنيين مهمين، يتمثل الأول في احتدام الصراع بين القوى المتوسطية الكبرى، وسعي كل من العثمانيين والإسبان لتوسعة مجالهم البري وبسط هيمنتهم على البحر الأبيض المتوسط؛ ما ساهم في تمدد النشاط القرصني خلال النصف الثاني من القرن السادس عشر، حيث شكلت السواحل التونسية مركزًا مهًّمًا

لانطلاق عمليات القرصنة. أما  الفاصل الثاني لهذه المرحلة التاريخية، فهو الحملة العسكرية الفرنسية على البلاد التونسية في عام 1881 وبداية مرحلة الاستعمار التي كشفت الفوارق التقنية العسكرية البرية والبحرية واختلال موازين القوى البحرية لمصلحة القوى الأوروبية الاستعمارية، تُمارسه بعد القضاء على النشاط القرصني الذي دول جنوب البحر الأبيض المتوسط من خلال حملة اللورد إيكسماوث Lord Exmouth في عام 1816، وهو ما عزز الفوارق التقنية العسكرية البحرية بين ضفتَي البحر الأبيض المتوسط. استمرارًا لهذا الاهتمام البحثي بالبحر وتاريخه

في تونس، تركز الصغيرة بنحميدة في كتابها تاريخ البحر في تونس وذاكرته في الفترة الحديثة: بين المنطوق والمكتوبعلى علاقة المجموعات البشرية المقيمة في سواحل البلاد التونسية بمحيطها الجغرافي، ودورها في استحداث

تقنياتٍ بحرية محلية تتناسب مع بيئتها الطبيعية،

واعتماد تقنياتٍ أخرى مستوردة بحسب خصوصية النشاط البحري الذي تمارسه هذه المجموعات وأصولها الجغرافية. وقد اعتمدت المؤلفة مقاربة منهجية مغايرة لما عهدناه في الدراسات التاريخية المهتمة بالفترة الحديثة للبلاد التونسية؛ إذ تؤكد أن الخوض في هذا المبحث اقتضى منها الجمع بين مناهج بحثية مختلفة، مثل تلك المناهج

التي يعتمدها التاريخ، وتلك التي تعتمدها الأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا (ص. 21) تقليديًا، اعتمد البحث التاريخي في موضوع

التاريخ الحديث على مصادر متنوعة؛ تمثلت أساسًا في الوثائق الأرشيفية والكتابات الإخبارية

والحولية، إضافةً إلى كتب المناقب والتراجم وآثار الرحالة العرب والأجانب. إلا أن المؤلفة تمكنت من التجديد المنهجي عبر مساءلة البحر من خلال تاريخه، ومن خلال ذاكرته أيضًا، جامعةً بين الاستفادة من المكتوب والمدون في المصادر التقليدية التي يعتمدها الباحث في التاريخ، ومن المنطوق عبر التعويل على العمل الميداني وما  يوفره من تقنياتٍبحثية، مثل الملاحظة والاتصال المباشر بالعاملين في القطاع البحري وإجراء مقابلات معهم. ومن خلال هذا التنويع المنهجي، تمكنت المؤلفة من تجاوز حدود الفترة الزمنية الحديثة من أجل تعقّب استمرار استعمال التقنيات والألفاظ البحرية القديمة في المنطوق اليومي الذي حفظته الذاكرة، والذي لا  يزال مستخدمًا في وقتنا الحاضر، ومقارنتها بما دونته

المصادر التاريخية في الفترة الحديثة. قسمت المؤلفة كتابها ثلاثة أقسام؛ يتفرع كل قسم منها إلى فصلين. اهتمت في القسم الأول بالبحر والمجموعات البحرية في تونس (ص 95–25)، في حين خصصت القسم الثاني لتاريخ التقنيات في البحر بين ما هو محلي وما هو وافد (ص –97 142)، أما القسم الثالث فقدّمت فيه نتائج عملها الميداني، واستخلصت شبكة الجهاز اللفظي بين المنطوق واليومي (ص. 230)–143

(((يعتمد الباحث في التاريخ الحديث، عادةً، على المصادر

التقليدية في البحث، وقلّما يحتاج إلى مقابلات واستبيانات بسبب بُعد الفترة الزمنية وغياب الفاعلين في الأحداث حينماوقعت.

أولا: تداخل المعطيَين الطبيعي والبشري في تشكيل هوية السواحل التونسية

ثلاث مناطق قسّمت المؤلفة السواحل التونسية

صيد رئيسة، بحسب خصوصياتها الطبيعية وما توفره من ثروات بحرية، وما يسود فيها من تقنيات صيد معينة.  تُمثل المنطقةالأولى السواحل الشمالية للبلاد التونسية الممتدة من طبرقة، مرورًا ببنزرت، نحو الرأس الطيب، في حين تغطي المنطقة الثانية السواحل الشرقية، بدايةً من جنوب خليج الحمامات إلى حدود ساحل المهدية، لتشمل المنطقة الثالثة والأخيرة خليج قابس. وتشدد المؤلفة على أهمية المعطى الجغرافي والطبيعي في استقطاب المجموعات البشرية من أجل الاستقرار في مختلف هذه السواحل التونسية نتيجة توافر عوامل طوبوغرافية بحرية تساعد على سهولة الملاحة ورُسوّ السفن (ص. 27). وقد ساهم

تفاعل العامل البشري مع محيطه الطبيعي في تشكّل مجموعات بحرية متنوعة، سعت لتطويع الموارد المتوافرة في بيئتها لاستغلالها في إنتاج

(((تقع مدينة بنزرت التونسية في الشمال الشرقي من البلاد، وتبعد عن العاصمة تونس نحو 65 كيلومترًا، وتقع طبرقة على

الحدود الغربية مع الجزائر، وهي تبعد نحو 170 كيلومترًا عن

العاصمة. أمّا الرأس الطيب، فتوجد في منطقة الوطن القبلي،

شمال البلاد التونسية، قرب مدينة الهوارية، على بعد نحو 110 كيلومترات من العاصمة. (((الحمامات: مدينة ساحلية تبعد نحو 50 كيلومترًا جنوب

شرق مدينة تونس، على خليج يعرف باسمها. (((المهدية: مدينة وسط البلاد التونسية، في الساحل الشرقي؛ جنوب تونس العاصمة. وتُمثل منطقة برج خديجة في مدينة

الشابة جنوب المهدية الحد الجغرافي لهذه المنطقة وبداية خليج قابس، وإلى حدود شبه جزيرة جرجيس، وتُعرف المنطقة

الأخيرة تاريخيًا ب "سرت الصغرى". ومن أبرز مدن المنطقة نذكر

صفاقس وقابس، إضافةً إلى جزيرتَي قرقنة وجربة.

تُتيح لها الاستفادة من الثروات البحرية التي تقنيات تزخر بها، وهو ما أدى إلى بروز "منظومة متكاملة تُعرف بمنظومة الصيد البحري، وهي تجمع 'البحار' بوسطه البحري وطرائق الاستغلال" (ص. 61) يمكن تقسيم هذه الجماعات البحرية المتنوعة بتنوع مجالاتها مجموعتين أساسيتين: الجماعات البحرية المحلية: عرفت البلاد التونسية استقرار السكان على السواحل، والاعتماد على البحر في التنقل والملاحة والأكل منذ الفترات القديمة. وتدعّم هذا التمركز على السواحل مع

قدوم العرب المسلمين، وهو ما يؤكده تأسيس العديد من المدن على طول المجال الساحلي؛ التي نشأ بعضها امتدادًا لمحارس ورباطات

بحرية، تطورت لتبلغ مرتبة المدن، حيث يعتمد سكانها في دفع النشاط الاقتصادي فيها وتوفير ثنائية البر والبحر متطلبات الحياة اليومية على (ص. 37). ومن أبرز المجموعات البشرية التي اعتمدت على هذه الثنائية، تذكر المؤلفة سكان الجزر، وأساسًا جزيرتَي قرقنة وجربة في خليج

قابس. وقد برع سكان الجزر التونسية في أعمال البحر، فانخرطوا في النشاط القرصني وباشروا الصيد والتجارة البحرية ومختلف المهن والحرف المتصلة بالبحر، مثل "الرياسة"، وصناعة السفن، وفخاخ الصيد التي تتناسب مع ما تتصف به قيعانها البحرية من ضحالة (ص  103 وقد). اهتمّت العديد من الدراسات بهذه الميزة التي

انفردت بها منطقة خليج قابس، وهي تتمثل أساسًا في وجود مصطبات بحرية تتخللها أودية

بحرية. وساهمت كل هذه العوامل الطبيعية

(((ايُنظر مثل: المنصف بوربو، "المسالك البحرية الواقعة على

الساحل الجنوبي لجزيرة جربة خلال الفترة الوسيطة المتأخرة:

"الكرشو".

واقع الجغرافيا الطبيعية ووقائع التاريخ العسكري"، في: من

سرت الصغرى إلى سرت الكبرى، جمع وتقديم سالم المكني، ج 1 (صفاقس: مكتبة علاء الدين، 2019)، ص.29

والبشرية في ابتداع تقنيات صيد محلية وبناء مراكب موائمة لخصوصية الموقع؛ إذ جرى الالتجاء إلى الموارد التي يوفرها محيطهم الطبيعي من أجل التكيف مع الصعوبات التي يطرحها نمط العيش الجزيري، فكان الاعتماد أساسًا

على أشجار النخيل والزيتون والحلفاء والطين في صناعة المصائد مثل الشرفية والدماسة، والمراكب مثل الأشطم، وهو من أقدم المراكب التي عرفها أهالي جزر قرقنة. ومن الجماعات البحرية المحلية التي تطرقت إليها المؤلفة، أيضًا، الجماعات التي تعتمد على البحيرات، وتذكر المؤِّلِفة، خاصة، بحيرتَي بنزرت والبيبان، اللتين بقي نظام الصيد فيهما تقليدًّيًا حتى أواخر القرن التاسع عشر؛ تاريخ بداية استغلال القوى الأجنبية لثرواتهما (ص. 69) الجماعات البحرية الأجنبية: تناول الكتاب حضور هذه الجماعات في السواحل التونسية وتأثيراته في تقنيات الصيد وألفاظه. وفي هذا الصدد، عادت المؤِّلِفة إلى القرن الثاني عشر، لتبين بداية تبلور الأطماع الأجنبية لاستغلال الثروات البحرية التونسية. ومثلت حقول المرجان المنتشرة في أعماق المياه المحيطة بشبه جزيرة طبرقة أبرزها. فلقد سعت القوى الأوروبية لإبرام اتفاقيات من أجل تمكين الشركات الأوروبية من استغلال حقول المرجان بعد ضبط حدودها المجالية منذ القرن الثاني عشر

(((الشرفية، تقنية صيد تعتمد تجهيزات ثابتة لاستدراج الأسماك إلى فخاخ تسمى "الدرينة." (((1 الدماسة، تقنية صيد ما زالت مُستخدمة في قرية العطايا

في جزيرة قرقنة، تُستغل في صيد السمك القافز؛ خاصة (((1 الأشطم أو "لشطم"، يُعد من أقدم المراكب التي اعتمد

عليها سكان جزيرة قرقنة، ويُصنع من خشب النخيل.

الميلادي (ص. 72). وكانت الشركة الجنوية أولى المستفيدات من ذلك. وتدعّم نفوذها خلال

القرن السابع عشر الميلادي؛ إذ تمكنت، بفضل سياستها الاستثمارية التي اعتمدت على تعمير طبرقة بسكان قادمين من جنوة ومدن إيطالية أخرى، من بسط سيطرتها على صيد المرجان في المنطقة ونشر تقاليده فيها. وارتفع عدد صيادي المرجان الأجانب في هذه الشركة من 35 صيادًا في عام 1603 إلى 200 صياد في عام 1693، حتى بلغت المرتبة الأولى على مستوى البحر الأبيض المتوسط في إنتاج المرجان (ص  73 وقد). تدعمت هذه الهيمنة الأجنبية خلال القرن الثامن عشر، خاصةً مع بروز منافسة فرنسية للشركة الجنوية من أجل احتكار نشاط صيد المرجان ومحاولة شراء الشركة؛ ما أدى إلى تراجع دورها، ومغادرة سكان طبرقة من الجنويين إلى مدينة بنزرت للعمل. وبذلك، ارتبط نظام استغلال المرجان بالشركات الأجنبية، حيث كان انخراط التونسيين في هذا النشاط البحري المهم ضعيفًا، واقتصر إسهامهم على جلب الحطب من الغابات القريبة من طبرقة وصناعة السفن، في حين احتكر الأوروبيون عملية الصيد (ص. 78) لم يكن المرجان الثروة البحرية الوحيدة التي هيمنت عليها القوى الأوروبية، بل تطرّق الكتاب

أيضًا إلى مضارب صيد التن التي بدأت تبرز خلال القرن التاسع عشر. ولئن كان صيد المرجان محصورًا في شبه جزيرة طبرقة، فإن مضارب صيد

التن توزعت على مناطق مختلفة من السواحل التونسية؛ مثل المنستير (تقع شمال المهدية)، وقليبية (في خليج الحمامات)، وبنزرت (ص. 80).

وقد سيطر الإيطاليون خاصةً، والفرنسيون بدرجةٍ ثانية، على نشاط صيد التن عبر عقد اتفاقيات متعددة مع الإيالة التونسية خلال الأعوام 1826

و 1837 و 1839 و 1854 و 1877 من أجل الانفراد بهذا النشاط، وهي الاستراتيجية نفسها التي اُّتُبعت في صيد المرجان عبر التمتع بضماناتٍ قانونية تسمح بفرض هيمنتهم على أنشطة بحرية محددة ذات مردودية اقتصادية مهمة. وقد بلغ توزع الجماعات البحرية الأجنبية على السواحل التونسية وهيمنتها على بعض مناطق المجال البحري التونسي ذروتهما خلال القرن التاسع عشر، مع تزايد عدد الأوروبيين في البلاد التونسية (ص. 122)

ثانيًا: تقنيات الصيد والملاحة البحرَّيَين بين المحلي والوافد

ساهم تفاعل الجماعات البحرية مع وسطها الطبيعي البحري في نشأة تقنيات تتناسب مع احتياجاتها، وهي تُبين تمرّس السكان بخصوصية

مناطقهم. وقد كانت تقنيات متنوعة ومتعددة. وترتبط هذه التقنيات بعاملين أساسيين: خصوصية المجال البحري، والموارد التي يوفرها المحيط الطبيعي للمجموعات البشرية المستقرة فيها (ص. 99). ويمكن استخلاص نوعين من التقنيات البحرية. يهتم النوع الأول بطرائق الصيد البحرية وتقنياته، وهي تتنوع بحسب خصوصية المجال وما تحتويه من عوامل مساعدة أو معرقلة لعملية الصيد، وتختلف بحسب عمق البحر وحركة المد والجزر ونوع السمك. وفي هذا السياق، تذكر المؤلفة "مصيدة التيلا" التقليدية التي تستعمل في المياه العميقة وتكثر في السواحل الشمالية، على عكس خليج قابس الذي يتميز بتعدد المصائد الثابتة، مثل "الشرفية" التي تعتمد على ضعف عمق المياه وعلى حركة المد والجزر التي تتسم بها المنطقة

(ص. 103). وقد أحسنت الجماعات البحرية استغلال تنوع المنظومة البيئية البحرية وثرائها عبر اعتماد تقنيات صيد مناسبة بحسب الأنواع البحرية، مثل الصيد ب "قارور الفخار" لصيد الأخطبوط واعتماد "الدماسة" لإمساك السمك القافز. إلا أن تقنية الصيد الأخيرة تراجع استعمالها بعد أن كانت منتشرة في مناطق عدة في البلاد التونسية، ولم تصمد اليوم سوى في قرية العطايا في جزيرة قرقنة نتيجةً للتحولات التي عرفتها تقنيات الصيد الحديثة. وقد مثّل القرن التاسع عشر أوج هذا التحول التقني في طرائق الصيد التقليدية خلال الفترة الحديثة. وهو   ماشكّل تحّديًا لتقاليد الصيد والملاحة

التقليدية. فخلال مختلف فصول البحث، تبرز فكرة رئيسة حول العلاقة الوطيدة بين الجماعات المحلية وبيئتهما البحرية، وهو ما خلق الحاجة إلى التقنية وبلورتها بما يتماشى مع الخصوصية المحلية. لكن هذه الفكرة تغيب عند تطرق الباحثة إلى علاقة الجماعات الوافدة ببيئة استقرارها الجديدة، خاصة مع تزايد عددها خلال القرن التاسع عشر؛ إذ لم نلمس تمّثلّات هذا المجال البحري لدى الصياد الأجنبي، مقارنة بما بيّنته لدى الصياد المحلي، وردة

فعل الأخير تجاه هذا الحضور المكثف للأجنبي. فمن حدود التعويل على التقنيات المستوردة أنها ارتبطت بضغط الحاجة التجارية. ومن أجل تلبية مطالب التصدير، استُعملت تقنيات جديدة أجنبية تُمكّن من الترفيع في الإنتاج، لكنها ربمالا تراعي خصوصية المجال البحري ولا أعراف  الصيد المحلية.

(((1 تعتمد هذه التقنية على جرار من الفخار التي تُلقى في قاع

البحر حتى يدخلها الأخطبوط، ويتمّ صيده. (((1 فريد خشارم، "مدخل لدراسة الصيد البحري التقليدي

بخليج قابس خلال القرن التاسع عشر"، في: من سرت الصغرى

إلى سرت الكبرى، ص.62

أما النوع  الثاني من التقنيات، فهو ما  جمعته المؤلفة في دراستها الملاحة وأدواتها مع التركيز على المراكب ومكوناتها، مثل "القلاع " و"القربوص"و"المقذاف "وغيرها من المصطلحات.  فتطرقت إلى صناعتها وطرائق صيانتها في "المناشر" المعدة للغرض والأدوات المستعملة في ذلك، التي عادةً ما تكون مستخرجة من البيئة المحلية (ص. 110). ويكشف الكتاب تنوع المراكب المحلية مثل "اللود" و"الصندل" والقارب، إضافةً إلى أنواع أخرى ذات أصول أجنبية، استُعملت في السواحل التونسية، مثل "مستكوا" و"الكانوطة" و"الشباك" و"الساكالوفا". ويطرح حضور أنواع عديدة من المراكب الأجنبية في السواحل التونسية، كما عرضته  المؤلفة، أسئلة بحثية عن أسباب ذلك: أهو ناتج من انفتاح الجماعة المحلية على العناصر الأجنبية، أم أن سببه هو تراجع تقنيات الصناعة والإنتاج وعجز الفاعلين المحليين عن مواكبة التطورات التقنية في هذا الصدد؟ ولئن لم يتيسر لهذا الكتاب وحده أن يتناول موضوع البحر بكل جوانبه، والإجابة عن إشكالياته، فإن المؤلفة أحسنت التعامل مع أسئلتها البحثية والإحاطة بمختلف التقنيات العملية للصيد والملاحة. وعلى الرغم من صعوبة هذا المبحث وتعدد الألفاظ المستعملة وتنوع أصولها اللغوية والقومية، خاصة في أثناء التعامل مع أجزاء المركب وهندسته عند التصنيع والإبحار، فإن الأمثلة التي عرضتها الباحثة وحلّلتها دلّت على سعة اطلاعها وإلمامها بما كُتب في المصادر

تُنطق بتسكين القاف والعين، وهي شراع المركب (((1. (((1 ضلع المركب. (((1 لوحٌ خشبيّ يساعد في سير المركب.

والبحوث السابقة، وهو ما عزّزته بزيارة مختلف المناطق البحرية ومعاينة حياة العامل اليومية في البحر (ص. 150) على الرغم من هذا الجهد الميداني، فإننا نلاحظ اقتضابًا في التعامل مع مسألة الحياة اليومية

للجماعات البحرية، وقد تركّز اهتمام الباحثة على الألفاظ البحرية التقنية المتداولة والمتوارثة في المجال البحري والساحلي، كما أنها لم تُورِد إّل بعض الفقرات الخاصة بلباس "البحار" وغذائه، بصفة مختصرة، على الرغم من أهمية ذلك بالنسبة إلى موضوع الكتاب. فخصوصية النشاط البحري لم تؤثر في مستوى التقنيات فحسب، بل تُلمس أيضًا في نوعية الأكل واللباس يمكن أن لدى هذه المجموعات البحرية، وهو ما يؤكّده تنوع الموروث الغذائي التونسي اليوم ووفرة المواد الغذائية البحرية على موائد عدد مهم من سكان البلاد التونسية، وغلبتها في بعض الموائد الأخرى. وكان يمكن لمثل هذه المعطيات وغيرها أن تثري المكوّن الإثنوغرافي في الكتاب.

ثالثًا: الألفاظ البحرية

خصصت المؤلفة القسم الثالث (الأخير) من الكتاب لعرض نتائج عملها الميداني التي جاءت في صيغة جردٍ للمنطوق اليومي ذي العلاقة بالبحر،   أو ما سمّته "ذاكرة الصياد المروية"

(ص. 145). وقد تتبع البحث الامتداد الزمني والمجالي للألفاظ والمصطلحات المرتبطة بالبحر خلال الفترة الحديثة عبر تجميع مكونات الجهاز اللفظي المنطوق راهنًا، ومقارنته بمكونات الجهاز المصطلحي التاريخي التي كانت قد عرضتها في القسمين الأولين من  الكتاب. ومن خلال هذه المقارنة، تبيّنت أوجه التشابه

والاختلاف في المنطوق البحري بين مختلف المناطق الساحلية للبلاد التونسية. انطلقت المؤلفة من بحثٍ سابق لها حول منطقة خليج قابس، واستخلصت أهم المصطلحات البحرية المستعملة في هذا المجال، ثم أثرته عبر بحث إثنوغرافي مكثف شمل أهم مراكز الصيد البحري اليوم (ص. 150). ويتبين أنها قسمت الجهاز اللفظي الذي جمعته إلى قسمين أساسيين، ثم فرّعتهما. أورد القسم الأول

المتعلق بنشاط الملاحة 492 مصطلحًا يهم

المراكب ورتب العاملين في الملاحة البحرية واتجاهات الريح، في حين أفردت المؤلفة القسم الثاني لنشاط الصيد البحري فشمل 504 عبارات. وهكذا، يكون مجموع الألفاظ الواردة في البحث 996 كلمة، هي مجموع المنطوق اليومي البحري للمشتغلين في البحر في زمننا الراهن. وبيّنت المؤلفة أن الكثير منها يعود إلى

جذور تاريخية تنتمي إلى الفترة الحديثة. ويؤكد هذا الثراء في اللفظ، وحضور تعبيرات في مناطق بعينها وغيابها في أخرى، خصوصية كل مجال بحري وتميزه من الآخر، على الرغم من التشابه في العديد من الألفاظ الأخرى. ومن خلال هذا العرض، تمكّنت المؤلفة من عكس المسار التاريخي الذي مر به المجال البحري التونسي وتنوع الوافدين وتقنيات الصيد والخصائص الطبيعية للمجال. لكن هذا العدد المهم من الألفاظ الذي تمكنت الباحثة من تدوينه لا يخفي غياب مصدر حيوي

(((1 الصغيرة بنحميدة، "المصطلح البحري المنطوق بساحل الجنوب الشرقي للبلاد التونسية: نموذج لاستقراء المرجعيات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية"، رسالة ماجستير، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس،.2011

عن قائمة مصادر الكتاب؛ يُدرجضمن المنطوق

اليومي للبحار، ويعبر عن ذاكرته. ويتضمن هذا المصدر الأمثال العامية والأشعار والأغاني الشعبية المتداولة في المناطق الساحلية التي اهتمت بها المؤلفة. فلو انصرف جهدها إلى توثيقها وتدوينها في مرحلة أولى، ثم استخلاص الألفاظ ذات العلاقة بالبحر والصيد والملاحة، لكانت المعطيات الإثنوغرافية والأنثروبولوجية في الكتاب أكثر اكتم لإثراء ا، ولَمكّنت من الجهاز اللفظي للتعبيرات الشفوية للبحار الذي سعت لجرده أكثر فأكثر.

خاتمة

يمكن لمطالع كتاب تاريخ البحر في تونس وذاكرته في الفترة الحديثة: بين المنطوق والمكتوب أن يلاحظ الجهد المبذول في تجميع المادة المعرفية وتحليلها، خاصجمع ة أنه بين المكتوب والمنطوق من جهة، والذاكرة والتاريخ من جهة أخرى. ويتطلب الجمع بين المقاربتين توظيف مناهج مختلفة تعتمد تقنيات البحث الأرشيفي ودراسة الحياة اليومية من خلال الملاحظة البسيطة واللصيقة والبحث مًا ببعض الملاحظات اللغوية الإثنوغرافي مطّع

واللسانية. لقد تمكنت المؤلفة من الانتقال من بدايات الفترة الحديثة من تاريخ تونس إلى الزمن الراهن؛ لتتبع ما بقي من الإرث البحري الذي خلّفه الفاعلون المتعاقبون في المجال البحري التونسي، مُجيبة

عن العديد من الأسئلة البحثية التي طرحتها حول علاقة المعطى الطبيعي بالعامل البشري والدور الذي اضطلع به تفاعلهما في بروز تقنيات الملاحة والصيد واستمرارها. ومن خلال الاطلاع

ص.62

على مختلف فصول الكتاب، فضل عن البحوث الأخرى التي اهتمت بتاريخ البحر في تونس، نلُاحظ قطيعة في استعمال بعض تقنيات الصيد بين الفترة الحديثة وما قبلها. فقد عرفت البلاد التونسية خلال العصور القديمة صيد التن وصيد الإسفنج،  أن إلا هذين النشاطين لم خلال القرن التاسع يعرفَا ازدهارًا فعلًّيًا إّل عشر، وهو ما يطرح أسئلة بحثية حول أسباب هذا التراجع خلال الفترة الوسيطة وبداية الفترة الحديثة وعزوف الجماعات البحرية عن تطوير تقنيات الإنتاج. كما يطرح الكتاب تحديات يعرفها البحر وذاكرته؛ إذ نتبيّن تأثير الزمن في استمرار تقنيات الصيد والملاحة التقليدية؛ مثل غياب العديد من المراكب الشراعية عن الاستعمال اليوم، وتراجع دور العديد من المصائد البحرية التقليدية. ومع تسارع التحديث التقني وتصاعد تأثيرات التغيرات المناخية، نلاحظ تأثر النظم البيئية البحرية سلبًّيًا، وتخلي بعض الجماعات البحرية على نحو متسارع عن استعمال المواد الطبيعية المحلية من نخيل وحلفاء في صناعة "الشرفية" مثل، واستعمال الأدوات البلاستيكية التي لها آثار سلبية في البحر. ويأتي هذا الكتاب ليذكرنا بأهمية هذه التقنيات التقليدية المتوارثة؛ من جانبها التراثي، ودورها البيئي، وقدرتها على المحافظة على استدامة الثروات أيضًا.

(18)  Jean Ganiage, Une entreprise italienne de Tunisie au milieu du XIX e siècle (Paris: Presse universitaire de France, 1960), p. 7.

(((1 خشارم، "مدخل لدراسة الصيد البحري التقليدي"،

المراجع

References

العربية

بنحميدة، الصغيرة. "المصطلح البحري المنطوق بساحل الجنوب الشرقي للبلاد التونسية: نموذج لاستقراء المرجعيات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية". رسالة ماجستير. كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس..2011 من سرت الصغرى إلى سرت الكبرى. جمع وتقديم سالم المكني. صفاقس: مكتبة علاء الدين،.2019 خشارم، فريد. الحياة اليومية بجهة صفاقس خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. صفاقس: محمد علي للنشر،.2022 زغدود، ليلى. البحرية التونسية في قرن 1881–1782. تونس: كلمة للنشر والتوزيع،.2022 البرشاني، سمير. ميناء صفاقس خلال الفترة الاستعمارية. صفاقس: دار  تبرورة للنشر،.2017 أعمال الندوة الدولية الإنسان والبحر: قرقنة 9–8–7 ماي 1999. إشراف عبد الحميد الفهري. صفاقس: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية؛ مركز سرسينا للبحوث في الجزر المتوسطية،.2001

الأجنبية

Bachrouch, Taoufik. Course et corsaires en Tunisie dans la première moitié du 17 ème siècle. Tunis: Edition arabesques, 2020. Barkaoui, Abdelhamid. La marine carthaginoise: Approche des activités militaires des carthaginois sur mer depuis les origines jusqu’en 146 Av. JC. Tunis: L’or de temps,

Chantraine, Pierre (dir.). L’école pratique des hautes études. 4 ème section, Sciences historiques et philologiques. Paris: Centre de recherche et d’ histoire et de philologie,

Fantar, Mohamed Hassine. "La Tunisie et la mer." Académie des Inscriptions et Belles Lettres. no. 7 (1997). Ganiage, Jean. Une entreprise italienne de Tunisie au milieu du XIX e siècle. Paris: Presse universitaire de France, 1960.