Return to Article Details The Role of Urban Transformation in Saudi Arabia’s Nation-building: The Case of al-Balad, Jeddah

دور التحول الحضري في عمليات بناء الأمة في السعودية: المدينة التاريخية القديمة في جدة

The Role of Urban Transformation in Saudi Arabia’s Nation–building: The Case of al–Balad , Jeddah

روفاي لي| Rufei Li *

الملخّص

مرّت جِدَّة التاريخية، المعروفة أيضًا باسم "البلد"، بمراحل متعددة منذ منتصف القرن التاسع عشر من حيث البيئة الحضرية، وقوبلت بعدة جولات من جهود الحفاظ عليها. تجادل الدراسة، استنادًا إلى بحث ميداني وسبر للأدبيات السابقة، بأنّ عملية التحول الحضري لجِدَّة البلد هي نتاج عمليتي بناء الدولة وبناء الأمّة، التي أثّرت في دور البلد في جِدَّة في عملية بناء الأمّة في المملكة العربية السعودية على نحوٍ كبير. وعلى الرغم من أنّ عملية التحديث والتحضر سريعة الوتيرة قد أهملت الجهود الجادة للحفاظ على منطقة جِدَّة التاريخية؛ ما تسبب في تغييرات عميقة في المنطقة، فإنّ الحاجة إلى هوية وطنية ونشأة ثقافة "سعودية" أهلية في القرن الجديد حوّلت المنطقة من متلقية للتغييرات الاجتماعية والاقتصادية إلى مانحة للرموز الثقافية.

Abstract

Abstract: Jeddah Historic District, also known as al–Balad , has been through multiple stages in terms of the built environment since the mid nineteenth century and received several rounds of conservation efforts. By combining field research with study of standing literature, this article argues that the urban transformation process of al–Balad is the outcome of state–building and nation– building processes, while in turn impacted al–Balad significantly regarding its role in Saudi Arabiaʼs nation–building. Although the rapid modernization and urbanization process has sidelined serious efforts to conserve al–Balad, causing profound changes to the district, the need for a national identity and an indigenous "Saudi" culture emerging in the New century turned the role of al–Balad from the recipient of socio–economic changes into a donor of cultural symbols.

الكلمات المفتاحية:
  • التحول الحضري
  • بناء الأمة
  • جدة
  • المملكة العربية السعودية
Keywords:
  • Urban Transformation
  • Nation-building
  • Jeddah
  • Saudi Arabia
  • Ulrike Freitag

ملخص: مرّت جَِّدَة التاريخية، المعروفة أيضًا باسم "البلد"، بمراحل متعددة منذ منتصف

القرن التاسع عشر من حيث البيئة الحضرية، وقوبلت بعدة جولات من جهود الحفاظ

عليها. تجادل الدراسة، استنادًا إلى بحث ميداني وسبر للأدبيات السابقة، بأنّ عملية التحول

الحضري لجَِّدَة البلد هي نتاج عمليتي بناء الدولة وبناء الأمّة، التي أثّرت في دور البلد في

جَِّدَة في عملية بناء الأمّة في المملكة العربية السعودية على نحوٍ كبير. وعلى الرغم من أنّ

عملية التحديث والتحضر سريعة الوتيرة قد أهملت الجهود الجادة للحفاظ على منطقة

جَِّدَة التاريخية؛ ما تسبب في تغييرات عميقة في المنطقة، فإنّ الحاجة إلى هوية وطنية ونشأة

ثقافة "سعودية" أهلية في القرن الجديد حوّلت المنطقة من متلقية للتغييرات الاجتماعية

والاقتصادية إلى مانحة للرموز الثقافية.

Abstract: Jeddah Historic District, also known as al–Balad , has been through multiple stages in terms of the built environment since the mid nineteenth century and received several rounds of conservation efforts. By combining field research with study of standing literature, this article argues that the urban transformation process of al–Balad is the outcome of state–building and nation– building processes, while in turn impacted al–Balad significantly regarding its role in Saudi Arabiaʼs nation–building. Although the rapid modernization and urbanization process has sidelined serious efforts to conserve al–Balad, causing profound changes to the district, the need for a national identity and an indigenous "Saudi" culture emerging in the New century turned the role of al–Balad from the recipient of socio–economic changes into a donor of cultural symbols.

Master’s student at the Department of Arabic Language and Culture, School of Foreign Languages in Peking University, China. Email: saidli@pku.edu.cn

مدخل: التحول العمراني في جَِّدَة وتبعاته المزدوجة

ظلّت مدينة جدّة، الملقّبة ب "عروس البحر الأحمر"، مركزًا تجارًّيًا، وفكرًّيًا لحقبة طويلة من

الزمن. فمنذ العهد العثماني، كانت منطقة البلدة العتيقة، التي أطلق عليها أهلها "البلد"، بمنزلة محطة رئيسة في طريق الحجّاج، فاضلًا عن كونها مركزًا تجارًّيًا مزدهرًا. وشهدت جَِّدَة ارتفاعًا في عدد سكانها، تزامن مع الزيادة الكبيرة العائدة من أموال النفط منذ منتصف

ستينيات القرن العشرين، واستتبع ذلك توُّسُعٌ في نطاق المناطق الحضرية في المدينة. وفي الأثناء،

لاحظ بعض المثقفين والمسؤولين والقائمين على التخطيط العمراني الآثار السّلبية المحتملة لعملية

التحضر السريع في تراث المدينة العتيقة؛ ما أدى إلى إثارة الدّعوات للحفاظ على المدينة التاريخية. ومع ذلك، ظل قلب المدينة العتيقة يتحمّل أضرارًا جسيمةً خلال العقود [الثلاثة] المتبقية من القرن

المنصرم؛ حتى إن مجرد استعراض تاريخ جَِّدَة المعاصر في عجالة، يُنبئ عن حقيقة أن البلد لم تلقَ

اهتمامًا يليق بها، في خضم عملية التوسع السريع الذي شهدته المدينة في أواخر القرن العشرين. أفرجت المملكة، بُعيْد جلوس سلمان بن عبد العزيز آل سعود (2015–) على عرشها، عن خططها

الشاملة لمرحلة جديدة من التحول الوطني، في عام 2016. ولا تسعى الخطة الانتقالية، المسماة "رؤية 2030"، للتنوع الاقتصادي فحسب، وإنما تُركّز على تشكيل هوية وطنية "سعودية"، وما يلزمها من ثقافة أهلية أيضًا. ومن ثم خَُّصَت البلد، في هذا السّياق الجديد، بخطة جديدة لحفظ التراث.

وأطلقت وزارة الثقافة، التي أِّسِست حديثًا، على هذا المشروع اسم "مشروع إعادة إحياء جَُِّدَة التاريخية"،

كما أُنيط بالوزارة إدارة المنطقة، والحفاظ على "تراثها المادي، وغير المادي" على حٍّدٍ سواء. وعلى الرغم من أن هذا المشروع يغزل على منوال الخطط السابقة للحفاظ على التراث – وهي الخطط التي بدأت منذ سبعينيات القرن العشرين – من حيث الأهداف، والدعم الحكومي الكامن خلفه، فإن الجهود المتّسقة للحفاظ على التراث تقف على طرف نقيض، على ما يبدو لنا، مع التدهور

المادي الذي حاق بالبلد، وهو التدهور الذي طالما شَّكَك فيه باحثون دوليون. ونظرًا إلى الأهمية

(((عن رواية معاصرة، ينظر:

Tawfiq M. Abu Ghazzeh, "Built Form and Religion: Underlying Structures of Jeddah Al–Qademah," Traditional Dwellings and Settlements Review , vol. 5, no. 2 (Spring 1994), pp. 49–59.

(((عن ظهور القومية السعودية، ينظر:

Madawi Al–Rasheed, The Son King: Reform and Repression in Saudi Arabia (Oxford: Oxford University Press, 2021), pp. 154–174.

وعلى الصعيد الحكومي، يشير إنشاء وزارة الثقافة (بتقسيم وزارة الثقافة والإعلام القديمة إلى وزارتين؛ إحداهما للثقافة، والأخرى للإعلام)، فاضلًا عن تكليف وزارة الثقافة بإصدار تقرير سنوي عن "حالة الثقافة"، إلى اهتمام المملكة المتزايد بهذا المجال. ينظر

تقريرا 2020–2019 بوصفهما مثالين في هذا الصدد: وزارة الثقافة، تقرير الحالة الثقافية في المملكة العربية السعودية 2020: رقمنة

الثقافة (الرياض).2021:

(3) "About Us," Jeddah Historic District (2024), accessed on 28/8/2024, at: https://bit.ly/4dYknae

(((هنادي عيد الحربي وسميرة سعد الصالح، "الآثار السياحية للمقومات التاريخية في مدينة جدة"، مجلة العلوم الإنسانية

والاجتماعية، مج  5، العدد 15 (كانون الأول/ ديسمبر 2021)، ص.119–104

التاريخية التي تحظى بها البلد، والخصائص الثقافية الممِّيِزة لها، فإن التساؤلات ما انفكّت تُثار حول

التغيرات المادية والاجتماعية التي طرأت عليها في العصر الحديث، في المقام الأول. ويتصل بهذا التساؤل سؤال آخر عن الكيفية التي يختلف بها مشروع الإحياء الجديد عن المشروعات السابقة للحفاظ على تراث البلد، ولا سيما في ظل تأكيد المشروع لأهميتها، بوصفها جزءًا لا يتجزأ من

التراث الوطني السعودي. تناولت مجموعة متنوعة من النقاشات العلمية تاريخ جَِّدَة، وتطور نسيجها الحضري؛ فدرست أولريكه

فريتاغ، في ثنايا تحليلها لتاريخ جَِّدَة، الِّسِمات الاستثنائية للمدينة عن كثب. ومن ثَمّ، ذهبت إلى أن

الهوية "الجدّاوية"، أو "الحِجازية"، بالأحرى، ظلت محتفظةً بمرونتها المقاومة، على الرغم من آثار عملية التحديث السّريع، مع أخذ التوتر القائم بين الحجازي والنجدي، في الألفية الجديدة، على

محمل الجّد. وفيما تعلق بالتحول الحضري الذي طرأ على جَِّدَة منذ الستينيات، ركز الباحثون على الجهود التي بُذلت بهدف الحفاظ على البلد، كما ركز عدد كبير من الدراسات، التي اضطلع بها

باحثون سعوديون، على استغلال المقومات السّياحية للبلد بهدف تنشيط السياحة الثقافية خاصةً.

وعلى هذا النحو، حلّل محمد باقادر، استنادًا إلى خطط الحفاظ على التراث، والمقابلات الشخصية، والسجلات المحلية، سياسات الحفاظ على البلد، والآثار المترتبة على تنفيذها على البيئة الحضرية،

تحليلًا شامل. وبينما أسهب الباحثون في مناقشة القضايا الفنية المتعلقة بالحفاظ على تراث

المدينة، ظلّت العلاقة بين الحفاظ على جَِّدَة التاريخية بوصفها تراثًا ثقافًّيًا، وتشكيل ثقافة سعودية

جديدة، موضوعًا لم يتطرّق إليه الدارسون. وعلى صعيد الدولة، شهِدت السنوات الأخيرة ظهور مجموعة متنامية من الدراسات، حول مختلف الجوانب الاجتماعية والثقافية للمرحلة الانتقالية الجارية في السعودية؛ فقد درس يورغ ماتياس ديترمان روايات التاريخ المعاصر للمملكة الحديثة، وخلص إلى تحديد دور مزدوج تضطلع به الدولة، بوصفها راعيًا، ومُراقبًا في الوقت نفسه. ودرست كذلك روزي بشير مشروعات التعمير في الرياض ومكة

المكرّمة، وخلصت إلى أن الحكومة السعودية تعمد إلى إعادة كتابة "التاريخ المادي" متجَّسَدًا في أحياء

المدينة التاريخية، وترعى "حماية التراث"، مثل الدرعية، تعزيزًا لشرعية الدولة. وفي ثنايا هذا النقاش

(5) Ulrike Freitag, A History of Jeddah: The Gate to Mecca in the Nineteenth and Twentieth Centuries (Cambridge: Cambridge University Press, 2020), p. 339. (6) Abdelaziz Elfadaly, "Cultural Heritage Management Using Remote Sensing Data and GIS Techniques Around the Archaeological Area of Ancient Jeddah in Jeddah City, Saudi Arabia," Sustainability , vol. 12 (2020), pp. 1–15; Mohammed Aloshan et al., "Strategies for the Preservation of Historic Areas within Existing Middle Eastern Cities: The Case of Historic Jeddah," Buildings , vol. 14, no. 3 (March 2024), pp. 1–21. (7) Mohammed Abubaker A. Bagader, "The Evolution of Built Heritage Conservation Policies in Saudi Arabia between 1970 and 2015: The Case of Historic Jeddah," PhD Thesis, University of Manchester, Manchester, 2016. (8) Jörg Matthias Determann, Historiography in Saudi Arabia: Globalization and the State (London: I.B. Tauris, 2014), p. 111. (9) Rosie Bsheer, Archive Wars: The Politics of History in Saudi Arabia (Stanford: Stanford University Press, 2020), pp. 141–145.

العلمي، نالت ج دَة التاريخية نصيبًا محدودًا من اهتمام الباحثين، فاضلًا عن أن تُدمج بوصفها دراسة

حالة في عرَض مشروعات التراث الحكومية، ضمن الإطار النظري لعملية بناء الدولة، أو بناء الأمّة. وتوسلًا لتجسير هذه الهوة الواضحة في الدراسات العلمية، نذهب إلى أن التحول الحضري للبلد ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه عملية تاريخية تطورية، ذات تبعات مزدوجة. فمن جهة، يرتبط التطور

العمراني والإداري لمدينة جَِّدَة بنمو جهاز الدولة وقدرته القائمة على الرّيع والتوزيع ارتباطًا وثيقًا.

ومن جهة أخرى، ليس استغلال القيمة الرمزية التي تحملها جَِّدَة التاريخية، أو التقليل من شأنها، إلا تعبيرًا عن السياسة الثقافية التي تنتهجها الحكومة، خدمةً لعملية بناء الأمّة. تسعى هذه الدراسة للبحث في التحول الحضري في جَِّدَة، مع التركيز على البلد خاصةً، من خلال توضيح آثار هذه العملية في مساري بناء الدولة، وبناء الأمّة. وسعيًا لتحقيق هذه الغاية، سنجمع

بين تحليل المصادر، بنوعيها الأولي والثانوي، مع نتائج زيارتين ميدانيتين لجَِّدَة والرياض، خلال شهري شباط/ فبراير، وآب/ أغسطس 2024 على الترتيب. ورصَدنا، خلال زيارتَيْنا، البيئة الحضرية

في البلد، كما زرنا "متحف مدينة الطيبات العالمية للعلوم والمعرفة" الذي تُعرض فيه أعمالٌ فنّية، وتصاوير متعلقة بالبلد، ثلاث مرات. وإلى جانب الملحوظات الميدانية، أجرينا مقابلات شبه منتظمة

مع أصحاب المتاجر من أهل جَِّدَة، والعمال المغتربين العاملين في جَِّدَة التاريخية، فاضلًا عن لقاء كبار الدبلوماسيين، والمعنِّيِين بصناعة السياحة الذين أدلوا بآرائهم فيما تعلق بمشروع الحفاظ على

تراث البلد. واعتمدنا ترتيبًا تاريخًّيًا للمباحث التالية: الأول تشكيل الهوية "الجدّاوية" بإيجاز، ثم تطور العلاقات

الدينامية بين الأقاليم في السعودية، ولا سيما التوترات بين أهل الحجاز وأهل نجد حتى الستينيات، بينما يركز القسم الثاني على الفترة من منتصف الستينيات إلى مطلع الألفية الجديدة، حينما بدأت

عملية بناء الدولة السعودية تُلقي بظلالها على جَِّدَة والبلد. وأما القسم الثالث، فيركز على التغيرات التي طرأت على البلد منذ عام 2005، ويستكشف الآثار المترتبة على المشروعات التنموية الحديثة في سياق بناء الأمّة السعودية. وسنستخدم، فيما يلي، مصطلح "البلد" للدلالة على الحِّيِز الحضري، ومجمع المباني الذي كان

يشكل قلب مدينة جَِّدَة على نحو أساسي. ومع ذلك فقد استخدمنا مصطلحَي: "جَِّدَة التاريخية"

و"جَِّدَة القديمة" بالمعنى نفسه أيضًا.

((1(عن رواية أكثر تفصيلًا، ينظر:

Steffen Hertog, Princes, Brokers, and Bureaucrats: Oil and the State in Saudi Arabia (Ithaca: Cornell University Press, 2010), pp. 10–12.

((1(برهنت دراسة روزي بشير، كما قيل من قبل، للرياض ومكة، على صحة هذا النهج. ينظر:

Bsheer, pp. 141–145, 172–190.

((1(كان في نيتنا إجراء مقابلات مع كبار رجال الدولة المسؤولين عن مشروع جدة التاريخية، فاضلًا عن باحثين سعوديين

متخِّصِصين في تحويل جدة. ومع ذلك لم نتلق رًّدًا على رسائل البريد الإلكتروني الأولية التي بعث بها إليهم.

أولا: الهوية "الجدّاوية" وديناميات العلاقات الإقليمية في مرحلة التشكل

يُعَدّ القرن العشرون، من مطلعه إلى منتصفه، حقبة حيوية في تاريخ شبه الجزيرة العربية، ولا سيما على

صعيد إقليمَي الحجاز ونجد اللذين أظهرا قدرًا أكبر من التأثر قياسًا بغيرهما من أقاليم شبه الجزيرة

إبانئذٍ. فعلى الصّعيد السياسي، دخل الشريف حسين (1924–1916) والملك عبد العزيز (1932–1926)

في صِراعات ومواجهات مباشرة في شبه الجزيرة العربية بُعيْد وضع الحرب العالمية الأولى أوزارَها؛

ما أفضى إلى إنهاء الحكم الهاشمي في شبه الجزيرة العربية، وتوطيد دعائم الدولة السعودية الثالثة. وكان لغزو الحجاز أهمية فائقة للملك عبد العزيز، ومن ثم لآل سعود، من جوانب عديدة. فعلى الرغم من أن المثقفين الحجازيين المتدينين والعلمانيين على حد السواء برزوا في إطار الدولة السعودية

المستجَّدَة – وكان معظمهم من مكّة وجَِّدَة – فإن العلاقة بين هذه المنطقة والحكومة المركزية

اقتصرت على القيمة الرمزية لمكّة والمدينة إلى حٍّدٍ بعيد في المقام الأول، ثُم على جباية ضريبة الحج

التي كانت بمنزلة شريان الحياة الاقتصادي للدولة وقتئٍذ. وبينما تغير المشهد السياسي في شبه الجزيرة تغيرًا تاًّمًا، ورثت الدولة السعودية تبعات الاختلافات

الثقافية بين مختلف مناطق شبه الجزيرة؛ ففاضلًا عن الخلافات الراسخة بين الحضر والبدو، برز التوتر بين أهل الحجاز وأهل نجد على السطح داخل الأراضي "الموحدة" حديثًا في المملكة أيضًا. سأتناول في هذا القسم الهوية "الجدّاوية" فيما يتعلق بمدينة البلد المُسَوَّرة في المقام الأول، ثم أقدّم

وصفًا موجزًا للديناميات الإقليمية بين الحجاز ونجد منذ منتصف العقد الثالث، حتى منتصف العقد

الثامن من القرن العشرين.

1. دهليز مكّة و"جَِّدَة غير": التشكيل المادي للهوية "الجدّاوية"

ظلّت جَِّدَة، لحقبة طويلة في التاريخ، بمنزلة ميناء مكّة؛ ما ضمِن لها مكانتها بوصفها "دهليز" (بفتح

الدال أو كسرِها، سيان) أقدس مدينة في الإسلام. وعلى هذا النحو، ظلّت المدينة السّاحلية المزدهرة

محطة مهمة للمسافرين في القرن التاسع عشر، قبل أن يستأنفوا أسفارهم إلى مدن الحجاز الأخرى، وكذلك كان الأمر في إيابهم. واحتل ميناء جَِّدَة القديمة، في الوقت نفسه، مكانةً بارزةً في التجارة

البينية في منطقة البحر الأحمر. وأسفر تدفق السلع والأشخاص إلى جَِّدَة، إلى جانب التطور الثقافي الذي جاء بوصفه نتيجةً عرضية للتفاعلات مع العالم الخارجي جزئًّيًا، عن اكتساب المدينة مظهرًا

استثنائًّيًا؛ حتى إن أهلها أطلقوا عليها اسم "جَِّدَة غير".

((1(عن تاريخ غزو آل سعود لإقليم الحجاز، ينظر:

Madawi Al–Rasheed, A History of Saudi Arabia (Cambridge: Cambridge University Press, 2010), pp. 37–45. (14) Mai Yamani, Cradle of Islam: Hijaz and the Quest for An Arabian Identity (London: I.B. Tauris, 2006), pp. 54–55. (15) John Keane, Six Months in the Hejaz: Journeys to Makkah and Madinah 1877–1878 (Manchester/ Beirut: Barzan Publishing, 2006), pp. 186–187; John Lewis Burckhardt, Travels in Arabia (Abingdon: Frank Cass & Co. Ltd., 1968), pp. 1–3. (16) Freitag, p. 1.

وتنهض فخامة العمارة بوصفها تجلًّيًا مهًّمًا لهذا الشكل، متعِّدِد الأوجه، من الاستثناء؛ إذ استُخدم

الحجر الجيري المرجاني، فاضلًا عن غيره من الأحجار الأخرى المقطوعة محلًّيًا من "بُحيرة

الأربعين" – وهي البحيرة الواقعة على مقربة من جَِّدَة التاريخية، من جهة الشمال الغربي – في بناء البيوت السّكنية ذات الطوابق المتعددة، كما استخدمت في بناء الأسوار والمباني على حٍّدٍ

سواء. وساد استخدام "الُّرُوشَن" أو "المشربية" (وهي الُّشُرفة العربية)، بتصميمها الدقيق، في

جميع البنايات تقريبًا، نظرًا إلى جمالها، وفوائدها العملية. ومع ذلك، تغير الطراز المعماري

للبنايات في جَِّدَة إلى حٍّدٍ بعيد، متأثرًا بالتقدم التقني في الهندسة المعمارية، وكذلك بالذوق

المصري والأوروبي في العمارة، حتى اَّتَخذ شكله الأخير في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. زِد على ذلك أن أبرز معالم المدينة، المشتملة على المساجد، والأسواق، والبوابتين: باب مكّة، وباب

المدينة، كانت تقع داخل المدينة المُسَوَّرة. وفي حين تعلق ب "الجدّاويين" – أعني أهل جَِّدَة – فقد

كان لهذه البيئة الحضرية مكانة خاصة في هويتهم، ليس لجمال عمارتها فحسب، وإنما بسبب صلاتها

بالأعراف الاجتماعية في منطقة الحجاز أيضًا؛ حيث "جرت عادة أهل جَِّدَة بالاقتصار على خصوصية أجواء البيت، في ممارستهم لتقاليدهم وأعرافهم الاجتماعية؛ إذ كان الجهر بها ينطوي على تحٍّدٍ للقواعد الرسمية". وفي هذا الصّدد، لاحظت نيلدا فوكارو أن "الأشكال الحضرية التقليدية تعمل بوصفها مصدرًا للهوية

الثقافية – الوطنية على نحو مُتنامٍ، من خلال عملها بوصفها محفّزًا للذاكرة الجمعية". ومع ذلك،

فإن السؤال الذي يطرح نفسه، يتعلق ب "نطاق" البلد بوصفها مجموعةً معقدةً من "الأشكال الحضرية التقليدية". غالبًا ما يتجاهل الباحثون الإجابة عن هذا السؤال، ويركزون، عوضًا عن ذلك، على

"الحفاظ" على التراث المادي للبيئة للحضرية. ومع ذلك، فللإجابة عن هذا السؤال أهمية قصوى في تجسير الهوة بين استيعاب البلد بوصفها مجرد مثال للتغُّيُر الحضري، وتحديد موقعه من عملية بناء

الأمّة السعودية. وفي هذا الصدد، يذهب الباحث إلى أنه لا ينبغي أن يُنظر إلى البلد على أنه مفهوم

مكاني ومعماري محض، بل ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مزيجًا من البيئة الحضرية القائمة داخل المدينة

المسَّوَرة العتيقة، فاضلًا عن كونه مجتمعًا "جدّاويّا" أصيلًا في حِّدِ نفسه، ومن ثم، فإن له رموزه الثقافية

الخاصة.

(1((رحاب عبد الرحمن أحمد فاضل، "مدينة جدة: دراسة تاريخية تحليلية"، مجلة القلزم للدراسات التاريخية والحضارية، العدد 14 (آذار/ مارس 2022)، ص.82 (1((عبد القدوس الأنصاري، موسوعة تاريخ مدينة جدة، ط 4 (جدة: دار المنهل للصحافة والنشر المحدودة، 2018)، ص.82–57

(19) Sameer Mahmoud Z. Al–Lyaly, "The Traditional House of Jeddah: A Study of the Interaction between Climate, Form and Living Patterns," PhD Thesis, Edinburgh University, Edinburgh, 1990, p. 23. (20) Yamani, p. 23. (21) Nelida Fuccaro, "Visions of the City: Urban Studies on the Gulf," Middle East Studies Association Bulletin , vol. 35, no. 2 (Winter 2001), p. 181.

الشكل (1)

خريطتان لمدينة جَِّدَة التاريخية: الأولى في عام  1894 (إلى اليمين)، والثانية في عام 1960 (إلى اليسار)

المصدر:

Allies & Morrison, "Al–Balad: Public Realm Strategy and Design Manual," jeddahalbalad , pp. 20–21, accessed on 15/1/2025, at: https://acr.ps/1L9zRdd

كانت عملية "تكوين" البيئة الحضرية قد اكتملت قبل أن يحكم آل سعود الحجاز برَدحٍ من الزمان.

وعلى هذا النحو، لم تكن الحقبة اللاحقة التي مرت بها جَِّدَة القديمة تعدو كونها تدهورًا للبلد على الصعيد المادي، واضمحلالًا على صعيد تطوره الثقافي، واستثنائيته. وتجدر الإشارة في هذا الصّدد أيضًا إلى أن المنطق السياسي للحكم في البلد، قبل حكم آل سعود، كان منطق الحُكم

التعاوني للأسر المقيمة بها؛ وذلك نظرًا إلى افتقار المدينة إلى سلطة مركزية، وهو ما عزّزته حقيقة

"افتقار المدينة إلى مساحة مركزية مخصصة للمؤسسات الحكومية والدينية". بيد أن يد التغيير سرعان ما لحقت بهذه الِّسِمة، كما سنناقش ذلك لاحقًا، مع فرض حكومة مركزية قوية سلطانها على

المنطقة، وحرمت علاقة الحجاز بنجد أهلَ الحجاز – ولم يكن الجدّاويون استثناءً منهم – من المزايا

الاقتصادية والمؤسسية التي كانوا يحظون بها من قَبل، وهي المزايا التي كان يسعها أن تكون بمنزلة

الخلفية للتخطيط للحفاظ على جَِّدَة التاريخية بوصفها موقعًا تراثًّيًا.

2. تغير الديناميات الإقليمية: السياق السياسي - الاقتصادي

تجسّد تقلّب العلاقات بين الحجاز ونجد في الصراع بين كيانين سياسَّيَين؛ أولها الحجازي بقيادة الشريف حسين، وثانيها النجدي بقيادة الملك عبد العزيز. وعلى هذا النحو، أفضَت سلسلة من

(22) Freitag, pp. 51–60. (23) Al–Lyaly, p. 31.

الحملات العسكرية والمعارك إلى نهاية حكم الهاشميين في الحجاز؛ حيث استسلمت مكّة في 5

كانون الأول/ ديسمبر 1924، ثم تأسّست بها جَِّدَة في 16 كانون الأول/ ديسمبر 1925. وكان الاعتراف السياسي والاستيلاء على مصادر جديدة للدخل، التطورَ الرئيس الذي أعقب ذلك؛ إذ بايع أعيانُ الحجاز عبدَ العزيز في أول الأمر بالمُلك، ثم ما لبثت الاعترافات الدولية بمملكته أن توالت تباعًا؛ حيث اعترفت بها بريطانيا العظمى، ثم الاتحاد السوفياتي، ثم فرنسا، فهولندا. وعلى

هذا النحو، أِّمِنت طرق التجارة البرية، وصار للديوان الملكي الحق في جباية ضريبة الحج المفروضة

على الحجيج في جَِّدَة. على أي حال، فقد تُوّج الملك عبد العزيز، بُعيْد توقيع معاهدة جَِّدَة في 20 أيار/ مايو 1927، ملكًا على

"مملكة نجد، والحجاز وملحقاتها". ومع ذلك، لم تُتْبَع الخطوات التي اُّتُخِذت لتعزيز السيطرة

على الحجاز سياسًّيًا واقتصادًّيًا، بمحاولة جادة لدمج أهل الحجاز، أو استيعابهم ثقافًّيًا؛ ذلك أن مثل هذه المحاولة كانت تتطلب اختراقًا للبنية الاجتماعية الراسخة في المنطقة. ومن ثم، ظلت الذاكرة الجمعية لأهل الحجاز تحتفظ بعناصر مهمة، من قبيل تفوق المنطقة، أو بالأحرى مُدنها، من حيث الثراء المادي، والرّقي الثقافي. وعلى هذا النحو، احتفظ إقليم الحجاز ببعض تفوقه في خضم التوتر القائم بينه وبين نجد في إطار

الحكم السعودي الجديد؛ ولا سيما جَِّدَة بإزاء الرياض، وكانت ممثل نجد. وظلت جَِّدَة ركيزة اقتصادية مهمة، ونافذة للمملكة على الخارج. وكان الدخل المتولد من جباية ضريبة الحج يُسهم بنحو 60" في المئة من إجمالي إيرادات الحكومة، البالغة 12 مليون ريال في عام 1932"، كذلك

فَّضَلت البعثات الدبلوماسية، في السعودية، فتح مقراتها في جَِّدَة. زِد على ذلك أن ميناء جَِّدَة استحوذ على النصيب الأكبر من التجارة الدولية للمملكة. ولَّمَا صار النفط، شيئًا فشيئًا، المصدر الرئيس للدخل القومي بالمملكة، بدأت الأهمية الاقتصادية

لجَِّدَة في التراجع. وسرعان ما وجدت الديناميات السياسية والاقتصادية المتغيرة تعبيرًا اجتماعًّيًا

عنها؛ حيث بدأت الطبقة الوسطى النجدية في الظهور، ومن ثَمّ، ازداد ثقل العاصمة الرياض.

وبطبيعة الحال، أَّثّر هذا المشهد السياسي والاقتصادي الجديد في البيئة الحضرية في جَِّدَة التاريخية

(24) Al–Rasheed, A History of Saudi Arabia , pp. 43–44. (25) Ibid. (26) Tim Niblock & Monica Malik, The Political Economy of Saudi Arabia (London/ New York: Routledge, 2007), pp. 21–22. (27) Tim Niblock, Saudi Arabia: Power, Legitimacy and Survival (London/ New York: Routledge, 2006), p. 28; Al– Rasheed, A History of Saudi Arabia , p. 45.

((2(نقلًا عن: Yamani, p. 54.

(29) Niblock, Saudi Arabia , p. 44.

إلى حٍّدٍ بعيد، كما سنناقش في القسم التالي؛ إذ تسَّبَبت التغيرات الاجتماعية في الإقليم ومحيطه في

إحداث "صدع" بين التراث المادي وسكانه الأصليين على نحو حاسم.

ثانيًا: "حماية" البَلد في حقبة التحديث

تسارعت وتيرة عملية تحديث السعودية على نحو غير مسبوق، ابتداءً من منتصف العقد السابع من

القرن العشرين، حينما اعتلى الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود (1975–1964) عرش المملكة؛ إذ زاد دخل الدولة من خلال زيادة العائد من بيع النفط. وكان الشغل الشاغل للحكومة السعودية،

إبانئذٍ، هو تنمية قدرات الدولة على الصُعد كافة، بما في ذلك قدرتها على التخطيط، والإدارة، والرعاية الاجتماعية، وإدارة المشروعات الاقتصادية. وعلى هذا النحو، قُِّدِمت الأطر الإدارية،

ووضِعت الخِطط فيما يتعلق بتطوير المدن الكبرى. وفي حين بدأت ملامح "دولة" السعودية في الظهور شيئًا فشيئًا، ظَّلَت "أمة" السعودية غير محددة المعالم؛ إذ لَّمَا كانت عملية التحديث بمنزلة

المصدر الرئيس للحشد الاجتماعي، وإضفاء الشرعية على النظام الحاكم في معظم سِني النصف الثاني من القرن العشرين، لم تكن الحاجة ماسةً إلى تعريف "الأمّة السعودية". ومن ثم أفضى الأمر

إلى ظهور هوّة بين عملية بناء الدولة، وعملية بناء الأمّة. يتناول هذا القسم سياسات الحفاظ على البلد بين منتصف العقد السابع من القرن العشرين، حتى عام 2005 على نحو أساسي. وقد نلحظ هنا أن عملية التحديث السريع، والخطة الحكومية التي كانت بمنزلة الموِّجِه لهذه العملية، أقرت بالقيمة الرمزية للبلد، إلا أنها تعاملت مع المنطقة [الغربية] برمتها،

ومع تطويرها على أساس يقوم على العقلانية الاقتصادية بصفة أساسية. كذلك تضافرت التغييرات الاجتماعية، مع التنفيذ الخاطئ لسياسات الحفاظ على تراث المدينة العتيقة، بحيث أفضى الأمر إلى تقلّص المجتمعات الأصيلة بالبلد.

1. التحديث والعقلانية الاقتصادية

لما اعتلى الملك فيصل عرش المملكة، كانت البنية التحتية المادية للمملكة متخلّفة على نحو

ينذر بالخطر، وكانت الوزارات الحكومية تعاني بسبب ميزانياتها المحدودة. عندئذٍ شرع الملك فيصل، تزامنًا مع الارتفاع المطرد في الموارد الاقتصادية للمملكة، في مشروع ضخم للتحديث. وعلى هذا النحو، حظيت التنمية الحضرية، على مستوى الدولة، باهتمام كبير، كما اُّتُخذت سلسلة

من الإجراءات لتنظيم عملية تنمية المدن السعودية مستقبلًا. وفيما يتعلق بمدينة جَِّدَة خاصةً، أوصت لجنة الأمم المتحدة، المكلفة بتقديم المشورة للحكومة السعودية بشأن التخطيط الإقليمي والعمراني، بناء على طلبٍ من دائرة الشؤون البلدية، بتعيين شركة روبرت ماثيو وجونسون مارشال

(30) Hertog, pp. 61–65; Niblock & Malik, pp. 32–52. (31) Al–Rasheed, The Son King , pp. 164–174. (32) Al–Rasheed, A History of Saudi Arabia , pp. 116–117.

وشركائهما RMJM (Robert Matthew, Jonson–Marshall) and partners، الإنكليزية بوصفها

مستشارًا لبلدية جَِّدَة و"المنطقة الغربية" برمتها، لوضع خطة عامة للتنمية الحضرية بها. وكانت جَِّدَة تشهد، إبانئذٍ، نمًّوًا كبيرًا في حجمها، وزيادةً في عدد سكانها على حٍّدٍ سواء، ومع

ذلك ظلت البلد مركز المدينة وقلبها. وعلى هذا النحو، شهد عام  1947 هدم سور المدينة لإفساح المجال لبناء أحياء سكنية جديدة، فاضلًا عن طريق دائري يحيط بقلب المدينة العتيقة.

كذلك شُِّيِدت المباني التجارية الحديثة غربي الطريق الدائري، وُأنِشُِئ قرب "باب مكّة" حٌّيٌ

سكني يضم، في معظمه، بيوتًا، ومتاجر حديثة البناء. وشهد عام 1970 هدم جزء من البلد؛ لفتح طريق سريع جديد يربط بين الشمال والجنوب، وهو "شارع الذهب"، الذي شق النسيج الحضري التقليدي للبلد. وأقرت الخطة العامة، التي وضعتها شركة روبرت ماثيو وجونسون مارشال وشركائهما، بالحاجة إلى حماية البلد، وعَّرَفتها على أنها جزء لا يتجزأ من المدينة. ولما كانت الخطة العامة هي الحكومية

الوحيدة التي قَّدَمت توجيهات لحماية البلد في القرن العشرين، فقد كان لها آثار طويلة الأمد، في حين أن المنطق الكامن وراء تطوير المنطقة التاريخية ظل عرضةً لإعادة التقييم. أذعنت الخطة، في المقام الأول، لزيادة كثافة النشاط البشري، والتغيرات التي كانت تطرأ على البيئة الحضرية، بعد هدم الأسوار، من خلال الحفاظ على الوضع الراهن، عوضًا عن إقرار نهج أكثر صرامة لوقاية المنطقة التاريخية من التعرض للمزيد من أعمال الاستغلال الضارة بها. كذلك قَّسَمت الخطة العامة المنطقة التاريخية إلى أربع مناطق كبيرة هي المناطق: ((12)، و (3)، و)،

و (3 أ). واشتملت المنطقة (1) على المنطقة السّاحلية، وحُِّدِدت المنطقة (2) على أنها المنطقة

التجارية المركزية التي تضم المباني التجارية، والعمارات السكنية الشّاهقة. أما المنطقة (3)، فهي المنطقة السكنية القديمة، وتشترك معها في تلك الخصيصة المنطقتان: (2 أ)، و (2 ب). وأما المنطقة (3 أ)، فهي المنطقة المستجَّدَة المتعددة الاستخدامات. وفي حين لبّى هذا الترسيم مطالب دائرة

الشؤون البلدية والقروية بترسيم حدود المنطقة التاريخية ودواخلها، فإن الحفاظ على الوضع الراهن في هذه المنطقة كان يعني، في واقع الأمر، إجراء تغييرات محدودة فيما يتعلق بطبيعة الأنشطة التجارية، والمعيشية الكثيفة. وعلى هذا النحو، ظلت البلد معرّضةً لآثار سلبية جسيمة

جَّرَاء ازدياد كثافة هذه الأنشطة.

(33) George Orr Duncan, "The Planning and Development of the City of Jeddah: 1970–1984," PhD Thesis, Durham University, Durham, 1987, pp. 51–52.

((3(كانت المنطقة الحضرية Metropolitan Area بجدة، بحلول عام 1978، تغطي مساحة 1215 كيلومترًا مربعًا، مع تطوير مساحة

97 كيلومترًا مربعًا. ويشير تعداد عام 1974 إلى أن عدد سكان المدينة بلغ 561104 نسمة. ينظر: فاضل، ص.70

(35) Allies & Morrison, "Al–Balad: Public Realm Strategy and Design Manual," jeddahalbalad , p. 20, accessed on 15/1/2025, at: https://acr.ps/1L9zRdd (36) Duncan, p. 220.

الشكل (2) تخطيط المنطقة التاريخية في الخطة العامة

المصدر:

George Orr Duncan, "The Planning and Development of the City of Jeddah: 1970–1984," PhD Thesis, Durham University, Durham, 1987, p. 256.

ثانيًا: قدّرت الخطة العامة تكلفة الحفاظ على الأحياء السكنية التقليدية إجم لًا بمبلغ 200 مليون

دولار (نحو 706 ملايين ريال سعودي في عام 1976)، وهو ما يُمثل نحو 28.6 في المئة من إجمالي

مبلغ 700 مليون دولار، هو إجمالي المبلغ المرصود لتنفيذ الخطة العامة بأكملها. وكان هذا المبلغ الكبير يعادل نحو 64. في المئة من الميزانية السنوية المخصصة لوزارة الشؤون البلدية والقروية

(وكانت هيئة، ثم سرعان ما تحولت إلى وزارة في عام 1976). زِد على ذلك أن العمل بمدينة جَِّدَة،

في العقد الثامن من القرن العشرين، كان جاريًا على قدمٍ وساق في مشروعَين رئيسيَن للبِنية التحتية

بالفعل، وهما: مطار الملك عبد العزيز الدولي، وميناء جَِّدَة الإسلامي. وعلى هذا النحو، بات من

(37) Anthony Axon & Susan Hewitt, Contemporary Archive of the Islamic World, vol. 5: Saudi Arabia, 1975–2020 (Leiden: Brill, 2022), pp. 115, 135.

الواضح أنه ينبغي تهميش مسألة الحفاظ على المدينة العتيقة، في معرض التنافس على الموارد المالية والإدارية الحكومية، بما أن فوائدها الاقتصادية والرمزية هامشية. إضافةً إلى ذلك، ارتبط تنفيذ الخطة العامة بأفراد بأعينهم، وتزامن إعداد الخطة العامة وتنفيذها الأولي

مع ولاية محمد سعيد فارسي (1986–1972) بوصفه أمينًا لمحافظة جَِّدَة. ولمّا كان فارسي نفسه

جدّاوًّيًا، فقد أعطى الحفاظ على البلدة العتيقة، خلال فترة رئاسته 1986–1973، الأولوية القصوى، كما عمل على استغلال الموارد الحكومية في هذا الصدد على نحو فَّعَال. فلما انتهت فترة ولايته، نُِّفِذت خطة الحفاظ على المباني التقليدية في البلد على نحو سِّيِئ، بسبب الخلافات التي كانت

تنشب بين مختلف الهيئات الحكومية من جهة، والحكومة وملاك الأراضي أو المستأجرين من جهة

أخرى. وعلى الرغم من مشاركة المعنيّين من أهل جَِّدَة، فإن المحافظة أخذت تنظر إلى المنازل

التقليدية على أنها مستمدَة من "نموذج تركي أو مصري" ببساطة، مع ما يتضمنه ذلك من تركيز على سمات "مستوردَة" للبلد، عوضًا عن التركيز على خصائصها الأصيلة. كيفما كان الأمر، أدت تكلفة المشروع، إلى جانب المشكلات المتأصلة في الخطة العامة، والطريقة التي نُِّفِذت بها، إلى مزيد من التدهور في البلد منذ منتصف العقد التاسع من القرن العشرين، فما تلاه.

وعلى الرغم من أن الحكومة السعودية استحدثت قانونًا للحفاظ على مدينة جَِّدَة التاريخية في عام 1981 – وهو القانون الذي عَّيَن المنطقة بوصفها التراث المعماري الوحيد في البلاد في ذلك

الوقت – نصّ على الحفاظ عليها، فإن توصية الخطة العامة التي كانت تقضي بإنشاء هيئة متخصصة

لإدارة البلد القديمة وترميمها، لم تُوضع موضع التنفيذ قط؛ ما أدى إلى عدم تنفيذ محافظة جَِّدَة للقانون على نحو مستدام وفعّال.

2. الديناميات الاجتماعية: تجريف "المجتمعات المحلية"

لم تُسهِم التغييرات المجتمعية في البلد، بصرف النظر عن الَّتَدابير الفَوقَِّيَة الهادفة إلى الحفاظ على

المدينة، خلال هذه الفترة في تدهور البيئة الحضرية فحسب، وإنما أسهمت في تفكك الروابط بين البيئة الحضرية، والسكان "الجدّاويين" على نحو حاسم أيضًا. وعلى الرغم من افتقارنا إلى إحصاءات رسمية في هذا الصدد، فإن الأسر الأصيلة التي كانت تقيم في البلد أخذت في هجرها شيئًا فشيئًا؛ فباعت بيوتها، أو أجرتها بدءًا من العقد السابع من القرن العشرين، أو لم تعد تكترث للتدهور الذي

أصاب بيوتها ومنازلها مادًّيًا ببساطة. وعلى هذا النحو، صار العمال من ذوي الدخول المنخفضة والمتوسطة القادمون من البلدان الإسلامية، مثل: باكستان، وبنغلاديش، واليمن يشكلون الجزء الأكبر من سكان البلد. وما زال الأمر جاريًا على هذا المنوال؛ حتى قيل إن جميع السكان المحليين

(38) Bagader, p. 256.

((3(نقلًا عن: Al–Lyaly, p. 49.

(40) Bagader, p. 111. (41) Tim Niblock, State, Society and Economy in Saudi Arabia (New York: St. Martin’s Press, 1982), p. 171.

قد هجروا المدينة العتيقة بحلول العقد التاسع من القرن العشرين. عندئذ بدأت النخبة الحجازية تُدرك الحاجة إلى خلق هوية أقرب إلى التعبير عن مفهوم الوطن، وهو ما تجَّسَد في إقامة مهرجان

"جَِّدَة غير" في عام.1998 ومع تفكك المجتمع "الجدّاوي" التقليدي، هجر أبناؤه البلد إلى مساكن تقع في أماكن أخرى أكثر

تجهيزًا بوسائل الراحة الحديثة. عندئذٍ اختُزلت الأهمية الرمزية للبلد في القيمة الجمالية التي تُشِكِّلها

البيئة الحضرية نفسها، إلى جانب الرموز الثقافية المحدودة التي ظَّلَت المدينة العتيقة محتفظةً بها فحسب. وقد تنهض الأعمال الفنية المعروضة في "متحف مدينة الطيبات العالمية للعلوم والمعرفة" بوصفها شاهدًا على هذه الملاحظة من بعض النواحي؛ إذ لاحظ الباحث أن عددًا كبيرًا من اللوحات

التي تصور البلدة العتيقة قد رُسمت بين عقدَي الثمانينيات والتسعينيات، وانصب تركيزها على المشاهد

الحضرية. ويُرِدِّد هذا النوع من إحياء ذكرى البيئة الحضرية في البلد، عوضًا عن المشاهد الحية، أو

تقاليد المدينة، أصداء نتائج استبيان أجرته شركة روبرت ماثيو وجونسون مارشال وشركائهما، في

عام 1978 أيضًا؛ حيث أقر أكثر من نصف من شمِلهم الاستبيان بأن شكل العمارة بالبلد "يُذِكِّرهم

بالماضي"، ويعكس نوعًا من الحنين إلى الماضي Nostalgia المتأِّصِل في المجتمع. الشكل (3) رسم تخطيطي للبلد في عام 1980، يمكن ملاحظة السمات الرئيسة مثل الطريق غير المعَّبَد،

وعربة المياه التي يجرها الحصان

المصدر: من تصوير المؤلف في متحف مدينة الطيبات العالمية.

(42) Stefan Maneval, New Islamic Urbanism: The Architecture of Public and Private Space in Jeddah, Saudi Arabia (London: UCL Press, 2019), p. 38; Bagader, p. 126. (43) Yamani, p. 19.

(((4 "عام/ مهرجان 'جدة غير' يدخل عامه الرابع عشر بتنوع في الفعاليات لدعم السياحة المستدامة بالمملكة"، وكالة الأنباء

السعودية، 2012/4/20، شوهد في 2024/10/17، في: https://bit.ly/3Nr5SAF

(45) Duncan, p. 229.

الشكل (4) لوحتان زيتيتان تصوران واجهات شوارع البلد

المصدر: المرجع نفسه.

وإجم لًا، تحالَفت الديناميات الاجتماعية في هذه الفترة – ولا سيما التغيّر السكاني – مع عملية "بناء

الدولة" التي أعطت التنمية الاقتصادية الأولوية، فعملتا معًا على "تجريد" البلد من جمالها المعماري،

فاضلًا عن إفراغها من سكانها الأصليين. وعلى صعيد آخر، أدى ضعف البنية التحتية بالبلد، وكذلك

تدفق العمال الأجانب عليها، إلى تدهور البيئة الحضرية بها، وهي عوامل تضافرت مع غياب مشاركة السكان المحليين المتمسكين بتقاليد البلد؛ ما جعل خطط الحفاظ الحكومية على البلد، التي استهدفت استدامة التنمية الاقتصادية، عوضًا عن إنقاذ الموقع من الاضمحلال، وإنقاذ قيمه الثقافية،

لا تؤتي ثمارها المرجوة؛ لذلك، اختزلت عملية بناء الدولة السعودية، خلال هذه الفترة، البلد إلى مجرد مجمع معماري، ذي قيمة رمزية محدودة، على نحو صارم.

ثالثًا: الألفية الجديدة والبحث عن التاريخ المادي

دفعت حاجة المملكة، في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، إلى معالجة المشكلات المحلية، وتحسين صورتها الدولية، إلى التخطيط لسلسلة من التغييرات الهيكلية، من خلال تبنّي

سياسات ثقافية أكثر ليبرالية. وبدأت جهود الحفاظ على المواقع التاريخية، أو إعادة تطويرها، تكتسب قوةً دافعة جديدة في عهد الملك عبد الله؛ حيث حازت مكّة والرياض قصب السّبق في هذه

التجربة. في غضون ذلك، أُدخِل مفهوم "التراث المادي" رسمًّيًا في عملية صنع القرار فيما تعلق

بالحفاظ على المواقع التاريخية، وترميمها؛ ما أدى إلى بدء حقبة جديدة من الحفاظ على التّراث،

وتنشيط السياحة، ليس على مستوى السعودية فحسب، وإنما على مستوى المنطقة بأسرها أيضًا.

(46) Bsheer, p. 25.

(4((يتضح ذلك من أسماء المؤَّسَسات الحكومية؛ ففي عام 2000، أنشأت الحكومة السعودية الهيئة العليا للسياحة SCT، وهي

الهيئة التي أُنيطت بها المسؤولية عن السياحة بصفة أساسية. وبعد اعتلاء الملك عبد الله عرش المملكة، دُمجت الهيئة مع وكالة

الآثار والمتاحف (سابقًا) في عام 2008، وأعيد تسميتها الهيئة العامة للسياحة والآثار. ثم ما لبثت أن أُعيد تسميتها لاحقًا، فصارت

تُعرَف بالهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني في عام 2015. عن سرد للتطور الإقليمي، ينظر:

C. Michael Hall & Siamak Seyfi (eds.), Cultural and Heritage Tourism in the Middle East and North Africa: Complexities, Management and Practices (London/ New York: Routledge, 2021), pp. 14–23.

ونظرًا إلى تجدد الاهتمام بالحفاظ على التراث، دخلت البلد مرحلةً جديدةً من التحول الحضري، تحت

شعار استغلال إمكاناتها السياحية، وأهميتها الثقافية. وأدى التدهور المادي للبلدفي الماضي، وتفريغها

من سكانها، إلى جعل مجرد الحفاظ على البيئة الحضرية غير كافٍ لاستعادة قلب المدينة العتيقة لمكانته، فاضلًا عن التنمية السياحية التي تنطوي عليها. وفي الوقت نفسه، أدى فقدان الرموز الثقافية إلى تحويل

البلد إلى كيانٍ"طيّع مرن" نسبيّا من حيث الوظيفة، بوصفه مجموعة معقدة من الرموز الثقافية. ويركز هذا القسم على التغيرات الحضرية التي طرأت على البلد منذ عام 2005، ويقدم منظورًا مقارنًا

يدرس العلاقة بين إعادة تطوير الحكومة السعودية للبلد، وعملية بناء الأمّة من خلال المقارنة بين البلد

والدرعية في الرياض الحديثة.

1. خلق "شعار وطني"

وافق الملك عبد الله، في عام 2006، على ترشيح "جَِّدَة التاريخية" لإدراجها على قائمة التراث العالمي.

ومن ثمّ، أصدر أوامره للهيئة العليا للسياحة بالتحضير لذلك. ومع ذلك، اضطلعت العوامل الشخصية

مجددًا بدور مهم في تنفيذ السياسات. وعلى هذا النحو، أولى سلطان بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود

1956(–)، رئيس مجلس إدارة الهيئة العليا للسياحة، الحفاظَ على البلد أهميةً كبيرة، وأقنع محافظة جَِّدَة،

مستغًّلا في ذلك نفوذه الشخصي، بقبول توجيهات الهيئة السعودية للسياحة والآثار التي أ عيد تنظيمهاُ للحفاظ على البلد. ومع ذلك، رفضت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" ترشيح البلد في عام 2011 لعدة أسباب؛ كان منها الأضرار الجسيمة التي حاقت بها. وعلى هذا النّحو،

استغرق الأمر ثلاث سنوات أخرى قبل الموافقة على إدراجها في قائمة التراث العالمي في أعقاب مراجعة أخرى. وفي المقابل، رُِّشِحت الدرعية، التي كانت تحت إشراف سلمان بن عبد العزيز

محافظ الرياض آنذاك، في عام 2009، إلا أن عملية إدراجها لاقت نجاحًا في العام التالي (حي الطريف). الشكل (5)

البلد

المصدر: الصورتان من إهداء البروفيسور فو تشيمينغ Professor Fu Zhiming، جامعة بيجين، أيلول/ سبتمبر.2009

(48) Mohammad Abubaker A. Bagader, "The Impacts of UNESCO’s Built Heritage Conservation Policy (2010–2020) on Historic Jeddah Built Environment," WTI Transactions on the Built Environment , vol. 177 (2018), p. 2. (49) Bagader, "The Evolution of Built Heritage Conservation Policies," p. 255. (50) Bagader, "The Impacts of UNESCO’s Built Heritage Conservation Policy (2010–2020) on Historic Jeddah Built Environment," WTI Transactions on the Built Environment , vol. 177 (2018), p. 2.

ومن ثمّ، بدأت الحكومة السعودية في إعادة تطوير البلد، واستكمال أعمال بناء البنية التحتية بها،

مثل: تعبيد الطّرق، وإصلاح مرافق المياه، والصرف الصحي، بوصفها خطوات ضرورية نحو تطوير السياحة، وإدراج البلد على قائمة التراث العالمي. وكانت القوة الدافعة الجديدة لجهود الحفاظ على البلد متماسكة نسبًّيًا؛ بحيث لم يعدُ إدراج جَِّدَة

التاريخية على قائمة التراث العالمي في عام 2014 كونه مجرد بداية لسلسلة من المشروعات التي

استهدفت اتخاذ جَِّدَة التاريخية شعارًا. وعلى هذا النحو، شهد عام  2018، شروع وزارة الثقافة في

تنفيذ برنامج جَِّدَة التاريخية بمُقتضى مرسوم ملكي. وشهد عام  2021 إعلان ولي عهد الأمير محمد

بن سلمان عن "مشروع إحياء جَِّدَة التاريخية". إبانئذٍ، شرعت الحكومة السعودية في مصادرة الأراضي والبنايات داخل البلد، وعهدت بها إلى وزارة الثقافة. الشكل (6) بيت نصيف

المصدر: تصوير المؤلف (آب/ أغسطس.)2024

الشكل (7) مواقع البناء في البلد، لاحظ شعار وزارة الثقافة على الأسيجة

المصدر: المرجع نفسه.

(5(("مشروع إحياء جدة التاريخية"، سعوديبيديا، شوهد في 2024/9/2، في: https://bit.ly/4g6nlvh

(51) "About Us," Jeddah Historic District (2024), accessed on 28/8/2024, at: https://bit.ly/4dYknae

وإذا حكّمنا المشروعات الفخمة الكبرى، وما تعَّلَق بها من دِعاية، أدركنا أن جَِّدَة التاريخية في طريقها لتصبح شعارًا وطنًّيًا. ومع ذلك، تظل هناك أسئلة تطرح نفسها حول "الهندسة" الرمزية الجارية في

البلد، والمرتبطة بالعملية العامة لبناء الأمّة، كما سنناقش ذلك لاحقًا.

2. البناء الوطني بأثر رجعي: إعادة تفسير "البلد"

على الرغم من التحول إلى رواية أكثر إغراقًا في العلمانية في خضم السّرد التاريخي، فإن التركيز على

دور آل سعود في "النهضة" الحديثة فحسب لم يعد كافيًا لإضفاء الصدقية على هذه الرواية. وعلى

هذا النحو، جرى تفعيل عملية بناء الأمّة، بوصفها وسيلة للاستجابة للمشكلات العالقة في مواجهة

المعارضة المحلية المتزايدة، وتغُّيُر التصورات الدولية، وتذبذب أسعار النفط بوصفه مصدرًا للدخل

القومي على نحو متزايد. وعلى هذا النحو، وضعت القومية السعودية الجديدة بناء صورة آل سعود في القلب منها، فأكدت دور العائلة المالكة في قيادة الأمّة السعودية نحو الوحدة، والحماية الذاتية، والتّحديث. فاضلًا عن

ذلك، لجأت عملية بناء الأمّة الجديدة إلى عوامل غير إسلامية على نحو متزايد، اشتملت على إحياء

ذكرى الأشياء والمساحات، إلى جانب عناصر أخرى، مع التقليل من شأن عامل الإسلام على نحو متعَّمَد. وفي هذا السياق، برزت البلد في طليعة عملية بناء الأمّة في المملكة. فكما ذكرنا آنفًا، أفِرُِغت البلد

من سكانها الأصليين بحلول أواخر القرن العشرين؛ حيث فقدت الكثير من سماتها الرمزية، وصارت تراثًا "جامدًا". وجرى تقليص دورها المهم في الحج إلى البعد الاقتصادي المتعلق بإعادة التموين، والنقل، كذلك جرى التقليل من أهمية العلاقة الثقافية التي تربطها بمكّة. بإزاء ذلك، أتاحت السّمات

المعمارية، والحرف اليدوية، وورش العمل الفنية، الفرصة لقلب المدينة العتيقة للاحتفاظ ببعض

السمات "الجدّاوية" الأصيلة. وعلى هذا النحو، اتخذت الِّسِمات المذكورة آنفًا لمدينة جَِّدَة التاريخية،

وفقًا للتفسير الرسمي، بوصفها شعارًا للتنوع في المملكة. ولعل من أشد الأمثلة دلالة على ذلك انتشار الُّرُوشن على نطاق واسع، حيث تبنّت الجهات المحلية

الفاعلة الرواية الرسمية لتقديمه نموذجًا للعمارة الحجازية. ويسعنا العثور على ورش في البلد تعرض

عملية تصنيع مكونات الروشن الخشبية. كذلك جرى التفاخر بدور الأسر الحجازية في دعم الملك عبد العزيز، وكذلك بيوتاتهم مثل "بيت نصيف".

(53) Al–Rasheed, The Son King , pp. 164–174. (54) Bsheer, p. 13.

((5(قد يساعد النهج الذي يقدمه ستيفن ويبل في توضيح هذا الأمر، ينظر:

Steffen Wippel (ed.), Branding the Middle East: Communication Strategies and Image Building from Qom to Casablanca (Berlin: De Gruyter, 2023), pp. 100–103.

(5((على سبيل المثال: "بيت نصيف"، سعوديبيديا، شوهد في 2024/10/19، في: https://bit.ly/3UeiXRw

الشكل (8) ورشة عمل تعرض المكونات الأساسية للروشن، والأدوات اللازمة، تتوافر أيضًا تجربة (اصنعه بنفسك DIY) في ورشة العمل

المصدر: المرجع نفسه.

ويشكل هذا التّعبير المتحِّكِم في التنوع تباينًا واضحًا مع حالة الدرعية، مهد الدولة السعودية الأولى

التي تأسست عام 1727؛ حيث تعرض البيئة الحضرية، التي رُمّمت، إلى جانب المتحف، تاريخ

آل سعود وغزواتهم، وتدور حول السّرد التاريخي الرسمي وحده فحسب. الشكل (9) نموذجٌ رملٌّيٌ للدرعية (إلى اليمين)،

وشجرة عائلة آل سعود، الشجرة الكبيرة للملك سلمان (إلى اليسار)

المصدر: المرجع نفسه.

وعلى هذا النحو، صار البلد "مصدرًا" للرموز الثقافية في خطاب بناء الأمّة؛ الأمر الذي أسهم في تعزيز

شرعية النظام. لقد "بُعِثت" البلد مجددًا بوصفها جزءًا من الإرث الثقافي السعودي، ولَّمَا كانت عملية

الإحياء نفسها أيضًا عملية تفسير انتقائية، فإن الآثار المادية تظل صالحة لاتخاذها شعارًا، ومع ذلك

فهي تحُدّ، في الوقت نفسه، من الخصوصية الثقافية أو الفكرية.

خاتمة

أشارت روزي بشير، في أطروحتها في السياسة الثقافية في المملكة العربية السعودية الحديثة، إلى أن "التحول للتاريخ المادي الذي وقَع مُؤخرًا ترَّسَخ أيضًا في محو مواقع من شأنها أن تُذِكِّر، أو

على الأقل تستدعي تصورات اجتماعية بديلة من شأنها تقويض الأساطير التي تُضفي الشرعية على

النظام". كما ذهبت نِيلدا فوكارو إلى أن "المواقع والمباني التراثية في جميع أنحاء الخليج تحولت إلى رموز لها طابع وطني". ولا يخلو كلا الَّطَرحين من وجاهة، والدليل على ذلك ما حدث في منطقة البلد في جَِّدَة. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن البلد لم تُهدم، أو "تُمحى" على نحو كامل، ومع ذلك فإن حرمانها من سكانها الأصليين هو الذي مهد الطريق لدورها "القابل للتحُّكُم" في عملية بناء الأمّة على نحو حاسم. وكان التحول الحضري للبلد بمنزلة الدليل على عدم التزامن بين عملية بناء الدولة، وعملية بناء الأمّة في الدول الريعية، من قَبيل السعودية. وتسببت عملية بناء الدولة تحديدًا، حيث كانت البلد هي

المتلقي الرئيس للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، في تقليص جزئي للقيم الرمزية التي حملتها البيئة

الحضرية. وأدى هذا التقُّلُص إلى جعل البلد أكثر عرضة للتفسير الفَوْقِي في العملية المتأخرة لبناء

الأمّة. ومن ثم، يُظهِر هذا البحث التاريخي حول التحول الحضري للبلد العلائق الدينامية بين عمليات

بناء الدولة، وبناء الأمّة في السعودية، على نحو أو آخر. أخيرًا، حملت هذه الدراسة النقاش العلمي، الوافر نسبًّيًا، حول التراث المعماري، والحفاظ عليه

خطوةً إلى الأمام، فسعَت، من خلال اعتماد نهجٍبينيّ مُتعدد التخصصات، لفهم عملية التحول

الحضري، في السياق الأوسع لبناء الأمّة، والدولة في طور التحول.

المراجع

References

العربية

الأنصاري، عبد القدوس. موسوعة تاريخ مدينة جدة. ط.4 جدة: دار المنهل للصحافة والنشر المحدودة،.2018 الحربي، هنادي عيد وسميرة سعد الصالح. "الآثار السياحية للمقومات التاريخية في مدينة جدة". مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية. مج  5، العدد 15 (كانون الأول/ ديسمبر.)2021 فاضل، رحاب عبد الرحمن أحمد. "مدينة جدة: دراسة تاريخية تحليلية". مجلة القلزم للدراسات التاريخية والحضارية. العدد  14 (آذار/ مارس.)2022 وزارة الثقافة. تقرير الحالة الثقافية في المملكة العربية السعودية 2020: رقمنة الثقافة. الرياض.2021:

(57) Bsheer, p. 23. (58) Fuccaro, p. 181.

الأجنبية

Abu Ghazzeh, Tawfiq M. "Built Form and Religion: Underlying Structures of Jeddah Al–Qademah." Traditional Dwellings and Settlements Review. vol. 5, no. 2 (Spring

__________. "The Future of Jeddah Al–Qademah: Conservation or Redevelopment." Journal of Architectural and Planning Research. vol. 15, no. 3 (Autumn 1998). Al–Lyaly, Sameer Mahmoud Z. "The Traditional House of Jeddah: A Study of the Interaction between Climate, Form and Living Patterns." PhD Thesis. Edinburgh University. Edinburgh. 1990. Aloshan, Mohammed et al. "Strategies for the Preservation of Historic Areas within Existing Middle Eastern Cities: The Case of Historic Jeddah." Buildings. vol. 14, no. 3 (March 2024). Al–Rasheed, Madawi. A History of Saudi Arabia. Cambridge: Cambridge University Press, 2010. ________. The Son King: Reform and Repression in Saudi Arabia. Oxford: Oxford University Press, 2021. Axon, Anthony & Susan Hewitt. Contemporary Archive of the Islamic World. vol. 5: Saudi Arabia, 1975–2020. Leiden: Brill, 2022. Bagader, Mohammed Abubaker A. "The Evolution of Built Heritage Conservation Policies in Saudi Arabia between 1970 and 2015: The Case of Historic Jeddah." PhD Thesis. University of Manchester. Manchester. 2016. Bagader, Mohammad Abubaker A. "The Impacts of UNESCO’s Built Heritage Conservation Policy (2010–2020) on Historic Jeddah Built Environment." WTI Transactions on the Built Environment. vol. 177 (2018). Bsheer, Rosie. Archive Wars: The Politics of History in Saudi Arabia. Stanford: Stanford University Press, 2020. Burckhardt, John Lewis. Travels in Arabia. Abingdon: Frank Cass & Co. Ltd., 1968. Determann, Jörg Matthias. Historiography in Saudi Arabia: Globalization and the State. London: I.B. Tauris, 2014. Duncan, George Orr. "The Planning and Development of the City of Jeddah: 1970– 1984." PhD Thesis. Durham University. Durham. 1987. Elfadaly, Abdelaziz et al. "Cultural Heritage Management Using Remote Sensing Data and GIS Techniques around the Archaeological Area of Ancient Jeddah in Jeddah City, Saudi Arabia." Sustainability. vol. 12 (2020). Freitag, Ulrike. A History of Jeddah: The Gate to Mecca in the Nineteenth and Twentieth Centuries. Cambridge: Cambridge University Press, 2020. Fuccaro, Nelida. "Visions of the City: Urban Studies on the Gulf." Middle East Studies Association Bulletin. vol. 35, no. 2 (Winter 2001).

Hall, C. Michael & Siamak Seyfi (eds.). Cultural and Heritage Tourism in the Middle East and North Africa: Complexities, Management and Practices. London/ New York: Routledge, 2021. Hertog, Steffen. Princes, Brokers, and Bureaucrats: Oil and the State in Saudi Arabia. Ithaca: Cornell University Press, 2010. Keane, John. Six Months in the Hejaz: Journeys to Makkah and Madinah 1877–1878. Manchester/ Beirut: Barzan Publishing, 2006. Maneval, Stefan. New Islamic Urbanism: The Architecture of Public and Private Space in Jeddah, Saudi Arabia. London: UCL Press, 2019. Ministry of Culture. Report on the State of Culture in the Kingdom of Saudi Arabia, 2019: Facts and Figures. Riyadh: 2020. Niblock, Tim. State, Society and Economy in Saudi Arabia. New York: St. Martin’s Press, 1982. ________. Saudi Arabia: Power, Legitimacy and Survival. London/ New York: Routledge, 2006. Niblock, Tim & Malik, Monica. The Political Economy of Saudi Arabia. London/ New York: Routledge, 2007. Ochsenwald, William. "Islam and Loyalty in the Saudi Hijaz, 1926–1939." Die Welt des Islams. New Series. vol. 47. no. 1 (2007). Yamani, Mai. Cradle of Islam: The Hijaz and the Quest for an Arabian Identity. London: I.B. Tauris, 2006.