Return to Article Details Death between Society and Culture

الموت بين المجتمع والثقافة

Death between Society and Culture

حبيب النهدي| Habib Nahdi *

الملخّص

عنوان الكتاب: الموت بين المجتمع والثقافة. المؤلف: أحمد زين الدين. الناشر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سنة النشر: 2024. عدد الصفحات: 223.

Abstract

Professor of Sociology at Tunis Higher Institute of Islamic Civilization. Email: nahdi.habib@yahoo.fr

الكلمات المفتاحية:
  • الموت
  • أنثروبولوجيا
  • المجتمع
  • الثقافة
  • الطقوس
Keywords:
  • Death
  • Anthropology
  • Society
  • Culture
  • Rituals

عنوان الكتاب:

الموت بين المجتمع والثقافة. المؤلف:

أحمد زين الدين. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:

الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

مقدمة

ظهرت، مبكرًا، في أوروبا مؤلّفات

حول الموت، ولا سيما تلك التي جاءت ضمن تاريخ العقليات أو الذهنيات، في حين أن كتابات عربية قليلة اهتمت بهذا الموضوع، يُعد كتاب الموت بين المجتمع

والثقافة لأحمد زين الدين الذي صدر عام 2024 من أهمها. يتوزع الكتاب على مدخل وثلاثة أقسام: القسم الأول، "التحديق في الموت"، يتألف من أربعة عشر فصلًا تدرس فكرة الموت وطقوس الوداع وطرائق الدفن المتعددة؛ والقسم الثاني، "الأموات الوسطاء"، يتألف من أربعة فصول تتناول مظاهر العبادات المحلية التي تمارس في المقامات الدينية وتقوم على تعظيم الأولياء الموتى والتماس المدد الروحي من زيارتهم وإقامة الولائم على شرفهم؛ والقسم الثالث، "الموت الأضحوي"، يتألف من ستة فصول تتحدث عن العنف الدموي ذي المرجعية الدينية، ولا سيما في هذه الآونة التي شهدت أقطار العالم الحديث خلالها تفاقم النزاعات الدينية القتالية تحت مسميات عدة، منها الجهادية والعمل الاستشهادي. استهل المؤلف القسم الأول من كتابه بإبراز نفور البشر من الحديث عن الموت، ليبقى لغزًا محيّرًا، وبيّن أن ذلك يمثّل أولى الإشارات على

مأسسة دين الأصول، وظهور الإنسان العاقل الذي تجذّرت معه الممارسات الشعائرية، ولا سيما الطقوس الجنائزية المرتبطة بالمقدس، والتي أرشدت المجتمعات إلى طقوس التنظيم الاجتماعي قبل دخول عصر الحداثة (ص. 15). وبناءً عليه، يلاحظ المؤلف أن البشر يتألمون،

الأمر الذي يدفع بهم إلى "اختراع قصص تعينهم

على موضعة حياتهم"، لذلك هم يتوخون طريقة غير مباشرة، في عُمقها، لا تتّجه نحو "موت الآخر، بل موتي أنا" (ص. 18). ولهذا السبب، يرى المؤلف أن الموت لا يُقارَب بطريقة

بعينها، إنما بحسب الوضعيات وطرائق التعامل

مع الحِداد وطقوس الدفن، بحثًا عن المعنى، لأن الموت لا يمكن تفسيره منطقيًا، إّلا استنادًا

إلى الخيال، باعتباره "الملَكة التي تُنتج الدين والميثولوجيا" (ص. 14) أما القسم الثاني فخصصه المؤلف للأموات الوسطاء، وفيه قراءة لتشكّل متخيّل الموت، الذي

لا تزال صوره ورموزه تحافظ على استمراريتها، من بينها ظاهرة الأولياء الصالحين التي وصفها وتعمّق في تفاصيلها وحفر تاريخيًا في تشكّلها،

ورأى أنها تعدّ خاصية مغاربية. فمن مميزات الاعتقاد في الأولياء الصالحين في المغرب العربي أن "مهابتهم وبركتهم ترتسمان، وهم أحياء يرزقون، أو عقب موتهم" (ص). 114 ويرى أن ذلك يعود إلى ما درج عليه المغاربة عن "طريق القدسيين المسيحيين، بأن يكون لكل بلدة أو مدينة ولي يرعى شؤونها" (ص. 118). ثم انتقل إلى الحديث عن الطقوس العاشورائية العراقية، وتوصل إلى أنها تتميز بصبغة دموية، مستندًا إلى أمثلة ومقارنة بين الثقافات. أما في القسم الثالث (الأخير)، فواصل المُؤلف

التصنيف، وتحدّث عما سمّاه الموت الأضحوي،

وتطرق إلى مسألة الخلود عبر الموت، مشيرًا،

خاصة، إلى العمليات الاستشهادية (الانتحارية) عند الرومان والمسيحيين الأوائل، ثم عند المسلمين. ويمثّل هذا التنوع مدخلًا لا يمكن الاستغناء عنه عند القيام بمقارنات بين الأديان. وأشار إلى النزعة المهدوية، مصطلحًا عليها

ب "أعراس الدم"، وربطها بحرب الأخوّة، واعتبرها

تستند إلى رمزية تُغذّي الميولات الأضحوية وتُشرعن لها، وتنفتح على عالم حُلمي تخيلي،

طلبًا للمدد الإلهي والغوث. وينتهي الكتاب

إلى تأكيد تعدد معاني الموت، مُشيرًا إلى أنه

على الرغم من تقدم البشرية في مجال العلوم والفلسفات، فإن إعادة إنتاج الأموات تبقى مندمجة في عالمنا الاجتماعي عبر المتخيّل

الجماعي.

إشكالية الكتاب ومنهجيته ورهاناته

طرح المؤلف إشكالية وردت في شكل موضوع، وليس في شكل سؤال، واكتفى بالاستناد إلى عملية التصنيف والمقارنة وضبط المفاهيم في إطار مقاربة شمولية عامة. وبناءً عليه، كان تمشّيه

النظري استنباطيًا، ينطلق من قاعدة عامة، ويُدرج

فيما يمكن أن يصطلح عليه رهانات البحث، التي هي أدق وأكثر ملاءمة للمنهج الكيفي من المنهج الكمي. يلُاحظ أيضًا أن المؤلف تطرّق إلى الموت

باعتباره ظاهرة اجتماعية كلية (بحسب تعبير مارسيل موس)، فيها العلمي والثقافي والديني والجمالي والاقتصادي. وبناء عليه، حاول

الاستئناس بأدوات الإناسة، لصوغ تأليفية مُكثفة لما نُشر حول تمثلات الموت عبر

الموروث الميثولوجي والإسلامي والمسيحي والإغريقي، مقارنًا بين ثلاثة مستويات: الموت المتمثل، والموت عبر الموتى الوسطاء، والموت الأضحوي، وصولًا إلى تأكيد أهمية "المواجهة المتخيّلة"، وكأن الموت لا يُفتح إّلا

على الرمزي. وعلى الرغم من اعتراف المؤلف

بأنه لم يتسَّنَ له "العمل الميداني للتقرب من عينات الدراسة ومعاينتها عن كثب" (ص. 22)، فإن هذا القصور لم يحُل دون استفادته – على

غرار ما عُرف به موس الذي استند إلى القراءات المونوغرافية والإثنولوجية، وليس إلى أعمال ميدانية مباشرة – "من أعمال باحثين عرب على ندرتهم، وآخرين أجانب، مارسوا هذا النمط من معايشة هذه الظواهر الاجتماعية" (ص. 22) التي تخص موضوع الموت، فكشفوا "عن العادات والسلوكيات المتّبعة والملحوظة في هذا الشأن،

ولا سيما طقوس الحِداد المقننة وطرائق إظهار علامات الجزع والحزن والبكاء على المتوفين من أقارب وأصدقاء" (ص. 22). واعتمد المؤلف على "أطروحات جامعية ساهمت، في حدود معينة، في إظهار المعطيات الميدانية، وجمعها، وتحليلها، واستخلاص العبر منها، والنتائج القابلة للتعميم" (ص. 22) بذلك استطاع المؤلف دراسة الموت في المجتمع والثقافة، واستغلّ أهم الأفكار التي تعطي الموت معنى، وكذلك تصورات الناس ومواقفهم منه، استنادًا إلى الأمثولات والأديان والثقافة الشعبية. وقارن بدقة بين المغرب والمشرق العربَّيَين في

تصوّراتهما للموت وطقوسه ومسرحة المأتم في

كل مراحله؛ من الاحتضار إلى إدماج الموتى في عالم الآخرة وإعادة اندماج الأحياء في عالم الدنيا، وهو ما فتح آفاقًا جديدة في المقارنات بين الثقافات بما تتطلّبه من تعدد التخصصات وتداخلها. يمكن تلخيص أهداف الكتاب في محاولة المؤلف: أولًا، استخراج معاني الموت – المعقد والغامض والملتبس باللامرئي والمخيف

للأحياء – وإبراز أهمية طقوسه المُطَمئِنة ضد

قسوته وعبثيته؛ ذلك أن الأحياء على يقين بأنهم ميّتون لا محالة، لكنهم لا يعرفون متى؟

ولا كيف؟ ولا ما سيحدث لهم في ما بعد؟ وهذا ما يخلق ديناميات التفاعل الرمزي مع هذا الحدث اللامرئي. ثانيًا، الانتقال من الموت

باعتباره معطى بيولوجيًا، إلى الموت باعتباره

معطى سوسيولوجيًا، وذلك عبر بناء سردية

طقوس الموت من الاحتضار إلى ما بعده، مؤكدًا أنه بقدر مسرحة المأتم يُؤَنسَن الموت وتصبح

له أبعادٌ "اجتماعية كلية"، فيها الغيبي والرمزي والجمالي والثقافي والديني واليومي، كما فيه علاقة بالسلطة، لأنه يتحول إلى عملية استثمارية بامتياز في "الصراع السياسي والانتفاع المادي والاقتصادي"  (ص. 198). ثالثًا، معرفة قدرة المجتمعات على خلق نظام معقد من التواصل بين الغائب (الميت) والحاضر (الحي)، وتهدئة المخاوف من لحظة الموت وترويض النفوس على القبول بها عبر طرائق اجتماعية وطقوس محددة، وهو ما سمّاه المؤلف "زحزحة الموت

عن معناه البيولوجي" (ص. 0)4 فالموت بالنسبة إليه لا ينفصل عن الحياة. أما الرهانات التي توصل إليها المؤلف، فهي: أولًا، يعود منشأ الدين إلى مواجهة الموت، ما يُفسر استمرار الزيارات المكثفة إلى المقابر،

وتواصل ممارسة الطقوس الجنائزية التقليدية مع بعض التغيرات الاجتماعية التي مسّت إلى

حدٍ ما أشكال الصلة التي يقيمها المجتمع مع الموت والموتى، مكيًّفًا ذلك بحسب رهاناته الراهنة في كل حين. فالموت كفّ عن أن يكون

(((وهي تتشابه مع الرهانات التي كنتُ قد توصلت إليها.

ينظر: الحبيب النهدي، "الموت كما يعيشه المجتمع التونسي الحالي"، أطروحة دكتوراه في علم الاجتماع، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة تونس، 2001، ص.31–29

جماعيًا، بل صار فرديًا؛ ذلك أن الفرد في غالبية

الأحيان يعيش تجربة الموت، بمعزل عن عائلته، ما يطرح مشكلة أمام الطبيب في كيفية إعلان الحدث للعائلة والتراتيب لإخراج الجثة، خاصة إذا كان في مصحّة خاصة مثلًا. ثانيًا، ظهرت

قوانين لتنظيم الممارسات المتعلقة بالموت وتنظيم المقابر والدفن، كما تغيرت طريقة التعزية والاحتفاء بالميت، كالإعلانات في الصحف. ثالثًا، لم يعُد رهان الاقتصاد عامةً، يتمثّل في الإنتاج فحسب، بل تفرع عنه اقتصاد رمزي خاص بالموت. وهو ما نلاحظه، خاصة، في الأنظمة الاجتماعية الجديدة للتصرف في الموت، مثل التأمين على الحياة والاتّجار في الأثاث الجنائزي وتكاليف الدفن. كما للموت علاقة أخرى بالمال من خلال ما يبقى للأهل بعد الموت من إرث، ما يساعد في اكتساب حظوة اجتماعية. فاضلًا عن أن الاحتفالات "تستثمر المقدس لتوظيفه في الميدانين الاقتصادي والاجتماعي (النذور أو الطعام، التبادل وتقديم الحيوانات)" (ص. 122). رابعًا، ترتبط الأزمة التي يشهدها التعامل مع بعض طقوس الموت بتأُّكّل الرموز والقيم، ما أضعف قدرة الناس على مواجهة قلق الموت. خامسًا، يرتبط الموت ارتباطًا وثيقًا ب "قضايا

المجتمع والتنمية البشرية، وهو مجال دراسات معمقة بوصفه جزءًا من تاريخ العقليات التي

درجت عليها الأوساط الجامعية الغربية. وقد نشأ في العقود الأخيرة علم دراسة الموت والاحتضار Thanatologie وتطور حتى بات اليوم جزءًا من

مقررات كليات أجنبية عدة" (ص. 15). سادسًا،

إن الثقافات كلها، بحسب زيغمونت باومان Zygmunt Bauman (1925–2017)، "هي أدوات عبقرية لإخفاء وجه الموت، أو تزيينه، بحيث يمكن تحمل النظر إليه، أو احتمال العيش

معه. وسواء أكان الموت في صورة مختزلة، أم معدلة، أم منقولة، فلا يمكن طرده تمامًا من حياة

البشر، وربما يكون الخوف الأصلي من الموت، هو النموذج الأولي لجميع أشكال الخوف الأخرى" (ص. 17)

مناقشة نقدية للكتاب

على الرغم من أن المؤلف يعتبر نفسه ينتمي إلى

"العصر القلِق" (ص. 12)، فإنه فضّل موضوعًا "محَّرَمًا" أو "لامُفَكَّرًا فيه " Impensé، ودرسه

باعتباره جزءًا من السلوك الإنساني. وعلى

الرغم من أن مقاربة الموت تخرج عن نطاق التجربة، فإن المؤلف استطاع البحث فيه ضمن السياق الذي أنتج تمّثلّاته وتفاعلات المجتمع مع أسراره. فاعتمد المنهج الفينومينولوجي، أحد مناهج علم الاجتماع، ودرس الموت من خلال فهم معاني الواقع الاجتماعي؛ أي عبر التجربة المعيشة ووصفها، وأصبغ من ثم دلالة ذاتية على عمله. ويبقى السؤال المطروح: إلى أيّ حدّ استطاع المؤلف التوفيق بين الذاتي

والموضوعي؟ ويعود هذا الإحراج المنهجي،

(2) Michel Vovelle, L’heure du grande passage chronique de la mort (Paris: Gallimard, 1993), p. 103.

لقد أكد لويس فينسنت توماس هذا الرأي نفسه في قوله: "سيصبح الموت مثل الجنس ماضيًا: الممنوع الأساسي في

العالم المعاصر"، ينظر:

Louis–Vincent Thomas, "Les sociétés devant la mort," in: Encyclopaedie Universalis ,

corpus 12 (Paris: Encyclopaedia universalis France, 1985), p. 668; Monica Charlot, Vivre avec la mort (Paris: editions Alain Moreau, 1976), p. 211.

(((اللامفَّكَر فيه "ليس إلا تراكمًا لما استحال التفكير فيه

Impensable في عدة مراحل متعاقبة من التاريخ، وذلك لأسباب دينية أو اجتماعية أو سياسية أو غيرها". ينظر: محمد أركون،

الفكر الإسلامي قراءة علمية، ترجمة هاشم صالح (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1987)، ص.18

في الأساس، إلى تلك المواقف الذاتية في بعض تحليله، والمتعلقة بخصوصية المغرب العربي، وإلى تغافله عن طقوس موغلة في القدم، على سبيل الذكر لا الحصر، عادة الأربعينية (انقضاء أربعين يومًا على الوفاة)، وهي عادة غير منتشرة

في المجتمعات الإسلامية كلها. في استراتيجية التعامل مع الموت، يتضمن الكتاب معلومات مهمة تتعلق بكيفية تصريف الموت ضمن إشكالية البحث الأساسية، وهي دراسة الموت عبر الأدوات الإناسية، و"ضمن سياق اجتماعي محدد، خاضع لتصورات ثقافية وحضارية، ساهمت في بنائها الوسائل التربوية والدينية التي تختلف من بيئة إلى أخرى، وتتفاوت بتفاوت مكانة المتوفى ومستواه الطبقي، وتمييز الفقير من الغني، والقريب من الغريب" (ص 22 وعلى الرغم من جرأة المؤلف في). طرح المسكوت عنه، بتوخّي منهج كيفي تفهمي فيبري، فإنه كان في الإمكان الاستناد إلى عمل كمّي وإحصائي، ما يساعدنا في البحث عن

العلاقة بين المتغيرات، لنعرف أيّ الطرائق التي

يموت بها العربي أكثر؟ وأيموت الرجال أكثر أم النساء؟ في المدن أكثر من الريف؟ علاوةً على ذلك، كُتب الكثير في البحوث الكيفية حول الموت، مفهومًا وطقوسًا ومعتقدات، فهل تمكّن

التقدم العلمي من الكشف عن لغز الموت، أو الكشف عن الوجه الآخر لحياة الموت؟ كيف نعيش الموت حتى في الواقع الافتراضي (صارت كاميرا المراقبة توثق ما له صلة بالموت: الاحتضار والدفن). وعلى الرغم من أن المؤلف أشاد بما حظي به موضوع الموت في "المغرب العربي لدى الباحثين بحظ وافر من الاهتمام لارتباطه الوثيق

بدور المراقد الدينية للأولياء والصالحين، وعلاقة ذلك بالحريات السياسية" (ص. 16)، فإنه اكتفى بالإشارة إلى دراسة رضوان رابحي، في حين أن قليلًا من التقصي في المواقع الافتراضية المتاحة بسهولة، يوفّر كمّا من الكتابات حول الموت.

فنجد في مستوى أول ما يتعلق بالآيات القرآنية

والسُنّة والاجتهادات الفقهية، وفي مستوى ثانٍ

ما يتعلق بموروث المصادر الشعبية، وفي مستوى ثالث، الربط، وإن لم يكن هيّنًا، بين الشرعي

والشعبي في هذه العملية، حيث يستوجب بحثًا تفكيكيًا عن كيفية تشكّل التمثلات. أما بخصوص

اتجاه المذاهب، خاصة لدى تناول أصناف الموت (الأضحوي والأسطوري والإحيائي)، وخصوصية العادات والتقاليد المحلية (ما يعرف ب "عمل أهل البلد") المرتبطة بكل صنف، فقد كان من الأجدى للمؤلف أن يضع ذلك كله في سياق التأويل واستراتيجيات الفهم، وهو مجال العلوم الإنسانية التي تكشف عن مقاصد الاعتقادات وطقوس الموت، في سياق العوامل التاريخية والاجتماعية المنتجة لها، وباعتبار أن ما يقام للأموات هو لفائدة الأحياء لإعادة اندماجهم في الحياة. عرّج المؤلف على بعض المسائل المهمة، لكنه

لم يتعمّق فيها، مثل الموت والعولمة، والموت

والاقتصاد، والسلطة والجنسانية، والطفل والشيخوخة، وكان من الأجدى له عدم الاقتصار على الموت الأضحوي والخلود، ليتطرق على نحو أكثر توسعًا إلى موضوع الموت والآخرة

والعذاب والجنة وغيرها من عالم اللامرئي الذي لا شك في أنه لا يزال يؤثّر تأثيرًا بليغًا في نظرة

(((رضوان رابحي، "آفاق كتابة تاريخ الموت بالمغرب الأقصى

الوسيط"، مجلة أنثروبولوجيا، العدد  3 (آذار/ مارس 2016)، ص.61–51

الأفراد والمجتمع إلى الحياة وطبيعة العلاقات بين الأحياء. لقد كان من الضروري التعمّق في

الموت في الزمن الافتراضي، خصوصًا أنه أصبح

مج لًا للتعزية وحفظ ذكرى الموتى، بما يمكن أن نصطلح على تسميته "التاناتوس" الافتراضي

Thanatos à l’ère du numérique. فهذا مجال

بحثي يفرض نفسه على كل باحث يريد أن يفهم إنْ كان المجال الرقمي قد غيّر تصوراتنا تجاه

الموت والموتى، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تغيرًا في الأداة التعبيرية عما هو ثابت؟ وأفترض

هنا أنه يمكن أن يُغيّر التصوّرات والطقوس تجاه

الموت (مثلًا ظاهرة الانتحار ومسرحتها على مواقع التواصل الاجتماعي، والتأبين الافتراضي، وغير ذلك). ومن أهم ما أشار إليه المؤلف أن "الغرب" كان يُبعد مظاهر الموت عن الفضاء العام، "لتنحصر

في بوتقة ضيّقة يمثلها المصح أو المستشفى أو

منزل العائلة، في حين لم تغب عن مجتمعاتنا الطقوس الجنائزية الكبرى، والشعائرية المأتمية ذات الأبعاد المسرحية والفرجوية" (ص. 23). لكننا نلُاحظ في هذا الصدد أحكامًا أطلقها

المؤلف، وغيابًا لتنسيب النتائج، لأن المجتمعات

الأوروبية، على عكس ما يذهب إليه المؤلف، تُمسرح هي أيضًا طقوس الموت، خاصة الاحتفال بعيد الموتى، في 2 شباط/ فبراير من كل عام، أو عند تأبين ضحايا العمليات الإرهابية. فهي مجتمعات تتصور أن مسرحة الموت طريقة مهمة لطمأنة الأحياء، وتحقق التفاعل الرمزي بينهم وبين الأموات بوصفه مواجهة للفقدان، تقوم بمنزلة بيداغوجيا لتصريف الحزن، تتمثل

(5) Didier Moulinier, Eros et Thanatos à l’ère du numérique. Suivi de: Remarques sur le Virtuel (Paris: editions Les contemporains Favoris, 2015).

في عمل الحداد لاستئناس الموت. لكن لا بد من أن ننتبه إلى أثر الحداثة والعلم في إنتاج خطاب مدني حول الموت، بحسب إدغار موران، يتمثل في دقيقة الصمت وتأبين الميت والنُصب التذكارية والتشريع للموت الرحيم وتدابير الوقاية من الأوبئة المعولمة، مثل وباء فيروس كورونا المستجد 19– (كوفيد)، وغيرها من القضايا المستجدة. ختامًا، يلتحق أحمد زين الدين بالمؤلفين القلائل الذين كتبوا عن الموت، وليس في مقدوره، وغير مطلوب منه، بطبيعة الحال، التطرق إلى الموضوعات كلها التي تكاد لا تُعدّ ولا تُحصى. وعلى الرغم من استعانته بدراسات أجنبية وعربية، وعلى أهميتها، فإننا نقترح عليه ما يساعده في مد

(6) Edgar Morin, L’homme et la mort (Paris: editions du Seuil, 1970), p. 57. (7) Louis–Vincent Thomas, Mort et pouvoir (Paris: editions Payot, 2010).

المراجع

العربية

(آذار/ مارس.)2016 الطبابي، بلقاسم. الموت في مصر والشام. تونس: الدار التونسية للكتاب،.2014

كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة تونس،.2001

جسور إلى إشكاليات بحثية جديدة، بالانفتاح على مؤلفات أخرى فرنسية لجان زيغلر وجان ديدييه أورباين، ومغاربية لبلقاسم الطبابي ورجاء بن سلامة، ولئن اشتركت هذه الكتابات في بعض المسائل التي تناولها، فإنها اختلفت عنه في الاستنتاجات والأدوات. وهذا الاختلاف يؤكد أن مجال دراسة الموت في حاجة إلى المزيد من الجهود البحثية التي تتبنى مقاربات متداخلة التخصصات، لأن الموت بوصفه ظاهرة كلية يحتاج إلى مرونة منهجية، وإلى أكثر من عدسة نظرية للتمكن من فهمه وتفسيره.

(8) Jean Ziegler, Les vivants et la mort (Paris: editions du Seuil, 1978); Jean–Didier Urbain, La société de conversation: Etude sémiologique des cimetières d’Occident (Paris: editions Payot, 1978);

بلقاسم الطبابي، الموت في مصر والشام، ج  1 النكبات:

الديمغرافية في العهد المملوكي الموت في مصر والشام 2؛ ج:

طقوس الموت وعاداته في العهد المملوكي (تونس:

الدار التونسية للكتاب، 2014)؛ رجاء بن سلامة، الموت

وطقوسه من خلال صحيح البخاري ومسلم (تونس: دار الجنوب للنشر،.)1997

References

أركون، محمد. الفكر الإسلامي قراءة علمية. ترجمة هاشم صالح. بيروت: مركز الإنماء القومي،

بن سلامة، رجاء. الموت وطقوسه من خلال صحيح البخاري ومسلم. تونس: دار الجنوب للنشر،

رابحي، رضوان. "آفاق كتابة تاريخ الموت بالمغرب الأقصى الوسيط". مجلة أنثروبولوجيا. العدد 3

النهدي، الحبيب. "الموت كما يعيشه المجتمع التونسي الحالي". أطروحة دكتوراه في علم الاجتماع.

الأجنبية

Charlot, Monica. Vivre avec la mort. Paris: editions Alain Moreau, 1976. Edgar, Morin. L’homme et la mort. Paris: editions du Seuil,1970. Encyclopaedie Universalis. Paris: Encyclopaedia universalis France, 1985. Moulinier, Didier. Eros et Thanatos à l’ère du numérique. Suivi de: Remarques sur le Virtuel. Paris: editions Les contemporains Favoris, 2015. Thomas, Louis–Vince. Mort et pouvoir. Paris: editions Payot, 2010. Urbain, Jean–Didier. La société de conversation: Etude sémiologique des cimetières d’Occident. Paris: editions Payot, 1978. Vovelle, Michel.  L’heure du grande passage chronique de la mort. Paris: Gallimard,

Ziegler, Jean. Les vivants et la mort. Paris: editions du Seuil, 1978.