Return to Article Details The Fundamental Concept and Technology of Artificial Intelligence and its Evolution: From Computational Models to Machine Learning

الأسس المفاهيمية والتقنية للذكاء الاصطناعي وتطوره: من نماذج الحوسبية إلى التعلم الآلي

The Fundamental Concept and Technology of Artificial Intelligence and its Evolution: From Computational Models to Machine Learning

خطري العياشي| Khatri Elayachi *

الملخّص

* أستاذ علم النفس في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن زهر، أكادير، المغرب.

Abstract

Book title: The Fundamental Concept and Technology of Artificial Intelligence and its Evolution: From Computational Models to Machine Learning . Author: Ghazza Abderrazzak. Publisher: Doha/Beirut: Arab Center for Research and Policy Studies. Date of Publication: 2024. Pages: 448.

الكلمات المفتاحية:
  • الذكاء الاصطناعي
  • تكنولوجيا
  • ثورة المعارف
  • التعلم العميق
  • التعلم الآلي
Keywords:
  • Artificial Intelligence
  • Technology
  • Machine Learning
  • Cognitive Revolution
  • Deep Learning

عنوان الكتاب: الحوسبية إلى التعلم الآلي. المؤلف: غزة عبد الرزاق. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:

الأسس المفاهيمية والتقنية للذكاء الاصطناعي وتطوره: من نماذج

الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

مقدمة

يتناول كتاب غزة عبد الرزاق الأسس المفاهيمية والتقنية للذكاء الاصطناعي وتطوره: من نماذج الحوسبية إلى التعلم الآلي، بطريقة تتبعية ضمن قراءة خطية تاريخية، سياَق التطورات العلمية والتقنية لما بات يعرف اليوم بالذكاء الاصطناعي. يقتحم المؤلف بحذر إبستيمولوجي سياق المدخلات الممهدة لتطور الذكاء الاصطناعي (الدوال الارتدادية وحساب لامبدا وآلات تورينغ الحوسبية) (ص. 41) ويتتبع بتفصيلٍ مسارات هذا التقدم ومحطاته، قبل الانطلاقة الفعلية للذكاء الاصطناعي عام 1956 وبعدها، بالتوازي مع ثورة العلوم المعرفية (علم النفس المعرفي، والمعلوماتية، واللسانيات، وعلوم الأعصاب، وفلسفة الذهن، والأنثروبولوجيا). ويرصد مخرجات تطوّر الذكاء الاصطناعي من خلال عرض بردايمين متمايزين؛ الأول يوسم بالحوسبية الرمزية التي تُعرّف الذكاء الاصطناعي بأنّه "حساب بالرموز يتم من خلال قواعد شكلية صريحة"، والثاني يُنعت بالترابطية العصبية ويربط الذكاء الاصطناعي ب "الإدراك والسلوك، بحيث يتولدان بسبب تفاعل وحدات حسابية مختلفة مترابطة ومحكومة بقواعد التعلم" (ص. 22) ويستند البردايم الأول في خلفيته المرجعية إلى تراث المنطق الرياضي، ويرتكز على ما هو ميكانيكي وتسلسلي ومنطقي، بينما تحكم البردايم الثاني خلفية نظرية متعلقة بالاتجاه الترابطي العصبي (الخلايا العصبية الشكلية)، الذي يستلهم نماذجه من كيفية عمل الدماغ، ويرتكز على ما هو ديناميكي، وعشوائي، وتعقيدي. يقارن المؤلف بين الانتكاسات والإخفاقات، والنجاحات والتفوقات التي يعرفها البردايمان في تطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، فإذا كان الاتجاه الحوسبي – الرمزي قد عانى بعض الانتكاسات في معالجة الصوت أو الصورة أو الترجمة الآلية، فقد كان الأمر على النقيض بالنسبة إلى الترابطية العصبية؛ حيث كان مجالها الملكي الذي أثبتت فيه مهارات أنظمتها الإدراكية بطرائق جديدة ومدهشة، وبمهارات معرفية تظهر مثل تجليات لحالات كلية منبثقة من سيرورات ديناميكية معقدة (ص. 421)

فصول الكتاب وأسئلته

يتألف الكتاب من ستة أقسام رئيسة، يندرج ضمنها اثنان وعشرون فصلًا، ويعكس عنوان الكتاب بصفة جلية مضمونه، ويندرج ما يحتويه في إطار موجة من التطور التكنولوجي والرقمي السريع، أفضى إلى إلزام جميع العلوم بإعادة النظر في أطرها المرجعية ومسلماتها وفرضياتها ومفاهيمها. وساهم في الآن نفسه في تطويرها وتقدمها، وظهور فروع جديدة تتناول أساسًا قضايا الرقمنة وانعكاسات التكنولوجيا ومآلاتها في مختلف المستويات التي تمس الوجود الإنساني. وتماشيًا مع هذا الخط البحثي، يسلط الكتاب الضوء على مفاهيم الذكاء الاصطناعي، ويقتفي أثر تطوره من الحوسبية (أو القابلية للحساب) الرمزية إلى التعلم الآلي الذي ينشط من خلال معالجة البيانات الضخمة. ولا يكتفي المؤلف بالعرض والتوصيف فقط، بل يحاول أيضًا سبر خريطة تشكّل الذكاء الاصطناعي وتطوره، وذلك ببسط كل السياقات العلمية والرياضية والمنطقية والتقنية التي حفّت بظهوره وبمختلف تحولاته. وتشمل تلك السياقات أسسه النظرية والتطبيقية، ومفاهيمه وفرضياته

الديناميكية، ومسلماته وخوارزمياته، وخلفياته الرياضية الفاعلة وراء اشتغال برمجياته، ولغته الرمزية (0 و 1)، ودواله الأساسية، وطريقة بناء داراته وتوليفاته وبرمجياته، وتفصيلاته (الجداول والتمثيلات والخطاطات والعبارات والأشكال والمخططات، والبروتوكولات) ومشكلاته وصعوباته، ومجالات توظيفاته ووظائفه (التعليم، والطب والجراحة، والفلك، والمناخ، والهندسة الزراعية). وبذلك تناول الكتاب، بتوسع وتدقيق، موضوعًا على درجة كبيرة من الأهمية، يعرف تطورات سريعة وديناميكية كبيرة، وزخمًا كثيفًا في ملامحه العلمية والتقنية. يمكن القول إن الكتاب يختزل في طياته مجهودًا فكريًا ضخمًا، من خلال التركيز على الأعمال المُؤِسِّسة للذكاء الاصطناعي، وتبسيط محتواها، ونقلها إلى اللغة العربية، خاصة أن نواة علوم الحاسوب وما ينتج منها وحولها تنبع من دور النشر الغربية. وبذلك، كان هذا العمل العلمي سبّاقًا في وصف فسيفساء تطور الذكاء الاصطناعي، والكشف عن الكيفية التي تعالج بها الآلة المعلومات، وخلفيات عملها (خوارزميات الاستكشاف وخوارزميات الحل، وأنظمة تمثيل المعارف، والبرمجيات)، وتقديم ذلك كله بطريقة سلسلة ومفهومة. وقد عمد المؤلف إلى استدعاء الفرضيات الأساسية، واقتفى خيطها الناظم، ونتائجها، ونقّب بدقة، باحثًا في حيثيات التحقق منها؛ وهي فرضيات تنطلق أساسًا من ملاحظات متعلقة بإمكانية "وصف أي نشاط عقلي بدقة كافية لمحاكاته بواسطة آلة" (ص. 29)، وتمحيصًا لهذه الفرضيات، وتحديدًا في مساق الحوسبية الرمزية، ظهرت فكرة الذكاء الاصطناعي العام، ولعدم إمكانية قيامه، حلّ محلّه مفهوم الأنظمة الخبيرة، ومع فكرة الأنظمة الخبيرة انبثق الاستنتاج القائل إن "الذكاء هو أولًا، وفوق كل شيء، استخدام للمعارف أكثر منه مسألة حساب أو تفكير" (ص. 31) يسلك المؤلف طريقة منهجية تعتمد على عرض الأسئلة الإشكالية، بحيث نجدها منثورة في جميع فصول الكتاب لكثرة الإشكاليات التي تثيرها وتنبثق منها بكامل تفصيلاتها. ومع كل سؤال إشكالي كان المؤلف يستفهم باستمرار عن مختلف الأفكار والمفاهيم والنظريات، والعبارات المنطقية والرياضية، وكيفية حل المشكلات، وما يعتري الحلول من ثغرات وعيوب، وما يطرأ على ذلك من تحسينات، وتعديلات، وأحيانًا تجاوزات. وقد أثار المؤلف أسئلة جوهرية، أو بالأحرى أفكارًا تستلزم استفهامات كثيرة، من قبيل: ما المعرفة في حد ذاتها؟ وأي نوع من المعارف نريد تمثيله بالتحديد؟ وما طبيعتها أو قيمتها المنطقية؟ (ص. 23)، وكيف تم التوصل إلى آلة لهيكلة التفكير؛ آلة تكتب وتقرأ وتحاكي أي شكل من أشكال الفكر البشري يتم التعبير عنه بلغة معينة؟ (ص. 29)، وكيف يمكن التعامل مع قضايا رياضية ومنطقية والتوصل إلى طرائق منهجية (إجراءات، وخوارزميات) تساهم في حل مشكلات عالقة مثل مشكلة القابلية للتقرير؟ (ص. 27)، وكيف يمكن محاكاة الذكاء البشري معلوماتيًا؟ وهل في الإمكان قيام ذكاء اصطناعي ذي طبيعة حسابية ورمزية؟ (ص. 119)، وما تداعيات الثورة العميقة التي أحدثها الفكر السيبراني الذي "اختزل الكل إلى مفاهيم بلا محتوى عقلي، أهمها التحكم الآلي، ومعالجة المعلومة، وضبط السلوك بهدف التغذية المرتدة، وبحث توازن النظام مع بيئته"، من خلال "مشروع التفكير في الدماغ والعقل والآلة في آن واحد"؟ (ص  155 كيف)، ثم

نبني تمثيلات للمعارف تكون الآلة قادرة على استخدامها؟ وكيف نقدم هذه المعارف للآلة؟ وكيف سيتم توظيفها؟ (ص. 244)، وما السبيل إلى تمثيل معارف الحس المشترك؟ وما الفرق بين الويب والإنترنت؟ وكيف غيرت الإنترنت علاقتنا بالمعرفة؟ (ص  361 أيضًا). ويتساءل عن التعلم الآلي الاحصائي، والتعلم الآلي الرمزي ومفاهيمه مثل فضاء الفرضيات ولغة التمثيل وقواعد الاستنتاج والبحث في الفضاء الممكن، وطبيعة قواعدها، وكيف تتطور فاعليتها بحسب المعطيات والبيانات المتوافرة في العالم (ص. 404). ويستفسر عن أنواع شبكات التعلم الآلي العميق، وخوارزمياته القادرة على محاكاة تصرف الدماغ البشري (ص. 415) تماشيًا مع المنطق الناظم للكتاب، وهو يعرض المعرفة العلمية المفصلة والمُدققة، بمفارقاتها وتجاوزاتها، بتفصيلاتها وتقييداتها، باختزالاتها وإسهاباتها، لا يكتفي مؤلفه بالتوضيح والشرح ونحت المفاهيم، بل يتجاوز ذلك إلى التوقف عند العلاقات الرياضية والمصفوفات المنطقية المختلفة الفاعلة في اشتغال الذكاء الآلي منذ إرهاصات الاهتمام بهذا الحقل العلمي الواسع من علوم الحاسوب. ويركز في رحلته المعرفية التتبعية لمسارات تطور الذكاء الاصطناعي وسياقاتها على إسهامات الباحثين المُؤسسين (ديفيد هيلبرت David Hilbert، وآلان تورينغ وألونزو تشيرش Alonzo Church، وكلود شانونClaude Shannon، وجون فون نيومان

(((فرع من الذكاء الاصطناعي، يركز على الخوارزميات التي تمكّن أنظمة الكمبيوتر من التعلم وتدريب الآلة، من خلال كميات ضخمة من البيانات، واتخاذ القرارات من دون تدخل بشري مباشر.

John von Neumann). وقد شمل ذلك إنجازاتهم المركزية الرياضية منها والمنطقية والفكرية، ومقالاتهم وأعمالهم الأصيلة، وورقاتهم العلمية الأساسية، من دون إغفال الإشارة إلى مصادر التمويل ومِنح الأبحاث الضخمة التي أعطت دفعة كبيرة للطفرة التي عرفها ويشهدها الذكاء الاصطناعي. وذكر الكتاب ما وظفه هؤلاء العلماء من مفاهيم تطورت مع تقدم الإنجازات والانتقالات العلمية والتقنية في سيرورة تقدم الذكاء الاصطناعي وصيرورته: من النظام القائم على المعارف إلى النظام الخبير، ومن استخدام الإنترنت في نسخة الويب الثاني إلى ويب الجيل الثالث (الويب الدلالي)، ومن أجهزة الكمبيوتر المركزية الكبيرة إلى الكمبيوترات الشخصية المصغرة. ويتناول المؤلف أيضًا منعرجات تطور الذكاء الاصطناعي، من خلال عرض الأفكار وذكر ما يعترض تطبيقها وتفعيلها حوسبيًا من أزمات، وما يشوبها من صعوبات كالتي تلحق ترميز اللغة الطبيعية والترجمة الآلية مثلًا (ص. 225). ويحاول الكشف عن بدائل، في إطار عملية حل المشكلات، وظل هذا التوجه مهيمنًا على الهندسة المعرفية لمضمون الكتاب في مختلف أقسامه وفصوله. يشير المؤلف إلى أن مختلف هذه التطورات الرهيبة للذكاء الاصطناعي لم تنفكّ تهز اليقينيات التقليدية الأساسية حول المعرفة والواقع، وتنسف الكثير من المعتقدات وتقلب منظومة المفاهيم الرمزية والمنطقية والوجودية للعقل رأسًا على عَقِب؛ ما قد يساهم إما في تعقيد منظورنا إلى عمل ثلاثية (الدماغ – الجسم – البيئة) والعالم الحقيقي، أو تحسين إدراك الأبعاد الموجودة في كل الأشياء (ص. 422)؛ ما يستدعي دراسات

جادة وحقيقية، أو بتعبير المؤلف "يستحق كتابًا كاملًا " (ص. 425) ثمّة تعريفات مختلفة للذكاء؛ فهو طريقة في استخدام المعارف، أو حساب بالرموز أو إدراك وسلوك تفاعلي، وهذا الأمر ينقلنا إلى سؤال جوهري أكثر عمقًا: لماذا يتم إضفاء ميزة إنسانية على آلات صماء تغيب عنها خاصية الوعي؟ إجابةً عن هذا السؤال، يمكن اختزال اصطلاح الذكاء الاصطناعي في التعريف الآتي "إنه آلة تُظهر ذكاء إنسانيًا، ولكن الذكاء يبقى صفة خاصة بالإنسان، ومن خصوصيته أيضًا أن الإنسان هو من يضفي هذه الميزة على الحيوان أو الجماد (الآلة)، وفي حالة الذكاء الاصطناعي فإن عملية إضفاء التجسيم البشري بشرية إلى كيانات غير بشرية مادية أو حيوانية، هو طريقة يلجأ إليها الإنسان عندما يواجه صعوبات أو مشكلات نفسية واجتماعية وثقافية... إلخ، يصعب حلها. وبذلك، يكون التجسيم البشري أداة حاسمة لفهم السلوكات غير البشرية (مثلًا سلوك الروبوتات فائقة الذكاء). ويجد جانبٌ من هذه الفكرة له صدى في بعض الإشارات التي يذكرها المؤلف بين الفينة والأخرى في متن كتابه. ومنها، على سبيل المثال، إشارته إلى الكيانات المعولمة، المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل يوتيوب YouTube، وفيسبوك Facebook، وإكس X، التي قوت خصائص الويب التشاركي، وتجاوزت مفهوم البرمجيات والتقنيات؛ حيث صارت منظومة شاملة لإنتاج البيانات وإعادة تشكيل العلاقات، وساهمت في خلق مجتمعات محلية افتراضية، ولبّت انتظارات إنسانية، وشكّلت فضاء للإسقاطات النفسية والاجتماعية والفكرية، وتلقاها المستخدمون بلهفة منقطعة النظير، وكانت بتعبير المؤلف "مناسبةً مرحبًا بها لبّت طلبًا كان يشغل نفوس مستخدمي الويب" (ص. 364) يورد المؤلف في خاتمة كتابه قصة فلسفية من تصور غريغ إيغان Greg Egan عام  1990، وهي في الأصل فكرة استفزازية: ماذا لو وُضع جهاز داخل دماغ الإنسان لتكرار جميع أنشطة الدماغ تمامًا، ما يجعل هذا الدماغ نفسه غير ضروريّ، وبحيث يُمكن أن يزيل الشخص بعد عدة سنوات دماغه البيولوجي والعمل على نحوٍ جيد مع النسخة المتماثلة (وتسمّى "الجوهرة")؟ تحاكي الجوهرة بنية الدماغ خلية بخلية، ورابطًا برابط، وعندما يصل الفرد إلى سن الرشد، يكون قادرًا على تحويل النشاط العصبي إلى الجوهرة وتحقيق الخلود (ص. 424). يستثمر المؤلف هذه القصة، ويشرح الخلفية النظرية للترابطية العصبية القائلة إن الدماغ صندوق أسود لا يحاول المرء فتحه، وإنما يحاكيه فحسب (ص. 425) ويسترسل في التمييز بين هذه الخلفية النظرية ومنطلقات الحوسبية الرمزية. وبما أن المنطق الناظم للكتاب هو التزام منهجية علمية صارمة يتمّ بموجبها عرضٌ خطي وتطوّري لتاريخ الذكاء الاصطناعي، فإن المؤلف لا يستحضر الجوانب المتعلقة بمبحث الأخلاق، والرواسب النفسية الاجتماعية التي قد يفرزها التطور السريع لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي المنفلتة من كل قيد أو رقابة، مع إشارته إلى تعاون العلوم المعرفية وعلوم الذكاء الاصطناعي، الذي يُبشر بتفوق العقل الاصطناعي على العقل البشري في المستقبل القريب.

خاتمة

منذ نشر مارشال مكلوهان كتابه مجرة غوتنبرغ: صنع الإنسان المطبعي، وحتى مصنفه الأخير القرية الكونية، وامتدادًا إلى زمننا الراهن، ظهرت نظريات العصر الإلكتروني المعلوماتي الذي نعيش فيه. فقد ساهمت الاكتشافات التقنية والتكنولوجية بسرعة في تغيير الملامح الحضارية والسلوكية للبشر، وهذه مسلمة حاضرة عبر التاريخ البشري. ومن خلال لمحة صغيرة تعيدنا إلى الوراء، وتحديدًا إلى لحظة ظهور آلة الطباعة على يد يوهان غوتنبرغ في القرن الخامس عشر (عام 1440)؛ إذ كان للكتاب دورٌ مهم في تشكّل مفهوم الفرد وبناء الأمة، ومن خلال التركيز على الكتاب بوصفه وسيلة للتواصل، نفهم كيف ساهم في توليد شروط جديدة لمغادرة مجرة "غوتنبرع" والدخول إلى مجرة "ماركوني" (مخترع نظام التلغراف اللاسلكي؛ المذياع.) ومع تعزيز عصر الطباعة الرؤية البصرية، وجعلها الحاسة المخاطبة بالدرجة الأولى، أتى، بحسب ما استشرفه مكلوهان، "الإعلام الرقمي"، ليخاطب عددًا من الحواس، ويتيح للناس التواصل على نطاق واسع، كأنهم يعيشون في قرية صغيرة مترامية الأبعاد؛ هي "القرية الكونية". ومع ظهور الإنترنت، بدأت ملامح

ص.221

"مجتمع رقمي" في التشكّل، وظهرت "الفضاءات الافتراضية" التي تتيح التواصل والتفاعل البشري؛ ما أتاح استدماج عالم موازٍ (عن طريق الشاشة) تتقاطع فيه أنشطة الإنسان الرقمية وغير الرقمية. ومع ظهور الذكاء الاصطناعي، يبدو أن الأمر تجاوز التواصل والتفاعل وتقريب المسافات، إلى صنع آلات وروبوتات وبرمجيات قادرة على اتخاذ القرارات وتوليد الأفكار من تلقاء نفسها، فأدى ذلك إلى "اختراقات جديدة لم يعرفها الإنسان من قبل"، كما يؤكد المؤلف في أكثر من موضع، وهي اختراقات متعلّقة أساسًا بملامح جديدة لعلاقة الإنسان بالآلة. ويتجاوز أمر تلك العلاقة مجرد الاستعمال، من التوظيف المكثف للأجهزة الرقمية إلى جمع البيانات وتشخيص الأمراض الدقيقة، وتعلم اللغات، وظهور مهن جديدة وأفول أخرى، وإتاحة صناعة المحتوى، والقيام بعمليتي التسوّق والتجارة الإلكترونيتين، والاستشارة النفسية، وبروز مشكلات مؤرقة مثل الجريمة الرقمية، وانتهاك الخصوصية، والسرقات العلمية، والعنف الرقمي، وإدمان الإنترنت، وتفاقم البطالة مع ظهور آلات ذكية تبذل جهدًا عضليًا وفكريًا يفوق أضعافًا الجهد البشري، وزيادة البون الشاسع بين الأغنياء والفقراء، وتهديد الخصوصية وتشويه العدالة الرقمية. وبسبب هذا الانغماس العميق في العالم الرقمي، غَرق الإنسان في طوفان من المعلومات، من المرجّح أن يفقد معه الحكمة والحس النقدي في التفكير وطلب المعرفة الدقيقة، واتخاذ القرارات وحل المشكلات؛ ما قد يؤدي إلى اضمحلال

(((خطري العياشي، "دراسة نفسية واجتماعية للهوية داخل الشبكات الاجتماعية: نموذج الموقع الاجتماعي ال 'فيسبوك Facebook "'، مجلة العلوم الاجتماعية، العدد  5 (2018)،

الذكاء الطبيعي البشري شيئًا فشئيًا، ليكون العكاز الجديد للذكاء الإنساني العام هو الآلة والأجهزة الرقمية. على الرغم من كثرة القضايا التي يطرحها الذكاء الاصطناعي وأهميتها، فإن زخمها وتعقّد التحديات التي تثيرها هما بمنزلة حصيلة لكثير من التراكمات والمزايا والاستعمالات، والانغماس في عصر التقنية. ووضح كتاب الأسس المفاهيمية والتقنية للذكاء الاصطناعي وتطوره جوانب من ذلك، وقاربها بخلفية علمية أكاديمية واضحة، والتزام معرفي اقتصر على تتبّع تطور الذكاء الاصطناعي من إرهاصاته الأولى إلى الوقت الحالي، من دون الخوض في أفضاله على العلوم، وما وضعه أمامها من مآزق وأحجار عثرة، ولا على الإنسان، بالتوازي مع ما قد يلحق وجوده من تهديدات وأزمات ومنزلقات، ولا على البيئة وما قد يطرأ عليها من تبدلات. تتمثل جدة الكتاب في دقة المعلومات، وعرض تفاصيل الذكاء الاصطناعي بمفاهيمه وتطبيقاته وخريطة تطوره، ومؤشرات استشراف مستقبله، والبحث في مساحة معرفية يصعب الإحاطة بها أو اكتشاف تفاصيلها. وقد حرص المؤلف على إنجاز كل ذلك من أجل إماطة اللثام عن ثورة الذكاء الاصطناعي التي تعيد تشكيل مستقبل الإنسان، وتنذر بتغييرات هائلة تشمل جميع المجالات التي تمس المعيش اليومي، وتفاصيل الحياة. وبصرف النظر عن تعقد موضوعات الذكاء الاصطناعي، حاول المؤلف سبر الخلفية المعرفية الفاعلة التي تكمن في طريقة تمثيله المعارف، ومعالجته البيانات الضخمة، التي هي أساس التعلم الآلي العميق، المتحرر من كل قيود عقلية تحدّ سقف تفكير الإنسان. مع هذا التحرّر، يستطيع الذكاء الاصطناعي تطوير خوارزميات تعلّمه، وتمكنه من التنبؤ وتنفيذ الأفكار أو القيام بمهمات كانت ضروبًا من الخيال، إلى درجة نستطيع معها القول إنه لم يخطر على بال أي عاقل يومًا ما أن تحدث وتصير حقيقة واقعة؛ ما يفتح مج لًا بحثيًا جديدًا يستدعي جهودًا بشرية وعلمية وأخلاقية للسيطرة على تكنولوجيا تبسطُ غطرستها يومًا بعد يوم، وتهدّد الاستقرار النفسي والاجتماعي والأمني والفكري للإنسان. بصرف النظر عن المنهجية التي أعلن عن تبنيها في مقدمة الكتاب، والتي هيمنت على مضمونه؛ مُتمثلة في تلك التساؤلات العلمية والإبستيمولوجية والتاريخية، التي ارتكزت على تتبع اتجاهات تطور الذكاء الاصطناعي وتحولاته وآثارها، يختلف هذا النوع من القراءة الخطية المفصلة لمسار تطور الذكاء الاصطناعي من الحوسبية الرمزية إلى التعلم الآلي العميق، وعلى نحوٍ جذري، مع القراءة الاجتماعية التاريخية للذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يجسده بأسلوب ملموس كتاب عين السيد، الذي ينفي مؤلفه في مضمونه فكرة محاكاة الذكاء الاصطناعي للعقل البشري أو بنيته العصبية، ويُقر بأن هناك علاقة وطيدة بين الأشكال الاجتماعية والتركيبات الخوارزمية، باعتبار الأخيرة مجموعة خطوات تُنفّذ واحدَةً فواحدة لتحقيق نتائج مرجوة. ولا تقتصر الخطوات المنجزة على مجال الرياضيات؛ إذ استخدمها البابليون لتحديد نقاط القانون، واستُخدمت للتنبؤ بالمستقبل ولتحديد العلاج الطبي، وأنواع الطعام، بحيث لا تبدو غايات

(((ماثيو باسكيليني، عين السيد: التاريخ الاجتماعي للذكاء الاصطناعي، ترجمة متيم الضايع (الجبيل: صفحة سبعة للنشر والتوزيع،.)2025

الذكاء الاصطناعي أبعد من تكريس الأتمتة Automation العمياء للعمل (تعويض الإنسان بالآلة) والرقابة. وبناء عليه، ليس الذكاء الاصطناعي أداة محايدة، وإنما هو انعكاس للبيئة الاجتماعية والاقتصادية التي أنتج فيها منُ جهة، ومساهم في تعزيزها وإعادة إنتاجها من جهة أخرى. وإجم لًا، يمثّل الذكاء الاصطناعي

المراجع

العربية

باسكيليني، ماثيو. عين السيد: التاريخ الاجتماعي للذكاء الاصطناعي. ترجمة متيم الضايع. الجبيل: صفحة سبعة للنشر والتوزيع،.2025

العياشي، خطري. "دراسة نفسية واجتماعية للهوية داخل الشبكات الاجتماعية: نموذج الموقع الاجتماعي ال 'فيسبوك Facebook."' مجلة العلوم الاجتماعية. العدد.)2018(5

الأجنبية

تحديًا حقيقيًا يرخي بظلاله على مستقبل الإنسان ومصيره ومصلحته واستقراره، ويزيد من حدة قلقه المعرفي والأخلاقي؛ ما يثير أسئلة عميقة حول موقعه، وحدود التحكّم في تطوّره، والسيطرة عليه، خاصة في عالم تتسارع فيه وتيرة الأتمتة والتحّولّات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية الناتجة منها أو المرتبطة بها.