Return to Article Details Localization of Humanitarian Action in Gaza as a Field Imperative, Not an Institutional Choice

توطين الاستجابة الإنسانية في غزة: ضرورة ميدانية لا خيار مؤسّسي

Localization of Humanitarian Action in Gaza as a Field Imperative, Not an Institutional Choice

غسان الكحلوت| Ghassan Elkahlout *

الملخّص

أفضت الإبادة في غزة إلى انهيار شامل لمنظومة العمل الإنساني؛ إذ تعطّلت قدرات الفاعلين الدوليين بفعل الاستهداف المباشر، وترافَق ذلك مع منع إدخال المساعدات على نحو منظّم، وعلى نطاق واسع. لم يعد ثمة نظام إنساني قادر على أداء مهماته، فانهارت آلية الاستجابة، ما جعل توطين العمل الإنساني مسألة فرضها واقع الميدان، لا خيارًا نابعًا من رؤية استراتيجية. في هذا السياق، برزت المنظمات المحلّية بوصفها الفاعل شبه الوحيد. تشرح هذه الدراسة القيود البنيوية التي واجهت الفاعلين المحليين في ظل انكماش فضاء العمل الإنساني إلى حدوده الدنيا. وتبيّن النتائج أن جوهر الأزمة يكمن في توظيف إسرائيل العمل الإنساني سلاحًا لإحكام السيطرة، مقرونًا بنقص الموارد والمعدات، وتهديد حياة العاملين، وضعف قنوات التنسيق، وندرة التمويل، وصولًا إلى نهب المساعدات ذاتها.

Abstract

Associate Professor of Conflict Management and Humanitarian Action at the Doha Institute for Graduate Studies, and Director of the Center for Conflict and Humanitarian Studies. Email: ghassan.elkahlout@chs–doha.org

الكلمات المفتاحية:
  • قطاع غزة
  • العمل الإنساني
  • الإبادة
  • الأزمات الإنسانية
  • المنظمات المحلية
Keywords:
  • Gaza Strip
  • Humanitarian Action
  • Genocide
  • Humanitarian Crisis
  • Local Organizations

ملخص: أفضت الإبادة في غزة إلى انهيار شامل لمنظومة العمل الإنساني؛ إذ تعّط لت قدرات

الفاعلين الدوليين بفعل الاستهداف المباشر، وترافَق ذلك مع منع إدخال المساعدات على

نحو منظّم، وعلى نطاق واسع. لم يعد ثمة نظام إنساني قادر على أداء مهماته، فانهارت آلية

الاستجابة، ما جعل توطين العمل الإنساني مسألة فرضها واقع الميدان، لا خيارًا نابعًا من رؤية

استراتيجية. في هذا السياق، برزت المنظمات المحلّية بوصفها الفاعل شبه الوحيد. تشرح هذه

الدراسة القيود البنيوية التي واجهت الفاعلين المحليين في ظل انكماش فضاء العمل الإنساني

إلى حدوده الدنيا. وتبيّن النتائج أن جوهر الأزمة يكمن في توظيف إسرائيل العمل الإنساني

سلاحًا لإحكام السيطرة، مقرونًا بنقص الموارد والمعدات، وتهديد حياة العاملين، وضعف

قنوات التنسيق، وندرة التمويل، وصولًا إلى نهب المساعدات ذاتها.

Abstract: The genocide in Gaza has led to the complete collapse of the humanitarian system. The capacities of international actors have been crippled by direct targeting, coupled with systematic and large–scale prevention of aid entry. As a result, no functioning humanitarian system remains, and the overall response has collapsed. Localization of humanitarian action has thus become an imposed necessity shaped by the realities on the ground, rather than the outcome of a deliberate strategic vision. In this context, local organizations have emerged as virtually the only active responders. This study examines the structural constraints faced by local actors amid the extreme contraction of humanitarian space. The findings reveal that the core of the crisis lies in Israelʼs use of humanitarian action as a weapon of control, alongside severe shortages of resources and equipment, threats to the safety of aid workers, breakdowns in coordination channels, scarcity of funding, and the outright looting of humanitarian aid.

مقدمة

شهدت السنوات الأخيرة، تصاعدًا ملحوظًا في دراسة "توطين العمل الإنساني" على المستوى الدولي، باعتباره مقاربة استراتيجية تعزّز فاعلية هذا العمل في الأزمات المعقّدة. لذلك، تتزايد الدعوات العالمية لتمكين الفاعلين الإنسانيين المحلّيين؛ إذ أثبتت التجربة أنهم يتمتّعون بقدرة أعلى على الوصول إلى المجتمعات المتضررة وفهم احتياجاتها بدقة. ولوضع التوطين موضع التنفيذ، كانت القمة العالمية للعمل الإنساني عام 2016، قد أوصت بتخصيص 25 في المئة من إجمالي التمويل العالمي للمنظمات المحلية، في ظل تراجع فاعلية الُّنُظم المركزية التقليدية التي غالبًا ما ترتهن بتحديات

البيروقراطية وضعف المرونة. وتأتي هذه الأهمية بخاصة في مناطق النزاع التي تتعرّض فيها فرق

الاستجابة الدولية لصعوبات أمنية ولوجستية، ما يجعل توطين العمل الإنساني ضرورةً لا خيارًا. في ظل حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تفاقمت الأزمة الإنسانية

إلى مستوياتٍ غير مسبوقة. وتواجه المنظمات الإنسانية، الدولية منها والمحلّية، بيئة عملياتية شديدة التعقيد، تتسم بانعدام الأمن وتدمير البنية التحتية وبالقيود الإسرائيلية العقابية التي تعيق وصول المساعدات. فالقيود على العمل الإنساني بلغت من الضخامة حًّدًا أفقد المنظمات الدولية قدرتها على الفعل الميداني، ما جعل الاعتماد على المنظمات المحلية في قيادة الاستجابة الإنسانية أمرًا

حتميًا لا خيارًا متاحًا. وقد برزت المنظمات الفلسطينية المحلّية بصفتها أول المستجيبين، على الرغم

من افتقارها إلى الموارد والدعم الكافيَين، مُظهرةً قدراتٍ استثنائية في تلبية الاحتياجات الملحّة

للسكان في ظروف تكاد تكون شبه مستحيلة. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل عمل المنظمات المحلّية الإنسانية خلال الحرب المستعرة على غزة، وتفسير العوائق التي تواجه الفاعلين المحلّيين في تقديم عمل إنساني فعّال. وتلقي الضوء على توطين

العمل الإنساني في سياق النزاعات والحروب، وتقدم معلوماتٍ توثيقية حول آلية عمل المنظمات الإنسانية المحلية في المنطقة قيد الدراسة. وتوثق أيضًا الظروف السياسية واللوجستية التي أعاقت قدرة المنظمات الدولية على أن تؤدي أدوارها المناطة بها، ما دفع بالشركاء المحلّيين إلى الصدارة في الاستجابة الإنسانية. تعتمد الدراسة على منهجية بحثية نوعية ذات مكوّنين أساسيين. أولًا، مراجعة معمّقة للأدبيات

المتصلة بمفهوم التوطين في العمل الإنساني؛ لا سيما في السياقات المتأثرة بالصراعات والحروب. وتشمل هذه المراجعة الدراسات الأكاديمية وأوراق السياسات والتقارير الدولية والمحلية، إلى جانب الأبحاث التي تناولت التحديات العملية المرتبطة بتطبيق التوطين. ويهدف هذا المسار إلى توفير قاعدة معرفية صلبة للتحليل، بما يتيح فهمًا نقديًا للإطار النظري والعملي الذي يتشكّل داخله

العمل الإنساني في غزة. ثانيًا، مقابلات معمّقة مع فاعلين في مجال العمل الإنساني، جرى بعضها

عبر الهاتف، مع خبراء وعاملين في منظمات محلّية ودولية داخل قطاع غزة. وقد بدأ هذا الجهد

(((ينظر: الملحق.

الميداني منذ بداية الحرب، واستمر حتى كانون الأول/ ديسمبر 2024. ونظرًا إلى استحالة وصول

الباحث إلى غزة في تلك الفترة، جرى الاعتماد على مساعدين ذوي خبرة في البحث الميداني لجمع البيانات. وقد استند اختيار المشاركين إلى معايير تضمن ارتباط خبراتهم المباشرة بأهداف الدراسة، إلى جانب توافر إمكانية الوصول إليهم واستعدادهم للمشاركة، بما يضمن جودة المعطيات ودقّتها. تبدأ الدراسة بعتبة نظرية عن نهج توطين الاستجابة الإنسانية، ثم تنتقل إلى تحليل السياق الخاص بقطاع غزة، بما يتضمنه من تحديات بنيوية وسياسية وأمنية تشكّل الإطار الذي تعمل داخله المنظمات الإنسانية. بعد ذلك، تتناول آليات الاستجابة الإنسانية المتّبعة في غزة، مبيّنة طبيعة الفاعلين وأدوارهم

وتشابك علاقاتهم. وتختتم بمناقشة معمّقة للعوائق التي تحول دون تحقيق استجابة إنسانية فعّالة

تقودها المنظمات المحلية، في ضوء المعطيات الميدانية والاستنتاجات المستخلَصة من البحث.

أولا: توطين الاستجابة الإنسانية: تأملات نظرية

لا يُعدّ مفهوم التوطين في مجال العمل الإنساني جديدًا؛ فهو يستند إلى إرث غنيّ من الناحية النظرية.

وقد طُرح المفهوم منذ عقود في سياق الدعوة إلى تعزيز القدرات المحلية وتمكين الشراكات بين الفاعلين الدوليين والفاعلين المحليين، لكنه اكتسب أهمية متزايدة خلال العقد الأخير. فبعد عقود من الاستجابات الإنسانية التي طغى عليها الطابع الدولي المركزي، ظهرت مطالب متزايدة بضرورة إعادة التوازن لمصلحة الفاعلين المحلّيين، لما يملكونه من معرفة معمّقة بالسياق والثقافة والتاريخ

في المجتمعات المتضرّرة، إضافةً إلى قدرتهم على الوصول إليها بسرعة وفاعلية تفوق في كثير من

الأحيان قدرات المنظمات الدولية. حصل التوطين، تحديدًا، على دفعة قوية خلال القمة العالمية للعمل الإنساني التي عُقدت في إسطنبول في أيار/ مايو 2016. فقد وُضع في قلب جدول الأعمال الدولي، وأفضى النقاش إلى توقيع

"الصفقة الكبرى" Grand Bargain بين 52 منظمة إنسانية وتنموية دولية ووطنية، التزمت بتخصيص 25 في المئة من إجمالي التمويل الإنساني للفاعلين المحليين، بحلول عام 2020. عُدّ هذا الالتزام بمنزلة تحوّل رمزي مهمّ في هيكلية النظام الإنساني، حتى وإن لم يتحقق بالكامل على أرض الواقع.

فبينما نصّت الصفقة على التمويل المباشر وتعزيز القدرات المحلية، بقي التطبيق محدودًا، وسجّلت

نسَب التمويل المباشر للفاعلين المحلّيين انخفاضًا مقارنةً بالأهداف المُعلنَةِ.

(2) Plan International, "Localisation of Humanitarian Action: Plan International’s Position," accessed on 30/9/2024, at: https://bit.ly/40Kprfc

(((غسان الكحلوت، العمل الإنساني: الواقع والتحديات (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2020

(4) Ghassan Elkahlout et al., "Localisation of Humanitarian Action in War–Torn Countries: The Experience of Local NGOs in Yemen," International Journal of Disaster Risk Reduction , vol. 75 (2022); Veronique Barbelet, "As Local as Possible, as International as Necessary: Understanding Capacity and Complementarity in Humanitarian Action," Overseas Development Institute, HPG Working Paper (November 2018). (5) Kristina Roepstorff, "A Call for Critical Reflection on the Localisation Agenda in Humanitarian Action," Third World Quarterly , vol. 41, no. 2 (2020), pp. 284–301.

يتمحور النقاش النظري في توطين العمل الإنساني، غالبًا، حول كيفية التداخل بين الممارسات

الدولية والثقافات المحلّية من جهة، وجدوى نقل السلطة والموارد إلى المستجيبين المحلّيين من جهة أخرى. وقد ربط بعض الدراسات بين التوطين والتحوّل نحو المنظورات المحلّية في مجال بناء

السلام منذ تسعينيات القرن العشرين، حيث ظهرت مقاربات نقدية لتدّخلّات "بناء الدولة من أعلى إلى أسفل"، في سياقات مثل العراق وأفغانستان. وقد أدّى فشل هذه التدّخلّات إلى الدّعوة إلى إعادة الاعتبار للفاعلين المحلّيين، ليس بوصفهم شركاء منفّذين، فحسب، بل بوصفهم أطرافًا أساسية في صياغة الاستجابات الإنسانية في مناطق النزاعات. وبرزت الدعوات إلى التوطين استجابةً لما وُصف بنقاط الضعف البنيوية في النظام الإنساني العالمي، المتمثّلة في الطابع الهرمي القائم من أعلى إلى أسفل، الذي يميز التدّخلّات الإنسانية، إضافة إلى البيروقراطية الثقيلة وهيمنة الفاعلين الكبار وتهميش المعرفة المحلية. واُّتُهم النظام الدولي، أيضًا، بعجزه عن المخاطرة وضعف مرونته التمويلية، ما جعل الاستجابات الإنسانية غالبًا متأخرة وغير

متناسبة مع الواقع. في هذا السياق، جرى تقديم التوطين حًّلا استراتيجيًا لمعالجة تلك الاختلالات

عبر تمكين الفاعلين المحلّيين من القيادة وتحويل الموارد إليهم مباشرة. مع ذلك، واجه التوطين انتقادات متواصلة. فقد رأى بعض المعارضين أن المنظمات المحلّية في الجنوب العالمي تفتقر إلى القدرات الفنية والإدارية اللازمة للتعامل مع الأزمات المعقّدة، وأنّ ضخ التمويل المباشر إليها قد يؤدي إلى تسييس المساعدات أو تقويض مبادئ الحياد والشفافية. بل ذهب بعضهم إلى أن الدعوة إلى تخصيص 25 في المئة من التمويل العالمي للعمل الإنساني للفاعلين المحلّيين هو مطلب "غير واقعي" في سياقات تنهار فيها القدرات الوطنية بفعل الكوارث أو النزاعات. وعلى الجانب الآخر، انتقد بعض الباحثين هذا التركيز على النسبة، باعتباره مقاربةً اختزالية تؤدّي إلى منافسة صفرية بين المنظمات المحلّية والدولية، بدلًا من تعزيز شراكات متوازنة بينها. واعتبر آخرون أنّ الحديث عن "فجوة القدرات" يعكس رؤية أبوية واستعمارية، تعيد إنتاج هيمنة الشمال العالمي على دول الجنوب ومنظّماته. يدور أحد أبرز النقاشات أيضًا حول الطابع السياسي للعمل الإنساني. فبينما يخشى بعض الفاعلين الدوليين أن يؤدي التوطين إلى تسييس المساعدات، يرى آخرون أن كل تدخل إنساني في مناطق

(6) Paffenholz Thania, "Peacebuilding Goes Local and the Local Goes Peacebuilding: Conceptual Discourses and Empirical Realities of the Local Turn in Peacebuilding," in: Tobias Debiel, Thomas Held & Ulrich Schneckener (eds.), Peacebuilding in Crisis: Rethinking Paradigms and Practices of Transnational Cooperation (London: Routledge, 2015). (7) Elkahlout et al. (8) Healy Sean & Sandrine Tiller, "Where is Everyone? Responding to Emergencies in the most Difficult Places," Médecins Sans Frontières (July 2014), accessed on 29/1/2025, at: https://bit.ly/3WDyUlg (9) Ibid. (10) United Nations Office for Disaster Risk Reduction, "Disaster Risk and Resilience," Thematic Think Piece (May 2022), accessed on 29/1/2025, at: https://bit.ly/48Ky62U (11) Elkahlout et al.

النزاع هو بطبيعته سياسي، وأن تصوير المنظمات الدولية على أنها تتصف بالحيادية، في مقابل تصوير المحلّية على أنها تتميز بالتسيّس، وفي التسييس قدر كبير من التبسيط. يعكس هذا السجال إدراكًا متزايدًا بأن التوطين لا يمكن فهمه بوصفه آلية تقنية أو مالية، فحسب، بل يجب النظر إليه ضمن أبعاده السياسية والأخلاقية. على الرغم من الأهمية المتزايدة التي اكتسبها المفهوم، فإنه ما زال غامضًا من الناحية المفهومية. فالتعريفات المتداولة تشير، تارة، إلى أنه يدلّ على "تمكين المنظّمات غير الحكومية المحلية"، وطوْرًا إلى أنه يدل على "تحويل السلطة والموارد بعيدًا عن الفاعلين الدوليين لمصلحة المستجيبين المحلّيين"، وأحيانًا إلى أنه يعني "إضفاء الطابع المحلّي على العمل الإنساني" من حيث القيادة والمعرفة والشرعية. غير أن هذا التنوّع الدلالي للمفهوم أفضى إلى رؤى متناقضة حول ما تعنيه صفة "المحلّي"، وما الذي يعنيه بالضبط "التوطين". أهو إعادة الملكية إلى المجتمع المحلي، أم إعادة توزيع السلطة بين المنظمات، أم تحسين للكفاءة وتقليل من التكلفة؟ وقد انعكس هذا الغموض في التعريف على السياسات والممارسات، ما جعل المفهوم عرضةً للتأويل والتوظيف المتباينَين.

فقد ظهر فهمٌ مجزّأٌ للتوطين. ومع وجود أصحاب مصلحة مختلفين في المجال الإنساني، ظهرت تفسيرات منوّعة وغامضة لما يشكّل المحلّي، الأمر الذي ساهم في جعل المفهوم متغيرًا باستمرار. وفي كثير من الأحيان، يوضع مصطلح "محلي" في تقابل مع مصطلح "دولي" أو في تناقض معه، مع إهمال العلاقة المعقّدة بين الجوانب المحلّية والعالمية في الجهود الإنسانية. لمعالجة هذه الفجوة المفهومية، اقترح بعضهم مفهوم "المحلّي المتعدد"، على أنه "مفهوم جديد، يشير فيه 'المحلي' ضمن التوطين إلى أطر وأبعاد متعددة: المستوى في التسلسل الهرمي (مكان أو موقع، مثل الحي أو المنطقة) ومكان للشرعية الأيديولوجية (مصدر المعرفة وشكلها والموارد الأخرى، مثل التقاليد أو التراث أو الثقافة) أو القيادة؛ وشكل الحكم أو تركيزه، بما في ذلك الجهات الفاعلة غير الحكومية والمجتمع المدني". وكثيرًا ما جرى التنبيه إلى أنّ هذا الفشل في

معالجة هذه التحديات المفهومية قد يؤثّر في الممارسات الإنسانية، ما يسلّط الضوء على الحاجة إلى

(12) Claudia McGoldrick, "Humanitarianism at Breaking Point? New Roles for Local and International Actors," International Committee of the Red Cross, Humanitarian Law and Policy , 19/8/2016, accessed on 30/9/2024, at: https://tinyurl.com/ypnsvymh (13) Kristoffer Lidén, "Building Peace between Global and Local Politics: The Cosmopolitical Ethics of Liberal Peacebuilding," International Peacekeeping , vol. 16, no. 5 (2009), pp. 616–634. (14) Ibid. (15) Ed Schenkenberg, "The Challenges of Localised Humanitarian Aid in Armed Conflict," Médecins Sans Frontières, Emergency Gap Series (November 2016), accessed on 14/3/2024, at: https://bit.ly/4pV0YxJ (16) Vandra Harris & Tuladhar Swornima, "Humanitarian Localisation: Can we Put Values into Practice?," in: Vandra Harris (ed.), Ethics in a Crowded World: Globalisation, Human Movement and Professional Ethics , vol. 22 (Leeds: Emerald Publishing Limited, 2019), pp. 33–55. (17) Elkahlout et al., p. 3.

مزيد من البحث والاستكشاف لمفهوم التوطين وحدود تطبيقه على أرض الواقع. ويتضمّن أحُد

الأساليب الواعدة إجراءَ دراسات تجريبية للتعمّق في التفسيرات المختلفة للتوطين وتنفيذه العملي

وتحدياته، وهو أحد الأهداف التي تسعى هذه الدراسة إلى تحقيقها. في ضوء هذا النقاش، يبرز قطاع غزة بوصفه حالة مميزة وغير مدروسة على نحوٍ كافٍ؛ إذ يختلف التوطين في هذا السياق عن صورته المتداولة في الأدبيات: فهو ليس خيارًا مؤسسيًا إصلاحيًا، أو

حتى توجّهًا سياسيًا، بل ضرورة ميدانية فرضتها حرب الإبادة والحصار وفشل المنظومة الإنسانية

الدولية في الاستجابة. فمنذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تراجعت قدرة المنظمات الدولية الكبرى على العمل الميداني في المنطقة بسبب القصف العشوائي ومنع المساعدات الإنسانية واستهداف

العاملين في المجال الإنساني، ما أدّى إلى انحسارٍ شديد في مساحة العمل الإنساني على الأرض. ونتيجةً لذلك، تقدّمت المنظمات المحلية لتكون المستجيب الأول والأساسي، ليس ضمن استراتيجية طويلة الأمد، بل بفعل غياب البدائل. بهذا المعنى، فإن توطين العمل الإنساني في غزة هو "توطين اضطراري"، ويختلف جذريًا عن الصورة النظرية النمطية التي تقدّمه على أنه خيار استراتيجي طوعي. لا يلغي هذا التناقض بين النظرية والممارسة قيمة الإطار النظري في هذه الدراسة، بل يسلّط الضوء على حدود المعنى النمطي للتوطين. فبينما تنظر إليه الأدبيات على أنه أداة إصلاحية، تكشف حالة غزة عن نموذج مغاير يفرض إعادة التفكير في المفهوم نفسه. فهل يمكن الحديث عن "توطين" للعمل الإنساني بالمعنى الكلاسيكي عندما يكون انتقال القيادة المحلية ناتجًا من انهيار المنظومة الدولية، أم

أن الأمر يتطلّب تطوير مقاربة جديدة، تُدرك أن التوطين قد يكون أحيانًا "مفروضًا"، وليس "مختارًا"؟ يفتح هذا التباين البابَ أمام فرضية مركزية مفادها أنّ حالة غزة تُظهر أنّ التوطين ليس بالضرورة خيارًا

إراديًا أو إصلاحًا مؤسسيًا، بل قد يكون واقعًا إجباريًا، يفرض نفسه في ظل غياب الفاعلين الدوليين

وفشلهم، الأمر الذي يستدعي إعادة صياغة الأدبيات الإنسانية لتشمل هذا المنظور المختلف. ويُبرز هذا الطرح الحاجة إلى دراسات تجريبية جديدة تستكشف كيفية تفاعل الفاعلين المحليين مع هذا النوع من التوطين المفروض، وما يترتب عليه من فرص وتحديات على أرض الواقع.

ثانيًا: الأزمة الإنسانية في قطاع غزة: السياق والاستجابة

1. سياق الأزمة الإنسانية في غزة

جرى العمل على هذه الدراسة في الفترة 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 – كانون الأول/ ديسمبر 2024، وهي فترة شهدت أحداثًا مكثّفة وسريعة التصاعد. وفي حين تعكس تحليلات الدراسة ومناقشاتها ظروف وقت كتابتها، أعتقدُ أن الاستنتاجات المستخلصة فيها قد تظل ذات دلالة تتجاوز هذا الإطار

(18) Ibid. (19) David Gritten & Mahmoud Elnaggar, "Fears for Gazans as Aid Groups Halt Work over Deadly Israeli Strike," BBC News , 4/4/2024, accessed on 29/1/2025, at: https://bit.ly/3Ky9frg; "Gaza: Israeli Strike on NGO Aid Team Condemned as Humanitarians ReNew Access Call," UN News , accessed on 3/4/2024, at: https://rb.gy/z1xcno

الزمني المحدد. وعلى هذا النحو، فإنّ الأفكار المقدّمة هنا لا تقتصر على السياق المباشر للفترة الزمنية التي جرى الاشتغال فيها على العمل الميداني واستخلاص المعلومات والبيانات، بل تهدف إلى توفير منظور أوسع، يمكن أن يُثري النقاشات الأكاديمية والسياساتية ذات العلاقة. وبناء على

ذلك، ندعو القرّاء إلى أخذ التطورات اللاحقة لزمن كتابة الدراسة في الحسبان، نظرًا إلى الطبيعة

الدينامية والمتغيرة باستمرار للوضع في غزة. تُعدّ الأزمة الإنسانية الراهنة في قطاع غزة امتدادًا لاحتلالٍطويل الأمد، تكبّد فيه الشعب الفلسطيني

معاناة ممتدة من التهجير القسري والحصار الخانق والقتل المنهجي. تعود جذور هذا الاحتلال إلى

عام 1948، عندما أعلنت دولة إسرائيل، ما أسفر عن نكبة كبرى تسببت في تهجير أكثر منُ 700 ألف فلسطيني ومقتل ما يزيد على 13 ألفًا. وقد توزّع اللاجئون آنذاك على الضفة الغربية وقطاع غزة، وعلى بلدان عربية أخرى، مثل لبنان وسورية والأردن. بعد هزيمة عام 1967 التي جرى فيها احتلال قطاع غزة والضفة الغربية، كان كثيرون ممن فرّوا من

ديارهم الأصلية من مدن فلسطين وقراها، بسبب المجازر الإسرائيلية، قد أصبحوا لاجئين في القطاع والضفة. ويقَّدَر عدد سكان قطاع غزة اليوم بما يقارب 2.1 مليون نسمة. وقد شهد القطاع تحّولّات

سياسية وأمنية بارزة، منها تأسيس حركة المقاومة الإسلامية "حماس" عقب اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، باعتبارها حركة سياسية ومسلحة منظمة. وعام 2006، فازت حماس في الانتخابات التشريعية، وتولّت إدارة القطاع، بعد السيطرة عليه عسكريًا عام 2007، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من

الحصار الإسرائيلي البرّي والبحري والجوي، الذي فرض قيودًا مشدّدة على دخول السلع الأساسية،

بما في ذلك التحكّم في كميات الماء والغذاء والدواء والوقود والكهرباء. منذ ذلك الحين، تعرّض القطاع لسلسلة من الهجمات العسكرية المدمّرة، أعوام 2008، 2010،

2014، و 2021، ما أدّى إلى تدميرٍ واسع للبنية التحتية وانهيار المنظومة الصحية وتعميق حالة عدم الاستقرار على مختلف المستويات. وفي هذا السياق، تُبرِز سارة روي مفهوم "الإفقار التنموّي"ّ

De–development، الذي تصفه بأنه عملية ممنهجة طبّقتها إسرائيل على قطاع غزة بعد احتلاله

عام 1967، الهدف منها منع نشوء اقتصاد ومجتمع فلسطينيَين مستقَّرَين في غزة. وتؤكد روي أن

السياسات الإسرائيلية لا تكتفي بعرقلة التنمية، بل تعمل بفاعلية على تفكيك ما تبقّى من البنى الاقتصادية والاجتماعية، من خلال الإبقاء على القطاع في حالة اعتماد هشّ على المساعدات الخارجية والاقتصاد الإسرائيلي، ومنع قيام اقتصاد فلسطيني مستقل. وتضيف روي أنّ هذا الواقع لا يُعزى إلى إخفاق تنموي عفوي بل إلى استراتيجية مدروسة تسعى لإدامة حالة العجز والضعف،

والإبقاء على المنطقة في دائرة طوارئ إنسانية دائمة. وقد أسهم هذا النهج في تحويل غزة إلى اقتصاد هشّ قائم على الإغاثة بدلًا من الإنتاج، وأدّى إلى شبه انهيار في القطاعات الحيوية، مثل

(20) Beheshta Harghandiwal, "Impact of the Humanitarian Crisis in Gaza on Children’s Health: Evidence and Recommendations for Mitigation," Global Public Health , vol. 20, no. 1 (2025). (21) Ibid.

الصحة والتعليم والزراعة والصناعة، ما ترك أثرًا بالغًا في البنية المجتمعية والنفسية للسكان. لذلك،

فالاعتداءات الإسرائيلية بعد تشرين الأول/ أكتوبر 2023 لم تقع على سكان يعيشون ظروفًا طبيعية، بل على مجتمع مُحاصَر، محروم من التنمية، ومقَّيَد في قدرته على الوصول إلى أبسط مقوّمات

الحياة، ضمن منظومة تُحكِم فيها إسرائيل السيطرة الكاملة على المساعدات الإنسانية والتنموية، وتمنع أيّ نموّ اقتصادي أو اجتماعي حقيقي. تعيش غزة كارثة إنسانية مركّبة وغير مسبوقة، حيث أضحت تعاني فقدانًا كاملًا لمقوّمات الحياة، وسط

مشهد يصفه مسؤولو الأمم المتحدة بأنه "الأسوأ على الإطلاق" على مستوى العالم. منذ اندلاع حرب الإبادة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أدى العدوان الإسرائيلي إلى دمار شامل وتهجير داخلي جماعي؛ إذ تشير تقارير الأمم المتحدة إلى نزوح قسري لما يقارب 1.9 مليون شخص، أي نحو 90 في المئة من السكان، نصفهم من الأطفال، وذلك حتى أيار/ مايو 2025. تزامن هذا النزوح الواسع مع تدمير منظّم وممنهج لما يقارب 70 في المئة من المنازل السكنية والبنى التحتية المدنية، بما في ذلك المدارس والمستشفيات، وهو ما أدّى إلى انهيار منظومة الخدمات الأساسية وتفاقم الأزمة الصحية والإنسانية. وتُبرِز تقارير منظمة الصحة العالمية أنّ قطاع الصحة في غزة أصبح عاجزًا تمامًا عن التعامل مع حجم الكارثة. فإلى جانب سقوط عشرات الآلاف من القتلى والجرحى جراء القصف المباشر، هناك آلاف الضحايا الذين فقدوا حياتهم بسبب انهيار النظام الصحي ونقص الأدوية والمعدات الطبية. وأدّى تدمير 36 مستشفى ومرفقًا صحيًا رئيسًا إلى تعطيلٍ

تاٍّمٍ لخدمات الرعاية الصحية. ويشير صندوق الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" إلى أن الأطفال يمثّلون الفئة الأكثر تضرّرًا، حيث يعاني واحد من كل ثلاثة أطفال في غزة سوءَ تغذية حادًا، مع

تفاقم أزمة الجوع لتشمل كلّ مناطق القطاع. تفاقمت هذه الأوضاع بفعل القيود الإسرائيلية المشدّدة على دخول المساعدات الإنسانية، وهو ما وصفته الأمم المتحدة بأنه "عرقلة ممنهجة لجهود الإغاثة الإنسانية". وعلى الرغم من محاولات بعض الدول تخفيف الأزمة عبر عمليات إنزال جوي محدودة وفتح ممر بحري، فإن هذه التدابير

(22) Sara Roy, The Gaza Strip: The Political Economy of De–Development (Beirut: Institute for Palestine Studies,

(((2 "مفوض أممي: على إسرائيل أن تسمح بدخول المساعدات لغزة فورًا ودون شروط"، الجزيرة، 2025/7/22، شوهد في

2025/9/9، في: https://tinyurl.com/428nfk6j (24) UNRWA, "UNRWA Situation Report #170 on the Humanitarian Crisis in the Gaza Strip and the West Bank, Including East Jerusalem," 9/5/2025, accessed on 22/7/2025, at: https://tinyurl.com/dpfshyv6 (25) The World Bank, European Union & United Nations, "Gaza Strip Interim Damage Assessment," Summary Note , 29/3/2024, pp. 2–9, accessed on 2/10/2015, at: https://tinyurl.com/mrbjmwcc (26) World Health Organization, "oPt Emergency Situation Update – Issue 46," Emergency Situation Update Series on the Occupied Palestinian Territory (oPt) , 25/9/2024, accessed on 25/12/2024, at: https://tinyurl.com/3dwt5um5

(((2 "حياة الأطفال مهددة بسبب ارتفاع معّدلّات سوء التغذية في قطاع غزة"، اليونيسيف – الشرق الأوسط وشمال أفريقيا،

2024/2/19، شوهد في 2024/12/22، في: https://shorturl.at/QH9od

قد أثبتت أنها "غير كافية وغير مستدامة"؛ إذ لا يمكن أن تحلّ عمليات الإنزال الجوي محل الممرات البرية التي كانت تشكّل شريان الحياة الأساسي للقطاع. لا تزال القيودُ المفروضة على المعابر الرئيسة، مثل معبر كرم أبو سالم، تُفاقِم المجاعة. وحتى نهاية عام 2024، انقسم قطاع غزة فعليًا إلى منطقتين جغرافيتين: شمال معزول، وجنوب مكتظ. الممر الذي

يفصل بينهما، المعروف ب "نيتساريم"، يمثل حاجزًا أمام حركة المدنيين وتدفّق المساعدات، ما أدّى إلى تركّز نحو مليون نازح في منطقة جغرافية لا تتجاوز مساحتها 13 كيلومترًا مربعًا في جنوب القطاع.

وقد أدّى الضغط السكاني في هذه المنطقة، إلى جانب انهيار البنية التحتية، إلى تدهور كارثي في خدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي؛ إذ يعاني نحو 90 في المئة من السكان انعدامَ القدرة على الوصول إلى مياه نظيفة. في سياق الأثر الاقتصادي للحرب، تشير دراسة أوّلية للبنك الدولي إلى أن السيناريو الأكثر تفاؤلًا يتوقع أن غزة ستحتاج إلى أكثر من ست سنوات لاستعادة مستوى الناتج المحلي الإجمالي لعام 2022، بينما ستستغرق نحو عشر سنوات للعودة إلى مستوى عام 2006، أي ما قبل فرض الحصار المشدد. هذا التقدير قائم على فرضية تحقيق معدّل نموّ سنوي للناتج المحلي بمقدار 10 في المئة، مع الأخذ في

الحسبان نمًّوًا بمعدل 2.8 في المئة سنويًا. لكن الواقع التاريخي للحصار الممتد منذ عام 2007، يُظهر

أن متوسط النمو في تلك الفترة لم يتجاوز 0.4 في المئة، وهو ما يعني أن غزة قد تحتاج إلى سبعة عقود

للوصول إلى مستويات التنمية السابقة، مع تدهورٍ متسارع في نصيب الفرد من الناتج المحلي. وحتى إذا توقّفت الحرب في لحظةٍ معيّنة، تبدو المرحلة التالية، من منظور العمل الإنساني، معقّدة

وغير واضحة المعالم، نظرًا إلى بيئة الإبادة والأثر السلبي الذي سوف يخلّفه العدوان الإسرائيلي على

مختلف مناحي الحياة. ومع حجم الدمار غير المسبوق، يجد الفلسطينيون في غزة أنفسهم أمام واقع جديد، يفرض إعادة تقييم جذري لآليات العمل الإنساني. لم تكن الحرب ضد قطاع غزة حملة عسكرية بل هي حرب إبادة، يهدف المحتل من ورائها إلى إحداث تدمير شامل للبنية المجتمعية والاقتصادية فيه، مع جعله مكانًا غير صالح للعيش والإعمار. وستفرض هذه النتيجة، إن استمر الإغلاق والحصار ضدّ السكان، خيارات قاسية عليهم، وتدفعهم إلى تحمّل حياة

مستحيلة. وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن غزة باتت اليوم في مواجهة مصير قاتم، حيث يتطلّب إنقاذها تدخّلًا إنسانيًا ضخمًا واستثنائيًا، يقوده المجتمع الدولي، بمشاركة المنظمات الإنسانية المحلّية والدولية.

ومع ذلك، تبقى هذه الجهود مرتهنةً بقدرة الأطراف الفاعلة على إحداث تغيير حقيقي في السياسات الراهنة، ووقف الانتهاكات التي تعوّق وصول المساعدات الإنسانية إلى مستحقّيها.

(28) UNICEF, "'Barely a Drop to Drink': Children in the Gaza Strip Do not Access 90 Per Cent of Their Normal Water Use," 20/12/2023, accessed on 22/12/2024, at: https://shorturl.at/ENLNs (29) Ibid. (30) UNCTAD, "Preliminary Assessment of the Economic Impact of the Destruction in Gaza and Prospects for Economic Recovery: UNCTAD Rapid Assessment," (January 2024), accessed on 28/2/2024, at: https://rb.gy/4iamiy

2. الاستجابة الإنسانية خلال حرب الإبادة على قطاع غزّة

في المدة تشرين الأول/ أكتوبر 2024 – أيار/ مايو 2025، ومع تصاعد الأزمات نتيجة العدوان الإسرائيلي، برزت منظمات محلّية كثيرة عملت بإيثار وتضحية، لمواجهة التحديات التي تفاقمت بسبب العدوان المدمر على قطاع غزة. وسعت هذه المنظمات، ولمّا تزل، إلى تقديم المساعدات الإنسانية وتحسين

ظروف المعيشة وتوفير الإغاثة الأساسية، مثل الغذاء والماء والرعاية الصحية، إمّا مباشرة وإمّا من خلال المشاركة والتعاون مع المؤسسات الدولية. وقد أوضح أحد العاملين في المجال الإنساني في غزة أنه يوجد ما يقارب 82 منظمة ومؤسسة دولية تعمل في المنطقة ضمن آليات تنسيق واتصال إنساني متعارَف

عليها، وقد عقدت شراكات متواضعة مع المؤسسات المحلّية في العديد من القطاعات الإنسانية. وتشمل هذه الآليات قنوات للتواصل بين المؤسسات المحلّية والحكومية والدولية، التي، بفعل ظروف الحرب المعقدة، وصلت إلى مستوى لجان الأحياء والمنظمات القاعدية التي غالبًا ما تفتقر إلى نظم وأدلّة عمل،

على خلاف المؤسسات المحلّية التي تمتلك أدبياتها ونُظمها. على الرغم من القيود والمخاطر والتهديدات، فإن القطاع شهد نوعًا محدودًا من التشبيك والتعاون بين المؤسسات الفلسطينية المحلّية والمنظمات الأممية والدولية، ومجتمع المانحين، والمؤسسات الإغاثية الدولية. ويرجع هذا التعاون إلى حجم المأساة الكبير وانتشارها وتعدّد الاحتياجات وعدم قدرة المؤسسات غير الفلسطينية على الوصول بفاعلية إلى المستفيدين؛ إمّا لقلة عدد موظفيها، وإمّا لصعوبة الوصول إلى المناطق المعزولة والمتأثرة أكثر بالحرب. في المقابل، توجد المؤسسات الفلسطينية على امتداد جغرافيا قطاع غزة، ولها تواصل مباشر مع المواطنين وقدرة على تحديد احتياجاتهم بدقة. ويبيّن الجدول (1) نِسَب الجهات المنِّظّمة لقطاع الملاجئ والإيواء في غزة بين

مختلف المؤسسات المحلّية والدولية. الجدول (1) الجهات المنظمة للملاجئ ومراكز الإيواء في قطاع غزة الأونروا

الحكومة مجموعات فلسطينية محلية منظمات دولية أخرى 62.5 في المئة 14.9 في المئة 13.4 في المئة 8.2 في المئة

المصدر:

Palestinian Center for Policy and Survey Research, "Palestinian Public Opinion Poll No (91)," Press Release: Public Opinion Poll , no. 91, 20/3/2024, accessed on 22/7/2025, at: https://tinyurl.com/4ca5km5u

يُجمِع المشاركون في هذا البحث على أّن المجتمع المحلي – ويتضمن ذلك السكان والمنظمات

المحلّية – في غّزة كان من أوائل المستجيبين للأزمة. هذه الأحكام النوعية مدعومة بالأدلّة الواضحة على تقديم المساعدات الإنسانية في القطاع، مثل توزيع الغذاء وملابس فصل الشتاء والماء وغيرها من الحاجات الأساسية، مع بقائها ضمن الحد الأدنى المطلوب بسبب استمرار الحرب. ومن خلال

(((3 سائد الترتوري، عامل إغاثي في قطاع غزّة، مقابلة عبر الهاتف،.2024

متابعة الأحداث، يُقرّ البحث بأن مساحة العمل الإنساني خلال الحرب تظل في أدنى مستوياتها،

ويمكن القول إنها لا تتجاوز 3 في المئة مما كانت عليه قبل اندلاعها. وأشار أحد المشاركين الذين جرت مقابلتهم إلى أن العديد من المنظمات غير الحكومية الدولية تستخدم عمليًا الموظفين

الفلسطينيين المحليين، وتستثمر قدراتهم لتحقيق الفاعلية وخفض التكاليف وتوسيع نطاق العمل الإنساني والوصول. تنبغي الإشارة إلى أن هذه الجهود تنَّفَذ في سياق إنساني شديد القسوة، وفي ظل هامش ضيّق للغاية

لممارسة العمل الإغاثي في قطاع غزة، نتيجة الإبادة المستمرة والمنع الممنهج الذي تفرضه سلطات الاحتلال الإسرائيلي على دخول المساعدات الإنسانية.

3. المؤسسات المحلّية الفلسطينية العاملة في غزة خلال الحرب وأسلوب عملها في الميدان

بناءً على المسح الشامل للمؤسّسات المحلّية الفلسطينية، والذي أجراه فريق عمل ساعد في حصره،

تبيّن أن المنظمات الإنسانية الفلسطينية المحلّية التي تعمل في الميدان خلال فترة الحرب، في مناطق

شمال قطاع غزة وجنوبه هي 47 مؤسسة، حتى نهاية عام.2024 الجدول (2) المؤسسات العاملة بحسب المناطق المؤسسات بحسب مناطق العمل العدد

المؤسسات بحسب مناطق العملالعدد
كامل مناطق قطاع غزة30
شمال قطاع غزة8
جإنوب قطاع غزة9
الإجمالي47

المصدر: من إعداد الباحث، استنادًا إلى الملحق.

يوضح الجدول (2) أن الغالبية العظمى من المؤسسات المحلّية العاملة في المجال الإنساني والتنموي في قطاع غزة، وعددها 30 مؤسسة من أصل 47، تنشط في مختلف مناطق القطاع، من دون حصر جغرافي، ما يعكس قدرتها على التغطية المكانية. في المقابل، يلاحظ أن عددًا محدودًا من المؤسّسات يقتصر نشاطه على مناطق محدّدة، حيث تقتصر 8 مؤسسات على العمل في شمال

القطاع، في حين تقتصر 9 مؤسسات على العمل في جنوبه. يشير هذا التوزيع، من جهة، إلى قدرة بعض المؤسسات على تجاوز القيود الجغرافية واللوجستية، على الرغم من ظروف الحرب والتقسيم الجغرافي الذي فرضته إسرائيل خلالها، ومن جهة أخرى،

(((3 كريم عكاشة، خبير في المجال الإنساني، مقابلة عبر الهاتف،.2024

يثير تساؤلات حول فاعلية المؤسسات التي يقتصر نطاقها على مناطق بعينها، خاصة في ظل تفاوت الاحتياجات الإنسانية وتأثير العدوان الإسرائيلي بين شمال القطاع وجنوبه. وحتى نهاية عام 2024، وفي ظلّ الإبادة الجماعية، كشفت هذه المنظمات عن وجود فجوات محتملة في التغطية الجغرافية والعدالة التوزيعية، لا سيما مع تصاعد الكارثة الإنسانية في شمال القطاع، واستمرار القصف الإسرائيلي، واستهداف العمل الإنساني والعاملين فيه، حيث تعرّضت البنية التحتية لتدمير شبه كامل،

ما حدّ من قدرة المؤسسات المحلّية على الوصول والاستجابة. ويجدر بالذكر أن العمليات العسكرية الإسرائيلية أضعفت القدرات المؤسسية للمنظمات غير الحكومية المحلية، وأثّرت بصورة مباشرة في عملياتها الميدانية. فقد اضطر عدد كبير من هذه المؤسسات إلى إخلاء مقارّه في مدينة غزة ومحافظة

الشمال والانتقال إلى جنوب القطاع. وتُظهر البيانات أنّ نحو 15 في المئة من هذه المنظمات توقفت عن العمل على نحو كامل، في حين تعمل نحو 28 في المئة منها بأقل من نصف طاقتها التشغيلية، بينما استطاعت 29 في المئة منها فقط الحفاظ على مستوى تشغيل، يقارب 80 في المئة. وأعادت 74 في المئة من هذه المنظمات تكييف أنشطتها، واضطر 53 في المئة منها إلى افتتاح مقارّ بديلة في

المحافظات الجنوبية. من هنا، تبرز الحاجة إلى دعم المؤسسات ذات النطاق الجغرافي الأوسع

وتعزيز قدرات المؤسسات ذات الانتشار المحلّي الضيّق، لضمان استجابةٍ أكثر عدالة وشمولًا. وفي

ما يلي توضيح لأبرز العوائق التي حالت دون الاستجابة الإنسانية الفعّالة بقيادة محلّية في القطاع.

ثالثًا: ال

وعائق التي تحول دون الاستجابة الإنسانية الفعالة بقيادة محلّية

1. استخدام إسرائيل للعمل الإنساني سلاحًا

لم تعد سياسات الحصار وتعطيل المساعدات في غزّة نتائج جانبية للحرب، فحسب، بل صارت جزءًا

بنيويًا من استراتيجية إسرائيل في إدارة الصراع؛ إذ يتّضح من سلوك الدولة المحتلّة تجاه المساعدات

الإنسانية، أنها توظّف الحاجات الأساسية للسكان، مثل الغذاء والماء والدواء، سلاحًا ممنهجًا

للضغط السياسي والعسكري، وهو ما يمثل تحوّلًا خطرًا في مفهوم الحرب التقليدية، ليشمل أدوات

"غير قتالية"، لها آثار مدمّرة في المدنيين. وفقًا لتقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية The United Nations Office for

the Coordination of Humanitarian Affairs, OCHA، تحتاج غزة، في الحدّ الأدنى، إلى نحو

500 شاحنة مساعدات يوميًا لتغطية الاحتياجات الأساسية للسكان المحاصرين. ومع ذلك، فإن

ما يُسمح بدخوله يراوح بين 100 و 150 شاحنة، أي أقل من 20 في المئة من الحاجة، في مشهد يعبّر

بوضوح عن سياسة "التجويع المنهجي" التي تمارسها إسرائيل، ليس بوصفها ردّة فعل مؤقتة بل نهجًا

مستمرًا ومخطّطًا له. لقد تجاوز هذا السلوك الإهمال الإنساني، ليشكّل نمطًا من الاستهداف المتعمّد

(((3 شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، "التقييم الأولي السريع لمنظمات المجتمع المدني في قطاع غزة"، دراسة حالة (أيار/ مايو 2024)، شوهد في 2025/9/9، في: https://tinyurl.com/45cxnumx

للمدنيين عبر سلبهم مقوّمات البقاء، على نحو يرقى قانونيًا إلى جريمة حرب بموجب المادة رقم (8)

من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، كما أكّد تقرير هيومن رايتس ووتش. تتعزّز الأدلّة على هذا الاستخدام المتعمّد للعمل الإنساني سلاحًا، بالوقائع اليومية التي وصفتها تقارير كثيرة متطابقة: شاحنات المساعدات التي تنتظر أيامًا عند معبر كرم أبو سالم، والتفتيش المرهق الذي يؤدي إلى تلَف الشاحنات أو تأخيرها، والاعتداءات المتكررة على قوافل المساعدات، بل

الاستهداف المباشر لها، في خرقٍ فاضح لقواعد القانون الإنساني الدولي، لا سيما اتفاقية جنيف الرابعة التي تُلزم قوة الاحتلال بتأمين إيصال المساعدات إلى السكان الواقعين تحت الاحتلال. والأخطر مما تقدّم أنّ التعامل مع هذه الجريمة لا يزال "خجولًا وباهتًا"، من دون أيّ إجراءات دولية فاعلة لإجبار إسرائيل على احترام التزاماتها بوصفها قوّة محتلة، ما يعكس خللًا بنيويًا في نظام العدالة الدولية، ويمنح سلطات الاحتلال هامشًا واسعًا للإفلات من العقاب. ونتيجة لذلك، يعيش اليوم أكثر من مليونَي إنسان في مساحة تقَّدَر بنحو 25–20 في المئة من مساحة غزة، يعاني معظمهم سوَء

التغذية، ويعيشون تحت خط المجاعة المحققة بحسب برنامج الأغذية العالمي، في ظل شلل سياسي دولي. وكما تمّت الإشارة إلى ذلك، ليست هذه السياسات عشوائية أو طارئة، بل هي امتداد لعقيدة إسرائيلية راسخة منذ بدء الحصار على غزة عام 2007، حين تعاملت مع القطاع على أنه كيان عدائي جماعي، لا بيئة مدنية مأهولة، فحوّلته إلى "مختبر للضبط والسيطرة الجماعية"، تَستخدم فيه المساعدات الإنسانية أداةً للإخضاع والتحكّم، وليس حًّقًا إنسانيًا مكفولًا. يَظهر دور المنظمات المحلية في هذا السياق بوصفه عاملَ مقاومة، حيث برزت في هيئة البديل الأكثر مرونة في مواجهة القيود الإسرائيلية، بخلاف المنظمات الدولية التي غالبًا ما تنسحب

كلّما وقعت تحت التهديد أو الضغط. فقد استمر العديد من الجمعيات والمؤسسات المحلية في تقديم المساعدات، وإن كانت في حدّها الأدنى، ما يعكس شجاعة فاعليها، لكنه أيضًا يفضح النظام الإنساني الدولي الذي بدا عاجزًا عن تأمين الحماية أو ضمان الوصول الآمن. تأتي هذه الحالة من استخدام المساعي الإنسانية سلاحَ حرب، امتدادًا للسياسات الإسرائيلية منذ فرضها الحصار على قطاع غزّة قبل نحو سبعة عشر عامًا. فمنذ ذلك الوقت، تعاملت إسرائيل مع القطاع على

(34) Human Rights Watch, "Gaza: Israelis Attacking Known Aid Worker Locations: End Unlawful Attacks, Ensure Accountability," 14/5/2024, accessed on 29/1/2025, at: https://bit.ly/3PUFCQo (35) Ibid.

(((3 غسان الكحلوت، "انحسار الفضاء الإنساني في غزة تحت الحصار"، سياسات عربية، مج  8، العدد 45 (تموز/ يوليو 2020)، ص.79–67 (((3 برنامج الأغذية العالمي، "المجاعة وشيكة في شمال غزة: تقرير جديد يحذر"، تقرير، 2024/3/18، شوهد في 2024/12/21،

في: https://shorturl.at/yygVm (38) "UN Humanitarian Chief Delivers 'Apocalyptic' Warning over Gaza Aid," The Guardian , 19/5/2024, accessed on 21/12/2024, at: https://shorturl.at/mIXQ6n

أنه معسكر خالٍمن المدنيين، وبدأت في إجراءات عقابية جعلته أشبه بسجنٍمفتوح. ظهرت خلال ذلك الوقت المنظمات المحلية بدائلَ من المنظمات الدولية التي تتأثر أكثر بالقيود الإسرائيلية، وهو ما اتّضح خلال الحرب الحالية، حيث تولّت المنظمات المحلية جهود الإغاثة الإنسانية حتى في المناطق التي طلبت إسرائيل إخلاءها، فاستجابت المنظمات الدولية، مثل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى "الأونروا" واللجنة الدولية للصليب الأحمر، في حين ظلت المنظمات المحلية تعمل، وإن كان على نطاق محدود، في مختلف مناطق القطاع. يروي سائق إحدى شاحنات الإغاثة: "ننتظر ساعات طويلة على المعابر، ثم نُجبَر على تفريغ نصف

الحمولة، وفي مرات أخرى نتعرض لإطلاق النار ونحن نحاول إيصال المساعدات". هذا التعطيل المتعمّد هو جزء من الحرب على الفلسطينيين في غزة. وتبقى التحركات الدولية خجولة وعاجزة عن

إجبار الاحتلال الإسرائيلي على احترام التزاماته القانونية بوصفه قوة احتلال بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، كما تمّت الإشارة إلى ذلك. ومع استمرار العدوان والتدمير الممنهج، لا تبدو غزة على شفا

مجاعة شاملة، فحسب، بل هي تواجه خطرًا وجوديًا، قد يحوّلها إلى منطقة طاردة للحياة وغير صالحة

للعيش، يُجبر أهلها على الهجرة أو الموت البطيء وسط صمت دولي مخجل.

2. انهيار شامل للبنية التحتية والخدمات الأساسية

تسببت الحرب الحالية على غزة في انهيار شامل للبنية التحتية والخدمات الأساسية، ما جعل عمليات الإغاثة الإنسانية أشد تعقيدًا، وعرقل وصول المنظمات المحلّية إلى السكان الأكثر احتياجًا. فقد أدّى

الدّمار الممنهج الذي استهدف الطرق والمستشفيات ومراكز الإيواء وشبكات الاتصالات إلى تفاقم الأزمة الإنسانية على نحو غير مسبوق، حيث أصبحت المناطق الأشد تضرّرًا معزولة تمامًا. ووفقًا

لتقديرات مكتب الأمم المتحدة، أصبح أكثر من 65 في المئة من الطرق الرئيسة في قطاع غزة غير صالح للاستخدام نتيجة القصف المتواصل. وتعرّضت الطرق التي تربط بين شمال القطاع وجنوبه،

بما في ذلك الطريق الواصلة عبر "ممر نيتساريم"، إلى دمار واسع، ما حال دون نقل المساعدات إلى مناطق النزوح الكثيفة. ويصف محمد عبد الفتاح الوضع قائلًا: "نعمل في ظروف صعبة للغاية. الطرق مدمّرة بالكامل، ما يضطرنا أحيانًا إلى استخدام عربات بدائية أو حمل المساعدات على الأكتاف

للوصول إلى النازحين. تخيّل أنّنا نقضي ساعات لنقل المساعدات مسافة لا تتجاوز بضعة كيلومترات

بسبب دمار الشوارع".

(((3 إيلان بابيه، أكبر سجن على الأرض: سردية جديدة لتاريخ الأراضي المحتلة (عمّ ان: الأهلية للنشر والتوزيع، 2020)،

ص.332–327 (((4 أحمد المخللاتي، سائق شاحنة إغاثية في قطاع غزّة، مقابلة عبر الهاتف،.2024

(41) Yara M. Asi, "Hunger in Gaza and the Ongoing Weaponization of Aid," Arab Center Washington DC, 20/6/2025, accessed on 22/7/2025, at: https://tinyurl.com/ykh3rfpa (42) UN Satellite Centre, "Occupied Palestinian Territory: Road Damage Assessment, Gaza Strip," Imagery Analysis , 18/8/2024, accessed on 22/12/ 2024, at: https://shorturl.at/2pveL

(((4 محمد عبد الفتاح، عامل إغاثي في قطاع غزّة، مقابلة عبر الهاتف،.2024

وتعرّض القطاع الصحي أيضًا لانهيار كارثي، حيث أكدت منظمة الصحة العالمية أّن 36 مستشفى

ومركزًا صحيًا تعرّضت للدمار الجزئي أو الكامل، ما أدى إلى تعطيل خدمات الرعاية الصحية.

وتؤدّي المستشفيات العاملة، مثل مستشفى الشفاء ومستشفى ناصر، خدماتها بأقل من 30 في المئة من طاقتها التشغيلية، حيث تواجه نقصًا حادّا في الوقود اللازم لتشغيل مولّدات الكهرباء، وهو ما دفع بعضها إلى إيقاف خدماتها الأساسية. وقد أوضح عبد الله الكاشف ما عاشه، قائلًا: "كان أمامنا مئات الجرحى، لكن لا نملك ما يكفي من الكهرباء والأدوية لإسعافهم. نحن مضطرون إلى الاختيار بين من يعيش ومن يموت". لم يسلم قطاع المياه والصرف الصحي من التدمير أيضًا. إذ تشير تقارير اليونيسف إلى أن 90 في المئة من سكان غزة حُرموا من الوصول إلى مياه نظيفة، بعد أن تعطّلت

شبكات المياه والصرف الصحي تعطّلًا شبه كامل. وقد أدّى هذا الوضع إلى انتشار الأمراض المعدية، خاصة في مراكز الإيواء المكتظة. ويقول أحد النازحين في مدرسة تابعة للأونروا: "نعيش مع مئات العائلات في مكان واحد، ولا توجد مياه للشرب، ولا مراحيض صالحة للاستخدام. أطفالنا مرضى، والأطباء عاجزون عن مساعدتنا". من جهةٍ أخرى، أدّى القصف المستمر إلى تدمير أكثر من 70 في المئة من شبكات الكهرباء، ما ترك معظم مناطق القطاع غارقة في الظلام. وأصيب قطاع الاتصالات أيضًا بشلل شبه تام، حيث تمّ تدمير محطات البثّ وشبكات الإنترنت، ما أدّى إلى انقطاع التواصل بين فرق الإغاثة ومراكز التنسيق. وقد أعاق هذا الانقطاع عمليات جمع المعلومات الميدانية والتنسيق بين المنظمات المحلية والدولية. وتعليقًا على هذا الانهيار، صرّح مارتن غريفيث Martin Griffiths، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة

السابق للشؤون الإنسانية، قائلًا: "لا يستهدف تدمير البنية التحتية في غزة المرافق الأساسية فحسب، بل يجرّد السكان من أبسط حقوقهم الإنسانية، ويجعل من الصعب إيصال المساعدات إلى من هم في

أمسّ الحاجة إليها". لم يقتصر انهيار البنية التحتية على عرقلة جهود الاستجابة الإنسانية، بل أدّى أيضًا إلى عزلة مجتمعات بأكملها، خاصة في شمال القطاع. فالمناطق التي تشهد أعنف الاشتباكات أصبحت "مناطق محظورة"، يصعب الوصول إليها، حتى بالنسبة إلى المنظمات الأكثر خبرة في العمل الإنساني. ويُظهر هذا الواقع حجم التحدي الذي تواجهه المنظمات المحلّية في ظل دمار كامل للوسائل اللوجستية الأساسية، ما يفرض عليها البحث عن حلول بدائية في ظل غياب الدعم الدولي الكافي. وبناء عليه، لا يمكن النظر إلى انهيار البنية التحتية على أنّه أثر جانبي للحرب، بل هو جزء من استراتيجية منهجية تهدف إلى عزل السكان وتجريدهم من وسائل البقاء.

(44) World Health Organization, "Six Months of War Leave Al–Shifa Hospital in Ruins, WHO Mission Reports," 6/4/2024, accessed on 22/12/2024, at: https://shorturl.at/4qc2w

(((4 عبد الله الكاشف، طبيب يعمل في قطاع غزّة، مقابلة عبر الهاتف،.2024 (((4 محمد مشتهى، نازح في مدرسة تابعة للأونروا، مقابلة عبر الهاتف،.2024

(47) "UN Humanitarian Chief Delivers 'Apocalyptic' Warning over Gaza Aid."

3. نقص الموارد والمعدات

في ظل الحرب الحالية على غزة، يُعتبر نقص الموارد والمعدات أحد أبرز التحديات التي تقوّض قدرة

المنظمات المحلية على أداء دورها في الاستجابة الإنسانية بفاعلية وكفاءة. ويتطلّب الوضع الكارثي على الأرض إمدادات هائلة من الوقود والغذاء والدواء والمعدّات اللوجستية. إّلا أنّ الحصار والقيود الإسرائيلية المشددة على دخول المساعدات، منعا وصول هذه الاحتياجات الأساسية، ما أدّى إلى استنزاف المخزون المتوافر وعرقلة جهود الإغاثة في مختلف أنحاء القطاع. تُعتبر أزمة الوقود العامل الأشد تأثيرًا في العمل الإنساني في غزة. فقد أدّى القصف المستمر وإغلاق

المعابر إلى توقّفٍ تامّ لوصول الوقود اللازم لتشغيل المركبات والمولدات الكهربائية والمعدّات الطبية. ووفقًا لتقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تحتاج غزة يوميًا إلى 120 ألف

لتر من الوقود لتشغيل المرافق الأساسية، بينما يراوح ما يدخل إلى القطاع بين 5 و 10 في المئة من الاحتياجات اليومية. في هذا السياق، يوضح سائد الترتوري: "كان لدينا مخزن مساعدات، لكننا لم نستطع التوزيع بسبب انعدام الوقود. بطبيعة الحال اضطررنا إلى نقل المساعدات على عربات تجرّها

حيوانات أو حتى يدويًا، وهو ما يستغرق ساعات طويلة للوصول إلى أماكن الإيواء". إلى جانب أزمة الوقود، أدى انقطاع إمدادات الأدوية والمعدات الطبية إلى انهيار شبه كامل للقطاع الصحي. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن 70 في المئة من المرافق الصحية في غزة باتت غير قادرة على تقديم الرعاية الأساسية بسبب نقص الأدوية والمستلزمات الطبية. ويؤكد همام ماجد ذلك بقوله: "المستشفيات فارغة. نُجري عمليات جراحية من دون تخدير، ونضطر إلى استخدام أدوات غير معقّمة بسبب نقص المعدات. حتى الكمادات الطبية أصبحت من الرفاهيات. إنقاذ حياة شخص واحد أصبح تحديًا يوميًا". وتواجه المنظمات المحلية صعوبات بالغة في توفير الغذاء والمياه للنازحين. ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أنّ المخزون الغذائي في غزة أوشك على النفاد في أكثر من مرة، حيث لم يتم إدخال سوى 10 في المئة من الاحتياجات الغذائية منذ بداية الحرب. ويفيد متطوّع في منظمة إغاثية محلّية، متحدثًا

عن الأزمة: "نوزّع حصصًا غذائية تكفي لعائلة ليوم واحد فقط. عندما تصل إلى مركز الإيواء. ترى آلاف العائلات تتشارك في ما هو متوافر. لا مياه نظيفة، ولا طعام كاف، ومع ذلك نحاول أن نفعل المستحيل بما لدينا". من جهة أخرى، تفتقر المنظمات المحلية إلى المعدات اللوجستية اللازمة للاستجابة السريعة، مثل الخيام والأغطية ومعدّات الإنقاذ. ففِرق الدفاع المدني، على سبيل المثال، تعمل بأدوات بدائية للغاية في محاولاتها لإنقاذ العالقين تحت الأنقاض. يقول أحد أفراد الدفاع المدني: "نستخدم أيدينا

(((4 الترتوري. (((4 همام ماجد، طبيب يعمل في مركز صحي مؤقت في قطاع غزّة، مقابلة عبر الهاتف،.2024 (((5 أحمد السوسي، متطوع إغاثي في قطاع غزّة، مقابلة عبر الهاتف،.2024

وأدوات بسيطة، مثل المعاول في البحث تحت الركام. لا نملك معدات حديثة أو أجهزة للكشف عن الأحياء تحت الأنقاض. الوقت ينفذ منا، والضحايا يموتون بينما نحاول إنقاذهم". في ظل هذه الظروف، أدّى النقص الحاد في الموارد والمعدات إلى تراجع فاعلية الاستجابة الإنسانية، ما زاد من معاناة السكان المتضررين الذين باتوا يواجهون أزمة متعدّدة الأبعاد، تشمل الجوع والمرض، وفقدان المأوى. وتجد منظمات الإغاثة المحلية نفسها، على الرغم من خبرتها ومعرفتها الدقيقة بالواقع على الأرض، عاجزةً أمام ضخامة الاحتياجات وانعدام الدعم اللوجستي والتمويل الكافي. يشير خبراء العمل الإنساني إلى أنّ هذا الوضع ساهم في انهيارٍ كامل للمنظومة الإنسانية في القطاع. وبحسب خبير إنساني، "تقوم المنظمات المحلية بعمل بطولي، لكنها تحتاج إلى الموارد والدّعم. فتوفير الوقود والأدوية والمعدات هو الحد الأدنى المطلوب لضمان استمرار هذه الجهود الإنسانية

الشجاعة [...] إن نقص الموارد لا يُعتبر مجرّد عائقٍ أمام عمليات الإغاثة، بل هو انعكاس لأزمة أعمق

تتعلق بتجاهل المجتمع الدولي لاحتياجات غزة العاجلة". ومع استمرار غياب حلول مستدامة وفتح ممرات إنسانية دائمة، يظل العمل الإنساني محكومًا بقدرات محدودة، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات يومًا بعد آخر، ما يهدّد بتحوّل الوضع في غزة إلى مأساة إنسانية يصعب احتواؤها.

4. المخاطر الأمنية والتهديدات للعاملين في المجال الإنساني

تعمل المنظمات المحلية في قطاع غزة في بيئة عملياتية بالغة الخطورة، حيث يتعرّض العاملون في

المجال الإنساني لاستهداف ممنهج ومباشر منذ اندلاع الحرب في تشرين الأول/ أكتوبر.2023 وتصف منظمة الصحة العالمية الوضع بقولها: "غزة أصبحت أحد أخطر الأماكن في العالم على حياة العاملين في المجال الإنساني". وتشير البيانات الرسمية إلى أن ما لا يقلّ عن 196 عاملًا إنسانيًا،

معظمهم من الفلسطينيين، قُتلوا خلال الشهور الستة الأولى من الحرب، بينما أ صيبَ مئاتٌ آخرونُ في أثناء تأدية مهماتهم. وتُظهر التقارير الميدانية أن قوات الاحتلال الإسرائيلي تتعمّد استهداف الفرق الإنسانية، على الرغم من تنسيقها المسبق، ووضوح هوياتها. وتفيد التقارير الحقوقية بأن الاعتداءات على العاملين الإنسانيين ترقى إلى "جريمة حرب"؛ إذ إنّ مقترفيها يرتكبونها على نحو متكرر لا مبرّر له. يقول الترتوري: "نخاطر

بحياتنا لإيصال المساعدات. في إحدى المرات، تعرّضنا لقصف مباشر بينما كنّا نوزع الطرود الغذائية.

فقدنا زميلًا وُأصبتُ أنا بشظايا. ومع ذلك، نواصل العمل لأن الناس يحتاجونناُ". لكنّ المخاطر الأمنية تتجاوز الاستهداف المباشر، لتشمل بيئة النزاع العشوائية. فقد أفادت الأمم المتحدة أن الغارات

(((5 رائد الدهشان، أحد أفراد الدفاع المدني في قطاع غزّة، مقابلة عبر الهاتف،.2024 (((5 عكاشة.

(53) UNRWA, "UNRWA Situation Report #142 on the Situation in the Gaza Strip and the West Bank, Including East Jerusalem," 4/10/2024, accessed on 14/10/2024, at: https://acr.ps/1L9BPQu

(((5 الترتوري.

الجوية الكثيفة تحوّل كلّ موقع إلى "هدف محتمل"، ما يُجبر فرق الإغاثة على التنقّل وسط الدمار الهائل

وتجنّب الطرق المستهدفة. ويشرح مسؤول في منظمة إنسانية محلية هذا الوضع، قائلًا: "كل مهمّة

توزيع مساعدات تُعتبر مغامرة. نتحرك من دون ضمانات أمنية، معتمدين على معلومات متناقضة. حتى السيارات التي تحمل شارات الأمم المتحدة والهيئات الإنسانية لم تسلم من الاستهداف". يزداد هول الضغوط النفسية التي يواجهها العاملون الإنسانيون، حيث يُضطر العديد منهم إلى العمل

في ظروف تتسم بانعدام الأمن بعد أن فقدوا عائلاتهم أو منازلهم. إذ تقول موظفة إغاثة في مؤسسة

خيرية: "نحن نعيش المأساة نفسها التي نعمل على التخفيف منها. أنفّذ توزيع المساعدات صباحًاُ،

وأعود مساءً إلى مركز إيواء يفتقد أبسط مقوّمات الحياة. كيف يمكننا الاستمرار في هذه الظروف؟". في مواجهة هذه الأوضاع، أظهرت طواقم عمّال الإغاثة الإنسانية شجاعةً غير مسبوقة، متحدّيةً القيود

الإسرائيلية. فحين وجّهت القوات الإسرائيلية أولى بلاغاتها بضرورة إخلاء مناطق شمال قطاع

غزّة كلّها، وتِبعًا لذلك استجابت المنظمات الدولية، بقيت المنظمات المحلية، مثل الهلال الأحمر

الفلسطيني، تعمل في المناطق الشمالية، وهو ما يُعدّ وسيلةً لإبقاء السكان وحمايتهم من النزوح

قسريًا. يتوافر هامشٌ من الحرية في العمل لدى المنظمات المحلية، فهي لا ترتبط بمقارّ مركزية تعمل

خارج قطاع غزّة، ما يتيح لها استقلالية في القرار بناءً على معطيات الواقع، حيث يكون محرّك عملها

الأساسي هو ما يحتاج إليه المتضررون على الأرض. على الرغم من ذلك، تواجه الفرق الإنسانية تحديات إضافية تتعلق بالعوائق اللوجستية. فبسبب القصف المستمر، تُعتبر عمليات التنقل بين شمال غزة وجنوبها شبه مستحيلة، ما حرم مئات آلاف الغزّيين من الحصول على المساعدات العاجلة. ووفقًا لتقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإنّ أكثر من 75 في المئة من سكان شمال القطاع، لم تصلهم أيّ مساعدات بسبب

المخاطر الأمنية واستهداف القوافل الإنسانية. وفي حادثة وُصفت بأنها "الأكثر مأساوية"، حيث قُتل

ستة موظفين من منظمة "المطبخ المركزي العالمي" World Central Kitchen، نتيجة قصف مباشر أصاب مركبتهم التي ترفع شعار المنظمة، في أثناء محاولتهم توزيع مساعدات في جنوب القطاع، علّق جوزيه أندريس، مؤسس المنظمة، قائلًا: "ما حدث هو جريمة مروعة. العمل الإنساني يجب أن يكون محمًّيًا وفقًا للقوانين الدولية. استهداف العاملين الإنسانيين هو استهداف للإنسانية جمعاء".

5. ضعف التنسيق والاتصال

أشار العاملون في الحقل الإنساني في قطاع غزة إلى أنّ تدمير البنية التحتية أدّى إلى انقطاعٍ شبه كامل في الاتصالات، ما حال دون إيصال المساعدات في الوقت المناسب. وقال أحد الموظفين

(((5 المرجع نفسه. (((5 إيمان خضير، موظفة إغاثية في منظمة خيرية في قطاع غزّة، مقابلة عبر الهاتف،.2024 (((5 "قتل أعضاء فريق المطبخ المركزي العالمي امتداد لنهج إسرائيلي يتعمّد استهداف العمل الإنساني والإغاثي في قطاع غزة"،

مؤسسة الحق القانون من أجل الإنسان، 2024/4/2، شوهد في 2025/6/19، في: https://tinyurl.com/4w68p55b

الميدانيين موضحًا: "من دون اتصالات أو طرق صالحة للسير، تصبح عملية توزيع المساعدات أشبه

بالمستحيلة، نجحنا في الوصول إلى بعض المناطق بطرقٍ بديلة، لكننا لم نتمكّن من الوصول إلى جميع المحتاجين". وبفعل استهداف القصف الإسرائيلي لبنية الاتصالات، يواجه العمل الإنساني في القطاع مشكلةً حادّة في ضعف التنسيق والاتصال بين المؤسسات المحلية والدولية، بل حتى بين المؤسسات المحلية نفسها. ووفقًا لدراسة أجراها مركز السياسات الإنسانية في آذار/ مارس 2024، أفاد 65 في المئة من العاملين في المجال الإنساني بأنّ غياب التنسيق بين المنظمات، أدّى إلى ازدواجية الجهود في بعض المناطق، وحرمان مناطق أخرى من المساعدات تمامًا. وتشير تقارير من العاملين إلى أن غياب منصّات مشتركة للاتصال والتنسيق بين المنظمات الدولية والمحلية يؤدي إلى

حالةٍ من الفوضى في توزيع المساعدات. كما أن محدودية قنوات الاتصال مع المستفيدين أنفسهم تسببت في صعوبة تحديد أولويات الاستجابة الإنسانية. وهو ما أشار إليه أحد ممثلي منظمة إغاثية محلّية، بقوله: "الافتقار إلى التنسيق يجعل العمل غير فعّال تمامًا". في داخل المؤسسات نفسها، يواجه الموظفون تحديات كبيرة في الاتصال والتنسيق الداخلي. ويشير أحد العاملين في مؤسسة إغاثية محلية إلى أنّ: "الانقطاع المتكرر للاتصالات، يؤدي إلى سوء توزيع المهمات وتأخير في اتخاذ القرارات، وهو ما يؤثر سلبيًا في سرعة الاستجابة

الإنسانية". من جانب آخر، يرى المستفيدون أنّ ضعف التنسيق بين المؤسسات، يعزّز عدم الثقة بالعمل الإنساني. ويوضح أحد النازحين من شمال غزة: "نسمع عن مساعدات تصل إلى أهلنا في الجنوب، بينما نحن هنا في الشمال لم يصلنا شيء منذ شهور، أوشكنا على الموت جوعًا". ويعزو بعض الخبراء ضعف التنسيق إلى غياب هياكل تنظيمية مشتركة تجمع بين المنظمات الدولية والمحلية، إضافة إلى تراجع دور الحكومة المحلّية بسبب الحرب. في هذا الصدد، يقول أحد مسؤولي التنسيق في منظمة دولية: "نحن نواجه صعوبة كبيرة في إيجاد شركاء محلّيين يمكن الاعتماد عليهم، بسبب تدمير مقارّهم أو نزوح موظّفيهم. وضعف تبادل البيانات، يزيد من صعوبة التخطيط الفعّال لتقديم المساعدات". والثابت أيضًا أن إسرائيل اتّخذت إجراءات منعت أيّ جهدٍ تنسيقي منظّم على الأرض. والدليل الأبرز على ذلك هو حادثة اغتيال قائد الشرطة، فائق المبحوح، في 18 آذار/ مارس 0242، الذي كان مسؤول عن محاولة تنسيق عمليات توزيع المساعدات الإنسانية لضمان وصولها إلى مستحقّيها. تُبرز هذه الحادثة بوضوح أن الاحتلال الإسرائيلي يتعمّد تقويض جهود التنظيم المحلية للاستجابة الإنسانية،

(((5 الترتوري. (((5 المرجع نفسه. (((6 ياسين عودة، نازح من شمّال قطاع غزّة، مقابلة عبر الهاتف،.2024 (((6 سائد صالح، منسق في منظمة دولية، مقابلة عبر الهاتف،.2024 (((6  "فائق المبحوح.. لواء شرطة في غزة اغتالته إسرائيل"، الجزيرة، 2024/3/19، شوهد في 2025/7/27، في:

https://shorturl.at/3y9Fv

حيث يعكس الاستهداف المباشر لموظفي التنسيق استراتيجية ممنهجة لتحييد أيّ جهد يخفف من حدّة الأزمة الإنسانية. في هذا الصدد، أكّدت شهادات بعض العاملين في المجال الإنساني أنّ عمليات التنسيق باتت محفوفة بالمخاطر، بل تكاد تكون مستحيلة في غالبية مناطق القطاع، ما أدّى إلى مزيد من الفوضى في توزيع المساعدات، حيث أ جبر السكان على الاعتماد على قنوات غير منظمة وذات طابع فردي. يقول أحدُ الخبراء المحليين: "اغتيال الشهيد المبحوح أعطى رسالة واضحة مفادها أن الاحتلال الإسرائيلي لن يسمح بأي جهد منظم لضمان وصول الإغاثة. عندما تُستهدف فرق التنسيق، يصبح العمل الإنساني أكثر صعوبة وفوضوية، ويُحرم الآلاف من أبسط حقوقهم في الحصول على المساعدات الضرورية." يمكن فهم ضعف التنسيق والتواصل في سياقٍأوسع غابت عنه قنوات التنسيق بين الفاعلين الإنسانيين المحليين والمؤسسات الدولية أو المانحين في قطاع غزّة حتى خلال فترة ما قبل الحرب الراهنة؛ فقد

أجريت دراسة، عامُ 2021، تشير إلى أن جهود المنظمات المحلية كانت مشتّتة ومحدودة وغير مُرضية للمجتمع الغزّي، وتحديدًا في أوقات الأزمات، وتُرجع ذلك إلى أن استراتيجية إيصال المساعدات إلى المحتاجين غير واضحة، والتواصل مع الحكومة العامِلة على الأرض، ومع إدارة المنظمات الدولية ضعيف. وقد كان ذلك في السياق نفسه الذي تبنّت فيه المنظمات غير الحكومية سياسة عدم التواصل مع حكومة حركة حماس منذ عام 2007. تصاعدت وطأة المجاعة الإنسانية في قطاع غزة بحدّة، خصوصًا بعد بدء عمل منظمة "غزة الإنسانية" الأميركية، سيئة السمعة داخل القطاع. ففي ظل تجاهلٍ واضح للمنظمات الإنسانية الدولية ذات الخبرة، اختارت إسرائيل، بدعمٍ من الولايات المتحدة، الاعتماد على مؤسسة خاصة، تفتقر إلى الكفاءة والصدقية، أثارت شكوكًا واسعة بشأن دورها وأهدافها. فقد تحوّلت مواقع توزيع المساعدات التي أشرفت عليها تلك المؤسسة إلى مواقع قتل جماعي ومصائد للموت، يطلق فيها الحراس العاملون بالمنظمة نفسها الرصاصَ على فلسطينيين جائعين خلال محاولتهم الحصول على الغذاء. إنّ ما جرى لا يمثل إخفاقًا في تلبية الاحتياجات الإنسانية، فحسب، بل يكشف عن سياسة متعمّدة تقوم على توظيف العمل الإغاثي بوصفه وسيلة للضبط، واستغلال الجوع أداةً للهيمنة، وسط غياب كامل للمحاسبة أو المساءلة الدولية.

(63) Alaa I. AbuRamadan & Mohammed El–Mougher, "Level of Coordination between the Humanitarian and Governmental Organizations in Gaza Strip and Its Impact on the Humanitarian Interventions to the Internally Displaced People (Idps) Following May Escalation 2021," International Journal of Disaster Risk Management , vol. 4, no. 2 (2022), pp. 16–34, accessed on 14/10/2024, at: https://acr.ps/1L9BPCI

(((6 أسامة أبو ارشيد، "توجّهات السياسة الخارجية الأميركية نحو غزة بعد عام "2007، سياسات عربية، مج  8، العدد 45 (تموز/ يوليو

2020)، ص.138–126

(65) Peter Beaumont, "Israel Trying to Deflect Blame for Widespread Starvation in Gaza," The Guardian , 25/7/2025, accessed on 27/7/2025, at: https://shorturl.at/R7CKx

6. شحّ التمويل الذي تتلقّاه المنظمات المحلّية

تعاني المنظمات الفلسطينية المحلية في غزة شًُّحًا حاًّدًا في التمويل في ظل العدوان الإسرائيلي المستمر وإغلاق المعابر والحدود أمام تدفّق المساعدات الإنسانية والمالية. وعلى الرغم من قدرتها على الوصول إلى المناطق الأكثر تضررًا وخطورة، فإنها تظل تواجه عوائق بنيوية تتعلق بالتمويل المباشر وغياب القنوات الرسمية لتحويل الأموال إلى القطاع. ويُشار هنا إلى أنّ نحو 80 في المئة من التمويل الدولي يخَّصَص للمنظمات الدولية وتلك التابعة للأمم المتحدة، بينما تحصل المنظمات الفلسطينية المحلية على أقل من 20 في المئة، وهو ما يحدّ من قدرتها على تقديم الإغاثة ومواجهة الأزمة المتفاقمة. في مواجهة هذه الفجوة، تعتمد المؤسسات الفلسطينية المحلّية على شبكات دعم غير رسمية، تتكوّن من التبرعات الفردية والجماعية من الفلسطينيين في الشتات، إلى جانب مجتمعات إسلامية وعربية حول العالم. وتُعتبر هذه الشبكات شريانَ حياة رئيسًا، يموّل جزءًا من عمليات الإغاثة العاجلة في

غزة، إّلا أن هذه الأموال تواجه تحديات جمّة للوصول إلى القطاع. إذ يصف جبر قديح المعاناة، قائل: "نضطر إلى الاعتماد على الحوالات القادمة من متبرعين فلسطينيين وعرب في الخارج، لكنّ تحويل الأموال عملية معقّدة للغاية. البنوك مغلقة منذ أكثر من عام، والمعابر تخضع لرقابة مشددة، ما يجعل وصول أيّ مبلغ يستغرق أسابيع، بل أحيانًا يُمنع تمامًا". مع استمرار إغلاق البنوك، تُنقل الحوالات المالية من خلال وسطاء محليين أو تجار يتقاضون نسبًا

ضخمة، تصل إلى 40 في المئة من قيمة التحويل، مستغلّين حاجة الفلسطينيين الماسّة إلى السيولة. ويزداد هذا الوضع تعقيدًا بسبب نُدرة العملات الورقية في غزة، حيث تضاءل تداول الدينار الأردني والدولار الأميركي والشيكل الإسرائيلي، نتيجة الحصار واحتجاز الاحتلال الإسرائيلي الأموال والتحويلات النقدية، وهو ما دفع بالعديد من العائلات إلى بيع ما تبقّى لديها من ممتلكات صغيرة أو مدّخرات بأسعار زهيدة لسدّ احتياجاتها الأساسية. وقد خلقت هذه الحالة آليات جديدة يتعامل من خلالها موظفو المنظمات المحلية مع تحديات التمويل. فعلى الرغم من أن قضايا التمويل مثّلت عائقًا رئيسًا أمام توطين الجهود الإنسانية، فإنها خلال الحرب الحالية لا تقتصر على التعبير عن القضايا التقليدية الخاصة بالعلاقة مع المموّلين

وشروط التمويل وهيمنة المنظمات العالمية ومصاريف تشغيلها، بل تعبّر عن حالةٍ أعمق تتمثل

في انهيار الطرائق التقليدية الخاصة بإيصال أموال المساعدات الإنسانية. وفي مثل هذا الوضع، يختلط السياسي بالإنساني، حيث تساهم السياسة الإسرائيلية العاملة على منع عمل قنوات

(((6 جبر قديح، مسؤول في مؤسسة محلية في قطاع غزّة، مقابلة عبر الهاتف،.2024 (((6 المرجع نفسه. (((6 يارا السالم، "سياسة الدعم والتمويل الغربية: ما قبل، والآن، وما بعد"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد  137 (شتاء 2024)، ص.221–220

الصرف التقليدية في خلق أزمة تعوّق تيسير الجهود الإنسانية، وتحدّ من قدرة المنظمات على التعامل معها. ويذكر تقرير صادر عن شبكة التنمية الاقتصادية في فلسطين أنّ نسبة التعاملات التجارية التي تعتمد على المقايضة في غزة ارتفعت بنسبة 30 في المئة خلال ستة شهور، بسبب شحّ السيولة النقدية. وقد أدّى هذا النقص الحادّ في العملات الورقية إلى نشأة سوق سوداء، يتحكّم فيها تجارٌ يستغلّون الوضع الراهن لتحقيق مكاسب ضخمة، كما يشرح محمد عبد الفتاح: "إذا أردت الحصول على تحويل مالي بقيمة 100 دولار، فستحصل فعليًا على 60 دولارًا فقط بسبب جشع الوسطاء وندرة العملة، وهو

ما يؤثر في مصير الناس ومعيشتهم". تُظهر هذه الأوضاع أن استمرار الحرب وإغلاق البنوك منذ أكثر من عام، لم يدمّر الاقتصاد المحلي، فحسب، بل زاد أيضًا من اعتماد الفلسطينيين على آليات غير نظامية ومُكلفة للحصول على أموالهم. وفي ظل غياب رقابة قانونية أو سياسات تسهّل تحويل التبرعات، باتت الموارد المالية تتسرّب إلى جيوب الوسطاء والتجار، تاركةً المنظمات المحلّية في

حالة عجز تام عن تلبية احتياجات الناس.

7. سرقة المساعدات الإنسانية

يعكس تدهور الوضع الإنساني في قطاع غزة مستويات غير مسبوقة من المعاناة في ظل استمرار الحصار والتصعيد العسكري الإسرائيلي. ومع تزايد الاعتماد على المساعدات الإنسانية بوصفها آخر

ملاذٍ للفلسطينيين هناك، تظهر ممارسات جديدة تزيد من تعقيد الأزمة، أهمها نهب قوافل المساعدات الإنسانية خلال مرورها عبر المعابر الإسرائيلية، وإعادة بيعها في الأسواق المحلية بأسعار باهظة. ولا تمثّل هذه الظاهرة خرقًا للقانون الدولي الإنساني، فحسب، بل تُعدّ إحدى أدوات تعميق الفقر وإذلال المجتمع الفلسطيني الذي يعيش أصلًا في حالة من الاحتياج الحاّد.ّ تشير شهادات موثّقة أدلى بها عاملون في المنظمات الدولية إلى تكرار حالات اعتراض قوافل الإغاثة، حيث يجري نهب محتوياتها أو إفراغها جزئيًا قبل وصولها إلى مستحقيها. ويعبّر أحد موظفي

الإغاثة العاملين مع الأمم المتحدة عن ذلك، قائلًا: "نواجه صعوبات بالغة في ضمان سلامة قوافل المساعدات. على الرغم من التنسيق المسبق مع السلطات الإسرائيلية لضمان المرور الآمن، غالبًا

ما تُعترض القوافل وتُنهب أثناء مرورها في مناطق محاذية للمعابر، وهو ما يضاعف من إحباط العاملين الإنسانيين ويعرقل جهودنا". وتتّسق هذه الإفادات مع مضامين تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، الذي أشار أكثر من مرة إلى ممارسات منهجية تعوّق تدفّق المساعدات، ما يتنافى

على نحوٍ صارخ مع المادة (59) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تُلزم قوة الاحتلال بضمان وصول الإغاثة إلى المدنيين من دون عوائق.

(((6 محمد عبد الفتاح، عامل إغاثي في قطاع غزّة، مقابلة عبر الهاتف،.2024 (((7 المرجع نفسه.

وبينما تُنهب المساعدات، يجد السكان أنفسهم مضطرّين إلى اللجوء إلى السوق السوداء للحصول على

الاحتياجات الأساسية بأسعار مضاعفة. إذ تقول إحدى النازحات: "المساعدات الغذائية التي كان يجب أن تكون مجانية، تُباع في الأسواق بأسعار لا يقدر عليها أحد. الطحين الذي يُفترض أنه مُهدى للعائلات

المحتاجة، يُباع بأضعاف سعره الحقيقي، ومن لا يملك المال لا يملك حتى الحق في الخبز". في هذه الأوضاع، نشأت شبكات محلّية تمتهن الاتجار بالمعونات، مستفيدة من الفراغ الذي تركه غياب الرقابة وضعف الإدارة. ويرى ياسر اسليم أنّ هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها تفاقمت في السنوات الأخيرة نتيجة الحصار والانهيار الاقتصادي، فيقول: "المعونات أصبحت سلعة تُباع للأغنياء والفئات التي تملك المال، بينما الفقراء الذين تُقدّم لهم هذه المساعدات أصلًا هم من يدفعون الثمن. هذا ليس عقابًا بسيطًا، هذا تجريد للإنسان من كرامته". يُظهر الوضع أنّ المسؤولية عن تدهور الوضع الإنساني لا تقع على الأطراف المحلية الضالعة في

نهب المعونات والاستفادة من بيعها، فحسب، بل تمتد إلى السياسات الإسرائيلية التي تتحكم في تدفق المساعدات. ويشير عماد مهدي إلى مشاهداته عند المعابر، قائلًا: "من المثير للدهشة أنّ نهب المساعدات يحدث تحت حماية جنود الاحتلال. يُسمح للشاحنات بالمرور، لكن من الواضح أّن

أطرافًا تتلاعب بمصير هذه المساعدات، ولا يوجد أيّ مساءلة حول ما يحدث". ومرة أخرى، يعيد

هذا التواطؤ الصامت من قوات الاحتلال تسليط الضوء على الإخلال المتعمّد من طرف إسرائيل

بالتزاماتها القانونية، بوصفها قوة احتلال مسؤولة بموجب القانون الدولي عن حماية مستعمريها وتوفير سبل الحياة لهم. لقد حذّرت الأونروا مرارًا من مخاطر انهيار النظام العام في غزّة، وربطته مباشرة بقدرتها على تنسيق

عمليات توزيع المساعدات الإنسانية. ففي ظرف النزوح الواسع، تعطلّت الآليات المسبقة التي حكمت العمليات الإغاثية في غزّة. وغيّرت الحرب من طبيعة اجتماع الناس، وكذلك في مستوى

احتياجاتهم مع إغلاق حركة التجارة، وهو ما أثّر في المنظمات الدولية على نحو أشد، لأنها تعمل

بمركزية أكبر، بينما تمكّنت المنظمات المحلية من القدرة على العمل، بكمياتٍ إغاثية أقل، لكن بمرونة مناطقية أعلى.

خاتمة

أبرزت هذه الدراسة أن الاحتلال الإسرائيلي يُعدّ الجهة المتحكّمة بالكامل في مسار المساعدات

الإنسانية إلى قطاع غزة، وأن سياساته تهدف على نحو ممنهج إلى تقويض أيّ مساحة للعمل

(((7 نجوى رستم، نازحة من قطاع غزّة، مقابلة عبر الهاتف،.2024 (((7 ياسر اسليم، ناشط مجتمعي، مقابلة عبر الهاتف،.2024 (((7 عماد مهدي، صحافي في قطاع غزّة، مقابلة عبر الهاتف،.2024 (((7 "الأونروا تحذّر من مخاطر انهيار النظام العام في غزة على الإغاثة المنقذة للحياة"، أخبارالأمم المتحدة، 2024/2/12، شُوِه دِ

في 2024/10/4، في: https://tinyurl.com/4bc9b7sj

الإنساني، في إطار استراتيجية هدفها تجويع السكان وإخضاعهم. وعلى الرغم من ضيق هوامش العمل الإنساني في غزة، فإنه قد تبيّن أن التوطين لم يكن خيارًا مؤسسيًا أو توجّهًا إصلاحيًا، بل ضرورة فرضها الواقع الميداني. وهذا يمثل ابتعادًا واضحًا عمّا ورد في الأدبيات التقليدية التي تناولت التوطين باعتباره خيارًا لإصلاح منظومة العمل الإنساني. وكشفت أن ما يجري في القطاع لا يمكن اختزاله في أنه أزمة إنسانية خارجة عن السيطرة، بل هو دلالة واضحة على انتهاء فاعلية النموذج الإنساني الدولي في مواجهة حروب الإبادة المنظمة. لقد حوّل الانهيار شبه الكامل للبنية التقليدية للعمل الإنساني، مقرونًا بغياب الحماية الدولية ومنع وصول المساعدات إلى مستحقيها والاستهداف المباشر للعاملين في المجال الإنساني، العملَ الإنساني من إطار مؤسسي منظم إلى معركة من أجل البقاء. وقد أشارت نتائج الدراسة إلى أن المعوّقات التي حالت دون التطبيق الفعلي لتوطين الاستجابة الإنسانية بفاعلية في غزة، تتمثّل في النقص المبرمج للموارد والمعدات، وتزايد المخاطر الأمنية التي تهدّد العاملين، فضلًا عن ضعف قنوات التنسيق والاتصال، وشّح التمويل المتاح للمنظمات المحلية، إضافة إلى حالات الاستيلاء على المساعدات الإنسانية، وهو ما يجتمع في استراتيجية متكاملة، عنوانها تحويل إسرائيل المساعدات إلى أداة في حربها ضّد الفلسطينيين في غزة. وأوضحت الدراسة أيضًا أن توطين الاستجابة قد فُرض واقعًا لا خيارًا، في غزة، وتحوّل من شعار للتمكين إلى شرط للاستمرار. وينبغي لفت الانتباه إلى أنّ هذا التحوّل لم يتم في بيئة مؤسّسية آمنة، بل في ظل فراغ سياسي وإداري، حيث تعمل المنظمات الفلسطينية المحلية في ظروف غير مسبوقة من الاستهداف والتجريم والإقصاء من التمويل. وبدلًا من أن يحفّز هذا الواقع مراجعة شاملة للبنية الإنسانية العالمية، يُعاد إنتاج شكل جديد من أشكال العمل الإنساني، على شاكلة منظمة غزة الإنسانية الأميركية التي تقتل المدنيين، بدلًا من إغاثتهم، وكأن ما تفتقر إليه غزة هو المزيد من آليات الموت لا العدالة. على الرغم من قسوة الواقع في قطاع غزة، فإنّ الدراسة ترى أن إعادة التفكير في العمل الإنساني ضرورة ملحّة؛ إذ إن مقاربته ضمن الأطر التقليدية لمفهوم التوطين تتجاهل حقيقة أنه يجري ضمن إطار استعماري تفرضه سيطرة الاحتلال الكاملة، لا سيما سريانه في ظل نظام إنساني دولي عاجز تمامًا ومسيّس. فالفاعلون المحليون لا يحتاجون إلى مزيد من ورش العمل والخطابات التوجيهية

والنصائح التكوينية، بل إلى حماية، وإلى شراكة عادلة، وإلى اعترافٍ بدورهم بوصفهم أطرافًا أصيلة في إعادة تعريف معنى الاستجابة الإنسانية. إن ما تحتاج إليه غزة ليس تحسين التنسيق أو زيادة التمويل، فحسب، بل تفكيك المنظومة التي تسمح باستخدام الجوع أداةَ حرب، والمساعدات وسيلةَ إذلال. التوطين في هذا السياق هو فعل سياسي ووجودي وأخلاقي، لا يمكن فصله عن معركة الفلسطينيين من أجل الكرامة والعدالة.

مناطق

ملحق المؤسسات المحلية الفلسطينية العاملة في غزة خلال الحرب

المؤسسةمناطق
التدخل/ الموقع
الجغرافي
(شمال/ جنوب
قطاع غزة)
الموقع الإلكترونيا نوعية النشاط
1مؤسسة فارس
العرب للتنمية
الإثنانhttps://www.facebook.com/
faresal3rab
التنمية الاجتماعية
المستدامة
2جمعية عطاء
الخيرية
شمال قطاع غزةhttps://www.facebook.com/
alataasociety
العمل الخيري
3مركز التنمية
والإعلام
اإلمجتمعي
الإثنانhttps://cdmcgaza.ps/ar/إعلام تنموي
4جمعية الإنسان
التنموية
جنوب قطاع غزةhttps://www.facebook.com/
HDA2017
جمعية أهلية تنموية
5جمعية الثقافة
والفكر الحر
جنوب قطاع غزةhttp://www.cfta.ps/Aboutمؤسسة ثقافية
6مركز شؤون المرأةالإثنانhttps://www.facebook.com/
wacpal/?locale=ar_AR
مركز نسوي للمعرفة
والمعلومات/ تمكين
النساء
المركز الفلسطيني
للتنمية الاقتصادية
والاجتماعية
الإثنانhttps://www.facebook.com/
groups/192865447431143
التنمية
نفس للتمكين
للاستشارات
النفسية
جنوب قطاع غزةhttps://www.nafs.psتقديم الاستشارات
النفسية
9جمعية مياسم
للثقافة والفنون
جنوب قطاع غزةhttps://www.facebook.com/
MAYASEMassociation
التراث الثقافي والفني
في فلسطين
10جمعية مركز إبداع
المعلم
جنوب قطاع غزةhttps://www.teachercc.org/
articles/view/490
اجتماعي تعليمي

منتدى شارك

11منتدى شارك
الشبابي
الإثنانhttps://www.facebook.com/
Sharek.Youth.Forum
تمكين الشباب
12جمعية الدراسات
النسوية التنموية
الإثنانhttps://www.facebook.com/
pdwsa
تمكين المرأة والتنمية
13جمعية أصدقاء
البيئة الفلسطينية
جنوب قطاع غزةhttps://www.facebook.com/
pefrafah/about
العمل الإنساني
والبيئي
14مركز حيدر
عبد الشافي
للثقافة والتنمية
الإثنانhttps://www.facebook.com/
hccdps.org
الثقافة والتنمية
15جمعية أطفالنا
لألصم
الإثنانhttps://www.facebook.com/
atfaluna.society
مساعدة الأطفال
والبالغين من
ذوي الإعاقة السمعية
في الحصول على
فرصهم في التعليم
والتأهيل والتدريب
المهني
16مركز الأبحاث
والاستشارات
القانونية والحماية
للمرأة
الإثنانhttps://www.facebook.com/
cwlrcdotps
الخدمات الاستشارية
القانونية للمرأة
17جمعية عايشة
لحماية المرأة
والطفل
الإثنانhttps://www.facebook.com/
aishapalestinew
عدالة النوع
الاجتماعي وحماية
وتمكين النساء
والأطفال
18جمعية بيتنا
للتنمية والتطوير
المجتمعي
الإثنانhttps://www.facebook.com/
baitonabcd
التنمية المستدامة
والتطوير المجتمعي
1إ9جمعية أجيال
للإبداع والتطوير
الإثنانhttps://www.facebook.com/
Ajyal.aacd
التنمية، وتمكين
الشباب والأطفال

جمعية

20جمعية
الخريجات
الجامعيات
الإثنانhttps://www.facebook.com/
SWGPAL
تمكين الخريجات
اإلجامعيات
21جمعية جباليا
لإلتأهيل
شمال قطاع غزةhttps://www.facebook.com/
jabrs.jrs
المساعدات الإنسانية
والتطوير المجتمعي
22جمعية الإغاثة
الزراعية
الفلسطينية
الإثنانhttps://www.facebook.com/
parc.palestine
تنمية القطاع الزراعي
23اتحاد لجان
العمل الزراعي
الإثنانhttps://www.facebook.com/
uawcpal
تنمية القطاع الزراعي
24مؤسسة التعاونالإثنانhttps://www.facebook.com/
TaawonPalestine
التنمية
25جمعية الوئام
الخيرية
شمال قطاع غزةhttps://www.facebook.com/
AlweaamPS
العمل الإنساني
26جمعية
عبد الشافي
الصحية
واالمجتمعية
الإثنانhttps://www.facebook.com/
RCS4GS
الخدمات الصحية
والمجتمعية
27جمعية الهلال
الأحمر
الفلسطيني
الإثنانhttps://www.facebook.com/
PalestineRCS
العمل الإنساني
والاستجابة الإنسانية
28جمعية قطوف
الخير الصحية
والمجتمعية
جنوب قطاع غزةhttps://www.facebook.com/
Amalhealthcenter1
التنمية
29جمعية المستقبل
للتنمية والبيئة
جنوب قطاع غزةhttps://fade–ps.orgالتنمية والبيئة
30مركز العمل
التنموي معًا
الإثنانhttps://www.facebook.com/
MAANDevelopmentCente
العمل التنموي
31برنامج غزة
للصحة النفسية
الإثنانhttps://www.facebook.com/
gcmhptested
العمل الصحي
32مجموعة غزة
للثقافة والتنمية
الإثنانhttps://www.facebook.com/
Gaza.C.D.G
ثقافي تنموي

جمعية العودة

33جمعية العودة
الصحية
والمجتمعية
الإثنانhttps://www.facebook.com/
awdaps
صحية تنموية
34جمعية تطوير
بيت لاهيا
شمال قطاع غزةhttps://www.facebook.com/
Beit.Lahia.Development.
Association
الخدمات التنموية
35جمعية الفجر
الشبابي
الفلسطيني
جنوب قطاع غزةhttps://www.facebook.com/
fjershbabi
تمكين الشباب
36مؤسسة إنقاذ
الطفل – فلسطين
الإثنانhttps://www.facebook.com/
PSCFGAZA
المساعدات
الإنسانية/ الخدمات
التطويرية
37جمعية إنقاذ
المستقبل الشبابي
الإثنانhttps://www.syfpal.org/aتمكين الشباب
38المنتدى
الاجتماعي
التنموي
الإثنانhttps://www.facebook.com/
sdf.pal
العمل التنموي
39جمعية بيادر للبيئة
والتنمية
جنوب قطاع غزةhttps://www.facebook.com/
bayader.Khanyounis
تعزيز التنمية وحماية
البيئة
40جمعية وفاق
لرعاية المرأة
والطفل
جنوب قطاع غزةhttps://www.facebook.com/
wefaqsociety
الدعم النفسي
وإالاجتماعي
41مركز الديمقراطية
وحقوق العاملين
الإثنانhttps://www.facebook.com/
dwrcpalestine
العمل الإنساني
والتنموي
42اتحاد لجان
الرعاية الصحية
قطاع غزة
الإثنانhttps://www.facebook.com/
uhccgaza
العمل الصحي
43جمعية نطوف
للبيئة وتنمية
المجتمع
الإثنانhttps://www.facebook.com/
Natufps
التنمية المجتمعية
44جمعية الإغاثة
الطبّية الفلسطينية
الإثنانhttps://www.facebook.com/
palestinianmedicalrelief
society
العمل الصحي
والإغاثي
45جمعية أمواج
للتنمية والتطوير
المجتمعي
الإثنانhttps://www.facebook.com/
amwaj.society
العمل التنموي
46جمعية فلسطين
للتنمية والعدالة
جنوب قطاع غزةhttps://www.facebook.com/
padj18
العمل التنموي
47برنامج غزة
للصحة النفسية
الإثنانwww.facebook.com/
gcmhptested
العمل الصحي النفسي

المصدر: من إعداد الباحث.

المراجع

العربية

مج 8، العدد 45 (تموز/ يوليو.)2020

والتوزيع،.2020

في: https://shorturl.at/yygVm

العدد 137 (شتاء.)2024

غزة." دراسة حالة (أيار / مايو 2024:). في https://tinyurl.com/45cxnumx

/(تموز يوليو.)2020

السياسات،.2020

الأجنبية

References

أبو ارشيد، أسامة. "توجهات السياسة الخارجية الأميركية نحو غزة بعد عام."2007 سياسات عربية.

بابيه، إيلان. أكبر سجن على الأرض: سردية جديدة لتاريخ الأراضي المحتلة. عمّان: الأهلية للنشر

برنامج الأغذية العالمي. "المجاعة وشيكة في شمال غزة: تقرير جديد يحذر." تقرير.2024/3/18.

السالم، يارا. "سياسة الدعم والتمويل الغربية: ما قبل، والآن، وما بعد." مجلة الدراسات الفلسطينية.

شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية. "التقييم الأولي السريع لمنظمات المجتمع المدني في قطاع

الكحلوت، غسان. "انحسار الفضاء الإنساني في غزة تحت الحصار." سياسات عربية. مج 8، العدد 45

.________ العمل الإنساني: الواقع والتحديات. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة

AbuRamadan, Alaa I. & Mohammed El–Mougher. "Level of Coordination between the Humanitarian and Governmental Organizations in Gaza Strip and Its Impact on the Humanitarian Interventions to the Internally Displaced People (Idps) Following May

Escalation 2021." International Journal of Disaster Risk Management. vol. 4, no. 2 (2022). at: https://acr.ps/1L9BPCI Asi, Yara M. "Hunger in Gaza and the Ongoing Weaponization of Aid." Arab Center Washington DC. 20/6/2025. at: https://tinyurl.com/ykh3rfpa Barakat, Sultan & Sansom Milton. "Localisation across the Humanitarian–Development– Peace Nexus." Journal of Peacebuilding & Development. vol. 15, no. 2 (2020). Barbelet, Veronique. "As Local as Possible, as International as Necessary: Understanding Capacity and Complementarity in Humanitarian." Overseas Development Institute. HPG Working Paper (November 2018). Debiel, Tobias Thomas Held & Ulrich Schneckener (eds.). Peacebuilding in Crisis: Rethinking Paradigms and Practices of Transnational Cooperation. London: Routledge,

Duclos, Diane et al. "Localisation and Cross–Border Assistance to Deliver Humanitarian Health Services in North–West Syria: A Qualitative Inquiry for The Lancet–AUB Commission on Syria." Conflict and Health. vol. 13, no. 20 (2019). Elkahlout, Ghassan et al. "Localisation of Humanitarian Action in War–Torn Countries: The Experience of Local NGOs in Yemen." International Journal of Disaster Risk Reduction. vol. 75 (2022). Harghandiwal, Beheshta. "Impact of the Humanitarian Crisis in Gaza on Children’s Health: Evidence and Recommendations for Mitigation." Global Public Health. vol. 20, no. 1 (2025). Harris, Vandra (ed.). Ethics in a Crowded World: Globalisation, Human Movement and Professional Ethics. vol. 22. Leeds: Emerald Publishing Limited, 2019. Human Rights Watch. "Gaza: Israelis Attacking Known Aid Worker Locations: End Unlawful Attacks, Ensure Accountability." 14/5/2024. at: https://bit.ly/3PUFCQo Lidén, Kristoffer. "Building Peace between Global and Local Politics: The Cosmopolitical Ethics of Liberal Peacebuilding." International Peacekeeping. vol. 16, no. 5 (2009). McGoldrick, Claudia. "Humanitarianism at Breaking Point? New Roles for Local and International Actors." International Committee of the Red Cross. Humanitarian Law and Policy. 19/8/2016. at: https://tinyurl.com/ypnsvymh Palestinian Center for Policy and Survey Research. "Palestinian Public Opinion Poll No (91)." Press Release: Public Opinion Poll. no. 91. 20/3/2024. at: https://tinyurl.com/4ca5km5u Plan International. "Localisation of Humanitarian Action: Plan International’s Position." at: https://bit.ly/40Kprfc Roepstorff, Kristina. "A Call for Critical Reflection on the Localisation Agenda in Humanitarian Action." Third World Quarterly. vol. 41, no. 2 (2020). Roy, Sara. The Gaza Strip: The Political Economy of De–Development. Beirut: Institute for Palestine Studies, 2016.

Schenkenberg, Ed. "The Challenges of Localised Humanitarian Aid in Armed Conflict." Médecins Sans Frontières. Emergency Gap Series (November 2016). at: https://bit.ly/4pV0YxJ Sean, Healy & Sandrine Tiller. "Where is Everyone? Responding to Emergencies in the most Difficult Places." Médecins Sans Frontières (July 2014). at: https://bit.ly/3WDyUlg The World Bank. European Union & United Nations. "Gaza Strip Interim Damage Assessment." Summary Note. 29/3/2024. at: https://tinyurl.com/mrbjmwcc UN Satellite Centre. "Occupied Palestinian Territory: Road Damage Assessment, Gaza Strip." Imagery Analysis. 18/8/2024. at: https://shorturl.at/2pveL UNCTAD. "Preliminary Assessment of the Economic Impact of the Destruction in Gaza and Prospects for Economic Recovery: UNCTAD Rapid Assessment." (January 2024). at: https://rb.gy/4iamiy United Nations Office for Disaster Risk Reduction. "Disaster Risk and Resilience." Thematic Think Piece (May 2022). at: https://bit.ly/48Ky62U UNRWA. "UNRWA Situation Report #142 on the Situation in the Gaza Strip and the West Bank, Including East Jerusalem." 4/10/2024. at: https://tinyurl.com/3e84vmsy ________. "UNRWA Situation Report #170 on the Humanitarian Crisis in the Gaza Strip and the West Bank, Including East Jerusalem." 9/5/2025. at: https://tinyurl.com/dpfshyv6 World Health Organization. "oPt Emergency Situation Update – Issue 46." Emergency Situation Update Series on the Occupied Palestinian Territory (oPt). 25/9/2024. at: https://tinyurl.com/3dwt5um5 ________. "Six Months of War Leave Al–Shifa Hospital in Ruins, WHO Mission Reports." 6/4/2024. at: https://tinyurl.com/yj7c9f5d