Return to Article Details Post-Independence Algerian Protest Movements: Rupture and Continuity

الحركة الاحتجاجية الجزائرية بعد الاستقلال: مسارات القطيعة والاستمرارية

Post–Independence Algerian Protest Movements: Rupture and Continuity

ناصر جابي| Nacer Djabi *

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في مسارات القطيعة والاستمرارية في الاحتجاج الجزائري منذ موجات الاحتجاج التي عرفتها البلاد في منتصف ثمانينيات القرن العشرين​ وصولًا إلى حراك 22 فبراير 2019. وتعتمد على منهج نوعي يجمع بين الملاحظة بالمشاركة، والمقابلات مع فاعلين سياسيين، وتحليل أدبيات الحركات الاجتماعية والكتابات حول النظام السياسي الجزائري. وتجادل الدراسة بأن حراك 2019 مثّل لحظة احتجاجية مغايرة من حيث سلميته، وطول مدته، واتساع قاعدته الاجتماعية، وطرحه مطالب نوعية مرتبطة بإصلاح النظام السياسي ومدنية الدولة، مع استمرار عجزه عن التحول إلى تنظيم سياسي قادر على إنتاج قيادة ممثلة. وتُظهر النتائج أن هذه المفارقة تعكس تحولات سوسيولوجية عميقة، ودورًا محوريًا للهجرة، وطابعًا حضريًا متعدّدًا أتاح إنتاج وحدة مطلبية عامة من دون تحويلها إلى مشروع سياسي منظم.

Abstract

Abstract: This study examines the trajectories of rupture and continuity in Algerian protest movements, from the demonstrations of the mid–1980s to the Hirak movement of February 2019. It adopts a qualitative approach, combining participant observation, interviews with political actors, analysis of social movement literature, and a review of scholarship on the Algerian political system. This study argues that Hirak represents a distinct protest moment, marked by its peaceful nature, extended duration, broad social base, and articulation of substantive demands for political reform and the establishment of a civilian state. At the same time, it remained unable to evolve into a political formation capable of producing a representative leadership. The findings suggest that this paradox reflects profound sociological transformations, including the central role of migration and a multifaceted urban character that has generated, but not transformed, general demand.

الكلمات المفتاحية:
  • الحركات الاجتماعية
  • الحركات الاحتجاجية
  • حراك 22 فبراير 2019
  • النظام السياسي
  • الجزائر
Keywords:
  • Social Movements
  • February 2019 Hirak
  • Protest Movements
  • Political Regimes
  • Algeria

ملخص: تبحث الدراسة في مسارات القطيعة والاستمرارية في الاحتجاج الجزائري منذ

موجات الاحتجاج التي عرفتها البلاد في منتصف ثمانينيات القرن العشرين وصولًا إلى

"حراك 22 فبراير 2019". وتعتمد على منهج نوعي يجمع بين الملاحظة بالمشاركة، والمقابلات

مع فاعلين سياسيين، وتحليل أدبيات الحركات الاجتماعية والكتابات حول النظام السياسي

الجزائري. وتجادل الدراسة بأن حراك 2019 مثّل لحظة احتجاجية مغايرة من حيث سلميته،

وطول مدته، واتساع قاعدته الاجتماعية، وطرحه مطالب نوعية مرتبطة بإصلاح النظام السياسي

ومدنية الدولة، مع استمرار عجزه عن التحول إلى تنظيم سياسي قادر على إنتاج قيادة ممثلة.

وتُظهر النتائج أن هذه المفارقة تعكس تحولات سوسيولوجية عميقة، ودورًا محوريًا للهجرة،

وطابعًا حضريًا متعدّدًا أتاح إنتاج وحدة مطلبية عامة من دون تحويلها إلى مشروع سياسي منظم.

النظام السياسي، الجزائر.

Abstract: This study examines the trajectories of rupture and continuity in Algerian protest movements, from the demonstrations of the mid–1980s to the Hirak movement of February 2019. It adopts a qualitative approach, combining participant observation, interviews with political actors, analysis of social movement literature, and a review of scholarship on the Algerian political system. This study argues that Hirak represents a distinct protest moment, marked by its peaceful nature, extended duration, broad social base, and articulation of substantive demands for political reform and the establishment of a civilian state. At the same time, it remained unable to evolve into a political formation capable of producing a representative leadership. The findings suggest that this paradox reflects profound sociological transformations, including the central role of migration and a multifaceted urban character that has generated, but not transformed, general demand.

Professor of Political Sociology at the University of Algiers. Email: nacerdjabi@gmail.com

مقدمة

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل مسارات القطيعة والاستمرار في الاحتجاج الجزائري، منذ موجاته في منتصف ثمانينيات القرن العشرين، وصولًا إلى الحراك الشعبي الذي اندلع في شباط/ فبراير 2019. وهي تسعى لتجاوز القراءات التي تتعامل مع هذا الحراك، بوصفه قطيعة كاملة مع الماضي، أو باعتباره امتدادًا مباشرًا للحركات الاحتجاجية السابقة، وذلك بتتبّع التحولات

السوسيولوجية والسياسية التي أعادت تشكيل الفعل الاحتجاجي وقواعده الاجتماعية عبر الزمن. يعتمد التحليل على منهج يجمع بين الملاحظة بالمشاركة والمقابلات، إضافة إلى مراجعة أدبيات الحركات الاجتماعية والكتابات التي تناولت النظام السياسي الجزائري والحراك الشعبي. فقد شارك الباحث ميدانيًا في 118 مسيرة من مسيرات الحراك في الجزائر العاصمة منذ شباط/ فبراير 2019،

كما واكب أنشطة نقابية وطلابية وفعاليات اجتماعية وسياسية برز فيها دور الفئات الوسطى الحضرية المتعلمة. وتستند هذه القراءة أيضًا إلى أعمال سابقة للمؤلف، وتستفيد نظريًا من مقاربات جان بيناف التي جسّرت بين السوسيولوجيا الفرنسية ومدرسة شيكاغو، مع تركيزها على البحث الميداني والمقاربات النوعية، خاصة أن أعماله عن الجزائر تعددت وفيها ركز على المسارات، وإن كانت اهتمت برجال الأعمال الجزائريين. وتعتمد الدراسة على ما استخلصه بيناف من عمله الميداني، إضافة إلى الأطر النظرية التي طورتها دراسات الحركات الاجتماعية. وقد أجريت مقابلات مع فاعلين سياسيين لفهم موقع التغيير من النظام السياسي الجزائري، وحدود الدور الممنوح للمؤسسات داخله، وطبيعة العلاقة بين مكوناته المدنية، ومكونه العسكري. وإذ تظهر المعطيات التي وقفت عليها الدراسة أن الجزائر عرفت حالة غليان اجتماعي متواصل تقريبًا، فهي

تسعى لتعيين حدود مخرجاته السياسية بالنظر إلى حجم الضغوط التي مارستها حركات اجتماعية احتجاجية على النظام وبعض محاولات إصلاحه من الداخل. وبناء على ذلك، تعود الدراسة إلى موجة الاحتجاجات التي شهدتها الجزائر في ثمانينيات القرن العشرين التي مثّلت محطة مفصلية في تاريخها السياسي، لتنظر في نتائجها بالتركيز على التعديلات الدستورية والقانونية التي دفعت نحوها وإعادة تدوير للنخب، ومدى مساسها ببنية النظام. وتأخذ الدراسة في الاعتبار أن تلك الاحتجاجات تركزت في المدن الكبرى، وارتبطت بأشكال متفاوتة من العنف الرمزي

(((من بينها بعض الدراسات حول النخب السياسية. ينظر: ناصر جابي، الجزائر الدولة والنخب (الجزائر: منشورات الشهاب،

2008)؛ ناصر جابي، حفريات في سوسيولوجيا النخب الوزارية الجزائرية (الجزائر: منشورات الشهاب،.)2025 ينظر ((:(

Jean Peneff, La méthode biographique de l’École de Chicago à l’histoire orale (Paris: Armand Colin, 1990). (3) Jean Peneff, "Carrières et trajectoires sociales des patrons algériens," Actes de la recherche en sciences sociales , no. 41 (1982), pp. 61–72. (4) Jean Peneff, Sur le terrain. Un demi–siècle d’observation du monde social (Paris: Presses universitaires de Grenoble,

(5) Érik Neveu, Sociologie des mouvements sociaux (Paris: La Découverte, 1996).

والمادي، وأن قادتها كانوا أساسًا شبابًا من أبناء الفئات الشعبية الفقيرة، وأنها بلغت ذروتها في أحداث 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1988، التي شهدت أول مرة تدخلًا واسعًا للجيش في مواجهة المتظاهرين. وفي المقابل، تفصل الدراسة مميزات حراك شباط/ فبراير 2019 من حيث سلميته، وطول مدته التي تجاوزت السنة ونصف السنة قبل أن يتوقف بفعل جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–) وما رافقها من إجراءات استثنائية. ومن مميزاته الأخرى اتساع قاعدته الاجتماعية، وطرحه مطالب نوعية تمحورت حول إصلاح النظام السياسي ومدنية الدولة. وعلى هذا الأساس تنظر الدراسة في مدى أثر هذا التمايز في (عدم) تكرار أحد أوجه الاستمرارية الأساسية المفترضة في الحركات الاحتجاجية الاجتماعية الجزائرية المعاصرة، من منظور قدرة الحراك على التحول إلى تنظيم سياسي قادر على إفراز قيادة ممثلة له. وتجادل الدراسة بأن هذه المفارقة التي وسمت حراك 2019 بين الاتساع الاجتماعي والضعف التنظيمي ترتبط بتحولات عميقة في بنية المجتمع الجزائري، من بينها الانتشار الواسع للتعليم العالي، الذي استفادت منه فئات اجتماعية متعددة، بما في ذلك أبناء الفئات الشعبية الفقيرة. وقد أسهم ذلك الانتشار في صعود أجيال شابة أكثر تعليمًا، وتزايد مشاركة النساء في الفضاء العام، واتساع الفجوة القيمية بين الأجيال، بالتوازي مع تآكل السردية الرسمية للثورة والتحرر الوطني، التي فقدت قدرتها على إنتاج الشرعية الرمزية للنظام السياسي لدى الفئات الشابة. وتبرز الدراسة كذلك الدور الذي أدّاه المهاجرون السياسيون في إعادة فتح النقاش العام حول السياسة، من خلال تحويلهم المسيرات في الخارج، خاصة في باريس، إلى فضاءات للنقاش والتنظيم، قبل أن تنتقل بعض هذه الديناميات إلى الداخل، سواء على مستوى الشعارات أو أساليب التعبئة. ومن جهة أخرى، تفترض الدراسة أن فهم ديناميات حراك 2019 يقتضي تحليله بوصفه ظاهرة حضرية مركّبة تشكّلت من روافد اجتماعية وجغرافية متعددة، عكست البنية غير المتجانسة لمدينة الجزائر وتاريخها العمراني والاجتماعي. وينظر التحليل إذا ما تحول هذا التعدّد إلى انقسام سياسي داخلي، أم ساهم في إعادة إنتاج الحراك فضاءً جامعًا حافظ على مطالب سياسية مشتركة، على الرغم من

اختلاف الخلفيات الاجتماعية ومحاولات الاحتواء الأيديولوجي.

(((في الدراسات التي أنجزتها للحركات الاجتماعية – وقد ذكرت بعضها في هذه الدراسة – ميزتُ بين العنف الرمزي الذي يمارسه

المحتجون لا بغرض الإيذاء المادي المجسد، بل بهدف مُضمر يتمثّل في طلب الحوار مع السلطات ولفت انتباهها، وبين العنف

الأداتي الذي يمارسونه بغرض الإيذاء، كحرق مقارّ المؤسسات الرسمية ووسائل النقل أو الاعتداء الجسدي على ممثلي السلطة.

لمزيد من التفصيل، ينظر كتابي حول الإضرابات العمالية: عبد الناصر جابي، الجزائر تتحرك: دراسة سوسيو–سياسية للإضرابات

العمالية (الجزائر: دار الحكمة،.)1994 (((رسميًا، تمّ الإعلان عن سقوط أقل من مئتي قتيل، في حين أعلنت مصادر إعلامية عن سقوط 500 قتيل، زيادةً على حالات

التعذيب التي تم الحديث عنها بمناسبة هذه الأحداث التي شهدتها مدن مثل قسنطينة ووهران، فضلًا عن الجزائر العاصمة التي

انطلقت منها. للمزيد من التفاصيل، ينظر شهادة الجنرال خالد نزار المكلف رسميًا بإعادة النظام، وهو يتحدث عن الصعوبات التي

وجدتها الوحدات العسكرية في التدخل أثناء الأحداث نظرًا إلى قلة التجربة ونقص العتاد الخاص بمثل هذه المهمات داخل المدن:

المذكرات الكاملة للواء خالد نزار (الجزائر: منشورات الشهاب،.)2018

تنقسم الدراسة إلى خمسة محاور مترابطة تسعى لتفسير مسارات الاحتجاج الجزائري عبر تداخل البنى السياسية والاجتماعية والتاريخية. يبدأ المحور الأول بتفكيك إرث الرئيس هواري بومدين (حكم في الفترة 19 حزيران/ يونيو 1965–تاريخ وفاته في 27 كانون الأول/ ديسمبر 1978). وحدود الإصلاح من داخل النظام، من خلال تتبّع تشكّل شبكات السلطة وآليات إعادة إنتاجها في مرحلة

الرئيس الشاذلي بن جديد (حكم في الفترة 9 شباط/ فبراير 11–1979 كانون الثاني/ يناير 1992). ثم ينتقل المحور الثاني إلى النظر في الاحتجاج الجزائري بوصفه ظاهرة متعددة تاريخيًا، عبر إبراز تنوع

أشكاله ومطالبه وفضاءاته منذ الثمانينيات إلى أحداث تشرين الأول/ أكتوبر 1988. ويعالج المحور الثالث أسباب تعثّر النخب الرسمية في إصلاح النظام السياسي، مركزًا على الانقسامات داخل الفئات الوسطى وحدود الرهان عليها في مسارات الإصلاح. أمّا المحور الرابع فيتتبع الدور السياسي للهجرة، من تشكّل الحركة الوطنية في فرنسا إلى حراك باريس بوصفه مختبرًا تنظيميًا ورمزيًا سبق

حراك الداخل. ويختتم المحور الخامس الدراسة بتحليل خصائص حراك 2019 وقواعده الاجتماعية داخل الجزائر، من خلال قراءة ميدانية لمساراته الحضرية وتنوعه السوسيولوجي، بما يسمح بفهم كيفية إنتاج وحدة مطلبية عامة من داخل تعدد اجتماعي ومكاني واسع، من دون التحول إلى تنظيم أو قيادة مركزية.

أولا: إرث بومدين وحدود الإصلاح من داخل النظام الجزائري

تزامن استفحال أزمات النظام السياسي الجزائري مع أزمة اقتصادية واجتماعية حادة، ظهرت ملامحها مباشرة بعد وفاة الرئيس هواري بومدين في كانون الأول/ ديسمبر 1978. وقد دخلت الجزائر آنذاك مرحلة انتقالية حساسة لم يتمكن فيها الرئيس الشاذلي بن جديد، بخصائصه السياسية المحدودة وكاريزميته المتواضعة، من إدارة نظام سياسي معقد ورثه عن سلفه. كان بومدين الرجل الأول بلا منازع في هذا النظام، وقد نجح في إدارته بفضل معرفته العميقة ببنيته الداخلية، باعتباره أحد المساهمين في بنائه منذ السنوات الأخيرة لحرب التحرير. اعتمد في ذلك على شبكات من النخب السياسية والعسكرية، نسج معها علاقات مباشرة وشخصية، مكّنته من إحكام السيطرة على مراكز القرار. تشَّكَل جزء مهم من هذه الشبكات على الحدود الجزائرية – التونسية والجزائرية – المغربية، التي كانت فضاء لالتقاء بومدين بعدد كبير من الطلبة الذين قرّبهم منه منذ مرحلة الولاية الخامسة،

(((تقع الولاية (المحافظة) الخامسة التاريخية التي احتضنت عمليات الثورة التحريرية في الغرب الجزائري، وعرفت كذلك باسمَي

"المنطقة الغربية" و"القطاع الوهراني". كان أول قائد للولاية محمد العربي بن مهيدي (1957–1923) وكان رمضان بن عبد المالك (1954–1928) وعبد الحفيظ بوصوف (1980–1926) نائبين له. ضمن المجموعة التي كانت تقود الولاية من التراب المغربي، وسُمّيت لاحقًا مجموعة وجدة، لم يكن بومدين (من مواليد عام 1932)، الأكبر سنًا ضمن أقرانه من أمثال شريف بلقاسم (–1930

2009)، وعبد العزيز بوتفليقة (2021–1937)، وأحمد مدغري (1974–1934). ولكنه كان الأكثر تجربةً ونضجًا من بينهم ما سمح له

بالتعامل معهم بمنزلة الأخ الأكبر. كان مثلهم طالبًا في الأزهر قبل التحاقه بصفوف الثورة من أرض الولاية.

في سياق علاقته بالعقيد عبد الحفيظ بوصوف. ويرجّح أن بومدين استثمر القرب الجهوي من القيادي بوصوف، لبناء شبكة علاقات مع الأجيال الشابة الملتحقة بجيش التحرير، وهي شبكة لم يتمكن قائد الولاية نفسه من تشكيلها. وقد استخدم بومدين هذه الشبكة لاحقًا لإبعاد عرّابه القديم بعد الاستقلال، وهو في موقع قيادة مؤسسات سياسية وعسكرية مركزية، مثل قيادة الأركان ووزارة الدفاع. ومن خلال قيادة بومدين لما عُرف بمجموعة وجدة، التي ضمّت فاعلين من مناطق وجهات متعددة، استطاع أن يجعل من عناصرها القريبة منه النواة الأساسية لمجلس الثورة الذي حكم البلاد بعد إطاحة الرئيس أحمد بن بلة (1965–1963)، إلى غاية انتخابه رئيسًا للجمهورية عام 1976. وبذلك تحوّل إلى الفاعل المركزي في رسم المسار السياسي للجزائر في مرحلة ما بعد الاستقلال. في المقابل، لم يكن الشاذلي بن جديد، قائد الناحية العسكرية – الثانية الذي اختير لرئاسة البلاد، يمتلك كاريزما بومدين ولا طموحه الشخصي ولا تجربته السياسية في إدارة مؤسسات نظام دخل مرحلة صراعات داخلية متعددة ذات طابع سياسي وأيديولوجي. وقد أدى ذلك إلى تعطيل عمل هذه المؤسسات وإلى تآكل شرعيتها في نظر قطاعات واسعة من المجتمع. في هذا السياق، تصاعد النقاش حول كيفية التعامل مع إرث بومدين السياسي والاقتصادي والاجتماعي. غير أن مواقف بن جديد اتسمت بالغموض، بل بالتناقض أحيانًا، وتأخّر في الإفصاح عنها. ويُعزى ذلك إلى ضعف سيطرته على المؤسسات السياسية، إضافة إلى محدودية قدرته على مخاطبة المواطنين وإقناعهم بخياراته التي بقيت في معظمها حبيسة منطق أنصاف الحلول.

(((أحد أعضاء مجموعة 22 التي كانت وراء اندلاع ثورة التحرير، التي تولى فيها تكوين المخابرات وقيادتها بعد تجربة الولاية الخامسة. وقد ابتعد عن أي نشاط سياسي بعد الاستقلال. ((1(عندما التحق بومدين بالثورة صار بالقرب من عبد الحفيظ بوصوف (الذي خلف بن مهيدي في قيادتها)، وهو ابن جهته (عين طبال، شمال قسنطينة). وقد أدّت الجهوية أدوارًا مركزية في المجال السياسي بين الجزائريين، أفرادًا وشللًا، على الرغم من رفضها

علنًا ومحاربتها من المؤسسات الرسمية والخطاب السياسي أثناء الثورة وبعد الاستقلال. وتفسر العوامل الجهوية الكثير من التقارب

بين الأشخاص حتى وإن كانوا بعيدين سياسيًا وفكريًا ومن أجيال مختلفة، حيث استفادوا منها للوصول إلى المناصب ودعم

مواقعهم. ((1(يشير محمد لمقامي في كتابه الذي خصصه للحديث عن تجربته الشخصية في المخابرات الجزائرية على الحدود المغربية الجزائرية على تراب الولاية الخامسة إلى كثير من المعطيات التي يمكن تأويلها في هذا الاتجاه. ينظر:

Mohamed Lemkami, Les hommes de l’ombre (Alger: Editions Anep, 2004).

((1(ينظر شهادة أحد أعضاء مجموعة وجدة من الداخل التي قام بها شريف بلقاسم – سي جمال – للباحث في العلوم السياسية

. Fawzi Rouzeik, Le groupe de Oujda revisité per Chérif Belkacem (Paris: Édition l’harmattan, 2015) فوزي رزيق:

((1(فرضت الثقافة السياسية بعد الاستقلال على الرئيس الجزائري الحديث باللغة العربية الفصحى وهو يخاطب المواطنين، ويتعامل مع وسائل الاعلام، على الرغم من أنه غير متمكّن منها. ولم يساعد هذا الوضع الرئيس بن جديد بمستواه التعليمي

المتواضع على التعبير بصيغة معقولة عن أفكاره كما كان الحال مع الرئيس بن بله قبله، عكس بومدين الذي سمح له مستواه التعليمي باللغة العربية بنحت لغة عربية وسطى سهّلت له التواصل مع المواطنين. في حين استمرت لكنة جهوية واضحة لدى

بن جديد معروفة عند أبناء ولاية الطارف الحدودية مع تونس. لم يتخلص منها على الرغم من ابتعاده منذ الصغر عن منطقته.

اختارت الشبكات المتصارعة بن جديد تحديدًا بسبب هذا الضعف الظاهر في شخصيته، خاصة عند مقارنته بمنافسين محتملين مثل محمد الصالح يحياوي (2018–1937) وعبد العزيز بوتفليقة. تقليديًا، تميل موازين القوة داخل هذا النظام إلى مصلحة الرئيس، لا سيما إذا كان من أبناء المؤسسة العسكرية، كما كان الحال مع بومدين وبن جديد، خلافًا لبن بلة الذي أبعدته بسهولة المجموعة العسكرية نفسها التي أوصلته إلى الحكم بعد الاستقلال. وقد ارتبط اختياره آنذاك بكونه الأكثر انصياعًا داخل تلك المجموعة، إضافة إلى اعتبارات جهوية أدّت دورًا في مسار الاتصالات التي أدارها بوتفليقة لمصلحة بومدين. يمثّل بومدين حالة فريدة في التاريخ السياسي الجزائري؛ إذ إنه يُعدّ الرئيس الوحيد الذي امتلك قوة دفع سياسية ذاتية. وخلافًا لما روّجته بعض السير الذاتية عن ماض حزبي متخيل له داخل حزب الشعب، شيّد بومدين شبكاته التي ساعدته على الصعود إلى مركز صنع القرار منذ التحاقه بجيش التحرير على

الحدود المغربية في ربيع 1955. ومنذ ذلك التاريخ انطلق صعوده المتدرج نحو مراكز السلطة. ولكن، على الرغم من تواضع الخصائص الشخصية لبن جديد مقارنة بسلفه، ومن مساره العسكري الذي تبلور داخل جيش الحدود في الناحية العسكرية الثانية، فإنه تمكّن من الاستمرار في منصبه إلى عام 1992، على الرغم من تعدد الأزمات والمطبات التي واجهها. وقد سادت في محيطه نظرة إليه بوصفه رئيسًا مؤقتًا لمرحلة انتقالية، بالنظر إلى محدودية تجربته السياسية، إضافة إلى تكوينه التعليمي المتواضع. غير أن هذه التقديرات أغفلت قدرة الرئاسة ذاتها على إعادة إنتاج مصادر القوة داخل النظام. وخلال فترة حكم بن جديد، ارتفع منسوب طرح مشاريع التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي من جانب مراكز قوى متعددة، داخل مؤسسات النظام وأحيانًا من خارجها. ولكن هذا الطرح اتسم بغياب الشفافية؛ إذ لم تتحول المؤسسات السياسية، كما هو حال كامل النظام تاريخيًا، إلى فضاءات

((1(قدّم محمد الصالح يحياوي على أنه ضامن لاستمرار خط بومدين السياسي في حين قدم بوتفليقة على أنه وجه ليبرالي

إصلاحي. ((1(عُدّ بن بلة مدنيًا على الرغم من تجربته في الجيش الفرنسي مجندًا أثناء الحرب العالمية الثانية (1945–1939) التي شارك فيها

في تحرير التراب الإيطالي من الجيش الألماني. ((1(صعّبت قوة شخصية محمد بوضياف واعتداده بنفسه مهمة بوتفليقة في إقناعه باقتراح إسناد الرئاسة إلى بومدين. وكانت تربط

بن بلة علاقة جهوية مع بوتفليقة ابن منطقة تلمسان مثله. ((1(ينظر الصورة التي يقدمها علي كافي قائد الولاية الثانية ورئيس الدولة لاحقًا في مذكراته عن أول لقاء له مع محمد بوخروبة

(الاسم الحقيقي لهواري بومدين) في معهد الكتانية بقسنطينة في 1948، حيث يؤكد أنه رفض الانخراط في حزب الشعب لأن والده

أرسله للدراسة وليس لممارسة السياسية: علي كافي، مذكرات الرئيس علي كافي: من المناضل السياسي إلى القائد العسكري

(1946–1962) (الجزائر: دار القصبة للنشر، 2013)، ص.24 (1((للمزيد من التفاصيل حول السيرة الذاتية للرئيس بن جديد ينظر في مذكراته التي لم يصدر منها إلا الجزء الأول: الشاذلي

بن جديد: مذكرات، ج:1 1979–1929، تحرير عبد العزيز بوباكير (الجزائر: القصبة للنشر،.)2011

مفتوحة للنقاش والصراع السياسي العلني. ويمكن أن نرجّح أن ذلك يعود إلى استمرارية ثقافة السرية التي ترسخت منذ حرب التحرير، وإلى ثقافة سياسية جماعية ترفض التمايز وإبداء الرأي الفردي، وصلت حدّ التهميش والإقصاء، بل حتى التصفية الجسدية، كما أظهرت ذلك الصراعات التي عرفتها الحركة الوطنية. تعود جذور هذه الثقافة إلى تشكّل الحركة الوطنية نفسها، التي نشأت في سياق توازنات معقّدة بين شبكات ذات خلفيات فكرية وسياسية متعددة، راوحت بين التيار اليساري العمالي، والفكر الديني الإصلاحي، والفكر الوطني الشعبي. وقد اتسم التكوين التاريخي لهذا التزاوج بفقر فكري نسبي، وبنوع من الترقيع بين التيارات المتعارضة. وعلى الرغم من ميل الكفة، بعد الاستقلال، إلى مصلحة التيارات الوطنية المحافظة والدينية، فإن ذلك لم ينه الصراع بينها، بل نقله إلى داخل مؤسسات الدولة، حيث سعت كل نخبة لإعادة إنتاج نفوذها من خلال الأجهزة، وهو ما تجلى بوضوح داخل المنظومة التعليمية التي تحولت إلى ساحة صراع محتدم منذ السنوات الأولى للاستقلال. وبالعودة إلى المرجعيات النظرية التي أعلنّا استخدامها في المقدمة، يتضح لنا، على خطى ما وضعه بيناف، كيف تترافق في بناء التاريخ السياسي الرسمي الجزائري لما بعد الاستقلال السّير الخاصة بالشخصيات السياسية ومسارات تكوينها السياسي والعسكري والنضالي، وشبكة العلاقات التي بنتها إبان الثورة وبعدها، من خلال الانتماءات الجهوية، والمناصب التي احتلتها والمواقع التي وجدت نفسها فيها. وقد ساعدت هذه العناصر على بناء ثقافة سياسية رسمية محدّدة حكمها التوازن بين اعتبارات متناقضة وحرص على عدم إظهار التضارب والحفاظ على وحدة مظهرية للجيش وللدولة وللنظام السياسي عامة. ولكن ذلك لم يمنع اندلاع الحركات الاحتجاجية.

ثانيًا: الاحتجاج الجزائري بوصفه ظاهرة متعددة تاريخيًا

تميزت احتجاجات الثمانينيات في الجزائر بعدة خصائص، أبرزها ارتباطها بالمدن الكبرى، والدور المحوري الذي أداه فيها شباب الأحياء الشعبية الفقيرة، من الذكور تحديدًا، الذين قادوا عمليًا هذه

الحركات بوصفها أول تجربة جيلية لهم في جزائر ما بعد الاستقلال. وقد أثّرت هذه التجربة في

((1(ينظر الطرح الذي يقدمه المؤرخ محمد حربي لهذه القضية في مذكراته كما عاشها شخصيًا وكادت أن تؤدي إلى التصفية

. Mohammed Harbi, Une vie debout (Alger: Casbah éditions, 2001) الجسدية: (20) Ali Guenoun, La question kabyle dans le nationalisme algérien 1949–62 (Alger: Casbah édition, 2021).

((2(اندلع صراع كبير بين النخب الفكرية والسياسية بمناسبة تشكيل أول حكومة بعيْد الاستقلال، حينما تعلق الأمر بمنصب وزير

التربية بين التيارات الإصلاحية ممثلة في جمعية العلماء التي كانت تريد السيطرة على هذا المنصب الذي اقترحت له المؤرخ توفيق المدني، والتيار الوطني الذي عاد له المنصب في شخص عبد الرحمان بن حميدة صاحب التكوين المدرسي ابن الزاوية. احتل جده من الأم – بناصر – موقع مفتي الجامع الكبير بالعاصمة الجزائرية.

(22) Jean Peneff, "Carrières et trajectoires sociales des patrons algériens," Actes de la recherche en sciences sociales , no. 41 (1982), pp. 61–72.

كثير من الأحيان في رؤيتهم لأنفسهم، ومنحتهم نوعًا من التقدير الإيجابي للذات، تجلى في الصراع الظاهر والمستتر مع الأب داخل الوسط العائلي، قبل أن يمتد لاحقًا إلى المجال السياسي. كانت مظاهرات الربيع الأمازيغي في جامعة تيزي وزو في 20 نيسان/ أبريل 1980، أول حركة احتجاجية شعبية بعد الاستقلال. رفعت الحركة مطلب الاعتراف بالثقافة واللغة الأمازيغيتين، وكانت حركة اجتماعية وثقافية شعبية، استمرّ أثرها طويلًا، وانبثقت منه نخبٌ سياسية وثقافية، وأحزاب سياسية أو

جمعيات أو نقابات أو شخصيات فكرية. يُمكن تفسير اندلاع الحركة وشكلها الشعبي وأثرها المديد بخصوصيات منطقة القبائل، التي عُرفت بإنتاجها للنخب، على الرغم من طابعها الريفي. ويمكن عدّ انتشار التعليم، واستفادة أبنائها من الهجرة الداخلية والخارجية، من أهم سماتها السوسيولوجية، بما أتاح لهم العيش والاستقرار في المدن الجزائرية الكبرى والمتوسطة. وقد شكّلت هذه الخلفية السوسيوثقافية عاملًا أساسيًا في إضفاء

قدر كبير من السلمية وقوة التنظيم على الحركة التي شهدتها مدينة تيزي وزو، حيث اتخذت صيغة مسيرات شعبية متعددة الألوان الاجتماعية، على غرار ما ميز الحركات الاجتماعية الجديدة. شارك في التحرّكات الطالب والتاجر والعامل والعاطل، سواء انتظمت داخل الحرم الجامعي أو في الفضاء الحضري، الذي شهد هو أيضًا تنظيم إضرابات ومسيرات متكررة دامت أيامًا. ويرتبط هذا الطابع الحضري الشعبي الذي اتخذته هذه الحركة بقوى اجتماعية حديثة، تؤكد ما خلصنا إليه في دراسة سابقة حول الحركة الأمازيغية والنخب، بشأن التميز النسبي لمنطقة القبائل مقارنة بمناطق أخرى، بما يضعها، جزئيًا على الأقل، خارج منطق عالم الريف التقليدي، على الرغم من

جغرافيتها الجبلية الريفية. ويستند هذا التميز إلى عدة مؤشرات، في مقدمتها انخراط واسع ومكثف لشباب المنطقة في التعليم، والاستفادة من شبكة مواصلات داخلية، والقرب الجغرافي من العاصمة، الذي سمح لأهالي المنطقة بالتنقل اليومي بينها وبين قراهم الجبلية، التي استقر فيها عدد كبير منهم وتعاملوا معها عمليًا كما لو كانت ضواحيَ للعاصمة.

((2(هذا ما شرحته أكثر في دراستي التي ربطت فيها بين الجيل والأسطورة والحركات الاجتماعية. عبد الناصر جابي، "الأسطورة،

الجيل والحركات الاجتماعية في الجزائر: أو الأب 'الفاشل' والابن 'القافز'"، إنسانيات، العدد  26–25 (2004)، ص.54–43 ((2(اندلعت المظاهرات يوم 20 نيسان/ أبريل 1980 بجامعة تيزي وزو، المركز الجامعي الذي دُشّن في عام 1977 لتحمل، بعد

وفاته، اسم مولود معمري (1989–1917) أستاذ اللسانيات الذي ركز دروسه وبحوثه على اللغة والثقافة الأمازيغيتين. وكان اندلاع ما سُمّي لاحقًا الربيع الأمازيغي بعد منع محاضرة كان ينوي معمري إلقاءها حول الشعر الأمازيغي القديم، بطلب من جمعيات

طلابية. تحوّل التاريخ لاحقًا إلى رمز مهم لدى الحركة الأمازيغية في كل المنطقة المغاربية. ((2(فضلًا عما أشرنا إليه من تنظير سوسيولوجي للحركات الاجتماعية كما لخصه إيريك نوفو:

Érik Neveu, Sociologie des mouvements sociaux (Paris: La Découverte, 1996).

ولمزيد من التفاصيل حول هذا النوع من الحركات الاجتماعية الجديدة في المنطقة العربية، ينظر: سيد فارس، ثقافة الحركات

الاجتماعية الجديدة: مقاربات أنثروبولوجية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2023 (2((ينظر: الحركات الأمازيغية في شمال أفريقيا: النخب، أشكال التعبير والتحديات، إشراف ناصر جابي (الجزائر: منشورات الشهاب،.)2018

وقد مكّن هذا الوضع أبناء منطقة القبائل، على الرغم من قدم الحركات الهجرية لديهم إلى خارجها، من الجمع بين الاستقرار الحضري والحفاظ على روابطهم الأسرية والثقافية في المنطقة، والحفاظ على اللغة والثقافة الأمازيغيتين، من خلال بناء مساكن فردية فيها، والتنقل بين الفضاءين الحضري والريفي. وقد سمح لهم البقاء، على تماس مباشر مع هموم منطقتهم وسكانها، أن يُظهروا بوضوح،

خلال الحركات الاحتجاجية التي انطلقت من منطقة القبائل، قدرتهم على نقل صداها الواسع والسريع إلى العاصمة، كما حدث عام 1980، اعتمادًا على حضورهم الكثيف داخل النسيج الاجتماعي

للمدينة، وخاصة في الأوساط العمالية والنقابية والطلابية. وعلى الرغم من هذا الأثر، حافظت هذه الحركة المطلبية ذات الطابع الثقافي على بعدها الجهوي المرتبط بمنطقة القبائل، حتى حينما تصاعدت وتوسعت لتشمل، فضلًا عن الجزائر العاصمة، بعض المدن الكبرى مثل وهران وقسنطينة، بفعل الحضور المميز لأبناء المنطقة فيها. ومن سمات الحركة الأخرى أنها استفادت من تبنّي فئات وسطى حضرية متعلمة بالفرنسية لجزء من أطروحاتها، وهو

ما أسهم في تصنيفها، ضمن الخارطة السياسية والإعلامية، باعتبارها تيارًا ديمقراطيًا في مقابل

التيارين الوطني والإسلامي. وسيظهر هذا التميز كذلك في موقف الحركة من أحداث تشرين الأول/ أكتوبر 1988؛ إذ حافظت منطقة القبائل على هدوئها طوال أيام الاضطراب التي عاشتها المدن الجزائرية خلال الأسبوع الأول من الشهر نفسه، تحت تأثير حركة شعبية اتسمت بقدر كبير من العفوية. غير أن هذا لم يمنع النخب السياسية المرتبطة بالحركة الثقافية الأمازيغية من أن تكون من بين المستفيدين من التحولات اللاحقة، كما حصل عند الإعلان عن تأسيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية في 9 شباط/ فبراير 1989، أي قبل صدور قانون الاعتراف بالأحزاب والتصديق على الدستور الجديد بأيام قليلة. وقد دفع ذلك بعض الأوساط المناوئة إلى اتهام قيادة الحزب بالاستفادة من قرب سياسي من دوائر نافذة في السلطة، أتاح له الإعلان عن نفسه قبل غيره من الأحزاب. لم تحتكر هذه الحركة الاحتجاجية ذات الطابع الثقافي الساحة الاحتجاجية في الجزائر. فقد شهدت مدينة قسنطينة عام 1986 مظاهرات شعبية انطلقت من الوسط الطلابي، قبل أن تتوسع في تشرين الثاني/ نوفمبر من السنة نفسها لتشمل مدنًا أخرى في الشرق الجزائري، مثل عنابة وسطيف، بحيث أخذت طابعًا أكثر شعبية مما كان لها في بدايتها. وتكرر الأمر ذاته في مدن الغرب الجزائري،

مثل وهران وسعيدة، وفي قصبة العاصمة لاحقًا، بكل رمزيتها التاريخية التي تعود إلى الحركة التحريرية، حيث اندلعت مظاهرات تمحورت مطالبها أساسًا حول قضية السكن.

((2(ينظر القراءة التي يقدمها أستاذ الاقتصاد بجامعة تيزي وزو، أحمد دحماني، للأحداث التي شارك فيها أستاذًا ومناضلًا سياسيًا

في حزب الثورة الاشتراكية يوم 20 نيسان/ أبريل 1980 كخلفية لما حصل في الحراك الشعبي بعد عقدين كاملين:

Ahmed Dahmani, "Mise en perspective du hirak, retour sur le printemps berbère d’avril 1980," Mouvements , vol. 2, no. 102 (2020), pp. 103–113.

((2(ينظر شهادة بعض المتهمين بالوقوف وراء أحداث قسنطينة (1986) أثناء إبعادهم إلى أقصى الجنوب من أمثال عبد الكريم بوجاجة، مدير الأرشيف، وهو ينفي التهم الموجهة إليه ضمن مجموعة محسوبة على اليسار من الفئات الوسطى والإطارات.

(29) Madjid Makedhi, "35 e anniversaire des événements du 5 octobre 1988: La révolte qui a changé le cours de l’histoire en Algérie," Algeria–Watch, 5/10/2023, accessed on 12/2/2026, at: https://acr.ps/1L9F31y

لقد شكّلت هذه التحركات التي عرفتها المدن الكبرى وأحياؤها الشعبية منذ منتصف الثمانينيات الشرارة الأولى للأحداث التي ستشهدها الجزائر في 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1988، حين اندلعت مظاهرات احتجاجية انطلقت هذه المرة من الأحياء الشعبية للعاصمة، لا من الأوساط الطلابية كما كان الحال في تيزي وزو وقسنطينة. ولم تتميز هذه الاحتجاجات بالسياق الاقتصادي والاجتماعي الصعب الذي جرت فيه فحسب، بل أيضًا بالسياق السياسي الذي تزامن معها، والذي عرف إطلاق محاولات إصلاح من داخل النظام، اتسمت بقدر كبير من الغموض وقلة الشفافية، بعد استفحال أزماته. فيما يهم الحركة ذاتها، لم تنجح التحركات الاحتجاجية في بلورة أهداف واضحة لها، ولم تصبح قابلة للتكرار والانتقال من فضاء جغرافي إلى آخر على شكل موجات احتجاجية، بل اتسمت مطالبها بالغموض والتشتت؛ ما صعّب على قادتها التفاوض مع السلطات حولها. أمّا من الناحية التنظيمية، فقد اتسم الاحتجاج بالضعف، وغياب القيادة، حتى حينما توسّع؛ وذلك بسبب خصائصه

السوسيولوجية التي استفاضت في دراستها بعض البحوث حينما قارنتها بحالة الحركة الاحتجاجية التي شهدتها الجزائر عام 2011. أما فيما يهمّ تعامل النظام معها، وعلى خلاف طريقة معالجة الحركات الاحتجاجية السابقة التي جرى احتواؤها عبر استغلال الريع النفطي لتوزيع بعض عوائده على فئات شعبية باركت هذا الإجراء، على الرغم من عدم معالجة جذور الأزمة الاجتماعية الموضوعية، لم يكن من الممكن أن يُعتمد الحلّ نفسه. فقد أدّت الأزمة الاقتصادية التي شهدتها الجزائر إلى تقليص موارد الدولة المعتمدة على الريع النفطي. وتم اللجوء إلى نوع آخر من المحاولات. ركزت هذه المحاولات في بدايتها على استمالة الفئات الوسطى الحضرية، عبر منحها هامشًا أوسع من الحريات، من خلال توظيف مفاهيم المجتمع المدني وتوسيع بعض الحريات الإعلامية داخل القطاع العمومي المملوك للدولة. ثم انتقلت تكتيكات النظام لاحقًا إلى مستويات سياسية أوسع، تُرجمت في اقتراح دستور جديد مهّد لتغيير الإطار القانوني للتجربة السياسية. وهو مسار سيعود إليه النظام السياسي الجزائري مرارًا كلما واجه أزمة، من خلال تعديل القوانين المنظمة للأحزاب والجمعيات والنقابات، وتنظيم انتخابات محلية وتشريعية، بما يسمح بتغيير الوجوه من دون المساس بجوهر النظام، كما حصل لاحقًا بعد الحراك، حينما اقترح الرئيس عبد المجيد تبون دستورًا جديدًا في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020. وكان من شأن هذا التكرار الشكلي في انتهاج الحلول نفسها أن فقدت مع الوقت قدرًا كبيرًا من صدقيتها.

((3(نور الدين بكيس، "الحركات الاحتجاجية في الجزائر بين كثافة الاحتجاج ومحدودية التطور: قراءة سوسيولوجية للحركات الاحتجاجية لسنة 2011"، أطروحة دكتوراه، جامعة الجزائر،.2014 ((3(أخذت تطبيقات المفهوم في الحالة الجزائرية أبعادًا تاريخية، مرتبطة بالحالة الوطنية كما حصل حينما تمت، على سبيل

المثال، محاولات تجنيد أبناء الشهداء، للشرعية التي تتمتع بها هذه الفئة، حتى تساعد على إبعاد الاتهامات التي أ لصقت بمفهوم المجتمع المدني بحجة منبته الغربي. ((3(من خلال تجربة أسبوعية Algérie actualité الصادرة بالفرنسية الموجهة إلى الفئات الوسطى الحضرية، بالملفات التي كانت تنشرها أسبوعيًا والنقاشات التي كانت تديرها بمشاركة بعض المثقفين والجامعيين.

ثالثًا: لماذا فشلت النخب الرسمية في إصلاح نظامها السياسي؟

تبيّن سريعًا لمراكز القرار السياسي التي قادت مبادرات الإصلاح بالطريقة غير الشفافة التي أنجزت

بها، أن الفئات الوسطى الحضرية المتعلمة، التي جرى التعويل عليها بوصفها الحامل الاجتماعي لهذه الإصلاحات، لم تكن قادرة على التحول إلى فاعل جماعي مؤثر في إحداث التغيير السياسي المنشود. ويعود ذلك أساسًا إلى الانقسامية ذات الطابع الثقافي واللغوي التي تعيشها هذه الفئات،

والتي حدّت من قدرتها على مخاطبة فئات المجتمع ومكوناته كافة، وحصرت تأثيرها في شرائح محددة منه. وأظهرت مبادرات الإصلاح من داخل النظام أيضًا ذلك الطابع القطاعي الذي يميز مؤسسات الدولة، والذي حوّل هذه الفئات عمليًا إلى طرف منخرط في الصراعات السياسية القائمة،

فزاد من حدّتها بدلًا من الإسهام في تخفيفها أو إيجاد حلول لها. ويرتبط هذا الوضع بجذور تاريخية عميقة؛ إذ حرم الاستعمار الاستيطاني الفرنسي الطويل الجزائر من إنتاج منظومة تعليمية متجانسة قادرة على تكوين نمط واحد من المثقفين يضطلع بأدوار متقاربة في علاقته بمختلف فئات المجتمع. بدلًا من ذلك، أفرز نظام التعليم الاستعماري الفرنسي نمطين من المثقفين بلغتين مختلفتين، العربية والفرنسية، وبمضامين ثقافية وقيمية متباينة، تؤدي أدوارًا مختلفة

وموجهة إلى فئات بعينها عبر مؤسسات، هي نفسها متمايزة بِنيةً وأداءً. فخلال الحقبة الاستعمارية

دُمّرت المؤسسات التعليمية التقليدية التي كانت تعتمد العربية وتستند إلى محتوى ديني في الغالب،

في مقابل بناء مؤسسات تعليمية وثقافية موازية لما بقي من الأولى، لا تشتغل إلا بالفرنسية، هدفها إنتاج النخب التي تقتضيها الحالة الاستعمارية. وحاولت السلطة الاستعمارية تدارك هذا الخلل عبر إنشاء ما سُمّي المدارس الثلاث عام 1850،

التي تحولت لاحقًا إلى ثانويات مزدوجة اللغة والثقافة في قسنطينة والجزائر وتلمسان. غير أن هذه التجربة، القريبة من نموذج المدرسة الصادقية في تونس، لم تنجح في إنتاج مثقف قادر على أداء دور الوسيط بين النخب المتوسطة والعليا التي استهدفتها، خاصة في قطاعات التعليم والعدالة الموجهة إلى الأهالي. فقد أفشل الطابع الاستعماري للمجتمع ككل هذا المجهود، سواء بسبب محدودية عدد خريجي هذه المدارس أو بسبب اتساع الطلب الاجتماعي الذي لم تتمكن من تلبيته. دفعت الانقساميةُ التي طبعت النخبة الجزائرية مراكزَ القرار، منذ منتصف الثمانينيات، إلى تفضيل توجيه مشروع الإصلاح السياسي نحو الفئات الشعبية، التي عبّرت بأشكال متعددة عن تذمرها من

((3(هذا ما بينته دراسة عالمة الاجتماع، فاني كولونا، وهي تتكلم عن مدرسة المعلمين ببوزريعة في أعالي العاصمة على سبيل المثال. ينظر:

Fanny Colonna, Instituteurs algériens, 1883–1939 (Paris: Presses de la Fondation nationale des sciences politiques,

(34) Noureddine Sraieb, "Le collège Sadiki: Histoire d’une institution," in: Patrick Cabanel & Jacques Alexandropoulos, La Tunisie mosaïque (Toulouse: Presse Universitaire du Midi, 2020). (35) Charles Janier, "Les medersas algériennes de 1850 à 1960," Monographie écrite (Juin 2010), accessed on 12/2/2026, at: https://acr.ps/1L9F2xJ

أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، قبل أن يتحول هذا التذمر إلى مستوى سياسي. وقد جرى التعامل مع هذه الفئات باعتبارها فاعلًا جماعيًا يحتمل أن يحدث التغيير، في سياق لم يكن يحظى فيه مشروع

الإصلاح بإجماع داخل مراكز القرار نفسها. فقد اتفقت هذه المراكز على ضرورة معالجة الاختلالات التي ظهرت في مشروع بومدين، من دون أن تتفق على أولويات الإصلاح ولا على عمقه ولا على القطاعات التي ينبغي الشروع فيها. لهذا السبب، ركزت المبادرات الأولى على الإصلاح الاقتصادي، الذي كان يحظى بقدر أكبر من القبول مقارنة بالإصلاح السياسي، بالنظر إلى وضوح أعطابه واتساع الإجماع حولها داخل المجتمع. وسهُل تجنيد الفئات الشعبية المتضررة من الوضع الاقتصادي، إلى جانب فئات وسطى أجيرة ومالكة كانت من أبرز المستفيدين من التحولات التي عرفها هذا القطاع. وقد سمح تبنّي اقتصاد السوق وبداية تفكيك القطاع العمومي المملوك للدولة لهذه الفئات بالانتقال من موقع الأجير إلى موقع المالك، وخصوصًا أن النخب نفسها التي أدارت القطاع العام واصلت الإشراف عليه بعد خصخصته، لتستفيد هذه المرة من الشبكات والعلاقات التي راكمتها سابقًا، ولكن بوصفها مالكة جديدة للقطاع الخاص. جرت هذه الإصلاحات بمبادرة من هذه الفئات ومن دون تبعات سياسية كبيرة في تصور القائمين عليها. غير أن الوضع المالي الصعب للبلاد شكّل عائقًا حقيقيًا أمام تجسيدها على أرض الواقع،

على الرغم من محدودية الاعتراضات السياسية التي واجهتها، والتي صدرت أساسًا عن تيارات

وطنية جذرية ويسارية. وقد اتخذ هذا الاعتراض شكل تحالف قادته عناصر من جبهة التحرير الوطني والقيادة النقابية، بدعم من شخصيات قريبة من حزب الطليعة الاشتراكية (الحزب الشيوعي سابقًا)، التي استمرّت في التمتع بحضور وازن داخل ما سُمّي المنظمات الجماهيرية، مثل الاتحاد العام

للعمال الجزائريين، واتحادات الفلاحين والنساء، إضافة إلى بعض المثقفين والصحافيين والناشطين في الوسط الجامعي بين الطلبة وهيئة التدريس إلى غاية نهاية الثمانينيات. غير أن هذه التجربة السياسية المحسوبة على اليسار، عرفت أفولًا واضحًا لمصلحة تجربة جديدة

تصدرتها تيارات سلفية دينية صاعدة، بدأت تطفو على السطح منذ منتصف الثمانينيات. وقد راكمت هذه التيارات حضورًا واسعًا داخل الأوساط الشعبية في المدن الكبرى والمتوسطة، معتمدة على شبكة مساجد اشتغلت بعيدًا عن الرقابة الأمنية والسياسية التي كانت منشغلة أساسًا بصراعاتها مع

النخب العصرية المنتمية إلى الفئات الوسطى والمتمركزة داخل مؤسسات الدولة ومحيطها. وقد أتاح هذا الوضع للتيار الديني أن يستمر في بناء قواعده، قبل أن يفرز، بعد سنوات قليلة، قيادات عرفت كيف تملأ الفراغ السياسي داخل الشارع الجزائري، في لحظة بدأت فيها الخلافات بين النخب

((3(بيّنت لي ملاحظاتي داخل عالم الشغل الجزائري أن كثيرين ممن كانوا يسيّرون القطاع العمومي في أنشطة اقتصادية معينة

استمروا على رأس القطاع بعد خصخصته، كما تظهره حالات بعض قيادات منظمات أرباب العمل. ((3(زيادة على التضييق الإعلامي والسياسي، عرفت وجوه كثيرة ممثلة لهذا التيار السياسي حملات اعتقال لتحييدها خلال هذه المرحلة الحساسة بعد الإعلان عن انطلاق هذه التوجهات السياسية والاقتصادية الجديدة.

الرسمية تتفاقم وتبرز إلى العلن، وعجزت عن إبراز وجوه متوافق عليها لقيادة الإصلاحات التي حظيت بإجماع عام من حيث المبدأ، من دون اتفاق حول أولوياتها ولا وتيرة تنفيذها. وفي هذا السياق، تحركت مراكز القرار المنادية بالإصلاح على نحوٍ منفرد ومن دون تنسيق فيما بينها، في فترة غاب فيها مركز قرار جامع يقود هذه التحولات. وعلى الرغم من المحاولات التي قامت بها رئاسة الجمهورية، فإنها لم تحقق نجاحًا يُذكر، بسبب غياب التوافق بين الشخصيات الفاعلة

داخلها. وقد برز في هذا الإطار مولود حمروش (1943–)، الذي شغل موقعًا محوريًا بوصفه أمينًا

عامًا للحكومة (1986)، ثم رئيسًا لها (1991–1989)، وسعى لتطبيق إصلاحات اشتغل بها فترة طويلة،

مستعينًا بنخب من الفئات الوسطى البيروقراطية والتكنوقراطية. وهي فئات لم يكن لها تقليد راسخ في العمل السياسي، سواء الحزبي أو غيره، نتيجة ابتعادها عنه خلال مرحلة الأحادية الحزبية (–1962 1989) إلى غاية الاعتراف بالتعددية (تشرين الثاني/ نوفمبر 1989). سعى حمروش لاستمالة هذه الفئات لإحداث تحوّل في موازين القوى داخل حزب جبهة التحرير

الوطني، بوصفه موقعًا سياسيًا مركزيًا يمكن أن يواكب الإصلاحات بدلًا من تعطيلها، كما حصل

خلال فترة طويلة بسبب سيطرة نخب محافظة على الجهاز الحزبي أواخر حكم بومدين مع محمد الصالح يحياوي، ثم محمد الشريف مساعدية (2002–1924)، الذي أبدى مقاومة شديدة لمسار الإصلاح، كما ظهر خلال مؤتمر جبهة التحرير عام 1984، قبل أن يُبعَد عن الحزب مباشرة بعد

أحداث تشرين الأول/ أكتوبر.1988 وخلال هذه المرحلة، نُسبت أدوار عديدة إلى مديرية الأمن الوطني، خاصة خلال أحداث تشرين الأول/ أكتوبر 1988، حين كان الهادي لخضيري على رأسها (1987–1977). وقد تدهورت علاقته بسرعة مع حمروش بعد إبعاده من الحكومة ومنعه من الترشح للانتخابات التشريعية، وهو ما أدى إلى ظهور تصدعات داخل الفريق الإصلاحي، زادت من تعقيد الرهان على هذا النوع من

((3(عاشت مؤسسات الدولة المركزية على غرار رئاسة الجمهورية التي كان يفترض فيها قيادة هذه الإصلاحات صراعات كثيرة، كما حصل بين خالد نزار وزير الدفاع والعربي بلخير مدير ديوان الرئيس ومولود حمروش الأمين العام للرئاسة ورئيس الحكومة لاحقًا، هذا زيادة على الصراعات المؤسسية كتلك التي كانت حاضرة بين حزب جبهة التحرير والحكومة ورئاسة الجمهورية والإدارة

المركزية. وقد أخذت تلك الصراعات، في بعض الأحيان، طابعًا شخصيًا بين الأفراد زيادة على حمولتها السياسية الجماعية. ((3(حتى عندما تعلّق الأمر بالإصلاحات الاقتصادية لم يكن هناك توافق بين مراكز القرار (رئاسة الحكومة، وزارة التخطيط، رئاسة الجمهورية) التي تكلّم عنها بإسهاب غازي حيدوسي وهو يذكّر بتجربته في وزارة التخطيط التي كان يتم فيها "تحرير

تقارير مغلوطة وشبه مغلوطة نوجهها إلى مصالح الحكومة ورئاسة الجمهورية لنحتفظ بالتقارير الصحيحة عندنا كمجموعة للتخطيط كنا نشتغل عليها في المساء بعد خروج الموظفين من مقر الوزارة". ينظر:

Ghazi Haidouci, La libération inachevée (Paris: Editions la découverte, 1995).

(4((تبنّى الرئيس الشاذلي بن جديد هذه الرؤية الإصلاحية بعد مرحلة تردّد، ويمكن ذكر اسم مولود حمروش الأمين العام برئاسة

الجمهورية الذي كان من الوجوه البارزة لهذا التيار الإصلاحي الذي ظهر في برنامج حكومته لاحقًا الذي كان تجسيدًا في جزء كبير

منه لعمل مجموعات الإصلاحات التي انطلقت برئاسة الجمهورية، إلى جانب الهادي لخضيري مدير الأمن الوطني الذي تُنسَب

إليه أدوار على الميدان في تجسيد الإصلاحات تكلمت عنها الشائعات قبيل أحداث تشرين الأول/ أكتوبر. كما جاء في هذا المرجع الذي استجوب فيه الصحافي سيد أحمد سميان الفاعلين الأساسيين أثناء تلك الأحداث كان من بينهم خالد نزار والهادي لخضيري.

. Semiane Sid Ahmed, Octobre, ils parlent (Alger: Editions le matin, 1999) ينظر:

الحركات الاجتماعية الشعبية المطلبية. فقد ظهرت تلك الحركات من دون قدرات تنظيمية واضحة، ومن دون نخب تقودها، واتسمت مطالبها بالغموض وتداخل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والقيمية فيها، ما جعلها، وفق هذه القراءة، قابلة للتوظيف بوصفها رافعة اجتماعية لدفع مسار الإصلاح الذي كان النظام السياسي في حاجة إليه لتحسين أدائه، بعد تزايد مظاهر العجز منذ السنوات الأولى لحكم بن جديد. في المقابل، لم تتجه هذه الاستراتيجية نحو الحركة العمالية والنقابية، ربما خوفًا من طابعها المنظم ومن وجود قيادات متمرسة يصعب تجاوزها أو توظيفها في مشروع سياسي لا تكون طرفًا فيه. كما أن مطالبها الاقتصادية والاجتماعية الواضحة وطابعها العصري جعلا من الصعب التلاعب بها، كما بينت

ذلك في مؤلفاتٍ سابقة. وقد أكدت العديد من الدراسات التي تناولت هذه الظواهر، قبل سنوات من اندلاع الحراك الشعبي وفي المرحلة الأخيرة من حكم بوتفليقة (2019–1999)، وجود ارتباط وثيق بين التهميش الاجتماعي داخل الفضاء الحضري وظهور الحركات الاحتجاجية. وربطت هذه الدراسات هذا المسار بفشل السياسات الحضرية، كما يعكسه ضعف الأداء المؤسسي المحلي، وهو ما أسهم في تنامي الاحتجاج داخل المدينة الجزائرية. ويظهر ذلك، على سبيل المثال، في دراسة اعتمدت على تحليل معطيات صحيفة الشروق اليوميالصادرة بالعربية في الفترة كانون الثاني/ يناير – حزيران/ يونيو 2015، حينما كان الإعلام المحلي لا يزال قادرًا على تناول مثل هذه القضايا. وقد أظهرت الدراسة أن الاحتجاج في الفضاءات الحضرية يقوده في الغالب سكان الحي المعني مباشرة بالمشكل المطروح بنسبة 1747. في المئة، وقد يتوسع ليشمل عدة أحياء (18.87 في المئة)، أو المدينة بأكملها 33.96(في المئة). وتصدرت الأحياء السكنية الجديدة قائمة الفضاءات الاحتجاجية بنسبة 31.43 في المئة، تلتها الأحياء القصديرية (8.58 في المئة)، ثم ما سُمّي الأحياء الفوضوية

13.33(في المئة). وتؤكد هذه المعطيات خصوصية الحالة الجزائرية فيما يهم العلاقة بين الاحتجاج والمجال الحضري، الذي توسع كثيرًا بفضل سياسات الدولة في بناء أحياء سكنية جديدة تحولت إلى فضاءات لتفاقم

مشكلات حديثة، لم يتمكن التسيير البيروقراطي من توقعها أو معالجتها في الوقت المناسب. وقد

(4((تستند هذه القراءة إلى ما أشرنا إليه من انقسامية النخب منذ مرحلة الحركة الوطنية، التي شهدت مثل هذه الصراعات بين النخب المنقسمة لغويًا، ثقافيًا وقيميًا من أجل فرض هيمنتها. وفي نهاية المطاف انتهى الصراع لصالح النخب المفرنسة المتأثرة

بالفكرة العلمانية وتقدم على أنها نخب عصرية، على الرغم من المنافسة التي وجدتها من النخب الدينية المعربة، التي مثلتها جمعية العلماء المسلمين وبعض شيوخ الإسلام الشعبي الطرقي الأقل حضورًا، والذي كانت تستهين به النخب العصرية قبل أن تكتشف

قوة حضوره في المجتمع والشارع ومراكز القوى، وأخيرًا في صناديق الاقتراع وقدرته على المنافسة. 4(((عبد الناصر جابي، الجزائر من الحركة العمالية إلى الحركات الاجتماعية (الجزائر: منشورات المعهد الوطني للعمل،.)2001 4(((الطاهر سعود وعبد الحليم مهور باشة، "المدينة الجزائرية والحراك والاحتجاجي: مقاربة سوسيولوجية"، عمران، مج  5، العدد 18 (خريف 2016)، ص.126–93 (((4 المرجع نفسه، ص.117

أدى ذلك إلى تدهور شروط الحياة في هذه الأحياء، سواء فيما يتعلق بالنقل العمومي أو الإضاءة أو الأمن أو الخدمات الصحية؛ ما جعلها تعيش حالات متكررة من انعدام الأمن بعد فترة قصيرة من إنشائها، وأسهم في بروز ظواهر مثل عصابات الأحياء وانتشار استهلاك المخدرات بين الشباب وما ارتبط به من عنف. وتندرج هذه التطورات في سياق مدينة عرفت نزوحًا ريفيًا متواصلًا طوال عقود بعد الاستقلال، ما زاد

من صعوبات التنشئة الاجتماعية ومن عدم تجانس القيم، خاصة في الأحياء الجديدة. وقد تحوّل سكان المدينة الأصليون إلى أقلية ديموغرافية، بحيث عجزوا عن "فرض" نمط عيشهم على المجال الحضري المتحوّل. وانعكست هذه الاختلالات في طبيعة المطالب الاحتجاجية، حيث تصدّر مطلب السكن المطالب الاجتماعية بنسبة 0.914 في المئة، تلاه مطلب التهيئة الحضرية (21.95 في المئة). وأظهرت المعطيات الميدانية أن الوقفات الاحتجاجية أمام المؤسسات العامّة كانت الشكل الأكثر شيوعًا بنسبة 35.12 في المئة، تلاها غلق الطرقات (29.34 في المئة)، ثم يتمثل الشكل الأكثر حدة في الجمع بين الاحتجاج وعرقلة عمل المؤسسات بعد اقتحامها (14.88 في المئة). وقد استهدفت هذه الاحتجاجات أساسًا مؤسسات الولاية بنسبة تقارب 04 في المئة، ثم الدائرة (21.87 في المئة)، فالبلدية، إضافة إلى مؤسسات أخرى ذات طابع اقتصادي وتربوي ورياضي (15 في المئة)، في مدن تعاني قلة المرافق وسوء تسييرها، وعجزها عن الاستجابة للطلب الاجتماعي في المراحل الأولى لنشوء المراكز الحضرية الجديدة. وعلى الرغم من الانتشار الواسع لهذه الاحتجاجات على المستوى الوطني، لم تحظ بقراءة جدية من مراكز القرار العليا في حينه، على الرغم من كونها شكّلت ظاهرة اجتماعية سياسية مركّبة عبأت فئات اجتماعية واسعة مدة سنوات، قبل محطة الحراك الشعبي.

رابعًا: من احتجاجات الثمانينيات إلى حراك باريس: الدور السياسي للهجرة

احتلت إشكالية القطيعة موقعًا مركزيًا في الدراسات التي تناولت حراك 2019، وذلك لفحص مدى ارتباطه بأنماط الحركات الاجتماعية التي عرفها المجتمع الجزائري قبل هذا التاريخ. ويبرز في هذا السياق حراك باريس، الذي سبق زمنيًا انطلاق المسيرات داخل الجزائر، خلافًا لما شهدته في السنة

نفسها حالات عربية أخرى مثل لبنان والعراق والسودان. ويعيد هذا المعطى إنتاج إحدى السمات البنيوية في التاريخ الاجتماعي والسياسي للجزائر، والمتمثلة في الدور المحوري الذي اضطلعت به الهجرة الجزائرية منذ بدايات عشرينيات القرن العشرين، حين انطلقت الحركة الوطنية الاستقلالية في المهجر، على يد العمال الجزائريين في فرنسا.

(4((المرجع نفسه، ص.119 (((4 ينظر: المرجع نفسه، ص 120 (الجدول.)7

وقد حظيت هذه الظاهرة باهتمام باحثين من أجيال مختلفة، من بينهم محمد حربي وبيار بورديو وعبد المالك صياد وبنجامين ستورا، إضافة إلى باحثين من الجيل الجديد، الذين أكدوا جميعًا خصوصية الحالة الجزائرية، حتى مقارنة بالحالات المغاربية القريبة. فقد شهدت الجزائر تشُّكُل الحركة العمالية والنقابية، ثم الحركة الطلابية، في المهجر قبل أن تشهدها داخل الوطن. وأسهم هذا المسار في تأثر واضح بالحياة الفكرية والسياسية الفرنسية، انعكس على هذه الحركات وعلى نخبها المركزية، كما تجلى لاحقًا، على سبيل المثال، في مواقف فدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا ("الولاية السابعة") ذات النزعة العلمانية، التي عبّرت عنها خلال النقاشات الوطنية حول الدستور بعد

الاستقلال، دفاعًا عن فصل الدين عن الدولة والمساواة بين الجنسين في مختلف المجالات. وقد واصل علي هارون (1927–)، أحد قيادات هذه الفدرالية، الدفاع عن هذه المواقف بعد الاستقلال، بصفته عضوًا في مجلس الدولة الذي تولى مهمات رئاسة الجمهورية عقب إقالة بن جديد أو استقالته عام 1992. ودخل في هذا السياق في صراعات مباشرة مع التيارات الدينية والمحافظة، متبنيًا مواقف

علمانية صارمة عكست توجهًا فكريًا داخل الحركة الوطنية ارتكز أساسًا على أبناء الهجرة. ومع مرور الوقت، عرفت الهجرة الجزائرية تحولات متفاوتة العمق في قاعدتها الاجتماعية، التي كان يغلب عليها الطابع العمّالي، لتصبح أكثر تنوعًا من الناحية السوسيولوجية، كما تنوعت وجهاتها الجغرافية نحو بلدان جديدة، مثل كندا وبريطانيا. غير أن هذا التنوع لم يمنع استمرار هيمنة الهجرة إلى فرنسا على مشهد الحراك، كما عكسته مسيرات باريس المنطلقة من ساحة الجمهورية، إضافة إلى مسيرات في مدن فرنسية كبرى أخرى. انطلقت هذه المسيرات، عقب مبادرة فردية أطلقها طالب جزائري عبر صفحته على فيسبوك في 12 شباط/ فبراير 2019، قبل أن تتوسع المشاركة فيها تحت شعار l’Algérie debout (الجزائر واقفة). وقد سبقت هذه التعبئة مسيرات الحراك داخل الجزائر، بل حتى بعض التحرّكات المحلية التي عرفتها

عدة مدن جزائرية. ومع ذلك، جرى التعامل مع هذه التحركات المحلية بوصفها الإرهاصات الأولى للحراك، في ظل تنافس بعض المدن والجهات على ريادة المبادرة، كما حدث في مدينة خنشلة

(((4 ينظر على سبيل المثال ما كتبه المؤرخ الفرنسي المتخصص في الدراسات الجزائرية، ينيامين ستورا:

Benjamin Stora, Ils venaient d’Algérie: L’immigration algérienne en France (1912–1992) (Paris: Fayard, 1992). (48) Massensen Cherbi, "Le Projet de Constitution de la Fédération de France du FLN (Mai 1962): Une autre indépendance algérienne," Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée , vol. 156, no. 2 (2024).

(4((للتعرف أكثر إلى الخصوصية الفكرية لتجربة فدرالية جبهة التحرير في فرنسا. ينظر مشروع الدستور الذي اقترحته قيادتها بعيد الاستقلال: Ibid. ((5(ينظر المعطيات التي يوفرها فصل من كتاب جماعي تطرق إلى السنة الأولى من الحراك، وتم الاعتماد في وضع عنوانه على ما جاء في لافتة تقول "دزاير رانا هنا" (الجزائر نحن هنا) رُفعت بمناسبة أول مسيرة للهجرة في ساحة الجمهورية في باريس يوم 17

شباط/ فبراير:2019

Giulia Fabbiano, "Dzair ra na hna; hirak et Hexagone," in: Amin Allal, Layla baamara & Giulia Fabbiano, Cheminements révolutionnaires, un an de mobilisation en Algérie 2019–2020 (Paris: Cnrs éditions, 2021), pp. 151–184.

(على ارتفاع 1200 متر عن سطح البحر، في منطقة الأوراس، إلى الشرق الشمالي الجزائري، تبعد حوالى 006 كلم إلى شرق العاصمة الجزائر، يبلغ عدد سكانها حاليًا 110 آلاف ساكن تقريبًا)، حيث خرج مئات

المواطنين في 14 شباط/ فبراير احتجاجًا على ما نُقل عن رئيس البلدية من استفزاز لهم، وهو الاحتجاج

الذي تطوّر بعد أيّام ليبلغ حدّ نزع الصورة الضخمة للرئيس بوتفليقة من واجهة مقر البلدية، في فعل

رمزي عبّر عن تجاوز عتبة الخوف لدى سكان مدينة صغيرة وفقيرة عانت التهميش منذ الاستقلال، على

الرغم من مساهمة أبنائها الفاعلة في حرب التحرير. وسجلت أحداث مشابهة في مدينة خراطة بولاية بجاية (شمال) في 16 شباط/ فبراير، حيث انطلقت مسيرة احتجاجًا على ترشح بوتفليقة، قبل أن يُعلن

بعد يومين عن مغادرته الجزائر لإجراء ما وُصف بفحوصات طبية روتينية في جنيف، استمرت فعليًا إلى

منتصف آذار/ مارس؛ ما غذّى موجة واسعة من الشائعات حول وضعه الصحي. شارك في مسيرات باريس مهاجرون من مختلف الأعمار والوضعيات الاجتماعية، وكان الإحساس بالعار، كما عبّر عنه بيانهم الأول، حاضرًا بقوة وهم يشاهدون رئيسًا مقعدًا على رأس السلطة منذ

عقدَين يترشح لعهدة خامسة. ومثّل هذا الترشيح الشرارة الأولى التي دفعت الجزائريين، في المهجر وداخل الوطن، إلى الخروج الجماعي والسلمي لرفضه، قبل أن تتطور مطالب الحراك لاحقًا نحو أهداف سياسية أوسع، مرتبطة بإصلاح النظام السياسي. شهدت السنوات الأخيرة من حكم بوتفليقة، قبل إعلان الترشح إلى العهدة الخامسة، تزايد مظاهر الفساد، التي بلغت مستويات غير مسبوقة، بفعل بروز قوى داخل مؤسسات النظام، ولا سيما المؤسسات الأساسية، تميزت بربطها بين المال والسياسة والإعلام ضمن شبكة أوليغارشية توسعت في سياق غياب رئيس عاجز. وضمّت هذه الشبكة وجوهًا سياسية وأخرى اقتصادية، كان في مقدمتها سعيد

بوتفليقة (1957–)، شقيق الرئيس ومستشاره، الذي استثمر رابطة القرابة ليصير فاعلًا في المجال السياسي، في ظاهرة لم يعرف حجمها هذا وبروزه إلى العلن النظام الجزائري من قبل، ويُرَجَّح أن

جزءًا منها تأثّر بثقافة سياسية عاشت في كنفها عائلة بوتفليقة خلال إقامتها في المغرب. كان الفساد حاضرًا بقوة في يوميات المهاجرين من خلال ممارسات ملموسة، مثل التحويلات

المالية غير الشفافة وشراء العقارات من جانب أعضاء الأوليغارشية الحاكمة وأفراد عائلاتهم في أوروبا، ولا سيما في فرنسا. وأسهمت حرية الإعلام والتعبير التي يتمتع بها المهاجرون في تداول هذه المعلومات، ورصد تحركات هذه الشخصيات بين ضفتَي المتوسط. وتحولت الروابط العائلية والجهوية داخل الأوساط المهاجرة إلى قنوات أساسية لتداول مثل هذه الأخبار وما قد يحوم حولها من الشائعات، استغلها بعض المؤثرين المقيمين في أوروبا للتعبئة ضد الوضع السياسي القائم آنذاك. وقد تفاقمت مثل هذه المظاهر من الدعاية والتحريض السياسيَين في سياق تراجع العمل السياسي

الجماعي المنظم، الذي ميز الهجرة في مراحل سابقة، من خلال الأحزاب والجمعيات والنقابات.

((5(لم يعرف النظام السياسي الجزائري ظاهرة الربط بين السياسة والعائلة على هذا النحو العلني والمكشوف لا في عهد الرئيس بومدين ولا بعده باستثناء حالة الرئيس بن جديد الذي ظهر أثناءها بعض أفراد عائلته إلى سطح المشهد السياسي كما كان حال أخيه الوالي، وبعض أفراد أصهاره من زوجته الثانية، ومنهم والي تيبازا أثناء أحداث تشرين الأول/ أكتوبر.1988

وفي هذا السياق، برزت ظاهرة المؤثرين على وسائط التواصل الاجتماعي بوصفها شكلًا جديدًا من المعارضة، استثمر بقوة في تلك الوسائط، خاصة بعد انتشار الإنترنت في الداخل الجزائري وتحسّن تدفقه منذ بداية الألفية الجديدة، في مرحلة تزامنت مع اضطرابات سياسية واجتماعية متلاحقة. وقد وفرت مسيرات المهجر معطيات غنية حول ظروف تشُّكُلها، حيث تحولت ساحة الجمهورية في باريس إلى الفضاء المركزي لتجسيدها كل يوم أحد طوال السنة الأولى من الحراك. وساد خلال هذه الفترة مناخ من التفاؤل، انعكس أحيانًا على خلاصات بعض الدراسات التي اكتفت بتحليل المرحلة الأولى من الحراك من دون انتظار اتضاح مساراته اللاحقة. وشهدت أولى مسيرات باريس مشاركة أكثر من 3000 متظاهر من خلفيات اجتماعية وجيلية متنوعة، وهو عدد فاق توقعات المنظمين، قبل أن تتطور أشكال التنظيم لاحقًا نحو قدر من الديمومة، على غرار ما لوحظ في مسيرات الجزائر العاصمة. ولم تشهد هذه المسيرات، على الأقل خلال سنتها الأولى، أيّ احتكاكات تُذكَر بين المشاركين من مختلف التيارات السياسية. غير أن استثناءً واحدًا برز في هذا السياق، تمثل في نشاط حركة تقرير مصير منطقة القبائل، التي

وجدت في فرنسا، إلى جانب كندا جزئيًا، المجال شبه الوحيد لممارسة نشاطها العلني. وقد ظلت

قدرتها على التعبئة محدودة، كما ظهر خلال مسيرة 17 آذار/ مارس 2019، حين حاولت عناصرها الاقتراب من مركز التجمع ورفع رايات الحركة؛ ما أثار استياء عدد من شباب الحراك الذين طالبوا بإبعادها إلى أطراف المظاهرة، في حادثة كنت شاهدًا عليها بنفسي. وقد واجه شباب الحراك من أبناء المنطقة هذا الطرح بتناقضه الظاهر، معتبرين أن الأمر يتعلق بشأن جزائري داخلي لا ينسجم مع خطاب الانفصال، وهو ما كاد يتحول إلى احتكاك جسدي خلال النقاش. وقد كشفت هذه الواقعة عن الغموض الذي لا يزال يطبع خطاب هذه الحركة، التي ضمّت في جزء منها طلبة قدامى من جامعة بوزريعة المعروفة بكونها معقلًا من معاقلها هذه، واستمرت في الانخراط

((5(لمزيد من التفاصيل حول ظاهرة المؤثرين واستعمال وسائط التواصل الاجتماعي، ينظر:

Aïssa Merah, Nacer Aoudia & Nabila Aldjia Bouchaala, "Profils des youtubeurs cyberactivistes en Algérie. Trajectoires de professionnalisation et contraintes technico–politiques," Communication , vol. 38, no. 2 (2021), accessed on 29/3/2026, at: https://acr.ps/1L9F2wm (53) Fabbiano, p. 151.

((5(على غرار Revue Mouvements الصادرة عن دار نشر La découverte التي تكلمت عن ثورة جزائرية وهي تصف الحراك في

. "Hirak, Algérie en révolution(s)," Mouvements , vol. 102, no. 2 (Septembre 2020) عددها الصادر عام 2020 ينظر:.

((5(هذا ما وقفتُ عليه خلال ملاحظاتي المباشرة لأكثر من 118 مسيرة شاركت فيها بالجزائر العاصمة. ((5(تأسست عام 2001، بعد تحركات احتجاجية في منطقة القبائل على يد فرحات مهني الذي أعلن نفسه رئيسًا للحكومة المؤقتة

لمنطقة القبائل في المنفى، وكانت تُعرَف إلى حد تشرين الأول/ أكتوبر 2003 باسم "حركة استقلال القبائل"، وقد صنفتها السلطات

الجزائرية "منظمة إرهابية" في أيار/ مايو 2021، بينما أعلنت هي، في باريس، "استقلال" منطقة القبائل في كانون الأول/ ديسمبر 2025..) MAK ماك= (Mouvement pour l’autodétermination de la Kabylie وهي تسمى على الأغلب باختصارات اسمها بالفرنسية ((5(المسيرة الوحيدة التي حضرتها في باريس صادفت حضوري فعاليات صالون الكتاب في فرنسا.

في الشأن الجزائري من موقع يطالب بالانفصال وبناء كيان سياسي مستقل في منطقة القبائل، بعد انتقال مطالبها من الحكم الذاتي الموسع إلى الاستقلال التام. مع مرور الوقت، أخذ حراك المهجر طابعًا أكثر تنظيمًا، خاصة ضمن مبادرة Libérons l’Algérie

(لنحرر الجزائر)، التي نشطت في أكثر من مدينة فرنسية، من دون أن تنجح في بناء تنظيم موحد يجمع مختلف هذه المبادرات. وبقي حراك باريس الإطار الأوسع الذي يلتقي فيه الجزائريون أسبوعيًا،

من مختلف الأعمار والمواقع الاجتماعية وأجيال الهجرة، مع حضور لافت للشباب من "الحراقة" (المهاجرين غير النظاميين) والمهاجرين الجدد. غير أن هذا الاتساع لم يمنع بروز خلافات داخلية، شملت مختلف مكونات الطيف السياسي الجزائري في الداخل والمهجر، التي حاولت تجاوز صراعاتها المرتبطة بعشرية العنف في التسعينيات. وقد نجحت أحيانًا في توحيد مواقفها، كما حدث عند رفض الدعوة إلى الانتخابات الرئاسية التي أعلنتها المؤسسة العسكرية، لكنها عجزت عن تجاوز خلافاتها حين تعلق الأمر بالمسائل التنظيمية المرتبطة مباشرة بالحراك. وتعود هذه الصعوبات إلى تجدد الهجرة الجزائرية خلال السنوات الأخيرة، ومزيد تنوّعها مقارنة

بطابعها العمالي الغالب تاريخيًا، الذي كان يمنحها خصائصها التنظيمية المعروفة، مقارنة حتى

بالهجرات المغاربية المشابهة. وقد حاولت الأجيال الجديدة استعادة هذا البعد النضالي من خلال الحراك، بوصفه أول تجربة احتجاج جماعي بالنسبة إلى كثير من الجزائريين المقيمين خارج الوطن، الذين يسعون لابتكار أشكال جديدة من الفعل الاحتجاجي في المهجر مستفيدين من

مساحات التواصل والتشبيك التي وفّرها الفضاء الرقمي، على نحوٍ أتاح لهم اعترافًا اجتماعيًا وسياسيًا

داخل الجماعة الوطنية الجزائرية وفي المجتمع الفرنسي في آن واحد.

خامسًا: قواعد حراك 2019 الديموغرافية - الاجتماعية وخصائصه السياسية - الثقافية

تميّز الحراك الشعبي في شباط/ فبراير 2019 من احتجاجات الثمانينيات بالسلمية، وطول الفترة التي

تجاوزت السنة ونصف السنة التي استغرقها حتى توقّفه نتيجة انتشار جائحة كوفيد التي استغلتها

((5(لمزيد من التفاصيل حول كيفية تطور مطالب النخب القبائلية عبر الزمن، ينظر:

Mohand Tilmatine, "La construction d’un mouvement national identitaire kabyle: Du local au transnational," Studi Magrebini (2017); Anna Maria Di Tolla & Ersilia Francesca (eds.), "Emerging Actors In Post–Revolutionary North Africa. Berber Movements: Identity, New Issues and New Challenges," Studi Magrebini , vol. 15, no. 2 (2017). (59) Ibid.

(6((يمكن العودة إلى الوثائق المتعلقة بالحراك التي جاءت على شكل نداءات للتظاهر ولاتخاذ مواقف من الأحداث في المهجر،

. Sanhadja Akrouf & Patrick Farbiaz, Algérie la seconde révolution (Paris: Editions du croquant, 2021) في:

6(((ديديي لوساوت، "القيام بالحراك في باريس: مشاهد ثورة ضد النظام الجزائري"، ترجمة لحسن زغدار، سياسات عربية، مج 10، العدد 55 (آذار/ مارس 2022)، ص.106–97

السلطات. واتسم بشموله شرائح اجتماعية جديدة وخصوصًا النساء، وتركيزه على مطالب نوعية ارتبطت بإصلاح النظام السياسي ومدنية الدولة أول مرة في التاريخ السياسي للجزائر. وفي المقابل، تشابه معها بعدم قدرته على التنظيم وعجزه عن إفراز القيادة، إضافةً إلى الأهمية الكبيرة لدور المهاجرين السياسي فيه. ففي المهجر، شهدت التحركات التي نظّمها الجزائريون في حراك 2019 ضد العهدة الخامسة لبوتفليقة، خصوصًا في باريس، حشدًا كبيرًا بوصفها نموذجًا تنظيميًا ظهر في الداخل الجزائري أيضًا. فقد تحولت المسيرات إلى فضاءات مفتوحة للنقاش السياسي امتدت أسابيع استعاد خلالها الجزائريون حقهم في النقاش العام حول القضايا السياسية، وهو ما لم يعتادوه، بشكله الجماعي والعلني هذا ومن دون خوف. أمّا داخل الجزائر، فتكشف ملاحظات المؤلّف، أثناء مشاركته في مسيرات الحراك في العاصمة، المشاركة النسائية اللافتة فيها، التي عكست تزايد حضور النساء في الفضاء العام، وفي مختلف أسلاك التعلم، وسوق العمل، وتأخر سن زواجهن عما اعتدنه سابقًا، وانخراطهن في تنظيم النسل. وكان من السهل من خلال متابعة المسيرات المنطلقة من أحياء أعالي الجزائر العاصمة رؤية النساء وهن يشاركن مع عائلاتهن بانتظام كل يوم جمعة، رفقة عائلاتهن الصغيرة، التي قلّما يزيد عدد أطفالها على طفلين، الناتجة من الزيجات العصرية التي توسعت كثيرًا بين الجزائريين على حساب الزيجات التقليدية التي كانت موضوع اهتمام دراسات ديموغرافية عديدة، من بينها أعمال كمال كاتب. وعكست هذه التحولات اتجاهًا عامًا نحو الاستقرار في المدن الكبرى والمتوسطة، بما أفرزه من تجانس اجتماعي على المستوى الوطني، جرى فيه تجاوز الكثير من الأبعاد الجهوية والعائلية للحياة الاجتماعية الجزائرية، بما سمح بتعارف أكبر بين الجزائريين على اختلافاتهم. وتكشف الملاحظات المسجّلة حول مسيرات العاصمة أبعادًا وطنية للحراك، عبّرت عن نفسها في أكثر من مستوى، من بينها المجالان الثقافي واللغوي، حيث برزت اللغة العربية الدارجة، المحسّنة بفعل الانتشار الواسع للتعليم بين الجزائريين، لغة مهيمنة في الحراك، على حساب لغات ذات استعمال واسع كالفرنسية والأمازيغية، اللتَين غالبًا ما يُمزَج بينهما في الحديث اليومي. وقد لاحظ هذا المعطى عالم الأنثروبولوجيا الجزائري عبد الرحمان موساوي.

6(((جابي، حفريات في سوسيولوجيا النخب الوزارية الجزائرية. (6((ينظر على وجه الخصوص المؤلفات التي اهتمت بمسألة الزواج والحضور النسوي في المنطقة المغاربية، بما فيها الجزائر، واعتمدت على التحليل على المدى الطويل.

Kamel Kateb, La fin du mariage traditionnel en Algérie – étude démographique, une exigence d’égalité des sexes en Algérie 1876–1998 (Paris: Editions bouchene, 2001); Kamel Kateb, L’émergence des femmes au Maghreb, une révolution inachevée (Alger: Editions apic, 2016). (64) Abderrahmane Moussaoui, Algérie, une longue marche, hirak, mémoires, et histoire (Paris: Hémisphères éditions; Edition maison neuve et Larose, 2023), pp. 91–108.

من جهة أخرى، ارتبط الحراك بأزمة اقتصادية اجتماعية يعاني آثارها نظام سياسي شاخت رموزه داخل مجتمع شابّ عرف انتشارًا سريعًا وواسعًا للتعليم العالي. وقد أفرز ذلك الانتشار تحولات

قيمية وثقافية، إلى جانب درجة من عدم التجانس الاجتماعي بالمعنى الطبقي. وقد استفادت من هذه التحولات فئات واسعة بدرجات متفاوتة، بما في ذلك الفئات الشعبية والفقيرة، خاصة من أبناء الريف، التي راهنت على المدرسة الحكومية في تحقيق حراك اجتماعي صاعد على الأغلب، مرفوقًا بحراك مجالي واسع. وفي المقابل، اتجهت الفئات الميسورة تدريجيًا نحو المؤسسات التعليمية

الغربية لتعزيز مواقعها وفرصها التنافسية في سوق العمل والاقتصاد، خصوصًا في مرحلة التعليم العالي. وفي مجتمع يفتقر إلى التواصل بين الأجيال بسلاسة، نتيجة التباعد الكبير في المرجعيات، ركزت الأطراف الرسمية في خطابها على ثورة التحرير، وبدرجة أقل على الحركة الوطنية، بعد تفريغهما من

محتواهما السياسي والفكري المتنوع، خصوصًا ما كان مسكوتًا عنه بعد الاستقلال. وقد أدِمُِج ذلك ضمن سردية رسمية رُِّوِج لها انسجامًا مع الأحادية التي فرضتها النخب العسكرية التي سيطرت على مقاليد الأمور قبيل الاستقلال، على حساب نخب سياسية وحزبية أكثر تنوعًا من حيث المرجعيات الفكرية والأصول الاجتماعية. وبالنظر إلى كل مظاهر التغير الاجتماعي التي ذكرنا أنها مسّت المجتمع الجزائري، لم تعد هذه السردية التاريخية تقنع الفئات الشابة، التي ربطت تآكل صدقيتها بالفئات الرسمية المروّجة لها. وقد أنتج ذلك قطيعة جيلية ظهرت بوضوح خلال الانتخابات الرئاسية التي طُرح فيها ترشح الرئيس بوتفليقة لعهدة خامسة، والذي مثّل الشرارة التي انطلق منها الحراك؛ إذ تعامل معه المواطنون بوصفه إهانة للبلد على المستوى الدولي، ومساسًا سلبيًا بالصورة الإيجابية التي يحملونها عن

وطنهم. وتكشف الملاحظات وجود ثلاثة روافد بشرية أساسية للحركة الاحتجاجية: ينطلق الرافد الأول من أعالي مدينة الجزائر العاصمة، من أحياء الشراقة والأبيار وحيدرة وبوزريعة وبن عكنون وغيرها من أحياء غرب العاصمة وجنوب غربها. وتوجّه المشاركون غالبًا سيرًا على الأقدام أو عبر السيارات

الخاصة. وظهرت خلال الأسابيع الأولى للحراك أشكال متعددة من التضامن بين المتظاهرين، خاصة حينما حاولت الأجهزة الأمنية في عدد محدود من المسيرات توقيف السيارات المتوجهة نحو وسط العاصمة.

(6((لم تعرف الجزائر ظاهرة الجامعات الخاصة حتى الآن، ما جعل الفئات الميسورة توجّه أبناءها نحو الجامعات الغربية والفرنسية

تحديدًا. ولم تجد هذه الجامعات نوعًا من التنافس الضعيف من جانب الجامعات الأنكلوسكسونية إلا مؤخرًا بعد الانتشار النسبي

الذي عرفته اللغة الإنكليزية في الجزائر. (((6 عرفت الانتخابات الملغاة والمؤجلة أكثر من مرة خلال عام 2019 ممارسات زادت في ابتعاد المواطنين عنها بعد أن ترشحت لها وجوه لا تتمتع بالحد الأدنى من الصدقية روّج لها الإعلام التلفزيوني بصفة يومية غير احترافية زادت من تنفير المواطنين منها. (((6 "مسجد الرحمة"، المستودع الدعوي الرقمي، شوهد في 2026/2/12، في: https://acr.ps/1L9F2zn

وتميزت المسيرات الفرعية القادمة من أعالي العاصمة بحضور لافت لأبناء منطقة القبائل، على الرغم من الطابع المختلط لأحياء المدينة، الذي تعزز مع التوسع العمراني خلال العقود الأخيرة. وتميزت بحضور نسائي لافت، خاصة من بنات الفئات الوسطى الحضرية، وهو انتماء كان يمكن ملاحظته في لباسهن وفي لغة حديثهن التي ترتفع فيها نسبة الفرنسية مقارنةً بالعربية الدارجة والأمازيغية، خلافًا لما هو شائع في المدينة ككل، حيث تميل العربية الدارجة إلى الصدارة ضمن توليفة لغوية تضم أيضًا الفرنسية والأمازيغية. وتميزت هذه المسيرات كذلك بطابع عائلي واضح؛ إذ اعتادت كثير من العائلات اصطحاب أطفالها، بحضور الأزواج وأفراد الأسرة من أجيال أكبر سنًا، بما أضفى على المسيرات قدرًا من السكينة. وقد كانت النقاشات تبدأ منذ الصباح بساعات، وتتوسع قبل صلاة الجمعة. ولم تنقطع هذه التجمعات حتى خلال الفترة التي عُلّقت فيها صلاة الجمعة، بسبب جائحة كورونا، مدة ثمانية أشهر عام 2020. وكانت هذه اللحظات تمثّل مناسبة لتدخّل نشطاء الحراك في تنظيم المسيرة والتوافق على شعاراتها وتبادل المعطيات حول الوضع السياسي، قبل التوجه نحو البريد المركزي تحت مراقبة أمنية كثيفة منذ ساعات الصباح الأولى، عبر انتشار سيارات الشرطة وعناصرها بلباسهم الرسمي أو المدني. وقد جرى ذلك عمومًا من دون احتكاكات تُذكَر، على الرغم من الاعتقالات التي شهدتها الأيام الأولى وشملت وجوهًا معروفة من المتظاهرين، خاصة أولئك الذين كانوا يصلون فرادى قبل تزايد الأعداد، ففي تلك الفترات، كانت الشرطة تتجنب التدخّل المباشر وتكتفي بالمراقبة عن بعد، مع حضور الطائرات العمودية التي أصبحت جزءًا ثابتًا من مشهد المسيرات، إلى حين توقّفها عادةً في حدود

السادسة مساء. يلتقي الرافد الأوّل في ساحة البريد المركزي بالرافد الثاني القادم من أحياء باب الواد وساحة الشهداء

وبقية أحياء الواجهة البحرية، أي الشمالية لغرب العاصمة. وكانت مسيرات هذا الرافد، التي اصطُلح

على تسميتها مسيرة باب الواد، الأكثر زخمًا في كثير من الأحيان، وتميل إلى حضورٍ أكبر للشباب والذكور، من دون غياب النساء، لكنهن في الغالب من أوساط شعبية مقارنة بنساء أعالي العاصمة، كما يظهر من اللباس الأكثر تواضعًا ومن خلال حضور العربية الدارجة بوصفها لغة مهيمنة. وكانت هذه المسيرة تتوقف هي أيضًا قرب بعض مساجد باب الواد، مثل "مسجد السنّة" المعروف بطابعه

(6((أكدت لي دراساتي للانتخابات التشريعية الجزائرية فترات طويلة ومعرفتي بالأصول الجغرافية للمترشحين لها حضور أبناء منطقة القبائل في أحياء أعالي العاصمة كما هو الحال في بن عكنون (غرب العاصمة، أقرب إلى جنوبه) والأبيار (غرب العاصمة، أقرب إلى شماله)، وهو ما زادت في تأكيده النتائج التي حققتها أحزاب محدّدة مثل "التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية" و"جبهة

القوى الاشتراكية"، وهي معروفة تقليديًا بأن قواعدها الاجتماعية والانتخابية تتضمن حضورًا مهمًا لأبناء منطقة القبائل. كما أن سكني

وإقامتي الطويلة في هذه الأحياء مكناني من ملاحظة سيادة التكلم بالقبائلية في السوق والشارع، وخاصة في حي الأبيار الذي يشبه في ذلك مركز حي عين البنيان (غرب العاصمة) قبل التوسع الذي عرفه.

(69) Yasmina Boughaba, "Dynamique socio–identitaire: Etudes des pratiques langagières dans l’espace urbain algérois," Multilanguales , vol. 19 (2023).

(7((التقيت أكثر من مرة بعائلات جزائرية كانت تواكب الحراك بثلاثة أجيال الجد والأب والأحفاد. كانوا ينزلون جميعًا من أعالي

العاصمة للمشاركة في المسيرات وعلى امتداد عدة أسابيع.

الشعبي، الذي ارتبط تاريخيًا بنشاط سلفي وبحضور الشيخ علي بلحاج (1956–)، الذي كان يتنقل

أيضًا إلى مسجد ابن باديس بالقبّة (جنوب شرق العاصمة)، حيث أعلن عن تأسيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ عام.1989 ومع الأثر المحتمل لهذه المعطيات ذات العلاقة بالتيارات الدينية الإسلامية السلفية، حافظ الحراك في هذا الرافد على شعاراته ومطالبه السياسية من دون تغيير جوهري، على الرغم من حضور بعض العناصر التي تبدو من "الإسلاميين"، كما يظهر في مظهر المتظاهرين الخارجي ولباسهم، أو من خلال الحضور المحتشم لبعض الوجوه القيادية القديمة، مثل كمال قمازي أو علي جدي، إضافة إلى عناصر مرتبطة بحركة رشاد التي تأسست عام 2007، ولكنها لم تنتج وجوهًا رمزية معروفة كما كان الحال مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ. ولم تحاول هذه الوجوه تصدّر المسيرات، على الرغم من أثرها النسبي على مستوى الشعارات في بعض المناسبات، بفعل قدرتها على استخدام وسائط التواصل الاجتماعي بصفة منظمة، إضافة إلى استفادتها من القناة التلفزية "المغاربية" التي تبثّ من لندن للترويج لخطابها. غير أن هذا الخطاب لم يلق صدى واسعًا، خاصة بسبب تركيزه على نقد جذري لقيادة الجيش وأجهزة المخابرات، وهو ما لم يحظ بقبول واسع لدى المشاركين، سواء المواطن العادي غير المسيّس أو جمهور القوى السياسية المناوئة للتيار الإسلامي، مثل التيارات الديمقراطية والوطنية بحسب التصنيفات الإعلامية والسياسية الرائجة في الجزائر. وقد ظهر هذا التذمر بوضوح حينما رُفعت تلك الشعارات من دون تحقيق إجماع حولها. ثم تراجع حضور حركة رشاد تراجعًا حادًا بعد تصنيفها من الحكومة الجزائرية منظمة إرهابية في أيار/ مايو 2021، وما تبع ذلك من توقيف بعض الوجوه القريبة منها أو المحسوبة عليها. يمتدّ مسار الرافد الثاني من ساحة الشهداء نحو ساحة البريد المركزي، مرورًا بشارع زيغود يوسف وحي عسلة حسين، قرب مؤسسات مركزية مثل المديرية العامة للأمن الوطني ومقارّ المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وولاية الجزائر. وكانت هذه المحطات فرصًا لترديد شعارات الحراك أمامها، في مختلف الفصول والظروف الطبيعية، سواء في صيف 2019 بدرجات الحرارة المرتفعة، أو خلال شتاء 2020–2019 مع البرد والأمطار، وحتى خلال شهر رمضان، الذي لم يكسر إيقاع الحراك وإن

(7((حاول علي جدي بمعية مجموعة قليلة من مناصريه، ولكن من دون نجاح، توجيه المسيرات نحو ساحة الشهداء لجعلها نقطة وصول بدلًا من ساحة البريد المركزي بعد أن لاحظ سيطرة تيارات منافسة على المسيرات خاصة تلك القادمة من أعالي أحياء

العاصمة بما تميزت به من خصوصيات سوسيوسياسية منحت نوعًا من السيطرة للتيارات الديمقراطية، خاصة أنها كانت تنطلق

بالقرب من المقر الولائي (أي على مستوى الولاية) لحزب "التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية" غير البعيد من مسجد الرحمة. ملاحظة شخصية حية. (7((لمزيد من التفاصيل، ينظر الدراسة التالية التي تطرقت إلى الحضور الإسلامي داخل الحراك:

Hassane Zerouky, "La mouvance islamiste et le hirak," Recherches Internationales , vol. 118 (2020), pp. 75–86.

قلّص المشاركة العددية، في حين اكتفت الشرطة بحراسة مقارّ المؤسسات وضمان أّلا تخرج عن السيطرة. أمّا الرافد الثالث، فكان يتجمع في ساحة أول ماي قبل أن يتجه إلى ساحة البريد المركزي، وغالبًا

ما كان كثيف الحجم، منطلقًا من أحياء شرق العاصمة، حيث يبرز حضور أحياء شعبية، مثل الحراش وبلكور سيدي محمد وحسين داي والمدنية، إضافة إلى من يلتحق به من ضواحي الجنوب والشرق البعيدة نسبيًا، مثل الرويبة ورغاية وبرج الكيفان وبراقي. بُعد المنابع الفرعية لهذا الرافد وارتهان

تدفقها بتوافر وسائل النقل جعلاه يتأثر سلبيًا كلما توقف الترام والمترو، أي عندما تلجأ السلطات إلى

تعطيلها للضغط على الحراك وتقليص أعداد المشاركين. وتنافس هذه المسيرة في طابعها الشعبي مسيرة باب الواد، وتتميز بحضور قويّ للنساء من مختلف الأعمار، كنّ يشاركن بكثافة في ترديد الأهازيج والشعارات، الثابت منها والمتغير بحسب تطور الأحداث الأسبوعية. بهذه الخصائص، كانت المسيرات الكبرى للعاصمة تعيد إنتاج تنوّع سوسيولوجي وديموغرافي

يعكس عدم التجانس الاجتماعي للأحياء السكنية التي تنطلق منها هذه الروافد الثلاثة. يرتبط تنوّع

روافد الحراك بتاريخ عمراني واجتماعي لمدينة عرفت توسّعًا كبيرًا (3 ملايين ساكن من جملة 34

مليون جزائري، تقريبًا عام 2019)، خاصة بفعل سياسة الإسكان الجماعي التي قادتها الدولة الوطنية

منذ السبعينيات في أحياء واسعة موزعة على أنحائها المختلفة، وهي السياسة التي جرى تعزيزها خلال حكم الرئيس بوتفليقة، الذي وظّف الإسكان الجماعي لشراء السلم الاجتماعي في مرحلة تزايدت فيها الفوارق الاجتماعية بين الطبقات والفئات السكانية الحضرية وتعقدت فيها إدارة المجال السياسي، وهو ما تطرقت إليه دراسات عديدة في علم الاجتماع الحضري. أبرزت هذه الدراسات أن مدينة الجزائر تملك تاريخًا سياسيًا خاصًا ارتبط بالحالة الاستعمارية

الاستيطانية، التي جعلت عمرانها وتوزيع سكانها يتأثران بالأحداث السياسية. فقد كان الجزائريون خلال الحقبة الاستعمارية يتجهون إلى القصبة وإلى الأحياء القصديرية التي عُرفت بها المدينة، نتيجة التقسيم الاستعماري القائم على الفصل العرقي، حيث استقر الأوروبيون في وسط المدينة الحديث المجهّز، وفي أعاليها أيضًا، في أحياء مثل بن عكنون وحيدرة والقبة، ضمن نمط سكن فردي يعتمد الفيلات.

7(((لم تجد الفكرة التي دافع عنها بعض الِح راكيين للحضور ليلًا في رمضان لإطلاق مسيرات القبول، لأسباب أمنية واضحة، زيادة

على ما يميز نسق الحياة خلال "رمضان الجزائري" من خصوصية اجتماعية تتأثر بالغ التأثر بالحركة ضمن الأوساط العائلية وداخل البيوت.

(74) Larbi Ichboudene, Alger histoire et capital de destin national (Alger: Casbah éditions, 1997).

(7((احتلت قصبة الجزائر طوال عقود قبل استقلال البلاد مكانة خاصة بوصفها حيّا انصهرت داخله العائلات الجزائرية القادمة من

مختلف مناطق البلاد قبل أن تنطلق للسكن في أحياء العاصمة الأخرى نتيجة التوسع العمراني والزيادة الديموغرافية. (((7 ينظر تقديم مداني صفار للدراسات في المجال الحضري الجزائري، وهو يُعدّ من المتخصصين الجزائريين المعروفين فيها:

Madani Safar Zitoune, "Les mobilités urbaines à Alger: Un état des lieux de la recherche sociologique," Carnet des Suds , 4/11/2020, accessed on 12/2/2026, at: https://acr.ps/1L9F2hm

وبعد الاستقلال، ومع مسارعة المعمرين بمغادرة المدينة صيف 1962، حدث تحول جذري في بنيتها الاجتماعية. واحتدم الصراع حول المساكن التي تركها الأوروبيون، في سياق غامض اتسم بتسارع أحداثه وتداخلها، وانتهى في كثير من الحالات إلى احتلال جماعي للمساكن من قبل عائلات جزائرية تعاملت معها على أنها أملاك شاغرة، تُركت أحيانًا بأثاثها بسبب المغادرة المتعجلة. جرت هذه التحولات في مدينة كانت على وشك الانزلاق إلى مواجهات عنيفة بين الأقلية الأوروبية وبعض سكانها الجزائريين، خاصة مع تحركات منظمة الجيش السري Organisation de l’Armée secrète, OAS، العسكرية التي تأسست في شباط/ فبراير 1961، ونشطت على الأخص في الشهور الأخيرة للاستعمار الفرنسي متكوّنة من غلاة المستوطنين

الرافضين لاستقلال الجزائر، ومتشكلة في ميليشيات مسلحة لعرقلة اتفاقيات إيفيان (آذار/ مارس 1962)، قبل أن تقرر هذه المجموعات الرحيل النهائي إلى فرنسا. وقد تناولت هذه الملابسات عدة دراسات، منها أعمال المهندس المعماري جعفر لصبت الذي ركز على الصراعات التي شهدتها مدينة الجزائر، في الأشهر الأولى للاستقلال، حول السكن. وتناول السوسيولوجي رشيد سيدي بومدين ظاهرة الأحياء القصديرية في مدينة الجزائر على مدى قرن بالتركيز على التحولات التي عاشتها المدينة بسرعة حارقة عمرانيًا وبشريًا، وهي تتوسع وتتحول إلى

عاصمة للبلد. لقد أظهرت هذه الدراسات وغيرُها أثر استمرار أزمة السكن عقودًا بعد الاستقلال، في شهود سكان

الأحياء القصديرية التحولات العميقة التي عرفتها المدينة ولم يستفيدوا منها بالقدر نفسه، سواء أتعلق الأمر بإعادة توزيع منازل السكن أو المحلات التجارية التي تحولت طريقة التصرف فيها إلى نقطة استقطاب ذات أبعاد أخلاقية – سياسية. وفي المقابل، استفادت فئات اجتماعية واسعة من سياسات الاستقلال، بما في ذلك فئات أجيرة تحولت إلى مالكة في لحظة سياسية، ارتبطت بخروج

(((7 المعمرون – هم الأوروبيون الذين جلبهم الاستعمار الفرنسي معه واستجلبهم إلى الجزائر لتكوين قاعدته الديموغرافية – الاجتماعية. وقد قدّر عددهم، خلال نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، بما يراوح بين 900 ألف ومليون نسمة،

وأكثر قليلًا من مجموع سكان البلاد بحسب إحصاء عام 1954، تاريخ اندلاع الثورة.

(78) Djaffar lesbet, "Alger, habiter Independence," La pensée de midi, vivre l’architecture , no. 18 (2006), pp. 21–30.

(7((يمكن العودة بتفصيل أكثر إلى كتاب المؤرخة الجزائرية مليكة رحال التي تناولت فيه سنة الاستقلال بصفة عامة ولم تقتصر على مدينة الجزائر مركّزةً على ما حصل أثناءها من ممارسات اجتماعية وسياسية جديدة:

Malika Rahal, Algérie 1962, une histoire Populaire (Alger: Edition barzakh, 2022). (80) Djaffar Lesbet, "Alger: Habiter l’Indépendance," La pensée de midi , vol. 2, no. 18 (2006), pp. 21–30. (81) Sidi Boumediene Rachid, Bétonvilles contre bidonvilles: Cent ans de bidonvilles à Alger , préface de Jim House (Alger: APIC Editions, 2016). (82) Ibid.

((8(بعد الاستقلال، وزّعت الإدارة الجديدة مقاهيَ وحانات غادرها أصحابها الأوروبيون في المدن الكبرى والعاصمة على

عائلات الشهداء والمجاهدين، تحديدًا، لتضمن لهم دخلًا ماليًا. وقد استغلت التيارات السياسية – الدينية، في خضم صعودها بداية

من الثمانينيات، هذا المعطى للادعاء أن الدولة الوطنية حولت المجاهدين ونساء الشهداء إلى أصحاب حانات لبيع الخمور. وقد لاقت هذه السردية من يصدقها من الأجيال الجديدة التي لم تكن على علم بملابسات هذه القرارات.

أرباب العمل الأوروبيين والمسارعة بتعويضهم بجزائريين؛ وهو ما ساعد على ظهور برجوازية مالكة جديدة في الصناعة والخدمات، كما رصدت ذلك دراسات اهتمت برجال الأعمال في الجزائر في سياق الوضع الاستعماري الاستيطاني وتحولاته. على العموم، تُظهر هذه الدراسات أن الأوضاع السكانية في الجزائر العاصمة نتيجة مركبة ومعقدة للعديد من المراحل التاريخية المتقلبة، وفي ضوئها يمكن أن نعتبر أن سياسات الإسكان الرسمية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية خففت من أزمة السكن في العاصمة في السنوات الأولى بعد الاستقلال وإلى حدود منتصف الثمانينيات، وعادت تلك الأزمة واستفحلت بصفة واضحة خلال عشرية العنف التي عاشتها الجزائر (2002–1992). وقد مثّلت هذه الأزمة، التي اتخذت أبعادًا حضرية وثقافية وسياسية متشعبة، خلفية اجتماعية غنية بالعناصر السوسيولوجية المفسرة لكثير من ملامح الحركات الاجتماعية الاحتجاجية في الجزائر.

خاتمة

بحثت هذه الدراسة في مسارات القطيعة والاستمرارية في الاحتجاج الجزائري منذ انطلاق موجات الاحتجاج الكبرى التي عرفتها البلاد في منتصف ثمانينيات القرن العشرين، في سياق تحولات اقتصادية واجتماعية ارتبطت بنموذج التنمية الذي تبنّته النخب الرسمية. وقد تزامنت هذه التحولات مع تغيّرات

متفاوتة في بنية القيادة السياسية وشرعيتها التاريخية، لا سيما في مرحلة ما بعد وفاة الرئيس هواري بومدين، الذي مثّل حضوره الكاريزمي عنصرًا حاسمًا في تماسك النظام، وهو ما افتقدته مرحلة خلفه

الرئيس شاذلي بن جديد. وأسهم هذا التحوّل في تعقيد عملية تسيير مؤسسات الدولة، التي كانت قد

اعتادت نمطًا من القيادة المركزية القادرة على ضبط توازنات نخب سياسية وعسكرية غير متجانسة، جرى دمجها ضمن النظام السياسي، منذ مرحلة ما قبل الاستقلال، واستمر تأثيرها إلى غاية حراك.2019 ومن خلال متابعة تاريخية دقيقة، واعتمادًا على أدوات تحليلية سوسيولوجية، بيّنت الدراسة أنّ

أحداث 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1988 في الجزائر مثّلت لحظة مفصلية دشّنت مسار الانتقال نحو التعددية السياسية واقتصاد السوق، تُِّوِج بالتصديق على دستور عام 1989، الذي مثّل نقلة نوعية

في تطور الدساتير الجزائرية، من خلال تخلّيه عن الأطر الأيديولوجية التي وسمت مرحلة الحزب الواحد. وعلى الرغم من أهمية هذه التجربة بوصفها إحدى أوائل تجارب "الانتقال الديمقراطي" في المنطقة العربية، فإنها لم تحظ بالاهتمام الكافي في الأدبيات العربية، على الرغم من أسبقيتها الزمنية على مستوى المنطقة العربية. في المقابل، أظهرت الدراسة أن الحركات الاحتجاجية في منطقة القبائل، المطاِلبة بالاعتراف باللغة والثقافة الأمازيغيتَين، اتسمت بسلميتها، غير أن نتائجها تحققت تدريجيًا، وعلى مدى زمني استغرق

(84) Jean Pennef, "Carrières et trajectoires sociales des patrons algériens," Actes de la recherche en sciences sociales , no. 41 (1982), pp. 61–72.

الفترة 2016–2002. وقد اضطلعت النخب السياسية والثقافية بدور محوري في هذا المسار، مستندةً إلى تنظيمها الفاعل وإصرارها على مطالبها، ما أفضى إلى تحقيق مكاسب معتبرة. وبذلك قدّمت الحالة الجزائرية نموذجًا مغاربيًا مميزًا في إدماج الخصوصيات الثقافية ضمن الإطار الوطني المرتبطة

باللغة والثقافة، مع ما لذلك من آثار طويلة المدى. أمّا حراك 2019، فقد بينت الدراسة أنه تأثّر بعمق بخصائص تاريخ الجزائر السياسي والاجتماعي، وفي مقدمتها الدور المستمر للمهاجرين في تشكيل الفعل السياسي الوطني الجزائري منذ عشرينيات القرن العشرين، وإسهامهم في احتضان الحركة الوطنية ومنحها أبعادًا سوسيوثقافية شعبية، من بينها النزوع إلى السلمية في التعبير عن المطالب والاحتجاج. ويخالف ذلك الصورة النمطية التي تربط التاريخ الجزائري بالعنف، من دون التمييز بين الجذرية بوصفها سمة في السلوك السياسي والعنف بوصفه نتاجًا لسياق استعماري استيطاني طويل، كان الجزائريون فيه في الغالب ضحايا لا فاعلين.

كما أبرزت الدراسة آثار هذا السياق في أنماط إنتاج النخب السياسية والثقافية، وفي طبيعة علاقتها بالمجتمع قبل الاستقلال وبعده. وقد تجلّت هذه الإشكالات بوضوح خلال حراك 2019، لا سيما في محدودية فاعلية النخب المشاركة فيه. فقد شكّل الحراك، في كثير من الأحيان، أول تجربة سياسية لأجيال نشأت في سياق نظام مغلَق قيّد أشكال التعبير الجماعي. وعلى الرغم من الدور المركزي الذي اضطلعت به فئات

مهنية، مثل الصحافيين والمحامين والأطباء وأساتذة الجامعات، عبر التنظيمات والأطر التي اختاروها، كالجمعيات والنقابات، فإن هذه النخب، التي تشكّلت في معظمها ضمن منظومة التعليم الوطني بعد الاستقلال، واكتسبت طابعًا شعبيًا ضمن الفئات الوسطى، لم تنجح في اكتساب الشرعية الكافية لقيادة

الحراك أو تمثيله. ويعكس ذلك مأزقًا تاريخيًا في إنتاج نخب ممِّثِلة وشرعية تحظى بالقبول الشعبي

والقدرة على قيادة الحركات الاجتماعية والسياسية. وقد استثمرت هذا الضعف الأطراف المناوئة للحراك، بما فيها المؤسسات الرسمية لعرقلة مطالبه والتشكيك في قياداته، عبر حملات إعلامية منظمة شاركت فيها وسائل الإعلام الرسمية وشبكات إلكترونية تبيّن لاحقًا أنها مرتبطة بتحالفات بين

مؤسسات رسمية تابعة للدولة العميقة ومراكز النفوذ الاقتصادي. وظلت، في هذا السياق، إشكالات بنيوية من دون حل، من بينها آثار الانقسام الثقافي واللغوي في مسارات تشكّل النخبة الجزائرية. وتخلص الدراسة إلى أن فهم الحركات الاحتجاجية الجزائرية المعاصرة، من منظور جدلية الاستمرار والقطيعة، يكشف أن التحديات التي تواجهها الجزائر لا تقتصر على مستوى إدارة مؤسسات الدولة أو الفعل السياسي المباشر، كما تجلّى في محدودية مخرجات الحراك، بل تمتد إلى اختلالات أعمق ذات طابع ثقافي وسوسيولوجي يتسم بالاستمرارية والديمومة. ومن ثم، فإن أنماط استجابة النظام السياسي للتحولات الاجتماعية المركّبة ولتحديات الحركات الاجتماعية، لا يمكن فهمها بمعزل عن هذه البنى العميقة التي شكّلت عائقًا بنيويًا أمام مسارات الإصلاح السياسي. وقد أكدت مرحلة ما بعد الحراك هذا الاتجاه؛ إذ شهدت البلاد ارتفاعًا في

مستويات الانغلاق السياسي والإعلامي، وتضييقًا على الحريات العامة، استهدف عددًا كبيرًا من

الفاعلين المرتبطين بالحراك من مختلف الفئات الاجتماعية والأجيال، ما أعاد الحياة السياسية إلى أوضاع شبيهة قريبة من سابقاتها، إن لم تكن أكثر تقييدًا. ويعيد هذا المسار إلى الأذهان مآلات تجارب

عربية أخرى، شهدت موجات احتجاجية مطاِلبةً بالإصلاح السياسي في سياق موجتَي الثورات العربية عامَي 2010 و 2019، وانتهت إلى نتائج متقاربة من حيث تعثّر التحوّل الديمقراطي واستعادة أنماط

الضبط السلطوي.

المراجع

References

العربية

بكيس، نور الدين. "الحركات الاحتجاجية في الجزائر بين كثافة الاحتجاج ومحدودية التطور: قراءة سوسيولوجية للحركات الاحتجاجية لسنة 2011". أطروحة دكتوراه، جامعة الجزائر،.2014 بن جديد، الشاذلي. الشاذلي بن جديد: مذكرات، ج 1979–1929:1. عبد العزيز بوباكير (محرر). الجزائر: القصبة للنشر،.2011 جابي، عبد الناصر. الجزائر تتحرك: دراسة سوسيو–سياسية للإضرابات العمالية. الجزائر: دار الحكمة،

________. الجزائر من الحركة العمالية إلى الحركات الاجتماعية. الجزائر: منشورات المعهد الوطني للعمل،.2001 ________. "الأسطورة، الجيل والحركات الاجتماعية في الجزائر: أو الأب 'الفاشل' والابن 'القافز'". إنسانيات. العدد).2004(26–25 ________. الجزائر الدولة والنخب. الجزائر: منشورات الشهاب،.2008 ________. حفريات في سوسيولوجيا النخب الوزارية الجزائرية. الجزائر: منشورات الشهاب،

الحركات الأمازيغية في شمال أفريقيا: النخب، أشكال التعبير والتحديات. إشراف ناصر جابي. الجزائر: منشورات الشهاب،.2018 سعود، الطاهر وعبد الحليم مهور باشة. "المدينة الجزائرية والحراك والاحتجاجي: مقاربة سوسيولوجية". عمران. مج  5، العدد 18 (خريف.)2016 فارس، سيد. ثقافة الحركات الاجتماعية الجديدة: مقاربات أنثروبولوجية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023

كافي، علي. مذكرات الرئيس علي كافي: من المناضل السياسي إلى القائد العسكري (1946–1962). الجزائر: دار القصبة للنشر،.2013 لوساوت، ديديي. "القيام بالحراك في باريس: مشاهد ثورة ضد النظام الجزائري". ترجمة لحسن زغدار. سياسات عربية. مج  10، العدد 55 (آذار/ مارس.)2022 المذكرات الكاملة للواء خالد نزار. الجزائر: منشورات الشهاب،.2018

الأجنبية

Akrouf, Sanhadja & Patrick Farbiaz. Algérie la seconde révolution. Paris: Editions du croquant, 2021. Allal, Amin, Layla Baamara & Giulia Fabbiano.  Cheminements révolutionnaires, un an de mobilisation en Algérie 2019–2020. Paris: Cnrs éditions, 2021. Boughaba, Yasmina. "Dynamique socio–identitaire: Etudes des pratiques langagières dans l’espace urbain algérois." Multilanguales. vol. 19 (2023). Cabanel, Patrick & Jacques Alexandropoulos. La Tunisie mosaïque. Toulouse: Presse universitaire du midi, 2020. Cherbi, Massensen. "Le Projet de Constitution de la Fédération de France du FLN (Mai 1962): Une autre indépendance algérienne." Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée. vol. 156, no. 2 (2024). Colonna, Fanny. Instituteurs algériens, 1883–1939. Paris: Presses de la Fondation nationale des sciences politiques, 1975. Dahmani, Ahmed. "Mise en perspective du hirak, retour sur le printemps berbère d’avril 1980." Mouvements. vol. 2, no. 102 (2020). Di Tolla, Anna Maria & Ersilia Francesca (eds.). "Emerging Actors in Post–Revolutionary North Africa. Berber Movements: Identity, New Issues and New Challenges." Studi Magrebini. vol. 15, no. 2 (2017). Guenoun, Ali. La question kabyle dans le nationalisme algérien 1949–62. Alger: Casbah édition, 2021. Haidouci, Ghazi. La libération inachevée. Paris: Editions la découverte, 1995. Harbi, Mohammed. Une vie debout. Alger: Casbah éditions, 2001. "Hirak, Algérie en révolution(s)." Mouvements. vol. 102, no. 2 (Septembre 2020). Ichboudene, Larbi. Alger histoire et capital de destin national. Alger: Casbah éditions,

Janier, Charles. "Les medersas algériennes de 1850 à 1960." Monographie écrite (Juin 2010). at: https://acr.ps/1L9F2xJ Kateb, Kamel. La fin du mariage traditionnel en Algérie – étude démographique, une exigence d’égalité des sexes en Algérie 1876–1998. Paris: Editions bouchene, 2001.

________. L’émergence des femmes au Maghreb, une révolution inachevée. Alger: Editions apic, 2016. Lemkami, Mohamed. Les hommes de l’ombre. Alger: Editions Anep, 2004. Lesbet, Djaffar. "Alger: Habiter l’Indépendance." La pensée de midi. vol. 2, no. 18

Makedhi, Madjid. "35 e anniversaire des événements du 5 octobre 1988: La révolte qui a changé le cours de l’histoire en Algérie." Algeria–Watch. 5/10/2023. at: https://acr.ps/1L9F31y Merah, Aïssa, Nacer Aoudia & Nabila Aldjia Bouchaala. "Profils des youtubeurs cyberactivistes en Algérie. Trajectoires de professionnalisation et contraintes technico– politiques." Communication. vol. 38, vol. 2 (2021). at: https://acr.ps/1L9F2wm Moussaoui, Abderrahmane. Algérie, une longue marche, hirak, mémoires, et histoire. Paris: Hémisphères éditions; édition maison neuve et Larose, 2023. Neveu, Érik. Sociologie des mouvements sociaux. Paris: La Découverte, 1996. Peneff, Jean. "Carrières et trajectoires sociales des patrons algériens." Actes de la recherche en sciences sociales. no. 41 (1982). ________. La méthode biographique de l’École de Chicago à l’histoire orale. Paris: Armand Colin, 1990. ________. Sur le terrain. Paris: Presses universitaires de Grenoble, 2021. Rachid, Sidi Boumediene. Bétonvilles contre bidonvilles: Cent ans de bidonvilles à Alger. Préface de Jim House. Alger: APIC éditions, 2016. Rahal, Malika. Algérie 1962, une histoire Populaire. Alger: Edition barzakh, 2022. Rouzeik, Fawzi. Le groupe de Oujda revisité per Chérif Belkacem. Paris: Édition l’harmattan, 2015. Sid Ahmed, Semiane. Octobre, ils parlent. Alger: Editions le matin, 1999. Stora, Benjamin. Ils venaient d’Algérie: L’immigration algérienne en France (1912– 1992). Paris: Fayard, 1992. Tilmatine, Mohand. "La construction d’un mouvement national identitaire kabyle: Du local au transnational." Studi Magrebini (2017). Zerouky, Hassane. "La mouvance islamiste et le hirak." Recherches Internationales. vol. 118 (2020). Zitoune, Madani Safar. "Les mobilités urbaines à Alger: Un état des lieux de la recherche sociologique." Carnet des Suds. 4/11/2020. at: https://acr.ps/1L9F2hm