Return to Article Details War by Another Means: The Impasse of Gaza’s Reconstruction After Genocide

حرب بطريقةٍ أخرى: مأزق إعادة إعمار غزة بعد الإبادة

War by Another Means: The Impasse of Gaza’s Reconstruction After Genocide

وديع العرابيد| Wadee Alarabeed *

الملخّص

تتناول الدراس​ة إعادة إعمار قطاع غزة بوصفها عملية جرت ضمن بنية الإفقار التنموي، الذي يُفهم هنا بوصفه أحد أشكال الحكم الاستعماري الاستيطاني القائم على محو مقومات التنمية وتدمير الاقتصاد، ومحو السكان الأصليين وإزالتهم على المدى البعيد. وتجادل بأن توظيف المقاربات السابقة لإعادة الإعمار في زمن الإبادة يعدّ مجازفة، لما ينطوي عليه من احتمالات استمرار الحرب الإبادية بطرائق أخرى. وتبيّن أن أيّ عملية إعادة إعمار مستقبلية ستواجه تحديات بنيوية، أبرزها الأزمة الإنسانية الناتجة من الإبادة، واستمرار الحصار، وغياب جهة مسؤولة موحّدة ذات رؤى محلية، وأزمة التمويل، وعدم استقرار المساعدات الدولية. وتخلص إلى أن إعادة الإعمار المستدامة لن تكون ممكنة ما لم تقترن بإنهاء الحصار وتحدّي بنية الإفقار التنموي، وترتبط بمسار أوسع نحو حق تقرير المصير والتحرر ضمن مشروع وطني فلسطيني موحّد.

Abstract

Abstract: This study examines the trajectory of reconstruction in Gaza as a process unfolding within a structure of de–development, understood here as a form of settler–colonial governance aimed at erasing the foundations of development, destroying the economy, and, more broadly, eliminating the indigenous population. It argues that employing past approaches in the current reconstruction risks turning reconstruction into a mechanism for the continuation of the genocide. The study further demonstrates that any future reconstruction process will confront major structural challenges, including the severe humanitarian crisis produced by genocide, the continuation of the blockade, Palestinian political division, chronic funding shortages, and the volatility of international aid. It concludes that sustainable reconstruction will remain unattainable unless it is accompanied by an end to the siege, the dismantling of the structures of de–development, and its integration into a broader trajectory toward self–determination and emancipation within a unified Palestinian national project.

الكلمات المفتاحية:
  • إعادة الإعمار
  • الإبادة
  • الاستعمار الاستيطاني
  • غزة
  • فلسطين
Keywords:
  • Reconstruction
  • Genocide
  • Settler Colonialism
  • Gaza
  • Palestine

ملخص: تتناول الدراسة إعادة إعمار قطاع غزة بوصفها عملية جرت ضمن بنية الإفقار التنموي،

الذي يُفهم هنا بوصفه أحد أشكال الحكم الاستعماري الاستيطاني القائم على محو مقومات

التنمية وتدمير الاقتصاد، ومحو السكان الأصليين وإزالتهم على المدى البعيد. وتجادل بأن

توظيف المقاربات السابقة لإعادة الإعمار في زمن الإبادة يعدّ مجازفة، لما ينطوي عليه من

احتمالات استمرار الحرب الإبادية بطرائق أخرى. وتبيّن أن أيّ عملية إعادة إعمار مستقبلية

ستواجه تحديات بنيوية، أبرزها الأزمة الإنسانية الناتجة من الإبادة، واستمرار الحصار، وغياب

جهة مسؤولة موحّدة ذات رؤى محلية، وأزمة التمويل، وعدم استقرار المساعدات الدولية.

وتخلص إلى أن إعادة الإعمار المستدامة لن تكون ممكنة ما لم تقترن بإنهاء الحصار وتحدّي

بنية الإفقار التنموي، وترتبط بمسار أوسع نحو حق تقرير المصير والتحرر ضمن مشروع وطني

فلسطيني موحّد.

Abstract: This study examines the trajectory of reconstruction in Gaza as a process unfolding within a structure of de–development, understood here as a form of settler–colonial governance aimed at erasing the foundations of development, destroying the economy, and, more broadly, eliminating the indigenous population. It argues that employing past approaches in the current reconstruction risks turning reconstruction into a mechanism for the continuation of the genocide. The study further demonstrates that any future reconstruction process will confront major structural challenges, including the severe humanitarian crisis produced by genocide, the continuation of the blockade, Palestinian political division, chronic funding shortages, and the volatility of international aid. It concludes that sustainable reconstruction will remain unattainable unless it is accompanied by an end to the siege, the dismantling of the structures of de–development, and its integration into a broader trajectory toward self–determination and emancipation within a unified Palestinian national project.

Researcher, Center for Conflict and Humanitarian Studies, Qatar. Email: wadee.alarabeed@chs–doha.org

مقدمة

دخل قطاع غزة، منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مرحلة غير مسبوقة في تاريخه السياسي الحديث، إثر حرب الإبادة التي شنّتها عليه إسرائيل واستهدفت كل مظاهر الحياة المدنية فيه، وحوّلته إلى إحدى أكثر مناطق العالم معاناةً على مستوى الخسائر البشرية، ودمارًا على مستوى

الخسائر المادية، يُضاف إليهما حصار شامل حرم السكان من الماء والكهرباء والوقود والمواد الغذائية، وأفضى إلى انهيار كامل في الخدمات العامة والبنية التحتية. ولم تكن هذه الحرب الإبادية

حدثًا طارئًا أو معزولًا، بل شكّلت ذروة مسارٍ تاريخي طويل من العنف الاستعماري بدأ مع نكبة عام 1948، وتواصل مع احتلال قطاع غزة عام 1967 بوصفه امتدادًا للمشروع الاستعماري الاستيطاني، ثم تعزّز بسياسات الحصار المفروضة منذ عام 2006، وسلسلة العمليات الإسرائيلية العسكرية الشاملة Massive، التي كان أبرزها في أعوام /2008 2009، و 2012، و 2014، و 2021، و 2022، وشُنت جميعها بعد أحداث الانقسام الفلسطيني وسيطرة حركة المقاومة الإسلامية "حماس" على السلطة في القطاع، وتبعت كلًا منها محاولاتٌ متكررةٌ لإعادة الإعمار. غير أنّ إعادة الإعمار بالطريقة التي جرت بعد تلك العمليات العسكرية لم تحقق غاياتها المعلنة في التنمية والتعافي كما حدث في تجارب أخرى، حيث خُطط لها ونُفّذت في ظل خضوع القطاع لسياسات الإفقار التنموي، وواقع سياسي وأمني معقّد. وقد انشغلت دراسات عديدة بتحليل أدوار الجهات المانحة والسياسات الدولية، وبالتحديات التقنية واللوجستية التي رافقت عمليات

إعادة الإعمار، مع تركيزٍ خاص على أثر الحصار الإسرائيلي في إعاقة مسارها. ومقارنةً بهذه

الدراسات، تتميّز هذه الدراسة بإسهامٍتحليلٍّيٍ يتمثّل في توظيف إطار مفهومي مركّب يجمع بين

مفهومَي الإفقار التنموي والاستعمار الاستيطاني، بما يسمح بتسليط الضوء على القيود البنيوية التي تحكم عملية إعادة إعمار قطاع غزة. ومن خلال هذا الإطار، تسعى الدراسة لتجاوز المقاربات التقنية والإنسانية السائدة، وإعادة تفسير الإعمار بوصفه عملية تجري ضمن بنية تُعيد إنتاج القيود ذاتها، وتحدّ من إمكان تحقيق تنمية مستدامة في القطاع.

(((للمزيد حول العمليات العسكرية الإسرائيلية التي شنّتها إسرائيل ضد قطاع غزة خلال الفترة 2023–2003، ينظر: مجد أبو عامر ووديع

العرابيد، "الحرب الإسرائيليّة على حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين: خلفيات معركة 'وحدة الساحات' وآثارها الاستراتيجية"، ورقة استراتيجية،

رقم 6، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022/9/20، ص 8–2، شوهد في 2025/12/7، في: https://tinyurl.com/bde85ahz

(2) Sara Roy, The Gaza Strip: The Political Economy of De–development (Washington, DC: Institute for Palestine Studies, 2016), pp. 430–470. (3) Wadee Alarabeed, "The Myth of Gaza’s Reconstruction: The Rise and Fall of Reconstruction Space Under the Israeli Siege," Journal of Peacebuilding & Development , vol. 19, no. 1 (2024), pp. 110–116.

(((خالد وليد محمود، "إعادة إعمار قطاع غزة: السياقات والتحدّيات"، تقييم حالة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،

2014/11/12، شوهد في 2025/12/1، في: https://tinyurl.com/4eh7ma2b؛

Sansom Milton, Ghassan Elkahlout & Saba Attallah, "Shrinking Reconstruction Space in the Gaza Strip: Rebuilding after the 2021 and 2022 Wars," Conflict, Security & Development , vol. 24, no. 1 (2024), pp. 49–78. (5) Alison Martin & Simone Klawitter, "Treading Water: The Worsening Water Crisis and the Gaza Reconstruction Mechanism," Briefing Paper , Oxfam International, 2017.

تُجازف العديد من الخطط المقترحة لإعادة إعمار القطاع بالوقوع في الفخ نفسه الذي وقعت فيه التجارب السابقة. ففي زمن الإبادة، برزت نقاشات دولية متعددة حول مستقبل القطاع، يعكس بعضها

استمرار أنماط التفكير المرتبطة بالاستعمار الاستيطاني، وتكشف أطروحات أخرى عن نزعةٍ استعمارية ذات طابع كولونيالي – استثماري تنظر إلى القطاع بوصفه فضاءً ساحليًا قابلًا للتشكيل من

جديد من النواحي العمرانية والاقتصادية والاجتماعية، بمعزلٍعن واقع الاحتلال الاستيطاني القائم من جهة، وعن المشروع التحرري للشعب الفلسطيني من جهة أخرى. ففي هذا التصور، يُختزل

القطاع في "قطعة أرض مطلّة على الساحل" أو واجهة بحرية "ذات قيمة كبيرة"، على حدّ تعبير جاريد كوشنر. وقد تجلّى هذا المنظور نفسه في تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقائه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض في 4 شباط/ فبراير 2025، حين طرح فكرة تحويل غزة إلى "ريفييرا الشرق الأوسط" تحت إدارة/ وصاية أميركية؛ وهو طرح يربط إعادة الإعمار بترتيبات استعمارية تتجاوز مسألة إعادة البناء إلى تشكيل جديد للمجالين السياسي والديموغرافي في القطاع، ما يفتح الباب أمام مشاريع تستهدف العبث بمصير الفلسطينيين في غزة. عمومًا، لم يحظَ مفهوم إعادة الإعمار بتعريفٍ موحّد في الأدبيات، بل اكتسب معانيَ متعددةً تبعًا

للجهات التي صاغته نظريًا أو مارسته عمليًا، وقد تطلّب عقودًا ليتبلور بوصفه عمليةً شاملة. فالأمم

المتحدة تنظر إلى إعادة الإعمار بوصفها عملية سياسية إصلاحية تهدف إلى بناء مؤسّسات قادرة على

تحقيق الأمن والاستقرار، في حين يتصوّرها البنك الدولي على أنها عملية تتضمن إصلاحاتٍ

اقتصاديةً تهدف إلى استعادة النشاط الاقتصادي. وفي المقابل، تميل المقاربات الإنسانية إلى التركيز على المجتمع ذاته، وقدرته على تحقيق المصالحة والتسامح والتعافي الاجتماعي بعد الحرب. ثم بدأت أدبيات متنامية في الحث على اعتماد مقاربة أكثر شمولية لإعادة الإعمار، وهي

((("خطة ترامب لتهجير سكان قطاع غزة: أصل الفكرة، آفاقها، وتداعياتها"، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2025/2/10، شوهد في 2025/12/10، في: https://tinyurl.com/y9n44szz (((المرجع نفسه. (((المرجع نفسه.

(9) Will Weissert, Michelle L. Price & Zeke Miller, "Trump Talks Gaza Takeover and other Takeaways from his Appearance with Netanyahu," Associated Press , 5/2/2025, accessed on 10/12/2025, at: https://acr.ps/1L9zQz4 (10) Ibid. (11) Boutros Boutros–Ghali, "An Agenda for Peace: Preventive Diplomacy, Peacemaking and Peace–Keeping," International Relations , vol. 11, no. 3 (1992), pp. 201–218. (12) "Conflict Prevention and Post–conflict Reconstruction: Perspectives and Prospects," World Bank Group, 31/8/1998, accessed on 30/12/2025, at: https://tinyurl.com/mbw4tnwm (13) Michael G. Wessells, "Post–Conflict Healing and Reconstruction for Peace: The Power of Social Mobilization," in: James D. White & Anthony J. Marsella (eds.), Fear of Persecution: Global Human Rights, International Law, and Human Well–Being (Lanham, MD: Lexington Books/ Rowman & Littlefield, 2007), pp. 257–278; Mainlehwon Ebenezer Vonhm, "Key Elements of Social Cohesion in Conflict–affected Societies: A Critical Literature Review," Cogent Social Sciences , vol. 11, no. 1 (2025), pp. 1–18; Petra Kleindienst & Matevž Tomšič, "Human Dignity and Transitional Justice in European Post–Conflict Societies," International Journal of Politics, Culture, and Society (2025), pp. 1–31; Athanasios Stathopoulos, "Post–Intervention Reconstruction and the Responsibility to Rebuild," Social Sciences , vol. 11, no. 8 (2022).

المقاربة التي تتبناها الدراسة، باعتبارها عملية تتضمن إعادة بناء أسس الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي دمّرتها الحرب، وترميم النسيج المجتمعي الذي تضرر بفعلها، وليست مجرد تمرين أو مشروع تكنوقراطي مادي، مع الأخذ في الاعتبار أن معظم هذه المقاربات تُستخدم عادةً في سياق ما "بعد النزاع" أو "ما بعد الحرب". لكنّ التجربة الفلسطينية تُظهر أن هذا التحول لم ينعكس فعليًا في الممارسة؛ إذ وُظفت مشاريع إعادة الإعمار في قطاع غزة لُتلُائم المصلحة الإسرائيلية،

ما حوّلها إلى وسيلة لإدارة الحصار المفروض عليه طوال عقود. ومما يزيد الأمر تركيبًا وتعقيدًا أن

إعادة إعمار القطاع لا تأتي في سياق "ما بعد الحرب"، لأن الحرب نفسها لم تنتهِ، بل تجري إعادة إنتاجها كل مرّة عبر أشكال مختلفة ضمن سياق من الإفقار التنموي الاستعماري الاستيطاني. تعتمد هذه الدراسة على مقاربة تحليلية نوعية، تستند إلى مراجعة منهجية لمجموعة متنوعة من المواد، تشمل الأدبيات الأكاديمية، وأوراق السياسات، وتقارير المنظمات الدولية، وموادّ إعلامية باللغتين العربية والإنكليزية. وقد تمثلت معايير اختيار مدونة البحث في أنها تعرض تجارب إعادة إعمار للقطاع عقب الحصار الإسرائيلي الذي فُرض عليه بعد عام 2006، وجملة العمليات العسكرية التي شُنّت بعده، مع التركيز على أبرزها التي كانت في أعوام /2008 2009، و 2012، و 2014، و 2021، و 2022. وترد في هذه المواد معلومات كمية وكيفية حول آثار السياسات الاستعمارية الإسرائيلية في الاقتصاد المحلي الفلسطيني المحاصر في القطاع، مع تركيز خاص على ما كان منها من جرّاء الحرب

الإبادية التي تشنّها إسرائيل، ولا تزال، منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر.2023 وإضافةً إلى ذلك، تَعدّ الدراسة تجارب إعادة الإعمار المطوّرة محدّدًا من محددات اختيار المواد

ضمن مدونة البحث. وحتى تستند الدراسة إلى مرجعية تحليلية تساعد في بلوغ أهدافها، فإنها تناقش ما تعرضه مدوّنة البحث من معلومات وخطط وسياسات في ضوء عدد من البحوث والدراسات النظرية المهتمة بقضايا التنمية في السياق الاستعماري، وخاصة البحوث التي تعتمد مفاهيم من قبيل الإفقار التنموي والاستعمار الاستيطاني في دراسة السياق الفلسطيني، وهو ما وفّر عَُّدَة مفاهيمية مناسبة لأغراض البحث. وقد عولجت موادّ المدوّنة باعتماد تقنية تحليل المحتوى، وذلك بالتركيز

على ثلاثة محاور هي: السياسات التي تنظّم عملية إعادة الإعمار، ومجريات هذه العملية، ومآلاتها. وبهذه المرجعية النظرية والأدوات المفهومية والإجراءات المنهجية، تسعى الدراسة لتجديد تحليل سياسات إعادة إعمار القطاع وخططها وتجاربها، ولا سيما من خلال اختبار إمكانية اعتبار أن هذه السياسات لا تعمّر، بل تجدّد أسس إفقار تنموي مخطط له ومرتبط بالاستعمار الاستيطاني. تلك هي الفرضية الأساسية التي تنطلق منها الدراسة، على أن تعود إلى المناقشة المفهومية والنظرية في الخاتمة وعند عرض بعض الرؤى البديلة مما هو قائم في إعادة الإعمار.

(14) Maheshika M. Sakalasuriya, Richard P. Haigh & Dilanthi Amaratunga, "A Conceptual Framework to Analyse Consequences of Post Conflict Reconstruction Interventions," Procedia Engineering , vol. 212 (2018), pp. 894–901; Alpaslan Özerdem, "Post–Conflict Reconstruction: Concepts, Issues and Challenges," in: Pauline Eadie & Wyn Rees (eds.), The Evolution of Military Power in the West and Asia: Security Policy in the Post–Cold War Era (London: Routledge, 2015), pp. 34–58.

ولبلوغ هذا الغرض، تقع الدراسة في ثلاثة أقسام. يُحلل القسم الأول سياسات عملية إعادة إعمار قطاع غزة ما قبل حرب الإبادة، ويناقش علاقاتها المتشعبة بالسياسات الاقتصادية الاستعمارية الاستيطانية وخططها "التنموية"، وما نجم عنها من وقائع سياقية وحقائق بنيوية. في حين يستعرض القسم الثاني الواقع الذي خلّفته حرب الإبادة ومحدودية تطبيق المقاربات السابقة لإعادة الإعمار. أمّا القسم الثالث، فيبحث في أبرز التحديات التي تعترض عملية إعادة الإعمار، بما في ذلك الأزمة الإنسانية العميقة، واستمرار الحصار، وغياب جهة موحّدة برؤى محلية، وأزمة التمويل، وعدم استقرار المساعدات الدولية، فضلًا عن التحديات

الثقافية. وتخلص الدراسة إلى خطورة تكرار المقاربات السابقة في عملية إعادة الإعمار الحالية؛ إذ يعني ذلك، في خضم الإبادة الشاملة التي تعرّض لها القطاع، استمرار حرب الإبادة بطرائق أخرى.

أولا: سياسات إعادة إعمار قطاع غزة ما قبل الإبادة

تمارس إسرائيل في الضفة الغربية، بما فيها القدس، وكذلك تجاه الفلسطينيّين الذين بقوا في أراضي

1948، نمطًا من الاستعمار يقوم على الاستيطان والضمّ والفصل العنصري. أمّا قطاع غزة، فقد خضع

قبل 7 تشرين الأول/ أكتوبر لشكلٍ متمايز من هذا النمط، تمثّل في الحصار، أو ما يسمّيه إيلان بابيه

"السجن الأمنيّ المشدّد". ولم يكن هذا الحصار مجرّد إجراء أمني أو اقتصادي، بل كرّس نظامًا

سياسيًا قاسيًا حكمت إسرائيل من خلاله القطاع، فأحكمت السيطرة على حدوده، وقيّدت فيه حركة

الأفراد والبضائع على نحوٍ صارم، في بنيةٍ يمكن فهمها، كما يشير مجد أبو عامر، على أنها "إبادة بطيئة" أو "باردة"، ويصفها ب "متلازمة القفص – السكّين، التي حوّلت غزة إلى منطقة استثناء ثابتة Constant

Zone of Exception، وخلقت البيئة التي مكّنت إسرائيل من تنفيذ هجماتها الدورية المميتة بالحديد والنار، مكثّفةً الموت، وراميةً بالسكاكين داخل القفص". وفي هذا السياق ذاته، يرى عزمي بشارة أن "احتلال عام 1967 [...] ليس احتلالًا كلاسيكيًا تمارسه 'دولة طبيعية'، بل يشكّل استمرارًا للاستعمار

الاستيطاني نفسه". ويتمثّل الطموح الكامن في هذا المشروع في إقامة عالم خالٍ من الفلسطينيين. وبهذا المعنى، يُعدّ الحصار أحد أكثر تجليات الاستعمار الاستيطاني تطرفًا؛ إذ يجسّد سياسة تهدف إلى

سلب الفلسطينيين مختلف أنواع السلطة الذاتية وإخضاعهم لمجموعة من العقوبات والقيود البنيوية القاسية، تصل في أقصى حالاتها إلى الإبادة والقتل الجماعي والتطهير العرقي.

(15) Ilan Pappe, The Biggest Prison on Earth: A History of Gaza and the Occupied Territories (New York: Simon and Schuster, 2016).

(1((مجد أبو عامر، "الإبادة فعل سياسي... عن غزة وحروبها"، فسحة، 2023/10/24، شوهد في 2026/3/31، في:

https://acr.ps/1L9Ba9f

(1((عزمي بشارة، "استعمار استيطاني أم نظام أبارتهايد: هل علينا أن نختار؟"، عمران، مج  10، العدد 38 (2021)، ص.43–13 ((1(تنبغي الإشارة هنا إلى أنّ الدراسات تختلف في تحديد المرحلة الزمنية التي شهدت تشديد نظام الحصار المفروض على قطاع

غزة؛ فبعضها يُرجع بدايته إلى عام 2005 عقب تنفيذ خطة أرئيل شارون لما سُمّي "فك الارتباط الأحادي الجانب" عن القطاع وفق

المصطلح الإسرائيلي، في حين تربطه دراسات أخرى بعام 2006 إثر أسر المقاومة الفلسطينية للجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، أو بعام 2007 تحديدًا بعد سيطرة حركة حماس على السلطة في غزة. غير أنّ بعض الأدبيات تعود بجذور الحصار إلى فترة أقدم من

ذلك، إلى أوائل التسعينيات، بل حتى إلى ما قبلها، على اعتبار أن نظام الحصار أو نظام السجن المفتوح لا يعدّ حدثًا طارئًا أو ردّة

فعل إسرائيلية على حدث معيّن، بل سياسة استعمارية متراكمة اتخذت أشك لًا متعددة عبر الزمن. ينظر: Roy.

وضمن هذا الفهم، وعلى المستوى الاقتصادي – الاجتماعي، تجادل سارة روي بأنّه يمكن فهم حالة التدهور الاقتصادي السياسي في قطاع غزة من خلال مفهوم "الإفقار التنموي" De–development الذي اقترحته لتسمية ما تمارسه إسرائيل من سياسة حرمان ممنهجة تحول دون تحقيق الاقتصاد الفلسطيني نموًا ذاتيًا، وتُبقيه في حالة تدهور، كما حدث منذ احتلال القطاع

عام 1967. وتعِّرّف هذه السياسة بأنها "عملية التفكيك المتعمد والمنهجي للاقتصاد المحلي

وقدرته الإنتاجية، بما يؤدي إلى تقويض أسس التنمية المستدامة ومنع المجتمع من تحقيق نمو اقتصادي مستقل". وتشير إلى أن القطاع شهد تحولًا تدريجيًا على مدى عقود، انتقل خلاله من

فضاء اقتصادي شديد الارتباط بإسرائيل ومتشابك مع اقتصاد الضفة الغربية إلى وضٍعيتّسم بالعزلة المتزايدة والانفصال البنيوي عن محيطه الاقتصادي؛ الأمر الذي جعله أكثر عرضةً لدورات متكررة من الوقوع تحت العنف الاستعماري وعدم الاستقرار. وتوضح أن هذه التحولات لم تكن عابرة، بل اتخذت طابعًا تراكميًا أدى إلى ترسيخ أنماط من الضعف البنيوي التي باتت تشكّل ملامح دائمة

للاقتصاد الغزّي. تناقش روي أن الإفقار التنموي يتأسس على عملية بنيوية مركّبة تبدأ بنزع الملكية Expropriation، ومن ثمّ إحكام السيطرة الاستحواذية والاستيلائية على الأرض والموارد الاقتصادية الأخرى. وتوضّح أن هذه العملية تستهدف "إضعاف القدرة الإنتاجية للاقتصاد أو تدميرها"؛ إذ إنها لا تقتصر على الموارد المادية، بل تمتد أيضًا لتحطّم البنى الاجتماعية المرتبطة بالإنتاج الاقتصادي. وتؤدي القيود التي تفرضها السلطات الاستعمارية الإسرائيلية على وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم الزراعية، إلى جانب تدمير الأصول الإنتاجية التي تحتويها، خلال

عملياتها العسكرية، إلى إضعافٍ مستمر لقدرة المجتمع المحلي الفلسطيني وقواه المنتجة على الفعل الإنتاجي. وتضيف روي أن الإفقار التنموي يتعمّق من خلال آلية الدمج والتخارج

Integration and Externalization، حيث يُعاد دمج الاقتصاد المحلي الفلسطيني في اقتصاد

استعماري مهيمِن بطريقة تضمن تبعية الأول للثاني، وحرمانه من قدرته على استقلال شروط العمل فيه ومصادر دخله، ودفع فوائده إلى خارجه. ويعني هذا، كما تؤكد روي، أن هذه العملية تقوم على "إعادة توجيه العمل والتجارة والإنتاج بعيدًا عن الاقتصاد المحلي"، بما يجعله معتمدًا على الخارج بدلًا من أن يكون قائمًا بذاته. وليست هذه الآثار سياقية ولا طارئة ولا عابرة، بل

هي، كما تؤكد روي مرةً أخرى، ذات أبعاد تتمركز حول نزع المؤسسية Deinstitutionalization عن الاقتصاد المحلي؛ أي إضعاف مؤسساته الاقتصادية والإدارية أو تفكيكها، حارمةً إياه مما يشكّل الإطار التنظيمي لأيّ عملية تنموية ويعرقل عمل هذه المؤسسات ويمنعها من أداء

(19) Ibid. (20) Ibid., pp. 128–129. (21) Ibid., pp. 128–132. (22) Ibid., pp. 130–131. (23) Ibid., pp. 131–132.

وظائفها التنموية. ولا يكتفي الإفقار التنموي بنزع الصفة المؤسسية، بل يستبدل شبكة المؤسسات بنظام من القيود أيضًا. لا يعكس الإفقار التنموي، باعتماده هذه الآليات الثلاث، نزع الملكية والدمج التبعي ونزع المؤسسية، كما تخلص روي في تحليلها له، مجرد حالة من "التخلف التنموي" Underdevelopment، الذي قد ينجم عن أزمات داخلية أو تحولات خارجية غير مقصودة في أيّ اقتصاد، بل يمثّل عملية نشطة تؤدي إلى "اقتصاد غير مترابط وغير قادر على تحقيق تنمية مستقلة"؛ إذ يجري تقويض إمكانيات التراكم والإنتاج على نحو ممنهج. ويمكن قراءة حالة غزة ضمن هذا الإطار المفهومي – النظري، بوصفها نموذجًا مكثفًا لهذه العملية، حيث تتكامل القيود المفروضة على موارد اقتصادها، مع أنماط

من التبعية الاقتصادية التي تربطه بالاقتصاد الاستعماري الإسرائيلي وضعف بنيته المؤسسية، لتنتج اقتصادًا يعاني اختلالات بنيوية عميقة مفروضة عليها استعماريًا. وتضيف روي أنّه، بعد عام 2004، عملت سياسات الإفقار التنموي في قطاع غزة من خلال تبنّي إسرائيل نهجًا قائمًا على مرحلتين مترابطتين: تمثّلت الأولى في استخدام القوة العسكرية لتدمير

المؤسسات الاقتصادية الإنتاجية الفلسطينية والبنية التحتية في القطاع، في حين تمثّلت الثانية في فرض قيود وعقوبات اقتصادية مشدّدة. وأدّى ذلك إلى إضعاف القدرة الإنتاجية للاقتصاد المحلي، وتراجع فرص كسب الدخل، وإعادة تشكيل أنماط الاستهلاك والادخار والاستثمار. وبمرور الوقت، انعكست آثار كل هذه السياسات الممنهجة على تدهور تدريجي في مستويات المعيشة لسكان قطاع غزة، تزامن مع فرض إغلاق شامل عليه برًا وبحرًا وجوًا؛ ما زاد من إحكام السيطرة الاستعمارية

الإسرائيلية عليه وفصله عن محيطه الخارجي. وترى روي أن هذه السياسات يمكن فهمها على أنها أشكال من العنف البنيوي والمادي، تتجلّى في ممارسات مثل اقتلاع السكان وتشريدهم، والاستيلاء على أراضيهم ومواردهم، وتدمير ممتلكاتهم، وتفكيك بناهم الإنتاجية، وإقصاء المهارات والكفاءات

من بينهم، وحرمانهم من الحماية القانونية؛ وهي كلها إجراءات تسييسٍ استعماري شاملٍللحياة الاجتماعية والاقتصادية. وتهدف هذه الممارسات، وفقًا للمنظور الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي، إلى تقويض الأسس المادية لوجود المجتمع، وتجريده من طاقاته الاقتصادية وإرثه السياسي، وإخضاع نشاطه اليومي لمنظومة من الضبط والعقاب، بما يندرج ضمن سياسات العقاب الجماعي التي تمارسها إسرائيل في قطاع غزة. ويُفهم هذا الإفقار التنموي، بوصفه من مكونات سياسات الاستعمار الاستيطاني التي

تستهدف، في أقصى أشكالها تطرفًا، إقصاء السكان و/ أو طردهم و/ أو إبادتهم. بتعبير آخر، يشكّل

(24) Ibid., p. 132. (25) Ibid. (26) Ibid. (27) Ibid. (28) Ibid.

الإفقار التنموي أحد أوجه ما يسمّيه باتريك وولف "منطق المحو أو الإزالة" الذي يتبعه الاستعمار الاستيطاني، ويتجسد في سياسات مثل مصادرة الأراضي، والتهجير القسري، وإعادة تشكيل الفضاء الجغرافي والديموغرافي، إضافةً إلى أنظمة الفصل العنصري التي تُنظّم الحركة والحقوق السياسية، والحصار والقمع المتكرر للسكان الأصلانيين. لذلك، توصف عملية التنمية في السياق الفلسطيني بأنها "خرافة" أو "أسطورة". وما دام من يضعون خطط إعادة الإعمار لا يأخذون هذه الحقيقة في

الاعتبار، فإنهم لن يروا أنها محكومة بنظام استعماري يعمل على نحوٍ دؤوب ومنظّم ومتعمّد ومستمر على "جعل المكان غير قابل للحياة". والمفارقة أن هذه الطبيعة البنيوية لعملية الإعمار ليست غائبة عن إدراك الفاعلين والمانحين الدوليين؛ إذ يدرك كثير منهم القيود التي تحكم العملية. في الواقع المعيش، صُمّمت عمليات إعادة الإعمار السابقة في غزة ونُفّذت ضمن منظومة من القيود السياسية والاقتصادية التي فرضها السياق الاستعماري الاستيطاني، قوامها الحصار والتحكم في الموارد والمواد والتمويل. ومن هذا المنطلق، ترى روي أن ما يتعرض له قطاع غزة لا يمكن أن يفهم على أنه نتاج أزمات طارئة، بل هو نتيجة "سياسات ذات دلالات سياسية واقتصادية" واضحة، ذات طابع بنيوي. وينطبق ذلك على مسار إعادة الإعمار في قطاع غزة، ولا سيما بعد عام 2014، حيث كان محكومًا بقيود بنيوية جعلت فشله شبه محتوم؛ إذ جرى ضمن سياق الإفقار التنموي، ومن دون إطار سياسي ناظم أو تصور اقتصادي واضح، وفي ظل استمرار الحصار الإسرائيلي. وفي هذا الإطار، كانت كل محاولة لإعادة الإعمار في غزة حتى عام 2023 محكومة بمعادلة دقيقة، تحدد من خلالها السلطات الاستعمارية الإسرائيلية ما يُسمح بدخوله، ولمن، وكيف، وتحت أيّ غطاء تمويلي أو إداري. ومن خلال هذه المنظومة، تحوّلت إعادة الإعمار إلى عملية مراقبة منظّمة تتحكم فيها إسرائيل وتخضع لمعايير "الأمن الإسرائيلي" وسياساته. فعلى سبيل المثال، يتبدّى هذا في آلية إعادة إعمار غزة Gaza Reconstruction Mechanism, GRM، وهي منظومة أنشئت عامُ 2014 بعد العملية العسكرية الشاملة ضد القطاع التي استمرت 51 يومًا، بموجب اتفاق بين الأمم المتحدة وإسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية، بهدف تنظيم دخول مواد البناء والمساعدات الخاصة بعملية إعادة الإعمار. وقد صُممت هذه الآلية بواجهة إنسانية لتسهيل دخول مواد البناء وإدارة التمويل، لكنها تحوّلت عمليًا إلى نظام مراقبة شامل تتحكم فيه إسرائيل على نحو تام؛ ما ساهم في ترسيخ

(29) Patrick Wolfe, "Settler Colonialism and the Elimination of the Native," Journal of Genocide Research , vol. 8, no. 4 (2006), pp. 387–409.

(3((خليل نخلة، أسطورة التنمية في فلسطين: الدعم السياسي والمراوغة المستديمة، ترجمة ألبرت أغازريان (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.)2004

(31) Roy. (32) Milton, Elkahlout & Attallah. (33) Roy, pp. 406–412. (34) Ibid.

الحصار المفروض، لتغدو العملية شكلًا من أشكال "هندسة الإفقار التنموي"، حيث تُدار الموارد بما يكفي للحفاظ على الحد الأدنى من البقاء من دون أيّ تمكين حقيقي للمنطقة وسكانها. وبالنظر إلى كل هذه المعوقات البنيوية التي تحكم إعادة الإعمار، لم يقترن تكثّف الخطاب حولها في غزة خلال العقدين الأخيرين، بما فيه من حديث متكرر عن مشاريع وبرامج وتمويلات، بتحوّل

اقتصادي واجتماعي يحدّ من عملية الإفقار، بل على العكس من ذلك، تزامن مع ترسّخ الاعتماد

على المساعدات الخارجية واتساع مؤشرات التدهور الاقتصادي. فبحسب تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي عن الاقتصاد الفلسطيني، أدى الحصار المستمر والتدمير المتكرر للبنية الاقتصادية إلى إضعاف قدرة الاقتصاد المحلي على توليد الدخل وفرص العمل؛ الأمر الذي جعل المساعدات الإنسانية أحد مصادر عيش الفلسطينيين الرئيسة. وتشير تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد" إلى أن نحو 80 في المئة من سكان القطاع كانوا يعتمدون، قبل عام 2023، على المساعدات الدولية نتيجة تآكل الاقتصاد المحلي وتراجع الاستثمار والإنتاج فيه في ظل القيود المفروضة على حركة الناس والسلع والموارد. وتُظهر بيانات البنك الدولي لعام 2024 اتساع الفجوة الاقتصادية بين قطاع غزة والضفة الغربية؛ إذ بلغ معدل الفقر في القطاع نحو 64 في المئة مقارنةً بنحو 12 في المئة في الضفة، وهو ما يعكس عمق الاختلال الاقتصادي بين المنطقتين اللتين يفترض أن تكونا مندمجتين اقتصاديًا. أمّا خلال حرب الإبادة التي شنّتها إسرائيل منذ تشرين الأول/ أكتوبر

2023، فقد ارتفعت هذه التقديرات لتشير إلى أن أكثر من 90 في المئة من السكان باتوا يعتمدون على المساعدات الخارجية. تظهر هذه المراجعة أن حالة غزة تمثّل نموذجًا فريدًا لما يمكن تسميته "إعادة الإعمار تحت الإفقار

التنموي". فإعادة الإعمار في هذا الفضاء ليست أداةً لإصلاح ما تهدّم، بل تستخدمها القوة المستعمِرة لإدارة العنف الاقتصادي الاستعماري من دون المساس بأسبابه. ويستوجب الوقوف على هذا التقييم إعادة التفكير في موقع الفلسطيني ضمن منظومة الاقتصاد المحلي الواقع تحت السيطرة الاستعمارية، وما يمكن أن يدار فيه من عمليات. وقد بيّن التقييم الذي وقفنا عليه أن الإعمار لا يُدار من أجله بقدر

ما يُدار نيابةً عنه، بما أنه، في أغلب الأحيان، لا يضمن له تملّك القرار في تحديد أولوياته أو توجيه

(35) Laila Barhoum, "Still Treading Water: Reviewing Six Years of the Gaza Reconstruction Mechanism and the Dire Water Situation in the Gaza Strip," Briefing Paper , Oxfam International, 22/3/2021, accessed on 2/12/2025, at: https://acr.ps/hBybH00 (36) Ibid. (37) "Prior to Current Crisis, Decades–long Blockade Hollowed Gaza’s Economy, Leaving 80% of Population Dependent on International Aid," Press Release , UN Trade & Development (UNCTAD), 25/10/2023, accessed on 16/12/2025, at: https://tinyurl.com/yttfv623; "World Bank Issues New Update on the Palestinian Economy," Press Release , World Bank, 23/5/2024, accessed on 16/12/2025, at: https://tinyurl.com/yc25chh3 (38) "Prior to Current Crisis." (39) "World Bank Issues New Update on the Palestinian Economy." (40) "UNRWA: 90% of Gaza’s Population Relies on Aid and one Meal every 24 Hours," WAFA , 24/11/2025, accessed on 16/12/2025, at: https://acr.ps/hBybHqJ

الموارد التي تُصرف باسمه. وبذلك يبدو الإعمار – الذي يُفترض أن يعيد إلى الفلسطيني القدرة على الإنتاج الاقتصادي والفعل الاجتماعي المرتبط به – عمليةً محكومةً بالفشل في بلوغ ما يُعلن لها من أهداف؛ نظرًا إلى منطق الإزالة، الذي يقوم عليه الاستعمار الاستيطاني، للسكان ولمقدراتهم

الاقتصادية ولمواردهم الإنتاجية. وبذلك، يصبح الحديث عن إعادة الإعمار، من دون الحديث عن التحرر من الحصار والإفقار التنموي والاستعمار الاستيطاني، نوعًا من الإيهام بمعالجة الظواهر العارضة بالقفز فوق الأسباب الجذرية للعنف، وتحويل السياسة إلى إدارة تقنية للإبادة، لا يمكن أن تضمن سوى استمرارها بأدوات بيروقراطية وإنسانية.

ثانيًا: واقع الإبادة في غزة وحدود المقاربات السابقة

مبدئيًا؛ كما تُظهر البحوث النظرية والمفهومية والدراسات الميدانية التي أتينا على بعضها في

المراجعة السابقة، تمثّل إعادة الإعمار فرصةً للمجتمعات المتأثرة بالأزمات والكوارث والحرب والظروف السياسية – العسكرية التي تخلّف خرابًا وانهيارات اقتصادية وأضرارًا مادية في البنى التحتية والإنتاجية مع ما يصحبها من آثار اجتماعية في بنى المجتمع ذاته وتماسكه وقدرته على البقاء. وزيادة على خصائص إعادة الإعمار هذه، ينبغي أن يكون لأوضاع ما بعد العدوان الاستعماري أو في ظل سيطرة استعمارية على المجتمع المعني بها، وخاصة إذا كانت تلك السيطرة من نمط الاستعماري الاستيطاني، وتعتمد سياسات إبادية، خصائصُ إضافية. فإذا ما ثبتت الجدوى التحليلية للمفاهيم التي عرضنا استخداماتها في هذا السياق، وصحّت الأسس النظرية التي بيّنا صلاحيتها في دراسة الوضع

الفلسطيني، وفي غزة على الأخص، فإن هذه الخصائص لا ينبغي النظر إليها بوصفها طارئة، بل يتعيّن

اعتبارها شروطًا بنيوية لإعادة الإعمار تقيّد مساره وتحكم مآلاته. وبحسب العديد من المؤشرات، يتّضح أن الواقع الذي خلّفته الحرب الإبادية، التي شنّتها إسرائيل على قطاع غزة وسائر فلسطين، قد ضاعف من قيود إعادة الإعمار؛ وهو ما تكشفه مؤشرات حجم الدمار وتداعياته. وبالفعل، تُظهر البيانات الأوليّة صورةً كارثية غير مسبوقة؛ إذ تشير بعض التقديرات إلى

تدمير نحو 90 في المئة من البنية التحتية للقطاع. ويشير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إلى أن أكثر من 270 ألف فلسطيني، أي نحو 12 في المئة من سكان قطاع غزة، تعرّضوا للقتل أو

الإصابة أو الاعتقال منذ بدء الحرب حتى 22 تشرين الأول/ أكتوبر 2025. وخلال ما يزيد على عامين من الحرب، بلغ عدد القتلى نحو 51907 فلسطينيًا، من بينهم ما لا يقل عن 02487 مدنيًا، بما يعادل

قرابة 90 في المئة من إجمالي الضحايا. وشمل ذلك أيضًا 21310 أطفال، أي نحو 30 في المئة من القتلى، إضافة إلى 13987 امرأة، بنسبة تقارب 20 في المئة من إجمالي الضحايا.

(41) "No one Fully Survived: Shocking Statistics Expose the Devastating Scope of Israel’s Genocide in Gaza," Euro– Med Human Rights Monitor, 22/10/2025, accessed on 31/12/2025, at: https://tinyurl.com/4abbunsd (42) Zeina Jamaluddine et al., "Traumatic Injury Mortality in the Gaza Strip from Oct 7, 2023, to June 30, 2024: A Capture–recapture Analysis," The Lancet , vol. 405, no. 10477 (2025), pp. 469–477.

وتشير تقديرات مجموعة من المنظمات الدولية عن تقييم أوّلي للأضرار والاحتياجات، صدرت في شباط/ فبراير 2025، إلى أنّ حجم الأنقاض يُراوح بين 14 و 47 مليون طن، وأن هذه الكميات الهائلة

تفرض تحدياتٍ لوجستية وبيئية تتطلب تمويلًا يفوق قيمة الأضرار المادية في بعض القطاعات.

بعبارةٍ أخرى، بلغ حجم الركام الناجم عن الحرب الإبادية خلال الأشهر الخمسة عشر الأولى ما يعادل 17 ضعف حجم الركام الناجم عن جميع الحروب السابقة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة منذ عام 2003. وقد أدى التدمير الواسع للبنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس والجامعات ومحطات المياه ومولدات الكهرباء، إلى شلل كلّي في الخدمات الأساسية، وتدهور سريع في الأوضاع الصحية والاجتماعية، في سياق غياب أيّ استجابة دولية فعّالة. وتُقَدَّر احتياجات إعادة الإعمار والتعافي لما بعد حرب الإبادة في غزة بنحو 53 مليار دولار أميركي، وفقًا للتقييم الأوّلي للأضرار والاحتياجات. وتُقَدَّر الأضرار المادية وحدها ب  30 مليار دولار، تصَدَّرها قطاع الإسكان بنسبة 53 في المئة من الأضرار، يليه قطاع التجارة والصناعة بنسبة 20 في المئة، ثم قطاعات البنية التحتية الحيوية مثل الصحة والمياه والنقل بنسبة 15  في المئة. أمّا الخسائر الاقتصادية غير المباشرة، الناتجة من فقدان الإنتاجية والإيرادات، فقد بلغت نحو 19 مليار دولار، وأثّرت في قطاعات التعليم والصحة والتجارة على نحو خاص. لقد تحوّل اقتصاد غزة، في سياق الحرب الإبادية، إلى "اقتصاد إبادة"، حيث لم يكن الدمار مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل كان أيضًا جزءًا من بنية اقتصادية أوسع تتداخل فيها المصالح العسكرية والاقتصادية

والتكنولوجية المرتبطة بإدارة العنف المسلح الاستعماري والاحتلال الاستيطاني. وأنتجت الحرب نفسها أنماطًا جديدة من النشاط الاقتصادي المرتبط بالتسليح والمراقبة والسيطرة على الموارد وإعادة تنظيم الفضاء العمراني، فتحوّلت معاناة السكان بسبب دمار البنية التحتية إلى عنصر ضمن منظومة اقتصادية تستفيد من استمرار الإبادة بدلًا من منعها أو ردعها. ويشير صلاح الدين العجلة إلى أن الحرب على غزة أحدثت انهيارًا اقتصاديًا عميقًا، تمثّل في تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 83.2 في المئة عام 2024، مع خسارة يومية بلغت نحو 25 مليون دولار، وتدمير أو تضرّر 82 في المئة

(43) "Gaza and West Bank Interim Rapid Damage and Needs Assessment (IRDNA)," United Nations, European Union & World Bank, February 2025, accessed on 31/12/2025, at: https://tinyurl.com/mrbjmwcc (44) Nick Eardley & Matt Murphy, "How 15 Months of War has Devastated Gaza," BBC , 16/1/2025, accessed on 24/12/2025, at: https://tinyurl.com/mpjxj5rb (45) "Damage to Gaza Causing New Risks to Human Health and Long–Term Recovery – New UNEP Assessment," Press Release , UN Environment Programme, 18/6/2024, accessed on 24/6/2025, at: https://tinyurl.com/3xbrefmw (46) "Gaza and West Bank Interim Rapid Damage and Needs Assessment (IRDNA)," p. 3. (47) Ibid., pp. 32–33. (48) Ibid. (49) Francesca Albanese, "From Economy of Occupation to Economy of Genocide. Report of the Special Rapporteur on the Situation of Human Rights in the Palestinian Territories Occupied since 1967," Human Rights Council, Session 59, 16/6–11/7/2025, Agenda Item 7, UN Doc. A/HRC/59/23 (Geneva: United Nations, 2025).

من منشآت القطاع الخاص و 83 في المئة من المرافق التجارية. وبلغت الأضرار المباشرة نحو 29.88 مليار دولار، إضافة إلى خسائر اقتصادية تُقدّر بنحو 19.05 مليار دولار؛ أي ما مجموعه 8.94 مليار دولار، مع تركّز الضرر في قطاع الإسكان بقيمة 15.8 مليار دولار. ويؤكد أن ما جرى ليس مجرد أزمة عابرة، بل "أكبر صدمة اقتصادية واجتماعية في تاريخه"، حيث تدمّر اقتصاد القطاع إلى حد بعيد

وفادح. ضمن هذا السياق، وجّه عدد من الخبراء انتقادات حادّة إلى المقاربات الدولية المطروحة لإعادة

إعمار القطاع بعد الإبادة، معتبرين أنها تنطوي على مخاطر تكرار إخفاقات السياسات السابقة التي صيغت ضمنها عمليات الإعمار، من دون الاستفادة من دروسها البنيوية. وفي هذا الإطار، انتقدوا

ما يُعرف ب "مجلس السلام" الذي أنشأه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بدفٍعمن الإدارة الأميركية

الحالية، واعتبروه إطارًا يفتقر إلى الشرعية، ويعيد إنتاج أنماط التدخل الخارجي في إدارة عملية إعادة الإعمار، على نحو يتعارض مع حق تقرير المصير، ويتجاهل مضامين رأي محكمة العدل الدولية، ويكرّس نهجًا ذا طابع استعماري في توجيه مسارات الإعمار. وانتقدوا أيضًا المقاربات التي تتعامل

مع إعادة إعمار غزة بوصفها فرصة استثمارية أو "جنة عقارية"، مؤكدين أن مثل هذه التصورات تُفرّغ

الإعمار من مضمونه الاجتماعي والسياسي، وتُغفل كونه عملية مرتبطة بحق السكان في إعادة بناء حياتهم وبيئتهم على نحو ينسجم مع حقوقهم وكرامتهم وتصوّراتهم لكيفية تلبية احتياجاتهم. وضمن هذا المشهد، تبرز حالة غزة بوصفها مث لًا تتقاطع فيه إعادة الإعمار مع بنية استعمارية، ويجري تصدير صورتها ضمن أطر تقنية وإنسانية تبدو محايدة ظاهريًا. وفي هذا السياق تحديدًا، يتبادر إلى

التحليل سؤال جوهري: كيف يُنزَع الطابع السياسي عن عملية إعادة الإعمار في غزة؟ توضح نادرة

شلهوب–كيفوركيان أن هذا النزع يأتي بوصفه جزءًا من سياسات إسرائيل الاستعمارية، لا استثناءً منه،

حيث يعمل على تقديم المعاناة الفلسطينية من خلال عدسات الضحية والصدمة والخطاب الإنساني، بينما تُمحى جذورها الاستعمارية والسياسية، فيُجَرَّد الفلسطينيون من سياق الاحتلال والتهجير

والاستعمار الاستيطاني، ويُقصَون عن إطار الحداثة والسيادة. ومع أن تحليلها لا يقدّم إجابةً شاملة عن السؤال المطروح، فإنه يوضح المراد هنا. فضمن هذا الفهم، "يُجَرَّد الفلسطينيون من إنسانيتهم، ويُعاد تصوير حياتهم على أنّها "حياة عارية، ومن ثم تخيّلهم

"كائناتٍ غير قابلة للعيش" وموتها غير "قابل للرثاء"، على حد تعبير جوديث بتلر. ويُنزع كذلك

((5(صلاح الدين العجلة، "تداعيات العدوان الإسرائيلي على الاقتصاد الفلسطيني في قطاع غزة وتحديات التعافي الاقتصادي"،

عمران، مج  14، العدد 53 (صيف 2025)، ص.127–123 (5(("خبراء أمميون: 'مجلس السلام' في غزة مناورة انتهازية غير شرعية وإعمار غزة حق أصيل"، الجزيرة نت، 2026/3/3، شوهد

في 2026/3/4، في: https://tinyurl.com/47ba4rjy (52) Nadera Shalhoub–Kevorkian, "Human Suffering in Colonial Contexts: Reflections from Palestine," Settler Colonial Studies , vol. 4, no. 3 (2014), pp. 277–290. (53) Ibid., p. 287. (54) Judith Butler, Precarious Life: The Powers of Mourning and Violence (London: Verso, 2004), pp. xiv–xv.

الطابع السياسي من العملية من خلال أمننة إعادة الإعمار، عبر ربط المساعدات الخارجية بأمن إسرائيل دونما إيلاء أمن الفلسطينيين أيّ اعتبار. وبناء عليه، لا يُمثّل نزع الطابع السياسي عن إعادة الإعمار حيادًا، بل يشكّل جزءًا من بنية المنظومة الاستعمارية الاستيطانية ذاتها، التي تُحِوِّل

المساعدات الخارجية إلى مشروع إنساني وأمني منفصل عن الجذور السياسية للصراع؛ ما يجعلها امتدادًا لمنطق الهيمنة على المجتمع المُستعمَر. يمكن تمثيل ذلك من خلال عرض الكيفية التي تمارِس بها القوى المانحة دورها في عملية إعادة الإعمار. فبدلًا من الضغط السياسي على القوة المحتلة لإنهاء الحصار، تنخرط في بنيته عبر الامتثال

لشروطه والتكيّف مع محدداته؛ ما يُفضي إلى تحوّل المساعدات من أداة دعمٍ للفلسطينيين إلى أداة

ضبطٍ لهم وسيطرةٍ عليهم. ويبرز ذلك بوضوح في قبول العديد من المانحين لآلية إعادة إعمار غزة GRM بوصفها الإطار الإجرائي المنِّظِم للعملية، على الرغم من الانتقادات العديدة التي وُجهت

إليها. وقد أسهم هذا القبول في إضفاء قدرٍ من الشرعية على الآلية وترسيخها أمرًا واقعًا، بدلًا

من الدفع نحو مقاربات بديلة أكثر فاعليةً في معالجة العوائق البنيوية التي تعترض إعادة الإعمار. ولم يقتصر أثر الآلية على تنظيم تدفّق مواد البناء والحد منه، بل امتدّ ليُعيد تشكيل مواقع المانحين

أنفسهم؛ حيث غدا تدخّلهم، على نحو مباشر أو غير مباشر، مُتماهيًا مع سياسات تُسهم في تكريس

بنية الاستعمار الاستيطاني وتعزيز سياسات المحو أو الإزالة التنموية في قطاع غزة. تُسهم هذه الدينامية في خلق اقتصاد مساعدات خاضع، حيث يصبح التمويل مشروطًا بالامتثال،

وتُدار أولويات التنمية وفق اعتباراتٍ سياسية وأمنية لا تنبع من المجتمع المحلي، بل من مصالح الممولين التي غالبًا ما تتماهى مع مصلحة إسرائيل. ونتيجةً لذلك، يفقد الفلسطينيون القدرة على

صياغة سياساتهم التنموية أو التحكم في مواردهم. وإضافة إلى ذلك، يكرّس السياق الزمني

المُتقطّع لإعادة الإعمار عملية الإخضاع أيضًا؛ إذ يُستَخدم أداةً للسيطرة والضبط والتحكم. وفي هذه الحالة، لا تسير إعادة الإعمار وفقًا لمنطق الحاجة أو الأولوية، بل وفقًا لمنطق العقاب والمكافأة، ضمن ما يمكن وصفه بالسلام السلبي الذي لا يتأتى من خلاله أيّ حٍّلٍ جذري للسياسات الاستعمارية التي تجري في فلكها بنية المساعدات الخارجية. لذا، تتجاوز معالجة الدمار الممنهج الذي لحق بقطاع غزة النطاق الضيّق لمفهوم إعادة الإعمار بمعناه

التقني/ المادي، حيث تفرض ضرورة استجابةٍ شاملة تتكامل فيها الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية والتنموية، إلى جانب إرساء آليات فعّالة للمساءلة الدولية وإنهاء ظاهرة إفلات

(55) Alarabeed. (56) "UN–brokered System for Gaza Reconstruction after 2014 Conflict Failing," Press Releases , Oxfam International, 22/3/2017, accessed on 10/12/2025, at: https://acr.ps/hBybGNo (57) Ibid. (58) Elia Zureik, "Qatar’s Humanitarian Aid to Palestine," Third World Quarterly , vol. 39, no. 4 (2018), pp. 791–794. (59) Ibid.

إسرائيل من العقاب. وتبرز قضية إعادة إعمار غزة مرةً أخرى بوصفها إحدى أبرز القضايا تعقيدًا وصعوبة في مرحلة ما بعد الإبادة، أو ما اصطلح على تسميته "اليوم التالي" لغزة. ومن المتوقع أن تشهد جملةً من التحديات، ما لم يطرأ تغيير جوهري في البيئة السياسية المحيطة؛ فتكرار السيناريوهات السابقة في إدارة هذا الملف سيؤدي إلى إنتاج التحديات والقيود ذاتها.

ثالثًا: أبرز تحديات إعادة إعمار قطاع غزة بعد الحرب الإبادية

تواجه إعادة إعمار قطاع غزة خمسة تحديات رئيسة في سياق ما بعد الحرب الإبادية التي لم تتوقف آثارها بعد؛ إذ لا يزال القطاع يعاني تبعاتها العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية.

1. الأزمة الإنسانية العميقة الناتجة

أدّت العمليات العسكرية الإسرائيلية المكثفة إلى نزوح قسري لأكثر من 1.9 مليون فلسطيني داخل قطاع غزة؛ أي ما يزيد على 90 في المئة من سكانه، في واحدة من أكبر موجات النزوح الجماعي منذ نكبة عام 1948. وتعيش معظم العائلات في خيام أو مراكز إيواء مؤقتة مكتظة، تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة. وقد اضطرت عائلات كثيرة إلى النزوح المتكرر خلال العمليات العسكرية، بعضها نزح أكثر من عشر مرات، بفعل القصف المستمر وأوامر الإخلاء المتتالية. وإزاء هذا الواقع، لا يُعدّ النزوح انتق لًا قسريًا من مكان إلى آخر بحثًا عن الأمان والأمن فحسب، بل هو أيضًا نتيجة فعل سياسي – عسكري يهدف في جوهره إلى تفكيك البنية المدنية للفلسطينيين بوصفهم جماعة وطنية. فقد استُهدفت عائلات بأكملها، وتفككت بنى الدعم والتماسك الاجتماعي التقليدية

التي كانت تشكّل الأساس للحياة المجتمعية والمدنية المستقرة. وأُزيلت أحياء كثيرة أُجبر سكانها على مغادرتها من الخريطة العمرانية للقطاع؛ ما يجعل مسألة العودة أو إعادة الإعمار تحديًا يتجاوز الإطار المادي ليشمل الوجود الفلسطيني ذاته. فاستهداف الحيّز المكاني للسكان، وإجبارهم على

التنقل القسري داخل جغرافيا مغلقة ومقيّدة أشبه بالسجن، يكشفان عن سياسة مدروسة تهدف إلى

إنهاك المدنيين وكسر إرادتهم وتحطيم قدرتهم على إعادة بناء التنظيم المدني من جديد. وتتضمن الخسائر البشرية أيضًا التأثيرات النفسية والاجتماعية؛ إذ يُخلّف فقدان المنزل آثارًا نفسية مدمّرة وعميقة على أصحابه، فهو لا يُمثّل مأوى ماديًا فحسب، بل يشكّل أيضًا أساسًا للهوية والانتماء

(60) "Gaza and West Bank Interim Rapid Damage and Needs Assessment (IRDNA)." (61) "Gaza: Destruction of Vital Lifting Gear Halts Search for Thousands Buried Under Rubble," UN News , 22/4/2025, accessed on 24/12/2025, at: https://tinyurl.com/5bcprsat; "Humanitarian Situation Update #88 | Gaza Strip," UN Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), 13/5/2025, accessed on 24/12/2025, at: https://tinyurl.com/yecz5pjt (62) "Humanitarian Situation Update #88 | Gaza Strip." (63) Shelly Culbertson et al., "From Camps to Communities: Post–Conflict Shelter in Gaza," Research Report , Rand Corporation (2025), accessed on 15/1/2026, at: https://tinyurl.com/bs8s4tah (64) Ibid.

والأمان العاطفي. ويُفضي اقتلاع الأشخاص من بيوتهم إلى صدمة نفسية جماعية، ويقوّض أسس

الاستقرار الشخصي والاجتماعي. وتشير بعض الأبحاث إلى أن فقدان المسكن يرتبط ارتباطًا وثيقًا باضطرابات ما بعد الصدمة، والاكتئاب، والقلق المزمن، وخصوصًا بالنسبة إلى الأطفال والنساء. ويعمّق تكرار النزوح وتدمير البنية الاجتماعية المرتبطة بالمكان الشعور بالاقتلاع وفقدان المعنى؛

ما يجعل التعافي النفسي، في غياب العدالة والضمانات الحقوقية، أمرًا بالغ الصعوبة. ويرتبط هذا التحدي مباشرة بعملية إعادة الإعمار، ولا سيما بمرحلة إعادة بناء المساكن والتخطيط العمراني والحيّز المدني. فحجم النزوح وتدمير الأحياء كليّا يفرضان تحديات معقدة، تتعلق بضمان

حق السكان في العودة إلى مناطقهم الأصلية، وإعادة تخطيط المدن بما يحفظ النسيج الاجتماعي والثقافي، إلى جانب إدماج الدعم النفسي والاجتماعي في برامج الإعمار. وبناء عليه، لا يمكن اختزال إعادة الإعمار في إعادة بناء البنية التحتية فحسب، بل ينبغي أن تشمل أيضًا إعادة بناء الإنسان والمجتمع، بما يضمن استعادة الاستقرار والكرامة على المدى الطويل.

2. استمرار الحصار

يخضع قطاع غزة لحصار إسرائيلي مشدد منذ عام 2006، غير أن الحرب الإبادية مثّلت نقطة تحوّل

خطِرة؛ إذ تصاعدت الإجراءات التي كانت مشدّدة أصلًا لتتحول إلى حصار أشدّ وحشية، ما مكّن إسرائيل من تنفيذ جريمة الإبادة. فقد قطعت إسرائيل جميع الإمدادات الأساسية وأغلقت المعابر كافة؛ ما أدى إلى توقف شبه كامل لأشكال النشاط الاقتصادي كافة، ووقف تدفق المساعدات الخارجية إلى القطاع. وتجدر الإشارة إلى أن حرب الإبادة لم تندلع في ظل ظروف مستقرة وآمنة، بل جاءت تتويجًا لسياساتٍ

ممتدة هدفت إلى تحويل غزة إلى نموذجٍجديد ل "سجن أمني كبير" تتحكم إسرائيل في تفاصيل الحياة داخله. وفيه بدأت سياسة تقييد المواد مع سيطرة حركة حماس على الحكم عام 2007، قبل أن تتبلور في قوائم رسمية للمواد "ذات الاستخدام المزدوج" منذ عام 2008، والتي أصبحت الأداة الرئيسة لتنظيم دخول السلع واستمرت من دون تعديل جوهري معلن في السنوات اللاحقة، بزعم أن بعضها قد تستغله حركات المقاومة في أغراض عسكرية، لتبرير منع دخول الإمدادات الإنسانية؛ ما نجم عنه شلّ نحو 90 في المئة من عمليات الصناعة والإنتاج في القطاع التي كانت قائمة قبل عام

(65) Matthew Porter & Nick Haslam, "Predisplacement and Postdisplacement Factors Associated with Mental Health of Refugees and Internally Displaced Persons: A Meta–Analysis," JAMA , vol. 294, no. 5 (2005), pp. 602–612. (66) Ibid.; Kenneth E. Miller & Andrew Rasmussen, "War Exposure, Daily Stressors, and Mental Health in Conflict and Post–Conflict Settings: Bridging the Divide between Trauma–Focused and Psychosocial Frameworks," Social Science & Medicine , vol. 70, no. 1 (2010), pp. 7–16. (67) Porter & Haslam; Culbertson et al. (68) Albanese. (69) Emma Graham–Harrison & Julian Borger, "Toys, Spices, Sewing Machines: The Items Israel Banned from Entering Gaza," The Guardian , 24/6/2024, accessed on 31/12/2026, at: https://tinyurl.com/cxakkfne

2006. وعلى الرغم من أنّ بعض عناصر هذا النظام بدت عبثية ومثيرة للسخرية، فإن إسرائيل سمحت، ماثلًا، بدخول الحمص العادي، في حين منعت الحمص المغطى بالصنوبر أو الفطر. وبعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تحوّل منع دخول المساعدات إلى أداة قائمة بذاتها ضمن سياسة

ممنهجة لتجويع السكان وتسهيل الإبادة؛ فلم تعُد إسرائيل تستخدم الحصار إجراءً أمنيًا مزعومًا فحسب،

بل أداة للإخضاع البيوسياسي والجسدي، والهيمنة على السكان بحرمانهم من الغذاء كلًّيًا. وقد ترتب

على هذا الحصار المشدد نشوء مجاعة فعلية؛ فقد سُجّلت حالات وفاة بين الأطفال والرضع نتيجة

الجوع وسوء التغذية، واضطر السكان إلى استهلاك أعلاف الحيوانات وشرب المياه الملوثة للبقاء على قيد الحياة. ووفقًا لتقارير برنامج الأغذية العالمي WFP بحلول كانون الأول/ ديسمبر 2023، كان جميع سكان غزة يعانون انعدام الأمن الغذائي، وهي حالة غير مسبوقة عالميًا في أيّ سياق نزاع مسلح. وإلى جانب الأثر الإنساني المباشر، يثير الحصار المفروض على غزة إجماعًا متزايدًا بين الخبراء القانونيين والحقوقيين على أنه انتهاك جسيم للقانون الدولي؛ فقد صنّفته منظمات دولية عديدة نظامًا

متكاملًا من الفصل العنصري، مؤكدين أنه يشكّل جريمة ضد الإنسانية وفقًا للاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها، ونظام روما الأساسي. واعتبرت منظمات دولية عديدة هذا الحصار أحد أشكال العقاب الجماعي؛ لما يخلّفه من آثار عميقة في مختلف جوانب الحياة في القطاع، بما في ذلك الاقتصاد والصحة والتعليم، فضلًا عن عزله عن بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة. ووفقًا للتجارب السابقة، يقيّد استمرار الحصار دخول مواد البناء والمعدّات، ويُخضع عملية الإعمار

لشروط سياسية وأمنية خارجية؛ ما يعرقل تنفيذ المشاريع ويؤخرها، ويحدّ من قدرة الاقتصاد المحلي على التعافي واستئناف الإنتاج، ويجعل جهود إعادة البناء رهينة لهذه القيود، بما يهدد بتحويل الإعمار إلى عملية شكلية أو غير مكتملة ما لم تُعالج جذور الحصار.

3. غياب جهة موحّدة برؤى محلية

لم يكن الانقسام الفلسطيني بين حركتَي فتح وحماس خلفية سياسية فحسب، بل شكّل أيضًا أحد

المحددات الرئيسة التي أثّرت في تجارب إعادة الإعمار السابقة في قطاع غزة؛ فقد أفضى إلى ازدواجية في مراكز القرار، وتضارب في الصلاحيات، تسببا في عرقلة بناء آلية وطنية موحّدة قادرة

(70) "Right to Live without a Blockade: The Impact of Israeli Access and Movement Restrictions on the Gaza Economy," Oxfam Factsheet (June 2022), pp. 1–4. (71) Amira Hass, "Hummus Starts Trickling Past Israel’s Blockade on Gaza," Haaretz , 9/9/2011, accessed on 1/2/2026, at: https://tinyurl.com/bdhum3ax (72) "Palestine Emergency," World Food Programme, accessed on 21/12/2025, at: https://tinyurl.com/2s4b7vk4 (73) "Human Rights Consensus around Crime of Apartheid," Report , Human Rights Watch, 25/3/2022, accessed on 24/12/2025, at: https://tinyurl.com/5n6shwvp; "Gaza: Israel’s 'Open–Air Prison' at 15: Israel, Egypt Movement Restrictions Wreak Havoc on Palestinian Lives," Report , Human Rights Watch, 14/6/2022, accessed on 24/12/2025, at: https://tinyurl.com/28f6bmcj; "Israel’s Apartheid against Palestinians: A Cruel System of Domination and a Crime against Humanity," Report , Amnesty International, 1/2/2022, accessed on 24/12/2025, at: https://tinyurl.com/yc7jxb9j (74) Roy.

على إدارة الموارد، وتنسيق الجهود مع الفاعلين الدوليين، وتحديد أولويات الإعمار على نحو متماسك. وساهم هذا الواقع أيضًا في إضعاف الموقف الفلسطيني التفاوضي، وفتح المجال أمام تدّخلّات خارجية صاغت مسارات الإعمار وفقًا لاعتبارات سياسية وأمنية تتجاوز الاحتياجات المحلية. غير أن المشهد الراهن لم يعد يُختزل في ثنائية الانقسام التقليدي بين الحركتين، بل

بات يتسم بتعدد الفاعلين وتباين رؤاهم حول مستقبل القطاع وإدارته. وتبرز اليوم أطراف مختلفة، تشمل أطرًا إدارية محلية ناشئة، والسلطة الفلسطينية، إضافة إلى فاعلين إقليميين ودوليين، لكل منهم

تصوّر مختلف لمسار إعادة الإعمار وشروطه. وفي هذا السياق، لم تعُد حماس تمارس دورًا حوكميًا

واضحًا بالمعنى المؤسسي التقليدي بعد الإبادة، بقدر ما تحوّلت إلى أحد مكونات المشهد السياسي

والأمني الأوسع، في غياب إطار جامع يحدد طبيعة العلاقة بين هذه الأطراف وصلاحياتها. وإلى جانب ذلك، يبرز اتجاه متزايد نحو تدويل ملف إعادة إعمار غزة، من خلال طرح صيغ لإدارته عبر أطراف دولية أو ترتيبات متعددة الأطراف؛ وهو ما يطرح إشكاليات عميقة تتعلق بمسألة السيادة، وتمثيل الإرادة المحلية، وحدود دور الفاعلين الخارجيين. فمثل هذه المقاربات، وإن بدت قادرة على تجاوز الانسداد السياسي الداخلي، قد تسهم في إقصاء السكان المحليين عن المشاركة الفعلية في تحديد أولويات إعادة الإعمار ومساراته، وتحويل العملية إلى ساحة تنافس بين رؤى ومصالح خارجية. وبناء عليه، فإن غياب جهة فلسطينية موحّدة برؤى محلية لا يقتصر أثره على تعقيد عملية الإعمار، بل يمتد ليعيد تشكيلها خارج إطار الفاعلية المجتمعية، بما يهدد بتحويلها إلى عملية تقنية مفصولة عن سياقها السياسي والاجتماعي. وفي الحصيلة، يظلّ تحدّي الحوكمة من أبرز الإشكاليات المتوقعة في المرحلة المقبلة. فعلى الرغم من تعدّد المبادرات التي تدعو إلى إشراك الأمم المتحدة أو أطراف عربية في إدارة القطاع خلال المرحلة الانتقالية، فإنها تصطدم بعقبات جوهرية تتعلق بمسائل السيادة، ومستوى القبول الشعبي، وقدرة هذه الأطراف على الاضطلاع بمهماتها بفاعلية واستقلالية. وفي غياب إطار حوكمة فلسطيني يستند إلى قيادة سياسية موحّدة ومشروع وطني جامع، تتعزز احتمالات تكرار إخفاقات الماضي؛ فقد شهدت المقاربات الدولية انتق لًا من السعي لحل عادل للقضية الفلسطينية إلى التركيز على إدخال المساعدات الإنسانية وتلبية الاحتياجات الأساسية، وربما إعادة الإعمار تحت رقابة دولية وإسرائيلية، بما يختزل القضية في بعدها الإنساني ويُفرغها من مضمونها السياسي.

(75) Ibid.

(((7 إيهاب محارمة ونور الله منوّر، "نحو أطر فلسطينية لإعادة الإعمار في قطاع غزة في أعقاب حرب الإبادة"، حكامة، مج  6،

العدد 12 (آذار/ مارس 2026)، ص.190–182 (((7 المرجع نفسه.

(78) Roy.

(7((عزمي بشارة، "المشروع الوطني الفلسطيني في السياق الدولي/ العربي الراهن"، محاضرة مقدمة في الدورة الرابعة للمنتدى السنوي لفلسطين، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2026/1/24، شوهد في 2026/2/1، في:

https://tinyurl.com/3mpjv33k

4. أزمة التمويل وعدم استقرار المساعدات الدولية

يُضاف إلى جملة التحديات السابقة استمرار أزمة تمويل عملية إعادة الإعمار، التي شكّلت عقبةً أساسية أمام أيّ جهد فعّال لإعادة بناء غزة في الماضي. فبعد العدوان الإسرائيلي عام 2014، تعهّد المانحون في مؤتمر القاهرة بتقديم نحو 5.4 مليارات دولار، غير أن ما نُِّفِذ فعليًا لم يتجاوز نصف هذا

المبلغ، وذلك بسبب تعقيدات الحوكمة، والقيود الإسرائيلية، والانقسام السياسي الفلسطيني، إلى جانب المخاوف القانونية من اتهامات ب "تمويل الإرهاب". وقد جعلت هذه العوامل عملية إعادة الإعمار رهينةً لاعتبارات سياسية وأمنية، في حين بقيت الاحتياجات الإنسانية والتنموية المتزايدة بلا استجابة كافية. إضافة إلى ذلك، أظهرت تعهدات إعادة الإعمار التي أعقبت العدوان في عامَي 2021 و 2022 تراجعًا حادًا في حجم التمويل؛ إذ لم يتجاوز جميعها في الفترتين سوى 25 في المئة من تعهدات 2014، في حين غاب المانحون الغربيون على نحو لافت، مكتفين بتمويلات طارئة محدودة، مثل تجديد صندوق الاستجابة الطارئة التابع للأمم المتحدة بمبلغ 22.5 مليون دولار فقط. حاليًا، ازداد المشهد تعقيدًا بفعل الإبادة والهجمات التي استهدفت مؤسسات دولية رئيسة، وفي

مقدّمتها وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، إلى جانب تراجع الدعم الموجّه إليها. وحذّرت إسرائيل عددًا كبيرًا من المنظمات الإنسانية الدولية بضرورة وقف

عملياتها ومنع طواقمها من العمل ما لم تمتثل لإجراءاتها الأمنية، المتمثلة في تزويدها بأسماء الموظفين العاملين لديها ومعلوماتهم الشخصية. وفي الوقت نفسه، صدرت عدة تقارير تحذّر من خطر إرهاق المانحين، واتساع الفجوة بين حجم المساعدات المقدّمة والاحتياجات الفعلية، في وقت تظل فيه آليات الرصد والرقابة عاجزة عن ضمان الشفافية والكفاءة. ويكشف هذا النمط من عدم تنفيذ المانحين تعهداتهم بعد حرب عام 2014، ومن ثم شبه غياب لها بعد عامَي 2021 و 2022، وصولًا إلى أزمة الثقة والتمويل الحالية على المستوى العالمي، أن مهمة إعادة الإعمار ستكون عسيرة

ما لم يرافقها دعم إقليمي ودولي واسع، خاصةً في غياب أيّ حديثٍ جادّ عن إلزام إسرائيل بتحمّل مسؤولية تعويض الأضرار التي تسببت فيها.

5. التحديات الناجمة عن تدمير البنية الثقافية

يُتوَّقَع أن يشكّل تدمير البنية الثقافية أحد التحديات الكبرى التي ستواجه إعادة إعمار غزة في المستقبل؛ إذ لم تقتصر آثار الحرب على تدمير البنية التحتية المادية، بل امتدّت لتشمل العناصر الثقافية للمجتمع

((8(تامر قرموط، "المساعدات الدولية لغزة وفق الشروط الإسرائيلية: هل حان الوقت لإعادة التفكير في سياسات التمويل

وآلياته؟"، سياسات عربية، مج  8، العدد 54 (تموز/ يوليو 2020)، ص.110–99

(81) Milton, Elkahlout & Attallah, p. 63. (82) "MSF Statement on Sharing Staff Information and Humanitarian Operations in Palestine," Médecins Sans Frontières, 30/1/2026, accessed on 10/3/2026, at: https://tinyurl.com/3tuf59s5 (83) Shira Efron, "Humanitarian Aid in Gaza: Failure and Success a Year On," Article , Think Global Health, 7/10/2024, accessed on 23/12/2025, at: https://tinyurl.com/3fpvhucd

الفلسطيني. فقد استُهدف العديد من المواقع ذات القيمة الثقافية والتاريخية استهدافًا مباشرًا، مثل

المراكز الثقافية والمكتبات والمقابر القديمة والمساجد التاريخية والكنائس؛ ما أسفر عن تدمير جزء كبير من الذاكرة الثقافية الوطنية وتشويه المعالم التاريخية. ولا تكمن أهمية هذه المواقع في بُعدها

المعماري فحسب، بل باعتبارها أيضًا ركائز لهوية السكان ومرجعيات لانتمائهم وتعلّقهم بوطنهم. ومع ذلك، غالبًا ما جرى تهميش البعد الثقافي في خطط إعادة الإعمار في مناطق النزاع، وهو جانب

يجب معالجته في خطة إعادة إعمار قطاع غزة. لذلك، ينبغي أن تتضمن البرامج استراتيجيات واضحة لإعادة تأهيل المواقع الثقافية ودعم المؤسسات التعليمية والثقافية، بما يعزز الهوية الاجتماعية ويقوّي

قدرة المجتمعات المتأثرة بالنزاع على التعافي واستعادة التوازن المجتمعي في المستقبل. وإضافة إلى ذلك، تبرز الحاجة إلى مقاربة متقدمة لإعادة إعمار التراث تتجاوز النماذج التقليدية التي تركز على الترميم المادي فحسب؛ إذ تشير الأدبيات الحديثة إلى أهمية تبنّي آليات مبتكرة تشمل التوثيق الرقمي للتراث المدمّر، وإشراك المجتمعات المحلية في تحديد أولويات إعادة التأهيل، وربط

إعادة الإعمار الثقافي بمسارات العدالة والاعتراف. ويقتضي ذلك تطوير أدوات قانونية ومؤسسية لحماية التراث من التدمير المتكرر، وضمان استدامة الجهود في ظل بيئة نزاع مستمرة، بما يعزز قدرة المجتمع على صون ذاكرته الجماعية واستعادتها. وترتبط هذه التحديات على نحو مباشر بمرحلة إعادة بناء الحيّز العام والهوية المجتمعية ضمن عملية إعادة الإعمار. فإهمال البعد الثقافي، يُفضي إلى

إعادة إنتاج فضاء عمراني منزوع الذاكرة، ويقوّض استمرارية الهوية الجماعية للسكان. وبناء عليه،

لا بد من أن تتجاوز عملية الإعمار إعادة بناء المرافق والخدمات لتشمل ترميم الرموز الثقافية، وإحياء المؤسسات المعرفية، وتبنّي أدوات مبتكرة لحماية التراث، بما يضمن استعادة العلاقة بين الإنسان والمكان وتعزيز أسس التعافي الاجتماعي الطويل الأمد.

خاتمة

تكشف تجربة إعادة الإعمار في قطاع غزة أن العمليات التي يُفترض أن تؤسس لمسارٍ من التنمية

والتعافي الاقتصادي والسياسي جرى تصميمها وتنفيذها داخل البنية ذاتها التي تُنتج الدمار. بهذا

المعنى، قيّدت هذه السياسات عملية إعادة الإعمار؛ ولذلك، لم تُفضِ هذه الجهود إلى إحداث

تحوّل بنيوي في الاقتصاد القائم، ولا إلى إعادة صياغة المعادلة السياسية التي تحكم القطاع، ولا إلى

افتتاح مسار لحل جذور الصراع. فقد جرى تخطيط مشاريع إعادة الإعمار وتنفيذها خلال سنوات

(84) Hani Hayek (dir.), "Damage and Risk Assessment of Cultural Heritage under Attack in the Gaza Strip," Centre for Cultural Heritage Preservation, January 2025. (85) "Post–Conflict and Post–Disaster Reconstruction and Recovery," UNESCO World Heritage Centre (2023), accessed on 1/4/2026, at: https://tinyurl.com/59v7u8cx (86) Ibid. (87) Ibid.; Benjamin Isakhan & Lynn Meskell, "Local Perspectives on Heritage Reconstruction after Conflict: A Public Opinion Survey of Aleppo," International Journal of Heritage Studies , vol. 30, no. 7 (2024), pp. 821–839. (88) Isakhan & Meskell.

الحصار السابقة للإبادة في إطار منظومة الإفقار التنموي والاستعمار الاستيطاني ذاتها، وبما يتوافق مع قيودها البنيوية وشروطها السياسية والأمنية. ونتيجة لهذا التداخل، اكتسبت إسرائيل قدرة حاسمة على توجيه مسارات إعادة الإعمار وتحديد أولوياتها، بحيث تحوّلت في كثير من الأحيان إلى حرب

بأسلوب آخر. وقد تكرر كل ذلك فيما يُوضع من مخططات وما يُرسم من سياسات لإعادة إعمار غزة ما بعد الإبادة، وبالمواصفات نفسها من الإصرار على عدم المس ببنية الإفقار التنموي الاستعماري الاستيطاني الإحلالي. ويجري ذلك، على الرغم من أن تجارب إعادة الإعمار ما قبل حرب الإبادة أثبتت أنه لا يمكن النظر إلى أيّ عملية إعادة إعمار مستقبلية بمعزل عن البنية السياسية التي تؤطرها، وأنه يجب فهمها ضمن منظومة من الشروط البنيوية التي تتحكم في إمكان تحقق التعافي أو تعثره، وتحدد إن كانت ستفتح أفقًا لتحول حقيقي أم أنها ستكون استمرارًا للعنف والإبادة وإدارتهما فقط للتغطية على جرائم إسرائيل في المنطقة. لقد بيّنت الدراسة أن المقاربات التي حكمت سياسات إعادة الإعمار في غزة خلال العقود الماضية لم

تكن مسارًا للحل؛ بحكم أنها عملت على تعزيز البنية الاستعمارية الاستيطانية الاقتصادية والسياسية التي تهدف إلى المحو والإزالة، وليس البناء والتعافي. وقد جرى تنفيذ تلك السياسات بمنطق الإفقار التنموي البنيوي المستدام وترسيخ الواقع الاستعماري. ومن ثمّ، فإن إعادة توظيف المقاربات ذاتها،

التي يُبرمج لها في المرحلة المقبلة، لن تقود إلى تعافٍ حقيقي، بل سوف تعني عمليًا، ومرةً أخرى،

استمرار حرب الإبادة بوسائل أخرى. في مقابل ذلك، على أيّ عملية إعادة إعمار مستقبلية أن تكون محكومة بمجموعة من المحددات والشروط الضرورية لنجاحها. وفيما يلي، نعمد إلى اقتراح أبرز هذه المحدّدات مع استغلال عرضها لتجديد المناقشة المفهومية والنظرية التي احتواها المبحث الأول من الدراسة. أولًا، من منظور مصلحة الفلسطينيين وحقوقهم، يقتضي نجاح أيّ عملية إعادة إعمار في غزة أن تتم ضمن إطار سياسي شامل يأخذ في اعتباره الجذور السياسية الأوسع للصراع القائم، والمتمثلة في تاريخ طويل من العنف والإفقار التنموي والاستعمار الاستيطاني والإبادة. وبناء عليه، فإن أي عملية لإعادة الإعمار لا تطرح حلولًا سياسية حقيقية، ولا تقدّم بدائل سياسية واقتصادية للنمو الفلسطيني الذاتي، ستكون أقرب إلى الدوران في حلقة مفرغة. فالإعمار الذي ينفصل عن أفق الحل السياسي يتحول إلى إجراء تقني أو تمرين تكنوقراطي يدير المعاناة من دون معالجتها، ويظل عاجزًا عن إحداث تحوّل حقيقي. ثانيًا، أدت الإبادة إلى انهيار كبير في القدرات المؤسسية والبشرية، وهو انهيار لا يقتصر على البنية

الإدارية، بل يمتد إلى شروط الفعل الاجتماعي ذاته. فالمجتمعات الخارجة من النزاعات ترث مؤسسات منهكة يُنتظر منها أن تقود التعافي بسرعة، بينما تُدار العملية أحيانًا وفقًا لنماذج تؤدي إلى تراجع دور هذه المؤسسات بدلًا من تعزيزه. وعندما يتحول التدخل الخارجي إلى بديل من بناء القدرات الذاتية، تصبح العملية عاملًا في إدامة الاعتماد، لا رافعة للتحرر. لذلك، ليس بناء القدرات المحلية هدفًا تنمويًا ثانويًا،

بل إنه يعدّ شرطًا استراتيجيًا لأيّ تغيير جذري. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية السيادة الفلسطينية وتملّك

المجتمع المحلي لإعادة الإعمار وقيادته لمشروعاته، وانتقال تموضعه من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل. ففي مقابل الخطاب الإنساني والتنموي العالمي الذي كثيرًا ما يصوّر السكان باعتبارهم عاجزين

عن قيادة عملية البناء، بيّنت الدراسة، والكثير من المراجع التي استندنا إليها، أن هذه النظرة تتجاهل

ما يمتلكه من يُفترض أن توجّه إليهم عملية إعادة الإعمار من معرفة وذاكرة وقدرة على تخيّل مستقبلهم

وبنائه على نحوٍ أفضل. ولا يؤدي تهميش سيادة المجتمع الفلسطيني على عملية إعادة الإعمار وملكيته لها إلى إقصاء صوتهم فحسب، بل يسهم كذلك في إعادة إنتاج علاقات الهيمنة ذاتها. إن المنظور المناقض للإفقار التنموي الاستعماري البنيوي يقوم على أن السيادة والملكية الحقيقيتين هما اللتان تمكّنان من ترميم الهوية الجمعية وتعزيز الشعور بالسيطرة على المصير؛ فحين ينخرط المجتمع في تحديد أولويات الإعمار، يتحول البناء من استجابة فوقية إلى عملية استعادة للحياة وبناء للذات الجماعية، بينما يؤدي استبعادهما إلى تفريغها من بعدَيها الاجتماعي والسياسي. ثالثًا، تبرز حاجة ملحّة إلى وجود رؤية شاملة ومستدامة تتجاوز التخطيط العمراني المادي، لتشمل

إعادة تعريف الإعمار بوصفه مشروعًا سياسيًا – اجتماعيًا – اقتصاديًا يرتبط بحق الفلسطينيين في

تقرير مصيرهم. وينبغي أن تكون الرؤية المستدامة، التي لا يمكن أن تكون مفروضة من الخارج أو مبنية على مقاربات مستوردة أو وعود السلام الاقتصادي، رؤيةً شاملة تربط الاستجابة الطارئة بالتنمية الطويلة الأمد، بحيث يُنظر إلى الإغاثة الإنسانية بوصفها بداية لمسار أوسع من إعادة البناء والتعافي والتنمية، وهو ما يكفل الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى بناء مقومات الصمود الذاتي ويمنع تكرار إخفاقات الماضي. ومن أجل ترسيخ منظور مناقض للإفقار التنموي وآثاره الاجتماعية والسياسية، ينبغي أن تكون هذه الرؤية جزءًا من مشروع سياسي فلسطيني موحّد يعبّر عن الإرادة الوطنية ويحدد

أولويات الإعمار في إطار استراتيجي جامع، بما يمنع تفتيت الجهود أو مصادرة أطراف خارجية لها. وبذلك تتم مقارعة مفهوم "إعادة الإعمار" كما جرى بناؤه والترويج له والاهتداء به في السياسات العملية حتى الآن بمفهوم مقابل هو "إعادة الإعمار التحرري" وما يبنيه من أساس نظري يربط بين إعادة البناء المادي واستعادة الإرادة السياسية والاقتصادية ضمن بلورة المشروع الوطني للتحرر. وفي المستوى الذي يتجاوز المجتمع المحلي الفلسطيني، يظل أيّ تصور لتحوّل حقيقي أو تغيير

جذري في وضع فلسطين والفلسطينيين، من منظور إعادة الإعمار التحرري، محدودًا ما لم يقترن بتحول في بيئة العدالة الدولية ومنظومتها؛ ذلك أنه لا يمكن فصل التعافي الاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني من آثار الحرب الإبادية عن مساءلة منظومة الاحتلال والاستعماري الاستيطاني على جرائمه، ولا عن الاعتراف الشامل بالمسؤوليات القانونية والأخلاقية المرتبطة بها. فالاعتراف الدولي بالإبادة وتحميل إسرائيل المسؤولية عن الأضرار المادية والمعنوية لا يشّكلّان مطلبَي عدالة

فحسب، بل يمّثلّان أيضًا شرطين أخلاقيين لإعادة الإعمار. إن التشديد على هذا البعد الأخلاقي في عملية إعادة الإعمار، ومن خلال تفعيل مسار مساءلة قانونية دولية تعتمد القانون الدولي وإقرار حق الفلسطينيين في التعويض الفعلي والمجزي، هو الكفيل بتحويل الإعمار من فعل تقني إلى مسار

تحرري يتيح إمكان تحقيق العدالة للفلسطينيين ضمن إطار تضامني دولي، ويؤسّس في الوقت ذاته

لسياسات تحول دون تجُّدُد الإبادة في أيّ مكان، بعيدًا عن الصيغة الصهيونية التي طُرح بها شعار "لن

يتجدد ذلك أبدًا" Never Again. وفي هذا الإطار، يبرز التضامن الإقليمي والدولي عاملًا حاسمًا في

كسر حالة الصمت عن إسرائيل والتواطؤ الدولي معها، غير أن هذا التضامن لا يكتسب معناه إلا حين يتجاوز الدعم المالي إلى خلق ضغط سياسي يدفع نحو حل سياسي عادل ودائم للشعب الفلسطيني في أرضه، يساهم في تعزيز مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها. إن الحقيقة التي يسعى الكثيرون لتجاهلها في زمن الإبادة هي أن أيّ مشروع لإعادة الإعمار سيظل

محكومًا بالفشل ما دام يستند إلى الأسس نفسها التي كرّست الإقصاء والهيمنة في الماضي، ورسّخت

حكم المستعمرين. ومن ثمّ، لا بدّ من أن ينبثق هذا المشروع من رؤية وطنية فلسطينية تعترف بالحقوق

السياسية للشعب الفلسطيني، وتربط عملية إعادة الإعمار بالحق في التحرر وتقرير المصير ضمن مشروع وطني فلسطيني موحّد. وبهذا، تصبح إعادة الإعمار خيارًا مفصليًا، فإمّا أن تكون أداةً للتحرر

والعدالة، أو وسيلةً لترسيخ الحكم الاستعماري مرة تلو أخرى. إن خلاصة ما تدعو إليه هذه الدراسة هو الاستجابة للضرورة الملحّة لإعادة توجيه السياسات الدولية

والإقليمية المتصلة بإعادة الإعمار نحو نموذج قائم على التحرر والعدالة المرتكزة على الفلسطينيين أنفسهم والمتحورة حولهم وحول حقوقهم واحتياجاتهم كما يحددونها هم. ومن دون ذلك، ستظل إعادة الإعمار الشاملة مجرد خطاب، يزيّن أسطورة خاوية من المعنى تشبه "أسطورة التنمية" في

فلسطين، عاجزةً عن معالجة الجروح والشروخ العميقة، وقاصرة عن تمكين المجتمع الفلسطيني من استثمار إمكاناته وقدراته وطاقاته، وتحقيقه التحرر والعدالة.

المراجع

References

العربية

أبو عامر، مجد ووديع العرابيد. "الحرب الإسرائيليّة على حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين:

خلفيات معركة 'وحدة الساحات' وآثارها الاستراتيجية". ورقة استراتيجية. رقم.6 المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2022/9/20:. في https://tinyurl.com/bde85ahz بشارة، عزمي. "استعمار استيطاني أم نظام أبارتهايد: هل علينا أن نختار؟". عمران. مج  10، العدد 38

________. "المشروع الوطني الفلسطيني في السياق الدولي/ العربي الراهن". محاضرة مُقدمة في

الدورة الرابعة للمنتدى السنوي لفلسطين. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2026/1/24.

في: https://tinyurl.com/3mpjv33k

"خطة ترامب لتهجير سكان قطاع غزة: أصل الفكرة، آفاقها، وتداعياتها". تقدير موقف. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2025/2/10:. في https://tinyurl.com/y9n44szz

العجلة، صلاح الدين. "تداعيات العدوان الإسرائيلي على الاقتصاد الفلسطيني في قطاع غزة وتحديات التعافي الاقتصادي". عمران. مج  14، العدد 53 (صيف.)2025 قرموط، تامر. "المساعدات الدولية لغزة وفق الشروط الإسرائيلية: هل حان الوقت لإعادة التفكير في سياسات التمويل وآلياته؟". سياسات عربية. مج  8، العدد 54 (تموز/ يوليو.)2020 محارمة، إيهاب ونور الله منوّر. "نحو أطر فلسطينية لإعادة الإعمار في قطاع غزة في أعقاب حرب

الإبادة". حكامة. مج 6، العدد  12 (آذار/ مارس.)2026 محمود، خالد وليد. "إعادة إعمار قطاع غزة: السياقات والتحدّيات". تقييم حالة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2014/11/12:. في https://tinyurl.com/4eh7ma2b نخلة، خليل. أسطورة التنمية في فلسطين: الدعم السياسي والمراوغة المستديمة. ترجمة ألبرت أغازريان. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2004

الأجنبية

Alarabeed, Wadee. "The Myth of Gaza’s Reconstruction: The Rise and Fall of Reconstruction Space Under the Israeli Siege." Journal of Peacebuilding & Development. vol. 19, no. 1 (2024). Albanese, Francesca. "From Economy of Occupation to Economy of Genocide. Report of the Special Rapporteur on the Situation of Human Rights in the Palestinian Territories Occupied since 1967." Human Rights Council. Session 59, 16/6–11/7/2025, Agenda Item 7, UN Doc. A/HRC/59/23. Geneva: United Nations, 2025. Barhoum, Laila. "Still Treading Water: Reviewing Six Years of the Gaza Reconstruction Mechanism and the Dire Water Situation in the Gaza Strip." Briefing Paper. Oxfam International. 22/3/2021. at: https://acr.ps/hBybH00 Boutros–Ghali, Boutros. "An Agenda for Peace: Preventive Diplomacy, Peacemaking and Peace–Keeping." International Relations. vol. 11, no. 3 (1992). Butler, Judith. Precarious Life: The Powers of Mourning and Violence. London: Verso,

"Conflict Prevention and Post–conflict Reconstruction: Perspectives and Prospects." World Bank Group. 31/8/1998. at: https://tinyurl.com/mbw4tnwm Culbertson, Shelly et al. "From Camps to Communities: Post–Conflict Shelter in Gaza." Research Report. Rand Corporation (2025). at: https://tinyurl.com/bs8s4tah Eadie, Pauline & Wyn Rees (eds.). The Evolution of Military Power in the West and Asia: Security Policy in the Post–Cold War Era. London: Routledge, 2015. Efron, Shira. "Humanitarian Aid in Gaza: Failure and Success a Year On." Article. Think Global Health. 7/10/2024. at: https://tinyurl.com/3fpvhucd "Gaza and West Bank Interim Rapid Damage and Needs Assessment (IRDNA)." United Nations, European Union & World Bank, February 2025. at: https://tinyurl.com/mrbjmwcc

"Gaza: Israel’s 'Open–Air Prison' at 15: Israel, Egypt Movement Restrictions Wreak Havoc on Palestinian Lives." Report. Human Rights Watch. 14/6/2022. at: https://tinyurl.com/28f6bmcj Hayek, Hani (dir.). "Damage and Risk Assessment of Cultural Heritage under Attack in the Gaza Strip." Centre for Cultural Heritage Preservation, January 2025. "Human Rights Consensus around Crime of Apartheid." Report. Human Rights Watch. 25/3/2022. at: https://tinyurl.com/5n6shwvp "Humanitarian Situation Update #88 | Gaza Strip." UN Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA). 13/5/2025. at: https://tinyurl.com/yecz5pjt Isakhan, Benjamin & Lynn Meskell. "Local Perspectives on Heritage Reconstruction after Conflict: A Public Opinion Survey of Aleppo." International Journal of Heritage Studies. vol. 30, no. 7 (2024). "Israel’s Apartheid against Palestinians: A Cruel System of Domination and a Crime against Humanity." Report. Amnesty International. 1/2/2022. at: https://tinyurl.com/yc7jxb9j Jamaluddine, Zeina et al. "Traumatic Injury Mortality in the Gaza Strip from Oct 7, 2023, to June 30, 2024: A Capture–recapture Analysis." The Lancet. vol. 405, no. 10477

Kleindienst, Petra & Matevž Tomšič. "Human Dignity and Transitional Justice in European Post–Conflict Societies." International Journal of Politics, Culture, and Society (2025). Martin, Alison & Simone Klawitter. "Treading Water: The Worsening Water Crisis and the Gaza Reconstruction Mechanism." Briefing Paper. Oxfam International, 2017. Miller, Kenneth E. & Andrew Rasmussen. "War Exposure, Daily Stressors, and Mental Health in Conflict and Post–Conflict Settings: Bridging the Divide between Trauma– Focused and Psychosocial Frameworks." Social Science & Medicine. vol. 70, no. 1

Milton, Sansom, Ghassan Elkahlout & Saba Attallah. "Shrinking Reconstruction Space in the Gaza Strip: Rebuilding after the 2021 and 2022 Wars." Conflict, Security & Development. vol. 24, no. 1 (2024). "No one Fully Survived: Shocking Statistics Expose the Devastating Scope of Israel’s Genocide in Gaza." Euro–Med Human Rights Monitor. 22/10/2025. at: https://tinyurl.com/4abbunsd Pappe, Ilan. The Biggest Prison on Earth: A History of Gaza and the Occupied Territories. New York: Simon and Schuster, 2016. Porter, Matthew & Nick Haslam. "Predisplacement and Postdisplacement Factors Associated with Mental Health of Refugees and Internally Displaced Persons: A Meta– Analysis." JAMA. vol. 294, no. 5 (2005). "Right to Live without a Blockade: The Impact of Israeli Access and Movement Restrictions on the Gaza Economy." Oxfam Factsheet (June 2022).

Roy, Sara. The Gaza Strip: The Political Economy of De–development. Washington, DC: Institute for Palestine Studies, 2016. Sakalasuriya, Maheshika M., Richard P. Haigh & Dilanthi Amaratunga. "A Conceptual Framework to Analyse Consequences of Post Conflict Reconstruction Interventions." Procedia Engineering. vol. 212 (2018). Shalhoub–Kevorkian, Nadera. "Human Suffering in Colonial Contexts: Reflections from Palestine." Settler Colonial Studies. vol. 4, no. 3 (2014). Stathopoulos, Athanasios. "Post–Intervention Reconstruction and the Responsibility to Rebuild." Social Sciences. vol. 11, no. 8 (2022). Vonhm, Mainlehwon Ebenezer. "Key Elements of Social Cohesion in Conflict–affected Societies: A Critical Literature Review." Cogent Social Sciences. vol. 11, no. 1 (2025). White, James D. & Anthony J. Marsella (eds.). Fear of Persecution: Global Human Rights, International Law, and Human Well–Being. Lanham, MD: Lexington Books/ Rowman & Littlefield, 2007. Wolfe, Patrick. "Settler Colonialism and the Elimination of the Native." Journal of Genocide Research. vol. 8, no. 4 (2006). Zureik, Elia. "Qatar’s Humanitarian Aid to Palestine." Third World Quarterly. vol. 39, no. 4 (2018).