التاريخ الاجتماعي للجواري في مصر قبيل عصر التحديث: نفيسة خاتون
A Social History of Concubines in Egypt: The Case of Nafisa Khatun
الملخّص
تركّز هذا المقالة على دراسة شخصية نسائية تنتمي إلى صفوة نساء المجتمع، في مرحلة شديدة التقلّب وعدم الاستقرار، بين آخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، إنّها "السيدة نفيسة" التي خطفها اللصوص من إحدى القرى الجبلية بجورجيا، وتمّ بيعها في سوق الجلابة (بيع العبيد) بالقاهرة. شاءت الأقدار أن تصبح الستّ نفيسة محظيّة ثمّ زوجة لأقوى أميرين من كبار الأمراء المماليك (الأمير علي بك الكبير، والأمير مراد بك)، واللذين حاولا الانفراد بحكم مصر، في محاولة لتأكيد النزعة الانفصالية عن التبعية العثمانية. وقد انعكست هذه التطوّرات على حياة الستّ نفيسة؛ إذ ارتفع قدرها وتمتّعت بمكانة خاصّة في المجتمع المملوكي؛ إذ صارت على رأس الحريم المملوكي، فأصبحت تُلقّب ب "الستّ نفيسة الكبرى"، وامتلكت نتيجة لذلك ثروة عقارية كبيرة، ما جعلها بالفعل من أشدّ نساء النخبة المملوكية ثراءً. بيد أنّ هذه الحياة الرغدة والرفاهية، تعرّضت لتطوّرات مؤسفة بين آخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، تلك التطوّرات التي قلبت حال معيشتها، وجعلتها تدخل دوّامة المعاناة، ولا سيما مع اتجاه حاكم مصر (محمد علي باشا) للتخلّص من الطبقة المملوكية (من خلال ما عُرف بمذبحة القلعة 1811)، والتي لم تعش بعدها الستّ نفيسة سوى سنوات قليلة؛ إذ ماتت عام 1816.
Abstract
This article portrays the life of Nafisa Khatun, a member of Egypt's social elite during the tumultuous period between the 18th and 19th centuries. Originally taken captive in the Caucus Mountains in Georgia, she was sold into slavery in Cairo’s slave market. After being a concubine, she would later become the wife to two of the most prominent Mamluk princes—Ali Bey "the Great" and Murad Bey—both of whom had wanted to rise to the throne of Egypt individually and secede completely from the Ottoman Empire. Nafisa Khatun's life story mirrored such larger narratives, as she eventually gained a high status within Mamluk society, becoming chief of the Mamluk Harem and acquiring substantial real estate wealth, becoming one of the wealthiest women within the Mamluk elite. Her fate would take another turn for the worse, however, after Mohammed Ali Pasha consolidated his control of Egypt and began his efforts at annihilating the Mamluk caste, which culminated in the famous Cairo Citadel massacre of 1811. Nafisa Khatun, who lived only briefly after that event, was reduced to penury, illness and suffered loss of influence. This study uses the case study of Nafisa Khatun to understand the extent to which large social, economic and political changes impacted the lives of individuals who lived through them. Nafisa Khatun's life told the story of Egypt's historical transformation, before being changed by the challenges presented by the period of modernization,
- التاريخ الاجتماعي
- جواري
- مصر
- نفيسة خاتون
- المماليك
- Social History
- Concubines
- Egypt
- Nafisa Khatun
- Mamluks
| ناصر سليمان| Soliman Nasser * | |||
|---|---|---|---|
| ناصر سليمان | Soliman Nasser | * أستاذ مشارك مختص في التاريخ الاجتمعي الحديث والمعاصر - في جامعتى القاهرة وقطر. تركّز هذا المقالة على دراسة شخصية نسائية تنتمي إلى صفوة نساء المجتمع، في مرحلة شديدة التقلّب وعدم الاستقرار، بين آخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، إنّها "السيدة نفيسة" التي خطفها اللصوص من إحدى القرى الجبلية بجورجيا، وتمّ بيعها في سوق الجلابة (بيع العبيد) بالقاهرة. شاءت الأقدار أن تصبح الستّ نفيسة محظيّة ثمّ زوجة لأقوى أميرين من كبار الأمراء الممليك (الأمير علي بك الكبير، والأمير مراد بك)، واللذين حاولا الانفراد بحكم مصر، في محاولة لتأكيد النزعة الانفصالية عن التبعية العثمنية. وقد انعكست هذه التطوّرات على حياة الستّ نفيسة؛ إذ ارتفع قدرها وتمتّعت بمكانة خاصّة في المجتمع المملوكي؛ فصارت على رأس الحريم المملوكي، فأصبحت تُلقّب ب "الستّ نفيسة الكبرى"، وامتلكت نتيجة لذلك ثروة عقارية كبيرة، ما جعلها بالفعل من أشدّ نساء النخبة المملوكية ثراءً. بيد أنّ هذه الحياة الرغدة والرفاهية، تعرّضت لتطوّرات مؤسفة بين آخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، تلك التطوّرات التي قلبت حال معيشتها، وجعلتها تدخل دوّامة المعاناة، ولا سيم مع اتجاه حاكم مصر (محمد علي باشا) للتخلّص من الطبقة المملوكية (من خلال ما عُرف بمذبحة القلعة 1811)، والتي لم تعش بعدها الستّ نفيسة سوى سنوات قليلة؛ إذ ماتت عام 1816. This article portrays the life of Nafisa Khatun, a member of Egypt's social elite during the tumultuous period between the 18 th and 19 th centuries. Originally taken captive in the Caucus Mountains in Georgia, she was sold into slavery in Cairo’s slave market. After being a concubine, she would later become the wife to two of the most prominent Mamluk princes—Ali Bey "the Great" and Murad Bey—both of whom had wanted to rise to the throne of Egypt individually and secede completely from the Ottoman Empire. Nafisa Khatun's life story mirrored such larger narratives, as she eventually gained a high status within Mamluk society, becoming chief of the Mamluk Harem and acquiring substantial real estate wealth, becoming one of the wealthiest women within the Mamluk elite. Her fate would take another turn for the worse, however, after Mohammed Ali Pasha consolidated his control of Egypt and began his efforts at annihilating the Mamluk caste, which culminated in the famous Cairo Citadel massacre of 1811. Nafisa Khatun, who lived only briefly after that event, was reduced to penury, illness and suffered loss of influence. This study uses the case study of Nafisa Khatun to understand the extent to which large social, economic and political changes impacted the lives of individuals who lived through them. Nafisa Khatun's life told the story of Egypt's historical transformation, before being changed by the challenges presented by the period of modernization, التاريخ الاجتمعي للجواري في مصر قبيل عصر التحديث: نفيسة خاتون "المرادية" نموذجًا A Social History of Concubines in Egypt: The Case of Nafisa Khatun ناصر سليمان | Soliman Nasser | ||
| التاريخ الاجتمعي للجواري في مصر قبيل عصر التحديث: نفيسة خاتون "المرادية" نموذجًا A Social History of Concubines in Egypt: The Case of Nafisa Khatun | |||
الإشكالية
تدور حول فهم مدى تأثير التطوّرات المختلفة التي مرّت بها مصر في مسيرة حياة الفرد في فترة مليئة بالتغيّات، من خلال طرح نموذج الستّ نفيسة؛ فإلى أي حدّ شكَّلت التطوّرات السياسية و لاقتصادية و لاجتماعية الكبرى، مسار حياة الستّ نفيسة، واندماجها في قلب الحوادث وصولً إلى قمّة الصّفوة المملوكية، ثمّ تعرّضها لتحدّيات التحوّل لاجتماعي والسياسي؛ لتبقى بعيدًا خارج دائرة الصفوة وبعيدًا عن الأضواء؛ إذ عانت ضيق العيش والمرض وفقدان المكانة وخسارة النفوذ؟ إنّ لاعتقاد الشائع بأنّ المرأة الشرقية جزء من "الخاص" الذي يقترب من مفهوم ما هو محظور تناوله أو كشفه؛ بصفته منطقة مقدّسة أو شبه محرّمة، تسبّب في إضفاء ظلال كثيفة على دور المرأة بصفتها فاعلً في العملية التاريخية. وتدعّم هذا لاتجاه بإثارة مسألة المصادر ومحدودية المادة الإخبارية التي وصلتنا وما بها من ثغرات، مقارنةً بما نعرفه عما هو "عام"، "سياسي" أو "تاريخي". وبات تاريخ المرأة أو بالأحرى "تاريخ النساء" منسيًا أو إلى حدّ ما غير معترف به، أو فلنقل في أحسن التقديرات ظلّ مدرجًا ضمن ما يعرف ب "التاريخ العام" للمجتمع. وتسبّب هذا الإقصاء، غير المقصود، في جعل الكتابة حول تاريخ النساء تقترب في المحصلة النهائية من المآل الذي انتهت إليه عملية التأريخ للفئات المسحوقة أو الهامشية، ممن أطلق عليهم جان كلود شميت "المنبوذين، الصامتين، والمنسيين في التاريخ"1 الذين لم يحظوا ب لاعتراف، وانحسر عنهم الضوء، على الرغم من أنهم لم يكونوا بعيدين نسبيًا عن قلب الحوادث السياسية و لاجتماعية، ولكن الحظ العاثر أنّ المنهجيات الخاصة بدراسة تلك الفئات، لم تكن قد تطوّرت بشكل متواز مع تطوّراتها في مج لات تاريخية أخرى، ومن ثمّ ظلّوا على هامش الكتابة التاريخية. بيد أنّ المناهج التي تطوّرت، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، في إطار ما يعرف "بالتاريخ لاجتماعي"، أمكنها أن تدفع الكثير من الفئات الهامشية إلى بؤرة الحوادث، وإدماجها داخل السياق التاريخى العام. ولم تأخذ حركة "كتابة تاريخ النساء" وضعها المؤثّر إلاّ منذ سبعينيات القرن العشرين، وتمّ ذلك في إطار "الحركة النسائية" Féminisme التي اهتمت بالبحث عن تاريخ يقدّم بطولاتٍ وأدلّةً على فاعليّة النساء ودورهن في الماضي، ونحو آخر السبعينيات تحرّك تاريخ النساء بعيدًا عن الشؤون السياسية، وأدّى ظهور باحثين أكاديميين متخصّصين في تاريخ النساء، إلى مولد مجال جديد للدراسة2، اكتسب شرعيته نتيجة اعتماده بشكل رئيس على تحليل الوثائق لاجتماعية3 بصورة موضوعية، لا تستهدف بالضرورة تقديم بطولات نسائية، أو إبراز النماذج الشهيرة و لاستثنائية، وإنّما دراسة المرأة بوصفها مشاركًا أساسيًا في العملية التاريخية. وساعد ذلك بالفعل على دمج تاريخ المرأة في سياق تطوّري، استهدف الكشف عن حقيقة المساحة التي كانت تشغلها، ليس في "عالم الحريم" (الغامض) فحسب، بل ودورها في الحياة العامّة، وتحليل مواقفها إزاء التطوّرات الكبرى، والكيفية التي استوعبت بها تلك التطوّرات؛ ويعني ذلك تناول تاريخ المرأة في إطار علاقة دائرية، يتمّ الربط خلالها بين المنطقة الخاصة في حياتها والدائرة الأوسع الممتدة خارج الجدران العازلة (الحريم/ الحرملك)، الأمر الذي يمكن معه تقديم قراءة مجهرية لمسيرتها، وذلك في ضوء تقاطع سيرتها الخاصة مع مسار التجربة الشاملة للمجموعات لاجتماعية المختلفة الممثّلة للمجتمع. ويتناول هذا المقال شخصية نسائية من نوع خاص، كانت في قلب الحوادث، ولم تكن على هامشها، تنتمي إلى صفوة نساء الطبقة العليا، في مرحلة شديدة التقلب وعدم لاستقرار بين آخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. وهي شخصية "الست نفيسة"، زوجة حاكم مصر القوي "علي بك الكبير" الذي نهض بأوّل محاولة، في العصر الحديث، لاستقلال مصر عن الدولة العثمانية، أثار بها فضول المراقبين الأوربيين الذين تابعوا باهتمام بالغ مشروعه السياسي الكبير. وإذا كان هذا المشروع قد لاقى الفشل، وانتهى بقتله، فإنّ وضعية الست نفيسة لم تتأثر كثيرًا، فلم يلبث أن أقدم سريعًا أحد الأمراء الطموحين ويدعى "مراد بك" على لاقتران بها، ما عزّز من استمرارية تمتّعها بمكانتها، ولا سيما أنّه تقاسم مع نظير
له يُدعى الأمير إبراهيم بك، سدّة الحكم، وأدارا البلاد كذلك بطريقة شبه مستقلّة فعليًا عن المركز العثماني، وذلك على مدار العقدين الأخيرين من القرن الثامن عشر. وإذًا، ظلّت الست نفيسة محتفظةً بوضعيتها لاجتماعية المرموقة، محظيّة ثم زوجة لأقوى أميرين حكما البلاد، أغدقا عليها الكثير من الأموال، واختصّاها بعدد كبير من التزامات القرى ببلاد الأرياف، ما جعلها بالفعل من أشدّ نساء النخبة المملوكية ثراءً. وكان قصرها المنيف على بركة الأزبكية، تحفةً معماريةً تخلب الأنظار. وكان مزوّدًا بكل احتياجاتها المادية، كما يقوم على خدمتها عدد كبير من الخدم والمماليك والجواري الحسان. بيد أنّ هذا المنحنى الصاعد من الحياة الرغدة والرفاهية لاستثنائية، لم يلبث أن قطعته تطوّرات الحوادث الكبرى بين آخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، تلك التطوّرات التي قلبت لها ظهر المجَن، وجعلتها تدخل في دوامة المعاناة، وخاصّة مع تبنّي السلطة الجديدة، ممثّلةً في محمد علي باشا، مشروع تصفية الطبقة المملوكية التي تنتمي إليها الست نفيسة، والعمل على تجريدها من الأملاك العقارية وإقصائها بصورة نهائية عن دائرة الحكم والنفوذ، ليحلّ محلّها طبقة بيروقراطية جديدة من أصول عرقية وثقافية مختلفة. وكان لا بدّ أن تنعكس كل هذه التداعيات السريعة على حياة الست نفيسة، والتي وجدت نفسها في النهاية على هامش طبقة "الحريم العالي"، مجرّدةً من مصادر ثروتها ومن مكانتها لاجتماعية التي كانت لها زمن البكوات المماليك، لتنزوي داخل قصرها حتّى أيامها الأخيرة، ثمّ ما لبثت سلطة الباشا (المركزية) أن صادرت أملاكها العقارية، عقب وفاتها مباشرةً، لتُطوَى بذلك صفحتها الأخيرة التي ما فتئت ترمز، في الوقت نفسه، إلى نهاية عصر البكوات المماليك. وهكذا، فإنّ سيرة الست نفيسة بحقّ مثيرة للاهتمام؛ فهي شاهدة على مرحلة مكتملة لبلوغ الطبقة المملوكية أوج ذروتها في المجالين السياسي و لاجتماعي (بدءًا من عام 1755)4، ثم مرحلة تزلزل أركان النظام المملوكي بفعل تحديات خارجية وداخلية، لتنهار أو بالأحرى لتتلاشى معها تلك النخبة، وتتحوّل إلى ذكرى من الماضي. فمن هي الست نفيسة؟ وما هي الظروف التي حوّلتها إلى رمز خاص في ذاكرة المصريين الذين أبدوا لاحترام الكامل لشخصها، وميّزوها عن أترابها بل عن طبقتها المملوكية ككل؟ ثم أخيرًا ما هي الظروف التي هيّأت لها المجال لتبرز على الساحة، فارضة نفسها على المشهد لاجتماعي حيث اكتسبت حبّ الناس طيلة أيام حياتها، حتّى أنّ مراقبًا حاذقًا كالجبرتي، أفرد لها ترجمةً استثنائيةً خاصةً، وهو ما لم يخصّ به أيًا من حريم البكوات المماليك فضلا عن غياب أي ترجمة نسائية أخرى بكتابه الشهير " عجائب الآثار في التراجم والأخبار "؟ وأخيرًا نتساءل عن دلالة الحظوة التي نالتها بالقدر نفسه عند المعاصرين الفرنسيين، بدءًا من نابوليون بونابرت Napoléon Bonaparte الذي تذكّرها في منفاه بسانت هيلانة، واصفًا إيّاها في مذكراته ب "أنها امرأة مهمّة، تتمتّع بين الأهالي داخل المدينة بحظوة واعتبار كبيرين"5، مرورًا بالقنصل الفرنسي ماجللون ماجللون Magallon الذي سجّل في تقاريره للخارجية الفرنسية عن دورها في رفع الإتاوات التعسفية التي عُمِّمَت على التجار الفرنسيين، والجنرالين كليبير Jean Kléber ومينو Jacques Menou اللذين أبديا لها احترامًا من نوع خاص، وتقديرًا لدورها في الوساطة بين الفرنسيين وزوجها الأمير مراد، ونهايةً بالمراقب الفرنسي فليكس مانجان Félix Mengin الذي عاصر سنواتها الأخيرة وتابع باهتمام تعلّق الناس بها، وحزنهم الشديد على فراقها حين وافتها المنية في عام 1816 م6؟ وقبل التصدّي لتحليل الوضعية التي انطلقت منها الست نفيسة والظروف التي مرّت بها، يتعيّ بالفعل الإشارة إلى أنّنا سوف نستعين بمنهجية دراسة "السيرة الذاتية" التي تطوّرت في الآونة الأخيرة، والتي تقوم بالأساس على إعادة بناء السياق، والكشف عن "الأرضية لاجتماعية" sociale la surface التي تقوم عليها أعمال الفرد في المج لات المتنوعة التي يتّصل بها نشاطه وسلوكياته، وذلك في كل لحظة من
مسيرة هذا الفرد7. وهذه الأداة المنهجية تسمح بتناول الفرد في شبكة من العلاقات، يمكن من خلالها قراءة تاريخ الناس والسلطة والكشف عن التفاعلات لاجتماعية والمشكلات والتطوّرات التي شكّلت في الوقت ذاته الخلفية لاجتماعية والثقافية المعقدة التي كان يتحرّك الفرد في إطارها أو داخلها. إنّ دراسة الست نفيسة في ضوء هذه المنهجية سوف يجعلنا نتوقّف عند الطريقة التي استجابت بها هذه الشخصية للظروف التي مرّ بها المجتمع المصري خلال مرحلة طويلة من مخاضه السياسي و لاجتماعي قبل بدء عصر التحديث، وكيفية اندماجها في السيرورة لاجتماعية، وبالقدر نفسه تمكّننا دراستها من محاولة فهم طبيعة هذه المرحلة، وتحليل تأثير تحدّياتها الداخلية والخارجية في تطوّر حياة الأفراد وتشكيل تجاربهم الخاصة ومآلهم، في ظل مرحلة حبلى بالمتغيّات.
بداية درامية: صيد الفتيات وإعادة إنتاج الهوية
ولدت نفيسة – على الأرجح - منتصف القرن الثامن عشر في بلاد الكَرج. وإذا كانت قصة مجيئها إلى مصر، وبيعها في سوق الجواري، غير معروفة على نحو دقيق، فإنّه بالإمكان تصوّر مشهدها الدرامى، وذلك في ضوء ما نعرفه عن صيد الفتيات والغلمان وتجارة الجواري: فبخلاف وقوع بعضهن أسرى في الحروب، كان معظم هؤلاء الفتيات قد جُلِبن إلى أسواق العبيد بعد تعرّضهن للخطف من قرى جورجيا وأصقاعها. ولعل مذكّرات المملوك رستم (1782 - 1845)8 الذي اشتُهر – فيما بعد - ب "مملوك نابوليون" Napoléon de Mamluk، وهو من جورجيا، تكشف بعض تفاصيل المشهد المتكرّر للاختطاف على يد صائدي الأطفال الذين كانوا يتربّصون بهم، وهم يلعبون في فضاء القرى الجبلية بجورجيا. فكانوا يتحيّنون اللحظة التي يغفل فيها الأهالي عن متابعة أطفالهم وهم يمرحون، ثم ينقضّون عليهم من حيث لا يشعرون، ويقتادونهم في قافلة خاصّة لبيعهم في إسطنبول. وقد تعرضت بعض أخوات المملوك رستم للاختطاف، وكذلك أمّه، وتعرّض هو نفسه لذلك لاختطاف غير مرّة إلى أن وقع في النهاية في أسر هؤلاء الخاطفين في عام 1795 (وكان عمره 13 سنة)، وباعوه في سوق العبيد بإسطنبول، وقام تجّار الرّقيق بعد ذلك بنقله إلى القاهرة، حيث باعوه لأحد البكوات، وفي ظروف معيّنة انتقل إلى بيت الشيخ البكري إبّان احتلال الفرنسيين لمصر9. ولطالما مثّل هذا الحدث المؤلم نقطة تحوّل في حياة كل مملوك أو جارية انقطعت صلته/ أو صلتها بأهلها وموطنها الأوّل، ولم يبق في الذاكرة عن هذه المرحلة سوى مشاهد محدودة، يتذكّرها المملوك / الجارية بمرارة؛ إذ إنها اللحظة الفارقة التي شهدت استلابهم من محيطهم الثقافي و لاجتماعي، وإعادة تشكيل هويّتهم وديانتهم، والأمر الأكثر فداحة فقدانهم الحرية، وتحوّلهم إلى تابعين لكل سيّد يدفع فيهم م لا مناسبًا. ومن ثمّ ليس ببعيد أن نتوقّع صورةً مشابهةً لبداية درامية على هذا النحو قد حدثت لنفيسة حين تمّ اختطافها من جورجيا، وهي فتاة صغيرة كادت أن تبلغ سنّ المراهقة، لتباع في سوق الجلابة إلى أحد بيوت البكوات الكبار خلال ستينيات القرن الثامن عشر قبل انتقالها إلى بيت علي بك الكبير. وبقدر ما كانت حياتها بعد انتقالها إلى مصر تبدو - إلى حدّ كبير - معروفةً لدينا، نجهل نشأتها الأولى في جورجيا، ومستوى عائلتها الثقافي و لاجتماعي، فضلا عن اسمها الجورجي الأصليّ؛ فالمعروف أنّ الأسماء التي عُرِفت بها الجواري في القاهرة هي أسماء عربية، أُطلِقت عليهن لاحقًا بعد تعلّمهن مبادئ الإسلام، وتدريبهن على واجبات الطاعة، وتلقّيهن أخلاقيات التعامل والسلوك وبعض المهارات الخاصة في بيوت الأمراء. والمعروف أنّ منح الجارية اسمًا عربيًا أصيلا، مثل اسم نفيسة، وهو اسم عزيز عند المصريين بصفة خاصّة، كان من قبيل التشريف لها والتكريم، وكانت هذه العادة تمارس على مستوى حريم السلطنة العثمانية ككل10. وبطبيعة الحال كانت الجارية تفقد اسم والدها وتصير مُعرّفة
بالبيت الذي تنتسب إليه؛ فيشار إليها على أنّها معتوقة سيّدها (فلان)، بيد أنّ نفيسة مثل غيرها من كبار سيّدات القصور المملوكية اللائي سبقنها، كانت تلقّب ب "نفيسة بنت عبد الله"11؛ وذلك لجهلها باسم الأب أو لأنّها لم تعد بعد اعتناقها للإسلام تنتمي لعائلتها المسيحية في جورجيا. ويعني هذا أنّه قد تمّت إعادة إنتاج هويّتها الخاصة داخل نسيج المجتمع المصري بثقافته، وأصبحت شديدة لارتباط بتقاليده وعاداته. وهي الصورة ذاتها التي تشكّلت في إطارها حياة المملوك رستم الذي أصبح منتسبًا إلى سيّده الجديد؛ فصار يُعرف ب "مملوك نابوليون"، وخلال إقامته الطويلة في فرنسا (1799 - 1845) أعاد إنتاج نفسه ثقافيًا واجتماعيًا بطريقته، ليصبح كما وصف نفسه "مملوكًا فرنسيًا" Mamelouck français؛ فتغيّت ملابسه المملوكية، وطريقة تناوله للطعام على المائدة، وصار يرتدي ملابس على الطريقة الفرنسية، ويجلس كذلك على طريقتهم، وتعلّم اللغة الفرنسية التي صار يتحدّث بها في البداية بلكنة عربية، ثمّ أتقنها وصار يقرأ بها ويكتب، وجارى الفرنسيين في ثقافة كتابة المذكّرات، فخلَّف لنا مذكّرات تخصّ حياته منذ لحظة اختطافه و لافتراق عن عائلته بجورجيا مرورًا بفترة تحوّله إلى مملوك مسلم يقود 25 مملوكًا في بيت الشيخ البكري، ثم أخيرًا إلى مملوك فرنسي مسيحي12. وهكذا، كان المجتمع الحاضن يعيد صوغ المكوّن الثقافي والفكري و لاجتماعي، وفي هذا السياق تتشكّل الهوية المحورية للمماليك والجواري، دون أن يعني ذلك انسلاخًا تامًا عن جذورهم الثقافية أو نسيانهم التامّ للغتهم؛ فوفقًا لدراسة حديثة كان المماليك الجورجيون يحافظون على لغة حديثهم الجورجية، كما أحاطوا أنفسهم بأقاربهم أو أبناء قراهم وأصولهم الجورجية13. وفي تقديرنا أنّ المصطلح لاجتماعي "المصرلية" عبّ بدقة عن الهويّة المحورية لمماليك القرن الثامن عشر؛ نتيجةً لانخراطهم في نسيج المجتمع المصري وثقافته؛ وصاروا يُعرفون أو يعبّون من خلال هذا لاصطلاح عن أنفسهم، وليس من قبيل الصدفة إطلاق الجبرتي مسمّى"الأمراء المصرلية المرادية"14 على أتباع مراد بك، فقد صار المصطلح علمًا على المماليك، أما لقب صاحب البيت (المؤسّس) فيأتي لاحقًا لتمييز الفصيل العسكري والأتباع عن غيرهم من الأحزاب والبيوت المملوكية الأخرى. وكانت الست نفيسة في حديثها تشير إلى المماليك ب لاصطلاح ذاته "المصرلية". ولا نغالي إذا قلنا إنّ المصطلح حمل دلالةً قويةً على أنهم اتخذوا من المجتمع المصري وطنًا بديلا؛ فحتّى أولئك الذين نجحوا من بينهم، في معاودة لاتصال بذويهم وعائلاتهم في جورجيا أو غيرها من المواطن التي جُلِبوا منها، لم يقرّروا العودة لوطنهم الأمّ، بل على العكس من ذلك، قام البعض باستقدام ذويه وبعض أفراد عائلته إلى مصر، ومنحهم وظائف متميّزة داخل بيوت البكوات الجورجية15. والبعض الآخر دعوهم للزيارة، وزوّدوهم حال رجوعهم إلى جورجيا بالهدايا والأموال التي تحسّن من وضعهم16. وأخيرًا ثمّة ح لات استثنائية أُعيد فيها بعض المماليك (المستقدمين) إلى بلادهم قهرًا، وذلك بعد تقلّب حال الأمير المملوكي - رأس العائلة – وتلاشي نفوذه السياسي وإجهاز المنافسين على تصفية بيته وأتباعه17.
وكل ذلك يفسّ، بصفة عامّة، تمسّك المماليك بالبقاء في مصر و لانتساب إليها، وهو حال نفيسة ومجايليها من المماليك والجواري الجورجيات؛ فعلى الرغم من المحن التي مرّت بها، بعد وفاة زوجها مراد بك (1801)، فإنّها لم تفكّر قطّ في العودة إلى بلادها؛ فقد صارت مصر بمنزلة موطنها الأصيل الذي أعطاها الكثير: الهوية والثروة والنفوذ. ويلاحظ في الوثائق اقتران اسم نفيسة بصفة توضّح لون بشرتها - وهو أمر شائع في ذلك العصر بصفته جزءًا من تمييز هويّة الفرد - إذ كان يُشار إليها ب "نفيسة بنت عبد الله البيضاء"؛ تمييزًا لها بأنها من المملوكات البيض، المنحدرات من المنطقة القوقازية، وليست من ثمّ من "الحبوش" السود المجلوبات من أفريقيا. ويبدو أنها كانت على درجة ملحوظة من الجمال، حتّى إنّنا نجد اسمها في المصادر الفرنسية18 يأتي مقرونًا دائمًا بصفة "الست نفيسة الجميلة" la belle Sitty Nafiçah، فيما يركّز شيخنا الجبرتي على قوة شخصيتها الآثرة وبهائها وطيب ذكرها وسمعتها الكريمة بين الناس19، كما يجمع المراقبون الفرنسيون على اتّزان شخصيتها وثقتها في نفسها ومهارتها في تحقيق التواصل مع المصريين خارج وسطها لاجتماعي، وأنها استطاعت الحصول على احترام الرأي العام وتقديره، فضلا عن امتداد شهرتها إلى خارج البلاد، ما يُعطي انطباعًا عن مدى قوّة تأثيرها في حياة الناس الذين نقلوا أخبارها خارج مصر20. وممّا لا شكّ فيه أنّ قوّة شخصيتها، وما نُعِتت به من جميل الصفات، قد جعلها تتفوّق على أترابها من سيّدات القصور المملوكية، وساعدها تعلّمها لغة المجتمع الحاضن لها على التواصل والتفاعل مع الوسط الثقافي المحيط بها، وهو ما حقّق لها درجة من لاندماج لاجتماعي؛ فكانت على قناعة بضرورة مدّ جسور العلاقة مع الناس من حولها، رافضة أن تُجاري أترابها بالبقاء داخل الإطار لانعزالي الذي مثَّله عالم الحريم المملوكي. وسرعان ما ظهر أثر ذلك جليًا في تقرّب الناس منها، وفي مقدّمتهم العلماء وشيوخ الأزهر الذين كانوا يكنّون لها لاحترام والتقدير، وخاصّة مع حرصها على التعلّم، واهتمامها بالقراءة، وتجاوزها أوعدم اكتراثها بصغائر الأمور ولا لدسائس الحريم21. ودلّلت بذلك على استقلاليتها في اختيار طريقة حياتها، وإغناء ثقافتها وتفاعلاتها لاجتماعية خارج سطوة النظام الأبوي patriarcal Le système والعبودي.
الجارية تصبح المحظيّة المفضّلة لأقوى رجل يف الشرق الأوسط (1760 - 1773)
تزامن التحاق نفيسة ببيت علي بك الكبير (1728 – 1773) مع اتساع حظوظه في الكشوفية والإمارة؛ فقد صار كاشفًا ثم أميرًا للحجّ، وبعد أن صارت هي إحدى محظيّاته المفضلّات، كان قد أصبح شيخًا للبلد بتزكية الأمير عبد الرحمن كتخدا ودعمه، لتجد نفسها وقد أشرقت لها الدنيا بمستقبل لم تكن تتوقّعه على الإطلاق؛ فمن جارية مجهولة في سوق الحريم، إلى سرية ثمّ محظيّة مفضّلة concubine - esclave لدى رجل قوي، انفرد بالسلطة في مصر والحجاز واليمن دون شريك ولا منازع؛ إذ أعلن استقلاله عام 1771، وطرد الوالي العثماني من مصر، وضرب عملة باسمه22. استحوذت نفيسة الفتاة الشابة اليافعة على قلب سيّدها الذي هام بها حبًا، واعتزّ بشخصيتها القوية، وما ازدانت به من جمال الهيئة وبهاء الطلعة والذكاء المتّقد، فضلا عن انتمائها مثله إلى الأصل الجورجى، ما جعله يصطفيها من دون الأخريات من حريمه وما أكثرهن؛ فاختصّها "بدار عظيمة على بركة الأزبكية (حوالى عام 1770) [...] والساقية والطاحون بجانبها"23، كانت تعيش فيها بمفردها، دون سائر حريمه الأخريات اللاتي وزعهنّ على بيوته الأخرى المتناثرة داخل محيط القاهرة، وزوّدها بالخدم والجواري (حوالى 50 جارية)24 يقمن على خدمتها، أناء الليل وأطراف
النهار. والمعروف أنّ حي الأزبكية كان هو الحي الأرستقراطى الذي ضمَّ أهمّ قصور البكوات الكبار منذ منتصف القرن الثامن عشر25، بل إنّ بونابرت حين دخل القاهرة لم يختر سوى هذا الحي نفسه، فأقام (ومن بعده كذلك كليبر) بقصر الألفي26 غير البعيد عن قصر الست نفيسة. ومنذ ذلك الحين صارت تلقّب ب " الست نفيسة خاتون"، محظيّة شيخ البلد الكبير الذي يقبض على زمام السلطة وحكم البلاد؛ إذ اجتمعت كلمة كبار البكوات على جدارته بالقيادة، فانضووا تحت لوائه؛ ما جعل الباشا العثماني يطرح عليه "الخلعة" (خلعة المشيخة)، في عام 1177 ه / 1763 م، وبمقتضى ذلك صار يعقد جلسات "الديوان والجمعية ببيته"27. ويفترض أنّ ذلك أتاح لنفيسة، عبر طاقة الحرملك المطلّة على ديوان القصر، أن تتابع دهاليز الشؤون السياسية، وما كان يجري في أعنّتها، وخاصّة مع تمحورها مع ما كان يتّخذه سيّدها علي بك من قرارات، وما يتبنّاه من سياسات ذات طابع مركزي، استهدفت إقامة حكومة مملوكية قويّة في منطقة الشرق الأوسط، ومستقلّة عن المركز العثماني. كانت نفيسة ترمق سيّدها وهو يُطالع كتب الأخبار والتواريخ وسير الملوك المصرية، ويتناقش بديوان قصرها مع بعض خاصّته، بل ومعها في بعض الأحيان في ما كان يقرأه، ولطالما تطرّقت مناقشاته لفكرة استيلاء العثمانييين على مصر، فقد كان يرى أنهم "أخذوها بالتغلّب وبنفاق أهلها"، وأنّ الحكم الشرعى في الأصل كان بأيدي ملوك مصر من سلاطين الأكراد والمماليك، أمثال بيبرس وقلاوون ومن خلفهم من أولادهم وكذلك ملوك الجراكسة من بني قلاوون، وعلى ذلك رأى أنّ الأمراء البكوات هم الورثة الشرعيون لتلك السلالة المملوكية، وإنّ العثمانيين ليسوا إلاّ دخلاء وغزاة. وبحسب ترجمة الجبرتي له كانت هذه الفكرة قد سيطرت عليه، يبوح بها للمقرّبين منه والمتسامرين معه في الأوقات الخاصّة من "أهل الوقار والحشمة والمسنين" من كبار الأمراء والأعيان والشيوخ28. ويُفترض أنّ مثل هذه المناسبات والمناقشات السياسية وتحرّكات علي بك العملية في التوسّع إقليميًا (مصر والشام والحجاز واليمن) على حساب العثمانيين؛ مستغلا حالة لارتباك الشديد التي كانت عليها الدولة جرّاء نشوب حربها الضّوس مع روسيا (1768 – 1774)، وقراره الصارم في منع ورود الولاة العثمانيين إلى مصر، والمضي في مضمار هذا المشروع حتّى النهاية - كل ذلك كان بمنزلة نافذة مهمة أطلّت من خلالها سريته (نفيسة) على عالم السياسة المملوكية والصراع على لانفراد بحكم مصر، لأجل لانفصال بها أو العمل بقدر ما تتيحه الظروف والإمكانات نحو تقليل روابط التبعية العثمانية إلى أقصى حدّ. بداهةً كانت مثل تلك الأفكار، ذات الطابع السياسي المعقّد في علاقات القوّة والصراع، مج لا جديدًا على ذهنية جارية جاءت من عالم الحريم والجواري، لكن ذهنيتها كما سيتبيّ في قابل الأيام، وخاصّة بعد رحيل سيّدها علي بك، كانت بالفعل تعكس قابليةً واستعدادًا لفهم هذا العالم، وولوج شبكة علاقاته المعقّدة لتصبح هي نفسها، وخاصةً في العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر، جزءًا منه، ساهمت فيه انطلاقًا من مكانتها الكبيرة التي اكتسبتها زمن علي بك، ومن موقعها بصفتها زوجةً لأهم أمير مملوكي (مراد بك). وهذا ما يحدونا إلى لاعتقاد بأنّ فترة اقترانها بعلي بك الكبير كانت بمنزلة فترة من التثقيف السياسي، كما أنها اكتسبت في هذه الفترة عينها مكانةً خاصةً في الوسط المملوكي؛ فصار أغلب البكوات المتنفذين من أتباع زوجها، كما أنّ قصرها الذي شهد أغلب لاجتماعات السياسية، والذي كانت تصدر من خلاله أهمّ القرارات التي رسمت مستقبل مصر في تلك الفترة وأخطرها، قد أضفى عليها وعلى المكان مهابة من نوع خاص، ولا سيما مع قوّة شخصيتها، وانعاماتها المتواصلة على هؤلاء البكوات الذين كانت معظم أزواجهم الجورجيات من جواريها اللاتي كانت تجهّزهن على نفقاتها الخاصّة، ما جعل العلاقة الشخصية بينها وبين هؤلاء البكوات الكبار تنطوي على درجة كبيرة من لاحترام والتقدير لكرمها الموصول، حتّى بعد رحيل أستاذهم علي بك الكبير. وهكذا أعطاها اقترانها بعلي بك الكبير الكثير، وكانت هي نفسها تدرك ذلك، وهذا ما جعلها تظلّ وفيّةً أمينةً له حتّى أيّامه الأخيرة؛ فحين بلغها انكساره بالصالحية، ووقوعه مثخنًا بجراحه، استصرخت الأمراء المماليك أن يأتوا به إلى بيتها لترعاه بنفسها، وتسهر على معالجته. وعلى ما يبدو كانت
هذه أيضًا رغبة علي بك نفسه الذي لم يتوجّه إلى أي من حريمه الأخريات اللاتي وزّعهن على قصوره الأربعة الأخرى (والواقعة بخط قوصون وباب الخرق، ومصر القديمة وسبيل قيماز بالعادلية، وجميعها داخل القاهرة). على أنّه ما لبث أن فارق الحياة (في 15 صفر 1187 ه/ 8 أيار/ مايو 1773)، بعد سبعة أيام فقط، قضّاها تحت رعايتها. فأعدّت له جنازة تليق بمكانته ومقامه؛ وخرجت جنازته من قصرها في مشهد حافل مهيب، ودفنته بتربة أستاذه إبراهيم كتخدا القازدوغلي بالقرافة الصغرى بجوار الإمام الشافعي29.
الأرملة الثرية والخروج من عالم الحريم إىل المجتمع
حزنت نفيسة كثيرًا على هذه النهاية الدرامية التي أصابت زوجها بيد من خانوه، من بين أقرب أتباعه الذين كان فضله وعطاؤه لهم بغير حدود؛ فقد أعتقهم من العبودية وأدخلهم سلك الإمارة، ومنحهم أعلى المناصب و لالتزامات، وجعلهم يشكلّون صفوة الطبقة لارستقراطية العسكرية؛ فمحمد بك أبو الذهب الذي احتال على الإطاحة به، كان أحد مماليكه المغمورين الذين اشتراهم عام 1175 ه / 1762 م، وفي أقلّ من عامين نصّبه في الإمارة والصنجقية عام 1764. وكانت نفيسة قد تابعت مشهد تقرّب أبي الذهب من سيّدها عبر اجتماعاتهما المتعدّدة في ديوان قصرها بالأزبكية، وتكليفه إيّاه بالمهمّات الكبيرة، وكان هو أكثر من أفاد من مكانته وسعة نفوذه؛ فالحظوة التي نالها لدى سيّدها، والتي درّت عليه الأموال الطائلة، قد ساعدته على سرعة تكوين قوّة كبيرة خاصّة به، وهي ملاحظة رصدتها عدسة الجبرتي الذي يقول في ترجمته "عظم شأنه (أبو الذهب) في زمن قليل[....] واستكثر من شراء المماليك والعبيد حتّى اجتمع عنده في الزمن القليل ما لا يتفق لغيره في الزمن الكثير"30. وكانت هذه القوة هي التي مكّنته من إزاحة علي بك من السلطة سريعًا، وإجباره على الهروب إلى الشام، ثم التحايل على الإيقاع به في حبائل شكَه، ليهزمه ويشتّت اتباعه، ويقضي على كل آمال سريته نفيسة في استعادة زمام الأمور والقضاء على حالة التمرّد والخيانة. تعلّمت نفيسة من هذه التجربة القاسية أنّ السلطة والقوة لا تدومان، وبالقدر نفسه لا تؤمّنان للفرد حياته ومجده واستمراريته، وأنّ سياج الحماية والرصيد الحقيقي الذي يتعيّ على المرء لارتكان إليه إنّما في التقرّب من الناس، ومدّ يد العون لهم واكتساب مودّتهم واحترامهم. لقد اختارت نفيسة أن تعيش بين الناس خارج دائرتها المملوكية؛ في فضاء اجتماعي أوسع نطاقًا ممّا كانت تحيا فيه؛ لذلك مثّلت لها النهاية الدرامية لسيّدها علي بك، وحالة الصراع والتنافس الدائمين بين الأمراء المماليك التي استغرقت قرابة ربع القرن، تجربةً مهمّة في حياتها، تجلّت عندها رؤيتها الإنسانية التي بقدر ما جعلتها تتجاوز حالة الصراع المادي والسياسي في الوسط المملوكي، كسرت حاجز التغريب والتقوقع و لانعزالية؛ فاتّجهت في نهايات عقد التسعينيات (1211 ه / 1797 م)، إلى توظيف جزء من ثروتها الكبيرة في عمل بعض المنشآت الحيوية التي تؤمّن للناس بعض الخدمات الضرورية؛ فأنشأت حمّامين عموميين، يُستغلّ ريعهما لأوجه الخير، وكُتّابًا لتعليم الأطفال، وسبيلا وصهريجًا خلف باب زويلة، يتزوّد منه الناس ببعض احتياجاتهم من المياه. وأنشأت وكالة تجارية تشتمل على عدد كبير من الحوانيت التي رصدت ريع إيجارها للإنفاق على السبيل والكُتّاب. كما أنشأت فوق الوكالة والحمامين "ربعًا" لإسكان الفقراء بمبالغ رمزية زهيدة، وقد عُرفت هذه المجموعة المعمارية ب "السُكّرية". وصار عطاؤها وإحسانها موصولً على فقراء القاهرة الذين كانت تعرف مواطنهم وتسعى في إكرامهم من دون منٍّ أو أذى. لقد أصبحت شخصيتها آسرة لكل من اقترب منها أو لاذ بقصرها؛ طالبًا الحماية من ظلم المماليك أو ناشدًا الوساطة في قضاء حاجة ملحّة، الأمر الذي جعل المصريين يرون فيها نموذجًا مختلفًا؛ وخاصة في تلك الفترة المضطربة والمشحونة بالتجاوزات غير المحتملة؛ ولذا لا عجب أن عدّوها رمزًا للخير والعطاء. وطفق الجبرتي في مواضع مختلفة يذكرها منعوتة ب "الست نفيسة الشهيرة الذكر بالخير"31.
نفيسة المرادية
تغيّ الوضعيّة القانونيّة ومستويات العلاقة الخاصّة
كانت نفيسة على دراية - بداهة - بعادة الأمراء المماليك في السماح لأحد الأتباع بفتح "بيت" الأمير المتوفى، وهو ما يعني أن يقوم أبرز الأتباع بعقد قرانه على أرملة السيد المتوفى أو الذي تمّت تصفيته جسديًا، بصفتها خطوة أساسية لامتلاك وظيفة سيّده وداره، و لاستيلاء على جزء مهم من التزاماته وثروته العقارية، إلى جانب ضمّ بعض مماليكه تحت لوائه. وقد علمت الست نفيسة بسعي الأمير مراد بك32 في طلب الزواج بها. والحقيقة أنّ مرادًا رتّب لذلك قبل المعركة؛ فقد اتفق مع أستاذه "محمد بك أبو الذهب" أن تكون مكافأته لقاء المشاركة في خيانة أستاذهم الكبير"علي بك"، أن يحظى هو بفتح بيته والزواج بمحظيّته الست نفيسة33. وكان مراد بك نفسه مَن تمكّن من إسقاط علي بك من على فرسه خلال معركة الصالحية، وهو من جرحه بسيفه غير مرّة في وجهه، فكانت إصابته بالغة، مات بعدها بأيّام قليلة34. والمعروف أنّ الأصول والعرف السائد في المنظومة العسكرية المملوكية - العثمانية، هو الذي وفّر الغطاء القانوني لمثل تلك الممارسات، في مجتمع تحكمه القوة، فلم يكن ثمّة غضاضة في زواج الأمير من أرملة قتيله، كما لم تشر المصادر إلى أنّ هذه الزيجة تمّت بالإكراه، على نحو ما كان يحدث أحيانًا لبعض نساء المماليك35. وكان مراد بك قد سبق له، قبل أربعة أعوام (وبالتحديد في عام 1182 ه/ 1769 م) الزواج بالطريقة نفسها ب "الست فاطمة"36، زوجة الأمير صالح بيك الكبير الذي غدر به كل من علي بك الكبير وتابعه محمد بك أبو الذهب، ولا نعرف طبيعة مشاركة مراد بك في هذه المؤامرة التي كُوفئ عليها بأن يكون هو من دون غيره، من حظي بالزواج بهذه الأرملة، والإقامة في قصرها العظيم الذي شيّده لها زوجها القتيل (صالح بك) بخط الكبش37. وتعني الإقامة هنا في "البيت"، أنّها كانت بمنزلة تجسيد مادي لعملية انتقال السلطة واكتساب الشرعية والنفوذ. وفي هذا السياق يمكن أن نفهم أنّ زواج مراد بك بالست نفيسة كان بمنزلة نقلة نوعية أكثر أهمية في مسيرته السياسية؛ فقد جعلته يتسلّق سريعًا إلى المرتبة الأولى في سلك الهيراركية المملوكية38. إنّ دراسة ماري آن فاي Mary Ann Fay، المتخصّصة في دراسة حجج أوقاف النساء المملوكيات، تبرز هذه الحقيقة؛ فأهمية النساء لم تكن فقط في أنّهن يحقّقن اﻻستمرارية والبقاء، ولكن يعطين الشرعية للنظام المملوكي؛ فلم يكن كافيًا أن يرث الرجل أو يستولي على أملاك سيّده ومنصبه، ولكنه يبدو أنّه كان أيضًا بحاجة إلى أرملة السيّد لكي يضفي الشرعية على تصرفاته. وهكذا فإنّ النساء والأزواج لم يكونوا وسائل لنقل الملكية فحسب، وإنما القوّة أيضًا، ولهذه الأسباب ترى ماري آن فاي أنّه "علينا أﻻّ نعدّ النساء غير ذوات تأثير، أو بعيدات عن إعادة انتاج النظام المملوكي"39.
وإذًا، فإنّه بقدر ما أدّى زواج مراد بك من نفيسة إلى جعل بيت علي بك الكبير "مفتوحًا" (على الطريقة المملوكية)، أضفت عليه هذه الزيجة الشرعية والنفوذ؛ وقد أشار الجبرتي بالفعل إلى قيامه، بعد زواجه بنفيسة، بضمّ بعض أمراء علي بك الكبير40 الذين أهملهم محمد بك أبو الذهب وجعل أكثرهم "بط لا"ً41، وعلى كل حال كانت هذه هي إستراتيجية مراد بك، فقد اعتاد ضمّ أمراء من مات أساتذتهم، لكنه كان ناجحًا في جذبهم إليه؛ فقد كان يعامل الجميع معاملة سواء، ويسعى في تقليدهم المناصب والولايات ويغدق عليهم جميعًا الأموال42؛ ومكَّنته هذه الوسيلة من تكوين عصبة قوية بصورة سريعة، دعّمت نفوذه السياسي. وعلاوةً على ذلك كانت وفاة أستاذه محمد بك أبي الذهب ببلاد الشام (1189 ه/ 1775)، بعد عامين من زواجه بنفيسة، العامل الثاني القوي الذي مهّد له الطريق لقيادة المماليك؛ فقد ضمّ عددًا كبيرًا من مماليك أستاذه، واستولى على أمواله وخزائنه43، واقتسم السلطة مع نظيره إبراهيم بك الكبير الذي تزوّج هو بدوره من زليخة خاتون زوجة أستاذهما محمد بك أبي الذهب. وبصرف النظر عن الطبيعة الخاصّة لهذا الميكانيزم المعتاد عند المماليك، فإنّه يلُاحظ أنّ نفيسة قد أفادت منه كذلك وبشكل واضح وملموس؛ فالوريث الجديد (فاتح بيت سيده) يتعيّ عليه – وفقًا للأصول المتّبعة -لالتزام بالحفاظ على وضعية الزوجة الأرملة، وأن يصون مقامها، ويحفظ لها ثروتها وأملاكها من المصادرة؛ إذ من المعروف أنّ كل من كان يحاول تجاوز هذه الحدود، كان يلقى استهجانًا من الوسط لاجتماعي المملوكي كلّه، حتّى إنّ الأمر ليصل إلى حدّ تكاتف الجميع على إنهاء مركزه السياسي؛ وتعطينا حادثة الأمير عثمان بك الجرجاوي مث لا واضحًا على ذلك؛ فنجده يفقد أعلى منصب يمكن أن يصل إليه أمير مملوكي، وهو "منصب شيخ البلد"؛ وكان ذلك بسبب تعدّيه على بعض متعلّقات زوجته "بنت البارودي" التي اشتكته لكبار الأمراء، فعاتبوه وحاولوا إقناعه بالعدول عن هذا التصرف الشائن، لكنه رفض، فكان أن تحزّبوا عليه وأطاحوا به من "شياخة البلد"، واستبدلوه بغيره. وبقدر ما كان لهذه الحادثة دويّها وأثرها، دلّلت على استثنائيتها، وقد يدعّم ذلك ما أكّده دي شابرول De Chabrol – أحد علماء الحملة – "يظل المملوك الذي تزوّج أرملة سيّده البك محتفظًا لها بأكبر قدر من التقدير والرعاية، مهما كانت المكانة التي سيصل إليها في ما بعد"44. وتبيّ سيرة مراد بك مع الست نفيسة، على مدار أكثر من ربع قرن (1773 - 1801)، أنّه احترمها وقدّرها وعمل على توسعة حالها وجعلها في مقدّمة أثرياء الحريم المملوكي؛ حتّى لقد اشتهرت باسمه هو، لا باسم سيّدها الأوّل علي بك الكبير، فعُرفت في المصادر التاريخية ب "نفيسة المرادية". وقد يُفسّ ذلك بطول فترة زواجها من مراد بك (حوالى 27 عامًا)، مقارنةً بالفترة القصيرة نسبيًا التي عاشتها في كنف علي بك الكبير، وإن كنا نميل إلى تدعيم هذا التفسير بسبب آخر، وهو أنّ مراد بك هو مَنْ عدَّل من وضعيّتها القانونية؛ فقد رفعها من مجرّد "محظيّة مفضّلة" إلى مقام "الزوجة الشرعية"؛ فعلى الرغم من أنّ نفيسة كانت لها وضعيتها الأثيرة في بيت علي بك الكبير، وفي الوسط المملوكي ككل، فإنّ وضعيتها القانونية - الشرعية بوصفها محظيّة يجعلها باستمرار جزءًا من تركة سيّدها الأوّل، وخاصّة أنها لم تنجب منه طفلا، كما أنها كانت عاقرًا، فليس من سبيل أمامها إذًا، لتغيير وضعيّتها القانونية سوى بتحوّلها إلى زوجة شرعية حتّى تكتسب صفة "الحرة" التي لا يمكن أن تُوَرث أو تُطرح للبيع45. ومن هنا مثَّل اقترانها بمراد بك نقلةً نوعيّةً في حياتها لاجتماعية، وهذا ما يجعلنا نفترض بأنّ اقتران اسمها ب "المرادية" كان تمييزًا للمرحلة الجديدة من حياتها. والمعروف أنّ كبار القادة من البكوات الأمراء ظلّوا يحفظون كنيتهم لانتسابية إلى مراد بك وبيته أو بالأحرى حزبه، دلالةَ ولاء وإطار للتعريف الشخصي؛ لذلك ظهر في تلك الفترة عينها من عرفوا ب "المماليك المحمدية" (نسبة إلى محمد بك أبي الذهب) و"المماليك المرادية" (نسبة إلى مراد بك). وهكذا، فإنّ لاسم يتحوّل في هذا السياق، إلى كنية انتساب ذات صبغة سياسية واجتماعية؛ ومن ثمّ يمكن افتراض أنّ
لقب "الست نفيسة المرادية" تجاوز المعنى لاجتماعي بصفتها زوجةً إلى لانتساب كذلك إلى البيت السياسي الذي حاز نصيبًا واسعًا من السلطة في مصر لمدة طويلة، بلغت قرابة ربع القرن46. وعلى ما كان بينهما من فروق في الطباع الشخصية (اتّزان نفيسة وهيبتها، مقابل تهوّر مراد وتقلّب مزاجه الشخصي وفقًا لشهادة المعاصرين له) إلاّ أنّ توافقًا بينهما في وجهة النظر السياسية كان واضحًا، وخاصةً حول مسألة جدوى استمرار لارتباط بالسلطنة العثمانية، وهو الدرس الذي تعلّمت مبادئه الأولى من خلال تجربة سيّدها علي بك الكبير. ولا شكّ أنّ ثقل شخصيتها ومواهبها السياسية، جعلت أرباب السلطة يقصدونها دون غيرها من بين حريم مراد بك (كالست أم أيوب، والست فاطمة) اللاتي عشن في الظلّ، ولم تذكرهن المصادر سوى في لحظات استثنائية، إذ ارتضين البقاء خلف أسوار الحريم. وكان علو مكانة الست نفيسة لدى مراد، قد جعلته لا يرفض لها طلبًا أو شفاعةً أو تدخلّا في وساطة، وذلك على مدار حياتها معه، وهذا ما جعلها تؤدّي باستمرار دور الوسيط بين السلطة المملوكية والمجتمع. والحقيقة أنّ ذلك بقدر ما يبيّ مدى احترام مراد بك لها وتقديره، أظهر مدى ثقتها في نفسها، ووعيها بإمكانية استغلال مكانتها في صناعة دور حقيقى، يُشبع رغبتها في إثبات ذاتيتها، خارج طوق الحياة المادية التي غاصت فيها معظم سيّدات القصور المملوكية من أميرات أو إماء أو جوار على حدّ سواء. ولن يتغيّ هذا الخط المنهجي حتّى في اللحظات العصيبة التي مرت بها تحت لاحتلال الفرنسي، ما سيبيّ إلى أي حدّ كان ذلك السلوك دليلً على درجة ملحوظة من لاندماج في الوسط لاجتماعي المحيط بها أو الحاضن لها.
نفيسة وخيارا المواجهة والهروب
كان وصول بونابرت بحملته على مصر عام 1798 م، قد جعل الست نفيسة على محك اختبار إرادتها بين اللّحاق بزوجها مراد بك المتوجّه للصعيد أو اتخاذها قرار البقاء بقصرها في مواجهة المحتلّ، وانتظار ما قد يحلّ بها من عقاب مع زمرة نساء المماليك ممّن لم يسعفهن القدر على الفرار واللّحاق بأزواجهن؛ ذلك أنّ بونابرت كان قد توعّد المماليك، قبل دخوله القاهرة بالهلاك والثبور، وبزوال دولتهم و لاستيلاء على بيوتهم، وإقصائهم عن السلطة وتجريدهم من الثروة والنفوذ47. وغداة دخوله القاهرة أصدر منشوره48 الشهير الذي وجّهه لأهالي القاهرة ليطمئنهم على عائلاتهم وبيوتهم وممتلكاتهم، مركّزًا لانتباه على أنّه "إنّما أتى لتدمير جنس المماليك" Je suis venu pour détruire la race des Mameluks، ومن المؤكّد أنّ الست نفيسة قرأت نصّ الترجمة العربية للمنشور؛ إذ تمّ تعليقه على جدران الحارات ومداخل الشوارع الرئيسة؛ فجاءت الترجمة بالمعنى ذاته تفصيلا "إنّنا ما حضرنا إلاّ بقصد إزالة المماليك[...] ونحن في طلبهم حتّى لم يبق أحد منهم بالقطر المصري"49. ومن المؤكّد أنّ وقع مثل هذا التهديد على الطبقة المملوكية كان شديدًا ومربكًا، وخاصّة مع التحرّك الفرنسي السريع إلى مصادرة قصور البكوات حتّى قبل دخولهم القاهرة؛ فقد نقل الجبرتي خبر استيلاء الفرنسيين على قصرين لزوج الست نفيسة (مراد بك)، الأوّل منهما، وهو القصر الرئيس لمراد بك، كان واقعًا على الضفة اليسرى للنيل بالجيزة50 حوّله بونابرت في الحال إلى ثكنة عسكرية لسلاح المشاة51 والقصر الثاني كان واقعًا على رصيف الخشاب، سكن به القنصل الفرنسي ماجللون52. وعقب احتلال القاهرة مباشرة نزل بونابرت نفسه في قصر الألفي بك بالأزبكية53، أي بالحي نفسه
الذي تقطنه الست نفيسة. وبعدها توالى دون توقّف استيلاء الفرنسيين على سائر القصور التي اعتبروها من "الأملاك العامّة" وصار يطلق عليها "بيوت المشيخة" الفرنساوية54. وكانت الست نفيسة وسائر الحريم المملوكي، مثل كل الأهالي، يتابعن عن كثب تداعيات الحوادث السريعة للاحتلال. بيد أنّ الست نفيسة كانت قد قرّرت منذ البداية ألاّ تغادر بيتها، تمامًا كما فعلت من قبل، إبّان حملة حسن باشا قبطان (1786 - 1787)، حينما آثرت البقاء بقصرها فيما اتخذ زوجها مراد بك طريقه المعتاد إلى الصعيد الذي غاب به قرابة أربعة أعوام متتالية! وإذا أضفنا إلى ذلك أنّ نفيسة لم تغادر القاهرة قطّ طوال حياتها، منذ نزلت بها وحتّى رحيلها، بما في ذلك الفترات المتقطّعة التي كان سيّدها الأوّل علي بك الكبير يخوض فيها سلسلة حروبه المختلفة داخل مصر وخارجها بالحجاز وسورية، فإنّ هذا يعطينا انطباعًا عن مدى صلابة هذه المرأة وقوة إرادتها وثقتها في نفسها، حتّى إنها لم تغادر القاهرة، خلافًا لسيدات أخريات من حريم البكوات. ومما يدعّم ذلك أنّ حريم مراد بك الأخريات، كنّ قد فررن لحظة دخول الجيش الفرنسي القاهرة؛ فالست فاطمة (الزوجة الأولى لمراد بك) فرّت على سبيل المثال إلى غزة بفلسطين، وظلت بها طوال فترة لاحتلال55. فما الذي حمل الست نفيسة على خوض تجربة لا تعرف مداها وما تحمله الأقدار لها من مواجهات صعبة ولحظات عصيبة، وخاصّة أنها زوجة الزعيم المملوكي الذي خاض الحرب ضد جيش بونابرت، وهُزِمَ لتوّه في معركة الأهرام (إمبابة)، ما قد يترتّب عليه ما هو أسوأ بالنسبة إلى خاصته وحريم بيته، كما لا ننسى أنّ العدو المحتلّ مغاير للمجتمع الشرقي في كل شىء: العقيدة واللغة والجنس والثقافة والعادات، إضافة إلى الطبيعة الإمبريالية للحملة وهي بصدد مجتمع تعرّض للهزيمة و لانكسار...إلخ؟ وإذًا فالأمر لم يكن يخلو من مخاطرة، قد تحمل إليها ما لا يمكن توقّعه. والمؤكّد أنّ القرار بالبقاء، على الرغم من أنّ منشور بونابرت المنذر بسحق البكوات ونزع أملاكهم، لم يكن سهلا على الإطلاق؛ فإنّ القاهرة من أقصاها إلى أقصاها كانت في أمر مريج، والجميع لم يصدّقوا ما كان يحدث، وتحرّكت عزائمهم لمغادرة البلاد، ولم يمنع البعض منهم سوى من أعجزه تحمّل كلفة الهروب وفراق الوطن؛ فيما أقام بمصر- والقول لجبرتى "كل مخاطر بنفسه، لا يقدر على الحركة، ممتثلً للقضاء، متوقّعًا للمكروه، وذلك لعدم قدرته وقلّة ذات يده، وما ينفقه على حمل عياله وأطفاله ويصرفه عليهم في الغربة، فاستسلم للمقدور، ولله عاقبة الأمور"56. وتكتمل الصورة الدرامية للحدث مع عدسة الجبرتي التي رصدت ردات الفعل التلقائية للنساء العاكسة لصدمة اللحظات الأولى للاحتلال "النساء يصرخن بأعلى أصواتهن من البيوت [...] وشاع في الناس أنّ الإفرنج يحرقون ويقتلون ويفجرون بالنساء [...] وخرج أكثرهم ماشيًا أو حاملا متاعه على رأسه وزوجته حاملةً طفلها، ومن قدر على مركوب أركب زوجته أو ابنته، ومشى هو على أقدامه، وخرج غالب النساء ماشيات حاسرات، وأطفالهن على أكتافهن يبكين في ظلمة الليل"57. ولم تكن سيّدات القصور المملوكية بعيدات عن هذا المشهد الدرامي، ففي مذكّرات نابوليون بونابرت نجده يشير إلى "أنّ نساء المماليك كنّ في حالة خوف وذعر عند مجيئنا"58 وعدد كبير من البكوات (وفي مقدمتهم إبراهيم بك الكبير) بل وعدد من كبار شيوخ الأزهر اصطحبوا معهم حريمهم؛ خوفًا من لاعتداء عليهن59. وبدت ظاهرة هروب النساء وفرارهن مزعجة للقيادة الفرنسية حتّى لقد اضطرّت إلى إصدار نداء خاص ل "نساء الأمراء" بالأمان، وبعودتهن إلى بيوتهن، وأن يقرن بها آمنات مستقرّات60.
وإذًا، فإنّ وقع صدمة لاحتلال على الوسط النسائي المملوكي كان متباينًا، فالبعض غادرن القاهرة متوجّهات إلى الشام أو الصعيد، والبعض الآخر مثل الست نفيسة وجواريها قرّرن البقاء. وثمّة تصوّر كان سائدًا في ذهنية المجتمع الشرقي ككلّ، والمملوكي على وجه الخصوص، يُحيلنا عليه نابوليون بونابرت في مذكراته وهو بصدد المقاربة بين النظام العبودي في الغرب والشرق؛ فبيَّ أنّ وضعية المرأة المملوكية في ظلّ النظام الأبوي الشرقي كانت مقدّسةً ومحترمة sacrée et respectée وأنّ هذا المبدأ الأخلاقي كان يزداد أهمية زمن الحروب والصراعات؛ لأنّ الحرب للرجال. ومن هنا حلّل لنا بونابرت كيف تمكّنت السيدات المملوكيات واتباعهن من الجواري والخصيان من المحافظة على بيوتهن. ثمّ لفت لانتباه إلى أنّ مراد بك نفسه، قبل رحيله للصعيد، لم يترك حريمه، وخاصةً الست نفيسة، إلاّ بعد أن تراءى له توافر الظروف والتدبيرات المؤمّنة لحياتهن pacifiques dispositions Des61؛ و يدلّ هذا على أنّ الحريم المملوكي، مهما تعقّدت الظروف السياسية، كنّ يظللن خارج دائرة الصراع العسكري، بعيدات عن استخدامهن ورقة ضغط في المساومات السياسية، وهو ما تلخّصه المقولة الشهيرة للبكوات المماليك "الرجال للرجال"62. والحقيقة أنّ الجيش الفرنسي تحرّى مراعاة هذه القاعدة، وكان بونابرت حذرًا من المساس بحرمة النساء المسلمات بصفة عامة؛ كي لا يصطدم بالمجتمع وحتّى لا تتّسع دائرة العداء الداخلي للجيش. وكان هذا في مقدمة الأسباب التي جعلته يلجأ إلى الست نفيسة نفسها، للإفادة من مكانتها بصفتها وسيطًا اجتماعيًا مؤثّرًا في الوسط النسائي الأرستقراطي، فيمكنه من خلالها تهدئة حريم البكوات، وتذليل أمر عودتهن لبيوتهن وأن تتولّ أمر تمثيلهن أمام إدارة الجيش. وأشار في مذكراته إلى أنّه وقع اختياره على الست نفيسة بعينها؛ لأنّها "امرأة مهمّة، تتمتّع بين الأهالي داخل المدينة بحظوة واعتبار كبيرين"63. وفي خط متواز مع فكرة "الوسيط المؤثّر"، والتي اتخذها بونابرت مبدءًا أساسيًا في تعامله مع المجتمع المحتلّ، كان يتحرّى إظهار احترام الجيش للنساء ولعادات المجتمع الشرقي وتقاليده، وذلك بالنظر إلى حساسية هذه المسألة. وحين كانت الظروف تؤدّي إلى وقوع بعض نساء العرب في الأسر خلال بعض المعارك القتالية المتفرّقة، كان يسند أمرهنّ إلى ضابط مسلم، يُدعى "ذو الفقار أغا" الذي عمل مندوبًا تركيًا بديوان القاهرة؛ فنجده في إحدى رسائله إليه يشدّد عليه "بأن يضع الحريم في بيت يؤمّن حراستهن، ويمددهن ب لاحتياجات الضرورية[...] وأن يوفّر لهن أعلى درجات الرعاية، وبالقدر نفسه لأطفالهن"64، وحتّى في ح لات لاشتباه في قيام بعض الجواري (المحظيات) بإخفاء مماليك أو أسلحة، كان يتمّ نقل الجارية إلى بيت أحد أعيان المشايخ الكبار؛ كيما يتمّ التحقيق معها بعيدًا عن أيّ حساسية تثيرها مسألة احتجاز امرأة مسلمة65. ولم تقع سوى استثناءات قليلة لهذه القاعدة؛ جاءت في الحقيقة نتيجة عاملين مختلفين: الأوّل، أنّ قصور الأمراء البكوات الفارّين أو الذين قتلوا في معركة إمبابة، حين تعرّضت للنّهب والمصادرة، تمّ التعامل مع الجواري كتعاملهم مع الأمتعة، ويرد عند الجبرتي نصّ واضح بذلك، إذ يقول: "أخذوا البيت بما فيه من فرش ومتاع وجوار وغير ذلك"66. والعامل الثاني، جاء على أثر فشل ثورة القاهرة الثانية (آذار/ مارس 1800) إذ تمّ أسر بعض ما استحسنوه من الجواري الحسناوات اللاتي اندمجن مع الجنرلات الفرنسيين، ورضين بمعاشرتهن، بل ثمّة من أقبلن من خارج المأسورات على ضباط الجيش الفرنسي67، وكان من بينهن جاريتان للست نفيسة نفسها، واحدة صاحبت القائد العام كليبير، والثانية اهتم بها الجنرال دوجا Dugua68. بيد أنّ مثل تلك الحوادث ظلّت محدودة واستثنائية، إذ يمكن القول إنّ النساء بصفة عامة تمتّعن بدرجة ملحوظة من لاستقرار النسبي
الآمن؛ وليس أدلّ على ذلك من أنّ بعض حريم المماليك آثرن العودة للقاهرة، فيما بقى أزواجهن البكوات والكشاف بالصعيد، وخاصّة بعد توقيع معاهدة السلام والتحالف69. ويمكن أن نضيف إلى ما سبق أنّه من المحتمل أنّ الست نفيسة راهنت على رصيد علاقتها القديمة (والجيدة) مع الفرنسيين، قبل مجيء الحملة ببضع سنوات؛ فقد كانت على صلة وطيدة مع زوجة القنصل الفرنسي ماجللون Magallon؛ فحين اضطربت العلاقة مع التجّار الفرنسيين، وتعدّدت الإهانات لهم، وتعرّضوا للكثير من لابتزازات التي تسبّبت في تصفية العديد من البيوت التجارية الفرنسية70، سعت نفيسة إلى التدخل في تخفيف تلك الممارسات الشاذة، وخاصّة أنّ جمارك بولاق ودمياط ورشيد والإسكندرية كانت واقعة في التزام زوجها مراد بك71. وهو ما جعل تدخّلها حاسمًا في هذا الصّدد؛ إذ تمّ بالفعل إبرام معاهدة تجارية ضمنت للقنصل الفرنسي والرعايا الفرنسيين مزايا وامتيازات تفوق ما طرحه البكوات من قبل للجاليات الأجنبية الأخرى، وهو ما اعتبر نصرًا كبيرًا في ذلك الوقت72. وتقديرًا من الجانب الفرنسي لموقفها قدّم لها ماجللون هديةً قيّمة (عبارة عن ساعة ثمينة مرصّعة بالجواهر) قُدِّمت لها، باسم "الجمهورية الفرنسية"73. وترينا وثيقة فرنسية أنّ القنصل العام ماجللون نفسه، هو من طلب حماية الست نفيسة، وتأمين قصرها عقب دخول الجيش الفرنسي إلى القاهرة74. لقد بدا القنصل الفرنسي حافظًا لجميل صنعها على مدار سنوات طوال، سبقت وصول حملة جيش الشرق.
نفيسة وحمية الحريم
جدَّ بونابرت في تمشيط بيوت الأمراء الفارّين ومصادرتها، في سباق مع العامة والجعيدية الذين داهموا عددًا من القصور المملوكية؛ كان من بينها قصور تخصّ مراد بك وإبراهيم بك وعدد آخر من قصور البكوات. وكانت المشكلة بالنسبة إلى الجيش الفرنسي أنّ بعض تلك القصور لم يرحل عنها الحريم المملوكي، أمثال الست نفيسة وغيرها من نساء البكوات الحرائر، ما تعذّر معه مصادرة الجيش لتلك البيوت75. وهنا تمّت لاستفادة من ضريبة استثنائية كانت تعرف ب "مال المصالحة"، كان حسن باشا قبطان (1200 ه/ 1785 - 1786) هو من عمَّمها على حريم البكوات؛ فقد جاء هذا القبطان لتحطيم القوّة المملوكية وتشريدها، واستعادة النفوذ العثماني في مصر، وفيما صادر تعلقات البكوات والتزاماتهم، طالب حريمهم من نساء المماليك بالمصالحة عن أنفسهن وأملاكهن، وإلاّ طرحهن للبيع في سوق الجلابة! وكاد يفعل بهم هذه الفعلة المشينة لولا اعتراض العلماء استنادًا إلى عدم شرعية بيع الحرائر وأمهات الأولاد76. ويبدو أن معرفة بونابرت للظروف المعقّدة التي فُرِضت فيها هذه الضريبة لاستثنائية، قد جاءته من خلال القنصل الفرنسي ماجللون الذي كان مراقبًا لهذه الحوادث؛ فقد كلّفه بونابرت بمهمّة جمع مقرّراتها المالية من حريم البكوات بعد تسجيل أسمائهن ومحلّ إقامتهن وجرد ممتلكاتهن،
مقابل الإعلان عن توفير الحماية لهنّ وتجنيبهن أعمال المصادرة77. وقد وجد بونابرت في هذا الأمر مصدرًا يمكن أن يدرّ الكثير على خزانة الجيش الفارغة، وهذا يفسّ سرّ اهتمامه، عقب دخوله القاهرة مباشرة، بتشكيل لجنة سريعة مختصّة بهذا الأمر (3 آب/ أغسطس 1798)79. وكانت الست نفيسة حاضرةً في ذهنية القائد العام بونابرت، حتّى قبل قرار إنشائه للجنة؛ فأوّل أمر تعلّق بمال المصالحة، أصدره بونابرت (في 1 آب/ أغسطس 1798)، اختصّ به ممتلكات الست نفيسة وحدها؛ فتمّ حصر كل محتويات قصرها الكبير بالأزبكية من أمتعة وعبيد وجوار وخصيان، وتقرّر ألاّ يتمّ لاعتراف بملكيتها الكاملة En pleine propriété لكل ذلك إلاّ بعد أن تدفع لخزانة الجيش 600 ألف فرنك!، ونظرًا لفداحة المبلغ تقّرر أن يتمّ توزيع سداده على أقساط (5000 في كل يوم)، كما اشتمل الأمر على تهديد صريح، بأنّه في حال تقاعسها عن الدفع، تصير أملاكها من العبيد والجواري والأمتعة الخاصّة بها وبالنساء التابعات لها "ملكية عامة" للجمهور الفرنسي propriétés nationales des ومن ثمّ يتمّ مصادرتها، ولا يترك لها سوى أثاث قصرها الضروري، مع الإبقاء فقط على 6 من جواريها وعبيدها، يقومون على خدمتها وحسب80. وفي الحقيقة كان يتنازع بونابرت أمران بشأن الست نفيسة، أوّلهما الإفادة من مكانتها الكبيرة بصفتها وسيطً مؤثّرًا يمكن أن يستعين بها – كما ذكرنا - في تيسير كثير من الأمور المتعلّقة بحريم الصفوة المملوكية؛ لذا أرسل إليها، ابن زوجته جوزيفين، الملازم بوهارنيه Beauharnais ليثني عليها حاملا أمرًا بالإبقاء على ملكيتها لجميع قراها"81 وذلك لإغرائها على التعاون معهم في هذا الصّدد، وتمثّل الأمر الثاني في كيفية جعلها نموذجًا تحتذيه نساء البكوات في الخضوع لأمر الإلزام بدفع مبالغ المصالحة على أملاكهن بشكل أساسي ومتاع أزواجهن، إن أردن الإبقاء عليها وعدم مصادرتها. وهكذا بات من الملحّ الدفع بالست نفيسة إلى لاستجابة؛ فمُورسَت عليها ضغوط شديدة بصورة يومية، وهو ما ظهر بوضوح في تعليمات بونابرت، عبر أوامره اليومية المتتالية82، حتّى يتمّ استيفاء تلك المبالغ المقدّرة على أملاكها وجواريها. وما إن استوفت ما عليها حتّى قدّم لها القنصل الفرنسي ماجللون أوراق ما يعرف ب "ضمانات الحماية والأمان" Sauvegardes les التي شملت قصرها وجواريها (56 جارية، و 2 من المماليك الخصيان)83. وبعدها مباشرة زادت ضغوط الفرنسيين على حريم البكوات والمماليك84، وانطلاقًا من مسئوليتها ذات الطابع الأخلاقى عن زوجات الأمراء والكشاف المماليك - وذلك بالنظر إلى مكانتها الكبيرة بينهن؛ إذ كنّ في السابق من جواريها - ألزمت نفسها بالمبالغ التي فرضها بونابرت عليهن؛ فدفعت من مالها الخاص ومن غيره، ما قدره " 120 ألف فرانسة (تعادل 200 ألف ريال). ومن المؤكّد أنّ ذلك قد أرهقها ماديًا؛ إذ اضطرت إلى التنازل – في سبيل ذلك - عن حُلِيّها وبعض مجوهراتها الخاصة؛ لاستيفاء تلك المبالغ المتتالية. ولعلّها أرادت بذلك إحراج الفرنسيين بأنّ مطالبهم قد فاقت كل حدّ، وأشار التاريخ العلمي والعسكري للحملة الفرنسية إلى أنّ من بين ما قدّمته الست نفيسة الساعة المرصّعة بالجواهر، آنفة الذكر، المهداة لها من قبلُ باسم "الجمهورية الفرنسية"؛ فكان تنازلها عن هذه الهديّة "بمنزلة احتجاجٍ شريفٍ منها"85. بيد أنّ بونابرت تعامل مع الموقف بصورة عملية صارمة؛ فأصدر أمرًا بوضع تقييم بسعر معقول une éstimation raisonnable لتلك المجوهرات، كي يتمّ احتسابها وخصمها ممّا هو مقرّر عليها المساهمة به86. وهكذا مضى بونابرت في تعميم هذه الضريبة على كل نساء المماليك، وبدا الوضع مخيفًا ومقلقًا لهن؛ وخاصةً مع تبرير الفرنسيين لكل مداهمة لقصر من القصور أو بيت من بيوت المماليك، بأنهم يشكّون في وجود أسلحة وصناديق بارود
وبنادق وطبنجات وغيرها، واستنادًا إلى هذا الشك المزعوم، جرت عملية تفتيش ومصادرات واسعة ومرهقة87. وبيَّ الجبرتي أنه منذ ذلك الحين "صار الديوان عبارة عن قطع الحرايم وعمل المصالحات"!88. والحقيقة أنّ التطوّرات اللاّحقة بَّينت إلى أي حدّ انشغلت نفيسة بمسألة حماية حريم الصفوة المملوكية، وحرصها الدائم على تأمينهن ضدّ أيّ محاولة تستهدف اقتحام بيوتهن أو إزعاجهن، وفتحت أبواب قصرها لنساء البكوات اللواتي فضّلن الإقامة عندها و لاحتماء بها؛ فعلى سبيل المثال حين أراد حاكم القاهرة ديبوى القبض على زوجة الأمير عثمان بيك الجوخدار، أرسل المعينين إلى الست نفيسة يستأذنها في طلب استدعائها؛ إذْ كانت مِن بين مَن فضّلن ملازمة الست نفيسة. وتحت إلحاح الجنود اضطرّت الست نفيسة إلى لاستعانة بشيوخ الأزهر لمنعهم من ذلك، ولما أصرّ الفرنسيون على طلبها للتحقيق معها في أمر تورّطها في اتص لات مع البكوات المماليك، اضطرّت الست نفيسة أن ترسل عددًا من جواريها يصطحبنها وبتن هذه الليلة معها لحمايتها ومؤانستها حتّى تمّ الإفراج عنها في صباح اليوم التالي89. بيد أنّ تدخلها بدا محسوسًا وبصورة فاعلة بعد أن دخل زوجها مراد بك في معاهدة صلح وتحالف مع الجانب الفرنسي (1215 ه/ 1800 م)، فصارت لها "شفاعة مقبولة"، لا تردّ لدى الفرنسيين90. ونرصد على سبيل المثال في وثائق محاضر ديوان القاهرة تدخّلها لمصلحة "زوجة مصطفي جلبى السناري"، وقُبِلت وساطتها وتمّ الإفراج عن متعلّقاتها فيما بقيت متعلّقات الزوج (مصطفي جلبى السناري) تحت المصادرة، ولم يفرج له عنها إلاّ بعد تدخّل متكرّر من جانب الشيوخ أعضاء الديوان الذين تعالى صوتهم بالديوان "فلترحموه وترحموا نساءه يرحمكم الله تعالى"91. ومع توالي الفرد والغرامات الثقيلة والتي عدَّها الجبرتي "من أعظم الدواهي" التي نزلت بالناس، لم تتراجع نفيسة عن قضيتها لاجتماعية، مهما كلّفها الأمر، فلم تلن لها قناة، ولم تفتر لها عزيمة عن حماية النساء. ولم يكن ذلك الدور مرتبطًا بفترة لاحتلال فحسب؛ وإنّما كان ذلك ديدنها في كل الأوقات؛ ولهذا كانت النساء لا تتردّدن في اللّجوء إليها لإنصافها، وخاصّة إذا ما تعرّضن لمظلمة من كبار رجال السلطة. ونذكر من ذلك حادثة اعتداء حسن بك الجداوي على حانوت صائغ نصراني رومي، قبض عليه لينهب كامل ما بحانوته من مجوهرات ومصاغ ثم قتله، ولمّا توجّه لبيت الصائغ فزعت زوجته ولجأت إلى الست نفيسة لتنقذها من الموت المحقّق ومن خراب بيتها ونهبه، وتدخّلت نفيسة بالفعل وأنقذتها من القتل، ورفعت أيديهم عن بيت الصائغ. وفي تقديرنا أنّ مثل هذا التفاعل الإيجابى، بالإضافة إلى عطاياها المتواصلة، هو ما صنع رصيدها لاجتماعي عند الناس الذين تناقلوا في ما بينهم أخبارها ومواقفها، فالتفّوا حولها، وشعروا بأهمية مكانتها في حياتهم.
نفيسة وسيطًا سياسيًا بين الممليك والفرنسيين
ولمّا كان الفرنسيون على معرفة سابقة بدور الست نفيسة ومكانتها في الوسط المملوكي، وأنّ علاقتها بمراد بك تتجاوز مفهوم العلاقة (العائلية) الخاصّة إلى مجال يتّسع لتبادلها الرأي معه في ما يتعلق بالشأن السياسي، ولا سيما أنها طوال الوقت كانت مشغولةً بمتابعة التطوّرات وتأثيرها في المصير السياسي لزوجها وللطبقة المملوكية ككل في إطار صراعها مع الباب العالي، فقد قرّروا مفاتحتها في أمر الصلح مع المماليك، واستغلال مكانتها وتأثيرها بجعلها وسيطًا يمهّد لفتح باب المفاوضات. لذلك سارع القائد العام الجنرال كليبير بإرسال فورييه Fourier إلى قصرها بالأزبكية؛ لاستطلاع رأيها وما يمكن أن تقترحه من حلول حازمة.
وقام فورييه بإعلامها بأنّ الفرنسيين على وشك القطيعة مع العثمانيين، وعلى مراد بك اﻻنحياز إليهم، وأنّه عند تحقيق الصّلح الشامل، سوف يجلو الفرنسيون عن مصر وسوف يصبح هو سيّدًا لها. وسجّل فورييه في تقريره ردّها على هذا العرض، والذي يتيح لنا ملاحظة طريقتها في التفكير بالنسبة إلى المستقبل السياسي لمصر والمماليك، وما تقترحه على الفرنسيين بشأن ترتيب عودتهم بحرًا إلى بلادهم، كما أظهرت بوضوح أنها في نقاش دائم مع زوجها حول مستجدات الحوادث، وأنّ المراسلات بينهما متّصلة بصورة شبه يومية، وأنّها في ضوء ذلك تعرف أنّ مراد بك على استعداد للتوصّل إلى ترتيب معين معهم، وأنّ عرضًا سياسيًا كهذا له أهميته، إلاّ أنّها لا يمكنها أن تجزم بحقيقة نيّات زوجها وموقفه؛ لتترك الباب مفتوحًا أمام أيّ خيارات سياسية أخرى، تحتّمها مستجدّات الحوادث غير المتوقعة وخاصّة في المجال العسكري، ولتلفت نظر الفرنسيين من ثمّ إلى ضرورة الدخول في مفاوضات بصورة عاجلة، وأنّ مراعاة عامل الزمن لإنجاز ذلك لا تقلّ أهمية؛ إذ أوضحت ل "فورييه" أنّه "لو كانت الظروف قد سمحت ببذل هذا المسعى قبل ثمانية أيام خلت، لكان نجاحه مؤكّدًا". لكنّها في النهاية أعربت له عن ارتياحها لهذه الخطوة؛ "إذ إنّها ﻻ يمكنها أن تستقبل إﻻّ بالسّور اقتراحًا يميل إلى منع زوجها من القتال، بالنظر إلى أنّه قد يهلك في ذلك العمل، وإنّها تفضّل على أي شيء آخر الصلح بين الفرنسيين والعثمانيين والمماليك واﻹنكليز"92. إنّ ما استوقف فورييه هنا لباقتها ودبلوماسيتها في المناقشة السياسية لمسعى الصلح والتحالف مع الفرنسيين، كما لاحظ طريقتها في إثارة لاهتمام بتعجيل بدء التفاوض ووضع الترتيبات اللاّزمة لانسحابهم، كما لفت نظره اقتراحها حلا لخروجهم "عن طريق البر بترتيب سياسي معيّ يتمّ تحت رعاية الصدر الأعظم، في حالة رفض الإنكليز الصلح وسدّهم عليهم طريق البحر". ويعزو الفرنسيون الفضل إلى الست نفيسة في اتص لاتها بمراد بك واستجابته للدخول في المفاوضات التي سبق ورفضها في بداية لاحتلال. وانتهت المفاوضات بتوقيع معاهدة سلام وتحالف Le Traité de alliance ’ paix et d، والتي بمقتضاها صار مراد بك حاكمًا على الصعيد، وانسحبت الكتائب الفرنسية من قرى مصر العليا، كما تضمنت المعاهدة تسلّمه للسلطة في القاهرة في حال جلائهم عن البلاد93. وكان ذلك بمنزلة انتصار للدبلوماسية المملوكية، وخاصّة في ظلّ تناقض مصالح القوى المتصارعة على مصر (العثمانيين، والفرنسيين، والبريطانيين). ولا شكّ أنّ الست نفيسة بدعمها لزوجها في هذا لاتجاه، قد اكتسبت احترام الفرنسيين وتقديرهم؛ وهو ما انعكس بوضوح في معاملتهم لها طيلة الفترة التالية من زمن لاحتلال، وإبقائهم على متعلّقاتها في قرى لالتزام، ويتبيّ أهميّة ذلك مقارنةً بما جرى مع غيرها من حريم البكوات اللاتي تعرّض بعض حصص التزامهن للمصادرة والبعض الآخر لغرامات رسوم إعادة التسجيل التي تمّ إعفاء نفيسة منها. وقدّر الفرنسيون أهميّة السّماح لمراد بك بالتّواصل مع الست نفيسة، وإمدادها باحتياجاتها المادية من الحبوب والبن والسكر والزبد والفحم بالإضافة إلى عدد كبير من الخراف94، وتبيّ خطاباته مع الجنرال الفرنسي دونزيلوه بالصعيد تشديده في التوصية على سلامة وصول الشحنات التي كان يرسلها إلى قصر الست نفيسة بالقاهرة. وامتدّ احترامهم لشخصها حتّى بعد رحيل مراد بك المفاجئ؛ فقد أرسل إليها القائد العام مينو برقية عزاء باسم الجمهورية الفرنسية وجيش الشرق، وفضلً عن ذلك أصدر قرارًا بتخصيص معاش لها، تقبضه شهريًا، بلغ 100 ألف نصف فضة95، لأجل تأمين وضعيتها لاجتماعية، وعدم تأثّرها برحيل الزعيم المملوكي.
ومن الواضح إذًا، أنّ فترة لاحتلال، وإن كانت اختبارًا عصيبًا، إلاّ أنّ الست نفيسة بسياستها الهادئة في التعامل مع إدارة الجيش الفرنسي، أمكنها أن تتفادى الكثير من سيئات لاحتلال، بل ويمكن القول إنّ فترة الحملة ذاتها كشفت عن دور أصيل لها على المستويين السياسي و لاجتماعي، ودعّمت مسيرتها واستمرارية تفاعلها مع التطوّرات التي مرّ بها المجتمع المصري عند منعطف القرن التاسع عشر. على أنّه من الصحيح كذلك أنّ نهاية لاحتلال الفرنسي قد مثّل نهايةً لمشاركتها المحدودة والمؤثّرة في عالم السلطة والسياسية، فيما استمر دورها التفاعلي مع المجتمع الحاضن لها والذي ظلّ يرمز إلى أهمية رصيدها لاجتماعي في الذاكرة الجماعية عند الناس، على الرغم من تقلّب الأحوال بالطبقة المملوكية التي كانت تنتمي إليها.
نفيسة وبداية منحنى الهبوط
مثّلت إصابة مراد بك بالطاعون، أثناء توجّهه من الصعيد إلى القاهرة لتسلّم السلطة من الفرنسيين، ثمّ موته المفاجئ بعد أيّام قليلة من الإصابة (18 نيسان/ أبريل 1801)، حدثًا غير عادي في حياة الست نفيسة؛ إذ بعده تدخل ومعها كلّ الطبقة المملوكية في مرحلة الذّبول والتلّاشي (1801 - 1811)، والتي كانت نذرها تتوعّد الجميع بنهاية غير سعيدة لمسيرة طويلة قطعتها تلك السلالة في تاريخ المجتمع المصري. وهكذا، كان موت مراد بك مؤشًّا على دخول الست نفيسة في فضاء اجتماعي لا تجد فيه سندًا يؤازرها، سوى رصيدها الباقي عند الناس الذين ظلّوا ملتفيّن حولها حتّى رحيلها في عام 1816. ولعلّنا لاحظنا في حوارها السابق مع فورييه أنّها لم تستطع أن تخفي قلقها وخوفها من احتمال هلاك مراد بك في قتاله ضد الكتائب الفرنسية، كما أنّها بيّنت مدى حرصها على متابعة مصيره السياسي، ولم تهدأ خواطرها بشأنه إلاّ بعد تحقّق المصالحة وعمل معاهدة السلّام التي أنهت القتال بينه وبين الفرنسيين. لقد كان مراد بالفعل سندًا لها، وظهيرًا ترتكن إليه، فضلا عن أنّه كان الداعم الأساسى لها ماديًا ومعنويًا في احتفاظها بدورها في المجال العام. والمتتبّع لحالها بعد رحيله، يتبيّ بجلاء كم مثَّلت حادثة وفاته المفاجئة بالطاعون انقلابًا لكل حظوظها؛ فالبكوات المماليك من أتباع زوجها لم يكونوا على المستوى نفسه من التفكير والتدبير السياسي؛ إذ سادتهم روح الفرقة و لانقسام، ولم يحسنوا تجاوز الخلافات البينية وتوحيد كلمتهم، أمام خصومهم المتربّصين بهم من كل جانب؛ حقًا لقد كان عثمان بك الطنبورجى (الذي خلف مراد بك في قيادة المماليك) مقاتلا بارعًا، إلاّ أنّه، لسوء الحظ، لم يكن يمتلك الخبرة والكفاية القيادية التي كانت لسلفه96؛ وهو ما أعجزه عن استقطابهم وتوحيدهم تحت لواء واحد، هذا في الوقت الذي كان فيه العثمانيون يضمرون لهم المكيدة للإطاحة بهم. وهنا أدركت القيادة الفرنسية خسارتها الكبيرة بموت مراد بك، الذي نال لاحترام والتقدير لوفائه بتعهداته السخية معهم حتّى لحظة رحيله97، وتذكّر الفرنسيون عبارته الشهيرة التي سجلها الكابتن شريل Cherel في تقرير مقابلته معه98:
" il n’ avait que sa parole qu’ il y tiendrait au peril de sa vie "
"إنّه لا يملك سوى كلمته، وأنّه في سبيل الحفاظ عليها قد يُفني حياته". وكان موقف مراد بك من التحالف الأنجلو عثماني واضحًا، ولطالما ضمَّنه في مراسلاته إليهم؛ كقوله: "احنا لم بقى لنا احدا محبين خلاف الجمهور [الفرنسي]، ولم بقى لنا امن من طرف العثمانلي مطلقا، وانتم تعرفون ذلك ولم تعوزوا من يعرفكم"99. في حين بدا خلفاؤه من البكوات في حالة من التشوّش و لارتباك، سرعان ما انعكس في دخولهم في اتص لات ومفاوضات مزدوجة؛ ومن هنا وصفهم مينو في رسالته إلى القنصل الأوّل بونابرت بأنّهم "كانوا يداهنون كلا الفريقين (الأنجلو/ فرنسي)، في حين لم يعملوا سوى لمصلحة
أنفسهم"100. ثم كان أن قرّر عثمان بك الطنبورجي إهمال العمل بنصوص معاهدة التحالف (مراد - كليبر) المبرمة قبل عام، وأرسل وكيلا سرّيًا على الفور إلى هتشنسون (قائد الجيش الإنكليزي) للتفاوض معه، وحسم الموقف سريعًا بانضمامه على رأس قوّة مملوكية (نحو 1200 فارس) إلى المعسكر الإنكليزي (في 30 أيار/ مايو 1801)101، كما أنّ إبراهيم بك، قبله بأيام قليلة، زار القائد الإنكليزي نفسه وطلب منه الحماية102، وخاصّة مع استمرار حالة القلق و لارتياب في نوايا الباب العالي إزاءهم، وهو ما تؤكّده الصعوبة البالغة التي واجهت الإنكليز حال إقناعهم للجانب العثماني بضرورة طمأنة البكوات والتغاضي التام عما بدر منهم في الماضي103. استبدّ بنفيسة القلق الشديد جرّاء انضمام البكوات إلى المعسكر الإنكليزي، وتخوّفت من نتائج انحرافهم عن الخطّ السياسي لزوجها الراحل. وعلى الرغم من أنّ الجنرال بليار Billiard (قائمقام القاهرة) أدرك صعوبة الموقف، فإنّه سارع بالتوجّه مباشرة إليها "فأمّنها وطيّب خاطرها، وأخبرها أنّها في أمان هي وجميع نساء الأمراء والكشاف والأجناد، ولا مؤاخذة عليهن بما فعله رجالهن"104، كما أعادوا لها الجاريتين اللتين هربتا من قصرها قبل عام، وناشدوها العفو عنهما. ومن جانبها أعربت عن قبولها شفاعتهم، وأبدت أسفها على التطوّرات التي عجّلت بعودة القتال، وأنّها كانت تتمنّى أن يسود السلام ويتحقّق بسهولة مع أعدائهم (الإنكليز والعثمانيين)105. وظلّت نفيسة تتابع عن كثب التطوّرات السريعة، وأدركت أنّ مستقبل المماليك السياسي في حكم مصر، لم يعد مضمونًا، وأنّ استعادة البكوات لوضعيتهم التي كانوا عليها، قبل لاحتلال الفرنسي قد باتت مهمةً صعبةً، إن لم تكن مستحيلة، وخاصّة بعد المكيدة التي دبّرها العثمانيون بالإسكندرية (22 تشرين الأوّل/ أكتوبر 1802) عند اجتماعهم بسفينة القبطان باشا، وانهالوا عليهم في عرض البحر بالرصاص. وكادت هذه المكيدة أن تُجهز على أبرز القادة البكوات؛ فقد راح ضحيّتها كل من عثمان بك الطنبورجي، وعثمان بك الأشقر، ومراد بك الصغير، وإبراهيم كتخدا السناري، وصالح أغا، ومحمد بك، كما جرح كثيرون، ولم ينقذهم من هذه التصفية سوى تدخل الإنكليز106. وحين وصل القاهرة الكولونيل هوراس سباستياني Sebastiani، بصفته ممثّلً عن حكومة القنصل الأوّل بونابرت، بحجة عمل وساطة للصلح بين البكوات والباب العالي، حاولت نفيسة لدى اجتماعه بها طلب مساندة حكومة فرنسا للمماليك؛ لأجل إعادة حكومة البكوات، لكن محادثات سباستياني معها كانت دبلوماسيةً؛ فلم يستطع الردّ عليها سوى بأنّ القنصل الأوّل بونابرت سوف يسعى لإنهاء خلافاتهم مع الباب العالي107. ومن هنا أدركت الست نفيسة صعوبة المرحلة التي يمرّ بها المماليك. وكانت السلطنة العثمانية قد وجدت في جلاء الإنكليز عن الإسكندرية (1803) فرصةً لإقصاء المماليك نهائيًا عن سدة الحكم، واستعادة هيمنتها منفردة بحكم مصر. ومن ثمّ شهدت الفترة الواقعة بين عامي (1803 - 1805) صراعًا عنيفًا بين المماليك والعثمانيين. والدلالة الأساسية لكلّ تلك التطوّرات أنّ نفيسة والحريم المملوكي وجدن أنفسهن داخل مرحلة قاسية، من دون ظهير قوي يوفّر لهنّ الأمان والحماية لما بات ينتظرهن في تلكم الأيّام، وخاصة مع لجوء السلطة العثمانية في صراعها مع المماليك إلى استخدام "الحريم المملوكي" ورقة ضغط، تفتح بابًا للمساومات السياسية؛ إذ كان البكوات الفارّين للصّعيد قد أبقوا هذه المرّة على حريمهم بالقاهرة. وقد تأثّر البكوات بذلك أيّما تأثّر، وعدّوه انتهازيةً غير مقبولة، وأنّ الفروسية الحقّة إنّما تقتضي استبعاد الحريم من دائرة الصراع السياسي، وهو ما تفيض به كلماتهم المريرة التي ضمَّنوها في كتاب أرسلوه إلى طاهر باشا، ونقل الجبرتي – لحسن الحظ – نص هذا الكتاب، وكان مما جاء به "وذكرتم لنا أنّ حريمنا وأولادنا بمصر ربّما ترتّب على
المخالفة وقوع الضّر بهم، وقد تعجّبنا من ذلك، فإنّنا إنّما تركنا حريمنا ثقةً بأنّهم في كفالتكم وعرضكم. على أنّ المروءة تأبى صرف الهمّة إلى امتداد الأيدي للحريم والرجال للرجال"109. والنتيجة توالى لاعتداء على بيوت الحريم في مناسبات متباينة خلال تلك الفترة المضطربة؛ ونذكر من ذلك موقفًا جمع أوّل مرة بين الست نفيسة ومحمد علي (28 آيار/ مايو 1803)؛ فحينما صادف وجود الست نفيسة في بيت البارودي، شاهدت العسكر الذين تأخّرت رواتبهم يقومون ب لاعتداء على خليل أفندي الرجائي الدفتردار الذي كان قد نزل بدار حريم البارودي؛ إذ تكالبوا عليه وقتلوه شرّ قتله، ولم يجد اتباعه ملاذًا للنّجاة بأرواحهم سوى الصّعود إلى حريم المنزل اللاتي فُزعن وأخذن في الصّاخ والعويل من هول الموقف. وأعقب ذلك اضطراب حي الأزبكية بكامله؛ جرّاء انتشار النهابة والجعيدية والعسكر، وهنا يشير الجبرتي إلى دور الست نفيسة التي أرسلت في الحال إلى أحد اتباع زوجها مراد بك، ويدعى سليم كاشف المحرمجي، مطالبةً إيّاه بسرعة تدارك الأمر، وتأمين بيوت الحريم من النهب و لاعتداء، وحضر على أثر ذلك القائد الألباني محمد علي؛ ليثبت دوره وأهميته في حفظ الأمن ومنع لاعتداءات المشينة التي عكّرت صفو الأهالي، وليُظهر في الوقت نفسه احترامه للست نفيسة، وذلك في إطار استغلاله لكلّ المواقف التي كانت ترفع من أسهمه في نظر شيوخ الأزهر وأهالي القاهرة الذين توسّموا فيه تحقيق العدالة110. بيد أنّ محمد علي ما لبث أن تخلّ عن البكوات، وساند الباشا العثماني الجديد "خورشيد باشا" الذي كلّفه الباب العالي بالتخلّص من البكوات ومصادرة بيوتهم وحريمهم. وهكذا، بدا مشهد لاعتداء على بيوت الحريم متكرّرًا بصورة فجّة، كما بدا دراميًا مُهينًا، وبصورة لم تحدث من قبل لصفوة نساء المماليك؛ يقول الجبرتي: "وخرج الأمراء على أسوأ حال من مصر[...] ونهب العسكر أموالهم وبيوتهم وذخائرهم وأمتعتهم وفرشهم وسبوا حريمهم وسراريهم وجواريهم وسحبوهن بينهم من شعورهن، وتسلّطوا على بعض بيوت الأعيان من الناس المجاورين لهم، ومن لهم بهم أدنى نسبة أو شبهة بل وبعض الرعية، إلّ من تداركه الله برحمته أو التجأ إلى بعض منهم أو صالح على بيته بدراهم يدفعها لمن التجأ إليه منهم. ووقع في تلك الليلة واليومين بعدها ما لا يوصف من تلك الأمور وخرّبوا أكثر البيوت، وأخذوا أخشابها، ونهبوا ما كان بحواصلهم من الغلال والسمن والأدهان، وكان شيئًا كثيرًا، وصاروا يبيعونه على من يشتريه من الناس"111. واللاّفت للنّظر أنّه على الرغم من أنّ الأزبكية باتت ساحةً غير هادئة؛ بسبب انتشار أعمال النهب والتخريب والسطو على البيوت112، فإنّ قصر الست نفيسة ظلّت له حرمته المصونة من الجميع؛ ودلّل ذلك على تمييز الناس والعسكر بمختلف طوائفهم، بين الست نفيسة وبقيّة حريم البكوات. لكن السيّدة العجوز أجهدها متابعة المشهد السياسي، وباتت تشعر بضجر الحياة وسآمتها، وخاصّةً أنّ استعادة البكوات للسلطة، وهم في حالة متزايدة من التشرذم و لانقسام المستمرّين، قد باتت بعيدة المنال، لتجد نفسها تترحّم على ذكرى زوجيها علي بك الكبير ومراد بك اللذين كانا قادرين على تجميع طوائف المماليك تحت لواء واحد، وما تمتّعا به من مهارة القيادة والحصافة السياسية في قراءة تحدّيات الواقع المتغيّ. ووفقًا لقراءة شيخ محنك مثل الجبرتي، كان اتّجاه البكوات إلى التنكيل باتباع أخيهم "محمد بك الألفي الكبير"، خلال فترة غيابه بإنكلترا، شاهدًا ماديًا على قصر نظر هذا الجيل الأخير من البكوات، ونفورهم من تأمّره عليهم؛ إذ كان الألفي هو الشخصية المتوقّع لها قيادة المماليك وملء الفراغ الذي تركه مراد بك، ما جعل المراقبين من خصومهم ينظرون إليهم على أنّهم باتوا بالفعل قوةً مبعثرةً باهتة، تفتّ في عضد نفسها، ومن ثمّ توقّع لها الجميع ألاّ تقوم لها قائمة، وخاصّة بعد فرض الباب العالي حظرًا صارمًا على تجارة تصدير الرقيق الأبيض القادم من القوقاز إلى مصر، وذلك بدايةً من عام 1802، ثم توقّفها تمامًا مع ضمّ روسيا لإقليم القوقاز. هذا فضلا عن عدم امتلاكهم لأرصدة يدفعون بها مرتّبات الجنود المرتزقة113.
لقد بدا أنّ خطّ عام 1800 بالنسبة إلى الست نفيسة (والطبقة المملوكية ككل) حد فاصل بين أعلى نقطة في منحنى صعودهم السياسي (بدءًا من عام 1755)، وانجرافهم السريع من القمة ودخولهم مرحلة الذبول والتلاشي (بين عامي 1801 و 1811). وفي هذا السياق من التطوّرات المحزنة، تجد نساء الأمراء المماليك114 أنفسهن داخل عملية سياسية معقّدة؛ ذلك أنّ فرار البكوات إلى الصعيد، وإن أعطى الفرصة لهم للإحاطة بعسكر العثمانيين هناك، إلاّ أنّه جعل خورشيد باشا (الحاكم العثماني) يلجأ إلى تهديد البكوات باجتياح بيوتهم، ولتأكيد مقصده، وأخذه على محمل الجد، ألزم "نساء الأمراء المصرلية" (15 آذار/ مارس 1804) بتحرير مكاتبات إلى البكوات، يخبرونهم بأنّهن وأولادهن تحت التهديد ب لاقتصاص منهن، إذا ما أقدموا على قتل أحد من عسكر العثمانيين المنتشرين بالوجه القبلي115. والمعروف أنّ خورشيد باشا كان شديد العداء للمماليك، ويسعى بجدٍ في تصفيتهم وإقصائهم عن مصر، وعلى ما يبدو لم ينتظر ردّ البكوات، وراح يرسل عساكره إلى بيوت الأمراء للقبض على حريمهم، ما اضطرّ معه الألفي للعودة من جرجا إلى القاهرة؛ لأجل حماية الحريم من لانتهاكات الشاذة؛ ف "التعرّض للحريم والعرض [أمر] لا تهضمه النفوس"116. بيد أنّ محاولته باءت بالفشل؛ وذلك بسبب قلّة اتباعه الذين نجوا من الملاحقات والمطاردات القاسية التي قام بها كل من البرديسي وإبراهيم بك الكبير. وممّا لا شكّ فيه أنّ هذا التشرذم أضعف من هيبة الطبقة المملوكية، واستنفد قواها، وبات عليها أن تفسح الطريق لصعود قوّة فتيّة جديدة.
نفيسة ومواجهة الباشا العثمني
لقد كان من سوء حظ الست نفيسة، إذًا، أن امتدّ بها العمر فعاشت إلى تلكم الفترة التي شهدت زحزحة الصفوة المملوكية عن قمّة الهرم لاجتماعي والسياسي. ولم يكن في وسعها أن تجتنب التأثيرات الناجمة عن مجمل تلك التطوّرات. وعلى ذلك باتت تتوقّع بين الفينة والأخرى امتداد بعض الممارسات العدائية من السلطة إلى محيط دائرتها الخاصّة. وقد حدث ذلك وأوّل مرّة، حين تجرّأ خورشيد باشا على لاحتكاك بها بصورة مباشرة، والعمل على طردها من قصرها بالأزبكية؛ فقد أرسل إليها كلا من الوالي والمحتسب يطلبانها لمقابلته (22 أيار/ مايو 1804)، فاصطحبت معها امرأتين من جواريها، وصعدت القلعة، وانزعج الأهالي الملتّفون حولها والمراقبون للمشهد عن كثب، وفي مقدّمتهم شيوخ الأزهر. ويبيّ لنا الجبرتي الذي روى ما دار من حوار في ذلك اللقاء، أنّ خورشيد باشا استقبلها وقام إليها يجلّها، مقدّمًا لها لاحترام الواجب واللاّئق بمكانتها، وهو ما يبيّ أنّها ظلّت مُهابة وتتمتّع لدى السلطة العثمانية بخصوصيّة فريدة وملموسة على مستوى الوسط النسائي المملوكي. ويفيض حوارها بالثقة الكبيرة التي تجلّت في كلماتها، كما أظهرت قوّة دفاعها وحجّتها حين راح خورشيد باشا يلومها في أمر جاريتها "منور" التي اتّهمها بأنّها تسعى في أمر العفو عن "المماليك العصاة" مقابل دفع الرّواتب المنكسرة للجند العثمانيين وغير العثمانيين؛ وهو ما أنكرته تمامًا117، بيد أنّها أدركت شرّ المكيدة الملفّقة للتحايل على مصادرتها والنّيل منها في شخص إحدى جواريها، وعلى الرغم من قلّة حيلتها في ذلك الحين إلاّ أنّها لم تهن ولم تضعف، كما لم يرهبها استدعاؤها – أوّل مرّة في حياتها – للقلعة و لامتثال أمام الباشا وقوّة عسكره المحيطين بها، ولنترك الجبرتي يروى كلمتها التي وجّهتها إلى خورشيد باشا، وكيف ردّت له مكيدته وأحبطت محاولته في النيل منها "قالت له أنا بطول ما عشت بمصر وقدري معلوم عند الأكابر وخلافهم والسلطان ورجال الدولة وحريمهم يعرفوني أكثر من معرفتي بك، ولقد مرّت بنا دولة الفرنسيس، الذين هم أعداء الدّين، فما رأيت منهم إلاّ التكريم، وكذلك سيّدي محمّد باشا كان يعرفني ويعرف قدري، ولم نر منه إلاّ المعروف، وأمّا أنت فلم يوافق فعلك فعل أهل دولتك ولا غيرهم، فقال: ونحن أيضًا لا نفعل غير
الملائم، فقالت له: وأيّ ملاءمة في أخذك لي من بيتي بالوالي مثل أرباب الجرائم فقال: أنا أرسلته لكونه أكبر أتباعي، فإرساله من باب التعظيم، ثمّ اعتذر إليها"118. ولا شك أنّ خورشيد باشا أدرك، خلال هذا اللقاء، خطورة المساس بسيّدة في وزن الست نفيسة وقيمتها. على أنّ مغزى الرّواية يظلّ ذا دلالة قوية؛ فلقد أُسقط في يدها، وأمكنها أن تدفعه إلى لاعتذار، بيد أنّه ظلّ يخشى من إمكان إثارتها انقلابًا عسكريًا مفاجئًا ضدّه؛ فأصرّ على نزولها بيت الشيخ السحيمي بالقلعة، محدّدًا إقامتها هناك، تحرسها جماعة من عسكر العثمانلية. وآنذاك، بدت القاهرة وكأنّ حادثًا مشئومًا وقع بها، ولا يُدرك إلى أي حدّ يمكن أن تمتدّ آثاره السلبية، وكان شيوخ الأزهر أكثر من حرّكهم الحدث؛ فعلى الرغم من أنّ الست نفيسة وجاريتيها تمّ إنزالهن في بيت كريم لواحد من كبار شيوخ الأزهر، فإنّهم عدّوا الأمر سابقةً خطيرةً لا يدرك الباشا ما يمكن أن يترتّب عليه من نتائج وخيمة؛ وخاصّة أنّهم لا يمكنهم ضبط ردّات فعل الناس المرتبطين بها، والذين يتوقّع أن يَهبُّوا للدفاع عنها؛ ومن ثمّ فاحتمال وقوع الفتنة، التي لا يُستبعد مشاركة أمراء مماليك باتباعهم، داخل القاهرة وخارجها، احتمال وارد، ما لم يتمّ سرعة استدراك الأمر! وأيّد شيخ الإسلام قاضي القضاة العثماني شيوخ الأزهر في تقييمهم للموقف وخطورته، وقرّر اصطحابهم إلى مقابلة الباشا، وهو ما عضد من موقف المشايخ، وأضفى أهميةً خاصةً على زيارتهم تلك. ولم تكن مناقشة كبار المشايخ مع الباشا هادئة، وخاصّة مع تقاطع تقييم كل منهم للموقف؛ كانت وجهة نظر الباشا أنّ الأمر مجرّد "مسألة أمنية"، ولا يمكنه المخاطرة بغضّ الطّرف عنها، مؤكّدًا على أنّ مكانة الست نفيسة مصونة ومعزّزة، ونزولها في بيت الشيخ السحيمي هو من قبيل تكريمها، ولوضعها تحت رقابته في مكان أقرب للقلعة، ومن ثمّ فالأمر لا يتعلّق بشخصها، ولكن له صلة بالشكوك المحمومة حول مساعيها الخفيّة إلى إحداث انقلاب على السلطة؛ عبر شرائها بالمال ولاء كبار العسكر العثمانلية، واستمالتهم إلى صفّ "المماليك العصاة". وأنّه طالما أنّها ثريّة بدرجة كبيرة، تسمح لها بدفع "علوفة" العسكر، فلماذا لا يلزمها بالدفع لعسكر العثمانلية، وخاصةً أنّ عجز الخزينة السلطانية عن الوفاء بعلوفاتهم، كان هو السبب الرئيس في حالة عدم لاستقرار التي تعانيها البلاد منذ خروج الفرنسيين؟ بيد أنّ الشيوخ، يدفعهم الشك في نيّات الباشا العثماني، أعربوا عن أهمية تفحّص الأمر، ومراجعته مع الست نفيسة نفسها، وأعلموه بضرورة وضع حلّ ناجزٍ لهذه المشكلة، سواء ثبت تورطّها أو لم يثبت، قبل أن تتفاقم الفتنة وتنتشر بين الناس. ولم تكن توقّعات المشايخ بعيدةً عن الواقع، فالجبرتي لاحظ أنّ الناس بالقاهرة "تكدّرت خواطرهم"119؛ وهو ما يبيّ درجة تعلقّهم بها، وخوفهم عليها أن تمسّها الإهانات التي باتت تطول صفوة حريم المماليك في كل مكان وبصورة شبه يومية. وتولّ كل من الشيخ الفيومي والشيخ المهدي مهمّة الذهاب إلى الست نفيسة ومراجعتها، وينقلنا الجبرتي إلى عمق الحدث بتسجيله ردّها على ما نسبه إليها الباشا العثماني "فقالت هذا كلام لا أصل له وليس لي في المصرلية (البكوات المماليك) زوج حتّى أنّ أخاطر بسببه، فإن كان قصده مصادرتي، فلم يبق عندي شيء، وعليّ ديون كثيرة"120. وتبيّ للمشايخ بالفعل أنّها مكيدة، تستهدف التحايل على ما تبقى بين يديها. وقرّر الشيوخ ردّ الباشا عن هذه المظلمة، وخاصةً أنّهم لاحظوا مساعيه إلى تعميم مصادرات مشابهة على حريم المماليك، تحت مسمّى "فرد ومغارم"، وسوف يبُرّرها لهم، بعد ذلك، بأنّها ليست بدعةً جديدة، ولكنها جريًا على ما كانوا يدفعونه للفرنسيين زمن احتلالهم للبلاد! وبالفعل قرّر على الست نفيسة وبقية نساء الأمراء دفع مبلغ " 800 كيسًا" (أيار/ مايو 1804)، وألزم كلا من الست نفيسه وعديلة هانم ابنة إبراهيم بيك الكبير بتوزيع هذه الفردة وتحصيلها، وأرسل الباشا عساكره يلازمون بيوت النساء حتّى يوفين الفردة. ويبيّ الجبرتي صعوبة الموقف المالي للست نفيسة وسائر حريم البكوات، حتّى لقد "اضطرّ أكثرهن لبيع متاعهن، فلم يجدن من يشترى لعموم المضايقة والكساد"121.
لقد كان المشايخ إذًا محقيّن في تقديرهم لخطورة مثل تلك الممارسات، وخاصّة مع الست نفيسة. وكان "الشيخ الأمير" أكثر من تصدّى لمراجعة الباشا في قراره، معلنًا له بأنهم غير مسؤولين عن التبعات الوخيمة التي إن وقعت لن يمكنهم تداركها؛ يقول الجبرتي: "فعادوا إليه وتكلّموا معه وراددهم (الباشا)، فقال الشيخ الأمير للترجمان: قل لأفندينا هذا أمر غير ملائم ويترتّب عليه مفاسد، وبعد ذلك يتوجّه علينا اللّوم، فإن كان كذلك فلا علاقة لنا بشيء من هذا الوقت أو نخرج من هذه البلدة، وقام قائمًا على حيله، يريد الذهاب فأمسكه مصطفى أغا الوكيل وخلافه"122. لقد بدا تحرّك المشايخ وإصرارهم على موقفهم أشبه بتظاهرة تدين الباشا في تصرفاته، وتنذر بعدم جلوسهم في مقاعد المتفرجين. وأوجس الباشا خيفةً أن تنقلب الأمور عليه، وتتحوّل المسألة برمّتها إلى تمرّد شعبي يقوده هؤلاء المشايخ. وتجلّ ذلك في استجابته السريعة لتدخّلهم، لكنّه طالبهم، حفظًا لماء وجهه، بعدم عودتها إلى قصرها، ونزولها ببيت أحدهم، فاختارت هي بيت الشيخ السادات، لكنها سرعان ما عادت إلى قصرها عقب انتهاء ولاية خورشيد باشا (نحو تشرين الأوّل/ أكتوبر 1803).
الست نفيسة وقبضة الدولة الحديثة
كان محمد علي قد تابع عن كثب حادثة استدعاء الست نفيسة إلى القلعة، وسرعة تحرك العلماء والمشايخ لحمايتها، وما أصاب الباشا العثماني من قلق على مركزه السياسي، واستجابته دون شروط للتّاجع عن مصادرتها. لقد أفاد محمد علي من تلك الحادثة في ضرورة عدم المساس بالست نفيسة وحاشيتها، وظلّ منذ حصوله على باشاوية مصر (1805) وحتّى وفاتها في عام 1816، حافظًا لها قدرها وحرمة قصرها وأتباعها، وخاصّة أنّها بدت – في زمنه – عجوزًا طاعنةً في السن، فضلا عن أنّها باتت لا تمثّل مصدر قلق له، ولا سيما أنّه أضعف من مصادر دخل هذه الطبقة لاجتماعية التي عمل على تنحيتها عن قمّة الهرم لاجتماعي وثرائها. ومنذ باكورة عهده بالباشوية، تابعت الست نفيسة توجّهاته بشأن طبقة الحريم المملوكي؛ خاصّةً أنّه ابتدأ قراراته بما تعلّق بالتزامات الحريم؛ ففي الأوّل من شعبان 1220 ه/ 25 تشرين الأول/ أكتوبر 1805 م، أصدر أمرًا برفع حصص التزام النساء، وكتبوا قوائم مزادها، ثمّ اتّفق على "أن يصالحن عليها بقدر حالهن"123. كان ذلك دون شكّ خطوة أولى نحو مصادرتها؛ لكنه استخدم وسيلةً أخرى أكثر عملية في السيطرة على أملاكهن العقارية؛ فقد أطلق لاتباعه الزواج بأرامل الأمراء المصرلية، ومن كانت تأبى وتتمنّع، كانوا يصادرون ما بيدها من لالتزام والإيراد ويخرجونها من قصرها، وينهبون متاعها، فما يسعها إلاّ الإجابة والرضا بالقضاء"124 على حدّ قول الجبرتي. ويمكن القول إنّ الست نفيسة خلال العقد الذي عاشته تحت مظلّة حكم محمد علي باشا، قد أُجِهَدت تمامًا؛ جرّاء حدوث متغيّات حادّة، كان أكثرها صعوبةً ما جرى لبكوات المماليك في المذبحة الشهيرة بالقلعة (2 آذار/ مارس 1811)، والتي على أثرها فقدت القوّة المملوكية آخر ما تبقّى لها من رجال أكْفاء. ومَن أمكنه الهرب منهم وهم قلائل، هاموا على وجوههم إلى خارج حدود مصر، في منفى شبه إجباري، وضعف حالهم وانتهت أخبارهم، ولم يعد أحد يشعر بهم. وفي نهاية عام 1816 وصف القنصل الفرنسي بالإسكندرية فلول المماليك ب "البقايا البائسة" débris Les triste اللاّجئة إلى دنقلة التي لم تستطع تجديد فصائلها حتّى باتت تتكوّن فرقتهم في معظمها من العبيد السود! Les esclaves noirs125. وأصبح الباشا منفردًا بهيمنته على البلاد من أقصاها إلى أقصاها. وكان اختفاء هذا الظهير من الساحة، وعلى هذه الصورة القاسية والمربكة، قد جعل بيوت حريم المماليك مستهدفةً من العسكر وأوباش العامة؛ يقول الجبرتي: "وعندما تحقّق العسكر حصول الواقعة وقتل الأمراء انبثّوا كالجراد المنتشر إلى بيوت الأمراء المصريين ومن جاورهم، طالبين النهب والغنيمة، فولجوها بغتةً ونهبوها نهبًا ذريعًا، وهتكوا الحرائر والحريم وسحبوا النساء والجواري
والخوندات والستات، وسلبوا ما عليهن من الحلي والجواهر والثياب، وأظهروا الكامن في نفوسهم، ولم يجدوا مانعًا ولا رادعًا، وبعضهم قبض على يد امرأة ليأخذ منها السوار، فلم يتمكّن من نزعها بسرعة، فقطع يد المرأة"!126. ولاحظ دروفتى، القنصل الفرنسي بالقاهرة والمتابع بدقّة لهذه الحوادث، أنّ محمد علي نفسه بات "عرضة للمقت العام"؛ فقد تركت تلك لانتهاكات في نفوس الناس أثرًا مهولا، لأنّ بيوت الحريم لها "حُرمات مقدسة"127. وعقب المذبحة مباشرةً، اتّجه محمد علي باشا إلى مصادرة حصص التزام المماليك، وفي شباط/ فبراير 1814 أصدر أمرًا بإلغاء نظام لالتزام، ولم يبق من أراضي لالتزام سوى بعض جيوب تمّ تصفيتها في فترة متأخّرة128. وهنا تحديدًا وجد حريم المماليك أنفسهن بغير حصص لالتزام؛ فقد صادرها الباشا كذلك. ولم يبق لأرباب لالتزام بصفة عامّة سوى "أطيان الأوسية"، تظلّ بأيديهم طوال حياتهم مع أعفائهم من الضرائب129؛ بحيث تؤمّن هذه المساحات المحدودة تدبير النفقات المعيشية الضرورية لهم. واضطرت النساء الملتزمات (وأكثرهن زوجات العسكر المملوكي) إلى تنظيم تظاهرة احتجاج قوية (25 شباط/ فبراير 1814)؛ فقد "حضروا إلى الجامع الأزهر وصرخوا في وجوه الفقهاء وأبطلوا الدروس وبدّدوا محافظهم وأوراقهم" وأعلنوا عن استمرار التظاهر على هذا المنوال في كل يوم؛ اعتقادًا منهن أنّه بهذه الطريقة يمكن أن يتمّ الإفراج عن حصصهن في لالتزام. بيد أنّ الإدارة المركزية لم تول اهتمامًا بالأمر، فبردت القضية وقضي الأمر130. وعلى ذلك تأثّرت الطبقة الراقية من نساء المماليك، وبالقدر نفسه نساء العائلات الكبيرة الأخرى من طبقة الأعيان، على نحو ما حدث مع "عائلة الهوارة وحريمهم"، كبار أعيان الصعيد الذين جرّدهم إبراهيم باشا من حصصهم عند مسحه للأراضي بالوجه القبلي، ولم يتسنّ للعائلة التي حضرت بحريمها وجواريها إلى القاهرة، فرصة مقابلة الباشا، ولم تتمكن من مراجعته في هذا الصدد، فانقلب حالهم "وصاروا في عداد المزارعين!"131. وهكذا، وجدت الست نفيسة، وغيرها من حريمات الطبقة المملوكية، جزءًا مهمًا من ثرواتهن العقارية ينتقل إلى أملاك الدولة، ما سوف يسهّل عملية "الإحلال الطبقي"132 لفئات جديدة من صنع النظام (الحديث)، أخذت موضعها على قمّة الهرم لاجتماعي. وإذا كنا نجهل مقدار ثروة الست نفيسة وأملاكها، وهو في الغالب بسبب عدم اهتمام محمد علي باشا بتسجيل تركة من تمّت مصادرتهم من الطبقة المملوكية، بكوات ونساءً، وخاصة أولئك الذين لم يعقبوا ذرية قوية133، إلّ أنّنا في وسعنا التأكيد على أنّ محصّلة عملية المصادرة المنتظمة والتدريجية منذ زمن لاحتلال الفرنسي وما تلاها، كانت قد أدّت في سنواتها الأخيرة إلى إفقارها، فانقلبت حياتها رأسًا على عقب؛ ولم يُبق لها محمد علي سوى موارد بسيطة، جعلتها تعيش في حالة مزرية – على حد قول فليكس مانجان - حتّى وافاها أجلها135. بيد أنها، على الرغم من متاعبها وتبدّل أحوالها، فإنها واجهت ظروفها المتغيّة، كما يذكر المراقبون، بصبر وقوّة عزيمة، ولم تفارقها مروءتها ولم تتراجع عن مساندة الفقراء، ولم تقطع المساعدات التي كانت في أيّام عزّها قد خصّصتها لعدد من الأسر من أهالي البلاد الأصليين136.
وفي خطّ متواز تقريبًا مع هذه التطوّرات، نجد محمد علي يسمح بوجود علاقة محدودة ومستمرة بصورة أو بأخرى، بين نخبة الحريم المملوكي وحريمه الخاص (الحريم العالي)؛ ففي مقابل الصورة التي يظهر فيها محمد علي وهو يجرّدهن من أهم حصيلة عقارية، كان يسمح بوجود اتص لات وتداخل مع حريم قصره الخاصّ. وكانت تلك لاتص لات تظهر في المناسبات و لاحتف لات الخاصّة؛ فلدى عقد قران ابنة الباشا على الدفتردار (أيلول/ سبتمبر 1814)، توافدت نساء البكوات على "أمينة قادين هانم" زوجة محمد علي باشا، يقدّمن لها "النقوط والتقادم والهدايا" ويشاركنها طقوس لاحتفال الكبير بزفاف ابنتها. وهنا يلفت الجبرتي نظرنا إلى أنّ تعدّد مثل هذه المناسبات كان يتسبّب في حرج نساء المماليك، فما يقدّمنه من المجوهرات وأغلى الحلي المذهّب والمقصبات مرتفعة الثمن كان يُجهدهن، بل ويُوقعهن في الدين؛ إذ لم تكن زوجة الباشا لتقبل هديّةً متواضعةً، وكانت تردّ مثل تلك الهدايا قائلة "هذا مقام فلانة التي كانت بنت أمير مصر أو زوجته" فتضطرّ "المسكينة" إلى تقديم هدية أكثر قيمة وكلفة "مع ما يلحقها من كسر الخاطر وانكساف البال"137. لقد باتت نخبة الحريم المملوكي متقطعة الأنفاس، والجبرتي يصفهم ب "المنكوبين "138 وطفقوا غير قادرين على مسايرة حريم الباشا في مظاهر الإنفاق الترفي المعبّ عن المكانة والوجاهة لاجتماعية، وهو أحد مؤشّات الضّعف النسبي الذي ألمّ بهذه الطبقة التي باتت مهيضة الجناح.
وفاة نفيسة: نهاية مرحلة
قصيرة هي حياة المملوك - الجارية، مهما طالت، ومهما نالت من شهرة، إذ سرعان ما تطويها دائرة النسيان، وقلّة قليلة منهن مَن حظيت ب لاحترام والتقدير، ونالت لاعتراف الجماعي بطيب ذكراها، والتأسي على رحيلها؛ فإذا كان رحيل الأمير مراد بك، على سبيل المثال، لم يخلّف في الذاكرة التدوينية عند مراقب مثل الجبرتي سوى كلمات ونعوت تصفه بالجبروت والتهوّر والطغيان والإدّعاء والغرور والكبر والخيلاء والصّلف والظلم والجور139 وهو حال الكثيرين من أمثاله، فإن الست نفيسة مثّلت، على النقيض من ذلك، اتجاهًا آخر، ولو أنّ نماذجه جدّ قليلة؛ فقد طفق الجبرتي يصفها "بنفيسة الشهيرة الذكر بالخير[...] من الخيِّات ولها على الفقراء برّ وإحسان"289. إنّ هذا التناقض يجد انعكاسه في أثر رحيل كلّ منهما، فمراد بك انحسرت دائرة الحزن بين رفقائه وأتباعه من عسكر المماليك، والمعلم نقولا الترك يكتب بدقّة "مات في الصعيد الأمير مراد بيك، وكان حزنًا عظيمًا عند الغز المصريين، لأنّه طفي سراج زمرة المماليك الشجعين"، في حين كان وقع الإعلان عن خبر وفاة نفيسة محسوسًا وملموسًا اجتماعيًا على مستوى مدينة القاهرة (18 نيسان/ أبريل 1816)؛ فقد اهتز وجدان الأهالي، وبدت القاهرة وكأنّها تزيّت بوشاح أسود. لقد عرفت نفيسة كيف تتواصل معهم، وكيف تترك أثرًا دائمًا في الذاكرة الجماعية، فلاقت استحسانهم وارتبطوا همّ بها، وكانوا ملتفيّن حولها، وقاسموها أفراحها وأتراحها، وخاصةً في السنوات الأخيرة التي تكالبت عليها الهموم والأحزان المفجعة مع مرض مؤلم، استمر لديها زمنًا طويلا مقترنًا بالتطوّرات المؤسفة التي مرّت بها. على أنّ نهاية نفيسة في التحليل الأخير، تظلّ مؤشًّا على نهاية طبقة المماليك سياسيًا، وتغيّ موقعهم في السلم لاجتماعي، كما شهدت الفترة نفسها تضاؤل أعدادهم، وخاصّةً مع إعادة هيكلة البقية الباقية منهم في سياق احتياجات النظام المركزي الحديث الذي جعلهم مرتبطين بمؤسساته ومشروعاته لانتاجية.
خاتمة
تكشف دراسة الست نفيسة عن خبرة امرأة من صفوة النخبة المملوكية، واجهت عبر رحلتها الطويلة تحديّات عدة وعلى مستويات مختلفة: لاغتراب القسري ثم لاندماج داخل نسيج طبقة اجتماعية هجين، متعددة المشارب والثقافات، مرورًا بتحدي لاحتفاظ بالهيبة والمكانة لاجتماعية في مجتمع السلطة المملوكية الذي لم يعرف لاستقرار، ثم أخيرًا تحدي المصير في سياق التحوّل لاجتماعي والسياسي الذي شهدته مصر، خلال مرحلة لانتقال إلى النظام المركزي لمحمد علي باشا الذي أعاد هيكلة النظام الطبقي وفقًا لمقتضيات عملية التحديث. ومن هنا تُحيلنا دراسة الست نفيسة على فهم ما فعلته الدولة الحديثة بالنخبة التقليدية التي لم يعد لها ما يبرّر جدوى استمراريتها داخل وحدة النسيج لاجتماعي لمصر في القرن التاسع عشر. وتقدّم سيرة الست نفيسة صفحة من التاريخ لاجتماعي للجواري اللاتي جُلِبن إلى مصر، واندمجن في نسيجها لاجتماعي، وتشرّبن من ثقافتها، وتفاعلن مع تراثها لاجتماعي والسياسي، في مرحلة شديدة الأهمية: مرحلة المخاض والتحوّل، التي قطعها المجتمع المصري بجميع شرائحه وفئاته، بين آخر القرن الثامن عشر وأوّل القرن التاسع عشر. وتثير سيرتها المزيد من التساؤلات حول الهوية المشتركة لنساء الطبقة الراقية، والتي جاءت جُلَّ أصولهن من الجواري الجورجيات، وإلى أي حدّ يمكن الكشف عن تعدّد في لاتجاهات وتنوّع في الأدوار، وأخيرًا مدى إمكان كتابة تاريخ متماسك، خاصّ بهذه المجموعة لاجتماعية ككلّ، خارج نطاق التاريخ السياسي أو الصراعي التقليدى، والكيفية التي يتمّ بها دمج تاريخ هذه المجموعة في سياق واسع يسمح باختبار مدى انعكاس الحوادث والتطوّرات الكبرى على حياة الأفراد وتجاربهم الخاصة قبيل هبوب رياح التغيير وولوج المجتمع المصري عصر التحديث.
قائمة المصادر والمراجع
الوثائق
أرشيف المكتبة المركزية بجامعة القاهرة: مراسلات الأمير مراد بك إلى الجنرال دونزيلوه، (عدد المراسلات 73 رسالة) تغطي عام 1800.
أرشيف المكتبة المركزية بجامعة القاهرة: مجموعة وثائق الحملة الفرنسية، محفظة رقم 1، ملف رقم 11 / محفظة رقم 118، ملف رقم IV.
مختارات من وثائق الحملة الفرنسية 1798 – 1801، باتسي جمال وأميرة محمود (مترجم)، مديحة دوس (مشرف، مراجع)، القاهرة: دار الوثائق القومية، 2003.
المراجع العربية
دريو، إدوارد (جمع ونشر)، محمد علي ونابوليون (1807 – 1814)، مراسلات قناصل فرنسا في مصر، ناصر أحمد إبراهيم (مترجم)، الإصدار رقم 1258. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2008.
ابن عبد الغني، أحمد شلبي. أوضح الإشارات فيمن تولى مصر القاهرة من الوزراء والباشات، عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم (محقق). القاهرة: مطبعة جامعة عين شمس، 1978.
أنيس، محمد أنيس. انجلترا وطريق السويس في القرن الثامن عشر، عبد الوهاب بكر (مترجم). القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2009.
ايجيبسيين، لا ديكاد. صحف بونابرت في مصر 1798 - 1801، صلاح البستاني (مترجم). القاهرة: دار العرب للبستاني، 1971.
بركات، علي. تطوّر الملكية الزراعية في مصر 1813 – 1914، وأثره على الحركة السياسية. القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 1977.
بك. أ. ب، كلوت. لمحة عامة إلى مصر، محمد مسعود (مترجم). القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2011.
الترك، نقولا. ذكر تملك جمهور الفرنساوية الأقطار المصرية والبلاد الشامية. بيروت: دار الفارابي، 1990.
الجبرتي، عبد الرحمن. تاريخ مدة الفرنسيس بمصر (محرم 1213 - رجب 1213 / يونيه إلى ديسمبر 1798)، موريه (محقق وناشر ومترجم). ليدن: بريل، 1975.
حاكم، محمد حاكم. أيام محمد علي: التمايز الاجتماعي وتوزيع فرص الحياة. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2007.
الخشاب، إسماعيل. أخبار أهل القرن الثاني عشر، عبد العزيز جمال الدين وعماد أبو غازي (محقق). القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، 1990.
. التاريخ المسلسل في أحداث الزمان ووقايع الديوان (1800-1801)، محمد عفيفي وأندريه ريمون (محقق). القاهرة: المعهد العلمي الفرنسي للأثار الشرقية، 2003.
. خلاصة ما يراد من أخبار الأمير مراد، حمزه عبد العزيز بدر ودانيال كريسليوس (محقق، ومعلق). القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، 1992.
ريمون، أندريه. فصول من التاريخ الاجتماعي للقاهرة العثمانية، زهير الشايب (مترجم). القاهرة: مكتبة مدبولي، تموز/ يوليو 1974.
المدن العربية الكبرى في العصر العثماني، لطيف فرج (مترجم). القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، 1991.
السربوني، محمد صبري. تاريخ مصر من محمد علي إلى العصر الحديث. القاهرة: مطبعة مصر، 1930.
سنبل، أميرة الزهري (محرر). النساء والأسرة وقوانين الطلاق في التاريخ الإسلامي، آمال مظهر وآخرون (مترجم)، الطبعة العربية رؤوف عباس (مراجع، وتقديم). القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1999.
السيد، عفاف لطفي. مصر في عهد محمد علي، عبد السميع عمر (مترجم)، العدد 544. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2004.
الشرقاوي، محمود. مصر في القرن الثامن عشر، دراسات في تاريخ الجبرتي، الإصدار رقم 123. القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2010. مخلوف، ماجدة صلاح. الحريم في القصر العثماني. القاهرة: دار الآفاق العربية، 1998.
المراجع الأجنبية
• Anderson, Aeneas. A Journal of the forces which sailed from the Downs in April 18 00 , on a secret expedition under the
command of Picot, London, 1 802.
• A.S, Cherel. Relation d’ un entretien avec Mourad-Bey , [2 p. in-fol],
دار الكتب والوثائق القومية، محافظ الحملة الفرنسية، محفظة رقم 1، ملف رقم 11، وثيقة رقم.6
• Bonaparte, Napoléon. Campagnes d’Égypte et de Syrie , présentation par Henry Laurens. Paris: Imprimerie Nationale, 1998.
• Brégeon, Jean – Joël. L'Égypte française au jour le jour 17 98 – 1801. Paris: Perrin 1 991.
• Champollion-Figeac, M. Fourier et Napoléon: L' Egypte et les cent jours, Mémoire et documents inédits , Paris: Firmin
Didot Frères, 1 844.
• Correspondance de Napoléon Ier , publiée par ordre de l’empéreur Napoléon III.Paris: H. Plon, J. Dumaine, 1 858 – 70.
• De la Jonquière, C. l’expédition d’Égypte, 1 798-1801 , Vol. II.Paris, Éditions historiques Teissèdre, 18 99-1907.
• Driault, Édouard. La formation de l'empire de Mohamed Ali, de l' Arabie au Soudan (1814-1823), correspondence des Consuls
de France en Égypt, Le Caire: Institut français d'archéologie orientale, 19 27.
• Fay, Mary Ann. “Women and Waqf: Towards a Reconsideration of Women's place in the Mamluk Household,” International
Journal of Middle East Studies , vol. 29 ,February, 1 997.
• Fleischmann, Hector. Roustam Mameluck de Napoléon, d’après des memoires et des documents inédits ,Paris: Albert
Méricant, 1 910.
• Ghorbal, Shafik. The Beginnings of the Egyptian Question and the Rise of Mehemet Ali. London: Routledge, 19 28.
• Kléber en Egypte, 1 798 – 1800 , présentation et notes par Henry Laurens, Vol. IV (Paris: IFAO, 19 88) Kléber en Egypte,
17 98 – 1800 , 4 vols. présentation et notes par Henry Laurens, (IFAO), 1988.
• Levi, Giovanni. “Les usages de la biographie”, in Annales, Économies, Sociétés, Civilisations , Année. 4 4 , no. 6 ,novembre-
décembre 1 989.
• M. François, Rousseau. Kléber et Menou en Égypte depuis le départ de Bonaparte (août 1 799 – septembre 18 01).Paris: A.
Picard, 1900.
• Mémoires inedits de Roustam, mameluck de Napoléon 1er,” Revue rétrospective , recueil de pieces intéressantes et de
citations curieuses, 8eme semestre,janvier – juin 18 88 ,Paris, 1 888.
• Mengin, Félix. Histoire de L' Égypte, sous le gouvernement de Mohammed Aly , Vol. II.Paris: A. Bertrand, 1 823.
• Reybaud, Louis et al. (eds.). Histoire Scientifique et Militaire de L'Expédition Française en Égypte , Paris: Dénain, 18 30 et 18 36.
• Thibaudeau, A.C. Histoire de la campagne d'Egypte , Vol. I.Paris: impr.de Mme Huzard, 1 820 - 28.
• Walsh, Thomas. Journal of the late campaign in Egypt.London: T. Cadell and W. Davies, 18 03.
• Vincennes, B 6 21 , B 6 42.
• Wilson, Robert Thomas. History of the British expedition to Egypt.London: C. Roworth, 1802.