حادثة حلب عام 1850: دراسة في أنماط العنف ودوافعه داخل المدينة العربية أثناء الفترة الباكرة للتنظيمات العثمانية
The Aleppo incidents of 1850: a study in the form and impetus of urban violence during the early Ottoman tanzimat
الملخّص
في خريف عام 1850 قررت الدولة العثمانية أن تنفذ إصلاحات إدارية أعلنتها في خط "غولخانه" في 1839. كانت حلب مجال اختبار اثنين من أشدّها كراهة في بلاد الشام: فرض ضريبة "الفرده"، وإجراء قرعة تجنيد أبناء المدينة والريف. تزامنت هذه الإجراءات مع تنامي الدور الاقتصادي الأوروبي، وصعود طبقة رجال الأعمال الكاثوليك في المدينة. أخذ الاحتجاج الذي قاده أبناء الضاحية الشرقية ضد تلك الإجراءات بعداً دينياً، أول مرة في تاريخ المدينة. فقد أغارت الجموع على الأحياء ذات الأغلبية المسيحية، ونهبت ممتلكاتها وحطمتها، وأحرقت بعض الكنائس، وأوقعت القتلى. لم يسيطر العثمانيون على المدينة إلاّ بوصول تعزيزات ضخمة، دمّرت بها الأحياء الثائرة. لا تنكر هذه الدراسة الطابع الطائفي لهذه الحادثة ظاهريًا، ولكنها تنتقد تفسير هذه الحوادث ب "العداء المستحكم" بين المسلمين والمسيحيين، وتقدّم عرضًا لتاريخ الجماعة المسيحية وتفاعلها في الفترة العثمانية. كما ترفض عزل هذه الحادثة تأريخيا عن الاضطرابات التي عرفتها حلب منذ 1770، كونها قد اصطبغت بلونٍ ديني فحسب، وتنبّه إلى أنماط الاستمرارية والانقطاع في الاحتجاج وممارسة العنف في المدينة.
Abstract
In the autumn 1850, the Ottoman state decided to advance its administrative reforms, originally proclaimed in the 1839 Gülhane edict. Aleppo was at that time one of the places in Bilad ash-Sham (Greater Syria) where two of the most unpopular measures were undertaken: The ferde (poll tax) was introduced and military conscription was imposed on the subjects in order to recruit men from the city and the surrounding countryside for service in the new Ottoman army. These measures coincided with growing European economic interest in Aleppo and the rise of a class of Catholic entrepreneurs financially connected to the city’s European traders. The protests against the Ottoman reform measures, led by inhabitants of the eastern suburbs, were unprecedented for being viewed as confessionally motivated. Angry masses rose and attacked the quarters inhabited by a majority of Christians, with insurgents plundering and destroying possessions in those quarters, burning down a number of churches and killing some individuals. The Ottoman state was only able to restore order when reinforcements arrived, troops armed with new cannons, which were able to subdue the insurgents’ quarters. Going beyond this incident's sectarian sheen, this paper argues against the presumption of a deep-seated animosity between Muslims and Christians. Instead, an outline of the history of the Christian community and the Christians’ economic and political interactions in the city during the long Ottoman period is provided. Furthermore, the 1850 incident is not isolated historically from episodes of protest and unrest that occurred in Aleppo beginning in the 1770s – the only epoch during which violence took on a religious/sectarian hue—and the paper will remedy this by illustrating in detail the patterns of continuity and discontinuity in the tradition of protest and violence in the city.
- حلب
- الدولة العثمانية
- التنظيمات العثمانية
- الطائفية
- ضريبة الفردة
- Aleppo
- Ottoman Empire
- Ottoman tanzimat
- Sectarianism
- Poll tax
| فراس كريمستي| Krimsti Feras * | |||
|---|---|---|---|
| فراس كريمستي | Krimsti Feras | في خريف عام 1850 قررت الدولة العثمنية أن تنفذ إصلاحات إدارية أعلنتها في خط "غولخانه" في 1839.كانت حلب مجال اختبار اثنين من أشدّها كراهة في بلاد الشام: فرض ضريبة "الفرده"، وإجراء قرعة تجنيد أبناء المدينة والريف.تزامنت هذه الإجراءات مع تنامي الدور الاقتصادي الأوروبي، وصعود طبقة رجال الأعمل الكاثوليك في المدينة. أخذ الاحتجاج الذي قاده أبناء الضاحية الشرقية ضد تلك الإجراءات بعدًا دينيًا، أول مرة في تاريخ المدينة. فقد أغارت الجموع على الأحياء ذات الأغلبية المسيحية، ونهبت ممتلكاتها وحطمتها، وأحرقت بعض الكنائس، وأوقعت القتلى. لم يسيطر العثمنيون على المدينة إلاّ بوصول تعزيزات ضخمة، دمّرت بها الأحياء الثائرة. لا تنكر هذه الدراسة الطابع الطائفي لهذه الحادثة ظاهريًا، ولكنها تنتقد تفسر هذه الحوادث ب "العداء المستحكم" بين المسلمين والمسيحيين، وتقدّم عرضًا لتاريخ الجمعة المسيحية وتفاعلها في الفترة العثمنية. كم ترفض عزل هذه الحادثة تأريخيًا عن الاضطرابات التي عرفتها حلب منذ 1770، كونها قد اصطبغت بلونٍ ديني فحسب، وتنبّه إلى أنماط الاستمرارية والانقطاع في الاحتجاج وممرسة العنف في المدينة. In the autumn 1850 , the Ottoman state decided to advance its administrative reforms, originally proclaimed in the 1839 Gülhane edict. Aleppo was at that time one of the places in Bilad ash-Sham (Greater Syria) where two of the most unpopular measures were undertaken: The ferde (poll tax) was introduced and military conscription was imposed on the subjects in order to recruit men from the city and the surrounding countryside for service in the new Ottoman army. These measures coincided with growing European economic interest in Aleppo and the rise of a class of Catholic entrepreneurs financially connected to the city’s European traders. The protests against the Ottoman reform measures, led by inhabitants of the eastern suburbs, were unprecedented for being viewed as confessionally motivated. Angry masses rose and attacked the quarters inhabited by a majority of Christians, with insurgents plundering and destroying possessions in those quarters, burning down a number of churches and killing some individuals. The Ottoman state was only able to restore order when reinforcements arrived, troops armed with new cannons, which were able to subdue the insurgents’ quarters. Going beyond this incident's sectarian sheen, this paper argues against the presumption of a deep-seated animosity between Muslims and Christians. Instead, an outline of the history of the Christian community and the Christians’ economic and political interactions in the city during the long Ottoman period is provided. Furthermore, the 1850 incident is not isolated historically from episodes of protest and unrest that occurred in Aleppo beginning in the 1770 s – the only epoch during which violence took on a religious/sectarian hue—and the paper will remedy this by illustrating حادثة حلب عام 1850: دراسة في أنماط العنف ودوافعه داخل المدينة العربية أثناء الفترة الباكرة للتنظيمت العثمنية The Aleppo incidents of 1850: a study in the form and impetus of urban violence during the early Ottoman tanzimat فراس كريمستي | Krimsti Feras | ||
| حادثة حلب عام 1850: دراسة في أنماط العنف ودوافعه داخل المدينة العربية أثناء الفترة الباكرة للتنظيمت العثمنية The Aleppo incidents of 1850: a study in the form and impetus of urban violence during the early Ottoman tanzimat | |||
| in detail the patterns of continuity and discontinuity in the tradition of protest and violence in the city. | |||
مقدمة
نعني بالفترة الباكرة للتنظيمات العثمانية الفترة الممتدَّة بين إعلان خط غولخانة عام 1839 وإصدار خط همايون عام 1856. وتُنسب إلى التحديث العثماني في القرن التاسع عشر مسؤوليةُ خلخلة النظام الاجتماعي التقليدي وخلْق فضاء للتوتر الديني في المدن العربية في بلاد الشام. وقد أخذ هذا التوتر شكل سلسلة من أعمال العنف "الطائفي" في منتصف القرن؛ إذ هاجم مسلمون غاضبون في كلّ من حلب، ونابلس، والموصل، وجدة، وجبل لبنان، ودمشق، سكانَ الأحياء المسيحية، والجوالي الأوروبية في هذه المدن، وعمدوا إلى قتْل أعداد كثيرة منهم، ونهْب ممتلكاتهم وتحطيمها. فوضعت هذه الحوادث - إلى جانب مآسي الأناضول التي رافقت أفول الإمبراطورية العثمانية - خبرة التعايش السلمي في العالم العثماني على المحكّ، وبدت العلاقات التي كانت بين المسلمين والمسيحيين في الحواضر العربية خلال الفترة العثمانية الطويلة استبطانًا للعنف أو كبْتًا له. أمَّا الدراسات اليوم، فغالبًا ما يُتغافل فيها عن أنّ التحديث لم يأتِ بالعنف إلى المدن العربية - العثمانية، وأنّ للعنف ولكل أشكال الاحتجاج الأخرى تاريخًا طويلً في المدن العثمانية؛ إذ خبَر سكان هذه المدن العنف، ودوَّن كُتاب الحوادث واليوميات أخباره في دفاترهم وتناقلوا حوادثه عبر أجيال عديدة. وهكذا لم تكن حوادث منتصف القرن فريدةً أو خارج أيّ تقليد اجتماعي احتجاجي، ولا يمكن للبحث الموضوعي أن يتناولها منعزلةً بسبب اتسامها ببعدٍ دينيٍّ. قدَّم المستشرق الإسرائيلي "موشيه معوز Moshe Maʿoz " عام 1968 محاولةً تحقيبيَّةً وتحليليةً أولى لبعض هذه الحوادث، ضمن دراسة عن الإصلاحات العثمانية في سورية في الفترة 1840 - 18611، وربط التنظيمات العثمانية بالعنف الطائفي في مدن بلاد الشام، الأمر الذي أصبح في حدِّ ذاته مقبولً عند جمهور المؤرخين. لكنّه يميل في معظم دراسته إلى الاحتجاج بوجود عِداءٍ قديمٍ بين المسلمين والمسيحيين، وإلى أنّ التنظيمات "ساهمت في جعل الأمور أسوأ ممّا كانت عليه"2، و"حوَّلت المواقف التقليدية الإسلامية من أهل الذمة القائمة على الاحتقار والإذلال إلى كراهية عميقة للمسيحيين"3، ومن ثمَّة لم تكن حوادث 1850 سوى "انفجار للتعصب الإسلامي"4. من جهة أخرى، ساهمت الأبحاث المتراكمة المتعلِّقة بمدن الدولة العثمانية منذ سبعينيات القرن العشرين في تجاوز هذه النظرة التبسيطية. فظهرت دراسات غربية وعربية وتركية تستخدم مصادر متنوعةً تنوُّعَ الحياة واللغات في الإمبراطورية العثمانية. وحظيَ القرن التاسع عشر بالحصة الوافرة من هذه الدراسات التي تركَّزت في تنامي النفوذ الأوروبي، والتحديث العثماني، والاضطرابات في الأرياف والمدن5. وجرى التعامل مع حوادث
العنف كلًّ على حدة؛ بسبب التفاوت والاختلاف بينها وتباين السياقات التي أنتجتها. وتبرز في هذا السياق الأعمال المتعلِّقة بحوادث جبل لبنان لأسامة مقدسي6، ومساهمة ليندا شيلشر Linda Schilcher المهمة بشأن مدينة دمشق ومجزرة عام 18607. أمّا بالنسبة إلى حادثة حلب، موضوع هذا البحث، فقد جادل بروس ماسترز Bruce Masters مجادلةً قيِّمةً مدارها على اندماج الإمبراطورية العثمانية في الاقتصاد العالمي، وتأثير هذا الاندماج في صناعة النسيج بحلب، والمشكلة الاقتصادية والاجتماعية التي تسببت بها البضائع الرخيصة المستوردة من المصانع الإنكليزية في المدينة، وتساءل إنْ لم يكن عمال ورشات النسيج في الضاحية الشرقية للمدينة، وهم الذين قادوا التمرد في حلب، من أكبر المتضررين من هذا التحوُّل الاقتصادي. كما بيَّ ماسترز أنّ اقتصاد الدولة العثمانية التابع للاقتصاد الأوروبي قوَّض الاستقرار السياسي بخلق منافسة بين المجموعات التي كانت تعاونت سابقًا في تحالفات ضعيفة8. وبحث هيدميتسو كوروكي Hidemitsu Kuroki في مسؤولية زعيم الانكشاريِيّن ومسؤول الالتزام السابق في المدينة عبد الله البابنسي عن هذه الحوادث، وهو الذي استعان به إبراهيم باشا المصري في حلب لضبط الأمن في المدينة أثناء الحقبة المصرية القصيرة في سورية، وأبقته ملتزمَ جمعِ الضرائب في حلب عندما عادت الجيوش العثمانية إلى سورية. ويمثِّل البابنسي، المتهم بالمسؤولية عن حوادث حلب، مأزق التنظيمات العثمانية في هذه المرحلة مع رجال "النظام القديم". ويعرض كوروكي الطريقة التي حاولت الدولة من خلالها إلغاء الالتزام، إضافةً إلى ملاحقتها للبابنسي بسبب مستحقات ضريبية دفعته إلى تعريض الأمن في المدينة للخطر؛ وذلك على النحو الذي سيأتي لاحقًا9. وفي هذا السياق نشير إلى أنّ أرنود فروليك Arnoud Vrolijk قد نشَ مراسلات لقناصل أوروبيين متعلّقة بهذه الحادثة10. وتنحصر المساهمة التي نُقدمها في هذه الورقة عن حادثة حلب، عام 1850، في وضع هذه الحوادث ضمن سياق تاريخي طويل يركِّز في ظاهرة العنف نفسها في المدينة بوجهٍعامٍّ، ولا يركِّز فقط على سياق العنف الطائفي الذي هزَّ المشرق العربي في منتصف القرن التاسع عشر. لقد درس هيربرت بودمان Bodman. Herbert L في كتاب رائد، صدر عام 1966، الفصائل السياسية في المدينة منذ منتصف القرن الثامن عشر، وقدَّم عرضًا مفصلً لأبرز الصدامات والاحتجاجات في المدينة11. لكن من دون معرفة سبب استثناء بودمان حادثة حلب (عام 1850) من هذا العرض؛ لأنّ كتابه يتوقف عند ثلاثينيات القرن التاسع عشر. فهل نظر إلى حادثة 1850 على أنها أتت خارج السياق الذي قدَّمه في عمله12؟ على الرغم من تجلِّ الطابع الاجتماعي للاحتجاج على امتداد عقود طويلة سبقت حادثة 1850، فإنّ معوز لم يأخذ به، واكتفى بالإشارة العرَضية إلى وجود عداء بين الأشراف والانكشاريِيّن، ولم يرَ من العنف في حلب إلا جانبه السطحي؛ فهو إمّا صراع بين الفصائل المختلفة (من الأشراف والانكشاريين)، أو صراع ديني بدائي بين المسلمين والمسيحيين.
إنّ كلً من معوز وبودمان، إذن، قد اقترحًا - من حيث دريَا أو لم يدريَا - تحقيبًا معيّنًا للعنف والصراع في المدينة. ويقتضي هذا التحقيب قطيعة عند نقطة واضحة، تفصل الزمن الحديث عن الزمن ما قبل الحديث. وهذه القطيعة هي حملة إبراهيم باشا على سورية عام 1831، أو خط غولخانة عام 1839. ويهدف استعراض الحوادث التي سبقت قومة13 عام 1850، في هذه الورقة، إلى لفْت الانتباه إلى المغزى السياسي والاجتماعي للصراعات والحركات داخل المدينة العربية العثمانية. كما أنّ هذا العرض لا يستخدم إطار الفصائل السياسية من أشراف وانكشاريين لشرح هذه الحوادث. فعوضًا من ذلك سنحاول التركيز على الطابع الاحتجاجي والاقتصادي، وعلى أنّ العامة في حلب لم تعدم القوة والحيلة لفرض بعض المطالب والحاجات، وأنّها أظهرت قدرةً لافتةً على تحدي ممثِلّي السلطة العثمانية في المدينة. في هذا السِّياق، لم يكن العنف مجانيًّا، أو خاليًا من أيّ معنىًاجتماعي. وإنّ إلقاء نظرة "من الأسفل"14 على مجتمع المدينة في حلب لم يكن ممكنًا لولا وجود عدد من كُتَّاب الحوادث واليوميات الحلبيين من العامة. ولدينا اليوم، بشأن بعض الاضطرابات التي عرفتها المدينة منذ الربع الأخير من القرن الثامن عشر، مفكرات (أو دفاتر خاصة) لأربعة من الحلبيين المعاصرين. وهي تغطِّي - مع بعض الانقطاعات - الفترة الممتدة من سبعينيات القرن الثامن عشر حتى سبعينيات القرن التاسع عشر15. وتبدأ هذه الورقة بفحص مزاعم معوز المتعلّقة بالعداء بين المسلمين والمسيحيين؛ وذلك من خلال إلقاء نظرة سريعة على الحضور المسيحي في حلب العثمانية. وتُقدِّم سردًا كرونولوجيًّا مفصلً ل مَا حدث في حلب خريف عام 1850، مثلما عكست الوثائق ذلك. ثمّ تبُرز المضمون الاجتماعي والاقتصادي لحركات الاحتجاج وأعمال العنف في حلب كما تجلّت في الانتفاضات الرئيسة في المدينة، بدءًا من الربع الأخير من القرن الثامن عشر. ولا يهدف هذا العرض إلى إنكار الطابع "الديني" للحوادث بل يحاول أن يضعها في سياقها التاريخي من دون السقوط في التعميمات البسيطة بشأن "المسلمين" الذين يهاجمون "المسيحيين".
حلب: الحاضرة العثمنية والجمعة الإسلامية المزدهرة
تقول الحكاية التي يتداولها الحلبيون حتى اليوم إنّ السلطان العثماني سليم الأول بعد فتحه حلب عام 151616، أحضر أربعين عائلةً مسيحيةً إلى المدينة، وأسكنها محلّةً من محالِّ الضاحية الشمالية التي يُعرف القسم الغربي منها باسم الجديدة؛ من أجل الاستفادة من خبرات المسيحيين في التعامل مع الأوروبيين، وتنشيط التجارة الدولية في المدينة. وصارت المحلة تُسمَّى "زقاق الأربعين"17.
وبغضِّ النظر عن الطابع الأسطوري لتلك الحكاية، يوجد جانبان منها يمكن للمؤرخ تعرُّفهما في حلب العثمانية. أمَّا الجانب الأول، فهو أن شهرة حلب وازدهارها، بوصفها إحدى الحواضر العثمانية، كانت قائمةً على التجارة وعلى موقعها التجاري المتوسط بين العالم الهندو - فارسي في الشرق وعالم البحر الأبيض المتوسط في الغرب، وأنّ المسيحيين أدَّوا دورًا تجاريًّا مُهمًّا في هذا الجانب؛ وسطاءَ، ومترجمين، ووكلاءَ، للعديد من أُسر الأعيان في المدينة18. وأمَّا الجانب الآخر، فهو أنّ المدينة عرفت هجرةً مسيحيةً كبيرةً إليها في العقود التي تلَت الفتح العثماني، خصوصًا من موارنة جبل لبنان، وأرثوذكس سورية الداخلية، وأرمن سهل كيليكا والأناضول. وقد أشار أندريه ريمون André Raymond الذي درس التوسع الجغرافي للمسيحيين في المدينة، بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، إلى الطابع الاستثنائي لازدهار الطوائف المسيحية في حلب. فالإحصاء الأول للمدينة عام 1537 يُشير إلى 161 وحدةً عائليةً مسيحية (4. 5 % من سكان حلب)، في حين بلغ عدد المسيحيين في نهاية القرن التاسع عشر نحو عشرين ألفًا (20 % من سكان حلب). وبحسب ريمون، فإنّ أهمّ ظاهرة ديموغرافية تخصُّ المسيحيين في حلب هي تراجع أقوى طائفة اجتماعيًّا وسياسيًّا، مقارنةً بالطائفة "المحمية" التي تشكل أقلية19. فالوحدات العائلية الصغيرة، التي كانت تقطن الجزء الغربي من الضاحية الشمالية مطلعَ الفترة العثمانية، تمدَّدت بالتدريج في اتجاه الشرق، وحلَّت مكان السكان المسلمين. وأدَّى الانسحاب الجزئي للمسلمين من هذا القسم الذي ينتمي إلى الضاحية الغربية إلى نشوء تجانس كبير وواضح لمصلحة المسيحيين في القسم الغربي من الضاحية المعروف باسم "الجديدة"، وإلى قيام أحياء مختلطة ومتجاورة في المناطق والأحياء التي تقهقر منها المسلمون. وفي هذه المناطق المختلطة تحديدًا، دافع السكان المسلمون عن جيرانهم المسيحيِيّن أثناء حوادث 1850. في حين نُهِبَ حيّ الصليبة الذي يقع في أقصى غرب الضاحية الشمالية، والذي يقتصر سكانه اقتصارًا تامًّا على المسيحيين. ظهرت الفوارق الدينية في الإمبراطورية العثمانية على نحوٍ واضح. وعلى غرار جميع الإمبراطوريات القديمة، لم يتَّسع الخيال السياسي لمفاهيم مثل المواطنة، أو الدستور، أو المساواة. فقد كانت الفوارق الاجتماعية والدينية أمرًا مُسلَّمًا به، وكان الحفاظ على التراتبية والامتيازات في منْح الألقاب، والمعاملات الضريبية، وقواعد اللباس، والسلوك، من بين المسائل التي لا تخضع لأيِّ نقاش؛ فلم تدفع تلك الفوارق إلى الشعور بالحاجة إلى أيِّ تغيير20. حدثت الصعوبات التي واجهت المسيحيين، طَوال القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع، بسبب انقساماتهم الداخلية أكثر من أيِّ شيء آخر21. فقد عَمِلت البعثات التبشيرية الكاثوليكية22 المرافقة للجوالي الأوروبية التجارية المقيمة في المدينة على جذب أبناء الكنائس الأرثوذكسية إلى العقيدة الكاثوليكية، وعلى تشجيعهم على إعلان ولائهم للبابا في روما. ووجد عدد كثير من المتحولين إلى الكاثوليكية أنفسهم جزءًا من شبكة علاقات مع القناصل والتجار الأوروبيين الذين ضمنوا للملتحقين بهم امتيازات تجاريةً وحمايةً ضريبيةً واجتماعيةً في مواجهة الدولة العثمانية. وفي عام 1724، وقع انشقاق رسمي بين المسيحيين في سورية، انقسمت بموجبه كلّ كنيسة محلية إلى فرع أرثوذكسي وآخر كاثوليكي23. ولم تتسامح الكنيسة الأرثوذكسية مع ما حصل إطلاقًا، وبقيت مئة عامٍ بعد ذلك تستعين ببطريركيتها اليونانية النافذة في إسطنبول للضغط على المنتقلين
إلى الكاثوليكية في سورية. ونجحت بالفعل، أكثر من مرَّة، في إبعاد الإكليروس الكاثوليكي المحلِّ عن حلب، وإيقاع عدد من الغرامات المالية المؤلمة بأبناء الكنيسة الكاثوليكية عبْ استصدار فرمانات من السلطان العثماني، أو الضغط المباشر على الولاة. ونشأ عن ذلك كلِّه توتُّر وصراع مرير بين الكنيستين أدَّى إلى هجرة أعداد كثيرة من أبناء الطائفة الكاثوليكية إلى مصر ولبنان، خلال فترات مختلفة من القرن الثامن عشر24. وعلى الرغم من ذلك، يبدو أنّ الكاثوليكية عرفت نجاحًا وانتشارًا كبيرين وسط المسيحيين الحلبيين، وأصبح الكاثوليك مع نهاية القرن الثامن عشر يشكِّلون أغلبية المسيحيين. ولم تتدخل السلطات العثمانية قطُّ في هذه الصراعات والنزاعات التي كانت تشمل أحيانًا الخلاف في ملكية بعض الكنائس، ماعدا في الأوقات التي يُطلب إليها ذلك. وفي عام 1818، بلغ النزاع الكاثوليكي - الأرثوذكسي في حلب ذروةً دمويةً. ووصل إلى حلب في آذار/ مارس من هذا العام جراسيموس؛ المطران الجديد لكنيسة الروم الأرثوذكسية في المدينة، ومعه من إسطنبول فرمان وأوامر سلطانية واضحة نصَّت على وجوب خضوع أبناء طائفة الروم في المدينة إلى سلطة البطريرك الأرثوذكسي في إسطنبول وممثله في المدينة؛ أي المطران جراسيموس. كما نصَّت على منْع الزيارات التي كان يقوم بها الكهنة الأوروبيون إلى بيوت الروم الكاثوليك، ومنْع إجراء أيِّ صلوات داخل البيوت الخاصة. احتجَّ الكاثوليك بشدة على هذه الإجراءات وحاولوا، في ما يبدو، الاعتداء على المطران جراسيموس يوم 17 نيسان/ أبريل 1818، أثناء قراءته الجهرية للفرمان السلطاني في دار المطرانية. فما كان منه إلا أنْ توجَّه إلى قاضي المدينة وأخبره بأنّ الكاثوليك يسعون للتمرد والفوضى. وعزَّزت بعض الجموع الكاثوليكية التي تبعت المطران إلى دار المحكمة هذا الانطباع عند القاضي؛ فسارع إلى إعلام الوالي العثماني خورشيد باشا المقيم حينئذٍ في تكية الشيخ "أبو بكر" خارج الأسوار، بحدوث تمرُّد من كاثوليك المدينة. وكانت ردّة فعل خورشيد باشا صاعقةً؛ إذ أمر مباشرةً باعتقال عدد من الكاثوليك الذين كانوا قد تجمعوا عنده حول مبنى التكية للاحتجاج على مضمون الفرمان السلطاني وإعدامهم. فلقيَ أحد عشر كاثوليكيًّا مصرعهم تلك الليلة وهرب المئات من المدينة. لم يكن هذا الأمر آخر فظائع هذا الوالي في حلب كما سنُبيِّ ذلك لاحقًا، ولكنّه كان المرة الأولى التي تتدخل فيها السلطات العثمانية بهذه الدموية في الصراعات الداخلية للجماعة المسيحية. ولم يكن خورشيد باشا ينطلق من خلفية لاهوتية أو دينية في موقفه هذا بقدر ما كان يعمل على تعزيز السلطة المركزية، وضمان نفاذ أوامرها في الولايات، والمحافظة على الهدوء في هذه المدينة المضطربة25. أمَر الوالي العثماني الإكليروس الكاثوليكي بمغادرة حلب، فاختار وجهاء من الطائفة الكاثوليكية المغادرة طوعًا خوفًا من غضب خورشيد باشا. ولكن لم يَرُق أبناءَ المدينة من المسلمين قرارُ إبعاد الإكليروس الكاثوليكي وما تبعه. وجاءت الصعوبات الاقتصادية التي تلت انتفاضة 1819 - 1820 وزلزال 1822 المدمر؛ فدُف ع بالأعيان المسلمين للتدخل عند الدولة العثمانية في هذه المسألة، وقد لجأ أعيان المسلمين وعلماؤهم في أيلول/ سبتمبر عام 1823 إلى المحكمة الشرعية في حلب، وقدَّموا عريضةً إلى القاضي شرحوا فيها فوائد النشاط التجاري لغير المسلمين في المدينة، وبخاصة في قطاع صناعة النسيج وتجارته، وشرحوا كيفية تطور الصراع بين الكاثوليك والأرثوذكس، ولاحظوا أنّ عدد الأُسر الأرثوذكسية لم يكن ليتجاوز الثلاثين أسرةً، في حين كان عدد الأسر الكاثوليكية 1500 أسرة (يتضمن عددهم الموارنة والسريان). ثمّ إنَّهم أضافوا أنّ كارثة 1818 "المشؤومة" قد تسبَّبت برحيل عدد كثير منهم عن المدينة؛ ما أدَّى إلى انخفاض عائدات الضرائب. وطلب وجهاء المسلمين من الدولة العمل على استدعاء الكاثوليك؛ فالكثيرون منهم بارعون في التجارة وسينفعون مدينتهم والمسلمين. وخلصوا إلى أنه على الدولة أن تستدعيَ الإكليروس المطرود، وتسمح للكاثوليك بإجراء شعائرهم بسلام وانفصال عن الأرثوذكس26. ولكن ينبغي ألَّ نسيء، بأيّ حالٍ
من الأحوال، فهْم هذه الإشارة. فقد شارك المسلمون المسيحيين في المنافع الاقتصادية وتراكمت خبرات طويلة، وأ سِّست شبكات تجارية بينهم تتجاوز الحدود الطائفية والعقدية. وجاء عقْد الثلاثينيَّات من القرن التاسع عشر ليحمل وعودًا وآمالً كبيرةً للجماعة المسيحية بوجهٍعامٍّ، والكاثوليكية بوجهٍخاصٍّ، غير أنّ ذلك لم يكن من دون بعض التحديات. أمّا من الناحية الإدارية، فقد تسامحت السلطات العثمانية مع الكنيسة الكاثوليكية، واعترفت بها تمامًا عام 1837 بوصفها واحدةً من الملل العثمانية. وأصدر السلطان محمود الثاني في هذا العام فرمانًا إلى مكسيموس مظلوم، البطريرك الكاثوليكي وابن مدينة حلب، منحه بموجبه صلاحية تنظيم الملكيين الكاثوليك في كلِّ سورية. أمّا انفصال الملة واستقلالها الرسمي، فقد تأخر حتى كانون الثاني/ يناير عام 184827. وقبل ذلك كانت جيوش إبراهيم باشا المصري قد فرضت في سورية، خلال الثلاثينيات، خريطةً جديدةً للعلاقة بين الدولة والسكان. وحابت الحكومة المصرية المسيحيين والجماعة الكاثوليكية محاباةً واضحةً في سورية، وغضَّت النظر تمامًا عن عمليات البناء والترميم للكنائس في حلب، ودمشق، ومدن أخرى28. ورحَّب المسيحيون عمومًا، في مناطق سورية، بإجراءات إبراهيم باشا المصري الدينية والاقتصادية التحررية، وبانفتاحه على الأوروبيين29. وفي الوقت نفسه، وجب على المسلمين المنضوين إلى الحُكم المصري (وهذه هي المرة الأولى) دفعُ ضريبة جديدة مباشرة إلى الحكومة هي "الفردة"30، كما كان عليهم رَدْفُ الجيش المصري بعناصر من أبنائهم بعد أن أدخل إبراهيم باشا إلى سورية التجنيد الإجباري31. وأمّا من الناحية الاقتصادية، فقد أصبحت تجارة الإمبراطورية في هذا العقد أشدّ ارتباطًا بأوروبا، واستطاعت الأقلية المسيحية تحسين موقعها الاقتصادي من خلال اشتغالها بالسمسرة. كما حصل عدد كثير من التجار الكاثوليك في المدينة من السلطات العثمانية على لقب "تجار أوروبا"32. وتمكَّنوا، بموجب هذا الامتياز، من الحصول على معاملة تفضيلية في المسائل التجارية، شبيهة بتلك التي لدى الأوروبيين في الإمبراطورية.
ويعتقد ماسترز أنّ موكب مظلوم قد صدم المسلمين، ويكشف عن صدور أمْرٍ من إسطنبول إلى الوالي في حلب، بعد أسابيع من الحادثة، بجمع كلّ الأسلحة النارية في المدينة، انظر:
قادت هذه التغييرات في الفرص التجارية إلى بروز عدد من رجال الأعمال الكاثوليك الذين تخصصوا بالتجارة مع أوروبا. وكان حيّ الصليبة المركز الاقتصادي والاجتماعي الذي قطنته هذه الطبقة من رجال الأعمال33، إضافةً إلى أنّه الحي الذي يضمُّ الكنائس حتى أنّه أضحى، منذ بداية القرن التاسع عشر، نقطةَ دخولٍ للتأثيرات الثقافية الأوروبية. ويرصد ماسترز Masters في يوميات نعوم بخاش إشارات إلى الرقص، واللباس، والتربية، والمفردات الغربية التي كانت يختبرها المسيحيون بتلهف. ويرى أنّ الأمر تجاوز الاستعراض السطحي للثقافة، ليشمل الولاء السياسي أيضًا34. والطريف، واللافت للانتباه أيضًا، أنّ الأديب والصحافي اللبناني خليل الخوري (1836-1907) عندما أراد أن يسخر من المحاكاة السطحية لبعض القيم والعادات الغربية في روايته وَي. إذن لست بإفرنجي التي نشرها ضمن حلقات في جريدة حديقة الأخبار، اختار هذا الحي خلفيةً لشخوصه وحوادث روايته35.
ماذا جرى يف حلب خريف عام 1850؟ مرسد كرونولوجي للحوادث36
وصلت الأوامر من إسطنبول إلى الوالي مصطفى ظريف باشا، في أيلول/ سبتمبر عام 1850، بفرض ضريبة الفردة على جميع سكان حلب من الذكور البالغين، والبدء بإجراء القرعة العسكرية بين الذكور المسلمين لاختيار بضع مئات من أهالي المدينة والريف للتجنيد في الجيش العثماني الجديد. لكن لم تَرُق هذه الإجراءات الجديدة، بطبيعة الحال، سكانَ المدينة الذين انتظروا حلول فترة عيد الأضحى لكي يتحركوا. وتُجمع المصادر التي بحوزتنا اليوم على أنّ سكان أحياء الضاحية الشرقية37؛ مثل باب النيرب38، وقرلق39، وبنقوسة40، وبقايا الفرقة الانكشارية المحلية، هم الذين تحركوا في الليلة السادسة عشرة من تشرين الأول/ أكتوبر، وطلبوا من "زعيمهم" المتسلم السابق وملتزم الضرائب في حلب عبد الله بك بابنسي العملَ عند الوالي والأعيان على إلغاء الضريبة الجديدة والقرعة العسكرية، واقترحوا عليه الهجوم على الأحياء المسيحية الواقعة إلى الغرب.
تنصَّل البابنسي من الحشود المتجمعة أمام بيته وحرص على أن يبدوَ غير راضٍ عمَّا يجري. وغادرت الجموع الغاضبة منزله، واتجهت إلى داخل المدينة محاولةً لقاء الوالي العثماني وبعض الأعيان لِعَرْضِ احتجاجاتها أمامهم وهي تصيح: "عسكر ما منعطي، فردة ما مندفع". واقتحمت هذه الجموع جامع الخسروية الواقع عند أقدام قلعة حلب، ونهبت الأسلحة التي كانت فيه منذ أيام الحكم المصري في حلب (1831 - 1840). عادت الجموع في تلك الليلة إلى الضاحية الشمالية خارج الأسوار، وبدأت بنهب الأحياء المختلطة الواقعة في غرب الضاحية التي يُشكِّل المسيحيون فيها أغلبيةً. وارتبطت عملية النهب بتحطيم الممتلكات، والاعتداء بالضرب المبرّح على المسيحيين، ووقعت حوادث اغتصاب وقتْل كثيرة. ولم تدخل الجموع في الليلة الأولى حيَّ الصليبة الذي يقعُ في أقصى غرب الضاحية الشمالية، والذي تقعُ فيه كنائس المسيحيِيّن، على الرغم من أنه كان على مرمَى حجرٍ منها. كما أنها لم تهاجم كنيسة القديس جاورجيوس الكاثوليكية في حيّ الشرعسوس، وهي الكنيسة الوحيدة الواقعة خارج حيّ الصليبة. وفي المقابل، تدخَّل السكان المسلمون في الأحياء المختلطة لإيقاف عمليات النهب والاعتداء في أحيائهم. كان الوالي العثماني مصطفى ظريف باشا في وضع صعب جدًّا، فالأعداد القليلة للحامية العثمانية في المدينة لم تترك له سوى الانسحاب إلى قشلة الشيخ يبرق41 الحصينة في شمال المدينة. كما بدا الأعيان وأبناء الأسُر الثرية الذين أداروا شؤون المدينة التجارية والاجتماعية فترةً طويلةً عاجزين عن مواجهة الجموع الغاضبة. فأسرعوا إلى الالتحاق بالوالي العثماني في الثكنة العسكرية؛ لأنهم أصبحوا هدفًا للجموع الغاضبة. وكان أبناء المدينة يشعرون، عمومًا، بأنّ الأعيان قد خذلوهم ولم يستطيعوا إلغاء إجراءات العاصمة التعسفية. وفَهِمَ الجميع أنّ المدينة أصبحت خارج سيطرة الإدارة العثمانية، وأنّ المتمردين في الأيام المقبلة سوف تكون لهم الكلمة الأخيرة. في الليلة السابعة عشرة من تشرين الأول/ أكتوبر، أخذ الهجوم على المسيحيين بُعدًا مختلفًا، واقتصر الهجوم على حيّ الصليبة، ونُهِبَ نهبًا تامًّا، وأُحرقت فيه كنيستان، إحداهما قديمة؛ وهي للسريان الكاثوليك، والأخرى حديثة (بُنِيت في الفترة المصرية)؛ وهي للروم الكاثوليك42. علاوةً على ذلك، أحرق المنتفضون عددًا من دور السَّكن الخاصة بالإكليروس المسيحي، وشنُّوا في تلك الليلة غارةً على حيّ الشرعسوس الذي يقع وسط الضاحية الشمالية الغربية للمدينة، وأحرقوا كنيسة القديس جاورجيوس (بُنِيت في الفترة المصرية أيضًا). في تلك الليلة، وقعت كذلك حوادثُ قتلٍ تركَّزت، على نحوٍ أساسي، في التجار الكبار، وفي الإكليروس الكاثوليكي. وفي ما يبدو، لم تتجاوز حالات القتل خلال ليلتين عشرين حادثةً. وعلى الرغم من ذلك تظلُّ ملاحظة جان كلود دايفيد Jean-Claude David، في تعليقه على هذه الحوادث، دقيقةً؛ إذ يقول: "إنّ الاعتداء ضدّ المسيحيين جاء منضبطًا على نحوٍ لافتٍ للنظر. فالنهب كان منهجيًّا وعنيفًا، إنما من دون نيَّة في التعرض إلى حياة الناس"43. في المقابل كانت التكلفة المالية لهذه الغارة عاليةً جدًّا؛ إذ قُدِّرت الخسائر المادية للمسيحيين من جرَّاء النهب وإحراق الكنائس خلال الليلتين المذكورتين في وثيقة عثمانية بأكثر من 30 ألف كيس، منها أكثر من 12 ألف كيس لطائفة الروم الكاثوليكية44. وكان ملتزم الضرائب عبد الله البابنسي مدينًا للخزانة العثمانية بمبلغ 4000 كيس، فحاول ترهيب قاطني حيّ الصليبة وتجَّاره، ملوِّحًا بأنّ ما حدث في الليلة السادسة عشرة خارج حيِّهم قد يحدث في حيِّهم، إن هم لم يسعفوه في أزمته المادية. من جهة أخرى، كان البابنسي قلقًا وهو يرقب انحطاط مركزه والخطر المحدق بوظيفة ملتزم الضرائب والعشور التي كان يشغلها في ولاية حلب؛ نتيجةً لإلغاء الالتزام وإقرار النظام الضريبي المباشر الذي أخذت الدولة العثمانية بتطبيقه في الولايات. وضغط الوالي العثماني مصطفى ظريف باشا
على البابنسي لدفع المستحقات المترتبة عليه وهدَّده بمصادرة أملاكه45. وفي ما يبدو، استغل البابنسي الاستياء العامّ لفقراء الأحياء الشرقية من الضريبة الجديدة والتجنيد؛ لتحريكِ قاعدته وهزِّ الأمن في المدينة، وإحراج السلطات العثمانية أمام الأوروبيين بالضغط على المسيحيين. لم يمسَّ المنتفضون الكنائس وحيّ الصليبة في الليلة الأولى، على عكس ما حدث في الليلة التالية عندما رفض الوجهاء الكاثوليك في حيّ الصليبة هذا الابتزاز، ولم يلتفتوا إلى مشكلات جيرانهم المسلمين في الضاحية الشرقية، ولم يستطع عبد الله البابنسي "ضبط" درجة العنف ومداه خلال هاتين الليلتين فحسب، بل نجح في إيقافه تمامًا خلال الأيام التي تلته46. وأجبر الأعيانُ والقناصلُ الأوروبيون الوالي العثماني على قبول التفاوض مع أبناء الضاحية الشرقية؛ ما أسفر، خلال ثلاثة أيام، عن اتفاق بين الطرفين. لقد حَفِظَ الأرشيف العثماني في إسطنبول الوثيقة التي تتضمن الشروط التي قبل المنتفضون الصلح على أساسها، وهي مهمّة جدًّا لموضوعنا هذا47. وهذه الوثيقة ثنائية اللغة؛ إذ جرى تسجيل الشروط باللغة العربية أوَّلً، ثمّ أُتبعت بالترجمة العثمانية، وهي تُفتتح بطلبٍ مُفاده عدم تطبيق التجنيد والقرعة العسكرية، وقد ورد فيها كذلك طلبٌ مُقتضاه أن يكون المتسلم "ابن بلد". وتعود الوثيقة ثانيةً إلى موضوع التجنيد وتُحدِّد الخطوات الواجب اتباعها لطلب إلغائه؛ من خلال القول: "وبعد تشريف أفندينا وجناب الأعيان الكرام إلى البلد واستقرارهم في أماكنهم أن يعملو مضبطة بموجب ختومة الجميع بعدم أخذ النظام ويعطو هذه المضبطة إلى عبداه بك فهو يجمعنا ويرينا إياها ونحن نرسلها عن يد القناصل"48. أقسم المنتفضون على التزام هذه الشروط، وعلى إغاثة السلطان بالمال، والعيال، في حال تعرضه لحرب ما. ولكنَّهم في الوقت نفسه، جددوا رفضهم لفكرة التجنيد النظامي. وفي حين يوحي الصوْغ والقَسم أنّ الأمر مقصور على ذلك، يستدرك المنتفضون أمرين آخرين؛ أوّلهما جعْل ضريبة على الأملاك بدلً من ضريبة الفردة الشخصية50، وثانيهما ماثل في القول "ناقوس لا يدقّ، وصليب لا يرفع. وجوار ومماليك عند النصارى والقناصل لا يستخدموا، والذي عندهم يطلقوهم. ويلزمو أدبهم مع المسلمين حتى يأمنو بعد ذلك على أنفسهم والله على ما نقول وكيل"51. لم يبقَ للوالي العثماني مصطفى ظريف باشا والأعيان، في تلك الأوضاع، إلا استدعاء "ابن البلد" عبد الله البابنسي إلى قشلة الشيخ يبرق، وتعينيه قائم مقام، وطلب منه العمل على استعادة الأمن في المدينة، على أن يكاتب الأعيانُ إسطنبول من أجل العفو عن المنتفضين، وعلى أن يجريَ كلّ ذلك بضمانة قناصل أوروبا في المدينة. نجح عبد الله البابنسي في فرض النظام على المدينة مرَّةً أخرى، وقدَّم نفسه للجميع على أنه لا يمكن الاستغناء عنه. وعلى الرغم من وجود الوالي العثماني، بدا أنّه هو ورجاله الذين يحكمون المدينة؛ على النحو الذي كانت عليه الأمور مطلعَ القرن التاسع عشر حين سيطر الانكشاريون على المدينة، وهو الأمر الذي كان يتعارض مع التصورات والتطلعات العثمانية المركزية الجديدة. فاستغل ظريف باشا فترة الهدوء لإخبار العاصمة بما حدث، واستدعى قوات عثمانيةً من كلس وديار بكر، ومن المدن القريبة، وكان عددها قد بلغ ثمانية آلاف شخص. استكمل مصطفى باشا استعداداته، مطلعَ تشرين الثاني/ نوفمبر، مع وصول تعزيزات عثمانية مدرَّبة ومزوَّدة بمدفعية إنكليزية حديثة. وفي الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر، أصبح الوالي العثماني في وضْع يسمح له بمطالبة المنتفضين بتسليم جميع الأسلحة التي في حوزتهم. لكنّ المدينة رفضت طلب الوالي، وبدا واضحًا أنها اختارت المواجهة مع الجيش العثماني الحديث معتمدةً على دعم قبائل عنزة البدوية، وعوَّلت المدينة كثيرًا على
تدخل البدو. وإن كان لنا أن نصدِّق في هذا السِّياق أحد المسيحيين المعاصرين للحوادث، فإنّ بعض سكان المدينة كان يعتقد أنّ السلطان عبد المجيد هو سلطان الأتراك وليس سلطان العرب؛ لذلك عيَّ المنتفضون أمير عنزة المسمَّى دهام "ملكًا" عليهم. وتوجه عبد الله بابنسي، في الخامس من تشرين الثاني/ نوفمبر، مع عدد من مختاري محالِّ الأحياء الثائرة إلى القشلة لإبلاغ الوالي العثماني بعدم قدرتهم على جمع الأسلحة من الثوار. فما كان من مصطفى باشا إلَّ أن قام بإجراءات اعتقال واسعة. وكان هذا بمنزلة إعلانٍ للحرب من جهة السلطات العثمانية. وانضمَّت إلى الأحياء الثائرة أعداد كبيرة من البدو بقيادة دهام أمير عنزة52. ولكن لم تكن ثمَّة أيّ فرصة، بالنسبة إلى المنتفضين، بشأن مواجهة المدفعية الحديثة والجيش العثماني النظامي المدرَّب. قصف مصطفى باشا، على مدار اليومين التاليين، الأحياءَ المتمردةَ في المدينة التي تقع شرقَ الضاحية الشمالية وجنوب شرق القشلة. ثمّ دفع بالجيش العثماني إلى هذه الأحياء وسمح له بنهبها وإحراقها عن آخرها، وطُورد كلّ من يشتبه في وجود علاقة له بأعمال النهب والقتل والاشتباك مع الجيش العثماني53، وكان الردُّ العثماني عنيفًا جدًّا؛ إذ قتل خلال تلك الأيام الثلاثة نحو 300054 من أبناء المدينة، كما أنّ السلطات العثمانية فرضت غرامات ماليةً هائلةً على المسلمين في تلك المدينة؛ من أجل تعويض المسيحيين ما نُهِبَ منهم، وإعادة تعمير الكنائس المحترقة. وأُرسل عبد الله البابنسي وزعماء التمرد الآخرين إلى إسطنبول للتحقيق معهم. لكنّ البابنسي لن يصل إلى العاصمة العثمانية؛ لأنّه سيلقى حتفه في طريقه إليها. بدا واضحًا أنّ حلب، عام 1850، شكَّلت تحدِّيًا كبيرًا للدولة العثمانية تجاه السياسة والرأي العامّ الأوروبي، في مدى جديتها في تطبيق الإصلاحات التي أخذتها على عاتقها في خط غول خانه. وما ردُّها العنيف على تمرُّد المدينة بتلك الطريقة إلا دليلٌ على الطريقة التي نظرت بها إلى الحوادث. ولم يكن هدف الدولة الوحيد هو إنقاذ المسيحيين، بل كان صدقيَّتها، وقدرتها على فرض الضرائب، والتجنيد الإجباري55، والتصرف على غرار الدول الحديثة التي تَفِي بالتزاماتها إزاء الأوروبيين. فقد سارعت إلى إجراء القرعة العسكرية كما ساقت الأسرى إلى التجنيد، وعادت وجنَّدت عددًا كثيرًا من الحلبيين عشية حرب القرم56.
العنف يف حلب قبل عام 1850
في ما يلي جزء من حوارٍ دارَ في حضور نعوم بخاش، بعد وصول أخبار أولى مفادها تحرُّك أبناء الضاحية الشرقية في اليوم الأول "للقومة": -" إنّ البلد قامت ونيتهم سودة ومرادهم قتل النصارى. - هذا شي عمره ما صار، فقط مرادهم النهيبة فهذا يمكن، روق بالك"57.
إنّ عبارة "هذا شي عمره ما صار" تدلُّ على أنّ قائلها يعرف طبيعة ما يحدث إذا ما "قامت" البلد، أو ما يمكن أن يحدث وحدوده؛ أي "النهيبة". ولم تكن "القومات" بالأمر الطارئ على الحلبيين. وكان نعوم بخاش ومعاصروه واعين أنّه حصل توتُّر وتغيرات في مدينتهم منذ الجيلين السابقين، وأنّ المدينة خرجت عن سيطرة إسطنبول أكثر من مرَّة، منذ الربع الأخير من القرن الثامن عشر، وأنَّها سقطت ضحية "القسوة الهوجاء للسياسة"58. وقد كان العنف بالنسبة إلى أبناء المدينة، في حال عَسْفِ السلطة، إمكانيةً متاحةً دائمًا، وطقسًا ختاميًّا لإخفاق عملية التفاوض مع السلطة واستنزاف كلّ الطرائق "الشرعية" الأخرى. بقيت الحياة السياسية في حلب طَوال الفترة العثمانية، هادئةً بوجهٍعامٍّ، واستطاعت السلطة العثمانية بسْط نفوذها على المدينة دائمًا. ولم تظهر في حلب أيُّ سلالة محلِّية حاكمة في القرن الثامن عشر، وذلك على خلاف معظم مُدن سورية وفلسطين وأجزائها59. إضافةً إلى ذلك، لم يحاول أحد أن يشكِّك في شرعية الحكم العثماني. ثمَّ بدأ كلّ شيء يتغيَّ في منتصف القرن الثامن عشر. وكانت البداية مع انهيار الطرق التجارية الفارسية وتجارة الحرير الإيراني، بسبب الحروب والاضطرابات الداخلية؛ إذ فقد التجار الحلبيون البضائع التي درَّت عليهم أرباحًا عظيمةً طَوال قرون عديدة. إلى جانب ذلك، ظهرت في هذه الفترة مشكلات تتعلق بالمواد الغذائية وإنتاج الحبوب. وكانت تقلبات المناخ، والأوبئة التي ضربت سورية، إضافةً إلى انعدام الأمن في الأرياف، وراء هذه المشكلات60. وارتبطت هذه الأوضاع كلُّها ببداية سلسلة الحروب الروسية - العثمانية، وحاجة الخزينة العثمانية الملحَّة إلى أموال الضرائب والمحاصيل الزراعية لتمويل جيشها وإطعامه. ولم يتردَّد الولاة العثمانيون في هذه الفترة في فرض ضرائب قاسية لتمويل خزانة الحرب في إسطنبول، وتمويل أفراد الحامية العسكرية التي كانت ترافقهم وترافق حاشيتهم الخاصة أيضًا. من جهة أخرى، استطاعت مجموعتان شبه عسكريتين (تتكوَّنان من الأشراف والانكشاريِيّن) استغلال هذه الفوضى لتنظيم السكان خلْفهما، ومحاولة أداء دور سياسي واقتصادي. وغالبًا ما وقفت إحدى هاتين المجموعتين، أو كلتاهما، إلى جانب أبناء المدينة؛ من أجل فرْض شروط أفضل للتفاوض، أو حتى طرْد ممثِّل السلطة العثمانية من المدينة مثلما نرى ذلك لاحقًا. وفي الوقت نفسه، عمد زعماء مجموعات الطموحات الكبيرة إلى سياسات احتكارية للحبوب والمواد الغذائية، الأمر الذي انعكس على الأوضاع انعكاسًا كارثيًّا. علاوةً على ذلك، دخلت المجموعتان أحيانًا في صراعات مفتوحة في شوارع المدينة، على نحوِ ما حصل عام 1797، وارتبطت بأعمال نهبٍ وتحطيمٍ للممتلكات وترويعٍ لأبناء المدينة. يمكن اعتماد عام 1770 تاريخًا لبدء الاضطرابات وتدهور السلطة العثمانية في المدينة61، وسلسلة الأزمات التي لن تنتهيَ حتى الانفجار الذي وقع عام 1850. وفي هذه الحقبة، قاد الأشراف في حلب الانتفاضات الأ ولى؛ إذ ينقل قناصل أوروبا في حلب أنّ متسلِّم المدينة هرب برفقة الأعيان، عامُ1770، خوفًا من غضب الجموع التي اتهمتهم بعرقلة وصول الحبوب إلى المدينة، وأنّ تلك الجموع لم تقبل بعودة أولئك الهاربين إلى المدينة قبل تأمين الحبوب، وخفْض رسوم المحاكم وأجورها في المدينة62. ولن تهدأ المدينة تمامًا إلا مع دخول الجيوش العثمانية المتوجهة إلى قتال علي بك المصري63. وفي عام 1775 بارك القاضي والمفتي والعلماء في حلب تحرُّك الانكشاريين لإخراج الوالي العثماني علي باشا من المدينة بالقوة64. وقد عدَّد يوسف عبود الحلبي المعاصر للحوادث مظالم هذا الوالي ضدّ المسيحيين، الأعيان، من البازركانيِيّن والانكشاريِيّن، ومحاولات ابتزازه للأموال. كما نقل عبود، وهو
المتحمس للانكشاريين ول "أهل البلدة"، المراحل التي جرى من خلالها طرْد الوالي العثماني؛ إذ بدأ الأمر بعقْد اجتماع عند قاضي المدينة، وجرى عرْض الشكوى وإحضار الشهود، وطلب المفتي والعلماء إذنًا في إخراج الوالي من المدينة. فأرسل القاضي إلى السراي الحكومي القريب من القلعة وفدًا يضمُّ علماء ممثلين "عن لسان الشرع وأهل البلدة قاطبةً أنه يأمرك الشرع الشريف بأن تخرج من البلد قبل أن يقوم العام عليك ويخرجوك بعد انكسار شأنك"65. لكنّ علي باشا رفض مطالب أهل البلدة واحتجّ بأنه حاكم للمدينة وفق فرمان سلطاني. فتأكد القاضي حينئذٍ أنّ هذا الوالي "عصى الشرع"، وأفتى ب "إخراجه قهرًا واغتصابًا"، وأمر بإبطال الآذان وإغلاق الأسواق وأبواب المدينة، في وقت عمل فيه الانكشاريون على محاصرة السراي والتمترس وراء المآذن والمواضع العالية، وأفرغوا الأسواق القريبة من البضائع لئلَّ تتضرَّر في حال حصول حريق. ولم يجد علي باشا، بعد بضعة أيام، بُدًّا من مغادرة المدينة وتسليمها إلى الانكشاريين ريثما تبعث إليها إسطنبول واليًا جديدًا. وتكرَّر السيناريو نفسه تقريبًا عام 1784 مع الوالي عبدي باشا66. ويصف عبود المرارة والشعور بالظلم الذي تسبب به هذا الوالي، وتضامن أبناء المدينة في الوقوف ضدَّه من خلال قوله: "داروا الينكجارية على القواس والدكاكين والأسواق والخانات وسكّروا الجميع، وقام العام جميعه ومضت وجوه القوم إلى القاضي والعلما وطلبوا منهم رفع الباشا لأنه رجل ظالم سافك الدما بغير حقّ مجرّم المسلمين والنصارى متعدي حقوق الشريعة"67. وفي الحالتين، حافظ المنتفضون على حياة الوالي العثماني؛ إذ جرى إخراجهما من السراي ومرافقتهما بحضور الأعيان والعلماء إلى خارج المدينة لضمان سلامتهما. وحتى الحملات الانتقامية لملاحقة "العوانية" وقتلهم، جرت السيطرة عليها بسرعة، ووُضعت تحت رقابة القاضي68. ولم يجْرِ التعرُّض للمسيحيين، أو الكنائس، على الرغم من الفوضى التي حلَّت بالمدينة. ويذكر عبود، على سبيل المثال، أنّ المسيحيين أنفسهم لجؤوا إلى القاضي، بعد إخراج علي باشا من المدينة؛ لتخليصهم من غرامة كبيرة حاول الوالي الجديد أن يفرضها عليهم69. كما امتدح عبود انضباط الانكشاريين والطريقة التي أداروا بها المدينة بعد إخراج عبدي باشا. وكان المسيحيون قد موَّلوا "الإدارة" الانكشارية الجديدة في المدينة عن طيب خاطر، ووصف عبود مبلغ الألف قرش الذي دفعه المسيحيون بأنه "إكرامية"70. أمّا الاضطراب الكبير الثالث، فقد وقع في حلب عام 1797، في ظلّ سيطرة الانكشاريِيّن على المدينة، وسعي إبراهيم قطار آغاسي - وهو ملتزمٌ محليٌّ ذو مطامح جامحة تدعمه بعض العائلات النافذة في حلب وإسطنبول - للتخلص منهم. ولم يكن في المدينة آنئذٍ أيُّ ممثِّل للسلطة العثمانية. وتُعرف هذه الحادثة في التواريخ والذاكرة المحلية في حلب باسم "حادثة الأطروش"، نسبةً إلى جامع الأطروش الذي يقع عند سفح قلعة حلب الشهيرة71. انفجر العنف في ذلك العام بطريقة لم يسبق لها مثيل، ولا يُعرف بالضبط سبب ما حدث. ويلمح عبود في تاريخه إلى أنّ إبراهيم قطار آغاسي هو الذي دفع بفريق من الأشراف إلى الاصطدام بالانكشاريِيّن واستفزازهم، بل المبادرة بقتل عددٍ منهم، وحينئذٍ توجه الانكشاريون إلى المفتي لطلب الإذن في الرد على اعتداء الأشراف، فكان لهم ذلك. فتحصَّن الأشراف في جامع الأطروش، لكنّ الانكشاريِيّن لم يتردَّدوا في اقتحام الجامع وقتلهم.
بعد هذه الحادثة، انفلت العنف من عقاله؛ إذ استعانت مختلف الأطراف بقبائل التركمان والبدو. وتحوَّل الاقتتال بين الطرفين إلى غارات نهْب طالت بيوت المسلمين والمسيحيين خارج الأسوار في الضاحية الشمالية. واتُّخِذت المنازل متاريسَ للمقاتلين، وثُقِبت الجدُر لإطلاق النار منها72. ولم تهدأ الأوضاع إلا مع دخول القوات العثمانية المتوجهة لقتال الفرنسيين في مصر إلى حلب، وتعيين إبراهيم قطار آغاسي واليًا على المدينة، وطَرْد جميع القادة الانكشاريين منها. ووقَع القتال في قلْب الأحياء المختلطة، وعلى مقربة من حيّ الصليبة. وعلى الرغم من ذلك لم تُستغلّ الفوضى من أجل التعرض للكنائس أو المسيحيين73. وفي عام 1804 بالغ الوالي محمد إبراهيم قطار آغاسي، الابن الأكبر لإبراهيم، في فرض الضرائب واحتكار المواد الغذائية. ومرةً أخرى، استطاعت المدينة أن تتحرك ككتلة واحدة وتجبره على مغادرة حلب. وكانت التكلفة هذه المرة قاسيةً. واستطاع محمد قطار آغاسي التحصُّن بتكية "أبو بكر" التي تقع في أقصى شمال المدينة، وقصف المدينة بالمدفعية (وهي المرة الأولى في تاريخ حلب)، في محاولة لكبح المتمردين. غير أنّ المنتفضين تمكّنوا في نهاية الأمر، بعد عمليات كرٍّ وفرٍّ، من إخراجه من المدينة هو وقواته الألبانية74. وحكم الانكشاريون حلب في الأعوام السبعة التالية. وفي هذه الأثناء، بدأت الدولة العثمانية تستعيد شيئًا من عافيتها وتعمل بعض الإصلاحات، بالتخلص من الانكشاريين والأعيان في الأقاليم. وتولى جبّان باشا عام 1813 نفيَ بعض القادة الانكشاريبن عن المدينة، وإعدام بعضهم الآخر فيها75، ولكنّ الأمر مع خورشيد باشا سيأخذ بُعدًا جديدًا. كان خورشيد باشا الذي ذكرناه في حادثة إعدام أحد عشر كاثوليكيًّا، قد وصل إلى حلب بوصفه واليًا جديدًا عام 1817، حاملً تطلعات إسطنبول الجديدة المتمثِّلة باستعادة السيطرة على الولايات التي ابتعدت، درجةً ما أو أخرى، عن المركز خلال القرن الثامن عشر. وكان خورشيد باشا منذ بداية القرن التاسع عشر واليًا للسلطة العثمانية في كلّ الأطراف المهدّدة بالانفصال عن جسم الإمبراطورية. فقد أُرسل بعد الحملة الفرنسية إلى الإسكندرية عام 1801 للمساهمة في إعادة السلطة العثمانية، وأصبح عام 1804 حاكمًا لمصر، بديلً من سلطة محمد علي الصاعدة. كما أنه عمل وزيرًا أعظم في الفترة 1812 – 1815، قاد خلالها حملات عسكريةً في البوسنة. وعندما اندلعت الثورة اليونانية عام 1821، كان خورشيد باشا حاكم المورة التي ربّما جرى قتْله فيها أثناء إحدى المعارك التي خاضها76. بناءً على ذلك، ينبغي أن تُفهم وظيفة الوالي التي شغلها خورشيد باشا في حلب، في الفترة 1817 – 1820، ضمن هذا السياق؛ إذ أُنيطَ به وضْع حدّ للفوضى في المدينة وإعادتها، نهائيًّا، لسيطرة الدولة. وفي تشرين الأول/ أكتوبر عام 1819، فرَض على الحلبيين ضريبة "الصليان" التي كان يريد من خلالها تمويل بعض المشاريع المائية في المدينة. ولم يَمُرَّ الاحتجاج على هذه الضريبة بالقنوات التقليدية للمدينة، عبر القاضي والمفتي، بل انفجر العنف انفجارًا فجائيًّا، من دون أيِّ مقدمات، من مختلف الأطراف77. وبادرت مجموعة من الأهالي بالهجوم على أماكن إقامة الجنود الألبان في المدينة، وقد كانوا يشكِّلون الحامية العثمانية في حلب، وقتلت عددًا كثيرًا منهم. كما هاجمت مجموعة أخرى السراي والصراف والمتسلم. لم يدَعْ خورشيد باشا الذي كان في ذلك الوقت خارج المدينة إمكانًا لأيِّ فرصة للتفاوض؛ إذ بدأ بقصف المدينة بالمدافع طَوال مئة يوم تقريبًا. ويُعدُّ هذا الشكل الفجائي من العنف سمةً مميِّزةً لحوادث 1850 أيضًا. ولم يكن مصطفى ظريف باشا ليتردد في فِعل الأمر نفسه، لو توافرت له القوة الكافية في تشرين الأول/ أكتوبر 1850. فقد كان عليه، كما رأينا، انتظار وصول التعزيزات والمدفعية الحديثة ليدكَّ المدينة.
في هذا السِّياق، لا يمكن فهم هول العنف العثماني إلا من خلال رغبة الدولة في استعادة سلطتها من الأعيان والفرق شبه العسكرية. وبعد سقوط القذيفة الأولى، وقفت المدينة بجميع أطيافها ضدّ خورشيد باشا. وينقل مطران الأرمن الكاثوليك كوبليان صيحة أحد المسلمين الحلبيِيّن المتفائلين بهزيمة خورشيد باشا: "يا أمَّة عيسى، يا أمَّة موسى، يا أمَّة محمد، يا أهل حلب، اصبروا تسعة عشر يومًا، بعد هذه المدة حلب تصير قدح لبن ويصير فرح"78. ولكنّ نبوءة ذلك الحلبي لم تتحقّق، ومرةً أخرى بطشت السلطة العثمانية بأهل المدينة، وفرضت عليهم غرامات قاسيةً. وقد شارك المسيحيون في حوادث هذه الانتفاضة، حتى أنّ الشاعر نصر الله الطرابلسي نظَم للمقاتلين قصائد حماسيةً، كما أشار كوبليان بفخرٍ إلى بعض أبناء طائفته الذين شاركوا "أهل البلد" في القتال79. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يشارك فيها المسيحيون في هذا النوع من الاضطرابات. ففي عام 1775 أشار بعض القناصل الأوروبيين إلى مشاركة بعض المسيحيين واليهود في حصار علي باشا80. وفي انتفاضة 1804 - 1805، بدا الرحالة الألماني أولريش ياسبر سيتزين Ulrich Gasper Seetzen مُفاجَأً؛ بسبب مشاركة مسلحين مسيحيين في القتال ضدّ قوات الوالي محمد إبراهيم قطار آغاسي81. ولكن تظلّ أسئلة مطروحة في هذا السياق؛ إذ كيف جرى الخروج عن تقاليد المدينة عام 1850؟ ولماذا جرى ذلك؟ وهل توافقت الدولة العثمانية، في أعين أبناء المدينة المسلمين، مع النخبة المالية التجارية الكاثوليكية الصاعدة في إصلاحاتها الجديدة؟ يرى كلٌّ من شيلشر وماسترز أنّ التجَّار والسماسرة الكاثوليك في حيّ باب توما بدمشق، وحيّ الصليبة بحلب، عزلوا أنفسهم عن الرابطة الاجتماعية والمطالبية لأبناء مدينتهم، واختاروا فصل أنفسهم عن جيرانهم82. وقد بدا هذا الأمر واضحًا عام 1850، من خلال موقف سكان الأحياء المختلطة من جيرانهم المسيحيين. من جهة أخرى، يكشف الإحصاء السكاني الذي أجرته السلطات العثمانية في حلب، قبل عام من حادثة 1850، خريطة التوزع المسيحي في المدينة. وتبوح هذه الخريطة بشيء من نيَّات المنتفضين، وبالشرخ الاقتصادي الاجتماعي الحاصل حينئذٍ83. وقد ذكرنا في سردنا للحوادث أنّ الهجوم ليلتي 16 و 17 تشرين الأول/ أكتوبر قد انحصر في الأحياء المسيحية الواقعة في الجهة الغربية من الضاحية الشمالية. لكن ألم يكن في سائر أحياء المدينة، سكّان مسيحيون أيضًا؟ إذا نظرنا في الإحصاء العثماني الذي ذكرناه، وهو الذي يشتمل على عدد الخانات (أي الوحدات السكنية)، وعلى عدد الذكور البالغين84 في كلّ حيّ، أمكننا أن نلاحظ، على سبيل المثال، وجود أكثر من 70 خانةً للمسيحيين يعيش داخلها أكثر من 260 شخصًا (الذكور فقط) في الأحياء الملاصقة لحيّ جلوم الكبرى داخل الأسوار. فهذه هي الحال في حيّ تسكنه أغلبيّة مسلمة، لم نعرف أنّ سكانها قد شاركوا في النهب أو القتال ضدّ الجيش العثماني. لكن كيف يكون الأمر إذا نظرنا إلى الأحياء التي أتى منها المنتفضون أنفسهم؟
لقد سجَّل الإحصاء العثماني وجود أقلية مسيحية صغيرة في الأحياء الشرقية للضاحية الشمالية (14 خانةً و 109 أشخاص ذكور بالغين)85. وكان من الأجدر بالمنتفضين - لو كانت دوافعهم دينية - أن يستهلُّوا غارتهم بالهجوم على جيرانهم المسيحيين قبل أن ينتقلوا إلى أقصى الغرب من الضاحية. وفي الواقع، لم يَجْرِ التعرض للمسيحيين إطلاقًا، أو لبيوتهم في هذه المناطق التي حافظ السكان فيها على الحد الأدنى من التضامن (داخل الأسوار والضاحية الشرقية). وحتى في الضاحية الغربية نفسها دافع السكان المسلمون في الأجزاء المختلطة عن جيرانهم المسيحيين. فقد اختبأ نعوم بخاش، مثلً، عند جاره مصطفى سكيف86، وحرص على أن يدوِّن في يومياته تاريخ وفاة "قدور الناطور أبو إبراهيم مسلم، هذا في قومة البلد حما نعوم سالم وأخوه من الغارة"87. أمّا بطريرك السريان الكاثوليك بطرس جروة الذي تعرَّض لضرب مبرّح، فقد ذكر في تقريره المتعلّق بالحادثة الذي أرسله إلى روما، أنَّ أحد مسلمي المدينة أنقذه من الموت، وأخذه إلى منزله، وأحضر له طبيبًا، وأبقاه عنده ثلاثة أيام، ثمّ أرسله إلى القنصل الفرنسي88.
خاتمة
"هذي ديار البطريك تجدَّدت وغدت لكلّ تُقى وفضلٍ موضعَا بعد احتراق وقته ولَّ فإنْ أرخت فقُل وقتٌ مضى لن يرجعَا"89تلك هي وصية فرنسيس مراش عام 1859 للذين يريدون أن يؤرخوا للحادثة، وقد تركها منقوشةً على إيوان بطريركية الروم الكاثوليكية التي أ عيد بناؤها بعد حريق عام 1850. وإنّ النظرة المتفائلة بأنّ وقت الحرائق قد "ولَّ" و"لن يرجعَا"، تعكس التفاؤل الذي أشاعه خط همايون شريف 1856، وسائر التنظيمات العثمانية. وليس ذلك في ما يخصُّ العلاقات بين أبناء الديانات المختلفة فحسب، بل بين الدولة العثمانية والمجتمع بأكمله، وفي ما يخصُّ تغليب "التمدن" على "التوحش" أيضًا. لقد عبَّ ذلك التفاؤل عن نفسه بانخراط مجموعة من الكاثوليك الحلبيين في الحركة الأدبية والصحافية في المدينة، بوصفه مساهمةً أساسيةً في حركة النهضة العربية البارزة في ذلك الوقت90. ومع ذلك، لا يُمكن إغفال التحولات التي طرأت على الوعي العامّ للجماعات المختلفة في بلاد الشام مع حملة إبراهيم باشا المصري، والإصلاحات الضريبية والإدارية العثمانية التي تلتها. لقد تقرَّب إبراهيم باشا إلى الأوروبيين، وأدخل سياسات "دولاتية" في مجال فرْض الضرائب والتجنيد الإجباري، والضغط على الأعيان وأبناء العائلات الكبيرة. وأنشأ مجالس محليةً لها صفة تمثيلية للمسلمين، والمسيحيين، واليهود؛ بهدف إدارة شؤون المدن. وعندما عادت الدولة العثمانية إلى بلاد الشام، مطلعَ الأربعينيات من القرن التاسع عشر، بدا أنها تريد أن تستأنف الإجراءات المصرية غير الشعبية التي كانت قد أشعلت عددًا من الثورات ضدّ المصريين. ولكن ينبغي الانتباه إلى أنّ طموحات التحديث العثماني في هذه المرحلة اقتصرت على الجوانب الإدارية والتنظيمية؛ مثل إنشاء
مجالس تمثيلية91 للمساعدة في إدارة الولايات. إضافةً إلى ذلك، يمكن تلخيص مبادئ الإصلاح العثماني خلال فترة خطّ غولخانة في نقاط ثلاثٍ هي: عدالة النظام الجبائي، وسلامة الأملاك، وحرية التصرف فيها92. لقد جاءت هذه الإجراءات مقترنةً بنموّ النفوذ الأوروبي الاقتصادي والعسكري في الدولة العثمانية، وبتحسين الأقلية المسيحية لموقعها الاقتصادي والاجتماعي في مدن كثيرة. وكانت الكنائس الحديثة والكبيرة التي شُيِّدت أثناء الفترة المصرية رمزًا لهذا الصعود، وتعبيرًا معماريًّا مرئيًا عن الفضاء الجديد الذي يريد المسيحيون أن يتحركوا فيه، في وقتٍ كانت فيه السياسات العثمانية تزعزع "النظام القديم" ورموزه في المدينة93. وقد تصدَّع التضامن الداخلي في المدينة بين الجماعات المختلفة، من دون أن تغيِّ قوَّة الاحتجاج وجهتها الاجتماعية والاقتصادية. وقدَّمَ المنتفضون عام 1850 إلغاء الجندية والضريبة الجديدة شرطًا لإيقاف تمرُّدهم. واستطاعت الدولة العثمانية أن تفرض الجندية. في حين بقيت ضريبة الفردة موضوعًا لغضب المسلمين في المدينة. وبعد عامين من الحوادث، بقيَ مطلب المنتفضين، المتمثِّل بتحويل ضريبة الفردة إلى ضريبة على الأملاك، عاملَ توتُّرٍ أساسي في المدينة. ويخبرنا نعوم بخاش الذي عاصر هذه الحوادث أنّ "أهل البلد قاموا يقتلوا الشيخ العبجي لأجل إنه ما أراد أن الفردة تكون على التراب بل على الرقاب"94. وهذه المرة، أذعنت السلطات العثمانية، وألغت الفردة، وأقرَّت بدلً منها ضريبة الأملاك، الأمر الذي لم يعجب الأعيان وأبناء العائلات الكبيرة؛ ما دفعهم عام 1853 إلى المطالبة بإعادة الفردة: "فتجمعوا الإسلام عده وافرة وراحوا للصرايا وقدموا عرض حالات بأن لا يريدوا الفردة بل الترابية والملاكة يدفعوها95 وخاف الباشا والأعيان من أهل البلد "96. يبُرز الخلاف في تلك الضريبة حقيقة الصراع في المدينة، كما يبرز الصعوبات التي ظلّت تواجه الدولة العثمانية مع أبناء العائلات الأغنياء وذوي النفوذ الذين لا يريدون التخلي بسهولة عن امتيازاتهم. ويصعب العثور على أيّ أثرٍ لعداوة مستحكمة بين المسيحيين والمسلمين في حلب العثمانية، ولا يمكن لقرينة "العداء الديني" - في فهم التاريخ - أن تفسِّ شيئًا، أو أن تكون أداةً تحليليةً، كما لا يمكن أن يكون لقرينة "التسامح" ذلك. و"الذي تراه وتستقرئه في تاريخ الحلبيين أنهم كانوا إذا جاعوا قاموا، وإذا ظُلموا ثاروا، وتأبى نفوسهم أن ترضى به وأن تقيم عليه".
قائمة المصادر والمراجع
الوثائق
رسالة البطريرك جروة، مجمع انتشار الإيمان بروما، الرمز " 294: 17. SC Siri, vol ".
المراجع العربية
ميناسيان (محققان)، حلب: منشورات مطرانية الأرمن الكاثوليك، 2008.
أدلبي، ناوفيطوس. أساقفة الروم الملكيين في حلب في العصر الحديث، حلب: مطبعة الإحسان، 1983.
الأسدي، خير الدين. موسوعة حلب المقارنة، محمد كمال (محقق)، حلب: جامعة حلب، 1987.
بولس قرألي (محقق)، القاهرة: المطبعة السورية، 1927.
منشورات وزارة الثقافة، 1994.
رافق، عبد الكريم. العرب والعثمانيون 1516 - 1916، ط 2، دمشق: مطابع ألف باء - الأديب، 1993.
منشورات وزارة الثقافة، 2007.
وعسكرية، ريجنكوف وسميليانسكايا (محرران)، يوسف عطا الله (مترجم)، بيروت: دار النهار، 1993.
• Başbakanlık Osmanlı Arşivi, İ.DH. 2 25 / 13432.
• Başbakanlık Osmanlı Arşivi, İ. DH. 2 22 / 13185.
• Başbakanlık Osmanlı Arşivi, İ. DH. 2 25 / 13483.
• Başbakanlık Osmanlı Arşivi, İ. DH. 2 26 / 13493.
• Başbakanlık Osmanlı Arşivi, İ. MVL. 2 14 / 7085.
• Başbakanlık Osmanlı Arşivi, NFS. d. 0 3726.
أبراهام، كوبليان. ثورة الحلبيين على الوالي خورشيد باشا العثماني 1819 - 1820: يوميات المطران أبراهام كوبليان، بطرس مراياتي ومهران أهم حوادث حلب في النصف الأول من القرن التاسع عشر، نقلً عن مفكرة مخطوطة للمطران بولس أروتين أسقف حلب الماروني (1788 - 1850)، باروت، جمال. حركة التنوير العربية في القرن التاسع عشر: حلقة حلب دراسة ومختارات، سلسلة قضايا وحوارات النهضة العربية، دمشق: بخاش، نعوم. أخبار حلب كما كتبها نعوم بخاش في دفاتر الجمعية، 1840 - 1846، يوسف قوشاقجي (محقق)، حلب: مطبعة الإحسان، 1985. الخوري، خليل. وَي. إذن لست بإفرنجي: الرواية العربية الأولى الرائدة (1859)، شربل داغر (محقق)، بيروت: دار الفارابي، 2009.
دايفيد، جان كلود. "حلب: من العاصمة العثمانية إلى المدينة السورية"، مجلة المستقبل العربي، السنة 36، العدد 415، أيلول/ سبتمبر 2013.
ريمون، أندريه. المدينة العربية حلب في العصر العثماني من القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر، ملكة أبيض (مترجمة)، دمشق: سوريا ولبنان وفلسطين في النصف الأول من القرن التاسع عشر: مذكرات رحالة، تقارير علمية واقتصادية ووثائق قنصلية وسياسية شوفالييه، دومينيك. مجتمع جبل لبنان في عصر الثورة الصناعية في أوروبا، منى عبد الله عاقوري (مترجمة)، ط 2، بيروت: دار النهار، 2001. شيلشر، ليندا. دمشق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عمرو الملاح ودينا الملاح (مترجمان)، دمشق: مطبعة دار الجمهورية، 1998.
الطباخ، محمد راغب. أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، حلب: المطبعة العلمية، 1925.
عبود، يوسف. حوادث حلب اليومية: 1771-1805 المرتاد في تاريخ حلب وبغداد، فواز محمود الفواز (محقق)، حلب: شعاع للنشر والعلوم، 2006. العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في بلاد الشام خلال المرحلة العثمانية (من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر ميلادي)، معطيات وثائق المحكمة الشرعية في مدن: حلب، بيروت، دمشق، طرابلس، بيروت: مطبعة أنيس التجارية، 2005.
الغزي، كامل. كتاب نهر الذهب في تاريخ حلب، شوقي شعث ومحمود فاخوري (محققان) ط 2، حلب: دار القلم العربي، 1999.
ماركوس، أبراهام. الشرق الأوسط عشية الحداثة: حلب في القرن الثامن عشر، أيمن سيد درويش (مترجم)، حلب: شعاع للنشر والعلوم، 2009. مراش، فرنسيس. الأعمال الكاملة، محمد جمال باروت (محقق)، دمشق: منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، 2007.
مظلوم، توما. البطريرك مكسيموس الثالث مظلوم (1779 - 1833 1855 -): سنوه الأخيرة (1848 - 1855)، الأب إلياس أندراوس البولسي (محقق) سلسلة وثائق تاريخية للكرسي الملكي الأنطاكي، حريصا: مطبعة القديس بولس، 1926.
المقدسي، أسامة. ثقافة الطائفية: الطائفة والتاريخ والعنف في لبنان القرن التاسع عشر تحت الحكم العثماني، ثائر ديب (مترجم)، بيروت: دار الآداب، 2005.
المراجع الأجنبية
• Acta Viennensia Ottomanica. Akten des 1 3. CIEPO-Symposiums , Wien: Institut für Orientalistik, 1999.
• Bodman, Herbert L. Political Factions in Aleppo. 1 760-1826 , Chapel Hill: University of North Carolina Press, 19 63.
• Braude, Benjamin & Lewis, Bernard (eds.). Christians and Jews in the Ottoman Empire: The Functioning of a Plural
Society , New York: Holmes & Meir Publications, 1 982.
• Burckhardt, Eleni Gara. et al. (eds.). Popular Protest and Political Participation in The Ottoman Empire, Studies in Honor
of Suraiya Faroqhi , Istanbul: İstanbul Bilgi University Press, 2 011.
• Gershoni, I. et al. (eds.). Histories of the Modern Middle East - New Directions , Boulder/ London: Lynne Rienner, 2002.
• Haddad, Mahmoud. et al. (eds.). Toward a Cultural History of the Mamluk Era , Beirut: Ergon Verlag Würzburg, 2 010.
• Reilly, James A. “Inter-Confessional Relations in Nineteenth-Century Syria: Damascus, Homs and Hama compared”, Islam
and Christian-Muslim Relations, vol. 7, no. 2, 1996.
• Krimsti, Feras. “Gesellschaftliche Konfigurationen während des Aufstands 1819 / 20 in Aleppo nach den Aufzeichnungen des
armenisch-katholischen Bischofs Abraham Kubilyan”, Der Islam, vol. 8 8 , no.1, 2011.
• ---------------- Die Unruhen von 18 50 in Aleppo: Gewalt im urbanen Raum , Berlin: Klaus Schwarz Verlag, 2014.
• Kuroki, Hidemitsu. “The Orthodox-Catholic Clash in Aleppo in 1 818 ”, Orient , vol. 29 , 1993.
• Lewis, Lewis. Travels in Syria and the Holy Land , London: John Murray, 18 22.
• Ma’oz, Moshe. Ottoman Reform in Syria and Palestine, 18 40 - 1861: The Impact of the Tanzimat on Politics and Society ,
Oxford: Clarendon P, 1 968.
• ----------------“Syrian Urban Politics in the Tanzimat Period Between 18 40 and 18 61 ”, Bulletin of the School of Oriental and
African Studies, vol. 2 9 , no. 2, 1966.
• Masters, Bruce. “The 1850 Events in Aleppo: An Aftershock of Syria’s Incorporation into the Capitalist World System”,
International Journal of Middle East Studies, vol. 2 2 , 1990.
• ---------------- Christians and Jews in the Ottoman Arab World: The Roots of Sectarianism , New York: Cambridge University
Press, 2 001.
• Norman N. Nomads and Settlers in Syria and Jordan, 1 800-1980 , Cambridge: Cambridge University Press, 1 987.
• Seetzen, Ulrich Gasper. Tagebuch des Aufenthalts in Aleppo 18 03-1805 , Judith Zepter in cooperation with Carsten Walbiner,
Zürich/ New York: Olms- Verlag, 2 011.
• Social and Economic History of Turkey, (1 071-1920) , Ankara: Meteksan, 1 980.
• Vrolijk, Arnoud. “No Conscripts for the Nizâm”, The 18 50 Events in Aleppo as Reflected in Documents from Syrian and
Dutch Archives”, Journal of Turkish Studies, vol. 2 6 , no. 2, 2002.