العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الاستراتيجية العسكرية للإمام المهدي (1881-1885) في السُّودان: المرتكزات والمتغيرات

الاستراتيجية العسكرية للإمام المهدي (1881-1885) في السُّودان: المرتكزات والمتغيرات

The Military Strategy of the Mahdi in Sudan (1881 - 1885)

أحمد أبو شوك

الملخّص

يهدف هذا البحث إلى تقديم عرضٍ تحليلي للاستراتيجية العسكرية لمحمد أحمد المهدي (1881-1885) ضد الحكم التركي-المصري (1821-1885) في السُّودان، وذلك ابتداءً من تاريخ إعلان الدعوة المهدية في "الجزيرة أبا" على النيل الأبيض عام 1881، وانتهاءً بتحرير الخرطوم وقتل الجنرال البريطاني غردون باشا عام 1885. وتستند الدراسة في سردها التاريخي ومناقشاتها إلى المنهج التاريخي التحليلي الذي يستأنس بمناهج العلوم الاجتماعية الأخرى، ويستمد مادته من الوثائق التاريخية التي صدرت من أنصار المهدية وخصومهم السياسيين آنذاك، مع اصطحاب الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي تشكلت فيه أحداث الثورة المهدية، والمادة الوثائقية التي تعكس جوانب مختلفة من تاريخها النضالي. وترتكز مناقشة الاستراتيجية العسكرية للإمام المهدي في بُعدها النظري على الأطروحات التي قدَّمها الاستراتيجي العسكري الصيني صن تزو في كتابه المعنون: فن الحرب، الذي يمثل أحد الأدبيات المهمة في علم الاستراتيجية العسكرية المعاصر، وكذلك على مفهوم الشخصية الكاريزمية عند عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، والذي يُساهم في تحليل شخصية محمد أحمد المهدي القيادية وعلاقتها بالاستراتيجية العسكرية التي نُفذت على أرض الواقع

Abstract

Abu Shouk offers an analytical review of the military strategy of Muhammed Ahmed al-Mahdi in the 1881 - 1885 against Ottoman-Egyptian rule in Sudan (1821 - 1885). The period begins with the declaration of the "Mahdiyya" from Aba Island on the White Nile in 1881, and ends with the liberation of Khartoum and the killing of British General Gordon in 1885. The study's historical narrative and discussion is based on the analytical method and further integrates methodologies from other social sciences. Its material derives from the historical documents available from both the political supporters and opponents of the "Mahdiyya" at the time, touching on the political, social, and economic reality that formed the events of the Mahdi Rebellion, as well as documentary material that reflects different aspects of its history of struggle. In its theoretical dimension, the discussion of the military strategy of the Mahdi focuses on the suggestions made by the Chinese military strategist Sun Tzu in The Art of War, which is a key work for modern military strategy. It also considers the concept of the charismatic personality in the work of the German sociologist Max Weber, which helps analyse the personality of Mohammed Ahmed al-Mahdi as a leader and its relationship with the military strategy he implemented on the ground.

الكلمات المفتاحية:
  • محمد أحمد المهدي
  • السودان
  • الدعوة المهدية
  • الاستعمار
Keywords:
  • Muhammed Ahmed al-Mahdi
  • Sudan
  • Military strategy
  • Mahdiyya
  • Colonialism
أحمد أبو شوك| Shouk Abu *Ahmed
أحمد أبو شوك | Shouk Abu Ahmed* أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، جامعة قطر.
يهدف هذا البحث إلى تقديم عرضٍ تحليلي للإستراتيجية العسكرية لمحمد أحمد المهدي (1881 - 1885) ضد الحكم التركي
يرر (1821 - 1885) في السُّودان، وذلك ابتداءً من تاريخ إعلان الدعوة المهدية في "الجزيرة أبا" على النيل الأبيض
- الم
عام 1881، وانتهاءً بتحرير الخرطوم وقتل الجنرال البريطاني غردون باشا عام 1885. وتستند الدراسة في سردها التاريخي
ومناقشاتها إلى المنهج التاريخي التحليلي الذي يستأنس بمناهج العلوم الاجتمعية الأخرى، ويستمد مادته من الوثائق
التاريخية التي صدرت من أنصار المهدية وخصومهم السياسيين آنذاك، مع اصطحاب الواقع السياسي والاجتمعي
والاقتصادي الذي تشكلت فيه أحداث الثورة المهدية، والمادة الوثائقية التي تعكس جوانب مختلفة من تاريخها النضالي.
وترتكز مناقشة الإس اررتيجية العسكرية للإمام المهدي في بُعدها النظري على الأطروحات التي قدَّمها الإس اررتيجي
العسكري الصيني صن تزو في كتابه المعنون: فن الحرب، الذي يمثل أحد الأدبيات المهمة في علم الإس اررتيجية
العسكرية المعاصر، وكذلك على مفهوم الشخصية الكاريزمية عند عالم الاجتمع الألماني ماكس فيبر، والذي يُساهم
في تحليل شخصية محمد أحمد المهدي القيادية وعلاقتها بالإستراتيجية العسكرية التي نُفذت على أرض الواقع.
Abu Shouk offers an analytical review of the military strategy of Muhammed Ahmed al-Mahdi in the 1881 - 1885
against Ottoman-Egyptian rule in Sudan (1821 - 1885). The period begins with the declaration of the "Mahdiyya"
from Aba Island on the White Nile in 1881 , and ends with the liberation of Khartoum and the killing of British
General Gordon in 1885. The study's historical narrative and discussion is based on the analytical method and
further integrates methodologies from other social sciences. Its material derives from the historical documents
available from both the political supporters and opponents of the "Mahdiyya" at the time, touching on the political,
social, and economic reality that formed the events of the Mahdi Rebellion, as well as documentary material that
reflects different aspects of its history of struggle. In its theoretical dimension, the discussion of the military
strategy of the Mahdi focuses on the suggestions made by the Chinese military strategist Sun Tzu in The Art of
War, which is a key work for modern military strategy. It also considers the concept of the charismatic personality
in the work of the German sociologist Max Weber, which helps analyse the personality of Mohammed Ahmed
al-Mahdi as a leader and its relationship with the military strategy he implemented on the ground.
الإستراتيجية العسكرية للإمام المهدي
في السُّودان (1881 - 1885)
المرتكزات والمتغيرات
The Military Strategy of the Mahdi in Sudan (1881 - 1885)
أحمد أبو شوك | Shouk Abu Ahmed
و|
بو
الإستراتيجية العسكرية للإمام المهدي
في السُّودان (1881 - 1885)
المرتكزات والمتغيرات
The Military Strategy of the Mahdi in Sudan (1881 - 1885)

مقدمة

يُعدُّ مصطلح إستراتيجية من المصطلحات القديمة المشتقة من الكلمة الإغريقية Strategos، والتي تعني الجيش، أو الحشود العسكرية، أو توصيف فن الحرب وإدارتها. وتطوَّر المصطلح إلى علمٍ يُقصد به التخطيط المستقبلي الراشد الذي يهدف إلى تحقيق غايات عليا وفق وسائل وأدوات إجرائية وعملية مُحدّدة. وظهرت معالم الإستراتيجية العسكرية في أول تجلياتها في كتاب صن تزو Sun Tzu المعنون: فن الحرب1، الذي ألَّفه في القرن السادس قبل الميلاد، ثم تُرْج مَ الكتاب إلى اللغة الفرنسية عام 1782 م، وظهرت أول ترجمة إنكليزية له عام 1905، وبعد ذلك أضحى الكتاب يمثل مرجعيةً عسكريةً في فن الحرب وإدارتها، وكان من ضمن الأدبيات العسكرية التي استأنست بها الإدارة الأميركية في عملية "عاصفة الصحراء" ضد الجيش العراقي الغاصب لدولة الكويت في العقد الأخير من القرن العشرين2. ويهدف هذا البحث إلى دراسة الإستراتيجية العسكرية للإمام محمد أحمد المهدي (1844  -  1885 م) في السُّودان وتحليلها، وسيكون إطاره النظري مستندًا إلى بعض الإشارات الإستراتيجية الواردة في كتاب صن تزو، والتي تربط فن الحرب بخمسة عوامل ثابتة، هي: النظام العام، والقيادة العسكرية، والقانون الأخلاقي للجُند، وتضاريس الأرض، وطبيعة المناخ3. ومن جانب آخر، يستند هذا الإطار النظري إلى مفهوم الشخصية الكاريزمية عند ماكس فيبر Max Weber4، ومدى تطابق مواصفاتها مع شخصية المهدي الذي استطاع أن يوظف حزمة من الخطط العسكرية في حربه ضد الحكم التركي في السُّودان. وهنا تبرز جملة من الأسئلة الموضوعية التي تُساعدنا في استيعاب العلاقة الجدلية التي نشأت بين الإمام المهدي والمجتمع السُّوداني الذي عاش فيه آنذاك، وفي قياس مدى كفاءة الإمام المهدي القيادية في توظيف الاعتبارات المعنوية والمعطيات المادية لخدمة إستراتيجيته العسكرية وتطبيقها على أرض الواقع. وتطرح الدراسة أسئلة من قبيل: ما مرتكزات تلك الإستراتيجية التي استخدمها ضد الأتراك وأعوانهم من السُّودانيين والمصريين لتحقيق أهدافه الرامية لتغيير نظام الحكم التركي - المصري (1821  -  1885)؟ وهل كان موقعه القيادي موقعًا محوريًا بالنسبة إلى تلك المرتكزات وتفعيلها في سبيل تحقيق أهدافه الإستراتيجية العليا؟ وإلى أي مدى تبيّ تلك المرتكزات الفكرية والعسكرية قدرة الإمام المهدي على تطويع الظروف البيئية والمجتمعية المحيطة لإنجاز المتطلبات الإجرائية والعملية اللازمة لتنفيذ مشروعه الثوري - الإصلاحي في السُّودان؟ وهل كانت إستراتيجيته العسكرية رصيدًا لبناء الدولة المهدية (1885  -  1898) وعلاقاتها الخارجية، أم كانت خصمًا من مرحلة البناء والتأسيس التي أعقبت انتصارات الثورة في الخرطوم عام 1885؟

الإطار النظري لإستراتيجية المهدي العسكرية

تعد الإستراتيجية العسكرية جزءًا من الإستراتيجية العليا التي تتبناها أي حكومة أو كينونة سياسية معارضة لها؛ وذلك لتحقيق هدفٍ معينٍعلى المدى البعيد في ضوء الإمكانات العسكرية المتاحة، والوسائل الحربية المستخدمة. وبهذه الكيفية تجري عملية عسكرة

  1. Sun Tzu, The Art of War , Translated by Lionel Giles (London: The Puppet Press Classic, 1910).
  2. صن تزو، فن الحرب، تقديم وتعليق أحمد ناصيف (حلب: دار الكتاب العربي، 2010)، ص  5.
  3. Tzu, p. 35.
  4. Max Weber, Economy and Society , Translated by Gunther Roth and Claus Wittich (New York: Bedminister, 1968), p. 241. يقصد بمصطلح كاريزما Charisma المواهب الجاذبة الساحرة التي يتفرّد بها القادة والزعماء التاريخيون، وقد تُوهَب أيضًا لأفراد يتحلون بسمات تجذب الأفراد إليهم وتجعلهم قريبين إلى قلوب الناس. وقد تطوَّر هذا المصطلح من التُاث المسيحي الديني إلى الإطار السياسي بفضل إسهامات عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، والذي وصف المصطلح بأنه "موهبة-ساحرة" يحظى بها أفراد غير عاديين من القادة والزعماء، والذين يُحدث خطابهم العام فعل السحر في قلوب الجماهير المؤيدة لهم. وقد وضع خمسة شروط للقيادة الكاريزمية، تتمثل في: الاستقامة الأخلاقية والمناقب السلوكية الجاذبة للقائد الكاريزمي مع وجود أزمة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية في المجتمع الذي يعيش فيه، وأن يكون لذلك القائد رسالة طموحة بشأن حلّ الأزمة الماثلة، والتخطيط لمستقبل أفضل يلامس تطلعات مناصريه، وأن يفلح في تجييش المجتمع خلف رسالته الإصلاحية، ويرافق ذلك التجييش سلسلة من النجاحات المشهودة والمنسوبة لصاحب الرسالة في مجال الإصلاح لتجاوز تحديات الأزمة القائمة، أيًا كان شكلها. وبذلك يخلص ماكس فيبر إلى أنّ القائد الكاريزمي ابن بيئته ومجتمعه، لكنه يختلف عن الآخرين بسلوكه الجاذب والمتفرّد، واستيعابه الشامل لقضايا المجتمع وحاجاته، وقدرته التنظيمية على تفعيل تلك الاستجابة المجتمعية في شكل برنامج إصلاحي، يتحدى الوضع القائم، ويطرح البدائل التي ترسم الطريق لتحقيق غايات منشودة ومحفوفة بالمخاطر والابتلاءات.

الصراع السياسي والفكري وفق خيارات تتدرج بين الهجوم العنيف المباشر أو غير المباشر ضد الخصم، أو الموقف الدفاعي الذي يرمي للحفاظ على الوضع القائم في الساحة السياسية والعسكرية. ولتحقيق أي من هذه الخيارات تُستخدم المناورة العسكرية، موظفةً الأدوات والوسائل الحربية المتاحة لحسم الصراع لمصلحة الأهداف الإستراتيجية العليا. ويُساهم فن المناورة بهذه الطريقة في استيعاب الاعتبارات المعنوية والمعطيات المادية للعدو حسب ظروف الزمان والمكان. بدأت معالم هذه النظرة الإستراتيجية العسكرية تتشكّل في القرن السادس قبل الميلاد، عندما ألَّف الإستراتيجي العسكري الصيني صن تزو كتابهفن الحرب، مشيرًا إلى خمسة عناصر رئيسة لإدارة الحرب، وتوظيفها صوب الهدف السياسي الذي لا يتحقق من دونها. ويأتي في مقدمة هذه العناصر القائد العسكري المؤهل الذي يتحلّ بفضائل الحكمة والإخلاص والتفاني في العمل والشجاعة والحزم؛ وذلك في إطار قانونٍ أخلاقي ينظِّم علاقته بالجُند، ويجعلهم منصاعين لتنفيذ أوامره، وفق نظام عام لتوزيع الرتب العسكرية، وتقسيم الجيش إلى وحدات صغيرة، بما فيها وحدة صيانة الطرق والإمدادات التي تصل إلى الجيش، والتحكم في الإنفاق العسكري. ويوصي أيضًا بالمعرفة التامة بتضاريس الأرض التي يتحرك عليها الجُند، وملائمة المناخ مع تلك التحركات العسكرية والإجراءات الحربية المصاحبة لها. ولا ينسى أهمية المناورة العسكرية بوصفها عاملً مساعدًا ومهمًا في استخدام الإمكانات والوسائل العسكرية المتاحة من طرفٍ، وتحقّق الهدف السياسي العام من طرفٍ آخر. ولذلك يصف تزو الحرب بأنها خدعة؛ أي أنّ الجُند عندما يكونوا قادرين على الهجوم يجب أن يظهروا العكس، وعندما يكونوا قريبين من العدو يجب أن يشعروه ببُعدهم، وعندما يكونوا بعيدين يجب أن يظهروا له أنهم على مقربة منه. وكذلك يجب عليهم أن يُقلقوا مضجعه عندما يخلد للراحة، ويفرّقوا بين عناصره عندما يكون متحدًا، ويهجموا عليه عندما يكون غير مستعدٍ للهجوم5. وإلى جانب الخدعة، يرى تزو ضرورة استخدام الجواسيس لجلب المعلومات الاستخباراتية عن العدو، لكنّه يحذّر من الاعتماد المفرط على معلومات الجواسيس التي يجب أن تخضع لمعايير المفاضلة والترجيح بمقارنتها مع المعلومات الاستخباراتية المتوافرة من مصادر أخرى6. وإذا أمعنا النظر في هذه العناصر الخمسة التي رصدها صن تزو، وحلل مفرداتها في إطار العوامل المساعدة الأخرى، نصل إلى أن معظم العمليات العسكرية التي نُفذت على صعيد الواقع في العالمين القديم والوسيط لم تخرج عن هذا الإطار، بما في ذلك الإستراتيجيات العسكرية التي نُفذت في عهد الرسول ﷺ والفتوحات الإسلامية اللاحقة7. أما منظّرو عصر النهضة الأوروبية والعصور التالية، فقد ارتبط مفهوم الإستراتيجية عندهم بالجانب العسكري الذي استند إلى النشاطات الحربية التي قادتها بعض الدول الأوروبية لتسوية نزاعاتها الداخلية، وبسط نفوذها السياسي والاقتصادي خارجيًا، علمًا بأنّ ذلك النفوذ كان مدفوعًا بمخرجات الاقتصاد الرأسمالي الذي يهدف إلى السيطرة على المواد الخام - المتوافرة خارج حدود الدول الأوروبية - والأيدي العاملة الرخيصة، والسوق التجارية الرائجة لتصريف المنتجات الصناعية لتلك الدول الرأسمالية، واستثمار رؤوس أموالها. وبناءً على ذلك، يُعرِّف عبد القادر محمد فهمي الإستراتيجية العسكرية بأنها "الاستخدام الفعلي للقوات المسلحة بمختلف صنوفها القتالية عند التلاحم ميدانيًا مع قوات العدو، وأنها تهتم بعملية التحضير والإعداد والتخطيط لكيفية استخدام القوات المسلحة في حرب تخوضها الدولة"8. ويفرِّق فهمي بين الإستراتيجية العسكرية والعقيدة العسكرية، موضحًا أنّ الأخيرة تقوم بتوجيه النشاط العسكري "في ضوء الأفكار والتعاليم التي تخص العلم العسكري، وفنون

  1. Tzu, pp. 38  -  40.
  2. Ibid., pp. 152  -  153.
  3. أشار إلى ذلك عبد الغني بن عبد العزيز في أطروحته المقدمة لنيل درجة الماجستير في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا. لمزيد من التفاصيل، انظر: Abdul Ghani bin Abdul Aziz, The Underlying Factor for the Ascendancy of Muslim Army over its Persian and Byzantine Counterparts (663  -  644 ACE): An Analysis Based on Sun Zi's Art of War, M.A. Thesis, International Islamic University Malaysia, 2006.
  4. عبد القادر محمد فهمي، المدخل إلى دراسة الإستراتيجية (عمان: دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، 2010)، ص 41.

الحرب التي تطبّقها القُوات المسلحة بعد تأمين مستوى متقدمٍ في مجال إعدادها وتدريبها، مما يجعلها قادرة على مجابهة الظروف والأخطار كافة، بهدف تحقيق النصر العسكري عند اشتراكها بأي صراع مسلح"9. فعملية التمييز بين العقيدة العسكرية والإستراتيجية العسكرية تُعدُّ إضافة مهمة؛ لأنها تفسّ ما أجمله صن تزو عندما تحدث عن دور الحاكم ودور القائد العسكري، مبينًا أنّ الأول يكون مسؤولً عن رسم معالم الهدف السياسي العام، والثاني يقوم باستخدام الآلة الحربية تخطيطًا وتنفيذًا لبلوغ ذلك الهدف. ومن أهم الدراسات الإستراتيجية العسكرية التي صدرت في هذا الشأن، دراسة نيقولا ميكافيللي Niccolo Machiavelli (ت. 1527 م)10، وهنري لويد Henry Lloyd.(ت 1783 م)11، وكارل كلاوزفيتز Carl Clausewitz (ت. 1871 م)12، وجميعها تحركت داخل الإطار الذي وضعه صن تزو، مع مراعاة الاختلافات المرتبطة بالزمان والمكان، والاعتبارات المعنوية، والمعطيات المادية لكل دراسة حالة على حدة. تقودنا هذه التوطئة إلى طرح سؤالين منهجيين هما: ما علاقة هذا الإطار النظري للإستراتيجية العسكرية بالشخصية الكاريزمية عند ماكس فيبر؟ وكيف يمكن توظيف طرفي هذه المعادلة النظرية لمناقشة الإستراتيجية العسكرية للإمام محمد أحمد المهدي في السُّودان؟ تتمثل العلاقة بين طرفي المعادلة النظرية في أنَّ صن تزو قد جعل القيادي العسكري في وضع محوري بالنسبة إلى العناصر الأربعة الأخرى الرئيسة المرتبطة بعملية فن الحرب وإدارتها. ووصف القائد العسكري ببعض الصفات التي تقاطعت مع المواصفات التي وضعها ماكس فيبر للشخصية الكاريزمية. فالإطار النظري في شقه الأول نستخدمه لتوطين الإستراتيجية المهدية وتقييمها في إطاريها العقدي والعسكري، وشقة الثاني يعيننا في الإجابة عن سؤالين محوريين آخرين هما: هل كان محمد أحمد المهدي شخصية كاريزمية13؟ وإلى أي مدى استطاعت شخصيته الكاريزمية أن تؤسس لإستراتيجية عسكرية كان لها الدور الرئيس في نجاح حروب المهدية ضد الحكم التركي في السُّودان؟ لا شك أنّ هذا الإطار النظري يُساعدنا في تحليل مرتكزات الإستراتيجية العسكرية للإمام المهدي التي تمثلت في القضاء على الحكم التركي في السودان وإقامة حكم إسلامي بديل، مستندًا في ذلك إلى القرآن والسنة والمنشورات التي أصدرها المهدي حسب مقتضيات الحال. وكذلك يعيننا في مناقشة إستراتيجية المهدية العسكرية التي ارتبطت بفكرة المهدي المنتظر كإطار عقدي - معنوي، واستمدت فاعليتها العسكرية من الهجرة، والبيعة، والدعوة للجهاد، والإدارة التنظيمية للجند، واستغلال الظروف المناخية وتضاريس الأرض.

العقيدة العسكرية للإستراتيجية المهدية

تبين مجلدات كتابالآثار الكاملة للإمام المهدي14 أنّ العقيدة العسكرية للإستراتيجية المهدية كانت مُسْتَمدةً من فكرة المهدي المنتظر الشيعية، والتي تستند إلى بعض الأحاديث المرويَّة عن الرسول ﷺ، والآيات القرآنية التي أ وِّلت في شأن المهدي المنتظر، وظهوره آخر الزمان، ليملأ الأرض عدلً بعد أن مُلئت ظلمًا وجورًا. والفكرة في جوهرها ذات مدلول اجتماعي - سياسي معارض للسلطة الحاكمة، التي يعدها المهديون سلطةً فاسدةً وجائرةً. ولذلك وصف محمد إبراهيم أبو سليم فكرة المهدي المنتظر بأنها "شعار المضطهدين والمغلوبين

  1. المرجع نفسه.
  2. Niccolo Machiavelli, The Art of War , revised edition (Da Capo Press, 2001).
  3. Patrick J. Speelman, War, Society and Enlightenment: The Works of General Lloyd (Leiden: 2005).
  4. Carl von Clausewitz, The Principles of War , translated by Hans Wilhelm Gatzke (New York: Courier Dover Publications, 2003).
  5. Richard H. Dekmejian and Margaret J. Wyszomirski, "Charismatic Leadership in Islam: The Mahdi of the Sudan," Comparative Studies in Society and History 14 , no. 2 (March 1972), pp. 193 – 214.
  6. محمد إبراهيم أبو سليم (تحقيق)، الآثار الكاملة للإمام المهدي، 7 مجلدات (الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، 1990  -  1994.)

على أمرهم، وجنة موعودة ترضي خيالهم، وتشبع رغباتهم المكبوتة، وطموحاتهم المثالية... في العدل [المطلق]، والقضاء المبرم على العدو"15. إلا أنَّ المشايعين لهذه الفكرة اختلفوا في تحديد ماهيتها الوظيفية، وتاريخ حدوثها زمانًا ومكانًا، والصفات الواجب توافرها في صاحب الدعوة وحامل الرسالة؛ أي المهدي المنتظر. فالمتصوفة جعلوا من شخصه قطبًا صوفيًا، وخاتم دولة مثالية، قوامها الأولياء والصالحون. وأهل السنة آثروا تصويره في شخص مصلحٍ ديني، يعيد للإسلام مجده ونقاءه الأول، وفق منهاج السلف الصالح وسيرتهم. أما الشيعة الإمامية (الأثنا عشرية) فقد حصروا الفكرة في آل بيت رسول الله ﷺ، ورهنوا ظهورها بالإمام الغائب محمد بن الحسن العسكري، والذي اختفى بعد وفاة والده سنة 874 ميلادية16. راجت هذه الفكرة في سودان القرن التاسع عشر للميلاد نتيجةً لتصاعد ظلم الحكم التركي (1821  -  1885 م) الذي خلق بيئة سياسية واجتماعية صالحةً لانتشارها، وكذلك لتداول كتب التُاث الإسلامي التي كانت تلمح بتشابه الظروف المواتية لظهور المهدي المنتظر، فضلً عن قوافل حجاج غرب أفريقيا العابرة للحدود السُّودانية صوب الأراضي المقدسة، والتي كانت تبشِّ بظهور المهدي المنتظر في الشروق (أي الشرق). هكذا بدأت الفكرة تتشكّل في مخيلة الإنسان السُّوداني، الذي ظلّ رافضًا للحكم التركي، وكانت معارضته تنطلق من مسوغات ومصالح شتى، لكنها جميعًا تتفق في معارضة النظام الحاكم، والبحث عن بديل آخر. وفي تلك الأثناء، برز اسم الشيخ محمد أحمد بن عبد الله الذي توافرت له صفات متميزة أهلَّته لقيادة المجتمع السُّوداني آنذاك، وتلك الصفات ارتبطت بسلوكه الصوفي الزاهد الذي أكسبه تقدير قطاع عريض من الناس، كما ارتبطت بعلمه الشرعي المالك لناصية الفقه والإفتاء في أمور الحكم والجهاد. وطفت على السطح شخصيته الكاريزمية التي منحتها فكرة المهدي المنتظر بُعدًا أيديولوجيًا قويًا وفاعلً؛ لأنّ الفكرة في حد ذاتها كانت شاخصة في مخيلة العقل الصوفي السُّوداني. لذلك كان الإعلان عن فكرة المهدية من رجل عُرف بالزهد والصلاح، ومعارضته للحكم التركي، إعلانًا سياسيًا وأيديولوجيًا قوي الأثر؛ لأنه خاطب أحلام المظلومين بعدل يرعى تحت سمائه "الذئب مع الغنم"؛ وشحذ أشواق أهل البادية والريف إلى الخلاص من الضرائب التركية الباهظة، وفظاعة جباتها "الباشبوزق"17، وغازل أيضًا تطلعات أولئك الذين فقدوا نفوذهم السياسي، أو الديني، أو التجاري في عهد الحكومة التركية18. وفي تلك الأثناء، بدأ إعلان الدعوة المهدية في الجزيرة أبا على النيل الأبيض؛ إذ شرع محمد أحمد (المهدي لاحقًا) بالتحرك سرًا وسط الأعيان ورجال الطرق الصوفية بمنطقة النيل الأبيض والمناطق المجاورة لها ملتمسًا رغباتهم وواضعًا الأساس لدعوته الإصلاحية القادمة. ومن أصدق الشواهد على تلك التحركات السرية، توصيف يوسف ميخائيل القبطي لزيارة محمد أحمد (المهدي) الأولى للأبيض عام 1879، ومخرجاتها السياسية، قائلً: الرجل عالم، صاحب علم، زادت محبته في قلوبهم [أي أعيان الأبيض]، وفرحوا به فرحًا شديدًا، من شدة تواضعه وحلاوة مقاله، كأنه يسقي في أرض عطشانة حتى غرس محبته في قلوبهم، وجذبهم بمذاكرته، وسحرهم بحسن مقاله. ما ترك أي بيت كبير، ومن له اسم مشهور إلا زاره، كمثل حاج خالد العمرابي، وأولاد ولد العريق، وأولاد عربي، والفكي مكاوي الركابي، وأهل ولد أبو صفية، وخصوصًا

  1. محمد إبراهيم أبو سليم، الحركة الفكرية في المهدي (الخرطوم: مطبعة جامعة الخرطوم، 1970)، ص 1.
  2. لمزيد من التفاصيل، انظر: Ahmed Ibrahim Abushouk, "The Ideology of the Expected Mahdi in Muslim History: The Case of the Sudanese Mahdiyya, 1881  -  1898 ," Pakistan Journal of History and Culture , vol. xxx 1 (2009), pp. 43  -  60.
  3. الباشبوزق" أو "باشي بوزوق" كلمة تركية معناها الجامح أو الشاذ، وكانت تُطلق في بادئها على العيَّارين الذين لا مأوى لهم، ثم على فصائل من الجند غير النظاميين الذين يعيّنون لمساعدة القوات النظامية في بعض المهمات العسكرية والإدارية. وفي السُّودان يُطلق المصطلح على الجنود غير النظاميين الذين عيّنتهم الحكومة التركية لمساعدتها في بعض الأعمال الضبطية والإدارية.
  4. لمزيد من التفاصيل، انظر: نعوم شقير، جغرافية وتاريخ السُّودان (بيروت: دار الثقافة، 1967)، ص 315  -  320؛ وب. م. هولت، المهدية في السُّودان، ترجمة جميل عبيد (بيروت: دار الفكر العربي، 1978)، ص 34  -  49؛ ومحمد سعيد القدال، الإمام المهدي محمد أحمد بن عبد الله (1844  -  1885): لوحة لثائر سوداني (الخرطوم: مطبعة جامعة الخرطوم، 1985)، ص 3  -  21.

إلياس باشا أم برير، وبان النقا الرازقي... ويلقي عليهم المذاكرة بالدين، ورغب فيهم الرفيع والوضيع، كبير وصغير، وحفر الأساس في كوردفان، وتوجه لمحل إقامته، وعندما يعود يرمي البناء على الأساس19. وبذلك عرض يوسف ميخائيل بعض الصفات الكاريزمية للإمام المهدي، وقدَّم صورة ذهنية حيَّة لمجتمع الأبيض الذي كان مهيَّأً لقبول الدعوة المهدية، ثم أبرز طرفًا من ملامح الدعوة السريَّة للمهدية التي كانت "مشوبة بالحذر والإشارات الباطنية"20، مثل "إقامة الدين، والدخول في العهد المعلوم". ويتجلى ذلك في الرسالة الخطية التي بعثها محمد أحمد (المهدي لاحقًا) إلى الشيخ محمد الطيب البصير، قائلً: لا يخفى عزيز علمكم، أنَّ الأمر الذي نحن عليه لا بد من دخول جميع المؤمنين فيه؛ إلا مَنْ هو خال من الإيمان، وذلك مما ورد في حقائق غيبية، وأوامر نبوية، أوجبت لنا مهمات صرنا مشغولين بها... الأمر قد دهمنا من الله ورسوله، عاهدني على القيام به نحو عشرين ألفًا. والبشارة من الله، ومنه ﷺ، أنّ أصحابنا في تقويم الدين مئتان وأربعون ألفًا، وستون ألفًا من الأولياء الميتين، وملائكة لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، فسبحان من يظهر قدرته في أضعف خلقه. وهذا الأمر مكتوم لا يظهر إلا بحلف وعهود على كتمه حتى يظهره الله تعالى21. وبهذا المدخل الصوفي وإشاراته الضمنية بشَّ الشيخ محمد أحمد بمعالم دعوته المهدية، وشجَّع الأعيان على الالتحاق به في الجزيرة أبا قبل إعلان الدعوة. ولذلك يقول للشيخ محمد الطيب البصير: "فالسعيد من بادر إلى اغتنام أوائله بأهله وأولاده وأمواله، ومن لم ينفذ هذا الأمر فهو المعزول الذي حكم الله ورسوله عليه بالحدّ المنقول... وكل ذلك تلويحات الأسرار لا تباح، وهذا مما يكتم وجوبًا، ولا يطلع عليه إلا أنت، حتى يظهر الله الأمر"22. وفي رسالة لاحقةٍ يصرّح الشيخ محمد أحمد بأمر مهديته للشيخ محمد الطيب البصير، مستندًا إلى حضرة نبوية دار فيها حوار بين الفقيه عيسى والرسول ﷺ، فقد قال السلف للخلف: "شيخك هو المهدي"، فردّ عليه الفقيه عيسى قائلً: "إني مؤمن بذلك". فيقول الرسول ﷺ: "من لم يصدق بمهديته كفر بالله ورسوله". ثم يسأله الفقيه عيسى: "يا سيدي يا رسول الله الناس من العلماء يستهزؤون بنا، والخشية أيضًا من التُك، فيقول ﷺ: والله والله والله إنْ قوي يقينكم، إنْ أشرتم بأدنى قشّة تنقضي حاجتكم". ثم يبتدر الشيخ عبد الله (ربما يكون الخليفة عبد الله لاحقًا) الحوار مع الشيخ الطيب قائلً: "نحن مصدقون بمهدية شيخنا، والناس ليسوا مصدقين "، فيقول الشيخ الطيب: "إنَّ شيخك حين ولادته عرَّفوه أهل الباطن والحقيقة أنه المهدي، فما تمَّ الأربعين يومًا عرفته النباتات والجمادات بأنه المهدي"، ثم يقول الشيخ الطيب: الطريقة فيها الذل، والانكسار، وقلة الطعام، وقلة الشراب، والصبر، وزيارة السادات، فتلك ستة؛ والمهدية أيضًا فيها ستة: الحرب، والحزم، والعزم، والتوكل، والاعتماد على الله تعالى، واتفاق القول. فهذه الأثنتا عشرة لم تجتمع لأحد إلا لك"23. والإشارة هنا إلى محمد أحمد المهدي. تشكّل هذه النصوص المختارة الأبعاد الأساسية لعقيدة محمد أحمد المهدي العسكرية؛ إذ تمَّ بموجبها تصنيف كل مَنْ لم يؤمن بالمهدية بأنَّه كافر، بذلك يستباح دمه، وع رْضَه، وماله؛ وعلى النسق ذاته صُنِّفَ الحُكام والمحكومون في السُّودان إلى معسكرين: معسكر

  1. يوسف ميخائيل، مذكرات يوسف ميخائيل عن أواخر العهد التركي والمهدية في السُّودان، تحقيق أحمد إبراهيم أبو شوك (أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2004)، ص 43  -  44.
  2. القدال، ص 65.
  3. خطاب من المهدي إلى محمد الطيب البصير، ذو القعدة 1297 ه/ 5 تشرين الأول/ أكتوبر- 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 1880 م، أبو سليم (تحقيق)، الآثار الكاملة، ص 71.
  4. المرجع نفسه، ص 72.
  5. خطاب من المهدي إلى محمد الطيب البصير، غرة شعبان 1298 ه - 30 حزيران/ يونيو 1881 م، أبو سليم (تحقيق)، الآثار الكاملة، ج 1، ص 78.

المهدية ومعسكر المعارضين لها، أو عالم المهدية وعالم التركية، كما يرى القدال24. وبناءً على هذا التصنيف الإقصائي في الصراع، استندت عقيدة المهدية العسكرية إلى مبدأين رئيسين؛ أحدهما صوفي النزعة يقوم على الذل والانكسار وقلة الطعام وقلة الشراب والصبر وزيارة السادات، والآخر عسكري التوجه يرتكز على الحرب ولوازمها المعنوية والنفسية المتمثلة في الحزم والعزم والتوكل والاعتماد على الله تعالى واتفاق القول. ويضاف إلى ذلك أنّ عقيدة المهدية العسكرية، حسب زعم صاحبها، كانت مسنودة من الله سبحانه وتعالى، ورسوله ﷺ، وأعداد غير معلومة من الأولياء والصالحين والملائكة. ويعني ذلك أنَّ انتصار المهدي على أعدائه ليس محل شكٍ أو تضليل، بل يجب على العقلاء الالتحاق بالمهدية، والتخلُّص من ثلاث خصال ذميمة، هي "الحسد، والكذب، وترك الصلاة"25. وبهذه النظرة الشاحذة لهمم الأنصار، استطاع المهدي أن يصنع نظامًا عسكريًا وسلوكيًا مُحكمًا بينه وبين أنصاره لتحقيق مستلزمات الحرب، المتمثلة حسب رؤية صن تزو، في "النظام العام"، و"القانون الأخلاقي للجُند"، و"القيادة العسكرية" المؤهلة. وتأسيسًا على ذلك، يبقى هناك سؤال جوهري هو: ما المرتكزات الإستراتيجية التي أُسست عليها عقيدة محمد أحمد ا لمهدي العسكرية؟

الإستراتيجية العسكرية للإمام المهدي: المرتكزات والمتغيرات

تقوم مرتكزات الإستراتيجية العسكرية للإمام المهدي ومتغيراتها على حزمة من القواعد التنظيمية المستقاة من سيرة الرسول ﷺ وأدبيات المتصوفة، والملامسة في كلياتها لمتطلبات فنون الحرب وإدارتها حسب رؤية صن تزو. فالمتغير في الإستراتيجية العسكرية المهدية كان يتمتع بحرية حركة سابقة ولاحقة للمرتكز الثابت، والذي يهدف إلى تحقيق الهدف السياسي العام للحركة المهدية. وكانت المرتكزات والمتغيرات مجتمعة تمثل الضوابط التنظيمية الناظمة لطبيعة العلاقة التي نشأت بين الإمام المهدي وجماهير الأنصار التي كانت مسحورة بقيادته الكاريزمية. ونعرض في الفقرات الآتية تلك المرتكزات والمتغيرات المصاحبة لها بالتفصيل، ثم نناقش طبيعة الوشائج التنظيمية التي جمعت بينها، وفعَّلت حركتها في إطار الغايات التي تنشدها الثورة المهدية.

الهجرة

تأتي الهجرة في مقدمة المتغيرات التي استندت إليها إستراتيجية المهدي العسكرية، وكما نعلم أنّ مصطلح الهجرة مستعار من سيرة الرسول ﷺ، مع العلم أنّ هناك أحاديث تشير إلى منع الهجرة بعد الفتح (أي فتح مكة). لكن الخلاف الفقهي في هذه القضية لم يكن محل اهتمامنا، بل الشيء المهم هو أنَّ المهدي استخدم الهجرة كمتغير حيويٍ في إستراتيجيته العسكرية لجمع الأنصار وتحصينهم ضد الحكم التركي في السُّودان. ولذلك يصفها القدال بأنها "تكتيك نضالي متقدم، تلجأ إليه الحركات عندما يعزُّ عليها البقاء في مكان انبعاثها لشراسة المعارضة"26. ولذلك لم تكن الهجرة إلى الجزيرة أبا، ومن بعدها إلى قدير في جنوب كردفان، قرارًا عشوائيًا، بل تكتيكًا عسكريًا مدروسًا من حيث المكان والزمان اللذين اختارهما الإمام المهدي، حيث بدأت المناداة للهجرة في مرحلة مبكرة من عمر الدعوة السريَّة للمهدية، عندما خاطب المهدي بعض زعماء القبائل ومشايخ الطرق الصوفية، طالبًا منهم الانضمام إليه في الجزيرة أبا. وفي 12 رجب 1297 ه/ 21 حزيران/ يونيو 1880، أرسل خطابًا إلى الحاجة آمنة بنت الفقيه محمد نور، وعثمان الحاج صالح وأولاده وأهل بيته، مبشِّ ا إياهم بالبشارات التي وردت إليه بشأن المهدية، وحاثًّا إياهم على الهجرة إلى الجزيرة أبا: "فلازم، يا أحبابي، أن تجيبوا الأمر، وتأتوا إلينا سريعًا برمضان، فإن أمر النبي ﷺ بالاجتماع في شوال. فيكن الاهتمام في هذا الأمر، فإنه أمر من الله ورسوله، وما بعد أمر الله ورسوله

  1. القدال، ص 77.
  2. خطاب من المهدي إلى محمد الطيب البصير، غرة شعبان 1298 ه - 30 حزيران/ يونيو 1881 م، أبو سليم (تحقيق)، الآثار الكاملة، ج 1، ص 79.
  3. القدال، ص 93.

إلا الضلال وسوء الحال المضر... في الدارين. فهذه نصيحتي لكم، فالحذر الحذر، والسلام"27. وفي خطاب لاحقٍ يوضح المهدي إلى عبد الفتاح بن الفقيه عبد الله المسوغات الداعية لإحياء الدين، ثم يحثه على الهجرة إلى الجزيرة أبا، قائلً: وإنه، سيدي، وردت في ذلك واردات وأسرار لا يجوز بثها إلا بالحضرة [أي الحضور إليه]، لكن سيدي إن هذا الأمر لا يتخلَّف منه مَنْ هو صحيح الإيمان. فإذا أتاك هذا الجواب، فهيا بأهلك، وإخوانك، وأصحابك، وأتباعك، ولا تعاين لفوات شيء. فمعلوم أن مَن ترك لله شيئًا عوَّضه الله خيرًا منه، والأخبار في ذلك كثيرة، كترك سليمان عليه السلام خيله لله، فعوضه الله عنه الريح، وترك نبينا عليه الصلاة والسلام وطنه وجميع المآرب، فأخلفه الله ما لا يخفى، وترك الصحابة أموالهم وأهلهم إلا من تبعهم28. ويؤكد الإمام المهدي وجوب الهجرة شرعًا في خطابه إلى دفع الله بقوي، قائلً: "ومما أوجبه علينا ﷺ الهجرة، وهي واجبة كتابًا وسنةً، ومتحتمة لا يتخلَّف عنها إلا أهل الأعذار الصحيحة. وإجابة الدين واجبة، وإجابة داعي الله واجبة كتابًا وسنةً. ومن استنفره الإمام وجب عليه النفور"29. بهذه المختارات من خطابات المهدي التي بعثها إلى الأعيان ورجال الطرق الصوفية، يتضح أنّ الهجرة كانت متغيرًا (أو تكتيكًا) بالغ الأهمية من الناحية العسكرية؛ لأنها شكَّلت خط دفاع للدعوة المهدية الوليدة ضد أعدائها، وساهمت في قيام معسكرين متمايزين؛ أحدهما معسكر المهدي لإحياء الكتاب والسنة، كما يرى صاحب الدعوة، والثاني معسكر الترك الذين "سمَّاهم النبي ﷺ كُفَّارًا! قال بل هم أشد الناس كُفْرًا؛ لأنهم ساعون في إطفاء نور الله ورسوله"30. وبهذه النداءات استوفى المهدي شرطًا من الشروط التي وضعها ماكس فيبر؛ لنجاح رسالة الشخصية الكاريزمية، ويتمثل ذلك الشرط في ترسيخ قيم "نحن"، و"هم"، التي تجعل الرسول ﷺ يقف في صف المهدي وأنصاره، والشيطان في صف الأتراك الذين وصفهم الرسول ﷺ، حسب منشورات المهدية، بأنهم أشد الناس كفرًا. ولا شك أنّ هذا التقسيم العقدي شحذ همم الأنصار للوقوف بصلابة في وجه أعدائهم. وتتبلور صدقية ذلك في الحوار الذي جرى بين المهدي وأبي السعود بك العقاد31 في الجزيرة أبا قبل الصدام العسكري، عندما قال أبو السعود للمهدي: "ارجع عن هذه الدعوى، فإنك لا تطيق حرب الحكومة، ولا نرى معك من يقاتلها؟ فأجابه محمد أحمد وهو يبتسم: أنا أقاتلكم بهؤلاء، وأشار إلى أصحابه، ثم التفت إليهم، وقال: أأنتم راضون بالموت في سبيل الله؟ فقالوا كلهم: نعم راضون بالموت في سبيل الله، وباذلون أرواحنا في رضى الله، ورسوله، ومهديه"32. يؤكد هذا المشهد أنّ الذين التحقوا بمعسكر المهدي في الجزيرة أبا قد آمنوا بالدعوة المهدية وقيادتها الكاريزمية، وأظهروا استعدادًا كاملً لمواجهة أي عدو يقف في طريقهم. وأنَّ الهجرة إلى الجزيرة أبا، ومن بعدها إلى قدير، كانت رصيدًا عسكريًا مهمًا للثورة المهدية؛ لأنها أفسحت المجال لشحن الأنصار عقديًا، وإعدادهم عسكريًا لمواجهة "أعداء الدين" و"علماء السوء."

  1. خطاب من المهدي إلى الحاجة آمنة بنت الفقيه محمد نور وحبيبنا وابننا عثمان الحاج صالح وأولاده وأهل بيته، 12 رجب 1297 ه - 21 حزيران/ يونيو 1880 م، في: أبو سليم (تحقيق)، الآثار الكاملة، ج 1، ص 63  -  64.
  2. خطاب من المهدي إلى عبد الفتاح بن الفقيه عبد الله، 3 ذو القعدة 1297 ه - 7 تشرين الأول/ أكتوبر 1880 م، في: المرجع نفسه، ص 69  -  70.
  3. خطاب من المهدي إلى دفع الله بقوي، شوال 1298 ه/ 28 آب/ أغسطس- 25 أيلول/ سبتمبر 1881 م، في: المرجع نفسه، ص  99.
  4. خطاب من المهدي إلى كافة جبال الفونج عربها وهمجها إلى حدث منهى بني شنقول وجبل قبا، 7 محرم 1299 ه/ 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1881 م، في: المرجع نفسه، ص 103.
  5. هو محمد أبو السعود بله العقاد، مصري الأصل، قدم إلى السُّودان تاجرًا مع قريبه محمد أحمد العقاد، صاحب شركة العقاد التي كانت لها أعمال واسعة في الاستوائية بجنوب السُّودان، ثم أصبح مديرًا للشركة بعد وفاة صاحبها عام 1870 م. دخل أبو السعود في صدام مع صموئيل بيكر وغردون بسبب سياساتهما الرامية إلى محاربة تجارة الرقيق، وبعد أن تضررت أعماله التجارية في الجنوب، انتقل إلى الخرطوم وصار معاونًا للحكمدار في الشؤون المالية. وبعد إعلان المهدية في الجزيرة أبا، أوكلت إليه مهمة مقابلة المهدي، وإقناعه بالعدول عن رأيه بشأن المهدية، إلا أنه فشل في تلك المهمة، ولجأ لاستخدام القوة، ولكنه خسر الرهان بعد أن مني جنوده بهزيمة نكراء على أيدي الأنصار. توفي عام 1881 م، ويقال إنه مات مسمومًا. انظر: Richard Hill, Biographical Dictionary of the Anglo-Egyptian Sudan (London: Frank Cass, 3 rd ed., 1967), pp. 274  -  275.
  6. نعوم شقير، تاريخ السُّودان، تحقيق وتقديم محمد إبراهيم أبو سليم (بيروت: دار الجيل، 1981)، ص 337.

وبذلك كانت الجزيرة أبا تمثل المحطة الأولى للهجرة التي بلغت ذروتها في "ماسة" في أقصى الغرب، والملاصقة لجبل يُقال له "قدير"، بناءً على الأمر الوارد للمهدي من الرسول ﷺ - كما يزعم - بأنّ جميع الناس مأمورون بالهجرة إلى منطقة ماسة في جنوب كردفان33. ولا شك أنّ هذا الخيار كان له بُعد عقدي، وآخر إستراتيجي. ويتمثل البُعد العقدي في أدبيات التُاث الإسلامي التي أشارت إلى ظهور المهدي المنتظر في جبل ماسة، والبُعد الإستراتيجي يرتبط بطبيعة تضاريس المنطقة التي اختارها المهدي معسكرًا لجُنده، بحجة أنها تبعد عن مركز السُّلطة التركية الحاكمة في الأبيض والخرطوم، وأنها تتمتع بحماية الملك آدم أم دبالو، ملك جبال تقلي34. وبهذا الاختيار حقق الإمام المهدي شرطًا أساسيًا من الشروط التي وضعها صن تزو لإدارة الحرب الناجحة؛ أي طبيعة تضاريس الأرض التي أدار المهدي منها معاركه العسكرية الحاسمة ضد راشد بك أيمن35 والشلالي باشا36.

البيعة

البيعة عبارة عن عقد سياسي -أخلاقي ينشأ بين صاحب البيعة والمبايعين له لتحقيق هدف معين. فالإمام المهدي قد بايع نفرًا من السُّودانيين قبل أن يعلن بأنه المهدي المنتظر، ولكنه بايعهم على نصرة الدين وإحياء القيم الإسلامية، وطلب منهم أن يكتموا تلك البيعة إلى أن يظهر أمره للناس جليًّا37. وبذلك برزت أهمية البيعة بصفتها مرتكزًا من مرتكزات إستراتيجية المهدي العسكرية بعد اللقاء العاصف الذي حدث بين أبي السعود والمهدي في الجزيرة أبا. وبعد ذلك اللقاء حذَّر المهدي أنصاره، قائلً: "أيها الناس إنَّ الترك رجعوا لطلب المدد، وسيعودون إلى حربنا، فمن كان منكم خائفًا على أولاده، وأمواله، ليخرج منا، فنحن سامحون له، وبيعتنا التي في أعناقكم ليس عليكم فيها حرج، فإن سَلِمْنَا فعودوا إلينا؛ وإلا فقد أحرزتم أبناءكم وأموالكم "38. فجاء رد أنصاره بلسان واحد: "يا سيدي نحن بايعناك على الموت، ورضينا بذلك، ولا نرغب بنفسنا عن نفسك، بل نحن معك حيثما توجهت، فمر بما شئت، فنحن لك سامعون، ولأمرك مطيعون يا خليفة رسول الله"39. وبذلك شكلت البيعة رباطًا إستراتيجيًا وأخلاقيًا بين المهدي وأنصاره، يمكن أن يُصنّف في خانة

  1. خطاب من المهدي إلى كافة الأحباب في الله، في: المرجع نفسه، ص 615. النص الكامل لهذه الفقرة يقرأ هكذا: "أيها الأحباب إني محمد بن عبد الله، وأبي حسني من جهة أبية وأمه، وأمي عباسية من جهة أبيه وأمها، حينئذ لا شك أني من نسل المصطفى ﷺ، وإني وُلدت في بحر النيل، وهاجرت إلى ماسة في أقصى الغرب، بلصق جبل يقال له قدير؛ لأني موعد به فلا تلبسوا على أنفسكم بقول ظهورنا في المشرق، المعني أننا نظهر بالمشرق، ويملأ الله لنا البلدان عدلً كما ملئت جورًا، ويدر الله لنا الأرزاق درًا، ويفيض الماء غيظًا، وتتآنس الذياب، يعني بها السباع الضارية في الأنعام، ويؤمن كل مؤمن من سم الحيَّة. وهذا كله بعد وصولنا لبيت الله الحرام، والبيعة الثانية هي الكبرى، وتسمى بيعة الفوز والرضوان."
  2. يعلّق القدال على اختيار جبال النوبة قائلً: "ولعل الموقع الإستراتيجي لجبال النوبة، والاستقلال النسبي الذي يتمتع به سلاطينها، جعلها أكثر استعدادًا للخروج على الحكم المركزي المنظم، وجعلها بوتقة للتمرد على الحكومة واستقبال الخارجين على طاعتها. ولم تفت تلك الأمور على محمد أحمد، فزارها وأمن موقعه هناك بالاتصالات التي أجراها". انظر: القدال، ص 67.
  3. هو راشد بك أيمن، جندي مصري، شغل منصب حاكم فشودة على النيل الأبيض. أخذ زمام المبادرة لمهاجمة المهدي في جبل قدير من دون موافقة الحكومة في الخرطوم، فكان مصيره القتل في واقعة جبل قدير في 9 ديسمبر 1881. شقير، تاريخ السُّودان، ص 341  -  342.
  4. هو يوسف حسن الشلالي، أصله كنزي، من مواليد مدينة الخرطوم. لمع اسمه عندما كان يعمل مع حسين باشا في بحر الغزال. وبعد دحره لقوات سليمان الزبير باشا، رُقي الشلالي إلى رتبة لواء، تقديرًا لخدماته العسكرية. قاد الحملة الثانية على المهدي بهدف القضاء على المهدية في كردفان واستئصالها من القواعد. وصحب جيشه الكثيف نفر من أعيان السُّودان، إلا أنه هُزم وقُتل، وشتت شمل قواته على أيدي أنصار المهدي. انظر: Hill, p. 386.
  5. نص البيعة: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الوالي الكريم، والصلاة على سيدنا محمد وآله مع التسليم. أما بعد، فقد بايعنا الله ورسوله، وبايعناك على توحيد الله، وألا نشرك به أحدًا، ولا نسرق ولا نزني، ولا نأتي ببهتان، ولا نعصيك في معروف، بايعناك على زهد الدنيا وتركها، والرضى بما عند الله، ورغبة ما عند الله والدار الآخرة، وعلى أن لا نفر من الجهاد." وحسب رواية شقير أن المبايعة كانت على وجهين: يتمُّ الوجه الأول مصافحةً ومشافهةً، أي بأن يضع المبايع يده على يد المهدي، جاعلً إبهامه على إبهامه، ثم يقرأ المهدي نصّ البيعة، ويردد المبايع من بعده. والوجه الثاني يتمُّ مشافهة فقط، أي أن يتلو المهدي نصّ البيعة، ويردد الحضور من بعده. انظر، شقير، تاريخ السُّودان، ص 349. ويبدو أنَّ هذا الإجراء الثنائي كان في أيام المهدية الأولى، وإلى جانب هاتين الطريقتين، كان المهدي يفوض الخلفاء والأمراء والزعماء لأخذ البيعة نيابة عنه في الأماكن البعيدة عن معسكره. ومن جانب آخر، نلحظ أن نصّ البيعة قد تأثرت ببعض المصطلحات الواردة في بيعتي العقبة الأولى والثانية بين الرسول ﷺ وأهل يثرب.
  6. المرجع نفسه، ص 337.
  7. المرجع نفسه.

"القانون الأخلاقي للجُند"، الذي عدَّه صن تزو من ثوابت فن الحرب، ومستلزمات النصر فيها. وفي إطار أطروحة ماكس فيبر المرتبطة بالشخصية الكاريزمية، يمكن أن نُصنّف الرباط الأخلاقي الذي أ سس بين المهدي وأنصاره سببًا ضمن أسباب نجاح الثورة المهدية؛ لأنه أحدث تمايزًا سياسيًا وفكريًا بين أنصار الثورة وأعدائهم، ثم دفع الأولين تجاه تحقيق هدفهم الأسمى، المتجسِّد في إزالة الحكم التركي. أما من الناحية الإجرائية، فلم يجعل المهدي أداء البيعة مركزيًا مرتبطًا بشخصه؛ بل فوَّض الأمراء وأصحاب الرايات بأخذ البيعة نيابة عنه، ووصف أي شخص لم يأخذ البيعة عنهم بأنه "منافق ملعون،"40 وأنَّ "الشخص الذي أخذ البيعة وعاد إلى فعله الخبيث فهو كالمرتد"41. وبهذا الحكم القيمي استطاع الإمام المهدي أن يضع معيارًا أخلاقيًا معينًا لالتزام بيعته والولاء له، لدرجة تضع المتمرد في مرتبة المرتد الذي يجب إقامة الحد عليه (وحد المرتد القتل). وبهذا التوجه السياسي للمهدي، شكّلت البيعة نوعًا من الالتزام الأخلاقي الصارم بقيم المهدية وتعاليمها، والانصياع التام لأوامر مؤسسها، وتنفيذها على أرض الواقع، فضلً عن أنها أضحت تمثل رباطًا حصينًا بين المهدي وأنصاره، ومرتكزًا إستراتيجيًا تستند إليه المهدية عسكريًا وسياسيًا في مواجهة تحديات أعدائها.

الجهاد

يمثل الجهاد أحد مرتكزات الإستراتيجية العسكرية للإمام المهدي؛ لأنه يهدف إلى إزاحة التُك الذين ضلوا عن طريق الرشاد، حسب منشورات المهدي، ويفسح المجال لتحقيق أهداف المهدية العليا القائمة على إقرار العدل والمساواة بين الناس، وتحكيم الكتاب والسنة في أمور المسلمين العامة والخاصة. وقد ربط المهدي هذا التكليف بحضرة نبوية، أجلسه فيها الرسول ﷺ على كرسي المهدية، وأمره بجهاد التُك، وذلك حسب ما جاء في أحد منشوراته: إنّ النبي ﷺ لمَّا أجلسني على كرسي المهدية، قد أمرني بجهاد التُك، وقال لي: إنَّ التُك كافرون، بل أشد الناس كفرًا ونفاقًا؛ لقوله

تعالى: ﴿ْيَقُولُونَ بِأَلْسِنَتهِم مَّا لَيْسَ فِي قلُوبهِم ﴾، وإنهم يسعون في إطفاء نور الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ْيُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاههِم ﴾ بإهانة

السنة النبوية واستعطاف الإسلام. وقد أظهروا كُتبًا يريدون بها طفي نور الله تعالى، يسمونها كُتب القانون، مع شتم الإسلام وقهره. أما ترونهم يسحبونكم في الحديد والسلاسل لأجل أخذ أموالكم، لا يوقرون كبيركم، ولا يحترمون صغيركم، ويحملونكم المشاق القوية. لا تتركوهم حتى يسلموكم الأسلحة والأموال، فإن فعلوا ذلك فلا تسترقوا أولادهم ونساءهم، بل أقروهم على حالهم، وهم إخوانكم في

الدين، وأحسنوا إليهم. إنَّ العمل كله للنيَّة في الجهاد في سبيل الله... قال تعالى ﴿َإِنَّ اللَّهَ اشْترَى مِنَ الْمُؤْمِنيِنَ أَنْفُسَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ بِأنَّ لَهمُ الْجنَّة ﴾، عوضًا عنها إذ قتلوا أو قاتلوا، قال تعالى ﴿َولاَ تَحْسبنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون ﴾. وقال لي سيد الوجود ﷺ:

من أنكر مهديتك فقد كفر. وإن أرواح التُك اشتكت إليَّ، وقالوا يا إلهنا ويا خالقنا إنَّ الإمام المهدي قتلنا من غير إنذار، فقلتُ يا إلهي أنذرتهم وخالفوني، وصالوا عليَّ، وسيد الوجود شاهد علينا. وقال سيد الوجود ﷺ: ذنبكم عليكم، وإنكم خالفتم، وصُلْتُم، فقُتلتُم. وإني عبد مأمور بإظهار الكتاب والسنة المقبورين حتى يستقيما. وقد أمرني سيد الوجود ﷺ أنّ كل من خالفني عُدَّ كافرًا، وإنّ الله غفر ذنب من اتبعني وقواني42. واستنادًا إلى هذا النصّ، يصف المهدي الجهاد في سبيل الله بأنه الوسيلة الوحيدة لتحقيق الغاية السياسية الهادفة لإحياء الكتاب والسنة المقبورين حتى يستقيما، ولا تتحقق هذه الغاية، من وجهة نظره، إلا بإعلان الجهاد على الأعداء الذين يريدون إطفاء نور الله بأفواههم. وهنا يتفق المهدي مع ميكافيللي الذي يؤكد على "الوحدة الوظيفية بين السياسة والحرب"؛ بمعنى أنّ الحرب "نشاط عسكري

  1. خطاب من المهدي إلى كافة الأحباب في الله، في: المرجع نفسه، ص 613.
  2. المرجع نفسه، ص 614.
  3. خطاب من المهدي إلى كافة الأحباب في الله، في: المرجع نفسه، ص 612.

ميداني غايته تحقيق الهدف السياسي للدولة"، أو الأهداف السياسية للحُكَّام43. ولا يتمُّ إنجاز ذلك إلا عن طريق كسب الحرب والانتصار فيها. وكسب الحرب يحتاج إلى قيادة عسكرية مؤهلة، وجيش مدرب، وتعبئة روحية ونفسية عالية. وتؤكد هذه المتطلبات الفنية التي وضعها علماء الإستراتيجية العسكرية، أهمية العلاقة الجدلية التي استندت إليها مرتكزات الإستراتيجية العسكرية للإمام المهدي ومتغيراتها، كما أشرنا إليها أعلاه. بدليل أنّ الهجرة إلى "ماسة" في جنوب كردفان كانت تشكل فضاءً عسكريًا لإعداد جيوش المهدية، وأنّ البيعة خلقت رباطًا أخلاقيًا - سياسيًا بين المهدي والأنصار، وأنَّ الجهاد مثل أعلى درجات العمل الثوري الهادف إلى تأسيس دولة المهدية وتطلعاتها السياسية العريضة.

القيادة والتنظيم

كانت فكرة المهدي المنتظر، كما أشرنا من قبل، تمثل ذروة سنام إستراتيجية محمد أحمد المهدي العسكرية؛ لأنها رسمت بُعدها العقدي، وأوثقت رباطها الأخلاقي التنظيمي، وشكلت معالم برنامجها السياسي القائم على حزمة من التطلعات التأملية والتوجهات الغيبية للمهدية. وبناءً على ذلك أجلس محمد أحمد المهدي نفسه على قمة الجهاز التنفيذي والتشريعي والقضائي للحركة، مُعطيًا بعض أحكامه التشريعية وقراراته السياسية سلطة مطلقة؛ لأنها مستمدة من سيد الوجود ﷺ، ولا تخضع لأي محاججة بشريةٍ، حتى لو كانت مستندة إلى تراث السلف الصالح44. وتحت مظلة هذه السيادة شبه المطلقة، أ سست معالم الشكل التنظيمي لقوات المهدية في الجزيرة أبا، عندما قسَّم المهدي أنصاره إلى خمس رايات، كاتبًا على الراية السيادية التي كان يتولى زمام قيادتها، "محمد المهدي خليفة رسول الله"، وعلى الرايات الأربع الباقية أسماء كبار الأولياء المشهورين في التُاث الصوفي: الجيلاني، والرفاعي، والدسوقي، والبدوي، وجعل لكل راية مقدمًا45. ويرى زلفو أنَّ هذا التنظيم العسكري كان مستأنسًا من مصدرين؛ يتمثل أحدهما في تعاليم الخلوات والطرق الصوفية التي درج مريدوها على تنظيم مواكب شبه عسكرية للاحتفال بمناسباتهم الدينية، مُقسِّمين أنفسهم إلى رايات ومقدمين، تصحبهم الطبول والأناشيد والأدعية والتكبيرات46. ويتجلى المصدر الثاني في تراث مغازي الرسول ﷺ، والحُروب التي خاضها المسلمون لتأسيس الدولة والمجتمع المسلم. وإلى جانب هذا التُاث الإسلامي اهتم المهدي بالتركيبة القبلية والاعتبارات الجهوية في السُّودان، بدليل أنه عين خليفة الصديق عبد الله بن محمد (الخليفة عبد الله لاحقًا) نائبًا له، وقائدًا للراية الزرقاء التي كانت تضم قبائل غرب السُّودان، وخليفة الفاروق علي محمد حلو قائدًا للراية الخضراء التي تضم قبائل دغيم وكنانة وبعض مناطق الجزيرة، وخليفة الكرار محمد شريف قائدًا للراية الحمراء التي كانت تضم القبائل النيلية في شمال السُّودان، ثم عيَّ عثمان أبو بكر دقنة أميرًا على قبائل الشرق، بدرجة أقل من درجة الخلفاء. وبعد انتصاره على حملة راشد بك أيمن، أصدر المهدي منشورًا تنظيميًا لفصائل جيشه المحاربة كافة، جاء فيه: ورأس ذلك الامتثال للأمير الذي هو مميز الحروب... قال ﷺ: من اتبع أميري فقد اتبعني، ومن خالف أميري فقد خالفني، قد نبهت غير مرة في موافقة الإخوان لأمرائهم والأمراء لخلفائهم، والكل للخليفة عبد الله. في ذلك راحة بالنا وإقامة الدين، وقد وردت سابقًا حضرة، أن مقاديم أهل الراية الزرقاء ينقادون ليعقوب، وهم ويعقوب ينقادون للخليفة عبد الله، ودغيم من راية الخليفة علي ينقادون لموسى ودحلو، وكنانة للبشير، وعمارنة لأبي بكر عامر، والحسينات لعبد القادر ود مديح، وكلهم ينقادون بالمحبة للخليفة علي. وتكون

  1. نقلً عن: فهمي، ص 156.
  2. لمزيد من التفاصيل انظر: أحمد إبراهيم أبو شوك، "منهجية التشريع المهدوي في السودان (1881  -  1885 ")، كتابات سودانية، العدد 7 (القاهرة: آذار/ مارس 1999)، ص 10  -  30.
  3. القدال، ص 89؛ وعصمت حسن زلفو، كرري (أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني، ط 4، 2012)، ص 38.
  4. زلفو، ص 37  -  38.

جميع هذه القبائل مع الخليفة علي كرجل واحد، وكلهم ينقادون للخليفة عبد الله، وكذلك راية الخليفة شريف، جميع أمرائها ومقاديمها يتفقون، وينقادون لعبد الرحمن النجومي، وهم ينقادون للخليفة شريف المذكور، وكلهم ينقادون للخليفة عبد الله47. كان هذا المنشور التنظيمي يشكل خطوة تجاه ترسيخ وعي قومي في السُّودان، إلا أنّ الصراعات التي شهدتها دولة المهدية بعد وفاة المهدي قد أفسدت هذا التوجه، وأفرغته من محتواه، وجعلت أنصار المهدية وخصومهم يستبدلون أفضلية الانتماء إلى الوطن بدونية الانتماء للقبيلة.

الخطط الحربية (التكتيكات العسكرية)

تمثل الخطط الحربية التي رسمها الإمام المهدي لساحات المعارك التي خاضها إحدى وسائل تنفيذ إستراتيجيته العسكرية، وتحقيق أهدافه السياسية العليا؛ علمًا بأنّ الإستراتيجية لا تهتم فقط بصوغ الأهداف العليا؛ ولكنها تواءم بين الأهداف وفن استخدام الخطط الحربية التي تُساعد في تحقيق النصر العسكري، المفضي لبلوغ الهدف. ونتناول في الفقرات الآتية نماذج من الخطط الحربية التي نفّذها الإمام المهدي على ساحات الحروب التي خاضها، ونتساءل إلى أي مدى كانت تلك الخطط شاهدًا على عبقريته العسكرية، وقدرته على توظيف الاعتبارات المعنوية والمعطيات المادية المتاحة لمصلحته الإستراتيجية على حساب السلطة القائمة آنذاك؟

طلائع لاستكشاف الحربي والعمل لاستخباراتي

عندما عَلِمَ المهدي بتقدم جيش راشد بك أيمن صوب قدير اختار نفرًا من الجُند، قسمهم إلى قسمين؛ يتكون القسم الأول من فارس واحد مهمته جمع الأخبار الأولية عن عدد الجيش، وعتاده، والطريق الذي يسلكه؛ ويتكون القسم الثاني من ثلاثة جنود، عليهم جمع المعلومات التفصيلية عن العدو، وملازمته خطوة بخطوة، ثم الانفصال عنه في اللحظة الأخيرة. ولا شك أنّ هذا العمل الاستخباراتي قد رفد الإمام المهدي بمعلومات بالغة الأهمية، أعانته في التخطيط لقتال أعدائه التُك ومن شايعهم. فالمعرفة الدقيقة بتحركات العدو، وعدده، وعتاده، تعدُّ من المعلومات الاستخباراتية المهمة التي يصنفها صن تزو ضمن قائمة فنون الحرب الناجحة، ويعتبرها في أساسات الانتصار في المعركة. وإلى جانب هذا الأسلوب الاستخباراتي استخدم المهدي أسلوبًا آخر، يتمثل في مناوشات الحملات العسكرية من دون الالتحام بها؛ لأضعاف الروح المعنوية في أوساط الجُند وإرهاقهم، كما فعل مع حملتي يوسف الشلالي باشا وهكس باشا William Hicks Pasha48. وعندما احتج عليه الشلالي بأنّ مثل تلك المناوشات تنافي تعاليم المهدية الحقَّة التي يجب أن يمتلك صاحبها ناصية الغيب، ردّ عليه مفندًا: "وقولكم إنّ الطليعة تنافي المهدية؛ لأنّ المهدي ضرورة يعلم الغيب، جهلً منكم بسيرة الرسول، فإنّ النبي ﷺ كان يرسل الطلائع، كحذيفة بن اليمان، والزبير بن العوام وغيرهما، فلم يناف ذلك رسالته، فكيف يناف مهديتنا؟"49 وإيمانًا منه بأهمية الطلائع والمناشاوت العسكرية في فنون الحرب ومكائدها، نبَّه المهدي الشيخ أحمد جفون بتحرّك حملة هكس باشا صوب كردفان، مخاطبًا:

  1. زلفو، ص 39  -  40.
  2. هو وليم هكس باشا William Hicks Pasha، جندي بريطاني عمل في الهند تحت خدمة التاج البريطاني، ثم عُيِّ عام 1883 برتبة فريق في الجيش المصري، وكُلِّف بمهمة القضاء على الثورة المهدية، وبناءً على هذا التكليف حضر إلى السُّودان على رأس جيش كبير من الجنود المصريين والسُّودانيين. هُزمت قواته في واقعة شيكان في تشرين الثاني/ نوفمبر 1883. وقتل الجنرال هكس في أرض المعركة مع عدد كبير من قادة جيشه وجنوده. انظر: Hill, pp. 164  -  165.
  3. خطاب من المهدي إلى يوسف حسن الشلال ومن معه من الجموع، 4 رجب 1299 ه - 22 أيار/ مايو 1882، أبو سليم (تحقيق)، الآثار الكاملة، ج 1، ص 121  -  128.

أما بعد، فالذي نعلمك به أنه بلغنا خروج الكفرة بنواحيكم، ولم ندر أي جهة يسلكونها. [...] وأعلموا أنَّ معكم نصر الله وعونه، فلا تخشوهم أبدًا، فأنتم حزب الله الغالبون بإذن الله تعالى، وهم حزب الشيطان الخاسرون الهالكون. [...] وإنه مجرد وصول جوابي هذا إليكم أنتم وجميع من معكم من الأنصار والأتباع انضموا مع بعضكم البعض في جهة من الجهات، وأخلوا لهم الطريق كي يجدوه سهلً خاليًا، وأكمنوا لهم بالطلائع الشافية، وبعد تحققكم لذهابهم ومرورهم بنواحيكم، فأمسكوا قفاهم واتبعوهم من ورائهم، فيصيروا وسطنا، تحملوا عليهم مرة واحدة، فيهلكوا جميعًا، ويمح الله أثرهم. فهذه مكيدة للحرب50.

الظروف البيئية (تضاريس الأرض والمناخ)

يُعدُّ استغلال الظروف البيئية إحدى الوسائل التي رصدها صن تزو وبعض الخبراء العسكريين لتحقيق النصر في أرض المعركة. ومن الشواهد التي تدل على قدرة المهدي العسكرية في هذا المجال وقائع انتصاره على حملة هكس باشا في وادي شيكان، خارج مدينة الأبيض، في تشرين الثاني/ نوفمبر 1883. علمًا بأنّ المهدي قد رفض أن يكون في موقع دفاعي لا يتناسب مع قدراته العسكرية. ولذلك خرج من الأبيض، مؤثرًا المواجهة في غابات وادي شيكان. وفي موقع المعركة احتل مورد المياه الوحيد (منهل البركة)، مجبرًا جيش هكس على اتخاذ طريق المُلبس الذي يمر بغابة وادي شيكان. وليعطل حركة جيش هكس من عبور الغابة، أمر المهدي الخيالة بإحداث ضجة عظيمة؛ ليوهم هكس بأنّ الهجوم الرئيس على وشك الوقوع، فاضطر هكس للتوقف عن السير، وشيد معسكره المؤقت (الزريبة)، بينما كان جيش المهدي يبعُد عن شيكان ما لا يقل عن خمسة عشر ميلً. وبعد أن توقف هكس، نفَّذت خيالة الأمير محمد عثمان أبو قرجة عملية نقل ضخمة للجهادية، بقيادة حمدان أبو عنجة من مشارف أرض المعركة، وحشدتهم في مداخل الغابة وأطرافها، حيث استخدموا الأشجار الكثيفة سواتر لصدِّ نيران العدو، ثم تسلقوا أعاليها، ووجهوا نيرانهم الكثيفة تجاه قوات هكس. وقد وصف الكابتن هيرلث ذلك المشهد في ليلة 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 1884، قائلً: "كان يومًا سيئًا، فمعنوياتنا هابطة، فنحن داخل الغابة. لقد أمر الجنرال الموسيقى بالعزف آملً أن يخفف ذلك علينا قليلً، ولكنّ الفرقة الموسيقية سرعان ما توقفت عن العزف، فقد انصبت النيران علينا من كل الجهات، بدأ الرجال والجمال والبغال يتساقطون بسرعة واحدًا بعد الآخر، فتجمعنا وانضمت صفوفنا، فأصبحت كل طلقة تصيب مقتلً. لقد أصاب منا الإرهاق والتعب مدى بعيدًا، وأصبحنا لا ندري ما نفعله "51. وتجلت الخطوة الثانية في حفر خندق وسط الغابة، واختبأت مجموعة من الجنود بداخله، وبعد أن عبرت قوات هكس الخندق، هجمت عليها قوات الأنصار من الخلف، وشتّت شملها. وتمثلت الخطوة الثالثة والأخيرة في إطباق قوات المهدي من الجهات الثلاث على قوات هكس، وأبادتها في أقل من ساعة، ولم ينجوا من القتل إلا ثلاثمئة رجل اختفوا تحت جثث القتلى المكدّسة. ويحلّل زلفو مخطط المهدي العسكري في واقعة وادي شيكان في النص الآتي: على مدار تاريخ الصراع البشري المسلح، وحتى يومنا هذا، لا زال الصدام الهائل الذي احتدم على سهول كردفان في ضحى يوم الاثنين من أواخر عام 1883، يبرز مثالً رائعًا لإبداع الفن العسكري في مزج الخيال والتخطيط بواقع التنفيذ والتطبيق. فاختيار مسرح الالتحام المثالي الذي فجر فيه المهدي طاقات جيشه، والسرعة الخاطفة التي أزاح بها آلافًا من الجنود المسلحين والمدربين من حيز الوجود، وذلك الختام الخرافي الشبيه بأساطير الأولين حين تبتلع الأرض جيوشًا بأكملها. كل ذلك يدل دلالة لا شك فيها ولا جدال على

  1. خطاب من المهدي إلى الشيخ أحمد جفون، 1300 ه، المرجع نفسه، ص 459  -  460.
  2. زلفو، ص 47  -  48.

أنه كان نتاجًا لتخطيط دقيق محسوب، بلغ قمته في ساعة توهج عقلي في أصيل يوم الأحد، عقب مجلسه الحربي الأخير، فتمخض عنه ذلك المخطط الفذ52. يؤكد هذا النصَّ أنَّ المهدي كان يهتم بدراسة الظروف المناخية، والتضاريس البيئية المحيطة بأي خطة عسكرية؛ لأنّ الانتصار الحربي على العدو كان يصبُّ في خدمة إستراتيجيته العسكرية، ويمهد الطريق لتحقيق أهدافه السياسية العليا. واستنادًا إلى ذلك، فإن هزيمة هكس باشا في شيكان كانت تعني القضاء على آخر جيش نظامي لأعداء المهدية في السُّودان، وإضعاف الروح المعنوية للحكومة في الخرطوم، وتشجيع زعماء العشائر المترددين على الانضمام إلى صفوف المهدية المنتصرة. وبناء عليه، أضحى معسكر المهدي متفوقًا عددًا، وعدةً، وعتادًا؛ لدرجة أهلَّته للانتقال من وضعه الدِّفاعي في كردفان إلى وضع هجومي، يستهدف الخرطوم، حاضرة الحكم التركي في السودان.

إشعال الثورة في الأطراف

يبين عبد القادر فهمي أنّ الخطط التي تبناها نابليون بونابرت Napoleon Bonaparte في تنفيذ إستراتيجيته العسكرية في الحروب كانت تتكون من خمسة عناصر مهمة، تتمثل في الكثافة العددية للقوات العسكرية وقوتها النارية، والانتشار الواسع على جبهة قتال طويلة تخرج عن سيطرة العدو، والمناورة وسرعة الحركة قبل الاشتباك لجر العدو إلى معارك جانبية تشتت قواته وتستنزف طاقاته وقدراته القتالية، وضرب العدو في اتجاهات متعددة لتشتيت جهده المركزي، ثم الانقضاض عليه في مواقع حيوية، وأخيرًا توجيه ضربات مؤثرة على مؤخرة العدو للإخلال بتوازنه وقطع خطوط إمداده53. فالقارئ المتمعن في صحائف المهدية العسكرية يلحظ أنَّ المهدي قد طبّق هذه العناصر الخمسة بعناية وجدارة، عندما أشعل الثورة في كل أطراف السُّودان، ولم يلتزم حصرها في كردفان؛ لأنّ الهجرة إلى قدير، من وجهة نظره، كانت متغيرًا إستراتيجيًا، ولا تمثل مرتكزًا ثابتًا في إستراتيجيته العسكرية؛ ولذلك جعل مسألة البيعة، وإشعال الثورة في كل أنحاء السُّودان أمرًا غير مركزي ليشتت جهد الحكومة التركية، ويشغلها في أكثر من موطن، وبذلك يضمن حرية الحركة والمناورة، وتوجيه ضربات موجعة لها في أماكن حيوية. وبناءً على ذلك، بعث الخطابات والمناشير للأعيان والزعماء، حاثًّا إياهم على إشعال الثورة في كل بقاع السُّودان. وبموجب ذلك، برزت أسماء بعض المهدويين في سجل العمل الجهادي ضد الحكم التركي في السُّودان، أمثال الأمير عثمان دقنة في الشرق، والفكي المنا إسماعيل في شرق كردفان، والشيخ عامر المكاشفي في الجزيرة، والشريف أحمد ولد طه في شرق النيل الأزرق، ومحمد الخير عبد الله خوجلي في بربر، والشيخ الهدي في دنقلا. ويعلِّق القدال على هذه الرؤية الإستراتيجية، قائلً: عندما نتابع أحداث الثورة في الجزيرة وكردفان نرى بعض الجوانب من منهج المهدي لتطوير الحركة الثورية. أولها: أنَّ الثورة المهدية لم تكن حركة قابعة في قدير، تنتظر حملات الحكومة لتصادمها، بل تحولت إلى ثورة امتدت إلى خلايا المجتمع بدرجات متفاوتة. ثانيها: أنَّ المهدي اعتمد على القيادات المحلية للتصدي للعمل الثوري. فأبناء المنطقة أو القبيلة هم أقدر الناس على فهم أحوال منطقتهم وأهلهم. كما أنّ الاعتماد على العناصر المحلية يكسب الثورة أصالة. لهذا جاء حرصه دومًا على تكليف أبناء المنطقة ذاتها. ثالثها: حرص المهدي على اجتذاب الشخصيات التي لها وزن ديني، أو قبلي، أو اجتماعي. فالانقياد لهؤلاء أسهل في مجتمع ما زالت الطريقة والقبيلة

  1. نقلً عن: القدال، ص 113.
  2. فهمي، ص 158.

مؤسسات لها وجودها وثقلها [فيه]. ونلاحظ غلبة العنصر الصوفي في الجزيرة، وغلبة العنصر القبلي في كردفان، وهذا راجع للتطور التاريخي المختلف للمنطقتين54.

الحصار

من الخطط العسكرية التي نفّذها المهدي بجدارة حصار المدن الرئيسة قبل السيطرة عليها، مثل حصاره للأبيض والخرطوم. وقد نفَّذ حصار الخرطوم على مراحل عديدة؛ تمثلت المرحلة الأولى في إشعال الثورة في منطقة الجزيرة والنيل الأبيض لتشتيت جهد الحكومة، والثانية في إرسال الأمير أبو قرجة لإحكام الحصار من جهة الجنوب، والشيخ العبيد ود بدر من جهة الشرق، والثالثة في قطع خطوط الإمداد الخارجي، بسيطرة الشيخ محمد الخير عبد الله خوجلي على بربر في الشمال، وإشعال الأمير عثمان دقنة للثورة في الشرق. وتوِّجت هذه الخطوات الثلاث بسيطرة حمدان أبو عنجة على أم درمان، وحضور عبد الرحمن النجومي جنوبًا من ناحية النيل الأبيض، وأخيرًا وصول قوات الإمام المهدي إلى معسكر أبي سعد بأم درمان. وعندما بلغت الاستعدادات العسكرية ذروتها، شرع المهدي في حرب المنشورات المتبادلة مع تشارلس غردون Charles Gordon55؛ إذ كتب منشورًا إلى أهالي الخرطوم، استنسخ الكُتَّاب نُسخًا منه، ثم أعطوها لأحد الجواسيس، فوضعها في أناء من صفيح على شكل إبريق وعبر به النيل الأبيض سباحة بالليل، ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها، وألقى بالمنشورات في الأزقة والطرقات، وقذف بها في المنازل، ثم عاد أدراجه. ويعلق أبو سليم على هذا الإجراء، بأنه: "أول عهد الخرطوم بالمنشورات المحظورة التي توزع خفية"56. وقد أضعفت تلك المنشورات الروح المعنوية لسكان الخرطوم المحاصرين، وألّبت الرأي العام ضد غردون، وجعلت بعض علماء الخرطوم وأعيانها، أمثال الشيخ أحمد العوام المصري57، يقفون موقفًا معارضًا له، ممهدين الطريق لإنجاح سياسة الحصار والانهيار من الداخل58. وعندما بلغ الحصار غايته، ونفد المخزون الغذائي، وضعفت الروح المعنوية في أوساط الجنود والرعية، بدأ غردون يتشبث بوصول حملة الإنقاذ التي غادرت أبو طليح متجهة نحو الخرطوم، وكتب منشورًا في هذا الشأن، علَّقه في طرقات المدينة المحاصرة، جاء في بعض فقراته: "قد جاءت البشرى بأنّ الجيش الإنكليزي فَرّقَ جموعهم [أي الأنصار] في صحراء بيوضة، وقتل منهم أ لوفًا، ونزلت مقدمته المتمة، وهو مسرع لإنقاذنا، وبسبب هذه البشرى عفوتُ عن أحمد بك جلاب مدير الخرطوم، وعمن اشتركوا معه في مراسلة المهدي،

  1. القدال، ص 106.
  2. هو تشارلس جورج غردون Charles George Gordon ذو الأصول الاسكتلندية، الذي ترقى في الجيش المصري إلى رتبة فريق، وعيُن عام 1874 م مديرًا لخط الاستواء في جنوب السُّودان، حيث أسس عددًا من النقاط الإدارية، وساهم في توسيع دائرة نفوذ السُّلطة الخديوية. استقال من منصبه عام 1877 م، لكن أ عيد تعيينه مرة أخرى حكمدارًا عامًا على السُّودان، وأوكلت إليه مهمة القضاء على تجارة الرقيق؛ إلا أنه واجه جملة من المشكلات الداخلية التي أفضت إلى استقالته عام 1879 م. وبعد فشل الحكمدارية في القضاء على الثورة المهدية، أ عيد تعيينه حكمدارًا عامًا للسودان عام 1884 م، وحصُرت مهمته في إخلاء الجيوش المصرية والعاملين الإداريين من السُّودان؛ إلا أنه دخل في صراع مكشوف مع الإمام المهدي وأنصاره، مُعرِّضًا مدينة الخرطوم وأهلها إلى حصار خانقٍ، أودى بحياته في 26 كانون الثاني/ يناير 1885 م، وبموجب ذلك قضى الأنصار على أهم معاقل الحكومة التركية في السُّودان. انظر: Hill, p. 30.
  3. محمد إبراهيم أبو سليم، تاريخ الخرطوم (بيروت: دار الجيل، ط 3، 1970)، ص 76.
  4. هو أحمد العوام كاتب مصري، عيُن في وزارة الحربية بالقاهرة. اشترك في ثورة أحمد عرابي، فحكم عليه بالنفي إلى السُّودان. شهد حصار الخرطوم، وكتب رسالة تُعرف ب "نصيحة العوام"، أرّخ فيها لثورة أحمد عرابي في مصر، وأبدى فيها تعاطفًا مع الثورة المهدية في السُّودان. وعندما كُشف أمره اتهم بالخيانة، وحُكم عليه بالإعدام شنقًا في الخرطوم عام 1884 م. انظر: Hill, p. 30.
  5. المرجع نفسه، ص 77. لمزيد من التفاصيل عن حصار الخرطوم انظر: أحمد إبراهيم أبو شوك، "تحرير الخرطوم: أبعاده الأيديولوجية وتداعياته السياسية"، في: السُّودان: السُّلطة والتُاث، ج 2 (أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2009)، ص 77  -  86.

وأطلقتُ سراحهم من السجن"59. فكتب إليه المهدي في الشأن: "إن الجردة التي تعتمدونها ما لها وجه بوصولها لكم من سَدّ الأنصار الطرق، فإن أسلمت وسلمتَ فقد عفونا عنك، وأكرمناك، وسامحناك في ما جرَى، وإن أبيتَ فلا قدرة لك على نقض ما أراده الله... وقد بلغني في جوابك الذي أرسلته إلينا أنك قلت إنّ الإنكليز يريدون أن يفدوك وحدك بعشرين ألف جنيه... إن أردت أن تجتمع بالإنكليز فبدون خمسة فضة نرسلك إليهم. والسلام"60. واضح من هذه الرسائل المتبادلة، أنَّ تعنُّت غردون وتهديده بقدوم حملة الإنقاذ من الشمال كان واحدًا من الأسباب الرئيسة التي دفعت الأنصار إلى الانتقال من سياسة الحصار إلى الهجوم العسكري، الذي نفَّذه المهدي وأنصاره في صبيحة السادس والعشرين من كانون الثاني/ يناير 1885 م، معلنين تحرير الخرطوم عنوةً، وقتل الجنرال غردون، الذي تشير بعض المصادر التاريخية إلى أنَّ المهدي كان يريده حيًّا ليفدي به أحمد عرابي61. وتبين سياسة حصار الخرطوم التي أشرنا إليها، وقصة فداء غردون بعرابي، أنَّ إستراتيجية المهدي العسكرية لم يكن هدفها الأوحد هو تدمير قوات العدو، والانتقام من الأعداء، بل كانت تسعى لفرض وضعٍ عسكري يُهيِّأ لها سُبل النصر، إما بهزيمة العدو حربًا، أو استسلامًا. ولذلك نلحظ أنَّ الخطط الحربية التي وضعها الإمام المهدي وأعوانه كانت تهدف لتنفيذ إستراتيجية المهدية العسكرية، الرامية لقيام حكومة إسلامية على مبادئ الكتاب والسنة ومنشورات الإمام المنتظر، وبذلك يتمُّ – حسب وجهة نظرهم - "إحياء نور الشريعة الذي أطفأه الأتراك بأفواههم"، ويطبَّق العدل المطلق الذي يرعى تحت ظلاله الوارفة "الذئب مع الغنم". هكذا كانت تطلعات صاحب الدعوة المهدية التي لم تكن في تناغم مع الواقع الذي أعقب النصر في الخرطوم عام 1885.

خاتمة

تقودنا مفردات هذا البحث إلى خاتمة مفادها أنّ عقيدة المهدية العسكرية القائمة على فكرة المهدي المنتظر قد شكَّلت إطارًا ثوريًا للدعوة المهدية، ساهم في تعزيز بُعدها السياسي الرامي إلى قيام دولة إسلامية راشدة؛ وبُعدها الإستراتيجي العسكري المستند إلى استخدام آلة الحرب أداةً لإنجاز المشروع السياسي. وفي حيز هذين البُعدين استطاع المهدي أن ينفّذ بجدارة معظم الخطط التي أشار إليها صن تزو في كتابهفن الحرب، من دون أن يكون له سابق علمٍ بذلك الكتاب، لكن كما أوضح زلفو، فإنَّ علم المهدي في المجال العسكري كان مستمدًا من تعاليم الطرق الصوفية التي لازمها فترة من الزمان، وأدبيات الحُروب الإسلامية التي قرأ عنها في المدونات القديمة. ويضاف إلى هذين المصدرين شخصية المهدي الكاريزمية التي حددت القيم المعيارية الفاصلة بين مفهومي "نحن" و"هم"، مؤسسةً لنفسها

  1. مكي شبيكة، السُّودان عبر القرون (بيروت: دار الجيل، 1991)، ص 114.
  2. المرجع نفسه، ص 350  -  351. و"خمسة فضة" وحدة نقدية صغيرة.
  3. هو أحمد الحسيني عرابي (1841  -  1911 م)، قائد عسكري وزعيم مصري. وُل دَ في قرية هرية رزنة بمحافظة الشرقية، وبعد أن تعلم القرآن والعلوم الدينية التحق بالمدرسة الحربية، وارتقى في سلم الرتب العسكرية لمرتبة أميرلاي (عميد). اشترك في حروب الخديوي إسماعيل في الحبشة، وظهر في الساحة السياسية عندما تقدم مع مجموعة من الضباط المصريين مطالبين الخديوي توفيق بترقيتهم وتحسين أوضاعهم الوظيفية، وعزل رياض باشا رئيس مجلس النظار، وزيادة عدد الجيش المصري. لم يقبل الخديوي بهذه المطالب، وبدأ في التخطيط للقبض على عرابي وزملائه باعتبارهم خونة ومتآمرين. وبعد ذلك الاتهام قاد أحمد عرابي الثورة ضد الخديوي توفيق عام 1881، محتجًا على تغلغل النفوذ الأوروبي في شؤون مصر الداخلية، وضعف أداء حكومة رياض باشا. استجاب الخديوي لمطالب الثورة، فعين محمود سامي البارودي رئيسًا لمجلس النظار، وأحمد عرابي ناظرًا للجهادية. لكن بعد استقالة البارودي وتدخل القوات البريطانية في مصر عام 1882، احتجز أحمد عرابي في ثكنات العباسية مع نائبه طلبة باشا، حتى انعقدت محاكمته في 3 كانون الأول/ ديسمبر 1882، وقضت المحكمة العسكرية بإعدامه؛ إلا أنّ حكم الإعدام خُفِّف إلى النفي مدى الحياة بجزيرة سرنديب (سيلان - سريلانكا حاليًا) في المحيط الهندي. ثم قام الأسطول البريطاني بنقله مع زملائه عبد الله النديم ومحمود سامي البارودي إلى جريزة سرنديب، حيث استقروا بمدينة كولومبو لمدة سبع سنوات. وبعدها نُقل مع محمود سامي البارودي إلى مدينة كاندي بذريعة خلافات دبت بين رفاق الثورة. وبعد أن اشتد عليه المرض في المنفى، عاد أحمد عرابي إلى مصر بعد أن قضى عشرين عامًا في سرنديب. توفي بمصر عام 1911 م. وعن قصة فداء غردون بأحمد عرابي انظر سلاطين باشا: R. Slatin Pasha, Fire and Sword in the Sudan: The Personal Narratives of Fighting and Serving the Dervishes, 1879  -  1895 , Translated by F.R. Wingate (London: Edward Arnold, 1899), p. 210.

أرضية تصادمية صلبة لإدارة الصراع الإستراتيجي العسكري مع التُك وأعوانهم؛ وذلك لتحقيق أهداف الثورة المرتبطة بإزاحة النظام القائم (الحكم التركي)، الذي وُصف بالكفر البواح وعدم الشرعية. لكن على المدى البعيد، يلحظ القارئ المتبصر في أدبيات المهدية وإرثها التاريخي، أنّ فكرة المهدي المنتظر وثنائياتها التقابلية التي صاغت إستراتيجيتها العسكرية في مرحلة الثورة قد شكَّلت ارتباكًا سياسيًا وتحدٍ موضوعي، تعذر تجاوزه بعد موت صاحب الفكرة عقب تحرير الخرطوم. ومن جانب آخر، فإنَّ الادعاء بأنّ قضاء الخليفة عبد الله في الناس هو قضاء الرسول ﷺ، وأنّ "جميع أفعاله وأحكامه محمولة على الصواب؛ لأنه أوتي الحكمة، وفصل الخطاب"، ليُطهر المسلمين، وينقيهم من خبائث الدنيا62، قد وضع الخليفة عبد الله في موضعٍ مريحٍ من الناحية النظرية؛ ولكنه في واقع الحال حوَّله إلى حاكم ثيوقراطي، أدار الصراع مع خصومه السياسيين الذين ناصبوه العداء في إطار مفهومي "نحن" و"هم" الإقصائيين، وبذلك فتَّت فكرة البناء القومي للدولة المهدية التي وضع المهدي لبناتها في قدير. وإذا انتقلنا إلى الصعيد الخارجي، نلحظ أنّ عقيدة المهدية العسكرية قد وضعت الدولة الناشئة في صراع مع جيرانها، استنادًا إلى ادعاء المهدي بأنّ سيد الوجود ﷺ قد أخبره "بأن من شك في مهديته فقد كفر بالله ورسوله"، وبذلك أضحى جهاد الجيران (مصر وإثيوبيا) الذين لم يؤمنوا بمهدية محمد أحمد بن عبد الله فرض عين على الدولة الناشئة. ولذلك أضحت السياسة الخارجية للدولة أكثر تعقيدًا عندما وعد المهدي أنصاره بأنه سيصلى في البيت الحرام، والمسجد النبوي، ومسجد القاهرة، وبيت المقدس، ومسجد العراق، ثم الكوفة63، مشيرًا إليهم ضمنًا أنّ المهدية ستوحِّد السُنَة والشيعة، وتقضي على الخلافة العثمانية، ثم تقيم على أنقاضها نظام حكم جديد في العالم الإسلامي. كل هذه التوجهات العقدية المنطلقة من فكرة المهدي المنتظر ومثيلاتها، قد عقَّدت المشهد السياسي في السُّودان، وعرقلت بناء الدولة المهدية مؤسّسيًا، وأخيرًا شكَّلت طرفًا من الأسباب التي ساهمت في القضاء عليها عام 1898.

  1. لمزيد من التفاصيل انظر، خطاب من المهدي إلى كافة عباد الله، 17 ربيع أول 1300 ه - 72 كانون الثاني/ يناير 1883 م، أبو سليم (تحقيق)، الآثار الكاملة، ج 1، ص 237  -  241. يقرأ نص الخطاب هكذا: "... إنّ الخليفة عبد الله هو مني وأنا منه، وقد أشار إليه سيد الوجود ﷺ فتأدبوا معه كتأدبكم معي، وسلموا إليه ظاهرًا وباطنًا كتسليمكم لي، وصدقوه في قوله ولا تتهموه في فعله. فجميع ما يفعله بأمر النبي ﷺ، أو بأذن منا، لا بمجرد اجتهاد منه، ولا هو عن هوى، بل هو نائب عنه في تنفيذ أمره ﷺ والقضاء بإشارته، فإن فعله بكم، وحكمه فيكم بحسب ذلك. وأعلموا يقينًا أن قضاءه فيكم هو قضاء رسول الله ﷺ. [...] وأعلموا أنّ جميع أفعاله وأحكامه محمولة على الصواب؛ لأنه أوتي الحكمة وفصل الخطاب، ولو حكمه على قتل نفس منكم، أو سلب أموالكم، فلا تتعرضوا عليه، فقد حكمه الله عليكم بذلك ليطهركم ويزكيكم من خبائث الدنيا لتصفى قلوبكم وتقبلوا إلى ربكم."
  2. لمزيد من التفاصيل انظر، القول المنسوب للمهدي والذي يقرأ هكذا: "بشرني رسول الله ﷺ في الحضرة النبوية، وقال لي: كما صليت في الأبيض تصلي في الخرطوم، ثم تصلي في مسجد بربر، ثم تصلي ببيت الله الحرام، ثم تصلي في مسجد يثرب، ثم تصلي في مسجد مصر، ثم تصلي ببيت المقدس، ثم تصلي في مسجد العراق، ثم تصلي في مسجد الكوفة." أبو سليم (تحقيق)، الآثار الكاملة، ج 5، ص 458.

قائمة المصادر والمراجع

المراجع العربية

أبو سليم، محمد إبراهيم. الحركة الفكرية في المهدي. الخرطوم: مطبعة جامعة الخرطوم، 1970. تاريخ الخرطوم. بيروت: دار الجيل، ط 3، 1970.

عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2009.

الخرطوم، 1985.

تزو، صن. فن الحرب. تقديم وتعليق أحمد ناصيف. حلب: دار الكتاب العربي، 2010.

زلفو، عصمت حسن. كرري. أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني، ط 4، 2012.

شبيكة، مكي. السُّودان عبر القرون. بيروت: دار الجيل، 1991.

شقير، نعوم. تاريخ السُّودان. تحقيق وتقديم محمد إبراهيم أبو سليم. بيروت: دار الجيل، 1981. جغرافية وتاريخ السُّودان. بيروت: دار الثقافة، 1967.

فهمي، عبد القادر محمد. المدخل إلى دراسة الإستراتيجية. عمان: دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، 2010. درمان: مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2004.

هولت، ب. م. المهدية في السُّودان. ترجمة جميل عبيد. بيروت: دار الفكر العربي، 1978.

المراجع الأجنبية

(تحقيق.) الآثار الكاملة للإمام المهدي. 7 مجلدات. الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، 1990  -  1994. أبو شوك، أحمد إبراهيم. "تحرير الخرطوم: أبعاده الأيديولوجية وتداعياته السياسية". في: السُّودان: السُّلطة والتُاث. أم درمان: مركز "منهجية التشريع المهدوي في السودان (1881  -  1885.") كتابات سودانية. العدد 7. القاهرة: آذار/ مارس القدال، محمد سعيد. الإمام المهدي محمد أحمد بن عبد الله (1844  -  1885): لوحة لثائر سوداني. الخرطوم: مطبعة جامعة ميخائيل، يوسف. مذكرات يوسف ميخائيل عن أواخر العهد التركي والمهدية في السُّودان. تحقيق أحمد إبراهيم أبو شوك. أم

• Abdul Aziz, Abdul Ghani. "The Underlying Factor for the Ascendancy of Muslim Army over its Persian and

Byzantine Counterparts (663  -  644 ACE): An Analysis Based on Sun Zi's Art of War". M.A. Thesis, International

Islamic University - Malaysia, 2006.

• Abushouk, Ahmed Ibrahim. "The Ideology of the Expected Mahdi in Muslim History: The Case of the Sudanese

Mahdiyya, 1881  -  1898 ". Pakistan Journal of History and Culture , vol. xxx 1 , 2009.

• Clausewitz, Carl von. The Principles of War. translated by Hans Wilhelm Gatzke. New York: Courier Dover

Publications, 2003.

• Dekmejian, Richard H. and Margaret J. Wyszomirski. "Charismatic Leadership in Islam: The Mahdi of the

Sudan." Comparative Studies in Society and History 14 , no. 2 , March 1972.

• Hill, Richard. Biographical Dictionary of the Anglo-Egyptian Sudan. London: Frank Cass, 3 rd ed., 1967.

• Machiavelli, Niccolo. The Art of War. revised edition. Da Capo Press, 2001.

• Speelman, Patrick J. War, Society and Enlightenment: The Works of General Lloyd. Leiden: 2005.

• Pasha, R. Slatin. Fire and Sword in the Sudan: The Personal Narratives of Fighting and Serving the Dervishes,

1879  -  1895. Translated by F.R. Wingate. London: Edward Arnold, 1899.

• Tzu, Sun. The Art of War. Translated by Lionel Giles. London: The Puppet Press Classic, 1910.

• Weber, Max. Economy and Society. Translated by Gunther Roth and Claus Wittich. 3 volumes. New York:

Bedminister, 1968.