جوانب من الفعل الدبلوماسي لزعيم ثورة الريف التحررية محمد بن عبد الكريم الخطابي
Diplomacy Aspects of the Rif Liberation Movement Leader Muḥammad ibn ʿAbd al-Karīm al-Khaṭṭābī
الملخّص
تتناول هذه الدراسة مساهمة الجوانب الدبلوماسية في نجاح المشروع التحرري لزعيم ثورة الريف محمد بن عبد الكريم الخطابي، وتفسر انتصاراته وتفاعلاته مع الرأي العامّ العالمي، على نحوٍ جعله رمزًا تحرريًا عالميًا; فهو لم يكن زعيمًا قبَليًا على غرار سائر زعماء حركات المقاومة المغربية، بل كان رجل دولة يتميز بخبرة ودربة دبلوماسيتين تقتضيان وجوب سير الفعل الدبلوماسي في خطٍّ موازٍ للعمل العسكري. وقد حظيَ كلّ من عمل الخطابي الدبلوماسي وعلاقاته الخارجية بأهمية بالغة في مشروعه التحرّري، انطلاقًا من إيمانه الكبير بأهمية الدبلوماسية في التعريف بالقضية الريفية ونجاح مشروعه التحرري. فقد عمل على تكثيف الاتصالات مع عدة شخصيات عالمية وأطراف دولية; لكسب الدعم والتأييد، وإثارة القضية الريفية في مختلف العواصم الأوروبية. إضافةً إلى ذلك، تفطَّن الزعيم الريفي إلى الدور الكبير الذي يضطلع به الإعلام في العملية الدبلوماسية، وإلى قدرته على تحقيق تواصل آنيٍّ ولحظيٍّ مع جمهور عريض، وإيصال الرسالة الدبلوماسية إلى أكبر عدد من المتلقين; ومن ثمّة المساهمة في توجيه الرأي العامّ وتكوين المواقف المؤيدة. وترجع هذه النظرة العصرية للنضال التي اعتمدها الزعيم الريفي إلى مؤهلات وقدرات جعلته يمتلك كاريزما حقيقيةً. فقد اقتحم العمل السياسي وهو في ريعان شبابه، واحتكّ مباشرةً بحقائق الحياة السياسية في بيئته، فضلًا عن تكوينه المتنوع، وممارسته وظائف تعليميةً وقضائيةً، واشتغاله بالصحافة، واحتكاكه بوسائل الإعلام.
Abstract
This paper looks at the diplomatic practices of Mu ḥ ammad ibn ʿ Abd al-Kar ī m al-Kha ṭṭā b ī , leader of the Rif Liberation movement, and how they contributed to the success of his liberation movement. It does so by examining his victory accounts and his ability to connect with global public opinion, which turned him into an international liberation symbol. Al-Kha ṭṭā b ī wasn't like any other tribal leader engaged in Moroccan resistance movements, and was primarily a statesman with experience and an understanding that diplomacy needs to run in parallel with military action. Al-Kha ṭṭā b ī increased communication with many international figures, and was known to have contacted governmental and non-governmental organizations, as well as European political parties, especially leftist ones, informing them of the war on the ground in an attempt to gain their sympathy and support. Fully
Al-Kha ṭṭā b ī exerted major efforts in befriending Western media circles to clarify the fight waged by the the people of the Moroccan Rif, and to show that it was principally a liberation movement against colonization. To a large degree, Al-Kha ṭṭā b ī succeeded in rectifying the image portrayed by Spanish and French colonial authorities and their propaganda machine.
- محمد بن عبد الكريم الخطابي
- ثورة الريف
- الدبلوماسية
- الإعلام
- Muhammad ibn Abd al-Krim
- Rif Liberation Movement
- Diplomacy
- International relations
- Media
aware of the major role played by media in the diplomatic process and its ability to reach wider audiences,
مقدمة
لم يكن زعيم ثورة الريف التحررية محمد بن عبد الكريم الخطابي زعيمًا قبليًّا على شاكلة معاصريه من زعماء حركات المقاومة المغربية التقليديين فحسب، بل كان رجل دولة يتميز بفكر دبلوماسي جيّد قادر على الإقناع والتأثير، قائم على فهمٍ واضحٍ للأوضاع الداخلية والسياسة الدولية، وقراءة تحليلية وتمحيصية دقيقة لمجمل الأوضاع القائمة، وإدراكٍ لمختلف المتغيرات الجيوستراتيجية، والسياسية، والعسكرية. فضلً عن ذلك، كان يحظى بخبرة ودربة دبلوماسية تؤمن بأنّ الفعل الدبلوماسي يجب أن يسير في خط موازٍ للعمل العسكري. إنه فكرٌ دبلوماسي نشيط استعمل كلّ الوسائل، ووظف كلّ الأساليب (استجوابات، وبلاغات، ورسائل، ووفود دبلوماسية.. إلخ)، واشتغل في حركية دائمة مع مختلف المنظمات الحكومية وغير الحكومية (عصبة الأمم، والسفراء، والقناصل، والأحزاب.. إلخ.) علاوةً عل ذلك، كان الخطابي يتحرك في عديد البرلمانات الدولية، ويستند إلى الدور الكبير الذي يضطلع به الإعلام في العملية الدبلوماسية، وإلى قدرته على تحقيق تواصل آنيٍّ ولحظيٍّ مع جمهور عريض، وإيصال الرسالة الدبلوماسية إلى أكبر عدد من المتلقين، ومن ثمة المساهمة في توجيه الرأي العامّ وتكوين المواقف المؤيّدة. وبذلك يمكننا القول إنّ الخطابي كان سبَّاقًا إلى اعتماد فكر دبلوماسيِ جديد أصبح يُصطلح عليه ب "الدبلوماسية العامة"، عوضًا من الدبلوماسية التقليدية التي كانت سائدةً آنذاك، والتي كانت تتوجه إلى جمهور صغير من صنّاع القرار. فما هي أبرز سمات هذا الفكر الدبلوماسي الذي اعتمده الخطابي وملامحه ومظاهره وقوّته؟
العمل الدبلومايس والعلاقات الخارجية في مشروع الخطابي التحرري
أولى الخطابي السياسة الخارجية أهميةً بالغةً، بالنظر إلى المكاسب الكبيرة التي كان بإمكان القضية الريفية أن تجنيَها من خلال التوجه إلى الرأي العامّ العالمي، ومخاطبة القوى الحية في العالم من شعوب وأحزاب ومنظمات حقوقية. فقد كان يدرك أنّ الحرب ليست غايةً في حدّ ذاتها، بل هي وسيلة من أجل التفاوض وتحقيق المكاسب. يقول الزعيم الريفي في هذا الشأن: "نحن إنما نطلب حقنا في الدفاع عن وطننا، وما نعمله من البارود مع عدونا إنما هو بمنزلة ندائنا على رؤوس الأشهاد باستغاثتنا بأنّ جميع الأحرار من كلّ جنس يمكنهم أن ينتصروا لنا، ويكفُّوا اليد العادية علينا، لكوننا لا نطالب إلا بالحق"1. لقد تفطن الخطابي إلى أنّ التضحية بالدماء لا تكفي وحدها للتفوق على القوى الاستعمارية؛ إذ يجب أيضًا استخدام العقل، وتجنيد المنطق، واستجماع أنفاس لكفاحٍ لن يتمّ النصر فيه من خلال معركة واحدة2. وقد حظيت الدبلوماسية، وخاصة العلاقات الخارجية، باهتمام بالغ في هذا المشروع التحرري؛ سواء من خلال تأكيد الميثاق الوطني الريفي (دستور الجمهورية الريفية) توطيد علاقات الصداقة والتعاون بين الدول، وعقد اتفاقيات معها على أساس المساواة من دون تمييز، وعدم الاعتراف بأيّ اتفاقية تنتهك حقوق المغرب، أو من خلال إشراف الزعيم الريفي شخصيًّا إلى جانب أخيه امحمد وصهره محمد أزرقان (وزير الخارجية في الجمهورية الريفية) بمهمة مراقبة ملفّ السياسة الخارجية والمفاوضات وتدبيره، ومقابلة الصحافيِيّن والسياسيين الأجانب3.
وترجع هذه النظرة العصرية النضالية التي اعتمدها الزعيم الريفي4ً إلى مؤهلات وقدرات جعلته يمتلك كاريزما حقيقية5. فقد اقتحم العمل السياسي وهو في ريعان شبابه، واحتك مباشرةً بحقائق الحياة السياسية في بيئته، ذلك أنّه أنجز مهمّات عديدةً بتوجيه من والده؛ مثل ذهابه إلى مليلية لتقصِّ أخبار علاقة الجيلالي الزرهوني الملقب ببو حمارة بالإسبان، وذهابه إلى فاس للاطلاع، عن كثبٍ، على موقف المخزن، ومن أجل وضع حدٍّ للسيبة التي كانت تسود البلاد، وتمثيل أبيه في مفاوضاته مع الإسبان6. إضافةً إلى ذلك، يتميز الرجل بتكوين متنوع فقهي مستمد من دراسته في القرويين7، وآخر عصري من خلال ممارسته للوظائف التعليمية والقضائية في مليلية. كما أنّ اشتغاله بالصحافة واحتكاكه بوسائل الإعلام جعلاه ذا شخصية تواصلية تُجيد التعامل مع الصحافيِيّن، وساعداه على الاطلاع على كلّ ما يحدث في أوروبا والعالم من جهة، والتغلغل في أعماق العقلية الإسبانية منذ وقت مبكر وإدراك أبعاد السياسة الدولية من جهة أخرى8. وفي هذا الإطار يقول الزعيم الريفي: "إني قد خالطت الإسبان زمنًا طويلً، وأعرف مقاصدهم"9. وللدلالة على الأهمية البالغة التي حظيَ بها ملف الدبلوماسية والعلاقات الخارجية بالنسبة إلى الزعيم الريفي، تكفي الإشارة إلى أنّ هذا الزعيم أوكل مهمّة تدبير هذا الملف والتعامل مع القضايا الدبلوماسية التي تهمُّ الريف إلى أطراف متعدّدة؛ من أبرزها محمد أزرقان وزير الخارجية في حكومة الجمهورية الريفية الذي عهد إليه بمهمة تدبير العلاقات بالسلطات الإسبانية والإشراف على المفاوضات معها10. ويرجع سبب عَدِّ الزعيم الريفي أزرقان الرجل الكفء والملائم لتقلُّد منصب الشؤون الخارجية في الحكومة الريفية، وتكليفه بهذا الملف الحساس والمعقد، إلى معرفته الجيدة باللغة الإسبانية وعلاقته الودية بالأوساط الإسبانية لطول اتصاله بهم وتعامله معهم. وفي هذا الإطار كلَّفه الخطابي في أيار/ مايو 1921 بمهمة مقابلة العقيد موراليس Morales بمليلية؛ بهدف بحث إمكان إجرائيّ لمفاوضات قد تفضي إلى إبرام اتفاقية ما. كما أنه توجه إلى باريس في كانون الثاني/ يناير 1922 ضمن وفْد من أجل التعريف بالقضية الريفية في فرنسا، وشارك مشاركةً حيويةً في مفاوضات السلام مع إسبانيا في نيسان/ أبريل 1923.
في العام نفسه أيضًا أُسندت إليه مهمات عديدة ومهمة أخرى؛ كرئاسة اللجنة الريفية التي باشرت في مدينة وجدة خلال الفترة الممتدة من نيسان/ أبريل إلى أيار/ مايو 1926 مفاوضات السلام مع اللجنتين الفرنسية والإسبانية11. وفي هذا السياق أيضًا، نذكر أخا الزعيم الريفي امحمد بن عبد الكريم الذي كُلّف بالسفر إلى أوروبا والاتصال بالعالم الخارجي، وإثارة القضية الريفية في مختلف العواصم الأوروبية، والاتصال بالمنظمات والأحزاب وإطلْاعها على حقائق الحرب الريفية لمحاولة كسب تعاطفها وتأييدها. كما نذكر حدو بن حمو الذي قام بنشاط دبلوماسي مكثَّف لفائدة القضية الريفية، خصوصًا تجاه الفرنسيين؛ وذلك من أجل إقناعهم بالاعتراف بالدولة الريفية من خلال الاستفادة من معرفته باللغة الفرنسية، واتصالاته بالأوساط الفرنسية في الجزائر والمغرب، وحُسن حديثه ومهارته12، إضافة إلى نشاطه المتعدّد في إبرام صفقات تجارية من أجل اقتناء المواد المتعلقة بالاتصال الهاتفي والسيارات وبالخصوص شراء الطائرات. يقول عنه أحد الفرنسيين: "لقد كان دبلوماسيًّا بالفطرة (...) سخَّر كلّ طاقاته في خدمة القضية الريفية"13. الشخصية المهمّة الأخرى في الطاقم الدبلوماسي للحكومة الريفية هي محمد بوجيبار الصهر الثاني لعبد الكريم الذي كان موضع ثقة تامة لدى الزعيم الريفي. وعلى الرغم من عدم تقلده مناصب مُهمَّة في حكومة الجمهورية الريفية على غرار مقربين آخرين من عبد الكريم، فقد أسندت إليه مرارًا مهمات دقيقة ومعقَّدة؛ إذ كان ضمن الوفد الذي سافر إلى إنكلترا في تموز/ يوليو 1922، بهدف الدفاع عن القضية الريفية لدى الحكومة البريطانية، ثمّ سافر في العام الموالي إلى باريس من أجل المهمة نفسها14. لقد اعتمد الخطابي منهجيةً خاصةً في المحافل الدولية، انطلاقًا من أنّه يؤمن إيمانًا كبيرًا بأهمية الجانب الدبلوماسي في التعريف بالقضية الريفية ونجاح مشروعه التحرري. وتتمثّل تلك المنهجية بتكثيف الاتصالات مع عدّة شخصيات عالمية وأطراف دولية لكسب الدعم والتأييد15، بهدف جعل المسألة الريفية قضيةً دوليةً تُناقش في المحافل الدولية، وخصوصًا أنّ الإنكليز أعلنوا عن مواقف مؤيّدة واضحة لمصلحة الريفيين. ومن بين هذه الشخصيات الإنكليزية التي ربط معها المسؤولون الريفيون اتصالاتهم، والتي تدخلت لفائدة القضية الريفية في المحافل الدولية، جون أرنال John Arnal16، وكردون Gordon17، وكاردينر Gardiner18، وغيرها. وقد ساهمت هذه الشخصيات في التعريف بالقضية الريفية وعملت على جلْب الدعم والتأييد للريفيين داخل الأوساط الحكومية البريطانية وخارجها، ودافعت عن مطلب الاعتراف بالجمهورية الريفية.
جودة التسويق الدبلومايس للقضية الريفية
نجح الخطابي بامتياز في التسويق الدبلوماسي الجيد للقضية الريفية وتقديم نفسه للرأي العامّ العالمي بوصفه محاربًا ورجل سلام يدافع عن حقّ شعب أعزل ينشد الحرية والعدالة والمساواة، ونجح كذلك متابعًا لكلّ المستجدات والمتغيرات الدولية. وقد كانت له رؤية واضحة بشأن النموذج المثالي للتعاون، من دون احتلال عسكري، تتمثّل بأنّ التفاهم هو السبيل الوحيد للرقي والتعاون بين الشعوب، وبضرورة فتح حوار بنَّاء لإرساء قواعد للتعاون والتعايش السلمي تجنُّبًا لإراقة الدماء. واستطاع مواجهة التضليل الإعلامي وتفنيد المزاعم والادعاءات الاستعمارية، سواء من خلال دفاعه المستميت عن القيم والمبادئ الإنسانية النبيلة وارتكاز خطابه الدبلوماسي على توظيف جهاز مفاهيمي شبيه بذلك الجهاز الذي تستعمله الدول والجمعيات والمنظمات الحقوقية (حق تقرير المصير، والجمهورية، والحرية، والعدالة، والمساواة.. إلخ)، أو من خلال تقديمه مقترحات للسلام تبرز روحه التصالحية وميله إلى الحوار وتشجيعه على المفاوضات. وقد كان من نتائج هذه الدبلوماسية النشيطة والفعالة أنْ أصبحت القضية الريفية تحظى باهتمام كبير من كلّ الطبقة السياسية والمناضلين الاشتراكين في فرنسا، وإسبانيا، وسائر القوى الحرَّة في العالم. ومن أبرز الملفات والقضايا التي ركزت فيها الدبلوماسية الريفية، ما يلي:
السعي لتحقيق لاعتراف الدولي بالدولة الريفية الجديدة
أدرك الخطابي أهمية التوجه إلى الرأي العامّ العالمي والحصول على الاعتراف بجمهورية الريف دولةً ذات سيادة. ولتحقيق هذه الغاية، كثَّفت الدبلوماسية الريفية تحركاتها تجاه مختلف العواصم الأوروبية ومراكز صنع القرار الدولي. وفي هذا الإطار أرسل الزعيم الريفي الوفود إلى لندن وباريس ومدريد؛ إذ كان مبعوثوه إلى المجتمع الدولي يعلنون أنهم يمثّلون كيانًا مستقلًّ ومتميزًا من المغرب الذي فُرضت عليه الحماية19، وكانوا يحاولون الحصول على المساندة المعنوية من بعض الحكومات مثل الحكومة البريطانية، كما أنهم أقاموا صلات مع الحركات التقدمية في أوروبا الغربية على نحوٍ خاص20. وقد كان الاتصال الأول في اتجاه مسألة الاعتراف بالحكومة الريفية على المستوى الدولي هو الذي باشره جون أرنال عندما وجه مراسلةً من لندن إلى منظمة عصبة الأمم يوم 5 أيلول/ سبتمبر 1921. وفي هذه الرسالة، طلب أمرًا صريحًا باسم الحكومة الريفية متمثّل بعَدِّ الريفيين محاربين، لا متمردين، وبأنهم سيفتحون أبواب بلدهم للتجارة الخارجية، وسيحافظون على علاقات سلمية مع جميع الشعوب، في حال الاعتراف بهم شعبًا حرًّا21. وفي إطار الحملة الدبلوماسية لدى عصبة الأمم التي باشرها جون أرنال، سيقوم أرنال نفسه بخطوة أخرى هي إرساله وثيقةً أخرى يوم 6 أيلول/ سبتمبر 1922 إلى المجلس العامّ لعصبة الأمم يتحدث فيها الدبلوماسيون الريفيون عن وجود حكومة ريفية منتخبة من زعماء القبائل، ويعلنون استعدادهم لفتح أبواب التجارة أمام جميع الدول، وضمان الحقوق والحماية للمواطنين الأجانب، ويلتمسون الاعتراف الدولي بحكومتهم22.
التحرك الدبلومايس المكثف لكسب تأييد الرأي العامّ العالمي للقضية الريفية
وجَّه الزعيم الريفي رسالةً إلى مختلف سفراء الدول الأجنبية في طنجة، وإلى عصبة الأمم بجنيف، في أيلول/ سبتمبر 1922، جاء فيها: "لقد آن الأوان أن تعمل أوروبا التي تزعم أنّها ترفع لواء الحضارة (...) بنقل هذا المبدأ النبيل من القول إلى الفعل (...) لقد تحوَّل الريف في الوقت الراهن إلى ساحة حرب لا مبرر لها (...) ستتسبب في هلاك العديد من الإسبان والريفيين من دون جدوى (...) إنّ الريف لا يعترض على الحضارة العصرية، ولا ينفر من مشاريع الإصلاح، كما لن يقف ضدّ إقامة علاقات تجارية مشتركة مع أوروبا (...) فكل ما يطمح إليه الريف هو التخلص من الاضطهاد ومن العدوان العسكري الإسباني، والتمكن من إقامة حكومته المحلية، حيث يتولى إدارتها بنفسه"23. لقد وجَّه عدّة رسائل وخطابات لشعوب العالم من أجل التعريف بقضية الريف والحرب العادلة التي يخوضها رفقة شعبه، ومن بينها مخاطبته الشعبَ الأميركي قائلً: "أحييك أيها الشعب الأمريكي المحترم باسم الشعب الريفي الفتيّ الذي يعاني دائمًا من أهوال الحرب نتيجة إيمانه مثلكم بالحرية. إنّ الشعب الريفي يتمنى أن ينال يومًا مكانةً مماثلةً لمكانتكم التي أحرزتموها نتيجة الجهد والتضحيات في فترة كنتم خلالها في كامل إيمانكم بها كما كلّ الريفيين الآن"24. وكانت للزعيم الريفي اتصالات كثيفة بشعوب العالم، وبمنظمات عديدة ساهمت بفعالية في التعريف بكفاح الريفيين25. ويمكن الإشارة في هذا الصدد لجهد اليساريين الفرنسيين والإسبان. فقد انطلقت حملة الحزب الشيوعي الفرنسي ضدّ حرب الريف منذ النصف الثاني من عام 1924، وتعممت، وأصبحت في أيار/ مايو 1925 أكثر كثافةً، واستمرت إلى غاية استسلام الزعيم الريفي26، وقد طالب خلالها الشيوعيون وغيرهم من تنظيمات اليسار الأخرى باستقلال الريف وربط السّلم بالجلاء العسكري عن المغرب، ووضع حد للمعارك ضدّ الريفيين؛ وذلك بالاعتراف باستقلالهم27. وقد اعتمد الشيوعيون الفرنسيون في حملتهم المساندة للريفيين على وسائل دعائية متنوعة تمثّلت بالكراسات، والملصقات، والمناشير، والإعلانات، وترويج عرائض تطالب بوقف الحرب في الريف. غير أنّ التجمعات والمهرجانات بقيت هي الشكل المفضل في هذه الحملة. كما ساهمت النقابات العمالية مساهمةً كبيرةً في هذه التعبئة، إضافةً إلى الدور الكبير الذي قامت به المنابر الإعلامية اليسارية في التعريف بنضال الريفيين، وفي هذا السياق نذكر جريدتي لومانيتيوالثورة البروليتارية28. زيادةً على ذلك، بعث الحزب الشيوعي الفرنسي رسالة تهنئة إلى الزعيم الريفي عام 1924 جاء فيها: "إنّ المجموعة البرلمانية واللجنة القيادية للحزب الشيوعي واللجنة الوطنية للشبيبات الشيوعية تُحيِّي الانتصار الرائع للشعب المغربي على الإمبرياليين الإسبان، تهنِّئ
زعيمه المقدام عبد الكريم، تتمنى له، بعد الانتصار النهائي على الإمبريالية الإسبانية، أن يواصل رفقة البروليتاريا الفرنسية والأوروبية، الكفاح ضدّ جميع الإمبرياليين [بمن فيهم الفرنسيون] حتى التحرير الكامل للأرض المغربية"29. وبالنسبة إلى الحكومة الفرنسية، فإنّ الكفاح الذي يخوضه الزعيم الريفي ليس كفاحًا تحرريًّا، بل هو صراع لا يختلف عن الصراعات التقليدية التي يخوضها في المغرب مطالبون بالعرش (روكيات)30 ضدّ الحكم المخزني المركزي الذي أوكل إلى فرنسا عبر معاهدة الحماية قيادة بلاده في طريق التقدم، كما أنّ الخطابي ليس سوى متمرد ومغامر يستهدف العرش الشريفي بعد السيطرة على الريف31. وقد فنَّد السكرتير العامّ للحزب الشيوعي الفرنسي بيار سيمار Pierre Semard هذه الاتهامات الصادرة عن الحكومة الفرنسية، وعمل رفقة سائر الشيوعيين الفرنسيين على تصحيح الصورة التي روجتها وسائل الدعاية الرسمية الفرنسية عن الريفيين، بوصفهم رجال عصابات يحترفون أعمال النهب وقطع الطريق32؛ إذ رأى أنّ الريف لا يقلُّ تنظيمًا عن سائر الدول الأوروبية الديمقراطية، واستقلال لا يعني انكفاء الريفيين على أنفسهم، بل يتيح لهم إمكان الوصول إلى منافع الحضارة الغربية، وعقْد اتفاقيات مع الشركات الأجنبية لتسهيل استغلال ثروات بلادهم33. كما أكسبت صحيفة لومانيتي تصريحات رئيس جمهورية الريف صدى واسعًا34؛ ذلك أنّها أعادت نشر المقابلات الصحافية التي خصَّ بها الصحافيِيّن الأجانب، وعرَّفت بشروطه السلم المبلغة عبر وسطاء من جهته، ونشرت الرسالة التي وجهها إلى البرلمان الفرنسي. كما نشرت جريدة "الكوتيديان" Le Quotidien وثيقةً بعنوان "خطاطة شروط السّلم الموضوعة من جهة عبد الكريم"35. وقد أرجع الحزب الشيوعي الفرنسي حرب الريف إلى أخطاء الإدارة العسكرية الإسبانية، ورأى أنّه كان من الممكن تجنّب الحرب الريفية الفرنسية لو أنّ فرنسا اعتمدت في المغرب سياسةً أقلَّ نزوعًا إلى الروح العسكرية36.
نقاط قوة الدبلوماسية الريفية
قدرة الدبلوماسية الريفية على التكيف مع الأوضاع الخارجية
تميزت الدبلوماسية الريفية بحيويتها وقوّتها، وبقدرتها على التكيّف مع الأوضاع الخارجية. ويتجلى ذلك بوضوح في سمة المرونة التي طبعت مواقف الزعيم الريفي تجاه مجموعة من القضايا؛ إذ كانت مواقفه تتغير وتتبدل بحسب تغير الأوضاع والمعطيات. فبعدما كان يُثني على الإسبان ويهاجم السياسة الفرنسية، زمنَ اشتغاله صحافيًّا في مليلية، ويتهم هذه السياسة بالسعي لإخضاع المغرب لسيطرتها الاستعمارية37، اتسمت مواقفه بشأن تدبير العلاقة مع الفرنسيين بالحذر وكثرة التروي، بل إنّه أبدى رغبته في مهادنتهم
وضمان التزام فرنسا الحياد وطمأنة المسؤولين الفرنسيين إلى أنّ أنشطته موجهة ضدّ إسبانيا فقط، وهذا ما ألحَّ عليه الزعيم الريفي في خطاب مبايعته بقوله: "غير أننا نعمل مجهودنا مع الدول التي تريد الانتصار لإسبانيا، خصوصًا فرنسا فلا نحاربها ولا نعاديها ما أمكننا من جميع الوجوه، ونستعمل الوسائل التي تضمن السلم التامّ معها"38؛ لسبب بديهي هو الرغبة في التزام الفرنسيين الحياد وتفادي الاصطدام معهم، والانشغال بتوطيد المكاسب المُحصَّلة، وعزل الخصم الرئيس واستهدافه بدلً من تشتيت الجهد في واجهتين39. فبعد انتصار القوات الريفية في معركة أنوال في تموز/ يوليو 1921، اضطر الإسبان إلى الانسحاب والتراجع وإخلاء جلّ مواقعهم، فانكشفت الجبهة الفرنسية انكشافًا كاملً وأصبحت في مواجهة مباشرة مع الريفيين40، وهو ما أقلق السلطات الفرنسية وتسبّب بزيادة مخاوفها41. وبذلك عرفت العلاقات الإسبانية – الفرنسية، إلى حدود عام 1924، تدهورًا خط رًا تبلور على نحوٍ جليّ باستفحال المشكلات بين الطرفين، وتبادل الاتهامات في ما يتعلق بمسؤولية الهزائم التي مُنيت بها إسبانيا في الحرب ضدّ الريفيين42. وفي ضوء هذه المستجدات بادر الزعيم الريفي إلى الاتصال بالجانب الفرنسي لجسّ نبض الفرنسيين ومعرفة موقفهم، ومن ثمة تحديد طبيعة تصرُّف الريفيين بناءً على ذلك الموقف43. وفي هذا الإطار أوفد وزير خارجيته أزرقان للتباحث مع المسؤولين الفرنسيين في المناطق المجاورة للريف بما يقضي "تحسين العلائق مع فرنسا التي نودُّ أن تعاملنا ونعاملها بحسن المجاورة، على الوجه الذي يفضي إلى الراحة التامة بين الجميع"44. ولتحقيق المهمّة نفسها، بعث شقيقه امحمد إلى فرنسا45. يدخل ذلك السلوك السياسيّ أيضًا في إطار استغلال التنافس الاستعماري بين القوى الاستعمارية، خصوصًا بين إسبانيا وفرنسا، استغلالً ذكيًّا. فقد اعتمد الزعيم الريفي دبلوماسيةً تتكيّف مع المتغيرات التي كانت تعرفها العلاقات بين الدول الاستعمارية، وحاول استثمار التناقضات الموجودة بينها، بخاصة بين كلّ من فرنسا وإسبانيا وبريطانيا46. وكان على بيِّنة تامة بالتنافس القائم بين إسبانيا وفرنسا في سعيهما لفرض الحماية على المغرب47، وعمل في الآن نفسه على استغلال ذلك التنافس لتفادي مواجهة القوتين الاستعماريتين، كما راهن الخطابي رهانًا كبيرًا على الدور الذي يمكن أن تضطلع به دول مثل إنكلترا، والولايات المتحدة الأميركية لفائدة القضية الريفية.
لكنّ السياسة البريطانية تجاه الريفيين تميزت بالتغير والتبدل48، فبعد أن استمر تأييدها لهم حتى أواخر عام 1924، غيرت موقفها، ودعمت التنسيق العسكري المشترك الفرنسي - الإسباني. وبخصوص الموقف البريطاني، ينبغي ألَّ نخلط الموقف الرسمي بالموقف الشعبي الذي عبَّت عنه مجموعة من الشخصيات الإنكليزية من رجال أعمال، وصحافيين، وحقوقيين. وقد كان الزعيم الريفي يدرك إدراكًا عميقًا أنّ المعركة ضدّ إسبانيا هي معركة ضدّ الغرب كلِّه؛ إذ يقول في هذا الشأن: "على أنِّ أتوقَّع إذا نصرنا الله عليه [أي الإسبان]، فإنّ غير هذا الجنس ربما لا يدعنا نتمتع في أرضنا في راحة وسكون فإنّ الكفر ملّة واحدة لا بدَّ من تدخلهم في شؤوننا وإنْ لم يصدر منهم ما يوجب تراميهم علينا"49. أمّا السلطات الفرنسية، فقد اكتفت في ردِّها على المساعي الريفية بالتذكير بأنها لن تكون ملزمةً بالتدخل، وبأنّها لن تتدخل في المغرب إلا طبقًا للاتفاقيات المبرمة مع السلطان من جهة، ومع الدول الموقعة لعقد مؤتمر الجزيرة الخضراء من جهة أخرى50. ومن ثمة رفضت رفضًا باتًّا مسألة التفاوض مع الزعيم الريفي لأسباب متعدّدة. ففي البداية عدَّته متمردًا يُشكِّل مشروعه تهديدًا للوجود الفرنسي في أفريقيا الشمالية، ثمّ أكَّدت أنها لا يمكنها أن تتصرف بمفردها؛ لأنّ مصالحها متداخلة مع المصالح الإسبانية. إضافةً إلى ذلك رأى الفرنسيون أنّ التفاوض مع الزعيم الريفي سيكون مظهرَ ضعفٍ يُؤدِّي إلى تقوية نفوذه وزعزعة القبائل الخاضعة51. لكنّ الزعيم الريفي الذي كان يعي جيدًا المكاسب الكبيرة التي ستجنيها القضية الريفية (من صداقة لفرنسا وكسبٍ لثقتها)، لم يُثنِه ردٌّ سلبيٌّ للفرنسيين، بل سعى جاهدًا لضمان حيادهم وإقامة علاقات حُسن جوار معهم. وفي هذا الإطار بادر إلى إبداء موقف للتقارب مع فرنسا مرَّةً أخرى عندما بعث برسالة إلى المقيم العامّ الفرنسي بالمغرب المارشال ليوطي Louis Lyautey في 4 نيسان/ أبريل 1923 تتضمن الكثير من عبارات الإطراء وتعلن استعداد الريفيين لإقامة علاقة صداقة مع الفرنسيين. وقد جاء في إحدى فقراتها التي تعبِّ عن روح تصالحية واضحة: "أبلغ امتنان الشعب الريفي الصادق لفرنسا التي كانت الوحيدة بين القوى الأوروبية التي قدمت في العديد من المناسبات أدلة على تعاطفها مع العالم الإسلامي، وسارعت إلى دعمه في لحظات حرجة معينة"52. وبعد إقدام السلطات الفرنسية على تطبيق مخططها التوسعي في منطقة ورغة الواقعة على الحدود الجنوبية للريف، تدهورت الأوضاع في المنطقة واندلعت مواجهات حادَّة بين القبائل المحاذية للمراكز العسكرية الفرنسية مدعومة بقوات ريفية أُرسلت إلى المكان عينه53. غير أنّ قيادة حركة المقاومة تعاملت في بداية الأمر مع مسألة التوسع الفرنسي في حوض ورغة تعاملً دبلوماسيًّا؛ إذ كاتب الزعيم الريفي المقيمَ العامّ الفرنسي المارشال ليوطي مرات عديدةً، وأوفد مبعوثيه إلى فاس لتأكيد رغبته في إرساء علاقات حسنة مع الفرنسيين مبنية على حسن الجوار والاحترام المتبادل54، وإبلاغ السلطات الفرنسية بضرورة إيقاف تنفيذ مخططاتها التوسعية في المنطقة، وسحب قواتها من المرتفعات الإستراتيجية شمال ورغة، والدخول في مفاوضات لإيجاد تسوية لهذه القضية ترضي جميع الأطراف55. لكنّ المقيم العامّ الفرنسي الجنرال ليوطي رفض المقترح الريفي القاضي بتشكيل لجنة فرنسية ريفية مشتركة تعمل على إيجاد حلول متَّفق عليها
بين الجانبين تجاه ما أصبح يسمى "قضية بني زروال"56، وأكّد أنّ المعاهدات المُوقَّعة مع السلطان والإسبان تُلزمه عدم الدخول في مفاوضات مع الريفيين57. بعد هذا الرفض الفرنسي لمطالب القيادة الريفية التي تأكدت من عزْم السلطات الفرنسية وإصرارها على المضيِّ قُدمًا في توسيع سيطرتها على مختلف أرجاء قبيلة بني زروال58، تغيَّ خطاب الزعيم الريفي وأخذت لهجته تتصاعد يومًا بعد يوم، وأصبحت تهديداته جديةً مع نهاية عام 192459. فقد أكَّد أنه "لن يُسمح للقوات الفرنسية بالسيطرة على قبائل شمال ورغة، وإنْ لم تُحمل تهديداته محمل الجد، فإنه سيكون مضطرًّا إلى اللجوء إلى السلاح"60. وفي وقتٍ كانت فيه السلطات الإسبانية تضاعف اتصالاتها مع المسؤولين الريفيين بغية التوصُّل إلى اتفاق61، بادرت الحكومة الفرنسية إلى الدخول في مفاوضات دبلوماسية مع نظيرتها الإسبانية62؛ لأنها كانت تدرك جيدًا المخاطر المترتِّبة على نجاح الريفيين في مسعاهم للحصول على اعتراف دولي باستقلالهم، سواء كانت هذه المخاطر متعلّقةً بمصالحها الحيوية بالمغرب خاصةً، أو بأفريقيا الشمالية عامة63.
تفنيد ادعاءات السلطات العسكرية الفرنسية والإسبانية ومزاعمها
قام الزعيم الريفي بجهد تفسيري وإعلامي كبير في الأوساط الإعلامية الغربية لتوضيح حقيقية الصراع الذي يخوضه الشعب الريفي، وتأكيد طابعه التحرري المعادي للاستعمار. وقد نجح إلى حدٍّ كبير في تصحيح الصورة التي أرادت السلطات الاستعمارية الإسبانية وًالفرنسية تقديمها للرأي العامّ الدولي عبْ آليتها الإعلامية والدعائية التي تحطُّ فيها من الحركة الريفية وتعدُّها حركةً همجية64، وتُصوِّر زعيمها قائدًا محلِّيًّا مغامرًا طامعًا في السُلطة، خارجًا عن الشرعية مثل أيِّ "روكي" في زمن السيبة65، كما أنّها حاولت إزالة الطابع الوطني عن حركته التحررية وأصدرت أحكامًا وفقًا للمقاييس الاستعمارية66. ففي استجواب أجراه معه مراسل جريدة Il Popolo d'Italia في 16 حزيران/ يونيو 1925، سخر الزعيم الريفي عندما أبلغه المراسل أنّ الصحافة الفرنسية تتهمه بمحاولة الاستيلاء على فاس وتنصيب نفسه سلطانًا على المغرب؛ إذ قال: "لديّ ما يكفي من الهموم في الريف، ولا أريد أن أبحث عنها في مناطق أخرى. لم تكن لديّ أيّ نيَّة للاستيلاء على فاس، ولا أن أعلن نفسي سلطانًا أو خليفة)...(
أهدافي واضحة جدًّا، لقد حاربنا الإسبان أوَّلً لأننا لا نعترف بالطريقة التي قسّم بها المغرب. لقد جعل الريف تحت الحماية الإسبانية، وألغى استقلالنا الذي كان العالم بأسره معترفًا به"67. وعام 1925، حينما تجددت الحملة على الخطابي في الغرب بدعوى أنه جزء من حركة إسلامية مناهضة للغرب، أدلى بحديث إلى الصحافي الأميركي شين Schean مراسل جريدتي Near و Midlle East Association، إثر انتقاله إلى أجدير عاصمة الريف68، استنكر فيه الربط بين حركته والحركة الإسلامية في العالم، مبينًا أنّ حركة الجامعة الإسلامية ليست لها أيّ ارتباطات بالريف، وأنّ الصراع ليس إلّ ضدّ العدو المحتل، وأنه على استعداد لوضع حدٍّ له إن تراجعت الحكومة الإسبانية عن مواقفها العدائية69، ورأى أنّ الغاية من ترديد مثل هذه المغالطات هي تخويف الرأي العامّ العالمي، والأوروبي على الخصوص، للحؤول دون مساندته ودعمه للريفيين في كفاحهم من أجل الاستقلال. كما أعلن رسميًّا أنه ليس تحت أيّ تأثير ألماني، وأضاف: "لا معنى لتضحية الريفييّن وقتالهم من أجل الحرية إن كانت هذه التضحية من أجل قوَّة أخرى"70.
اعتمد الخطابي مفاهيم متداولةً يف أوروبا
عندما أسّس الخطابي دولةً عصريةً، انتهج سُبل الابتكار والتجديد حتى تكون الدبلوماسية الريفية أكثر فاعليةً وقادرةً على الإقناع والنجاح في كسب التأييد والتعاطف من الأوساط الحكومية والشعبية في أوروبا وغيرها من الدول، وظهر رئيسَ جمهورية تحرص على تقديم نفسها في شكل حكومة تمثيلية منتخبة منبثقة من الإرادة الشعبية، تتوافق مع المبادئ العامة للديمقراطية الأوروبية وتُجسِّد النموذج الغربي للديمقراطية71، فقد كان يستعمل مصطلحات ومفاهيم متداولةً في الأمم الأوروبية لترويج خطابهم72. وبما أنّ التبرير النظري لإقامة الحماية الأوروبية هو عجز المغاربة عن حكم أنفسهم بأنفسهم73، فإنّ تأسيس الخطابي لجمهورية الريف بما يحمله مصطلح الجمهورية من شحنة رمزية قوية، قد مرَّغ في الوحل هذه الحجج الاستعمارية. وفي رسالة موجهة إلى الحكومة الإسبانية، في 24 تموز/ يوليو 1923، يقول محمد أزرقان وزير الشؤون الخارجية للجمهورية الريفية: "إنّ الحكومة الريفية التي أ سِّست على قواعد عصرية وقوانين مدنية، تعتبر نفسها مستقلةً سياسيًّا واقتصاديًّا؛ آملةً أن تعيش حرَّةً كما عاشت قرونًا وكما تعيش جميع الشعوب)...(والحالة [هي] أنّ الريف يلتزم أن يحكم نفسه بنفسه ويسعى في نوال حقوقه الشرعية التي لا نزاع فيها"74. إضافةً إلى ذلك، اعتمد الزعيم الريفي الجمهورية إطارًا سياسيًّا تنظيميًّا كي يختلف عن كلّ الثائرين الذين كانوا يرغبون في تول منصب السلطان، وقد كان آخرهم الزرهوني الجيلالي الملقب ب "بو حمارة". إنها إستراتيجية حكيمة وواقعية كي يبعد الخطابي عن نفسه صورة المتمرد، أو "الروكي"، الطامع في السُلطة التي حاولت الأدبيات الاستعمارية إلصاقها به.
واعتمد الخطابي في كفاحه من أجل الاستقلال جملةً من المبادئ أصبح ينادي بها المجتمع الدولي في وقتنا الحاضر؛ مثل "الحوار"، والطرق السلمية" أساسًا لحلّ الخلافات، و"عدم اللجوء إلى الحروب"، إضافةً إلى مبادئ أخرى مثل "التعاون السلمي بين الدول" و"احترام حقوق الإنسان". ولم يتخلَّ عن هذه العقيدة طَوال مراحل نضاله75. وبذلك نجح الزعيم الريفي إلى حدٍّ كبير في تقديم نفسه للرأي العامّ العالمي بوصفه رجل سلام. وكان على قناعة تامة بإمكان التفاهم والتعاون وتفادي أيّ مواجهات عسكرية. فقد حاول إقناع السلطات الإسبانية بأهمية قيام تعاون سلمي معهم للاستفادة من تقدُّمهم الحضاري والتكنولوجي منذ فترة اشتغاله في مليلية. وأبدى استعداده للتعاون معهم ومنْحهم حقّ الدولة الأكثر رعايةً إذا اقتنعوا بنيَّاته الطيبة التي تتمثّل بالحفاظ على الريف واستقلاله. وقد كرر هذه الرسالة مرات عديدةً. وبدلً من تفهُّم المسؤولين الإسبان منطقه الداعي إلى السلام والتعاون، حاولوا استمالته إلى جانبهم وإلى منطقهم الإمبريالي من خلال إغرائه ببعض المناصب76. أمّا بخصوص العلاقات بين الريف وفرنسا، فقد حمل الخطابي الفرنسيين مسؤولية اندلاع الحرب الريفية - الفرنسية، مبرزًا أنّ أهدافه كانت دفاعيةً خالصةً، وأنّها كانت من أجل حماية حقوق الريفيين. وأوضح كذلك الأسباب التي أرغمته على خوض هذه الحرب؛ إذ يقول: "حتى وقت قريب، كانت تربطنا بالفرنسيين علاقات ودية جدًّا. لكن منذ سنتين أرجع الفرنسيون المبعوثين الريفيين، وتمَّ إيقاف رُسلُي، وضرْبهم، ومصادرة السلع التي تعبر حدودنا. منذ اليوم الأول للصراع مع الإسبان طالبتُ الفرنسيين بتحديد الحدود، لكنّ كل طلباتي قوبلت بالرفض. وعام 1923 طلب مني ليوطي أن أرسل مبعوثًا إلى الرباط وهو ما فعلته، لكن تمّ تجاهل وجوده، وأبلغني الجنرال دي شمبورن De Chambrun أنّ الفرنسيين سيدفعون بمراكزهم إلى ما وراء ورغة، وطلب من قواتي الجلاء عن هذه المنطقة حيث تعقد القبائل أسواقها وتشتري حاجاتها (...) ومع بداية عام 1925 تلقيت أمرًا جديدًا من المارشال ليوطي أبلغني من خلاله أنّ قواتي التي توجد في منطقة بني زروال، وهي منطقة كانت دائمًا تابعةً للريف، يجب أن تنسحب من هذه المنطقة. وحتى لو كنت أريد تنفيذ الأمر، فإن الطائرات الفرنسية لن تترك لي الوقت الكافي لفعل ذلك بعد أن بادرت إلى إلقاء قنابلها وقذائفها على رجالي"77. ومن جهة أخرى رأى الزعيم الريفي أنّ في عدم دخوله مدينة فاس دليلً واضحًا على حسن نيّاته تجاه الفرنسيين ورغبةً حقيقية في تفادي أيّ مواجهات عسكرية معهم. وفي الإطار نفسه يضيف الزعيم الريفي في لقاء أجراه مع ميركو أردماني Mirko Ardemagni مراسل الجريدة الإيطالية Il Popolo d'Italia في 16 حزيران/ يونيو 1925، إثر انتقاله من مليلية إلى أجدير: "لم تكن لديّ نيَّة للدخول في حرب ضدّ عدوّ جديد، والأمر على العكس من ذلك. فبعد الانتصار الذي حقّقته على الإسبان، وبعد اقتناع الإسبان للمرة الأولى بعدم جدوى الاستمرار في الحرب ضدّ الريف، سعيت حينئذ لعقد اتفاق مع مدريد، وبالتأكيد جرى خلال هذه الفترة الدخول في مفاوضات إسبانية - ريفية من أجل السلم والشراكة، لكن فرنسا مارست ضغوطًا قويةً على الحكومة الإسبانية وقدمت لها وعودًا لثنيها عن الاتفاق معي بوصفي ممثلً للشعب الريفي"78. وفي ما يتعلّق باستعداد الخطابي لعقد صُلح مع فرنسا وتحقيق السلام معها على قاعدة الحدود المقرَّرة في مؤتمر عقد الجزيرة، أجاب بقوله إنّ السلاح حاليًّا هو الذي يحدِّد الحدود. لكنه أضاف "إنني دائمًا على استعداد للتفاوض مع الفرنسيين. وإن كانت فرنسا ترغب
في السلام، فإنني لن أضع أيّ عقبة في وجه الصلح. وإنْ فضلت الحرب، فإننا على استعداد لخوضها. لقد هاجمتنا فرنسا، وأرغمتنا على خوض الحرب. ونحن على استعداد لمواصلة الحرب حتى الموت"79.
خاتمة
أدرك الخطابي، زعيم ثورة الريف، أهمية التوجه إلى الرأي العامّ العالمي والتسويق الدبلوماسي الجيد للقضية الريفية، لذلك أولى العمل الدبلوماسي والعلاقات الخارجية في مشروعه التحرري أهميةً كبرى. وقد كان من نتائج هذه الدبلوماسية النشيطة والفعالة التي اعتمدها أنْ أصبحت المسألة الريفية قضيةً دوليةً تُناقش في المحافل الدولية، وتحظى باهتمام كبير من كلّ الطبقة السياسية والمناضلين الاشتراكين في فرنسا، وإسبانيا، وسائر القوى الحرَّة في العالم. وقد تجلَّت فاعلية الدبلوماسية الريفية ونجاعتها في مستويين، هما: أول، التحرك الدبلوماسي: كثّف الخطابي تحركه تجاه مختلف العواصم الأوروبية ومراكز صُنع القرار الدولي، واتصالاته مع عدّة شخصيات عالمية وأطراف دولية، ومختلف المنظمات الحكومية وغير الحكومية التي ساهمت بفعالية في التعريف بكفاح الريفيين. ومن ثمة كسب تأييد الرأي العامّ العالمي للقضية الريفية ودعمه لها. كما أنّه وظّف في مفاوضاته ومراسلاته مع مختلف القوى الأجنبية لغة سياسيةً قريبةً من المصطلحات والمفاهيم المتداولة في الدول الأوروبية؛ ما جعل خطابه أكثر فاعليةً وقدرةً على الإقناع، إضافةً إلى اعتماده دبلوماسيةً تتكيَّف مع المتغيرات التي كانت تعرفها العلاقات بين الدول الاستعمارية. يُضاف إلى ذلك أنّه حاول استثمار التناقضات الموجودة بين هذه الدول، خصوصًا بين فرنسا، وإسبانيا، وبريطانيا. ثانيًا، تعامل الخطابي مع الصحافة: اتَّسم الزعيم الريفي بتعامل ذكيّ تجاه الصحافة الدولية. وقد تجلَّ ذلك في قدرته التواصلية، وفي الجهد الإعلامي الكبير الذي قام به في الأوساط الإعلامية الغربية لتوضيح حقيقة الصراع الذي يخوضه الشعب الريفي، وتأكيد طابعه التحرري المعادي للاستعمار. وبدا ذلك جليًّا من خلال مختلف الحوارات التي أجراها في منابر إعلامية دولية عديدة؛ إذ كانت لتصريحاته ولقاءاته الصحافية التي كانت تُنشر على نطاق واسع في مختلف الصحف العالمية أصداء مختلفة في مختلف جهات العالم، ولاقت أفكاره من الرأي العام الدولي تعاطفا كبيرًا.
قائمة المصادر والمراجع
المراجع العربية
أوفيد، جورج. اليسار الفرنسي والحركة الوطنية بالمغرب (1905 ˗ 1955). محمد الشركي ومحمد بنيس (مترجمان)، الرباط: دار توبقال للنشر، 1987.
بوعسرية، بوشتى. "علاقة محمد بن عبد الكريم الخطابي مع قواد قبائل الريف قائد بني رزين نموذجًا 1922 - 1925 "، مجلة، أمل العدد 8، 1996.
البوعياشي، أحمد. حرب الريف التحررية ومراحل النضال، ج 2، طنجة: سوشبريس، 1974.
خرشيش، محمد. "الوفاق الفرنسي ضد المقاومة الريفية (1925 ˗ 1926)"، مجلة أمل، العدد 12، 1997.
داود، زكية. عبد الكريم ملحمة الذهب والدم. محمد الشركي (مترجم)، الرباط: وزارة الثقافة، 2007.
ذي مادارياغا، ماريا روسا. "الحزب الاشتراكي الإسباني والحزب الشيوعي الإسباني في مواجهة حرب الريف"، مجلة أمل، العدد 12، 1997. محمد بن عبد الكريم الخطابي والكفاح من أجل الاستقلال. محمد أونيا وآخرون (مترجمون)، الرباط: تيفراز، 2013.
سكيرج، أحمد بن العياشي. الظل الوريف في محاربة الريف، رشيد يشوتي (محقق). الرباط: المعهد الجامعي للبحث العلمي، 2010. عبد الكريم الخطابي، سعيد. "الأمير المجاهد عبد الكريم والسلام في البحر الأبيض المتوسط"، مجلة أمل، العدد 12، 1997.
عياش، جرمان. أصول حرب الريف. محمد الأمين البزاز وعبد العزيز التمسماني خلوق (مترجمان)، الدر البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1992.
كنون، عبد الله. "محمد بن عبد الكريم الخطابي"، مجلة أمل، العدد 12، 1997.
مارتين، ميكل. الاستعمار الإسباني في المغرب (1860 ˗ 1956). عبد العزيز الوديي (مترجم)، الرباط: التل، 1988.
المساري، محمد العربي. محمد عبد الكريم الخطابي من القبيلة إلى الوطن. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012.
ندوة المقاومة المسلحة والحركة الوطنية بإقليم تاونات 1912 - 1956. الرباط: المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، 2000.
اليوسفي، عبد الرحمن. "مؤسسات جمهورية الريف"، مجلة أمل، العدد 8، 1996.
المراجع الأجنبية
• Ageron, Charles - Robert. "La presse parisienne devant la guerre du Rif (avril 1925 - mai 1926)," Revue de
• Exposition coloniale internationale de Paris, 1931. Les Armées françaises d'outre - mer. Les Opérations
l'Occident musulman et de la Méditerranée , vol. 24 , no. 24 , 1977.
• Ayache, Germain. La Guerre du Rif. Paris/ Montreal: L'Harmattan, 1996.
militaires au Maroc. Paris: Imprimerie Nationale, 1931.
• François, Pouillon et al. "pour une insurrection paysanne au Maroc," in " Cahiers d'études africaines , vol. 16 ,
no. 63 - 64 , 1976.
• Miege, Jean - Louis. "L'arrière plan diplomatique de la guerre du Rif," Revue de l'Occident musulman et de la
Méditerranée , no. 15 - 16 , 1973.
• Mowrer, Paul Scot. The house of Europe.Boston: Houghton Mifflin, 1945.
• Thierry, René. "L'agression des Rifains contre le Maroc Français," Bulletin du Comité de l'Afrique Française ,
may 1925.