مراجعة كتاب
Historical Topography of Ancient and Medieval Syria by René Dussaud
الملخّص
يصنّف هذا الكتاب ضمن كتب الجغرافية التاريخية وكتب الموسوعات، أو كما وصفه مؤلفه بأنه "مدخل إلى الطبوغرافيا التاريخية السورية". ومازال هذا العمل يحتفظ بأهميته على الرغم من صدوره باللغة الفرنسية قبل نحو مئة عام للمستشرق وعالم الآثار الفرنسي الموسوعي رينيه دوسو [René Dussaud] (1868-1958). ولا تقلُّ ترجمته إلى اللغة العربية أهميةً عنه; لأنها أوصلته إلى شريحةٍ واسعةٍ من القرّاء العرب. وهو يمثّل وجهة نظر استشراقيه أوروبية نحو تاريخ المنطقة وإشكاليته. وقد ساهمت وجهة النظر هذه وأمثالها بوضع سياسات وحدود، وخلق كيانات ما زالت المنطقة تعاني آثارها حتى اليوم. ولا بد من تأكيد أنّ فترة ظهوره مهمة; إذ جاءت بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار آخر خلافة إسلامية والسيطرة الأوروبية الفعلية على المنطقة، وهي بهذا تُعد منعطفًا مهمًا في تاريخ بلاد الشام والعالم العربي، وهي الفترة أيضًا ا التي شهدت خلق الكيانات (الدول) الحديثة في المنطقة بأيدي غربية بالدرجة الأولى. يتتبع الكاتب الطرق والمسالك القديمة، ومن خلالها يتتبع تاريخ المنطقة والحملات العسكرية والدروب التي سلكتها والمواقع والبلدات التي مرت منها والمعارك التي خاضتها; وذلك من خلال الآثار وما كتبه المؤرخون والرحالة وما حفظته الوثائق. ونستطيع القول إنه كتابٌ موسوعي بامتياز، ويمكن تشبيهه في كثيرٍ من الوجوه بمعجم البلدان لياقوت الحموي.
Abstract
Despite being nearly a century old, the book Historical Topography of Ancient and Medieval Syria, by the French archeologist and orientalist Rene Dussaud, continues to be a seminal work in its field. Its Arabic translation will be no less important since it brings Dussaud's writings to a wider Arab readership. Dussaud's work represents a European Orientalist perspective on the history of the region and its problematics. It is this perspective and similar ones that helped draw up policies and borders, and helped create entities the impacts of which continue to plague the region. Published just after the First World War, the book marks an important rupture in the history of the Levant and the Arab world, with the collapse of the last Islamic Caliphate, and European dominance of the region. The book explores the geography, history, and archeology of sites, towns, castles, and villages, and the peoples who lived or passed through the region, from the most ancient periods of the Assyrians, Akkadians, Arameans, Greeks, and Romans, continuing through the appearance of Islam and the region becoming Muslim, up to the Crusades. By means of archeology, the accounts of historians and travelers, and documentary records, the French archeologist follows ancient routes and uses them to trace the military campaigns and the routes they followed, the sites and towns they passed through and the battles fought.
- رينيه دوسو
- طبوغرافيا
- الشام
- تاريخ قديم
- تاريخ وسيط
- René Dussaud
- Topography
- Syria
- Ancient history
- Middle Ages
- Classical antiquity
| عمر السمر| al-Samar *Ammar | ||
|---|---|---|
| عمر السمر | Samar al Ammar | * أستاذ تاريخ العرب الحديث والمعاصر في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى (IFPO) بدمشق وبيروت. أستاذ التاريخ في جامعة دمشق (سابقًا.) يصنّف هذا الكتاب ضمن كتب الجغرافية التاريخية وكتب الموسوعات، أو كم وصفه مؤلفه بأنه "مدخل إلى الطبوغرافيا التاريخية السورية". ومازال هذا العمل يحتفظ بأهميته على الرغم من صدوره باللغة الفرنسية قبل نحو مئة عام للمستشرق وعالم الآثار الفرنسي الموسوعي رينيه دوسو Dussaud René (1868 - 1958). ولا تقلُّ ترجمته إلى اللغة العربية أهميةً عنه؛ لأنها أوصلته إلى شريحةٍ واسعةٍ من القرّاء العرب. وهو يمثّل وجهة نظر استشراقيه أوروبية نحو تاريخ المنطقة وإشكاليته. وقد ساهمت وجهة النظر هذه وأمثالها بوضع سياسات وحدود، وخلق كيانات ما زالت المنطقة تعاني آثارها حتى اليوم. ولا بد من تأكيد أنّ فترة ظهوره مهمة؛ إذ جاءت بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار آخر خلافة إسلامية والسيطرة الأوروبية الفعلية على المنطقة، وهي بهذا تُعد منعطفًا مهمً في تاريخ بلاد الشام والعالم العربي، وهي الفترة أيضًا التي شهدت خلق الكيانات (الدول) الحديثة في المنطقة بأيدي غربية بالدرجة الأولى. يتتبع الكاتب الطرق والمسالك القديمة، ومن خلالها يتتبع تاريخ المنطقة والحملات العسكرية والدروب التي سلكتها والمواقع والبلدات التي مرت منها والمعارك التي خاضتها؛ وذلك من خلال الآثار وما كتبه المؤرخون والرحالة وما حفظته الوثائق. ونستطيع القول إنه كتابٌ موسوعي بامتياز، ويمكن تشبيهه في كثيرٍ من الوجوه بمعجم البلدان لياقوت الحموي. Despite being nearly a century old, the book Historical Topography of Ancient and Medieval Syria , by the French archeologist and orientalist Rene Dussaud, continues to be a seminal work in its field. Its Arabic translation will be no less important since it brings Dussaud's writings to a wider Arab readership. Dussaud's work represents a European Orientalist perspective on the history of the region and its problematics. It is this perspective and similar ones that helped draw up policies and borders, and helped create entities the impacts of which continue to plague the region. Published just after the First World War, the book marks an important rupture in the history of the Levant and the Arab world, with the collapse of the last Islamic Caliphate, and European dominance of the region. The book explores the geography, history, and archeology of sites, towns, castles, and villages, and the peoples who lived or passed through the region, from the most ancient periods of the Assyrians, Akkadians, Arameans, Greeks, and Romans, continuing through the appearance of Islam and the region becoming Muslim, up to the Crusades. By means of archeology, the accounts of historians and travelers, and documentary records, the French archeologist follows ancient routes and uses them to trace the military campaigns and the routes they followed, the sites and towns they passed through and the battles fought. مراجعة كتاب "المسالك والبلدان في ب د الشام في العصور القديمة والوسطى" Historical Topography of Ancient and Medieval Syria by René Dussaud عمر السمر | Samar al Ammar | |
| ر| را | ||
| مراجعة كتاب "المسالك والبلدان في ب د الشام في العصور القديمة والوسطى" Historical Topography of Ancient and Medieval Syria by René Dussaud | ||
| المؤلف: رينيه دوسو Dussaud René. | ||
|---|---|---|
| المؤلف: رينيه دوسو Dussaud René. عنوان الكتاب: المسالك والبلدان في بلاد الشام في العصور القديمة والوسطى. Topographie historique de la Syrie antique et médiéval (Paris: René Dussaud, 1927). العنوان الأصلي: ترجمة وتعليق: عصام الشحادات. الناشر: منشورات المعهد الفرنسي للشرق الأدنى (ifpo)، بيروت - دمشق. سنة النشر: 2013. عدد الصفحات: 744 صفحة. | ||
تمهيد
يصنّف هذا الكتاب ضمن كتب الجغرافية التاريخية والموسوعات أو كما وصفه مؤلفه "مدخل إلى الطبوغرافيا التاريخية السورية." ويمكن القول إننا أمام كتابٍ مختلفٍ وجهدٍ يستحق الإشادة؛ فمن النظرة الأولى، ومع تصفّح الكتاب، يمكن أن تعرف أنك أمام جهدٍ علمي كبيرٍ سواء في التأليف أو الترجمة. ويشكّل الكتاب أهمية خاصة للمتخصصين في جغرافية بلاد الشام وتاريخها وآثارها، وحتى للناس العاديين الذين يودون معرفة تاريخ سورية ولبنان. وهو يشكل إضافة متميزة للمكتبة العربية. وما زال هذا العمل يحتفظ بأهميته على الرغم من صدوره باللغة الفرنسية قبل نحو مئة عام. كما أنّ ترجمته إلى اللغة العربية مهمةٌ لأنها أوصلته إلى شريحة واسعة من القراء العرب، ولأنّ المتخصصين عادةً يطلعون على هذه الكتب التي تقع في صلب عملهم وإن كانت بلغة أخرى. وعلى الرغم من الأهمية العلمية لهذا الكتاب، فإنه يمثل وجهة نظر استشراقيه أوروبية نحو تاريخ المنطقة وإشكاليته. وقد ساهمت وجهة النظر هذه ومثيلتها بوضع سياسات وحدود وخلق كيانات ما زالت المنطقة تعاني آثارها حتى اليوم. ولا بد من التأكيد على أهمية فترة ظهوره، وهي منعطف مهم في تاريخ بلاد الشام والعالم العربي، بعد الحرب العالمية الأولى، وانهيار آخر خلافة إسلامية والسيطرة الأوروبية الفعلية على المنطقة. وهي الفترة التي شهدت خلق الكيانات (الدول) الحديثة في المنطقة بأيدي غربية بالدرجة الأولى. وفي الوقت الراهن، تموج المنطقة في بحر متلاطم من الاضطراب والدماء قد يضع تلك الكيانات في مهب الريح على الرغم من مسارعة القوى الغربية التي ساهمت في صنعها إلى التدخل لإبقاء الوضع على ما هو عليه. كتابالمسالك والبلدان في بلاد الشام في العصور القديمة والوسطىهو كتابٌ في طبوغرافية بلاد الشام (سورية ولبنان) في العصور القديمة والوسطى بشكل خاص، ويصل ببعض تعليقاته إلى فترة تأليفه في بداية الربع الثاني من القرن العشرين. يتحدث عن جغرافية المواقع والبلدان والقلاع والقرى وتاريخها وآثارها في ظل الدول والأقوام التي عاشت في المنطقة أو مرت منها من أقدم العصور أيام الآشوريين والكلدانيين والآراميين واليونان والرومان وحتى ظهور الإسلام ودخول المنطقة فيه، ووصولً إلى الحروب الصليبية على بلاد الشام. يتتبع الكاتب الطرق والمسالك القديمة، ومن خلالها يتتبع تاريخ المنطقة والحملات العسكرية والدروب التي سلكتها والمواقع والبلدات التي مرت منها والمعارك التي خاضتها. ويقوم بذلك من خلال الآثار وما كتبه المؤرخون والرحالة وما حفظته الوثائق. ونستطيع القول إنه كتابٌ موسوعي بامتياز، ويمكن تشبيهه في كثيرٍ من الوجوه بمعجم البلدان لياقوت الحموي.
وقد مدح كثير من المتخصصين الكتاب، ومنهم عالم الآثار السوري عدنان البني (1924 - 2008) الذي قال بأنه يمثل قمة الإنجاز الفكري الغربي حول التراث السوري القديم "لأنه عمل رائع، أنجزه عالمٌ كبير بالأرض السورية في وقت كان علم الآثار يعيش أبهى فتراته." الكاتب رينيه دوسو René Dussaud (1868 - 1958) مستشرق وعالم آثار فرنسي موسوعي، زار المنطقة عدة مرات، كان أولها عام 1895، كما كان فيها بداية الاحتلال الفرنسي. وقد عاين كثيرًا من المواقع التي كتب عنها. وله كتب ودراسات أخرى تتعلق بالمنطقة غير الكتاب الذي بين أيدينا منها كتابالعرب في سورية قبل الإسلامالذي تُرجِمَ إلى العربية، وغيره لم يترجم. أما مترجم الكتاب عصام الشحادات، فيعمل أمينًا لمكتبة المعهد الفرنسي للشرق الأدنى بدمشق، ومترجمًا في الوقت نفسه، ومن أهم ترجماته كتاب المعجم الجغرافي للإمبراطورية العثمانية. وقد قضى نحو ثماني سنوات في ترجمة الكتاب، ولم يكتف بالترجمة فحسب، بل قام أيضًا بضبط المواقع الجغرافية وأسماء البلدات والقرى والوديان وربط الأسماء القديمة بالمسميات الراهنة. وصدرت الترجمة العربية للكتاب عام 2013 بطبعة أنيقة عن المعهد الفرنسي للشرق الأدنى، وبمساعدة من وزارة الخارجية الفرنسية والمركز الوطني للأبحاث العلمية في فرنسا. والجدير ذكره أنّ المعهد الفرنسي قد قدم خدمات جليلة للثقافة العربية من خلال نشر كثير من كتب التراث العربي والإسلامي وتحقيقها وطباعتها. وجاءت الترجمة العربية في 744 صفحة بالإضافة إلى ملحق مستقل بالخرائط، حاول من خلالها المؤلف تتبع المسالك والطرق والبلدان والمواقع التي كانت تقع عليها في العصور القديمة والوسطى. ونظرًا لأهمية هذا الكتاب وترجمته، كان أحد الكتب المرشحة للمسابقة العربية للترجمة لعام 2014.
أولً: إشكالية العنوان والمضمون
هناك قضيتان تتعلقان بالعنوان: القضية الأولى: تتعلق بعنوان الكتاب الأصلي ومضمونه، وترجمته "الطبوغرافيا التاريخية لسورية في العصور القديمة والوسطى "، بحيث يُخيَّل للقارئ أنه يقصد سورية الطبيعية، وقد عزّز هذا الاعتقاد استخدام المترجم مصطلح "بلاد الشام" كمرادف لسورية الذي استخدمه المؤلف. ولكن عند الولوج في الكتاب نجد أنه لا يشمل إلا المناطق الواقعة ضمن الحدود السياسية الحديثة لسورية ولبنان، التي رُسمت عقب الحرب العالمية الأولى بعد أن أصبحت البلاد تحت الاحتلال (الانتداب) الفرنسي -َ عامنُشِ1927 - أي لا يشمل سوى مناطق الانتداب الفرنسي قافزًا فوق الجغرافيا الطبيعية والتاريخية. حتى إنه يدافع عن تلك الحدود ضد الادعاءات الإسرائيلية، ويخصّص في الفصل الأول لذلك عنوانًا يدحض فيه تلك الادعاءات التي استندت إلى التوراة حول مناطق في لبنان الكيان الحديث. ولكن يبدو أنّ المؤلف كان واعيًا إلى الالتباس الذي سيحدثه عنوان الكتاب بالمقارنة مع مضمونه، لذا نراه يضع تصديرًا في بداية الكتاب يخصصه ل "حدود سورية" يقول فيه "لم يحدث لسورية الممتدة من حدود مصر حتى سفوح جبال طوروس، أن توحّدت في كتلة سياسية واحدة على الرغم من أنها تقع بين حدود طبيعية واضحة نسبيًا وجلية بين البحر المتوسط غربًا والصحراء ونهر الفرات شرقًا. هناك إجماعٌ عندما يتعلق الأمر بإعطاء تعريفٍ مجملٍ للأراضي التي تشملها كتلة سورية أو بلاد الشام بالمعنى الواسع للكلمة، أما إذا
حاولنا تسمية تقسيمات هذا الكل، فسيدب الخلاف لأنه من الصعب ألا نأخذ في الاعتبار إلا المعطيات الجغرافية". وفي النهاية يقول إنه سيوقف بحثه جنوبًا عند الحدود التي رسمتها التقسيمات الانتدابية بين سورية وفلسطين. ويقول في الصفحة 31، بما لا يدع مجالً للشك إنّ المفاوضات بين بريطانيا وفرنسا حول تثبيت الحدود بين مناطق الانتداب الفرنسي في سورية والانتداب البريطاني في فلسطين والاتفاق النهائي الذي توصلت إليه الدولتان قد أولى اهتمامًا كبيرًا للادعاءات الإسرائيلية القديمة. وينقل إلينا في حواشي ص 32 شهادة أحد المفاوضين الفرنسيين الذي قال "إنه كانت لدى المفاوضين الإنكليز أوامر باللجوء إلى التحكيم التاريخي في تعيين حدود فلسطين وفق ما جاء في الكتاب المقدس." القضية الثانية: تتعلق بعنوان الترجمة العربية التي بين أيدينا المسالك والبلدان في بلاد الشام في العصور القديمة والوسطى، بينما ترجمة العنوان الأصلي الطبوغرافيا التاريخية لسورية في العصور القديمة والوسطى، ونلاحظ عدم التقيّد بالترجمة الحرفية للعنوان الأصلي، وعدم إشارة المترجم إلى مبرراته أو وجهة نظره في هذا التغيير. وكان من الأفضل الاحتفاظ بالعنوان الأصلي لأنه واضح وذو دلالة على الرغم من كون كلمة طبوغرافيا غير عربية. وقد يكون المترجم قد أخذ العنوان من مادة الكتاب التي ركزت على ذكر الطرق والمسالك والبلدان الواقعة عليها ومن خلالها تم سرد تاريخها في العصور القديمة والوسطى، وهو بذلك يحاكي عناوين بعض الكتب العربية التراثية الشهيرة، ككتاب "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق للإدريسي" وكتاب "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار" لابن فضل الله العمري، وكتاب "مسالك الممالك" للاصطخري.
ثانيًا: محتويات الكتاب
جاء الكتاب بثلاث مقدمات، وسبعة فصول، وثبت بأسماء مصادر الكتاب ومراجعه وآخر خاص بالمترجم، وفهارس متنوعة منها من وضع المؤلف وأخرى للمترجم. وهناك ملحق خاص خارج الكتاب ضمن مغلف كرتوني يحوي 15 خريطة. وليس هناك خاتمة للمؤلف أو للمترجم. كتب المقدمة الأولى عالم الآثار السوري ميشيل المقدسي وتحدّث فيها عن أهمية الكتاب، والثانية للمترجم وتحدّث فيها عن عمله ومنهاجه، ومن الضروري الاطلاع عليها لفهم الكثير من الإشارات والأعمال التي قام بها في النص. والمقدمة الثالثة للمؤلف الذي يعطي فيها "نظرة عامة على سورية ورسم الخرائط" ويتحدث فيها عن تطور علم الجغرافيا والخرائط منذ اليونان ووصولً إلى وقته مرورًا بالجغرافيين المسلمين الذين ثمَّنَ عاليًا جهدهم وخاصة ياقوت الحموي والشريف الإدريسي. ثم يركز على تاريخ رسم الخرائط لسورية منذ القديم إلى القرن التاسع عشر الذي شهد نشاطًا طبوغرافيًا أوروبيًا وفرنسيًا كبيرًا فيها. وأشار دوسو إلى قلة اهتمام الجغرافيين والرحالة الأوروبيين بداخل سورية، والتركيز على السواحل السورية وفلسطين حيث الأراضي المقدسة. وقال إنّ كثيرًا من الرحالة الذين زاروا المنطقة وكتبوا عنها في العصور الوسطى لم تكن أهدافهم علمية، بل كانت بتكليف من ملوك أوروبا وأمرائها بهدف الاستكشاف وجمع المعلومات لشنّ حملات صليبية ضد المسلمين. كما أشار في مقدمته إلى أعمال من سبقه وخاصة الرحالة حول المنطقة والخرائط، وما أسماه اكتشافات الأوروبيين للمنطقة. وعرَّف القارئ بفضل من سبقه وهم كثر كالمهندس الفرنسي كاليية الذي نعته ب "الرائد في الجغرافية السورية" والذي تجول في المنطقة ورسم
خريطة لها في ثلاثينيات القرن التاسع عشر. وهناك مسوحات وخرائط قام بوضعها ضباط فرنسيون وغيرهم من خلال جولات طويلة في المنطقة، وكأنها كانت بلاد سائبة على الرغم من كونها جزءًا من الدولة العثمانية. وقد وضع في آخر مقدمته قائمة بالمصطلحات الجغرافية السائدة في زمانه مع ما يقابلها باللغة العربية وهو أمر لا بد منه لأي قارئ لفهم هذا النوع الخاص من الكتب. وقبل الحديث عن المحاور الرئيسة التي تناولتها فصول الكتاب، أجدني مضطرًا إلى سرد فصوله سردًا كما وردت، وبشكل قد يكون غير جذّاب، وذلك نظرًا لاستخدام المؤلف مصطلحات وتسميات وتقسيمات جغرافية وسياسية قديمة تتعلق بالمناطق الجغرافية التاريخية السورية من الأفضل أن يطّلع القارئ عليها لوضعه في السياق العام للكتاب. جاء الفصل الأولبعنوان: "فينيقيا الجنوبية"، وورد تحته العناوين الفرعية: الادعاءات الإسرائيلية حول فينيقيا الجنوبية، وصُور ونواحيها، وصيدا ونواحيها، من بيروت إلى البترون. وجاء الفصل الثانيبعنوان: "من طرابلس إلى القُرنِة Carné - منطقة حمص lEméséne " وجاء تحته العناوين الفرعية: طرابلس وما جاورها، وادي الأ لُثير، منطقة ماريام ورفنية، منطقة حمص. وعنوان الفصل الثالث"فينيقيا الشمالية" وتحته العناوين الفرعية: من نهر الأبرش إلى كارنِة، من كارنِة إلى بالتوس، من بالتوس إلى لاوديقية، أرض شيخ الجبل، الطريق من اللاذقية إلى أنطاكية عبر جسر الشغور. أما الفصل الرابع"منطقة أفاميا وحماة" فعناوينه الفرعية التالية: روسا وحصن الروج، كفر طاب والكَفْر، دور كفر طاب ومعرَّة النُّعمان زمن الصليبيين، مواقع أخرى مجاورة لأفاميا، من ريحا إلى منطقة عِفرين، حماة وأعمالها حتى الغزو الآشوري. وعنوان الفصل الخامس "تدمر ومنطقة دمشق" ويتضمن: طرق الصحراء، المنطقة التدمرية بحسب بطليمُوس والنقاط العسكرية الواردة في كتابه، جبال لبنان الشرقية: (السفح الشرقي لجبال لبنان الشرقية، وادي حَلبون ومنطقةُ الكاليبونيتيد، وادي بردَى الأعلى، الغُوطَة والمَرْج، وادي العجَم. والفصل السادسعنوانه "حوران، جبل الشيخ، البقاع " ويضم: البَثنيَة، حوران (الأورانيتيد)، اللجا والصفا، الجولان والحرمون (جبل الشيخ) - الجولان والحرمون ومنطقة بانياس، البقاع. أما الفصل السابع والأخير فعنوان: "سورية العليا" وعناوينه الفرعية: من لاوديقية إلى مصب نهر العاصي، ضواحي أنطاكية، من سلوقية إلى الأبواب السورية، المدن التي يسقيها نهرُ الفرات الأوسط (مدن الضفة اليمنى - مدن الضفة اليسرى)، المدن والطرق في منطقة السيرستيك، حوض الخابور. أما فهارس الكتاب فهي غنية ومتنوعة، وجاءت في 118 صفحة من الكتاب، بعضها من وضع المؤلف والآخر من وضع المترجم، وتتضمن: فهرس الأماكن الواردة في النص عربي/ لاتيني، وهناك فهرس للأماكن الواردة في الخرائط، وفهرس أعلام عربي وآخر لاتيني، وهناك فهرس للأقوام، وأخيرًا فهرس للآيات القرآنية والأشعار والأقوال، وهذه الفهارس مهمة لتسهيل الاستفادة من الكتاب. ويحتوي ملحق الخرائط على 15 خريطة، كل واحدة منها لمنطقة من بلاد الشام طبعت على الوجهين، الأول يحوي الخريطة الأصلية بالفرنسية والثاني الخريطة نفسها مع التسميات بالعربية. وقد شرح المترجم ما قام به بخصوص الخرائط. ومن أهم تلك الخرائط تلك المخصصة للطرق القديمة والقروسطية في سورية ولبنان، وهي مأخوذة من المصادر اليونانية واللاتينية ومستكملة من المصادر العربية. واللافت أنّ كثيرًا من القرى والبلدات السورية التي ورد ذكرها في هذه الخرائط على الرغم من قدمها واستمرار سكناها منذ آلاف السنين هي الآن مهجورة بسبب الحرب والقصف.
ثالثًا: محتويات الكتاب وقضايا حديثة تبحث عن حلٍ أو مبررٍ يف التاريخ
يتعرّض الكاتب خلال حديثه عن الطبوغرافيا التاريخية لبلاد الشام للكثير من القضايا التاريخية الخلافية، ولكثرتها قال المقدسي في تقديمه للكتاب "حاول دوسو إيجاد حل لألف مشكلة تاريخية وجغرافية صغيرة"، وهو ما يظهر في أغلب صفحات الكتاب، من خلال عرض المؤلف للآراء المختلفة حول قضية تاريخية واحدة. ويبدو أنّ تناول دوسو للقضايا الخلافية قد تأثّر باللحظة التاريخية التي كان يعيشها، فبدأ في الفصل الأول"فينيقيا الجنوبية " بمسألة كانت موضع نقاش في عصره، وهي تقسيم المنطقة بين القوى الاستعمارية آنذاك (فرنسا وبريطانيا)، واعتماد بريطانيا الملتزمة وعد بلفور على التاريخ التوراتي لوضع الحدود بين فلسطين وسورية. فجاء العنوان الفرعي الأول في هذا الفصل "الادعاءات الإسرائيلية حول فينيقيا الجنوبية" التي كانت تضم صُور ونواحيها، وصيدا ونواحيها، وبيروت؛ أي بمعنى آخر لبنان الدولة الحديثة التي ظهرت برعاية فرنسا بعد الحرب العالمية الأولى. ويفنّد الكاتب الادعاءات الإسرائيلية المستندة إلى أسفار الكتاب المقدس. ويدحض بالاستناد إلى المصدر ذاته ومصادر أخرى وصول الإسرائيليين إلى جنوب لبنان، فيقول في صفحة 31 "تكفي التسميات المكرَّسة لإظهار الخرافة التي يحاول من خلالها س فرُ يشوع لأن يضمَّ إلى أرض إسرائيل القسم الفينيقي الواقع جنوب نهر الليطاني (نهر القاسمية)". كما يقول في صفحة 44 وبالاعتماد على سفر العدد في الكتاب المقدس فإنّ حدود فلسطين الشمالية واضحة، إذ تنطلق قريبًا من رأس الناقورة وتمشي على أعالي الجبال وفي خط مستقيم بحسب سفر حزقيال نحو الشرق لتتعدل لتضم إليها بحيرة الحولة وتتبع السفح الجنوبي لجبل الحرمون لتصل إلى بلدة حضر حيث تصبح على تماس مع منطقة حوران. وبرأيه فإنّ تلك "الحدود لشمال فلسطين تقارب على نحو ظاهر تلك الحدود القديمة المثالية". وهكذا يثبت دوسو وجودهم في فلسطين كأنه حقيقة مفروغ منها أو خارج الموضوع، وبرأيه أنّ الحدود التي وضعت بالاتفاق بين فرنسا وبريطانيا تتوافق مع ما ورد في الكتاب المقدس، وهكذا يكون قد حقّق غايته بعدم الاقتراب من مناطق الانتداب الفرنسي. وهناك مواضيع أخرى في الكتاب تأتي في السياق ذاته، فعلى الرغم من تناول الكتاب تاريخ المنطقة في العصور القديمة والوسطى؛ فهو لا يخلو من أحداث ومعلومات من التاريخ الحديث، ولكن مناسبة ذكرها وموضعها في السياق تهدف إلى ربطها بأصول مفترضة ربما تكون غير مؤكدة في التاريخ القديم. ومنها على سبيل المثال ما ورد في الفصل السادس "حَوران وجبل الشيخ والبقاع" في صفحة 395 حول قرى في حوران؛ إذ يقول: "كَوكَب Kaukab الواقعة غرب الشيخ سعد مثالٌ لاستيطان حديث لجاليةٍ يهوديةٍ في موقع أثري قديم مثل سَحم الجولان وجلِيّن وتل عميدون التحتاني وبيت عكّار وجُبلَة Djoubla " ويعلق في الحاشية رقم 3 من الصفحة نفسها "بلدة كوكَبِة Kokabé التي سكنها الأبيونيون - طائفة يهودية عاشت ما بين القرنين الأول والخامس الميلاديين - وقد ذكرها إبيفانوس الذي يقول إنّ اليهود يلفظونها: شوشّب ة Chochabé ". والصحيح والمؤكد في هذا الكلام هو قيام يهود في أواخر القرن التاسع بشراء أراضٍ في حوران، ولكنهم لم يسكنوها بسبب رفض مصلحة الطابو العثماني في دمشق تسجيلها باسمهم. ولكن ما هو غير مؤكد، ما قاله الكاتب حول استيطان اليهود في تلك المناطق منذ العصور القديمة خاصة مع وجود جماعات وأقوام أخرى تقدم روايات تاريخية مناقضة لما يقولون. كما يجب التفريق بين استيطان قوم في منطقة ما وبين مهاجمتهم لها أو اللجوء إليها أو المرور منها، وهو ما يظهر في الصفحات اللاحقة (397 - 400) من الفصل نفسه عندما يسرد الكاتب معلومات مأخوذة من التوراة تتحدث عن حملة يهوذا وانتصاراته في هذه المنطقة وبلداتها، وكيف اصطحب معه كل يهود المنطقة إلى فلسطين خشية الانتقام منهم بسبب كثرة الدماء التي سفكها. مما يدفع للاستنتاج أنهم لو كانوا من الكثرة في تلك المنطقة وبلداتها لما خافوا البقاء فيها وغادروها.
وحول هذا الموضوع لا بد من لفت الانتباه إلى أنّ الحركة الصهيونية ومؤسسات يهودية حاولت في أواخر العهد العثماني وخلال فترة الانتداب الفرنسي شراء أراضٍ في سورية خاصةً في الجولان وحوران، ووصلت محاولتهم حتى أقصى شمال شرق سورية في منطقة الجزيرة. ويتابع فيالفصل الثانيدراسة المسالك والبلدان في منطقة حمص وما حولها. فقد كانت حمص أحد المراكز المهمة والعامرة بالكثير من المواقع والقرى التي شهدت أحداثًا تاريخية مهمة طوال العصور القديمة والوسطى، ومنها جاء بعض أباطرة روما، وكانت تتبع لها مناطق تمتد حتى الساحل ومنها مدينة طرابلس. ويقول دوسو إنه كان للمناطق الساحلية والقريبة منها أهمية كبيرة للصليبيين الذين لم يتوغلوا كثيرًا في عمق بلاد الشام الذي نرى اليوم فيه كثيرًا من آثارهم. ويشرحالفصل الثالثالمناطق الساحلية فيتناول "فينيقيا الشمالية" التي كانت تمتد من طرابلس نحو الشمال حتى أنطاكية لتضم ما يعرف حاليًا بمنطقة الساحل السوري. ويظهر عبر العصور المختلفة الغنى الحضاري واستمرار السكن من دون انقطاع في هذه المناطق؛ لذلك تكثر فيها القرى والمواقع الأثرية والأحداث التاريخية التي تناولها دوسو بالتفصيل. كما يتناول الكاتب في هذا الفصل قضايا مطروحة في زمانه ويجد لها مبررًا في التاريخ، والمقصود هنا إقامة الفرنسيين للدولة العلوية عند تقسيم سورية بعد احتلالها إلى أربع دويلات (دمشق، حلب، جبل الدروز، العلويون) فيقول الكاتب: "جبال النصيرية المعروفة عند العامة باسم جبال الأنصارية قد حافظ سكانها على مر العصور على استقلالية نسبية. برزت هذه الخصوصية والتي تأكدت في أيامنا هذه إلى درجة إنشاء دولة العلويين المستقلة". كما يتناول تاريخ هذه المنطقة وخاصة خلال فترة الحروب الصليبية ومنذ الحملة الأولى والصراع عليها مع المسلمين، واستقرار الإسماعيليين فيها وبناء قلاعهم، ويخصص لذلك عنوان "أرض شيخ الجبل" والمقصود سنان مُقَدّم الإسماعيلية وصاحب دعوتهم المعروف بشيخ الجبل (ت. 588 ه) والذي انتقل من حصن أَلموت في إيران إلى مصياف في الشام في أيام السلطان نور الدين محمود. وفي الفصلينالرابع والخامس يتناول الكاتب الداخل السوري الذي يتضمن مناطق أفاميا وحماة وما حولها، ومنطقة دمشق وتدمر. ويرى دوسو أنّ هذه المناطق لم تأخذ حقها في كتابات الرحالة والجغرافيين الأوروبيين، ويعلق مستغربًا في صفحة 4 "إنّ المفاجئ في الأمر أنّ أيًا من هؤلاء الجغرافيين الأعلام لم يُولِ أدنى اهتمام بداخل البلاد رغم دخول الصليبيين إليها وإقامتهم فيها فترات طالت أو قَصُت". ويبدأ كلامه في الفصل الرابع للتعريف بالمناطق من خلال الحملة الصليبية الأولى وأسماء المواقع والبلدان التي استولت عليها والتي ورد ذكرها في كتاب "مؤرخو الحروب الصليبية"، ونرى الكاتب في هذا الفصل يركز على تاريخ بلدان هذه المنطقة ودورها أثناء الحروب الصليبية كبلدات "كفر طاب ومعرة النعمان" والمعارك التي خاضها المسلمون ضد الفرنجة. وقد يكون لتركيز دوسو على تاريخ هذه المنطقة زمن الحروب الصليبية علاقة بملاحظته السابقة التي أشار فيها إلى عدم اهتمام الجغرافيين الأوروبيين بها. وبعد بدايته بالعصور الوسطى، يعود ليتابع الحديث عن تاريخ المنطقة في العصور القديمة، فيتناول الطرق القديمة في الصحراء التي كانت مدينة تدمر مركزيةً فيها؛ إذ تنطلق منها ثلاث طرق نحو دمشق وحمص وأفاميا والمحطات على هذه الطرق. – ومن اللافت أنّ الطرق البرية الحالية تساير بشكل كبير تلك التي كانت مستخدمة قديمًا كطريق الرقة – الرصافة – أثريا القسطل – سلمية – حمص – شمسين – قارة – النبك – القطيفة - دمشق، والتي ورد ذكرها في صفحة 308، وهذه الطريق مثال على كثير من الطرق الحديثة في هذه البلاد التي ما زالت تساير تلك المسالك والطرق القديمة؛ فالسالك لتلك الطريق البرية اليوم يلاحظ مروره بكل تلك المناطق كما يرى الآثار والخرائب المنتشرة على جانبيه. كما أنّ بعض المناطق احتفظت بالكثير من مهماتها منذ القدم وحتى اليوم بفضل طبيعتها الجغرافية، فعلى سبيل المثال لا الحصر ما جاء في صفحة 235 عن منطقة جبل الزاوية التي كانت المعقل المفضل للمقاومة عبر العصور منذ أيام اليونان والرومان وصولً إلى عام
1921 عندما كانت معقلً للمقاومة ضد الفرنسيين، والمقصود هنا ثورة الشمال بقيادة إبراهيم هنانو آنذاك. وهذا الوصف لجبل الزاوية دقيق تمامًا وهذا ما يجري فيه منذ عام 2011 وحتى الآن. كما ينطبق الوصف ذاته على منطقة "اللجاة" الوعرة التي ذكرها الكاتب في الفصل السادس الذي تناول فيه جنوب سورية (حوران وجبل الشيخ والبقاع)؛ إذ كانت هذه المنطقة وما زالت ملجأ لكل ثائر أو مضطهد بسبب وعورتها.
رابعًا: منهجية الكتاب
1. منهج المؤلف
خلال التتبع التاريخي الطويل، وعبر فصول الكتاب السبعة ذات الحجم الكبير، يؤصّل المؤلف، لمقارنات مهمة على المستويات كافة بين تطور الطرق والمواقع والبلدان والمدن في بلاد الشام خلال العصور القديمة والوسطى مع إعطاء فكرة عنها زمن تأليف الكتاب بداية القرن العشرين. ويقدِّم مقارنات دقيقة بين مصادره ويتناول معلوماتها بقراءة ناقدة للروايات المتضاربة ويغلب واحدة على أخرى في بعض الأحيان، ويترك أحيانًا أخرى أسئلة وقضايا من دون أجوبة آملً أن يجد المختصون جوابًا عنها في المستقبل. ويحاول أن يقدم أجوبة علمية عن قضايا تاريخية وسياسية كانت مطروحة في زمانه وما زال بعضها مفتوحًا للنقاش حتى الوقت الحاضر، ويقدِّم الحجج والبراهين التي تدعم رأيه. وفي هذا السياق، لا بد من ذكر أنّ المترجم قام أحيانًا بما أراده الكاتب، فقام بتصحيح المعلومات القديمة في الكتاب في ضوء المكتشفات الحديثة كما فعل مع نقش النمارة الذي كان يعتقد خطأً حتى عام 2009 بأنه شاهد قبر ملك العرب "امرؤ القيس." ومما قاله ميشيل المقدسي في تقديمه للكتاب "إنّ سر نجاح دوسو كان منهجه الصارم في العمل". فقد اتبع كل من المؤلف والمترجم المنهج العلمي في عملهم، وكان لكل منهما بعض الخصوصية التي اقتضتها طبيعة العمل في هذا الكتاب. وقد أشار إلى ذلك المؤلف في تصديره ومقدمته، وقد حاول الاطلّاع على كل ما كتب حول الموضوع قبله واستخدم منهج المقارنة بشكل مكثّف للوصول إلى المعلومة الصحيحة، وهي لم تكن عملية سهلة كون من سبقه قد كتبوا بلغات عدة، وفي فترات زمنية ممتدة عبر التاريخ. كما يعترف دوسو أنه كان يرغب في إضافة كلمة "مدخل" إلى عنوان الكتاب لأنّ ما يقدمه يعد مدخلً إلى الطبوغرافيا التاريخية، كما أشار إلى معرفته المنقوصة حول الموضوع مما لم يسمح له بتقديم طرحٍ منهجي. كما أشار إلى أنه لم يكن بوسعه اعتماد منهجٍ واحدٍ في كل فصول الكتاب بسبب تحكّم توافر المادة العلمية بين يديه حول موقع من المواقع. وعلى الرغم من إشارة الكاتب إلى عدم تمكنه من اعتماد منهجٍ واحدٍ في جميع فصول الكتاب، فإنه يمكن ملاحظة وجود منهج عام في الكتاب خلال تناول تاريخ المناطق؛ إذ يذكر الطرق التي سلكها الرحالة والمؤرخون والملوك، والطرق التي سلكتها الجيوش المختلفة كالحملات الصليبية في بلاد الشام والمناطق والبلدات والقرى التي مرت بها. وغالبًا ما يبدأ بذكر منطقة كبرى يجعلها عنوانًا لفصل من فصول الكتاب أو عنوانًا ضمن فصل، ويتحدث عن تاريخها القديم والوسيط وآثارها ومن مر عليها، ثم ينتقل إلى المناطق المجاورة أو التابعة لها، ويسلك في الانتقال بين منطقة وأخرى الطرق والمسالك في العصور القديمة والوسطى والقرى الموجودة على هذه الطرق، ويذكر الكتابات القديمة والوسيطة والحديثة حول الموقع ويتناول الروايات المختلفة حوله ويقارن بينها.
فعلى سبيل المثال: عنوان الفصل الثاني "من طرابلس إلى القُر- منطقة حمص" يبدأ فيه بتناول "طرابلس وما جاورها" ويتكلم نةِ عن تأسيس طرابلس الحالية على يد المسلمين أيام السلطان قلاوون، ويعود إلى سرد تاريخها من العصور القديمة إلى الوسطى ويتناول المناطق المجاورة لها وتاريخ كل منها القديم والوسيط مثل منطقة الكورة وقراها وبلداتها ثم يتوجه إلى مناطق أخرى كعكار وغيرها وهكذا يتابع. ويجب التنويه إلى أنّ دوسو ترك بعض المناطق المهمة التي تقع ضمن سورية ولبنان من دون دراسة، وبرّر ذلك بأنه لم يكن لديه جديد يضيفه إلى الدراسات التي تناولت تلك المناطق أو وثائقها في العصور الوسطى مثل الأقضية اللبنانية (المتن وكسروان والبترون) والبلدات التابعة لها. وفي ما يخص وصف بيروت في العصور الوسطى، فيحيل المؤلف القراء والباحثين إلى دراسة "كونت مونسيل دوبويسون Mesnil du Buisson " بعد كلامه المختصر عن المدينة في العصور القديمة. ولا بد من القول إنّ دوسو كان مدركًا لإمكانية تغيّ كثيرٍ من النظريات التاريخية بسبب المكتشفات الأثرية الجديدة والدراسات، لذلك كثيرًا ما استخدم كلمات مثل (يمكن، يحتمل، ربما.)
2. مدى حيادية المؤلف
على الرغم من كل ما تقدم حول منهجية دوسو العلمية، فإنّنا نستطيع القول إنّه لم يكن حياديًا في ما كتب كعالمٍ ومستشرق، ويكفي أن نورد مثالً واحدًا، وهو ما جاء في الصفحة 452 فهي تختصر جزءًا من القصة؛ إذ يقول عند ذكر معركة حطين "عهد معركة حطين المشؤومة سنة 1187 م"! فهذا الوصف يعبِّ عن المخزون النفسي للكاتب وخلفيته التي نجد تأثيرها في غير مكان من الكتاب. كما توجد ملاحظة عامة، فالكتاب الذي يتناول فترات طويلة من تاريخ بلاد الشام في العصور القديمة والوسطى، تعني له العصور القديمة تاريخ المنطقة تحت حكم اليونان والرومان بشكل خاص، وتعني العصور الوسطى تاريخ المنطقة في فترة الحروب الصليبية. وما جاء ذكره حول التاريخ الإسلامي ودوله وممالكه كان غالبًا من خلال علاقته مع الحملات والممالك الصليبية التي قامت في المنطقة. فأين ما جرى خلال الفتوحات الإسلامية؟ وأين العصر الأموي والعصر العباسي والطرق والمسالك والبلدان فيهما التي لا يتناسب ذكرها في الكتاب مع مدتها الزمنية وحضورها في التاريخ؟ ألا تعتبر هذه الفترات من العصور الوسطى؟!
3. منهج المترجم
نظرًا لصعوبة ترجمة هذا النوع من الكتب، فقد اتبع المترجم منهجًا خاصًا في ترجمته. فبعد ترجمة النص إلى العربية عمل على التحقّق من تسميات القرى والبلدان وضبطها وتحديد مواقعها واكتشف الأخطاء التي وقع فيها دوسو أو المصادر التي نقل عنها وخاصة الترجمات الفرنسية للكتب العربية، كذلك تعدّد لغات مصادر الأصل ومراجعه (عربية ويونانية ولاتينية وألمانية وإنكليزية وفرنسية وعثمانية وروسية) ونقل تسميات الأماكن منها إلى اللغة الفرنسية، ومن ثم نقل هذه التسميات مرة أخرى للعربية مما أدى إلى تشويه كثيرٍ منها. وهو ما تطلب جهدًا كبيرًا من المترجم لإعادة ضبطها عبر المصادر والتسميات الراهنة. ولكن الصعوبة الكبرى كانت مع الأماكن المندثرة، وبخاصة أنّ الرسم اللاتيني للتسميات يحتمل أكثر من صوغ باللغة العربية. ولتجنّب تشويه النص الأصلي، حافظ المترجم بجانب كل تسمية عربية على الرسم اللاتيني لها كما ورد في الأصل. وقد عاد المترجم إلى المصادر العربية التي استقى منها دوسو مادته وضبط التسميات كما في الأصل العربي، خاصةً أنّ دوسو يشير في صفحة 22 من الكتاب إلى ملاحظته أنه على الرغم من تغيّ لفظ تسميات الأماكن عبر التاريخ، فإنّ اللغة العربية قد احتفظت باللفظة الأولى تمامًا كما هي، بعد أن أصبحت هي السائدة في المنطقة بعد اللغتين اليونانية والسريانية.
وهناك مأخذ منهجي على المترجم الذي قام بالتعريف بكثيرٍ من المواقع والبلدات والشخصيات والمصطلحات في حواشي الكتاب، ولكن في أغلب الحالات لم يشر إلى مصدر المعلومة كما تقتضي الدقة والأمانة العلمية، بل كتب (المترجم) وكأنه يرجع المعلومة إلى نفسه، وهذا خطأ منهجي مع أنّ المترجم قد وضع في آخر الكتاب قائمة خاصة بالمصادر والمراجع العربية والأجنبية التي عاد إليها في شروحاته. وربما أراد المترجم تمييز الحواشي التي وضعها عن حواشي المؤلف، ومع ذلك كان يجب إرجاع المعلومة لمصدرها المسؤول عنها. كما أن المترجم اعتمد بشكل واسع على "المعجم الجغرافي السوري" وهو مع شموليته، فإنه غير دقيق وفيه الكثير من الأخطاء. ويعترف المترجم أنه على الرغم من كل هذا الاجتهاد في الوصول إلى أفضل ما يمكن، ربما أخطأ في نقل بعض التسميات، وأنه كان يمكن للترجمة أن تكون أفضل لو تمكّن من مقابلة مواد الكتاب مع معجم البلدان لياقوت الحموي. ولكنّ مشقة العمل الفردي وضغط الوقت منعته من ذلك.
خامسًا: مصادر الكتاب
ذكر المترجم في مقدمته أنّ مواد أصل الكتاب استُقيت من أكثر من 300 مصدر ومرجع منها الكتاب المقدس، وأكثر من 30 مصدرًا من أمهات الكتب الجغرافية والمعجمية العربية الإسلامية، كما اعتمد على المسكوكات والآثار المعمارية الباقية، واستخدم كثيرًا من المعاجم والموسوعات. واعتمد المترجم على 132 مصدرًا ومرجعًا عربيًا وأجنبيًا، و 17 موقعًا إلكترونيًا لتحقيق التسميات والمعلومات وضبطها عدا التواصل المباشر مع كثير من المتخصصين والباحثين وسكان المناطق المذكورة في الكتاب. كُتِبت مصادر الكتاب ومراجعه بلغاتٍ عدة، منها مصادر أصلية للعصور القديمة والوسطى كالعهد القديم الذي اعتمد عليه كثيرًا وكانت رواياته التاريخية أساسية أثناء سرد تاريخ بعض المناطق كما في الفصل السادس من الكتاب. ولكن الكاتب يفنّد روايات التوراة بنسخها المختلفة ويقارنها مع مصادر أخرى. وأشار في بعض المواضع إلى عهد قديم من دون الزيادات التي وضعها الكُتّاب في العهود اللاحقة، كما أشار إلى وجود مغالاة لغوية في الأدبيات العبرية كما في صفحة 382. وهذا الاعتماد الكثيف على الكتاب المقدس قد يدفع القارئ إلى الاعتقاد بعدم استطاعة المؤلف الهروب من التفسير الديني للتاريخ. كما اعتمد الكاتب على المسكوكات القديمة التي تعتبر من أهم مصادر المعلومات التاريخية. وكانت المواقع الأثرية مصدرًا رئيسًا للمعلومات خاصةً أنّ الكاتب قام بجولات على العديد منها وسجل بنفسه الملاحظات، كما استفاد من نتائج البعثات الأثرية الأولى في المنطقة التي عملت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وعاد إلى كتابات رحالة العصور القديمة والوسطى ومؤرخيها مثل بطليموس واسطربون وغيرهما مرورًا بالرحالة والجغرافيين المسلمين كالشريف الإدريسي وياقوت الحموي وأبي الفداء وغيرهم؛ أي عاد إلى أمهات الكتب الجغرافية والمعجمية العربية الإسلامية. ويجب لفت الانتباه إلى أنّ المصادر العربية التي اعتمد عليها دوسو كانت كلها مترجمة إلى اللغة الفرنسية غالبًا، وهذا ما تسبب بوقوع أخطاء في كتابة أسماء المواقع والبلدان، فتَبِعَ فيها دوسو من سبقه في الخطأ، وقام أحيانًا بتصحيح تلك الأخطاء وشرحها. كما عاد إلى الوثائق التاريخية الرسمية مثل السالنامة العثمانية، ونصوص المعاهدات القديمة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر المعاهدة المبرمة عام 1285 م بين سلطان دولة المماليك المنصور قلاوون والأميرة الصليبية مارغريت أميرة مدينة صور التي ورد فيها أسماء مواقع عديدة، وقد قام باحثون بنشر هذه المعاهدة ودراسة أسماء المواقع الواردة فيها منذ عام 1896.
خاتمة
على الرغم من تغيّ كثيرٍ من المعطيات والمعلومات الواردة في هذا الكتاب بعد نحو مئة عام من الدراسات والاكتشافات الأثرية، فإنه يمكن اعتبار كتاب دوسو من أهم ما كتب عن بلاد الشام وآثارها في العصور القديمة والوسطى، فهو يسلط الضوء على قضايا ما زالت مستمرة حتى اليوم في هذه المنطقة، والتي ما زال التاريخ فيها موضع نقاش واختلاف بين مكوناتها الدينية والعرقية والطائفية؛ حتى إننا نستطيع الحديث عن وجود تواريخ لا تاريخ واحد للمنطقة. ولو اقتصر الأمر على التاريخ كعلم في بطون الكتب لكان الأمر هينًا، ولكنه عامل أساسي في تشكّل الهوية وفي تمزيقها في الوقت نفسه، وهو دعامة أساسية لأصحاب النظريات السياسية والطائفية الذين يفسرون التاريخ بشكل انتقائي بما يخدم نظرياتهم ومصالحهم. وفي الختام، لا بد من الإشارة إلى وجود كتابات أخرى لدوسو تستحق الترجمة، وبخاصة أنّ بعضها يساهم في فهم بعض ما يجري في منطقتنا في الوقت الراهن. وعلى الرغم مما تقدم من ملاحظات حول الكتاب وترجمته، فإنّ ذلك لا يقلل من أهميته العلمية من حيث التأليف والترجمة.