العودة إلى تفاصيل المؤلَّف العثمانيون في البلاد العربية زمن السلطان سليمان القانوني: البدايات الصعبة. قراءة في كتاب

العثمانيون في البلاد العربية زمن السلطان سليمان القانوني: البدايات الصعبة. قراءة في كتاب

The Birth Pangs of Ottoman Rule in Arab Lands at the End of the Reign of Sulieman the Magnificent

عبد الرحيم بنحادة

الملخّص

تهدف هذه المراجعة إلى تقديم مجمع وثائقي صدر ضمن مشورات مركز الأبحاث في التاريخ والفنون والأبحاث الإسلامية بإسطنبول، من خلال قراءة في الوثائق العثمانية عن البلاد العربية زمن السلطان سليمان القانوني. وتستحضر هذه القراءة خصوصية هذه المرحلة، من حيث إنها بداية لتركيز السلطة العثمانية على البلاد العربية. وقد اختارت هذه الورقة عرض هذه الوثائق، ليس من خلال التصنيف الموضوعاتي الذي اعتمده الناشر، ولكن من خلال علاقاته بمختلف المجالات الجغرافية التي تناولتها. والغرض إبراز مكانة هذه المجالات بالنسبة إلى الدولة العثمانية من جهة، والوقوف عند اختلاف أولويات الدولة العثمانية بحسب هذه المجالات من جهة أخرى.

Abstract

This review aims to provide an overview of a series of documents which were released as part of a publications series by the Istanbul Research Centre for Islamic History, Art and Culture, specifically, a series of Ottoman documents on the Arab regions during the reign of Sulieman I ("the Magnificent"). These documents highlight the special nature of that specific era, when Ottoman rule in the Arab domains was centralized. The specific documents considered here were chosen primarily for their relation to the variety of geographical topics which they address. The author's aim in focusing on this point is to underscore the importance of such areas of study to the Ottoman Empire, by understanding the importance which the Sublime Porte attached to various domains of study.

الكلمات المفتاحية:
  • بغداد
  • الأحساء
  • فاس (المغرب)
  • سليمان القانوني
  • البرتغال
  • البحر الأحمر
Keywords:
  • Fez (Morroco)
  • Sulieman the Magnificent (the First)
  • Portugal
  • The Red Sea
*Abderrahim Benhadda عبد الرحيم بنحادة|
عبد الرحيم بنحادةAbderrahim Benhadda |عبد الرحيم بنحادةAbderrahim Benhadda |
* عميد مشارك وأستاذ التاريخ في معهد الدوحة للدراسات العليا - قطر.
Associate Dean and Professor of History at the Doha Institute for Graduate Studies, Qatar.
تهدف هذه المراجعة إلى تقديم مجمع وثائقي صدر ضمن مشورات مركز الأبحاث في التاريخ والفنون والأبحاث الإسلامية
بإسطنبول، من خلال قراءة في الوثائق العثمنية عن البلاد العربية زمن السلطان سليمن القانوني. وتستحضر هذه
القراءة خصوصية هذه المرحلة، من حيث إنها بداية لتركيز السلطة العثمنية على البلاد العربية. وقد اختارت هذه الورقة
عرض هذه الوثائق، ليس من خ لاا التصنيف الموضوعاتي الذي اعتمده الناشر، ولكن من خ لاا علاقاته بمختلف المجالات
الجغرافية التي تناولتها. والغرض إبراز مكانة هذه المجالات بالنسبة إلى الدولة العثمنية من جهة، والوقوف عند اختلاف
أولويات الدولة العثمنية بحسب هذه المجالات من جهة أخرى.
كلمت مفتاحيّة: بغداد، البصرة، الأحساء، مكة، المدينة المنورة، حلب، تونس، طرابلس الغرب، الجزائر، فاس (المغرب)،
سليمن القانوني، البرتغال، البحر الأحمر.
This review aims to provide an overview of a series of documents which were released as part of a publications
series by the Istanbul Research Centre for Islamic History, Art and Culture, specifically, a series of Ottoman
documents on the Arab regions during the reign of Sulieman I ("the Magnificent"). These documents highlight
the special nature of that specific era, when Ottoman rule in the Arab domains was centralized. The specific
documents considered here were chosen primarily for their relation to the variety of geographical topics which
they address. The author's aim in focusing on this point is to underscore the importance of such areas of study
to the Ottoman Empire, by understanding the importance which the Sublime Porte attached to various domains
of study.
Key words: Baghdad, basra, Al Hassa, Mecca, Medina, Aleppo, Tunis, Tripoli (Libya), Algiers, Algeria,
Fas (Morroco), Sulieman the Magnificent (the First), Portugal, the Red Sea
العثمنيون في البلاد العربية زمن السلطان
سليمن القانوني: البدايات الصعبة
قراء في كتاب "البلاد العربية في الوثائق العثمنية أواخر
عهد السلطان سليمن القانوني"
The Birth Pangs of Ottoman Rule in Arab Lands at the End of
the Reign of Sulieman the Magnificent:
a Reading of Released Documents
ر| يم ب
ب
العثمنيون في البلاد العربية زمن السلطان
سليمن القانوني: البدايات الصعبة
قراء في كتاب "البلاد العربية في الوثائق العثمنية أواخر
عهد السلطان سليمن القانوني"
The Birth Pangs of Ottoman Rule in Arab Lands at the End of
the Reign of Sulieman the Magnificent:
a Reading of Released Documents

ضمن منشورات مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة بإسطنبول، صدر المجلد الثالث من سلسلة البلاد العربية في الوثائق العثمانية. وقد خصص هذا المجلد للوثائق المتعلقة بأواخر عهد السلطان سليمان القانوني. وكان المركز قد نشر المجلد الأول عن وثائق بداية القرن السادس عشر (2013)، والثاني عن وثائق النصف الأول من القرن السادس عشر (2014). تتضمن المجلدات الثلاثة وثائق في غاية الأهمية عن البلاد العربية زمن حكم السلطانين سليم الأول الفاتح لمصر والعراق والشام (1512 - 1520) وسليمان القانوني (1520 - 1566). ويبلغ العدد الإجمالي لهذه الوثائق المنشورة حتى الآن في إطار هذا المشروع ثلاثمئة وستًا وأربعين وثيقةً. لن نهتم في هذا الباب بالحديث عن المجلدات الثلاثة، بل سنحاول أن نقدّم للمجلد الثالث مبرزين أهمية المتن الذي تم نشره وبعض الملاحظات بعد القراءة المتأنية لنصوص الوثائق التي يتضمنها. يقع المجلد في 362 صفحة من القطع الكبير، ويتضمن علاوة على المتن الوثائقي مقدمة كتبها مدير المركز، وإضاءة من صفحة واحدة كتبها مترجم الوثائق ومعدها، بالإضافة إلى صور الوثائق وكشاف تفصيلي يتضمن أسماء الأعلام والأماكن الواردة في المتن. وقد سلك فاضل بيات، معدُّ هذه الوثائق، طريقةً موحدةً في التعامل معها؛ إذ قدم للوثيقة في سطور وعرض نصها العثماني التركي إلى جانب ترجمتها العربية. وهي الطريقة المثلى في تقديم النصوص الوثائقية. يتكون المتن الوثائقي الذي يتضمنه المجلد من 135 وثيقة، وتتعلق بمختلف المجالات الجغرافية العربية وهي موزعة كما يلي:

المجال الجغرافي عدد الوثائق

المجال الجغرافيعدد الوثائق
ارلعراق بمختلف ولاياته البصرة، وبغداد، والجزائر (في الجنوب العراقي)39
ممصر23
ميكة والمدينة31
اأالحجاز والخليج العربي18
ولايات الشمال الأفريقي9
حلب والشام6
القدس4
اليمن5

اليمن 5

ويلاحظ من التوزيع الجغرافي لهذه المجموعة الوثائقية أن العراق يحظى بنصيب الأسد منها، تتلوه مصر ومكة والمدينة ومنطقة شبه الجزيرة العربية والخليج فحلب والشام والقدس ثم ولايات الشمال الأفريقي. يعود السبب في كثرة الوثائق المتعلقة بالعراق إلى الوضعية التي مرت بها مختلف ولاياته. فمن جهة، هناك الصراع الصفوي العثماني الذي بلغ أشده خلال العهد السليماني المتأخر؛ فقد جعله العثمانيون ضمن أولوياتهم خلال هذه المرحلة، ويبدو ذلك من خلال عدد الحملات التي شنها سليمان القانوني وكان من الضروري التحضير لهذه الحملات عبر التنسيق مع ولاته في بغداد والبصرة (بناء القلاع والحصون: وثيقة 3). ومن جهة ثانية، لم يكن العثمانيون قد أحكموا قبضتهم على العراق، إذ كانت المنطقة تعرف بين الفينة والأخرى انتفاضات عشائرية جعلت من الضروري أن تقوم الدولة العثمانية للقضاء عليها. ويبدو أن العراق أيضًا لم يكن قد استقر من الناحية الإدارية فاضطرت الإدارة المركزية إلى إعادة النظر في التقطيع الإداري (الوثيقتان الرابعة والخامسة). وقد عالجت الوثائق المتعلقة بالعراق

أيضًا مسألة علاقة الحاكم بالمحكومين؛ إذ تجاوبت الإدارة العثمانية المركزية مع الشكاوى التي وصلت بشأن حاكم أربيل الذي فرض ضرائب لا شرعية على السكان (الوثيقة 54) وقيام أمير السنجق ذاته بفرض العملة والسخرة على الأهالي (الوثيقة 55). ويظهر أن الدولة العثمانية كانت تسعى في بداية عهدها في بلاد العراق سواء في بغداد أو البصرة أو غيرهما إلى حل بعض القضايا الآنية والحيلولة دون تكريس وضعية الاستبداد؛ إذ تظهر الوثيقة 58 كيف عالجت الإدارة المركزية الشكوى ضد الإنكشارية في النواحي والقرى التابعة لبغداد لقيامهم بالتجاوز على الأهالي، والأمر بعدم السماح للإنكشارية، كما تبرز وثيقة أخرى، باستخدام الآلية التي استعملتها الدولة العثمانية لتقصي الأخبار في ما يتعلق بالإبلاغ عما يمس الأهالي من ظلم الحكام. وتفيدنا الوثائق المتعلقة بالمجال العراقي (الوثائق 84 و 86 و 99) عن الوضعية المضطربة في ولاية البصرة والتي دفعت السلطان العثماني إلى التفكير بجدية في القيام بحملة تضع حدًا للوضعية المضطربة، غير أن الوثيقة تبرز أن الدولة العثمانية لم يكن لديها من المعلومات الجغرافية حول المجال ما يمكنها من حسم هذا الأمر إذ تطلب الوثيقة من والي البصرة تقديم معلومات مفيدة في هذا الاتجاه تتعلق بأحوال المنطقة والتدابير التي يمكن اتخاذها وعدد الجند اللازم للقيام بالحملة ونوع الأسلحة الملائمة (الوثيقة 101). وإلى جانب التفكير في توجيه حملة عسكرية، سعت الدولة العثمانية إلى القضاء على الاضطرابات التي عرفتها ولايات العراق عن طريق الحظر الاقتصادي؛ إذ منعت الأحكام الصادرة عن الديوان العثماني إلى والييْ البصرة وبغداد (الوثيقتان 71 و 72) تزويد منطقة الجزائر في الجنوب العراقي بالحديد والرصاص وآلات الحرب والمؤن الغذائية وتشديد الخناق على المتمردين أيضًا عن طريق سد جميع طرق الانتفاع من البلاد. ومن بين أهم ما تفيد به الوثائق المنشورة وله علاقة بالوضعية المضطربة في العراق خلال هذه المرحلة هو عناية الدولة بصناعة الأسلحة النارية؛ فحتى تتمكن الدولة من الاستجابة لطلب والي البصرة للحطب والتراب والأسلاك الحديدية والقصدير لصب المدافع (وثيقة 103) أرسل الديوان العثماني أحكامًا مختلفة إلى والي شهرزور (وثيقة 104) وإلى والي ديار بكر (الوثيقة 105) للعمل على توفير كميات حطب شجر العرعر وإرسال المواد الداخلة في صناعة المدافع. ولم تتوقف الدولة المركزية عند السهر على صناعة الأسلحة بل سعت أيضًا لتعزيز أسطولها البحري من حيث السفن، عندما أصدر الديوان العثماني أحكامًا وأوامر لإرسال ما تحتاج إليه ولاية البصرة من عدة لبناء خمس سفن، ويبدو أن هذا الأمر كان مرتبطًا بضرورة مواجهة أخطار البحر. وتسير وثائق أخرى متعلقة بالعراق في اتجاه الكشف عن بعض الجوانب الاقتصادية وخاصة في الجوانب المتعلقة بالعملة والسلع التي يحظر تبادلها في العراق وخاصة في المجالات الملتهبة. هكذا تظهر الوثيقة 82 كيف أنّ التجار امتنعوا عن التعامل بعملة السليماني التي كانت تضرب في بغداد والإصرار على التعامل بعملتي المحمدي واللاري، وهو ما دفع الإدارة العثمانية إلى الموافقة على سك العملتين ببغداد. وعلاوة على الأمور المتعلقة بضبط الأوضاع في العراق سياسيًا واقتصاديًا، استنكرت الوثائق العثمانية (الوثيقتان 130 و 131) بعض الظواهر؛ فقد اعتبرت إحدى الوثائق أنّ شرب الخمر وانتشار ظاهرة شربه بين أهل المناصب وأبناء مدينة بغداد أمر مخالف للقانون والشرع، ولهذا نجد الديوان العثماني يصدر قرارًا بمنع تناول الخمور ويعمم هذا القرار على العديد من ولايات العالم العربي. وأعلن الباب العالي أنه لن يتسامح مع من يغضون الطرف على ما يسميه بالتجاوزات، وفي الوقت ذاته يدعو الحُكم إلى تجنب شرب الخمر علانية من طرف غير المسلمين. وتحتل مكة والمدينة مكانة مهمة ضمن هذا الرصيد الوثائقي، ويعود السبب في ذلك في نظرنا إلى الأولوية التي أعطاها العثمانيون للأماكن المقدسة باعتبار إشرافهم المباشر عليها. وقد شملت الوثائق مواضيع تتعلق على الخصوص بقضايا البنية التحتية في مكة المكرمة من جهة وتنظيم شؤون الحج من جهة أخرى.

لقد عنى العثمانيون بكل شاردة وواردة تتعلق بالتجهيزات في مكة، ومن ذلك مثلًالعناية بقنوات جلب الماء إلى المدينة؛ إذ صدر الأمر إلى والي مصر ودفتردارها للقيام بتوفير المستلزمات المطلوبة لبناء قناة المياه من جبل عرفات إلى مكة (الوثيقتان 24 و 25). وفي الموضوع نفسه، صدرت الأوامر إلى ولاة الشام وحلب بإرسال عددٍ كافٍ من معلمي الحجر إلى مصر ومنها إلى مكة لاستخدامهم في بناء قناة الماء الجارية إلى مكة (الوثيقتان 27 و 28). ويبدو أنّ الديوان العثماني كان متابعًا للأمر عن كثب، فعندما تأخر والي حلب، على ما يبدو، في تنفيذ الأمر صدرت أحكام للاستفسار أولً عن وصول المعلمين (الوثائق 29 و 30 و 31)، والأمر بالاستعجال في إرسالهم ثانية. كما صدر الأمر بتسديد نفقات بناء القناة من خزينة مصر وتهيئة المستلزمات البشرية لها (الوثيقة 32). وعلاوة على الاهتمام بقنوات جلب الماء، اهتم العثمانيون ببناء المنشآت التربوية في مكة وإصلاحها ترميمها، والتي أمر سليمان بإنشائها لطلبة العلوم الدينية وكلف أمير مكة بالإشراف عليها (الوثيقتان 26 و 39). والملاحظ في هذا الباب أنّ الديوان العثماني اهتم بدقائق بعض الأمور في ما يتعلق بتجهيزات مكة والمدينة عندما نجد وثائق تتعلق بهدم المغسلة الموجودة قرب بئر زمزم والتي كانت تتسبب في تدنيس الحرم (الوثيقة 22) وأخرى تتعلق بإغلاق مراحيض بالقرب من الحرم المكي (الوثيقة 23). أما الموضوع الثاني الذي تعرضت له الوثائق المكية فيتعلق بالحج. وقد تراوحت مواضيع الوثائق المنشورة بين التحضير لمراسم الحج عن طريق غسل الكعبة، وهي العادة المتبعة منذ عهد الرسول ﷺ، وتوفير الشروط اللازمة لعملية الغسل وكسوة الكعبة (الوثيقة 21) وبين إسناد إمارة الحج المصرية إلى أحد أمراء السناجق في مصر. وهذه الوثيقة لا يمكن أن تفهم إلا في ضوء الصراع المحتدم بين القافلة الشامية والقافلة المصرية على الرغم من أن نظام القوافل الذي تم تبنيه كان من أجل تيسير أمور الحجاج أثناء الرحلة وأداء المناسك (الوثيقة 33). كما تعرضت الوثائق المتعلقة بالحج إلى توفير كل السبل من أجل أداء المناسك في أحسن الأحوال ومن ذلك مثلًالحرص على سلامة الحجاج وأمنهم عندما وجه الديوان العثماني حكمًا بعدم استعمال الطريق بين البصرة ومكة وإحلال طريق الشام ومصر محله، وذلك لعدم سلامة الطريق المباشر وأمنه (الوثيقة رقم 36) ومن أجل توفير السكن الخاص بإقامة الفقراء من الحجاج (الوثيقة 34) وإصلاح الطرقات المؤدية إلى الحرمين (الوثيقة 35). وكان السلطان سليمان القانوني حريصًا على تلقي تقارير بمناسبة انتهاء كل موسم كما تبين ذلك الرسالة التي بعث بها الديوان العثماني إلى أمير مكة جوابًا عن تقريره بتاريخ جمادى الثانية 968 ه - آذار/ مارس 1570 م. ومن الوثائق المهمة المدرجة في هذا المجمع الوثائقي وتتعلق بعملية تنظيم حج الصفويين وزيارتهم إلى مشهدي الإمام علي بن أبي طالب والحسين بن علي، وتكتسي هذه الوثائق أهمية رمزية خاصة وتعكس تحفظات العثمانيين إزاء الدعاية الصفوية في الأماكن المقدسة. ولا تقف الوثائق المتعلقة بالحرمين عند موضوع اهتمام الدولة العثمانية بالبنيات التحتية وأمور الحج فحسب، بل هناك من الوثائق ما تعرض لموضوع التجارة في البحر الأحمر والتهديدات التي تقوم بها السفن البرتغالية للتجارة العربية في موانئ البحر الأحمر. وقد عملت الدولة العثمانية على تعيين أحد الرياس وجهزته بعشر سفن من السفن المجدافية الكبيرة من أجل استتباب الأمن في مرفأ عدن (الوثيقة رقم 70). وتحتل مصر أهمية متميزة في هذا المجمع الوثائقي، ولعل السبب في ذلك يعود إلى مكانة مصر في النسيج العربي زمن الدولة العثمانية، وقد ترجمت هذه المكانة عندما أفرد كتبة الديوان العثماني دفاتر وسجلات خاصة بمصر من دون إعفائها في المجاميع والسجلات العامة. فمصر حاضرة في كل القضايا التي ترتبط بمختلف البلدان العربية كما يظهر في الوثائق المتعلقة بالحرمين الشريفين والشام واليمن سواء على المستوى السياسي أو على المستوى العسكري. فعندما قسم اليمن طلب الديوان العثماني من والي مصر أن يجند 300 من جند الإنكشارية وأن يبعث بالمستلزمات المطلوبة لليمن (الوثيقتان 7 و 8). وفي الاتجاه نفسه، تخبر وثائق هذا المجمع الأوامر

الصادرة إلى والي مصر للإشراف على بناء السفن في السويس لمواجهة تحركات البرتغاليين في البحر الأحمر (الوثيقة 110) وبناء قلعة العريش لمنع البدو من الإغارة على قوافل الحجاج (الوثيقة 111). ولما كانت الأوقاف المصرية على درجة كبيرة من الأهمية عند الديوان العثماني، فقد اهتم العثمانيون بأمر تدبير هذه الأوقاف والسهر على حسن سيرها لا سيما أنها تعرضت لتجاوز القائمين عليها وهو ما كان يعرضها للخراب. وقد سارعت الدولة العثمانية في عهد السلطان سليمان القانوني إلى تتبع وضعية هذه الأوقاف خاصة تلك التي تقع خارج المجال المصري في الشام وحلب عن طريق إرسال مدققين ماليين (الوثيقتان 43 و 44). وتعنى الوثائق المتعلقة بمصر في المجمع بالوضعية الاقتصادية والاجتماعية، فقد كشفت الوثائق عن بعض ممارسات بعض الشيوخ على الرعايا واستيلائهم على أموالهم من دون وجه حق، سواء أكانوا مسلمين أم يهود (الوثائق 60 و 61 و 62) ومتابعة الديوان العثماني لهذه الممارسات وسعيه إلى الحد منها. كما كشفت الوثائق عن بعض الظواهر الاقتصادية كتلك المتعلقة بتجارة العبيد والتهرب من دفع الرسوم على هذه التجارة التي كانت تعرف نشاطًا مطردًا خلال هذه المرحلة التاريخية. كما تبرز هذه الوثائق الطرق التي كان يستعملها تجار العبيد والاستظهار بالجنود المرافقين للخزينة للتهرب من دفع الرسوم (الوثيقتان 80 و 81). وأما في ما يتعلق بشبه الجزيرة العربية فتقف الوثائق عند مجالين جغرافيين الأول يتعلق بالقطيف والثاني بالأحساء. وسواء تعلق الأمر بالقطيف أو الأحساء، فإن المواضيع تكاد تتشابه، ويرتبط بعضها بمسألة العلاقة بين الحكام والمحكومين؛ فقد استبد بعض حكام الأحساء وسلبوا المحليين أراضيهم مما أدى إلى هجرتهم وتشردهم في البصرة والبحرين وعمان، فرفعوا شكوى إلى الديوان العثماني الذي استجاب لشكواهم وبعث بحكم إلى والي الإحساء للسهر على استرداد ما ضاع منهم (الوثيقتان 11 و 12). وحدث الأمر نفسه عندما عرضت الوثائق للواء القطيف حين طالب الديوان بالتجاوز عن المطالبة بالجباية وتقصي أحوال سنجق القطيف وتأديب المتمردين (الوثيقتان 13 و 14). ولوثائق شبه الجزيرة العربية علاقة بالتجارة في الخليج والتهديد الذي شكله الوجود البرتغالي في المنطقة لهذه التجارة، فخشية انقطاع التجار عن موانئ الأحساء بسبب السفن البرتغالية، سارع الديوان العثماني إلى الأمر بإرسال سفن من البصرة لحماية المنطقة (وثيقة 69). وهو الأمر الذي يسير في الاتجاه نفسه فقد أمر بضرورة بناء السفن في بيرجيك لإرسالها إلى الخليج من أجل تعزيز الوجود العثماني فيه (الوثيقة 98) على أن البرتغاليين لم يكونوا الوحيدين الذين يشكلون خطرًا على التجارة الإسلامية في الخليج، بل كان البدو يقومون بأعمال تخريبية في الأحساء، وهي أعمال تشكل تهديدًا حقيقيًا للتجارة في الخليج. هذه الأخطار هي التي دعت الديوان العثماني إلى بناء قلعة في العقير والأمر بمرابطة السفن في الموانئ (الوثيقتان 112 و 113). أما وثائق الشمال الأفريقي، فتتعلق بالتحضيرات الجارية في سنة 1564 لمواجهة فرسان مالطة، فقد عول الديوان العثماني كثيرًا على الدعم الذي يمكن أن يقدمه ولاة شمال أفريقيا للحملة العثمانية ومهد للحملة بتهدئة الأوضاع في الولايات المغاربية وفي علاقات هذه الولايات مع فرنسا. لقد أكد الديوان العثماني في الحكم الصادر إلى أعيان الجزائر على ضرورة الامتثال للوالي الجديد حسن باشا ودعا الوالي الجديد ووالي طرابلس إلى ضرورة التحقيق في مآل السفن الفرنسية التي تم التجاوز عليها في عرض المتوسط الغربي من لدن القراصنة بغرض تحييدها في الحملة على مالطة من جهة واحترام الاتفاقيات التي تربطه بها من جهة أخرى (الوثيقة 77). وعلى مستوى آخر، دعا الباب العالي حاكم تونس أحمد باشا إلى التحالف مع والي طرابلس من أجل مواجهة أي خطر محتمل، ووجهت الرسالة نفسها إلى باشا طرابلس (الوثائق 94 و 95 و 96). ولم تعول الدولة العثمانية في هذا الصراع على ولاتها فحسب، بل سعت إلى استمالة الزعامات المحلية من "مشايخ العربان في طرابلس والعلماء" (الوثيقة 119). وقد انتبهت الدولة العثمانية أيضًا إلى الدور الذي كان يقوم به المخبرون والجواسيس في مد العدو بالمعلومات، ومن ثم أرسل إلى باشا طرابلس الغرب من أجل "توخي الحذر وعدم التغافل في هذا الخصوص" (الوثيقة 129).

وقد راهن الباب العالي في صراعه مع إسبانيا في غرب البحر الأبيض المتوسط على ما كانت يعيشه المغرب من صراعات على السلطة في القرن السادس عشر، وكان الأمير عبد الملك السعدي اللاجئ إلى العثمانيين يعول على الدعم العسكري للديوان العثماني، وقد أثرت الظروف السياسية في تجاوب الدولة العثمانية مع مطالب الطامعين في السلطة، وتبين الوثيقة المتعلقة بالمغرب أن الحملة على مالطة جعلت الديوان العثماني يرجئ كل مساعدة لعبد الملك إلى حين الانتهاء من الحملة (الوثيقة رقم 97). وأما الوثائق المتعلقة بولايتي الشام وحلب، فهي ذات طبيعة اقتصادية واجتماعية وسياسية. وتعرض المتعلقة منها بالجانب الاقتصادي على الخصوص لتهريب الأسلحة ورداءة أنواع الأقمشة المنسوجة في الشام. أما السياسية منها فتتعلق بقيام بعض العشائر العربية بأعمال عدوانية في شرق الأناضول، وتروم الاجتماعية إلى تقديم ظاهرتين عرفتهما الولايتان في القرن السادس عشر وترتبط الظاهرة الأولى بترحيل اليهود من محلة بحسينا (الوثيقة 121) أما الظاهرة الثانية فتتعلق بتفشي ممارسة المنكرات في مقاهي الشام وممارسة الغجر للفسق في ولاية حلب.

خاتمة

حاولنا في هذه العجالة أن نقدم أهم ما جاء في هذا المجمع الوثائقي الثالث في إطار السلسلة التي يشرف عليها مركز التاريخ والفنون والحضارة الإسلامية في إسطنبول، وهو مشروع يقدم خدمة جليلة للبحث في تاريخ الولايات العربية زمن الحكم العثماني. غير أن العمل يشكو بعض النواقص التي لا تقلل من أهمية المشروع ولا تبخسه في شيء. ومن بين هذه النواقص: أولً، عدم أخذ المسافة اللازمة بين نصوص الوثائق والنظر إليها بعين ناقدة، وعدم الإحاطة بالمشاكل التي يطرحها استغلال هذه النصوص. إن وثائق هذا المجمع تنتمي كلها إلى ما يعرف في أرشيف العثماني بالدفاتر المهمة، وهي الدفاتر التي كانت تسجل بها الأحكام الصادرة إلى مختلف ولاة الدولة وقضاتها في مختلف الولايات العثمانية. وتعكس هذه الوثائق أوجهًا عديدة من العلاقات بين المركز والمحيط. غير أن استعمال هذه الوثائق محفوف بالمشاكل، ومن بينها مشكلة الزمن الذي كانت تدون فيه هذه الأحكام، فهل تم ذلك بعد الإرسال ام قبله؟ وهل أرسلت هذه الأحكام أم لم ترسل؟ لا نستطيع أن نجيب عن هذه الأسئلة لأننا لا نتوافر على الأحكام الأصلية التي توصل بها أصحابها. وقد لاحظ من اشتغل بالمقارنة بين النصوص والدفاتر في مجالات جغرافية أخرى اختلافًا واضحًا بين النصوص المدونة في الدفاتر والنصوص الأصلية وهو ما يطرح أسئلة عريضة عن هذا النوع من الوثائق. وهناك مشكلة أخرى مرتبطة بتاريخ الوثيقة، وهو أمر لم يهتم به المشرف على هذا المجمع الوثائقي، فهناك العديد من الأحكام التي لا تحمل تاريخًا، بل نجد بعض الدفاتر يتضمن تاريخًا موحدًا لمجموعة كبيرة الوثائق. ثانيًا، أنّ الوثائق قدمت مبتورة؛ إذ لم تتم العناية بالحاشية التي توضع على الوثيقة، وعلى الرغم من أنها كانت مقتضبة، فإن الوثيقة لا يمكن أن تفهم إلا باستحضارها. ففي أعلى الوثيقة كتبت الحواشي بشكل يخبر بمآل النص، فتتردد عبارات "يازلدي" أي "كتب" و "كوندرلدي" أي "أرسلت" أو " جاووشه ويرلدي" سلمت إلى جاووش، وغالبًا ما تكون هذه العبارات مصحوبة بالتاريخ. وهو التاريخ المعتمد وليس تاريخ الدفتر. ثالثًا، لم تتم العناية بوضع هوامش لشرح مصطلحات بما يسهل استعمال الوثيقة وفك ألغازها. ومن ذلك مثلً شرح مصطلحات ملاحية (أنواع السفن) وأخرى اقتصادية يتعلق بعضها بالعملة المتداولة داخل مجال معين وما إلى ذلك من المصطلحات.