حوار مع محمود إسماعيل عبد الرازق أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة عين شمس
Masarat (Trajectories): Arab Scholars and their Contributions to the Writing of History A Conversation with Egyptian Historian Mahmoud Ismail
الملخّص
تسعى "مسارات" لتعرُّف سِر الباحثين العرب في مجال الكتابة التاريخية، والكشف عن خبايا علاقاتهم بالمواضيع التي كرَّسوا لها أبحاثهم والصعوبات التي واجهوها، سواء كانت ماديةً، أو متعلقةً بالحصول على مصادر الخبر، أو ذات طبيعة منهاجية، كم تسعى للوقوف على درجة استفادة هؤلاء الباحثين من المدارس التاريخية المعاصرة، وانفتاحهم عن العلوم الاجتمعية الأخرى. في هذا العدد نلتقي المؤرخ المصري محمود إسمعيل عبد الرازق الذي ينقل لنا تجربته الخاصة مع علم التاريخ وتعامله مع المادة التاريخية. ونتعرف على أسباب اهتممة بتاريخ المغرب والأندلس على الخصوص والتاريخ الإسلامي عامة
Abstract
Masarat introduces Arab scholars who have made distinguished contributions through their historical writings, and reveals their relationships with their subjects as well as the material, methodological and practical difficulties they encountered. This section also reflects on the extent to which these researchers have benefited from contemporary historiographical schools of thought and their openness to the other social sciences. In this edition, Ostour introduces its readers to Mahmoud Ismail, an Egyptian historian who uses his personal experience to illustration his involvement with Islamic history, particularly that of the Maghreb and the Islamic Andalus.
- الكتابة التاريخية
- سيرة
- إسماعيل عبد الرزاق
- التاريخ الإسلامي
- أسطور
- حوارات
- مسارات
- Historiography
- Mahmoud Ismail
- Islamic history
- Ostor
- Interviews
- Masarat
السؤال الأول: كيف كانت علاقتك بالتاريخ؟ وما سرّ اهتممك بهذا الحقل المعرفي دون سواه؟
الإجابة: الواقع أنّني طوال مراحل دراستي الابتدائية والإعدادية والثانوية كنت متفوّقًا في مواد الدراسة كافّة. ولمّا التحقت بجامعة القاهرة، اخترت كلّية الآداب، دون سواها، وقسم التاريخ لا لشيء إلّ لإشباع رغبة في داخلي تكمن في الطموح للعمل بالسياسة بعد التخرّج، تحت تأثير إنجازات ثورة يوليو 1952، خصوصًا في ما يتعلق بتحقيق العدالة الاجتماعية. بعد ظهور نتيجة الفصل الدراسي الأول، حصلت على درجة الامتياز في التاريخ القديم والحديث والإسلامي. ولكم كانت فرحتي كبيرة حين أعلن أستاذي الدكتور حسن محمود أستاذ التاريخ الإسلامي قبل ظهور النتيجة أنّ إجابتي تنبئ عن مشروع مؤرّخ مرموق. لذلك أخذ يشجعني طوال سنوات الدراسة، ويتحفني بالمراجع من مكتبته الخاصة. وكثيرًا ما كلّفني بإلقاء بعض المحاضرات نيابة عنه، ليقوم هو بالتعقيب عليها. بعد الحصول على الليسانس بتفوّق، سجّلت تحت إشرافه موضوع رسالة الماجستير الذي اختاره بنفسه عن "سياسة الأغالبة الخارجية"، فأنجزت الرسالة بعد عامين لتنال درجة الامتياز. وبالمثل موضوع رسالة الدكتوراه "الخوارج في بلاد المغرب" التي أنجزتها بعد عامين أيضًا لتحوز "مرتبة الشرف الأولى"، ولأعيّ مدرّسًا للتاريخ الإسلامي بكلّية الآداب جامعة عين شمس. بدأت الكتابة السياسية في صحيفة "الجمهورية" بعد الحصول على الماجستير عام 1967، حين اختارني أستاذي الدكتور محمد أنيس ضمن كتّاب قسم الأبحاث بالصحيفة الذي كان يشرف عليه، ولاقت مقالاتي أصداء طيّبة بين القرّاء وكبار الكتّاب، وأذكر أنّ الدكتور مراد وهبة أطال الله عمره عرض علي الكتابة في صحيفة "الأهرام" ذائعة الصيت فاعتذرت لأسباب لا داعي لذكرها. في عام 1972، تلقيت دعوة من المرحوم الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي للكتابة في مجلة روز اليوسف، فتقبلتها بلا تردد انطلاقًا من فكره ومواقفه بصفته يساريًا مناضلً، وهو ما يتسق مع فكري وطموحاتي. فكتبت عدّة مقالات عن "الحركات السريّة في الإسلام" أثارت ما أثارت من جدل بين الأكاديميين والمثقفين، خصوصًا بعد أن أصدرتها المجلة في كتاب، جرى طبعه عدّة مرّات. والأسوأ من ذلك تدخّل بعض علماء الأزهر إلى حدّ المطالبة بفصلي من الجامعة. ثمّ توالت الكتابات الجامعة بين الأبحاث الأكاديمية في الدوريات العلمية، والمقالات السياسية في الصحف والمجلات الأسبوعية، والكتابات الفكرية في المجلات الثقافية في مصر وخارجها. خلاصة القول، أنه على الرغم من الاهتمام بالكتابة في التاريخ الإسلامي عمومًا، وتاريخ المغرب والأندلس خصوصًا، فقد طرقت أبواب حقول معرفية متعددة في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية كافة، فضلً عن الآداب والفنون، إبداعًا ونقدًا. ومن يطالع قائمة مؤلفاتي التي بلغ عددها اثنين وستين كتابًا يقف على ذلك في جلاء. السؤال الثاني: لقد كنت من الرعيل الأول من المؤرّخين المصريين الذين اهتموا بتاريخ المغرب والأندلس،
فم هي دوافع عنايتك بتاريخ المغرب؟
الإجابة: لست من الرعيل الأول بل من الجيل الثاني الذي كان له الشرف بالتتلمذ على أحد أعلام هذا الرعيل وهو الدكتور حسن أحمد محمود الذي أرّخ لدولة بني زيري في رسالته للماجستير، ولدولة المرابطين في أطروحته للدكتوراه، فضلً عن مؤلفات عديدة عن تاريخ الإسلام في بلاد المغرب. كما أفدت من كتابات زملائه، من أمثال الدكتور محمد عبد الهادي شعيرة، والدكتور حسين مؤنس،
والدكتور أحمد فكري، والدكتور سعد زغلول عبد الحميد، والدكتور أحمد مختار العبادي أطال الله في عمره الذي درَس في جامعة محمد الخامس بالرباط. أمّا عن أسباب اهتمامي بتاريخ المغرب الإسلامي، فترجع إلى تخصصي الدقيق في تاريخ المغرب الإسلامي بحسب توجيه أستاذي. فقد كانت رسالتي للماجستير عن "دولة الأغالبة"، ورسالة الدكتوراه عن "الخوارج في بلاد المغرب"، ثم توالت مؤلفاتي عن تاريخ المغرب الإسلامي. ومن أهمّها كتاب "مغربيات دراسات جديدة" الذي كتبته إبّان تدريسي في كلية الآداب بفاس، وكتاب "الأدارسة في المغرب الأقصى" و"مقالات في الفكر والتاريخ" وكتاب "الأسطغرافيا والميثولوجيا"، فضلً عن فصول عديدة عن تاريخ المغرب وردت ضمن مؤلفات عن التاريخ الإسلامي العام، من أهمّها كتاب "المهمّشون في التاريخ الإسلامي" كما أرّخت لتاريخ المغرب الإسلامي وتراثه على مستوى التنظير في موسوعة "سوسيولوجيا الفكر الإسلامي" التي صدرت في أربع طبعات. وقد صدر المجلدان الأول والثاني إبّان إعارتي في كلية الآداب بفاس. هذا فضلً عن دراسات أكاديمية معمّقة، صدرت في دوريات علمية عربية وأجنبية، تتناول إشكاليات من تاريخ المغرب الإسلامي، خصوصًا ما تعلّق منها بالمنهج والرؤية والنقد والتنظير. وقد ترجمت بعض تلك المؤلّفات إلى اللغتين الفارسية والإسبانية، ويجري تدريسها لطلاب الدراسات العليا إلى الآن. وإبّان وجودي في المغرب لمدة عشر سنوات وبعد العودة إلى مصر، أشرفت على الكثير من الرسائل الجامعية في كليات الآداب بفاس ومكناس ووجدة في حقل التاريخ الاقتصادي والاجتماعي وتاريخ الفكر الإسلامي في الشرق والمغرب التي أنجزها جيل جديد من المؤرّخين المغاربة الأفذاذ، من أمثال أحمد الطاهري، وإبراهيم القادري، وهشام العلوي، وأحمد تضغوت، وعبد الإله بن مليح وغيرهم ممن شكّلوا مدرسة عرفت في العالم العربي ب "المدرسة المحمودية". السؤال الثالث: تتميّز أعملك بالتوثيق الجدّي، والاهتمم بإثبات النصوص المصدرية، فضلً عن التحليل والتفسير المادي للتاريخ، فهل تعتقد في وجود نصوص مصدرية تكفي لبرهنة هذا المنهج وتلك الرؤية؟ الإجابة: في خصوص الاهتمام بالتوثيق وإثبات النصوص في كتاباتي، فيرجع إلى ما اتسمت به تلك الكتابات من جدّة غير مألوفة في الكتابات التقليدية إلى حد أنّ البعض عدّها "ثورة" في كتابة التاريخ الإسلامي، بينما رآها آخرون محض "اعتساف" مرفوض في تطبيق المادية التاريخية على تاريخ وتراث مؤسس على الدين والعصبية الإثنية، بحسب ابن خلدون. لذلك كان الحرص على إثبات النصوص المصدرية، وغزارة التوثيق لإثبات برهنتها للتحليل واستقراء التفسير، دونما أدنى اعتساف. للإجابة عن الشق الثاني من السؤال، نؤكّد وتؤكّد الدراسات التي أنجزها تلامذتي في المغرب والشرق وجود مادة علمية ذاخرة في كتابات المؤرّخين القدامى لم يفطن الكثيرون لأهميتها، خصوصًا أنّ معظمها مثبت في كتب الطبقات والأدب الجغرافي والأدب والفقه والنوازل وغيرها، وحتى في المأثورات الشعبية. أمّا عن تصوّر البعض عن عدم صلاحية المادية التاريخية لدراسة التاريخ الإسلامي، وتفسير الفكر الإسلامي، فقد نلتمس لهم بعض العذر، لا لشيء إلّ لأنّ بعض من استند إليها لم يفطن لأهميتها "الجدلية" وعوّل على المعالجة "الدجمائية" والاعتساف الأيديولوجي، خصوصًا في مجال التفسير، متجاهلً كونها مجرد "أداة بحث" يمكن الاسترشاد بقوانينها العامة في قراءة الواقع الاجتماعي التاريخي. ومن المؤرّخين الذين وظّفوها في دراسة بعض موضوعات التاريخ الإسلامي من اعتمد نظريّة ماركس عن "نمط الإنتاج الآسيوي"، في حين أنّ ماركس نفسه أعلن صراحة أنّ معلوماته عن تاريخ العالم الإسلامي جدّ هزيلة ولا يمكن الركون إليها في تفسير وقائعه وحوادثه. وهو ما جعلنا
نعوّل أساسًا على معطيات الواقع التاريخي بالدرجة الأولى، خصوصًا ما يتعلّق بجوانبه الاقتصادية والاجتماعية. ومعلوم أنّ كتب الفقه والنوازل والمال والخراج تقدّم صورة متكاملة في هذا الصدد. ونعلم أنّ تلميذنا النابه أحمد الطاهري يعد معجمًا خاصًّا بمصطلحات الاقتصاد الإقطاعي والرأسمالوي في العالم الإسلامي إبّان العصور الوسطى، أثبت بحسب قوله بأنها تمثّل سبقًا تاريخيًّا استند إليها علم الاقتصاد السياسي الحديث. على أنّ اعتمادنا وتلامذتنا المادية التاريخية في مجال التفسير لا يعني غضّ الطرف عن المناهج الأخرى في دراسة التاريخ الإسلامي، كالبنيوية والألسنية والسميوطيقا ومناهج الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، فضلً عن الميثولوجيا. ووظفنا كلً منها في الحقل المعرفي المناسب، تأسيسًا على حقيقة أنّ "طبيعة الموضوع هي التي تفرض المنهج أو المناهج الناجعة في معالجته"، بحسب مقولة ميشيل فوكو Foucault Michel.
السؤال الرابع: هناك من يقول إنك تتعسف في تحميل النصوص أكثر ممّ تحتمل من أجل الخروج بخلاصات من الصعب أن تصمد لرياح النقد، فم هو تعليقك على هذا الاتهام؟
الإجابة: تلك في ما أرى تهمة لا أساس لها أطلقها الناقد المغربي الأستاذ نجيب العوفي، وقد فنّدتها في عدّة مقالات بصحيفة "المحرر" المغربية في آخر السبعينيات من القرن الماضي. كما أطلقها غيره فيما بعد حين نشرت كتاب "نهاية أسطورة" الذي حاولت فيه إثبات اقتباس ابن خلدون نظرياته التي تضمنتها مقدمة كتابه "العبر" من رسائل "إخوان الصفا". وقمت حينها بالرد عليهم في كتاب "هل انتهت أسطورة ابن خلدون؟" إذ تضمّن إثباتًا للأفكار المقتبسة عن طريق عرض النصوص بصددها في مقدمة ابن خلدون مقارنة بنظيرتها في رسائل إخوان الصفا. وحسبي الإشارة إلى حكم أحد الدارسين الثقاة آنذاك بأنّ "كلّ المعارضين لأطروحة محمود إسماعيل لم يوفّقوا في تفنيد دليل واحد من الأدلة العشرين التي أسس عليها الأطروحة". في ما عدا ذلك، لاقت مؤلّفاتي قبولً بله تقريظًا من كافة النقاد على اختلاف انتماءاتهم الفكرية. فعلى سبيل المثال، كتب السيد عبد العزيز سالم أن تلك المؤلفات أحدثت "ثورة منهجية وفكرية في كتابة التاريخ الإسلامي". أمّا المستشرق برنارد لويس Lewis Bernard، فقد عدّ كتاب "الحركات السرية في الإسلام" بمنزلة نقلة نوعية حررت التاريخ الإسلامي من الأسطرة والخرافة إلى العلم الوضعي". ونعت المفكر أحمد عبد الحليم عطية مؤلّف موسوعة "سوسيولوجيا الفكر الإسلامي" بأنه "فيلسوف المؤرّخين ومؤرّخ الفلاسفة". أمّا المرحوم محمد أركون فقد عدّه "أول من خرج بالفكر الإسلامي من طور المراهقة إلى اكتمال النضج"، في حين ذكر المستشرق الفرنسي آلان دي سولييه Soulier De Alain أنه "حرّر العقل العربي من التبعية للعقل الأوروبي، كما حرّر عبد الناصر العالم العربي من الاستعمار الغربي". وفي موسوعة أعلام المبدعين العرب في القرن العشرين ورد ما نصّه: "نقدم علمًا من أعلام الإبداع في الفكر العربي، تدلّ مساهماته في القرن الواحد والعشرين على أهمية هذا الكاتب وتفرّده ومناعة أفكاره، وقوة تحليلاته التي تساعد على الانتقال بالفكر العربي من مشكلات الرأي إلى قوة الرأي كتمهيد لمحكم الرأي، فالرأي الفصل".
السؤال الخامس: في الثمنينيات أصدرت ثلاثيتك عن "سوسيولوجيا الفكر الإسلامي"، وهو مشروع يتميّز بالجدّة في حينه، فكيف ترون هذا المشروع بعد ميض ثلاثين سنة؟
الإجابة: لقد اكتمل هذا المشروع وصدر في عشرة مجلدات سنة 2000، وطبع أربع طبعات ستصدر الطبعة الأخيرة قبل نهاية عام 2015. وقد استغرق إنجازه نحو ثلاثين سنة من العمل المتواصل، بعد ما صدر لي نحو عشرين كتابًا، يتعلّق بعضها بتعميق بعض المباحث التي تضمّنها المشروع، وذلك من خلال المادة العلمية الزاخرة والثرية التي جمعتها إبّان العمل في المشروع. أمّا البعض الآخر، فيتعلّق بالثقافة العربية المعاصرة، من خلال نقد الكثير من الكتابات التي ألّفها مفكرون ومثقفّون معاصرون. منها على سبيل المثال "التراث وقضايا العصر" و"الخطاب الثقافي العربي بين الدين والعقل والمخيال الشعبي". استهدفت تلك المؤلّفات تنوير الشعوب العربية ببلورة خطاب ثقافي عقلاني يناهض "الاغتراب" سواء في "الماضي" أو في "الآخر".
تلت تلك المرحلة مرحلة "تثوير" الشعوب العربية، وهو ما كتبته عن تاريخ الثورات في العالم، بهدف إذكاء الوعي الثوري. فكتبت عن "ثورات المهمّشين في التاريخ الأوروبي"، وكتابًا آخر عن "ثورات المهمّشين في التاريخ الإسلامي"، وثالثًا عن "ثورات المهمّشين في التاريخ المصري". وأزعم أنّ الكتب الثلاثة كان لها تأثير كبير في اندلاع ما عرف بثورات "الربيع العربي". ما يهمّنا إثباته بصدد هذا السؤال، أنّ مشروع "سوسيولوجيا الفكر الإسلامي" كان يمثّل مرجعية أساسية لكل ما كتبته بعد إنجازه، من ناحية، ولم تعد قراءته حكرًا على الصفوة من ناحية أخرى، بل تلقّفه الشباب المثقّف، ولا أبالغ حين أجزم بإقبال العوامّ من العمال والفلاحين على قراءته. وحسبي الإشارة إلى أنّ ثوار 25 يناير في مصر نعتوه ب "إنجيل الثورة". كما توصّلتُ برسائل عديدة من المثقّفين العرب، مفادها تدريسه في حلقات وندوات، بل في مقهى بمدينة الرياض بالسعودية. أما عن تأثيره في الأوساط الأكاديمية، فحدّث ولا حرج، إذ أصبح مرجعًا للباحثين والدارسين ليس في حقل التاريخ الإسلامي فحسب، بل وأيضًا في أقسام اللغة العربية وآدابها والاجتماع والفلسفة وحتى في العمارة والفنون الإسلامية. ويرجع ذلك إلى كون المشروع قد تضمن تأريخًا شاملً للعلوم والآداب والفنون الإسلامية كافة. الأهمّ من ذلك، أنّ تلامذتي في جامعات مصر والعالم العربي يعزى إليهم الفضل في الإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه معظم موضوعاتها مستمدة من المشروع، الأمر الذي ساهم في تعميق مباحثه وتفصيلها.
السؤال السادس: أرّختم للمذاهب والفرق الإسلامية كافة في العصور الوسطى، فهل جرى اهتممكم بامتداداتها في العصر الحديث؟
الإجابة: كان من الطبيعي أنّ رصد ما ذوى واختفى من هذه الفرق، وما استمر منها في واقعنا المعاصر يؤثّر في صيرورته إيجابيًا أو سلبيًا. وفي هذا الصدد أصدرت عدة كتب، فضلً عن بحوث ودراسات في الدوريات العلمية والمجلات الثقافية، إضافة إلى المقالات في الصحف اليومية المصرية منها والعربية. من هذه الكتب "الفكر الإسلامي الحديث بين السلفيين والمجددين" و"الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين"، و"الخطاب الأصولي المعاصر الآليات والقسمات"، و"تجديد الخطاب الديني"، و"فرق الشيعة بين الدين والسياسة"، و"إسهامات شيعية في الحضارة الإسلامية"، و"فصل المقال فيما بين الإسلامويين ونبوءة الدجال من اتصال". ولا يتسع المقام لمجرد التعريف بمحتوى هذه الكتب، وحسبي التنويه بما أحدثته من تعرية كافة التيارات الإسلاموية التي تمسحت بالدين شكلً لخدمة أغراض دنيوية "منحطّة"، وأفضى اشتغالها بالسياسة إلى التشرذم والفرقة، فضلً عن الإساءة إلى الإسلام نفسه عقيدة وشريعة وحضارة" والإسلام منها براء. ناهيك عمّا نجم عن معتقداتها التكفيرية من إرهاب أفضى إلى سفك الدماء، واستحلال المحرمات، وتخريب العمران. وعلى الصعيد المعرفي، أثارت حوارًا إيجابيًا على مستوى النخبة، وعرضت مؤلفها لمواقف حرجة، أهونها الدمغ بالإلحاد، سواء من المؤسسة الدينية الأزهر أو من قادة تلك الجماعات المشتطة. لكنها ساهمت بشهادات الكثيرين في تنوير الجماهير وتعرية المتاجرين بالدين.
السؤال السابع: درستم التاريخ والحضارة الإسلامية في بعض الجامعات العربية، فم هو تقييمكم للبحث التاريخي في جامعات العالم العربي المعاصر؟
الإجابة: لقد درَست تاريخ الإسلام وحضارته في المغرب لمدة عشرة أعوام تقريبًا، وفي الكويت ستة أعوام. كما شاركت في مؤتمرات وندوات، وألقيت محاضرات عامّة في معظم أقطار الوطن العربي، وأشرفت على الكثير من الرسائل العلمية لطلاب من معظم الجامعات العربية، إضافة إلى تحكيم أبحاث الترقية لدرجة الأستاذية لأعضاء هيئات التدريس في الكثير من الجامعات العربية، فضلً عن تحكيم الكثير من الأبحاث للنشر في الدوريات العلمية العربية، بما يتيح لي الإجابة عن هذا السؤال.
ولأنّ الإجابة مؤسفة، أكتفي بذكر الآتي في إيجاز شديد على هذا النحو: التنويه بأنّ تدريس التاريخ ودراسته تتوقف بالدرجة الأولى على علم الأستاذ من ناحية، وضميره المهني من ناحية ثانية، ومدى حرية الرأي والتعبير من ناحية ثالثة. أبدأ بالجامعات المصرية التي كان لها الريادة في وضع برامج التعليم ووسائله ومخرجاته بطبيعة الحال إذ كان لها الأسبقية في التأسيس والتكوين. كان معظم أساتذتها من كبار المستشرقين الأوروبيين الذين أنجبوا جيلً من الأساتذة المصريين الروّاد الأكفاء الذين ساهموا بدور مهمّ في تأسيس الكثير من الجامعات العربية. وأشهد لهم من خلال دراسة مؤلفاتهم في التاريخ عمومًا والإسلامي على نحو خاص بالكفاءة والنزاهة، وذلك حتى بداية السبعينيات من القرن الماضي. لكنّ الحال تبدّل إلى النقيض بعد ذلك إلى الآن، لأسباب يطول شرحها. أنجبت جامعات العراق جيلً من المؤرّخين الكبار من أمثال عبد العزيز الدوري وصالح العلي على سبيل المثال، ساهموا في تطوير العلم منهجيًا ومعرفيًا، وإن تلونت رؤاهم بالمبالغة في تضخيم النزعة القومية. وللأسف، تردى الحال بدرجة مذهلة، خصوصًا بعد الغزو الأميركي، وما ترتّب عليه من فوضى سياسية وصراع مذهبي. في خصوص جامعات دول الخليج وأحوالها فهي أفضل على الرغم من حداثة نشأتها. ويرجع ذلك في ما أظن إلى ما تشهده من استقرار سياسي ورخاء اقتصادي كان من وراء التوسع في إنفاذ طلاب الدراسات العليا في بعثات علمية إلى الجامعات الأوروبية والأميركية. فضلً عن جذب صفوة الأساتذة العرب الأكفاء للتدريس بجامعاتها. أما عن جامعات سورية ولبنان والأردن فما زالت تحتفظ بمكانة لا بأس بها، حتى قيام ثورات الربيع العربي التي أسفرت ضمن ما أسفرت عن حروب أهلية ما فتئت تهدد وجودها ذاته. ينطبق الحال على جامعات ليبيا، كما هو معلوم، وإن كان تخلفها سابقًا لاندلاع ثورتها. على العكس من ذلك كلّه تفرّدت جامعات تونس والجزائر عمومًا، والمغرب على نحو خاص، إذ ولدت وشبّت "عملاقة"، بتأثير انفتاحها على جامعات الغرب، وجامعات فرنسا بالذات. السؤال الثامن: في المغرب صدر لك ديوان شعر بعنوان "أحزان القلب والوطن"، كم نشرت بعض القصص القصيرة في صحيفتي "المحرر" و"البيان". والسؤال: هل من جديد لك في حقل الإبداع الأدبي؟ الإجابة: لم أكن أهتمّ بالأدب إلّ تذوقًا، لكنّ وجودي في المغرب بطبيعته الخلابة أغراني بمغامرة الإبداع، فأصدرت الديوان المذكور عام 1979 في ظروف قاسية، إذ جرى فصلي من الجامعة ضمن عدد من معارضي الرئيس أنور السادات. لذلك اتسمت قصائد الديوان بالكآبة. وكان انشغالي بمشروع "سوسيولوجيا" يحول دون الاهتمام بغيره، إذ كرست كل جهدي لإنجازه. بعد ذلك كنت أجد في الإبداع الأدبي نوعًا من الاستجمام الذهني ليس إلّ. لذلك لم أعط الأدب حقه، بحسب ملاحظة الأصدقاء. واستجابة لإلحاحهم، أنجزت خلال عام 2009 ثلاثة دواوين شعر هي "مقاطع من سفر العودة"، و"الزمن الآتي"، "صراخ في البرية". كان معظم قصائدها ذا طابع سياسي. كما أصدرت رواية بعنوان "الوبر والمدر"، فضلً عن مجموعة قصصية بعنوان "ثغرة في جدار الوهم". كما كتبت سيرة ذاتية بعنوان" جدل الأنا والآخر".
خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، اتجهت إلى حقل النقد الأدبي في مقالات ودراسات كانت تنشر تباعًا في المجلات الثقافية. ولقد جمعتها أخيرًا في كتابين، أولهما "مقاربات نقدية في الفكر والأدب والفن"، والثاني "متابعات نقدية في أدب الدقهلية" وقد صدر منذ شهرين. وأعدّ حاليًا لكتابة مسرحية تاريخية عن "كاهنة الأوراس". كما أراجع "بروفات" كتاب "فلسفة التاريخ أضواء جديدة".