العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التاريخ والذاكرة والكتابة التاريخية دراسة نماذج: سايكس بيكو، الخلافة، ذاكرات طوائف لبنان

التاريخ والذاكرة والكتابة التاريخية دراسة نماذج: سايكس بيكو، الخلافة، ذاكرات طوائف لبنان

History, Memory and Historiography: A Study of Sykes-Picot, the Caliphate, and the Memory of Religious Denominations in Leba

وجيه كوثراني*Wajih

Kawtharani

الملخّص

تنطلق هذه الدراسة من المقولة التي تشدد على أوجه التمييز بين التاريخ كعلم (أي بوصفه مسعًى علميًّا قائمًا على منهجية محددة بقواعد)، والذاكرة التاريخية، ولا سيما الذاكرة الجماعية التي تقوم على "تذكر" تضطلع بصيرورته صور شتّى تكونت عبر زمن تاريخي، واختلطت فيها ألوان متعددة من العواطف والمشاهد والمواقف، فضلاً عن اختلاط الأزمنة Anachronism واستثمارها (بوعي أو بغير وعي، وفي أغلب الأحيان بغير وعي) لأهداف "الهوية" أو لأهداف أخرى جماعية. وقدّمت الدراسة ثلاثة نماذج من "التواريخ" السائدة في الخطاب التاريخي العربي، هي: الخطاب التاريخي عن سايكس-بيكو، والخطاب التاريخي عن "الخلافة" وإلغائها، والخطابات التاريخية لطوائف لبنان، ودرست سيرورة التحوّل الأيديولوجي-السياسي للحدث، إلى حدّ "أسطرته" في الخطابات التاريخية السائدة.

Abstract

History as a science (that is as an academic endeavor based on a method defined by rules) differs from historical memory, especially collective memory based on "recollection". The latter is a process that takes on various images formed over historical time and which is tinged with various emotions, perspectives, and positions, as well as anachronisms which are used (whether consciously or unconsciously, mostly the latter) for identity-based aims or other collective aims. This paper presents three examples of "histories" prevalent in Arab historical discourse: the historical discourse over Sykes-Picot; the historical discourse over the Caliphate and its abolition; and the histories of the various religious confessional groups in Lebanon. The paper studies the process of ideological-political transformation of events, which in some cases results in their mythologization, in prevailing historical discourses.

الكلمات المفتاحية:
  • سايكس بيكو
  • الخلافة
  • لبنان
  • الذاكرة والتاريخ
  • الطوائف
Keywords:
  • Sykes-Picot
  • Caliphate
  • Lebanon
  • Memory and History
  • Religious Group

دراسة نماذج: سايكس بيكو، الخلافة، ذاكرات طوائف لبنان

تنطلق هذه الدراسة من المقولة التي تشدد عى أوجه التمييز بن التاريخ كعلم (أي بوصفه مسعى علميًّا قائمًا عى منهجية محددة بقواعد)، والذاكرة التاريخية، ولا سيم الذاكرة الجمعية التي تقوم عى "تذكر" تضطلع بصرورته صور شتّى تكونت عبر زمن تاريخي، واختلطت فيها ألوان متعددة من العواطف والمشاهد والمواقف، فضلً عن اختلاط الأزمنة Anachronism واستثمرها (بوعي أو بغر وعي، وفي أغلب الأحيان بغر وعي) لأهداف "الهوية" أو لأهداف أخرى جمعية. وقدّمت الدراسة ثلاثة نماذج من "التواريخ" السائدة في الخطاب التاريخي العربي، هي: الخطاب التاريخي عن سايكس - بيكو، والخطاب التاريخي عن "الخلافة" وإلغائها، والخطابات التاريخية لطوائف لبنان، ودرست سرورة التحوّل الأيديولوجي - السياسي للحدث، إلى حدّ "أسطرته" في الخطابات التاريخية السائدة. كلمت مفتاحية: سايكس بيكو، الخلافة، لبنان، الذاكرة والتاريخ، الطوائف.

History as a science (that is as an academic endeavor based on a method defined by rules) differs from historical memory, especially collective memory based on "recollection". The latter is a process that takes on various images formed over historical time and which is tinged with various emotions, perspectives, and positions, as well as anachronisms which are used (whether consciously or unconsciously, mostly the latter) for identity-based aims or other collective aims. This paper presents three examples of "histories" prevalent in Arab historical discourse: the historical discourse over Sykes-Picot; the historical discourse over the Caliphate and its abolition; and the histories of the various religious confessional groups in Lebanon. The paper studies the process of ideological-political transformation of events, which in some cases results in their mythologization, in prevailing historical discourses.

أستاذ باحث، والمدير العلمي للإصدارات في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مكتب بيروت، لبنان. Research Professor and  Publication Manager of the Arab Center for Research and Policy Studies, Beirut Office, Lebanon.

مقدمة

يميز المؤرخ الفرنسي جاك لوغوف Goff Le Jaques في كتابهالذاكرة والتاريخبين نوعيْ من التواريخ: تاريخ الذاكرة الجماعية، وتاريخ

المؤرخين (يقصد المؤرخين المحترفين). ويصف النوع الأول بالأسطرة أو بالأسطورية، لأنها مشوهة، خالطة للأزمنة، لكنه يعترف، مهما يكن

من أمرٍ، بأنّ هذه الأسطرة أو التشويه حالة معيش Vécue لزمن يتقاطع فيه الماضي والحاضر. أمّا تاريخ المؤرخين فيراه مطلبًا ومسارًا معرفيًا

مصححًا لتاريخ الذاكرة (أي إنه في رأيه مصحح للتاريخ التقليدي المغلوط). والتاريخ بهذا المعنى الاحترافي يضيء الذاكرة ويساعدها على تصحيح

أخطائها وانحرافاتها. لكنّ المشكلة الكامنة في طبيعة العلاقة ومداها بين الذاكرة والتاريخ ليست بهذه البساطة من مستويات الوعي حتى يحصل إدراك هذا

التمييز بفعل أو قرار إرادي فحسب. ففي أغلب الأحيان تخترق صور الذاكرة ومفرداتها ومصطلحاتها الخطاب التاريخي العلمي (وإن صدر هذا الخطاب عن مؤرخ شديد الاحتراف)؛ ذلك أنّ الباحث المؤرخ، سرعان ما يصطدم بمعوقات معرفية عندما يحاول (بوعيٍ) أن يفصل بين

مستويين؛ مستوى البحث التاريخي الذي يتوخى "العلمية" و"الموضوعية" و"الحياد" من جهة، ومستوى تعبيرات الذاكرة الجماعية التي

تتجلّ في الرواية والثقافة الشفوية والعقلية والذهنية، بل إنها تنجلي أيضًا في السلوك والمواقف والرموز واللغة والتقاليد والأعراف وضغوطها نفسيًا واجتماعيًا. فالمؤرخ ابن زمنه وبيئته وثقافته (في الحاضر) وإن كان عمله الذهني - بحسب مارك بلوخ - هو الذهاب والإياب الدائمين بين الماضي والحاضر. صحيح أنّ هذه الحركة من شأنها أن تخفف من حدّة الإسقاطات المتبادلة بين الأزمنة أو أن تتجنبها (أي أن نتجنب إسقاط ماضينا

على حاضرنا، أو أن نتصوّر ماضينا بلغة حاضرنا)، ولكن يبقى الحاضر، نقطة التوازن أو نقطة الارتكاز، وحمّال الهموم، والمثير للقلق والأسئلة. وعبر

هذا القلق يسائل المؤرخ ماضيه في تصوّر معلن أو مكتوم للمستقبل، متفائل أو حذر أو يائس. والماضي ليس وثائق تتكلم وتنطق بذاتها فحسب،

بل إنّ هذه الوثائق أيضًا مشبعة بلغة الذاكرة، فهي تُستنطق وتُستقرأ لتصبح معطيات مفيدةً لإعادة بناء الماضي، بما في ذلك ماضي الذاكرة. ولعلّ أبرز من أثار، فلسفيًا وإبستمولوجيًا، إشكاليات العلاقة المركبة بين الذاكرة والتاريخ، مضيفًا بعد "النسيان" إلى هذه العلاقة الثنائية،

هو بول ريكور Ricoeur Paul في كتابه المهم التاريخ، الذاكرة، النسيان. فالمؤلف ينبّه المؤرخين لأنواعٍ من الانحرافات الممكنة والمحتملة

للذاكرة. فتحت عنوان "الذاكرة المتلاعب بها"، يقول ريكور: "إنّ قلب المشكلة، هو في تعبئة الذاكرة من أجل خدمة السعي للهوية أو طلبها أو

المطالبة بها. وينتج من ذلك انحرافات نعرف بعض أعراضها المقلقة: الإفراط في الذاكرة في مكان ما (...) يعني عمليات سوء استعمال للذاكرة)...(، وهناك نقص في الذاكرة في مكان آخر (...)، يعني هناك سوء استعمال للنسيان... إلخ". والسبب في ذلك، في رأي ريكور، هو "هشاشة الذاكرة المتلاعب بها في إشكالية الهوية". هذه الهشاشة تضاف إلى الهشاشة المعرفية الناتجة من القرابة القائمة بين الخيال والذاكرة، ولا سيما عبر

رابط الشهادة الشفوية. ويذكّرنا ريكور بثلاثة أسباب لهشاشة الهوية القائمة على الذاكرة، هي: العلاقة الصعبة مع الزمان؛ وهذه صعوبة أولية تبرر بالضبط اللجوء إلى الذاكرة، بما هي عنصر مكوّن زمني للهوية على صلة بتقدير

الحاضر وإسقاطه على الماضي. ӵ ӵ مواجهة الغير الذي نشعر به كتهديد.

Jaques Le Goff, Histoire et mémoire (Paris: éditions Galimard, 1988), p. 194. Paul Ricoeur , La mémoire, L'Histoire, L'Oubli (Paris: Seuil, 2000), p. 97  -  99.

بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، جورج زيناتي (مترجم ومقدّم)، (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009)، ص  136 - 137.

3 Ricoeur, p. 98.

إرث العنف المؤسس لمجدٍ أو لمذلة؛ فالحوادث تعني لبعضٍ المجد، وتعني لبعضٍ آخر المذلة. تأسيسًا على هذه المعطيات المفاهيمية، يمكن أن نتدارس عددًا من الخبرات التاريخية التي تمثّلت بكتابات تاريخية معيّنة، حملت

تصوراتٍ تاريخيةً لأحداثٍ عبّت عن نفسها بلغة الذاكرة والهويات، والأيديولوجيات. فكانت هذه الأيديولوجيات هي اللغة الغالبة على لغة فهم

المصالح والمسارات التاريخية والمحددات الأساسية في صناعة التاريخ، ولا سيما التاريخ العالمي. يمكن أن نختار في هذه المداخلة الموضوعات التالية: ӵ ӵ سايكس - بيكو في الذاكرة التاريخية العربية. ӵ ӵ مسألة الخلافة وإلغاؤها بقرار أتاتورك. ӵ ӵ الذاكرة التاريخية الجماعية لطوائف لبنان.

سايكس - بيكو

هي عبارة عن محادثات جرت عام 1916 بين مندوب بريطانيا سايكس Sykes، ومندوب فرنسا بيكو Picot، ومندوب روسيا سازانوف Sazonov Sergei، للتباحث في مصير بعض أراضي الدولة العثمانية وطريقة اقتسامها بصيغة "مناطق نفوذ"، حيث يكون لروسيا منطقة نفوذ في إسطنبول والدردنيل والبوسفور وبعض أقسام من الأناضول، ولبريطانيا نفوذ في القسم الجنوبي من سورية، ولفرنسا نفوذ في القسم الشمالي والساحلي. أمّا فلسطين، فتكون تحت إدارة دولية. الخلاصة أنّ محادثات سايكس - بيكو بعد انسحاب روسيا من الحرب، بقيت سيناريو فرنسيًا - بريطانيًا من سيناريوهات الحرب كأحد

مشاريع مناطق النفوذ، إلا أنّ هذا السيناريو لم يَجر تطبيقه بعد الحرب كلّيًا؛ ذلك أنّ موازين القوى العسكرية بين الدولتين وجغرافيا الاحتلالات

العسكرية هي التي أوجدت واقعًا جديدًا حدّد معالم التقسيم الذي جرى في مؤتمر سان ريمو عام 1920؛ إذ تمّ توزيع الانتدابات على دول ناشئة،

وكُرّس هذا التقسيم لاحقًا بصيغة تأسيس هويات وطنية أي جنسيات في معاهدة لوزان (عام  1923). وعلى الرغم من أنّ خريطة سايكس - بيكو

لم تُطبّق، فإنّ خبرها ك "مؤامرة" استدخل كحدث تاريخي مصيري في ميثولوجيا الذاكرة التاريخية العربية للأمة، بوصفه لحظة انكسار للأمة،

ولحظة تجزئة وتفتيت، ولحظة هزيمة وإفشال لمشروع الوحدة العربية. وإذ لا تزال لازمة سايكس - بيكو، تتكرر في الخطاب القومي العربي، وكأنها لعنة أبدية نزلت بالأمة، تلغي هذه اللازمة تفاصيل التاريخ ومراحله وتحولاته وانعطافاته وما استجد وما استحدث خلال قرن من الزمن من تأسيس دول وكيانات وطنية ودول - أمم في العالميْ العربي والإسلامي، ومن مسارات داخلية في الإدارات والاقتصاديات ونشوء النخب

والأجيال وتجددها. ننسى أولً معاهدة "لوزان" التي هي محطّة من محطّات تشكّل النظام العالمي الجديد الذي دشنته "عصبة الأمم"، والتي هي أيضًا المحطة التأسيسية لدول المشرق العربي الناشئة على مبدأ "الهويات الوطنية" nationalités des Principe، بل ننسى معاهدة "سيفر" Sèvres التي ألغى أتاتورك مضمونها التقسيمي المتعلق بتركيا، في حين بقي المضمون الذي يتعلّق بتقسيم المشرق العربي والذي جسّدته قرارات سان ريمو. بكلمة يُنسَ "الذي" صنع التاريخ الفعلي؛ أي العوامل والمحددات الفعلية، ويُستعاض منها بذاكرة وهمية، تضطلع فيها أسطورة سايكس

- بيكو بالدور المحدّد لتاريخٍ نعيشه حاضرًا كمواط ين في دول، ونعيشه ماضيًا كمأساة، ونترقب له مستقبلً مهدّدًا بمزيدٍ من التجزئة والتقسيم.

فكلما مرّ مجتمع عربي ما بأزمةٍ سياسية أو بصراع داخلي، أو حربٍ أهلية، يلوح شبح التدخل الأجنبي عنصرًا مهددًا بالعودة إلى سايكس- بيكو

كمرجعية تقسيم وإعادة تقسيم.

هذا ما لاحظناه ونلاحظه في كثير من الأدبيات المشرقية التاريخية والسياسية؛ في الخطاب التاريخي، وفي الخطاب السياسي وفي الخطاب الإعلامي، وحتى في اللغة المحكية في المجالس. لكن أبرز ما يُنسى في الوعي التاريخي العربي المشرقي سؤال المقارنة بين مصير سيفر المعاهدة القاضية باستسلام تركيا وتقسيمها، ومصير

سايكس - بيكو، وهي لا تعدو أن تكون محادثات وسيناريو فرنسيًا - بريطانيًا لم يحظَ بالتطبيق. يكمن الجواب في ضرورة إعادة النظر في تاريخ هذه المرحلة، والبحث عن فرضية تاريخية تقول إنّ مقاومةً تركية بقيادة مصطفى كمال

نجحت في إسقاط سيفر، وإنّ مقاومةً عربيةً منقوصةً أو متعثرةً لأسباب عديدة، فشلت في إسقاط قرارات التقسيم سواء نصّت عليها محادثات

سايكس - بيكو أو كانت قرارات سان ريمو في مؤتمر الصلح بين الحلفاء. هكذا يعيش القومي العربي في الواقع مفاعيل لوزان في دولته القُطرية، انتماءً فعليًا إلى جنسية Nationalité، وفي ظل دستور وعلاقات

دولية، وقانون دولي، في حين يظلّ ينعى في ذاكرته حدثًا أرشيفيًا اسمه سايكس - بيكو. وهنا تجوز المقارنة، أو التشبيه، بين صورة حدث إلغاء الخلافة في الذاكرة الإسلامية العربية المعاصرة وصورة سايكس - بيكو في الذاكرة القومية العربية المعاصرة. ونرجّح أنّ ما يجمع بينهما هو ذاكرة تاريخية أسطورية خالطة للأزمنة، مجمّدة ومكرّرة لحدث يأبى أن يتحرك في سياق

تاريخي، تجاوزته الأزمنة. في تركيا حصل التجاوز في دولة/ أمة، وفي العالم العربي في بناء دول وطنية، قطعت أشواطًا في تطورها، وإن كان مطلب الوحدة العربية في دولة/ أمة، أو في اتحاد فدرالي، أو كونفدرالي، مشروعًا، فهو مشروع مستقبلي تحدّد شروطه (أيْ شروط تحققه)، إمكانات

الحاضر والواقع ومخططات المستقبل، وليس الذاكرة التاريخية لجغرافية سايكس - بيكو أو لذكرى خلافة وهمية لم تكن موجودة في الواقع.

إلغاء الخلافة

شكّل حدث إلغاء الخلافة على يد أتاتورك في حينه حدثًا مصيريًا كبيرًا وتأسيسيًا على طريق إنشاء الجمهورية التركية الحديثة، ولكنه في

المقابل شكّل نوعًا من فاجعة لقطاع من الجماهير الإسلامية الواسعة، لكنّ المفارقة أنّ "الفاجعة بمصابها" لم تُصب الجماهير المسلمة القريبة

جغرافيًا من الحدث أو المعنية به مباشرةً (أي الأتراك)، بل أصابت الجماهير المسلمة في الهند. طبعًا، للمفارقة أسبابها هنا وهناك. ففي الإسلام الهندي، ثمّة ح ين من بُعد وتوق إلى مخلّص يأتي من أسطورة إمبراطورية إسلامية

تمثّلت بفتوحات ومواجهات كبرى مع الغرب، في حين أنّ الإسلام التركي يشهد باستسلام خليفة للغرب يقبل بمعاهدة مذلّة هي معاهدة سيفر

القاضية بتقسيم تركيا، كما يشهد بنهوض قائد جديد يرفض سيفر ويجمع فلول الجيش التركي ليحوّله إلى نواة حركة تحرر وطني فاعلة وظافرة

هو مصطفى كمال. أمّا الإسلام العربي، فكان "بين بين"، أو "في منزلة بين المنزلتين"؛ فهو إعجاب بالغازي الجديد (أي بمصطفى كمال)، ونزوع إلى التمثل

به في صورتين عند القوميين، قائدًا قوميًا (صورته مثلً عند عبد الرحمن الشهبندر أحد قياديي الثورة السورية آنذاك)، وعند بعض الإسلاميين

(رشيد رضا مثلً) مرشحًا لخلافة إسلامية جديدة لولا "انحرافه" نحو العلمانية. إلى جانب هذا الإعجاب العربي الملتبس، ثمّة سعي لدى بعض الحكام (الملك فؤاد في مصر، والملك عبد العزيز آل سعود في السعودية)

لاستثمار الفراغ السياسي والرمزي الذي تركه إلغاء الخلافة. أمّا علماء الأزهر فيؤجلون القضية (أي تنصيب خليفة)، لأنّ شروطها التاريخية غير

متوافرة، وكان هذا أيضًا موقف رشيد رضا تجاه مؤتمر الخلافة (1926.)

4 للاستزادة في هذا الشأن، انظر: وجيه كوثراني، الدولة والخلافة في الخطاب العربي إبان الثورة الكمالية فيتركيا (بيروت: دار الطليعة،  1996)، ص  5  -  40.

ثمّة حدث آخر له علاقة بإلغاء الخلافة أو التمهيد لهذا الإلغاء، ونعني به إنتاج خطابيْ أحدهما تركي والآخر عربي. فالخطاب الأول، وهو

الخطاب التركي، تمثّل بوثيقة التفريق بين السلطنة والخلافة المعروفة بوثيقة أنقرة، وهي بعنوان "الخلافة وسلطة الأمة" (عام 1922)، وهو الخطاب الذي يمهّد للإلغاء ويؤسس له معرفيًا، ومن زاوية علم أصول الفقه والتاريخ الإسلامي ومعطيات التاريخ الإسلامي. أمّا الخطاب الثاني، وهو الخطاب العربي، فقد تمثّل بكتاب علي عبد الرازق الإسلام وأصول الحكم (عام 1925)، وهو أشبه باستعادة

لمفاهيم الوثيقة التركية التي كانت قد تُرجمت إلى العربية عام 1924، ويبرر عبد الرازق عبرها دعوته لاعتماد علم السياسة مرجعًا لاستنباط أنظمة

حكم، بدلً من فقه الخلافة وأحكامه. يعرف المؤرخون ما جرى بعد ذلك. فتركيًا، تمّ ترسيخ الجمهورية والعلمانية في تركيا، واستدخال وثيقة أنقرة ومفاعيلها في الثقافة الدستورية

التركية الحديثة. وعربيًا، يُزدرى كلام عبد الرازق ويُهان الرجل، سواء من الأزهر أو من الملك، بل حتى من سعد زغلول رئيس حزب الوفد. من المهمّ أن يُتابع المؤرخ العربي دراسة المسارين، مسار النجاح التركي في تأسيس جمهورية مدنية (دولة مدنية)، ومسار التعثّ العربي في

تأسيس هذه الدولة. وفي هذا السياق من المُجدي طرح السؤال التالي: لماذا يُكرر الخطاب العربي الإسلامي لازمة الخلافة في كلّ مناسبة يدور

الحديث فيها عن السلطنة العثمانية ونهايتها، أو في كلّ مناسبة يجري فيها الحديث عن الاستعمار الغربي ومشاريع الاقتسام والتجزئة؟ ولماذا لا نلاحظ الظاهرة نفسها في الخطاب التركي الإسلامي؟ الجواب، أنّ السلطنة العثمانية لم تكن خلافةً، وأنّ أمر الخلافة انتهى مع تغلّب البويهيين، ثمّ تغلّب السلاجقة في الشرق، وأنّ أمر

السلطنة، أو الدولة السلطانية وتعددها في العالم الإسلامي، أضحى أقوى وأمكن، وأنّ أمر تنازل آخر خليفة عباسي عاش في كنف المماليك للسلطان سليم قصة مُقحمة اختُعت في القرن الثامن عشر، بعد أن بان ضعف السلطنة وانكسرت شوكتها وهيبتها، فالتجأ السلاطين إلى اللقب الديني، وقد كانت ألقاب "سلطان السلاطين" و"ملك الملوك" و"شاه الشاهات" أكبر من لقب "خليفة"، ولها الأولوية في التعداد البروتوكي. وبعدُ، لماذا ظلّ الخطاب العربي الإسلامي مصُرًّا على تكرار مصطلحي "الخليفة" و"الخلافة" حتى اليوم؟ لحاضر متوتر ولمستقبل متخيل،

ولماضٍ مفترض؟ أعتقد أنّ تكرارًا للمفردة مريحٌ للعقل ومُغنٍ عن تعب البحث، ومُعزٍّ النفس بحلاوة السلطة والسلطان، ومعوضٌ عن عناء

التخطيط، ومغذ لمشروع سلطوي يستقوي بالدين والعاطفة الدينية. لقد اخترعت الحزبية الإسلامية المعاصرة هذه الدعوة، فحملها الخطاب تكرارًا وتردادًا جيلً بعد جيل، ونصًا بعد نص وحاشيةً بعد حاشية، فكأنها "الحقائق الأبدية"، لكنها حقائق تغلق باب التاريخ، باب اكتشاف

الماضي وباب تغيير الحاضر نحو المستقبل.

5 انظر نص الوثيقة كاملً في: كوثراني، ص 215  -  248. 6 يبحث أسد رستم في حقيقة هذه القصة فيقول: "إنّ هذا القول على شهرته ليس بالقول المرضي عند المحقق المتروّي لأنه لا يمكن التسليم به والأصول التاريخية خالية

منه. راجعنا الجزء الأخير من كتاب بدائع الزهور في وقائع الدهور لمحمد بن إياس المتوفي حوالي سنة 1523 م. وقرأنا فيه أخبار واقعة مرج دابق، واحتلال حلب ودمشق وغزة،

وواقعة الريدانية، ودخول العثمانيين القاهرة وخروجهم منها، ورجوعهم ظافرين للقسطنطينية. قرأنا هذا كلّه ولم نجد ذكرًا للخلافة فيه ولا لتخلي المتوكل عنها. ولم يكن ابن

إيّاس ممن يعتنف الأمور فيأتيها بغير علم ولا ممن يغفل عن الحوادث ولا سيما إذا كانت ذات شأن. فإنك لو قرأت ما كتبه من أخبار سنة 1516 و 1517 عن السلطان سليم

وعن علاقته بالمتوكل على الله، ظننت أنه كان يتعقب خطواتهما ويسأل عنهما كلّ وارد وصادر. تراه يذكر ما تحادثا به في حلب بعد معركة مرج دابق، وما دار بينهما في القاهرة

بشأن ابن العداس، وبشأن زوجة السلطان طومان باي، وبشأن القاضي شمس الدين وحيش. وتراه يصف خروج الخليفة من مصر وذهابه إلى القسطنطينية ووصوله إليها

وسكناه فيها، ويدوّن الأدعية التي تُليت للسلطان سليم في جوامع سورية قبل فتح مصر والأدعية التي تُليت في مصر بعد فتحها. تقرأ كلّ هذا ولا تجد شيئًا في تخلّ المتوكل

على الله عن الخلافة. وليس في مجموعة فريدون التركية - وفيها رواية شاهدي عيان - ولا في كتاب السلطان سليم نفسه إلى ابنه سلمان بتاريخ كانون الثاني 1517 م، ولا في ما

كتبه شاه شروان الشيخ إبراهيم ومظفر شاه الثاني - وكلاهما معاصر لهذه الحوادث - ما يؤيد رأي مؤرخي اليوم في هذا القبيل". انظر: أسد رستم "السلطان سليم والخلافة"،

في: آراء وأبحاث (بيروت: منشورات الجامعة اللبنانية، 1967)، ص  16  -  17.

ذاكرات الطوائف اللبنانية في التأريخ ل "مايض لبنان"

يُعنى هذا الجانب من الدراسة بدعوة كمال الصليبي إلى تصحيح هذه الذاكرات (ما لها وما عليها) وبكيفية تصحيحها. لقد طرح كمال الصليبي صورًا من الذاكرة الجماعية المارونية في استذكار تاريخ الإمارة المعنية في لبنان ليصل إلى دحضها عبر الاشتغال

بالوثائق والمصادر، من ذلك مثلً أنه: يدحض قصة آل معن وقدومهم إلى الشوف كما يرويها طنوس الشدياق: "ليس هناك في التواريخ ما يثبت هذه القصة، بل هناك في القصة ذاتها أخطاء تاريخية واضحة، ممّا يشير إلى أنها محاولة متأخرة لفهم أصل الإمارة المعنية في الشوف" (مصادره في نقد رواية

الشدياق: صالح بن يحيى التنوخي في النصف الأول من القرن الخامس عشر، وابن سباط الفقيه في الربع الأول من القرن السادس عشر، حيث لا إشارةَ إلى هذه القصة.) يدحض قصة لجوء فخر الدين وشقيقه الأصغر يونس بعد وفاة والدهما قرقماز إلى كسروان حيث تربّيَا في كنف آل الخازن. يقول:

"ليس هناك ذكر لهذه القصة في 'تاريخ الأمير فخر الدين المعني' للخالدي الصفدي الذي عاصر فخر الدين وعمل في خدمته، ولا في تاريخ المحبي الدمشقي المتوفى عام  1699 ".

إضافةً إلى ذلك، لا ذكرَ لقصة لجوء فخر الدين وشقيقه إلى كسروان عند آل الخازن، لا في تاريخ الدويهي تاريخ الأزمنة

(بيروت، 1951 ص  284 - 285)، وكذلك لا ذكر لهذه القصة في كتاب الأمير حيدر الشهابي المتوفّ في عام  1835. يقول كمال الصليبي: "لعلّ أوّل من روى قصة لجوء الأميرين فخر الدين ويونس إلى كسروان هو الشيخ شيبان الخازن المتوفى عام 1850.

وقد انتقد هذا المؤرخ البطريرك الدويهي لأنه لم يذكر ماذا حدث للأخوين المعنيين في السنوات الستّ التي تلت وفاة والدهما". يرى الصليبي أنّ الشدياق تبنّى هذه القصة وأضاف إليها اسم الحاج كيوان الماروني الذي خبّأ الولدين في بلّونة، وهذه القصة يستعيدها

أيضًا عيسى إسكندر المعلوف المتوفى سنة 1956. وفي رواية المعلوف بعض الإضافات إلى القصة، أهمها اجتهاده في تعريف الحاج كيوان. ويخلص الصليبي إلى القول: "هكذا تروي تواريخنا التقليدية قصة لجوء فخر الدين وأخيه يونس إلى كسروان وتربيتهما في كنف آل

الخازن. وأقلّ ما يقال عن صحة هذه القصة أنها غير ثابتة. والمرجح أنها محاولة متأخرة يرجع تاريخها إلى أبعد من أواخر القرن الثامن عشر

لتفسير أساس العلاقة بين الأمير فخر الدين وآل الخازن وعطف الأمير على الموارنة بشكل عام"ّ. أمّا في ما يتعلق بحكم فخر الدين للبلاد، "أي سلطته"، فلا يراه ذا طبيعة واحدة. يسأل: ما هي السيطرة التي كانت لفخر الدين على

مختلف المناطق التي دخلت تحت حكمه؟ وهل كانت هذه السيطرة من نوع واحد في جميع هذه المناطق؟ ويجيب: "كان فخر الدين من الناحية

الرسمية، ملتزمًا لجباية الضرائب، لا غير، في جميع المناطق التي سيطر عليها. إلّ أنّ مكانته الحقيقية في المناطق الدرزية وكسروان كانت تختلف

كثيرًا عنها في المناطق الأخرى. ففي الشوف كان لفخر الدين حكم تقليدي موروث مستقل تمام الاستقلال عن الالتزام الرسمي المرتبط بالدولة.

7 أستعيد في هذا القسم جزءًا ممّا سبق أن قدمته في محاضرة عن كمال الصليبي، في ندوة تكريمية للمؤرخ بالجامعة الأميركية في بيروت، في 2 أيار/ مايو 2012:. انظر

وجيه كوثراني، إشكالية الدولة والطائفة والمنهج في كتابات تاريخية لبنانية: من لبنان الملجأ إلى "بيوت العناكب" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة/

بيروت، 2014.) 8 كمال الصليبي، "فخر الدين الثاني والفكرة اللبنانية" في: أبعاد القومية اللبنانية: محاضرات جامعة الروح القدس (لبنان: الكسليك،  1970)، ص  88. 9 المرجع نفسه. الغرر الحسان في تواريخ حوادث الزمان (القاهرة: د. ن، 1900)، ص  619. 11 الصليبي، "فخر الدين الثاني.."، ص  91  -  92. 12 المرجع نفسه، ص  94  -  95.

التزام من الدولة تدعمه قوة الأمير العسكرية".

حتى أصبح فخر الدين في نظر اللبنانيين اليوم رائد الاستقلال اللبناني ورمز الوحدة الوطنية".

أشرنا إليها: فكيف يتصوّر اللبنانيون ماضيهم؟

متمثّل بالفصول التالية:

الوطن الملجأ، ذلك أنه يمارس نقدًا لنظرية الأب لامنس Lammens Henri التي تقول بالجبل - الملجأ. لبنان العثماني: ما خصوصيته؟ فهو يرى أنْ لا خصوصيةَ مميزةً له من بقية المناطق العربية. لِلُبنان، وقد تناولها كمال الصليبي بالنقد لأنها تقطع مع المرحلة الإسلامية قطْعًا مفتعلً وغير تاريخي.

الخلل والتفاوت في التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي أوصل إلى سنة  1975. النظر إلى تاريخ لبنان. ويتلخص هذا المنظور بالنقاط التالية:

طائفية فشلت في كتابة تاريخ مدرسي.

13 المرجع نفسه، ص  109. 14 المرجع نفسه، ص  110. 15 كمال الصليبي، عفيف الرزاز (مترجم)، بيت بمنازل كثيرة - الكيان اللبناني بين التصور والواقع (بيروت: مؤسسة نوفل، 2013.)

وفي المناطق الدرزية الأخرى حيث لم يكن للمعنيين حكم موروث كان لفخر الدين - إضافةً إلى الالتزام - زعامةٌ شخصية معترف بها على الدروز

"القيسية"، وهي كذلك زعامة من النوع التقليدي المحلّ الخارج عن سلطة الدولة. وكان لفخر الدين في كسروان تبعية تلقائية بين الموارنة، ممّا

جعل له في هذه المنطقة أيضًا مكانةً خاصةً مستقلةً عن الدولة"، ويضيف: "أمّا خارج المناطق الدرزية والمارونية، فكانت سيطرة فخر الدين مجرد

على أنّ هذا التوصيف للواقع، من خلال القراءة الدقيقة والمقارنة بين المصادر، لا يمنع كمال الصليبي من إعادة الأهمية إلى "فكرة فخر

الدين"، ولكن ك "أسطورة" Mythe لها دورها في أسطرة التكوّن التاريخي لِلُبنان الحديث: "بدأت هذه الأسطورة صغيرةً ثمّ نَمت مع نمو لبنان

لكن ما يسكت عنه هذا الاستنتاج الذي يتوصل إليه كمال الصليبي في مقالته "فخر الدين والفكرة اللبنانية"، هو أنّ هذه الأسطورة لا

يُجمع حولها اللبنانيون كصورة وطنية جامعة، أو كتاريخ وطني جامع، أي كذاكرة جماعية وطنية. وهذا ما يقود إلى البحث في المسألة الثانية التي

هذا ما يحاول كمال الصليبي أن يجيب عنه؛ إذ يستعيد صورًا من تواريخ الطوائف اللبنانية، تتناول أصولها ومواقع سكنها وأدوارها

وصراعاتها السياسية، ونبذًا مختصرةً من خصائصها المذهبية والعقيدية. وهو في تناوله لهذه الصور يقدّم لوحةً توليفيةً تختزل ما كان قد

بحث فيه ووسّعه في كتاباته السابقة المتخصصة، أي منطلق تاريخ لبنان الذي ركّز فيه على معطيات التاريخ الوسيط (الإسلامي)، وتاريخ لبنان

الحديث، ومقالات أخرى متخصصة بنقد المؤرخين الموارنة. ولعل أهمّ ما في هذا الكتاب، بالنسبة إلى سياق ما نقدّمه استكمالً لهذا المبحث،

الإمارة المتصوّرة، إذ يستعيد نقده للتصور المسيحي الماروني للإمارة، فيميز بين التصوّر الأسطوري - الأيديولوجي، ومعطيات الواقع التاريخي.

انبعاث فينيقيا، النظرية التي برزت أيضًا لدى بعض المؤرخين الموارنة في مرحلة الانتداب والاستقلال، وهي تقول بالأصولية الفينيقية

التجربة والخطأ، حيث يبرز دور نخب مسيحية وإسلامية - سُنية معتدلة اقتربت بعضها من بعض لتنشئ ما سيسمّى "الميثاق

الوطني" الذي ما لبثت تجربته أن وقعت في أخطاء التطرف والشطط من جرّاء اختراق الطائفيات والعشائريات والمحسوبيات، فكان ويختم كمال الصليبي كتابه بفصلين: "الحرب على تاريخ لبنان" و"البيت والمنازل الكثيرة". وفي هذين الفصلين يقدّم الصليبي رؤيةً لكيفية

لا يمكن لطائفة أن تفرض نظرتها، أي ذاكرتها الخاصة إلى تاريخ لبنان على الطوائف الأخرى. وتستعرض هذه النقطة ثلاث تجارب

تجربة إسلامية سُنية قام بها أستاذان من كلية المقاصد هما زكي النقاش وعمر فروخ سنة 1935؛ إذ ألّفا معًا كتابًا بعنوان تاريخ سورية

ولبنان المصور، جرت فيه تعرية لبنان من كلّ تاريخية خاصة به خارج الإطار العربي- السوري. تجربة مسيحية قام بها أستاذان هما أسد رستم وفؤاد أفرام البستاني سنة  1937، فنشرا كتاب تاريخ لبنان الموجز، وهو بحسب قول

كمال الصليبي "مؤلَّف بالغ بالتشديد على الطابع الخاص لِلُبنان، حتى أنه لم يكن هنالك مسلم واحد مستعد للقبول به ". تجربة درزية متأخرة جرت في غضون الحرب الأهلية في لبنان (في الثمانينيات من القرن الماضي)، حيث اعتُمد "في مدارس الشوف

السرد الدرزي الجديد لتاريخ لبنان، وحيث أجريت تعديلات في منهاج الدراسة تتفق مع الروحية السياسية للجماعة الدرزية"، وكان ذلك في إثر تحطيم تمثال الأمير فخر الدين المعني في بعقلين سنة 1983، كردّة فعلٍ على "التمجيد المسيحي" له.

ويخلص كمال الصليبي إلى القول إنه لا بدّ من حملة تنظيف عامة في بيوت العناكب المنسوجة داخل البنى الطائفية والمذهبية المختلفة

في البلاد لإزالة جميع الأحكام المسبقة والأحكام المسبقة المضادة المتعلقة بماضي لبنان وماضي العرب. ويقصد ب "التنظيف" هنا، نقد النظريات المختلفة التي قدّمتها الطوائف اللبنانية، سواء كان ذلك من وجهة نظر القومية العربية الدمجية، أو من وجهة نظر القومية اللبنانية التي تسعى

نحو الخصوصية؛ من خلال البحث في الفينيقية أو الإمارة أو في نظرية الملجأ. خلاصة موقف كمال الصليبي من التاريخ وعلاقته بالحاضر والمستقبل أنّه لا يمكن بناء دولة - وطن على تاريخ سياسي مختلَفٍ فيه؛ فلا

بدّ من الإقرار بهذا الاختلاف والاعتراف به على قاعدة البحث التاريخي الموصل إلى حقائق تاريخية، وإن تكن هذه الحقائق لا تحمل معاني

الوحدة الوطنية، وهي لا تحملها أصلً. بناءً عليه، يطرح الصليبي على اللبنانيين- كجماعة سياسية - المهمة التالية: "عليهم أن يعرفوا بدقة

من هم وما ارتباطهم بالعالم المحيط بهم. لهذا عليهم أن يعرفوا بدقة لماذا هم لبنانيون وكيف أصبحوا لبنانيين، وهم لم يكونوا في الأصل إل

مجموعةً من الطوائف المتفرقة صودف تواجدها في بقعة واحدة من الأرض. وإن لم يفعلوا ذلك - وبغضّ النظر عن الطريقة التي سيصلح بها

الشجار الحالي في لبنان - فإنهم سيستمرون في البقاء مجموعةً من العشائر البدائية المتنافرة أصلً، تُسمي نفسها عائلات روحيةً دون أن يكون

لها بالضرورة أية علاقة بالروحانيات".

مناقشة كمل الصليبي: من يصحح تاريخ لبنان؟ وما ر شوط ذلك عندما يختلط التاريخ بالذاكرة؟

لعلّ السؤال الذي جرى إغفاله، أو السؤال المسكوت عنه في هذا المشروع الراهن هو التالي: ما هي شروط "الحاضر" التي تمكّن من تصحيح الأحكام المسبقة للوصول إلى المعرفة الدقيقة (الصحيحة)، أي "العلمية"، والتي يطلبها المؤرخ كمال الصليبي من "اللبنانيين"؟ هل يطلبها منهم ك "طوائف" أو كأفراد ومواط ين، أو كمؤرخين من أهل الاختصاص؟ وفي الحالة الأخيرة، ما العمل إذا اختلفت المدارس والمناهج والمفاهيم ما بين المؤرخين أنفسهم؟

16 المرجع نفسه، ص 253. 17 المرجع نفسه. 18 المرجع نفسه، ص 251. ونضيف أيضًا إلى المحاولات التي يشير إليها كمال الصليبي المحاولات التي جرت بعد الطائف (إقرار وثيقة  1990). الأولى عندما كان منير أبو

عسلي رئيسًا للمركز التربوي في لبنان، وقد أنجزت المحاولة بعضًا من المخطط الذي اقترحته اللجنة، غير أنّ وزير التربية عبد الرحيم مراد أوقف العمل بالكتب التي أ نجزت

بحجة مساس بعضها ب "عروبة لبنان"، والثانية في عهد وزارة حسن منيمنة، حين أنجزت اللجنة مخططًا كاملً لكتب التاريخ في المراحل الثلاث: الابتدائية والمتوسطة

والثانوية. هذا المخطط لا نعرف مصيره، لكن ما نعرفه أنّ المشروع تعثّ أيضًا بسبب احتجاجات أصوات حزبية مسيحية على حصر المقاومة في المقاومة الوطنية ضدّ احتلال

إسرائيل واستبعاد "مقاومات أخرى" من التدريس. 19 المرجع نفسه، ص 269.

لنحاول الإجابة عن هذا السؤال المركّب بتفحص الموضوع من زاويتين؛ إحداهما زاوية المؤرخ المحترف (المتخصص)، وهذا الأمر ينطبق على المؤرخ نفسه. فكيف توصّل كمال الصليبي إلى هذه المعرفة التي يودّ أخيرًا تعميمها والنصح بها؟ أمّا الزاوية الأخرى، فهي زاوية الثقافة التاريخية

العامة. وفي هذه الحالة، ما الفارق في أن يعرّف المواطن ماضيه من موقع المواطنية في دولة - وطن (دولة مواط ين)، وأن تعرّف "الطائفة" تاريخها

"كجماعة موحّدة"، وبأيّ صفة؟ بصفتها "الدينية" أو بصفتها "السياسية"، إن جاز التعبير؟ وفي الحالتين عبر "ذاكرتها الجماعية"؟ من زاوية المؤرخ المحترف: كمال الصليبي بين التاريخ التجريبي (الإمبريقي) والتاريخ المفهومي واضح من خلال متابعته الدقيقة للمؤرخين اللبنانيين، ولا سيما المؤرخين الموارنة، وتدقيقه في رواياتهم، ومقارنة بعضها ببعض، ونقدها من زاوية الزيادة أو النقصان، الأقدمية أو الإضافة، والقرب أو البُعد، والمعقولية أو عدمها، أنّ كمال الصليبي ينتمي إلى المدرسة الوضعانية التجريبية

في التأريخ، وهي المدرسة التي تجعل "الحقيقة" تنطق من خلال نقد كمٍّ من الوثائق، أي المصادر الأولى وحدها. لكنّ "الحقيقة" في هذه الحال

تظلّ مرهونةً بجهد اكتشاف مزيد من المصادر، وبتوسّعٍ في المعلومات لا ينتهي. ومن هنا نفهم طول مسار المعرفة التاريخية التجريبية عند كمال

الصليبي عندما يقول في شأن التاريخ لِلُبنان: "كنت في السابق.. أتبع غيري في الاعتقاد (...) فلمّا توسعت معلوماتي ")...(، أي إنّ معلوماته

توسعت من خلال الاطلاع على المصادر الأولى (الوثائق)، فأين يقع الإشكال المعرفي عند كمال الصليبي أو "يتموضع"؟ كان فرنان بروديل Braudel Fernand قد واجه مشكلة التوسع الكمّي في الوثائق ومعلوماتها حين كتابة أطروحته الشهيرة عن المتوسط،

إذ وجد نفسه أمام كمٍّ كبير من المصادر Sources Les التي جمعها من أرشيفات البلدان المتوسطية، كما وجد أنّ الاشتغال بها يقتضي عشرين

عمرًا من حياته، أو عشرين مؤرخًا من أمثاله. فكيف حلّ بروديل هذا الإشكال؟ لقد فعل ذلك من خلال ما يمكن أن نسمّيه "ثقافة المفاهيم" التي تساعد على رسم الإطار النظري للموضوع، أي إنه أدخل البُعد الثاني،

البُعد المفهومي في الممارسة التأريخية. ولا غرابة في ذلك، فهو من روّاد المدرسة التاريخية الفرنسية الجديدة التي تجاوزت المدرسة التاريخية

التجريبية المنهجية، ببنائها جسورًا عابرةً ما بين الأنظمة المعرفية لعلوم الإنسان والمجتمع. فقد بنى بروديل جسورًا ما بين الاقتصاد وعلم

الاجتماع والفلسفة والسياسة والإثنولوجيا والتاريخ الحضاري العالمي المقارن، فأدخل مفهوم التأريخ للمدى الطويل، ومفهوم نسبية سرعة الأزمنة التاريخية بتأثير نظرية النسبية، وميّز بين الزمن الجغرافي شبه الثابت (علاقة الإنسان ببيئته الطبيعية) والزمن الاجتماعي البطيء الوقع

والزمن السياسي المتسارع على السّطح (التاريخ الحدثي)؛ فكانت النتيجة إجراء تلك المصالحة الإبستمولوجية بين بنيوية الإثنولوجيين لدى

ليفي ستراوس Strauss Lévi Claude، وبنيوية المؤرخين الجدد (الحوليات) لدى بروديل، وساعد هذا البناء النظري - المفاهيمي على إعادة بناء طبقات ثلاث من الأزمنة التاريخية تقاطعت وتفاعلت في "قرن طويل" هو القرن السادس عشر المتوسطي، موضوع بردويل الذي جمع فيه ما بين الممارسة التجريبية والبناء النظري والمفاهيمي لهذا القرن. أرجّح هنا أنّ هذا البُعد النظري في الممارسة التأريخية اللبنانية لدى كمال الصليبي كان غائبًا، أو كان قليل الحضور. وهذا الغياب أدّى في

رأيي إلى أن يتأخر كمال الصليبي في اكتشاف نظام الالتزام في الدولة العثمانية وانطباقه أيضًا على جبل لبنان والإمارات المحلية والأهلية فيه.

كان يمكن مثلًالاطلاع على مفهوم الإقطاع في الإسلام، وهو غير الفيودالية في التاريخ الأوروبي الوسيط، وكان يمكن الاطلاع أيضًا على نظام

التيمار في التاريخ العثماني، فضلً عن فائدة المفاهيم الخلدونية بشأن العصبية ونشأة الدولة و"ولاية الطرف" ومفهومي الاستتباع والولاء ما بين العصبيات، وكذلك كتب الخراج والأموال والأحكام السلطانية في الإسلام، قبل أن يكتب كتابه " تاريخ الإمارة اللبنانية". كان يمكن أن تشكّل المعرفة المسبقة لهذا كلّه مدخلً وإطارًا نظريًا لفهم طبيعة الإمارة والأمير، لا في جبل لبنان وحده، بل في كلّ المناطق

العربية، وقبل انتظار "التوسع في المعلومات" الوثائقية اللبنانية أو العثمانية لدى كلّ من تلميذيه عدنان البخيت وعبد الرحيم بو حسين؛ فثمة

20 حوار مع كمال الصليبي، الفكر العربي (كانون الثاني/ يناير 1980)، ص 201.

دينامية جدلية مسرّعة للمعرفة إذا ما اقترن البعدان في المعرفة: البعد التجريبي والبعد المفاهيمي. ومن ذلك التمييز بين حيّز الذاكرة ووظيفتها

وحيز التاريخ (كعلم) ووظيفته. خلاصة القول هنا أنْ لا مشكلة بين مؤرخين محترفين بشأن نظرتهم إلى الماضي، فسواء توصّل هؤلاء إلى حقائق متماثلة أو مختلفة، أو

توصلوا إلى هذه الحقائق تجريبيًا، أي عبر التوسّع التدريجي في الاطلاع على المصادر (كما فعل كمال الصليبي مثلً)، أو عبر استخدام مفاهيم

ونظريات اجتماعية وفلسفية مساعدة، فإنّ مقاربة الحقيقة التاريخية تبقى مسعى معرفيًا نسبيًا، يقترب أو يصيب أو يبتعد، يتأخر أو يبطئ أو

يسرع، غير أنّ المهمّ ألَّ يُوظّف التاريخ في الصراع السياسي الداخلي الراهن، وألَّ تحتويه النظرة "الأنكرونكية" للأزمنة التاريخية أو تسوده (أي

خلط زمن بزمن آخر)؛ كالتأريخ للماضي بمصطلحات الحاضر ومفرداته وصوره، أو كالتعامل مع الحاضر بذاكرة الماضي ومخيالها. من زاوية الثقافة التاريخية العامة: وعي التاريخ بصفة مواطن أو بصفة طائفة؟ عندما يدعو كمال الصليبي "اللبنانيين" (هكذا بالجمع) إلى "تنظيف" بيوتهم من "العناكب"، أي من التشوهات التي أدخلتها الطوائف على تواريخها، فإنه لا يفرق - كما يبدو لي - في الدعوة بين "لبنانيين" يُفترض مبدئيًا أنهم مواطنون، و"طوائف" يُفترض مبدئيًا أيضًا أنها جماعات

دينية أو إثنية، لا جماعات سياسية أو أحزاب. فإلى من يوجه كمال الصليبي الدعوة: إلى اللبنانيين بوصفهم مواط ين أم إلى اللبنانيين بوصفهم "طوائف"؟ وبأيّ صفة يكون هذا التوجيه؟ بالصفة الدينية - المذهبية أم بالصفة السياسية؟ أرجّح أنّ كمال الصليبي يذهب مذهب التوجه إلى الطوائف كجماعات، مازجًا بين خصوصياتها الدينية والمذهبية وتطلعاتها السياسية، إذ

يبدو أنّ "التنظيف" المرتجى لديه يقوم على معادلة ميثاقية (أيضًا): عروبة تهدّئ من غلوّها القومي الدمجي. وقد جرى هذا - بحسب رأيه - في

التجربة اللبنانية، وفي التجربة العربية حينما أصبح الاقتناع بالدولة اللبنانية ضرورةً لبنانيةً وعربيةً مُجمعًا عليها، ولبنانية تحدّ من المبالغة في تمجيد

خصوصيتها ذات الطابع الطائفي - المسيحي. الأمر، إذن، استعادة لميثاقية لبنانية نجحت خلال فترة من تاريخ لبنان المعاصر، في باب التوافق السياسي الميثاقي، ثمّ ما لبثت أن اهتزت بسبب

أخطاء ارتُكبت، فهل لهذه الميثاقية حظّ نجاح أيضًا في باب "التوافق التاريخي"، أو بتعبير أدقّ في باب التوافق ما بين التواريخ (تواريخ الطوائف)؟ يبدو لي أنّ هذه النظرة التي تماثل ما بين التوافق السياسي والتوافق التاريخي، بل التي تجعل من "التوافق التاريخي" شرطًا للتوافق

السياسي، تغفل عددًا من المعطيات والحقائق التي لم تؤخذ في الحسبان: أوّل هذه المعطيات ضرورة التفريق بين الطوائف ذات الخصوصيات الدينية والمذهبية من جهة، والطائفيات السياسية من جهة ثانية.

فهذه الطائفيات تتجسد في زعامات وأحزاب ومؤسسات وسياسات من شأنها تحويل الطائفة من حالة دينية ومذهبية وثقافية إلى حالة كيان سياسي. ثاني هذه المعطيات ضرورة التفريق بين الذاكرة التاريخية الجماعية والمعرفة التاريخية. فالذاكرة الجماعية عفوية وأسطورية بطبيعتها، وخالطة للأزمنة، بل هي مخزن نفسي جماعي يُنقص من الأخبار والصور أحيانًا أو يضيف إليها أحيانًا أخرى، تزيينًا أو تشويهًا.

والزينة والتشويه، على غرار التحسين أو التقبيح، كلّها "رتوش" تنشأ عبر الزمن، وبفعل وطأة الحادث الراهن واستفزازاته وتحدياته واستدعاءاته التي لا تكتفي بأن يكون البشر فاعلين في الحاضر، بل مُغيِّ ين للماضي أيضًا، سواء كان هذا التغيير في اتجاه تقبيحه أو

تحسينه، أو تثويره أو تهدئته؛ بحسب حركة الجدل والصراع بين القوى التي تتلبّس الهويات المختلفة. في حين تنحو المعرفة التاريخية

المحققة (العلمية) نحو الانفصال النسبي عن الذاكرة لتصبح، بالتدرج النسبي، جزءًا من اشتغال العقل التاريخي الناقد للذاكرة نفسها.

21 الصليبي، بيت بمنازل كثيرة، ص 227  -  248.

الملاحَظ في هذا السياق أنّ سؤال السياسة يبقى في خضمّ هذا "الشيء" الملتبس بين الطائفة والطائفية، وبين الذاكرة والتاريخ، وبين

الحقيقة والأسطورة، صامتًا أو مغيبًا. ويبُرز لنا كمال الصليبي "حقائقه التاريخية"، ويقدّم تمنياته ونصائحه إلى اللبنانيين الذين يجب أن يعلموا

"كيف أصبحوا لبنانيين منذ العام 1920 " ويحذرهم من أنهم إذا لم يفعلوا ذلك سيظلون عشائر وقبائل... إلخ. حسنًا، لكن أين هو سؤال السياسة الذي يتجنّبه كمال الصليبي، وهو: من المسؤول عن التجهيل، والتشويه، وبناء بيوت العناكب أو

إدخالها إلى منازل اللبنانيين؟ أهو لاهوت الطوائف أم علم كلامها أو فقهها؟ أم هو سياسيوها؟ ومن هم؟ أهو تاريخ الملل والسلطنات والعائلات

الذي ساد خلال قرون ماضيه أم تاريخ نظام سياسي حديث ومعاصر وأشكال محددة من ممارسة السلطة وتوزيع الثروة وسياسات زبونية محددة

في الاقتصاد والتنمية والتعليم... إلخ؟ تلك الأسئلة غائبة أو مغيَّبة، لكن ما يفصح عنه التفكير التاريخي عند كمال الصليبي هو أنه يراهن على التفريق بين السياسة والتاريخ،

جاعلً نظافة البيت الأول (التاريخ) شرطًا لسلامة السياسة وصحتها. وقياسًا على هذا المنطق، يصبح شرط "تنظيف الماضي" شرطًا لنظافة الحاضر. يبدو لي - مهما يكن من أمرِ منطقية هذا التفكير (شكليًا) - أنّ الهرم التاريخي هنا مقلوب على رأسه. فما ينبغي طلبه ليس تنظيف بيوت

الطوائف (أي تواريخها) ليستقيم أمر الدولة - الوطن، بل تنظيف السياسات أولً بالبرامج والخطط لبناء دولة - وطن، وتنشئة مواطن منفتح على

كلّ المعارف وعلى كلّ الثقافات، ومتفهّم لخصوصيات الطوائف الدينية وذاكراتها التاريخية. عبثًا حاولت التجارب التي يحكي الصليبي حكاياتها في كتابهبيت بمنازل كثيرة أن تنظف البيت المنشود، لأنها انطلقت جميعها، في رأيي،

من الدائرة المغلقة: دائرة الطوائف المستدخلة في الذاكرات الجماعية التي صنعتها الطائفيات السياسية عبر مؤسساتها و"مؤرخيها" وإخبارييها

وسياسييها. وبحسب رأيي، من العبث تنظيف الصورة بسياسات طائفية؛ أي بسياسات غير نظيفة. والواقع أنّ سياسات الحاضر هي الفاعل الأول في سياسات العلم والثقافة والبحث والتربية والتثقيف، وفي التأسيس لبيئة علمية حاضنة

ومشجعة لإعادة النظر في التاريخ، لدرسه والتنقيب فيه والحفر في طبقاته؛ لا عبر نزع قشرة ما علق به من خيوط عناكب طائفية فحسب، بل

عبر كشف أحجبة وأقنعة طائفية وغير طائفية، وحتى أيديولوجية أيضًا، سواء كانت ذات أنسجة قومية أو ماركسية أو ليبرالية. عندها، ومع البيئة

العلمية الحاضنة، لا يحتاج العمل السياسي، ولا السياسات وبرامجها، إلى تاريخ تجري "أسطرته" أو تشويهه لمصلحة حزب أو كيان طائفي

سياسي، كما أنه لا يحتاج إلى دين يجري استخدامه في عملية الاستقواء السياسي؛ ذلك أنّ استخدام التاريخ كصور حافزة ومستثيرة لذاكرة

جماعية طائفية راهنة يماثل تمامًا استخدام الدين في الاستقواء السياسي. لذا، تبدو مطالبة الطوائف بتنظيف تواريخها بمعزل عن علمنة السياسة ومدنيتها بمنزلة الدوران في حلقة مفرغة. وفي حال كمال الصليبي،

تبدو كأنها مطالبة "حكيم" معتزل ومستقيل من السياسة واسى نفسه، وواسى أمثالنا ممّن اعتزلوا السياسة فشلً أو تعبًا أو يأسًا، ولكن ليس

"حكمةً". ذلك وكما أنه لبيت الحكمة أو لبيت الله منازل، فإنّ للتاريخ أيضًا أبوابًا ومنازل. وباب تنظيفه ليس باب الطوائف، بل إنّ الباب والمنزل

هما سياسات حكيمة تنشد بناء دولة - وطن، ودولة مواط ين. عندها، لا همَّ إن اختلفنا في الثقافة التاريخية العامة حول صورة فخر الدين، سواء

كان أميرًا وطنيًا أو ملتزم ضرائب. وكما توصّل كمال الصليبي تدريجيًا وعبر البحث العلمي المتراكم إلى حقيقة تقول إنّ فخر الدين ليس إلّ ملتزم

ضرائب وكان غيره قد سبقه إلى ذلك، فإنّ المعرفة التاريخية يمكن أن تكون حرّةً ومفتوحةً على جميع الأبواب، ومستضافةً في جميع "المنازل."

ليس الماضي سجنًا للسياسة أو راسمًا لها، وليست هي نتاجه الحتمي، وليست الذاكرة الجماعية تاريخًا ثابتًا، وإنما هي جزء من التاريخ متغير

ومتحوّل، وصانع التاريخ ليس الماضي، وإنما هو سياساته في الحاضر.

22 المرجع نفسه، ص 269.

المراجع

العربية

أبعاد القومية اللبنانية: محاضرات جامعة الروح القدس، لبنان: الكسليك، 1970. آراء وأبحاث، بيروت: منشورات الجامعة اللبنانية،  1967. الصليبي، كمال. حوار في: الفكر العربي (كانون الثاني/ يناير 1980.) ريكور، بول. الذاكرة، التاريخ، النسيان، جورج زيناتي (مترجم ومقدّم)، بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009. الشهابي، حيدر. الغرر الحسان في تواريخ حوادث الزمان، القاهرة: د. ن، 1900. الصليبي، كمال. عفيف الرزاز (مترجم)، بيت بمنازل كثيرة - الكيان اللبناني بين التصور والواقع، بيروت: مؤسسة نوفل، 2013. كوثراني، وجيه. إشكالية الدولة والطائفة والمنهج في كتابات تاريخية لبنانية: من لبنان الملجأ إلى "بيوت العناكب"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة/ بيروت، 2014. كوثراني، وجيه. الدولة والخلافةفيالخطاب العربي إبان الثورة الكماليةفيتركيا، بيروت: دار الطليعة،  1996.

الأجنبية

References

• Le Goff, Jaques. Histoire et mémoire, Paris: éditions Galimard, 1988. • Ricoeur, Paul. La mémoire, L'Histoire, L'Oubli, Paris: Seuil, 2000.