شعريّةُ التاريخ
The Poetics of History
الملخّص
يبقى عمل هايدن وايت تاريخ التاريخ: المخيّلة التاريخية في أوروبا القرن التاسع عشر (صدرت طبعته الأولى في عام 1973، ونقدّم هنا ترجمة "المدخل" فيه) كتابًا أساسيًا في فهم طبيعة الكتابة التاريخية. يرى وايت في هذا العمل الكلاسيكي أنَّ ثمّة محتوى بنيويًا يكمن وراء المستوى السطحيّ الذي تبديه النصوص التاريخية. وهذا المحتوى الشعري والألسني الذي يدعوه وايت "العنصر الميتا تاريخي"؛ يعمل في الأساس كإطار مفهومي حاكم (بارادايم) لما يجب أن يكون عليه التفسير التاريخي اللائق. وكي يدعم وايت أطروحته، فإنه يحلل أساليب الكتابة المعقدة لدى مؤرّخين مثل ميشليه ورانكه وتوكفيل وبوركهارت، وفلاسفةِ تاريخ مثل ماركس وهيغل ونيتشه وكروتشه. وهذا العمل هو أول عمل في تاريخ التأريخ يركّز على الكتابة التاريخية بوصفها كتابة؛ ما يجرّد التاريخ من مكانته كأساس وطيد للحقيقة الواقعية، ويعلي من شأن السرد بوصفه جوهر التاريخيّة، ويحدد مدى الزيف في كلّ تمييز بين التاريخ والأيديولوجيا على أساس علمية مزعومة تُنْسَب إلى الأول.
Abstract
Hayden White,s Metahistory: The Historical Imagination in Nineteenth-Century Europe has remained an essential book for understanding the nature of historical writing. In this classic work, White argues that a deep structural content lies beyond the surface level of historical texts. This latent poetic and linguistic content - which White dubs the metahistorical element - essentially serves as a paradigm for what an appropriate historical explanation should be. To support his thesis, White analyzes the complex writing styles of historians like Michelet, Ranke, Tocqueville, and Burckhardt, and philosophers of history such as Marx, Hegel, Nietzsche, and Croce. The first work in the history of historiography to concentrate on historical writing as writing, Metahistory sets out to deprive history of its status as a bedrock of factual truth, to redeem narrative as the substance of historicality, and to identify the extent to which any distinction between history and ideology on the basis of the presumed scientificity of the former is spurious.
- الكتابة التاريخية
- ميتا تاريخ
- السرد
- الأيدولوجيا
- أوروبا
- Historical writing
- Metahistory
- Narrative
- Ideology
- Europe
يبقى عمل هايدن وايتتاريخ التاريخ: المخيّلة التاريخية في أوروبا القرن التاسع عشر (صدرت طبعته الأولى في عام 1973، ونقدّم هنا ترجمة "المدخل" فيه) كتابًا أساسيًا في فهم طبيعة الكتابة التاريخية. يرى وايت في هذا العمل الكلاسيكي أنَّ ثمّة محتوى بنيويًا يكمن وراء المستوى السطحيّ الذي تبديه النصوص التاريخية. وهذا المحتوى الشعري والألسني الذي يدعوه وايت "العنصر الميتا تاريخي"؛ يعمل في الأساس كإطار مفهومي حاكم (بارادايم) لما يجب أن يكون عليه التفسر التاريخي اللائق. وكي يدعم وايت أطروحته، فإنه يحلل أساليب الكتابة المعقدة لدى مؤرّخن مثل ميشليه ورانكه وتوكفيل وبوركهارت، وفلاسفةِ تاريخ مثل ماركس وهيغل ونيتشه وكروتشه. وهذا العمل هو أول عمل في تاريخ التأريخ يركّز عى الكتابة التاريخية بوصفها كتابة؛ ما يجرّد التاريخ من مكانته كأساس وطيد للحقيقة الواقعية، ويعلي من شأن السرد بوصفه جوهر التاريخيّة، ويحدد مدى الزيف في كلّ تمييز بن التاريخ والأيديولوجيا عى أساس علمية مزعومة تُنْسَب إلى الأول. كلمت مفتاحية: الكتابة التاريخية، ميتا تاريخ، السرد، الأيدولوجيا، أوروبا
Hayden White,s Metahistory: The Historical Imagination in Nineteenth-Century Europe has remained an essential book for understanding the nature of historical writing. In this classic work, White argues that a deep structural content lies beyond the surface level of historical texts. This latent poetic and linguistic content - which White dubs the metahistorical element - essentially serves as a paradigm for what an appropriate historical explanation should be. To support his thesis, White analyzes the complex writing styles of historians like Michelet, Ranke, Tocqueville, and Burckhardt, and philosophers of history such as Marx, Hegel, Nietzsche, and Croce. The first work in the history of historiography to concentrate on historical writing as writing, Metahistory sets out to deprive history of its status as a bedrock of factual truth, to redeem narrative as the substance of historicality, and to identify the extent to which any distinction between history and ideology on the basis of the presumed scientificity of the former is spurious.
باحث ونائب مدير وحدة ترجمة الكتب في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مكتب بيروت، لبنان. Researcher and deputy director of the book translation unit, Arab Center for Research and Policy Studies, Beirut Office, Lebanon.
هذا الكتاب هوٌتاريخللوعي التاريخي في أوروبا القرن التاسع عشر، لكني أردتُ له أيضًا أن يساهم في النقاش الدائر اليوم حول
مشكلة المعرفة التاريخية. وهو يمثّل، على هذا النحو، وصفًا لتطور التفكير التاريخي خلال فترة بعينها، ونظريةً عامّةً في بنية تلك
الصيغة من الفكر التي تُدعى ب "التاريخية." ما الذي يعنيه أن نفكّر تاريخيًّا، وما الخصائص التي تميّز منهجًا تاريخيًّا على وجه التحديد من مناهج البحث؟ كان هذان
السؤالان محلَّ جدال بين مؤرّخين، وفلاسفة، ومنظّرين اجتماعيين، طوال القرن التاسع عشر، لكن ذلك عادةً ما كان في سياقِ
افتراضٍ مفادُه أنَّ من الممكن تقديم إجاباتٍ عنهما قاطعةٍ لا التباس فيها. كان يُعَدُّ "التاريخ" صيغةً نوعيةً من الوجود، و"الوعي
التاريخي" صيغةً مميزةً من الفكر، و"المعرفة التاريخية" مجالً مستقلً في طيف العلوم الإنسانية والطبيعية. أمّا في القرن العشرين، فجرَتْ ضروب النظر في هذين السؤالين في جوٍّ أقلّ ثقةً بالنفس، وفي خشية من أنَّ الإجابات الحاسمة عنهما
ربما لا تكون ممكنة. وطرح المفكّرون الأوروبيون خارج بريطانيا - من فاليري Valéry Paul وهايدغر Heidegger Martin إلى سارتر Sartre Paul - Jean وليفي ستروس Strauss - Lévi Claude وميشيل فوكو Foucault Michel - شكوكًا جديّةً حول القيمة التي يمكن أن
تكون لوعيٍ "تاريخيٍّ" على وجه التحديد، وشدّدوا على الطابع التخييلي القصصي لضروب إعادة البناء التاريخية، وتحدّوا ادّعاء التاريخ
أنّه يحتلّ مكانًا بين العلوم. وفي الوقت ذاته، قدّم فلاسفة أنكلو - أميركيون متنًا ضخمًا من الأدبيات حول المنزلة المعرفية والوظيفة
الثقافية للتفكير التاريخي، وهي أدبيات تبرّر، حين تُؤخَذ ككلّ، قيام شكوك جدية حيال منزلة التاريخ، سواءٌ أكان ذلك بوصفه علمًا
صًارمًا أم بوصفه فنًّا أصيل. وكان من شأن هذين الخطَّيْ من الاستقصاء أن يخلقا انطباعًا مفادُه أنَّ الوعي التاريخي الذي اعتزّ به
الإنسان الغربي، منذ بداية القرن التاسع عشر، ربما لا يكون أكثر من أساس نظري للموقع الأيديولوجي الذي تنظر منه الحضارة الغربية إلى علاقاتها، لا بالثقافات والحضارات التي سبقتها فحسب، بل أيضًا بتلك المعاصرة لها في الزمان والمجاورة لها في المكان. باختصار،
يمكن النظر إلى الوعي التاريخي بوصفه هوىً غربيًّا خاصًّا يمكّن، على نحوٍ ارتجاعي، من إثبات التفوق المفترض المنسوب إلى المجتمع
الصناعي الحديث. ما أرمي إليه من تحليلي البنيةَ العميقةَ للمخيّلة التاريخية لأوروبا القرنِ التاسع عشر هو تقديم منظور جديد للجدال الراهن حول
طبيعة المعرفة التاريخية ووظيفتها. وهو منظور يجري في مستويين من الاستقصاء. فهو يسعى لتحليل أعمال أساطين التأريخ الأوروبي في القرن التاسع عشر من جهة أولى، وأعمال فلاسفة التاريخ البارزين لتلك الفترة ذاتها من جهة ثانية. والغرض العام هو تحديد الخصائص
هذه ترجمة المدخل لكتاب (المترجم:)
Hayden White, Metahistory: The Historical Imagination in Nineteenth-Century Europe , Fortieth-Anniversary Edition (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2014 [1973]), pp. 1 - 41.
2 انظر: مقالتي 34 - 111. pp), 1966 (2. no , 5 , Theory and History ," History of Burden The "، حيث تجد مناقشة لأسس هذه الثورة على الوعي التاريخي.
أمّا التجليات الأحدث عهدًا، فانظر:
Claude Levi Strauss, The Savage Mind (London, 1966), pp. 257 - 62 ; and idem , "Overture to le cru et cuit ," in Structuralism , ed, Jacques Ehrmann (New York, 1966), pp. 47 - 48.
كما يمكن العودة إلى عملين من أعمال ميشيل فوكو:
The Order of Things: an Archeology of the Human Sciences (New York, 1971) pp. 259 ff.; and L'Arche'ologie du savoire (Paris, 1969), pp. 264 ff.
3 ثمة خلاصة بارعة لجوهر هذا الجدال في:
Louis O. Mink, "Philosophical Analysis and Historical Understanding," Review of Metaphysics , 21 , no. 4 (June, 1968), pp. 667 - 98.
وثمة عرض لمعظم المواقف التي اتخذها المساهمون الأساسيون في الجدال في:
William H. Dray, ed., Philosophical Analysis and History (New York, 1966).. Foucault , The Order of Things , pp. 367 - 73 انظر: 4
المشتركة التي تميّز مختلف تصورات السيرورة التاريخية، وتظهر عمليًّا في أعمال السار دين الكلاسيكيين. كما أنَّ هنالك هدفًا آخر هوِ
تحديد مختلف النظريات التي برّر بها فلاسفةُ التاريخ في تلك الفترة التفكيرَ التاريخي. وبغية تحقيق هذه الأهداف، سوف أنظر في العمل
التاريخي على النحو الذي يظهر عليه بأشدّ الجلاء: أي بوصفه بنية لفظية في هيئة خطاب نثري سردي يزعم أنّه نموذج، أو أيقونة، ل بِنَى
وسيرورات ماضية؛ بغية تفسير ما كانت عليه من خلال تمثيلها. باختصار، إنَّ منهجي شكلاني. ولن أحاول أن أحسم ما إذا كان عملُ مؤرّخٍ روايةً لمجموعة محددة من الحوادث، أو لجزء محدّد
من السيرورة التاريخية، أفضل من رواية مؤرّخ آخر أو أكثر دقّة، بل سأسعى، بدلً من ذلك، لتحديد المكوّنات البنيوية لتلك الروايات. ي ربر هذا الإجراءُ، في رأيي، التركيزَ ع ىل مؤرّخين وفلاسفة من ذوي الإنجاز الكلاسيكي المميّز، أولئك الذين لا يزالون
نماذج معتمَدة في طرائق تصوّر التاريخ الممكنة: مؤرّخون مثل ميشليه Michelet Jules ورانكه Ranke von Leopold
وتوكفيل Tocqueville de Alexis وبوركهارت Burckhardt Ludwig Johann؛ وفلاسفة للتاريخ مثل هيغل Hegel وماركس Marx ونيتشه Nietzsche وكروتشه Croce Benedetto. ولدى النظر في مثل هؤلاء المفكّرين، سوف أبحث قضية أيّهم يمثّل المقاربة
الأصوب للدراسة التاريخية. ذلك أنَّ مكانتهم، بوصفهم نماذج ممكنة للتمثيل التاريخي أو المَفْهمَة Conceptualization التاريخية،
لا تتوقف ع ىل طبيعة "المعطيات" التي يستخدمونها في إسناد تعميماتهم أو النظريات التي يتّكلون عليها في تفس ري تلك المعطيات؛
بل تتوقف ع ىل الاتساق، والتماسك، وقوة الإنارة التي تتسم بها رؤية كلّ منهم للحقل التاريخي. وهذا هو السبب في أنهم لا يمكن "دحضهم"، أو "إثبات خطأ" تعميماتهم؛ سواء أكان ذلك باللجوء إلى معطيات جديدة يمكن أن يضطلع بها بحث لاحق أم بإحكام نظريات جديدة لتفس ري مجموعة الحوادث التي تشكّل موضوعات تمثيلهم وتحليلهم. وتتوقف مكانتهم، بوصفهم
5 أقتربُ هنا، بالطبع، من النظر في المشكلة التي يُعَدُّ التنازعُ عليها هو الأشدُّ في النقد الأدبي الحديث (الغربي)؛ مشكلة التمثيل الأدبي "الواقعي". ثمة مناقشة لهذه المشكلة
في 55 - 221. pp) 1963 , London and Haven New (Criticism of Concepts , Wellek ' Rene. وعمومًا، تتبع مقاربتي هذه المشكلة، كما تظهر في سياق التأريخ، مثال إريك
أورباخ Auerbach Erich، انظر:) 1968 , Princeton (Literature Western in Reality of Representation The: Mimesis , Auerbach Erich. وكانت مسألة التمثيل
"التخييلي" ل "الواقع" قد عولجت برمّتها معالجةً عميقة، مع إشارة خاصة إلى الفنون البصرية، في of Psychology the in Study A: Illusion and Art , Gombrich. H. E
) 1960 , York New and London (Representations Pictorial. ويجد غومبريتش Gombrich نفسه أصول الواقعية التصويرية في الفن الغربي في محاولة الفنا ين الإغريق
ترجمة التقنيات السردية لدى كتّاب الملحمة والتراجيديا والتاريخ إلى مفردات بصرية. ويمكن، على نحوٍ مفيد، مقارنة الفصل الرابع من كتاب غومبريتش المشَار إليه، والذي يتناول
الفروق بين فرط التحديد المفهومي في فن الشرق الأدنى وسرده بتوجههما الأسطوري، وفنّ الإغريق المناوئ للأسطورة، مع الفصل الافتتاحي الشهير في كتاب أورباخ المذكور
سابقًا، والذي يقرّب بين الأساليب السردية التي نجدها في التوراة، وتلك التي نجدها لدى هوميروس Homer. ولا حاجة للقول إنَّ تحليلَ مسيرة "الواقعية" في الفن الغربي
اللذين يقدمهما أورباخ وغومبريتش يختلفان كثيرًا. فدراسة أورباخ هي دراسة هيغلية برمّتها، وقياميّة في نبرتها، أما أعمال غومبريتش فتقع ضمن التقاليد الوضعية الجديدة
(والمناهضة للهيغلية) التي مثّلها كارل بوبر Popper Karl على نحوٍ بارز. لكن العملين يتناولان مشكلة مشتركة: طبيعة التمثيل "الواقعي" التي هي مشكلة التأريخ الحديث.
لكن أيًّا منهما لا يتولّ تحليل مفهوم التمثيلالتاريخيالذي هو مفهوم حاسم، مع أنهما كلَيْهما يُعَدّان ما يمكن أن ندعوه "الحسّ التاريخي"؛ الوجه المركزي ل "الواقعية "
في الفن. ولقد قمتُ، بمعنى ما، بعكس صيغتهما. فهما يسألان: ما المكوّنات "التاريخية" لفنٍّ "واقعي"؟ أما أنا فأسأل: ما العناصر "الفنية" لتأريخ واقعي؟ وفي سعيي للإجابة عن
هذا السؤال، اتّكأتُ بقوة على اث ين من منظّري الأدب تمثّل أعمالهما منظومتين فلسفيتين حقيقيتين؛ هما نورثروب فراي Frye Northrop وكينيث بورك Burk Kenneth،
Northrop Frye , The Anatomy of Criticism: Four Essays (Princeton , 1957); and Kenneth Burk , A Grammar of Motives (Berkeley and Los انظر:
) 1969 , Angeles. أ فَدْتُ أيضًا من قراءة النقّاد البنيويين الفرنسيين: لوسيان غولدمان Goldmann Lucien، رولان بارت Barthes Roland، ميشيل فوكو، وجاك ديريدا Jacques
Derrida. لكني أودّ أن أؤكّد أنني أعدُّ هؤلاء الأخيرين، عمومًا، أسرى إستراتيجيات مجازية في التأويل بالطريقة ذاتها التي كان عليها نظراؤهم في القرن التاسع عشر. لا يبدو
فوكو، على سبيل المثال، مدركًا أنَّ المقولات التي يستخدمها في تحليل تاريخ العلوم الإنسانية لا تزيد كثيرًا على كونها صوغًا للمجازات. وكنت قد أشرت إلى هذا في مقالة لي، انظر:
." Foucault Decoded: Notes From Underground, " History and Theory , 12 no. 1 (1973), pp. 23 - 54
في رأيي، إنَّ النقاش حول طبيعة "الواقعية" في الأدب يتخبّط في إخفاقه في أن يقوّم تقويمًا نقديًّا ما، يتكّون منه تصوّرٌ "تاريخي" أصيل ل "الواقع"؛ ذلك أنَّ التكتيك المعتاد يتمثّل
في وضع "التاريخي" في مواجهة "الأسطوري"، كأنَّ الأول تجريبيأصيل والأخيرّمفهوميفحسب، ثمّ وضع مجال "التخييلي" بين هذين القطبين. وعندها يُرَى إلى الأدب على
أنهواقعيإلى هذا الحد أو ذاك؛ تبعًا لنسبة العناصر التجريبية إلى العناصر المفهومية الموجودة فيه. هذا هو تكتيك فراي، مثلً، وكذلك تكتيك أورباخ وغومبريتش، مع أنه يجب
أن نلاحظ أنَّ فراي كان، على الأقل، قد تناول المشكلة في مقالة موحية، انظر:) 1963 , York New (Identity of Fables in ," Old From Directions New "، حيث يُعنى
بالعلاقات بين التاريخ والأسطورة وفلسفة التاريخ. ومن بين الفلاسفة الذين عُنوا بالعنصر "التخييلي" في السرد التاريخي، وجدت فائدة جمّة لدى:
W. B. Galli , Philosophy and the Historical Understanding (New York, 1968); Arthur C. Danto, Analytical Philosophy of History (Cambridge, 1965); and Louis O. Mink, "The Autonomy of Historical Understanding," in Philosophical Analysis and History , ed. Dray, esp. pp. 179 - 86.
نماذج لل رسد التاريخي أو المَفْهمَة التاريخية، في النهاية، ع ىل الطبيعة ما قبل المفهومية والشعرية تحديدًا التي تَس مُ منظوراتهم في
التاريخ وس ريوراته. وأنا أتّخذ كلَّ هذا م ربِّرًا لمقاربة شكلانية في دراسة التفك ري التاريخي في القرن التاسع عشر. لكنَّ من الواضح مباشرةً، بعد هذا، أنَّ الأعمال التي قدّمها هؤلاء المفكّرون تمثّل تصورات للأجزاء ذاتها من السيرورة التاريخية،
كما للمهمات الملقاة على عاتق التفكير التاريخي، هي تصورات متغايرة؛ يقصي أحدُها الآخر كما يبدو. وحين ننظر إلى هذه الأعمال التي
قدّموها بوصفها بِنَىً لفظيةً محضًا، تظهر كأنَّ لها خصائص شكلية مختلفة، وتهيِّئ الجهاز المفهوميّ المستخدَم لتفسير المجموعات
ذاتها من المعطيات بطرائق مختلفة جوهريًّا. وعلى المستوى السطحي تمامًا، مثلً، فإنَّ عمل مؤرّخ معين قد يكون تزمّنيًّا Diachronic
أو تعاقبيًا في طابعه (يلحّ على واقعة التغيّ والتحوّل في السيرورة التاريخية)، بينما قد يكون عمل مؤرِّخ آخر تزامنيًّا Synchronic وسكونيًّا
في الشكل (يلحّ على واقعة الاستمرار البنيوي). وإذ يمكن لمؤرّخ معيّ أن يرى مهمته استعادة "روح" العصر الماضي، بطريقة غنائية
أو شعرية؛ يمكن لآخر أن يرى مهمته النَّفاذ إلى ما وراء الحوادث؛ كي يكشف "القوا ين" أو "المبادئ" التي لا تمثّل "روحُ" عصر
معين سوى تجلٍّ أو شكلٍ ظاهري لها. ويمكن أن نلحظ فارقًا جوهريًّا آخر في حقيقة أنَّ بعض المؤرّخين يتصورون عملهم، في المقام
الأول، مساهمةً في إلقاء الضوء على مشكلات وصراعات اجتماعية راهنة؛ في حين يميل سواهم إلى كبت مثل هذه الاهتمامات الراهنة، ويحاولون تحديد مدى اختلاف مرحلة معينة من مراحل الماضي عن مرحلتهم، في ما يبدو، بوصفه إطارًا عقليًّا أثريًّا عتيقًا في المقام الأول. باختصار، تبدي التواريخ التي أنتجها المؤرّخون الكبار في القرن التاسع عشر، بوصفها ب نى لفظيةً شكليةً محضًا، تصورات مختلفة
جذريًّا عمّايجبأن يكون عليه "العمل التاريخي". ولذلك، فإنّنا، كي نحدّد الخصائص المشتركة للأنواع المختلفة من التفكير التاريخي
الذي أنتجه القرن التاسع عشر، من الضروري، أولً، أن نبيّ ما الذييمكن أن تكون عليه بنية "العمل التاريخي" النمطية المثالية. وما
إن نضع مثل هذه البنية النمطية المثالية؛ حتى يصبح لديّ معيار لتحديد أيّ الأوجه في عمل معينّ من أعمال التاريخ أو فلسفة التاريخ
هي التي يجب أخذها بالحسبان في الجهد الرامي إلى تحديد عناصر هذا العمل البنيويةالفريدة. ومن ثَمّ يجب أن أكون قادرًا، باقتفاء
التحولات التي تعتري طرائقَ وصف المفكرين التاريخيين تلك العناصر وتنظيمهم إيّاها في سردية بعينها كي تكتسب "أثرًا تفسيريًّا"، على
وضع قائمة بالتغيرات الجوهرية التي اعترت البنية العميقة للمخيّلة التاريخية الخاصة بالفترة قيد الدراسة. وسوف يتيح هذا، بدوره،
التمييز بين مختلف المفكّرين التاريخيين في تلك المرحلة، من حيث مكانتُهم المشتركة حال كونهم مساهمين في عالم مميّز من الخطاب،
أمكن أن توجد ضمنه "أساليب" مختلفة للتفكير التاريخي. نظرية العمل التاريخي أبدأُ بالتمييز بين المستويات التالية للمفَهْمَة في العمل التاريخي (: 1) التسلسل الزمني chronicle؛ (2) القصة story؛ (3) صيغة بناء الحبكة
emplotment of mode؛ (4) صيغة الحجاج argument of mode؛ (5) صيغة التضمين الأيديولوجي implication ideological of mode.
وأستخدم "التسلسل الزمني" و"القصة" كي أشير إلى "العناصر البدئية" في الرواية التاريخية، لكنهما يمثلّان كلاهما عمليات اصطفاء
للمعطيات من سجلّ تاريخي غير مُعالَج، وترتيب لها، بغية جعل ذلك السجل أكثر قابلية للإحاطة به لدى جمهور من نوع معين.
ويمثّل العمل التاريخي، بتصوّره على هذا النحو، محاولةً للتوسّط بين ما سأدعوه الحقل التاريخي، والسجلّ التاريخيَّغير المُعالَج،
ورواياتٍ تاريخية أخرى، وجمهورًا. أولً، تُنظَّم العناصر في الحقل التاريخي في تسلسل زمني من خلال ترتيب الحوادث التي ستُعالَج بحسب الترتيب الزمني لوقوعها؛
ثمَّ يُنظَّم التسلسل الزمني في قصة من خلال مزيد من ترتيب الحوادث وتحويلها إلى مكوّنات "مشهد" أو سيرورة حدوث يُعْتقَد أن
لها بداية، ووسطًا، ونهاية يمكن تبيّنها. ويتحقق هذا التحويل للتسلسل الزمني إلى قصة، بتمييز بعض الحوادث في التسلسل من
حيث حوافزها البدئية، وبتمييز بعضها الآخر من حيث حوافزها الانتهائية، وتمييز بعضها الثالث من حيث حوافزها الانتقالية. ويمكن
لحادثٍ مسجَّلٍ أنّه وقع في زمن معيّ ومكان معيّ أن يتحول إلى حادث افتتاحي بتمييزه على نحو: "مضى الملك إلى وستمنستر في 3 حزيران/ يونيو عام 1321. وهناك كان لقاؤه المصيري مع الرجل الذي سيتحداه في النهاية على عرشه، مع أنَّ الاث ين بدوَا في ذلك الوقت
كمن قُدِّرَ لهما أن يكونا أعزّ صديقين...". ويشير الحافز الانتقالي، من جهة أخرى، إلى القارئ أن يعلّق توقعاته في شأن أهمية الحوادث
التي ينطوي عليها، إلى أن يُقدَّمَ له حافز انتهائي ما: "في أثناء سفر الملك إلى وستمنستر، أبلغه مستشاروه بأنّ أعداءه ينتظرونه هناك، وأن
احتمالات التسوية الملائمة للعرش هي احتمالات ضعيفة". ويشير الباعث الانتهائي إلى نهاية سيرورة متوترة أو وضع متوتر أو إلى حلّهما
الواضح: "في 6 نيسان / أبريل 1333 وقعت معركة باليبورن. وكانت قوات الملك هي الظافرة، ودُح رَ المتمردون. وكان لمعاهدة قلعة هاوث
التي أعقبت ذلك، في 7 حزيران/ يونيو 1333 أن تجلب السلام إلى المملكة، مع أنه كان سلامًا مزعزعًا، لم تمض سبع سنوات حتى تبدد
في لهيب الصراع الديني". وحين توضع مجموعة معينة من الحوادث في سُنّة أو شيفرة على أساس حوافزها، فإنَّ القارئ يُزوَّد بقصة؛
ويتحوّل تسلسل الحوادث الزمني إلى سيرورة تزمّنية مكتملة، يمكن للمرء أن يطرح في شأنها عندئذٍ أسئلة كما لو أنّه يتعامل مع بنية
تزامنية من العلاقات. تقتفي القصصالتاريخية سلاسل الحوادث التي أفضت من افتتاحيات السيرورات الاجتماعية والثقافية إلى نهاياتها (الموقّتة)
بطريقةٍ لا تحتاج التسلسلات الزمنية إلى أن تقوم بها. والتسلسلات الزمنية، لو شئنا الدقة، مفتوحة النهاية. وهي، من حيث المبدأ،
ليس لها افتتاحيات؛ إذ "تبدأ" ببساطة حينما يبدأ الأخباريّ تسجيل الحوادث. وليس لها ذَُرى أو حلول، ويمكنها أن تتواصل إلى ما
لا نهاية. أمّا القصص فلها شكل يمكن تبيّنه (حتى عندما يكون ذلك الشكل صورةَ حالة من الفوضى)، وهذا الشكل يحدّ الحوادث
المحتواة فيها، ويفصلها عن الحوادث الأخرى التي قد تظهر في تسلسل زمني شامل للسنوات التي يغطيها تكشّف هذه الحوادث. يُقال في بعض الأحيان إنَّ هدف المؤرّخ هو أن يفسّ الماضي من خلال "إيجاد" ما تنطوي عليه التسلسلات الزمنية من "قصص"
أو "تحديدها"، أو "كشفها"؛ وإنَّ الفارق بين "التاريخ" و"التخييل" يكمن في واقعة أنَّ المؤرّخ "يجد" قصصه؛ في حين أنَّ كاتب
التخييل "يبتدع" قصصه. لكن هذا التصوّر لمهمة المؤرّخ يحجب حجم الدور الذي يؤدّيه "الابتداع" في أعمال المؤرّخ أيضًا. فالحادث
الواحد ذاته يمكن أن يعمل بوصفه عنصرًا مختلفًا باختلاف القصص التاريخية مهما كثرت؛ تبعًا للدور الذي يُنَاط به في تمييز معي
للمجموعة التي ينتمي إليها بحسب الحوافز. فموت الملك قد يكون بداية، أو نهاية، أو حادثًا انتقاليًّا في ثلاث قصص مختلفة. أمّا في
التسلسل الزمني، فأمر هذا الحادث يقتصر على كونه "موجودًا هناك" بوصفه عنصرًا في سلسلة؛ فهو لا "يعمل" بوصفه عنصرًا قصصيًّا.
وما يقوم به المؤرّخ هو أنّه يرتّب الحوادث في التسلسل الزمني في هرم بحسب الأهمية من خلال إناطته الحوادث بوظائف مختلفة؛
6 ما حاولت أن أطوره هنا من تمييز بين التسلسل الزمني والقصة والحبكة قد تكون له قيمة في تحليل الأعمال التاريخية تفوق قيمته في دراسة ضروب التخييل الأدبي.
فبخلاف هذه الأخيرة، مثل الرواية، تتألف الأعمال التاريخية من حوادث توجد خارج وعي الكاتب. والحوادث المسجلة في رواية يمكن اختلاقها بطريقة بحيث لا يمكن لها
أن تكون (أو لا يُفتَض منها أن تكون) قد وُج دَت في التاريخ. وهذا يجعل من الصعب أن نميّز بين التسلسل الزمني للحوادث، والقصّة التي تُحكَ في تخييل أدبي. وبمعنى
ما، فإنَّ "القصة" التي تُحكَ في رواية مثل آل بودنبروكلتوماس مان Mann Thomas لا يمكن تمييزها عن "التسلسل الزمني" للحوادث المسجّلة في هذا العمل، مع أن
بمقدورنا أن نميّز بين "القصة - التسلسل الزمني" و"الحبكة" (التي هي حبكة تراجيديا ساخرة). وبخلاف الروائي، فإنَّ المؤرّخ يواجه فوضى حقيقية من الحوادث المتكونة
مسبقًا، عليه أن يختار منها عناصر القصة التي سيحكيها. وهو يؤلّف قصته بإدناء بعض الحوادث وإقصاء بعضها الآخر، وبالتشديد على بعضها وإخضاع بعضها الآخر. وتُجْرَى
عملية الإقصاء، والتشديد، والإخضاع هذه؛ بغية تكوين قصة من نوع معين. وهذا يعني أنّ الروائي "يحبك" قصته.
حول التمييز بين القصة والحبكة، انظر مقالات شكلوفسكي Shklovsky Viktor وإيخنباوم Eikhenbaum Boris وتوماشيفسكي Tomashevsky Boris، ممثلي مدرسة
الشكلانية الروسية، وذلك في:
Lee T. Lemon and Marion J. Reis (eds.), Russian Formalist Criticism: Four Essays (Lincoln, Neb., 1965); and Frye, Anatomy. pp. 52 - 53 , 78 - 84.
بوصفها عناصر قصصية، على نحوٍ يفتح التماسك الشكلي لمجموعة كاملة من الحوادث التي تُؤخَذ على أنها سيرورة يمكن إدراكها ذات بداية، ووسط، ونهاية؛ يمكن تبيّ كلّ منها. يطرح ترتيب حوادث مختارة من التسلسل الزمني على شكل قصة ضروبًا من الأسئلة؛ على المؤرّخ أن يتوقعها، ويجيب عنها
في سياق بناء سرديته. هذه الأسئلة هي من قبيل: "ما الذي حدث تاليًا؟"، "كيف حدث ذلك؟"، "لماذا حدثت الأمور على هذا النحو
وليس على نحوٍ آخر؟"، "كيف انتهى كلّ ذلك في النهاية؟"، تحدد هذه الأسئلة التكتيكات السردية التي يجب أن يستخدمها المؤرّخ
في بناء قصته. لكن مثل هذه الأسئلة عمّا بين الحوادث من صلاتٍ تجعلها عناصر في قصة قابلة للتتبّعيجب تمييزها من أسئلة من
قبيلٍ آخر: "ما الذي يصل إليه كل ذلك؟"، "ما غاية كلّ هذا؟"؛ هذه الأسئلة لها علاقة ببنية مجموعة الحوادث الكاملة التي تُؤخَذ على أنها قصة مكتملة، وتدعو إلى حكم إجمالي على العلاقة بين قصة معينة وقصص أخرى يمكن "إيجادها" في التسلسل الزمني"، أو تحديدها"، أو "كشفها" هناك. ويمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بعدد من الطرائق. وأدعو هذه الطرائق (1) تفسيرًا من خلال بناء
الحبكة، (2) تفسيرًا من خلال الحجاج، و (3) تفسيرًا من خلال التضمين الأيديولوجي. التفسير من خلال بناء الحبكة يُدعَى توفير "معنىً" لقصةٍ من خلال تحديد نوع القصة المحكيّة باسم التفسير من خلال بناء الحبكة. فحين يزوّد المؤرّخ
القصة، في سياق سرده لها، ببنيةِ حبكةٍ تراجيدية فإنه "يفسّها" بطريقةٍ؛ وإذا ما بناها بوصفها كوميديا فإنّه "يفسرها" بطريقة أخرى.
بناء الحبكة هو الطريقة التي تتكشف بها تدريجًا سلسلةٌ من الحوادث المصوغة قصصيًّا بوصفها قصةً من نوع معين. وبحسب الخط
الذي أشار إليه نورثروب فراي Frye Northrop في كتابه تشريح النقد، فإنني أحدد أربعًا على الأقلّ من الصيغ المختلفة لبناء الحبكة:
الرومانس Romance، والتراجيديا Tragedy، والكوميديا Comedy، والهجاء Satire. قد تكون هناك صيغ أخرى، مثل الملحمي، ومن المحتمل لرواية تاريخية معينة أن تحتوي قصصًا موضوعة في صيغة معينة؛ بوصفها أوجهًا أو أطوارًا من مجموعة كاملة من القصص
المحبوكة بصيغة أخرى. لكن مؤرّخًا معينًا مضطرٌّ أن يحبك مجموعة القصص الكاملة التي تشكّل سرده في شكل قصصي واحد شامل
أوّنمطي بدئي. وعلى سبيل المثال، إنَّ ميشليه Michelet Jules يضع تواريخه كلّها في الصيغة الرومانسية، أما رانكه فيضع تواريخه في الصيغة الكوميدية، ويستخدم توكفيل الصيغة التراجيدية، في حين يستخدم بوركهارت الهجائية. ويبدو أنَّ بنية الحبكة الملحمية هي الشكل الضمني للتسلسل الزمني ذاته. والأمر المهم هو أنَّ التواريخ جميعها، بما فيها الأشدّ "تزامنًا" أو "بنيوية"، سوف تُحبَك على
نحوٍ ما. وتوفّر الصيغة الهجائية المبادئ الشكلية التي يمكن بواسطتها تعريف تأريخ بوركهارت "غير السردي" بأنّه "قصة" من نوع معين. ذلك أنَّ القصص الموضوعة بالصيغة الساخرة التي يمثّل الهجاء شكلها القصصي؛ إنما تكتسب آثارها على وجه الدّقة، كما يبي فراي، من إحباط التوقعات المعتادة في شأن نوع الحلول التي توفرها القصص الموضوعة في الصيغ الأخرى (الرومانس أو الكوميديا أو التراجيديا، بحسب الحالة).
7 أعلم أنني، إذ أستخدم مصطلحات فراي وتصنيفاته لبنى الحبكة، أجعل نفسي عرضة لنقد أولئك المنظّرين الأدبيين الذين يعارضون جهوده التصنيفية، أو لديهم
تصنيفاتهم الخاصة التي يمكن أن يُحِلّوها محلّها. ولا أرغب في أن أوحي بأنَّ أصناف فراي هي الوحيدة الممكنة لتصنيف الأجناس، والصيغ، والأساطير، وما شابه، في
الأدب؛ لكني وجدتها مفيدة، على نحوٍ خاص، في تحليل الأعمال التاريخية. يبدو أنّ النقد الرئيس لنظرية فراي الأدبية هو أنَّ منهجه في التحليل الذي يبلي بلاء حسنًا في
الأجناس الأدبية من الدرجة الثانية، مثل الحكاية الخرافية أو القصة البوليسية، هو أكثر صلابة وتجريدًا من أن ينصف تلك الأعمال غنية النسيج ومتعددة المستويات؛ مثل
الملك لير، والبحث عن الزمن المفقود، أو حتىالفردوس المفقود. قد يكون هذا صحيحًا؛ وهو كذلك ربما. لكن تحليل فراي للأشكال الرئيسة للأدب الأسطوري والخرافي
يفيد كثيرًا في تفسير الأشكال البسيطة من بناء الحبكة التي نجدها في أشكال فنية "محدودة" مثل التأريخ. وتنزع "القصص" التاريخية إلى الوقوع في الأصناف التي أحكمها
فراي، وذلك، على وجه التحديد، لأنَّ المؤرخ ينزع إلى عدم بناء تلك الانقلابات أو التحولات المفاجئة peripeteias المعقدة التي هي عدّة الكاتب الروائي والكاتب المسرحي.
الرومانس هو في جوهره دراما بناء للهوية؛ يرمز لها تعالي البطل على عالم التجربة، وانتصاره عليه، وتحرره النهائي منه: ذلك النوع من الدراما المقترن بأسطورة الكأس المقدسة أو قصة قيامة المسيح في الأساطير المسيحية. وهو دراما انتصار الخير على الشرّ، والفضيلة على الرذيلة، والنور على الظلام، وتعالي الإنسان التام على العالم الذي كان السقوطقد احتجزه فيه. والموضوع النمطي البدئي للهجاء هو النقيض التام لدراما الخلاص الرومانسية هذه؛ إنه في الحقيقة، دراما تمزّق، دراما محكومة بإدراك أن الإنسان هو في النهاية أسير
العالم وليس سيدَه، وبمعرفة أنّ الوعي الإنساني والإرادة الإنسانية قاصران دومًا، في التحليل الأخير، عن مهمة التغلب الحاسم على
قوة الموت الشريرة، عدوة الإنسان الدائمة. أمّا الكوميديا والتراجيديا فتشيران إلى احتمال تحرّر جزئي، على الأقل، من شرط السقوطوانعتاق عابر من حالة التمزّق التي
يجد فيها البشر أنفسهم في هذا العالم. لكن هذه الانتصارات العابرة يجري تصورها على نحوٍ مختلف في الأنماط البدئية الأسطورية
التي تمثّل بنى الحبكة في الكوميديا والتراجيديا أشكالً مُصعَّدَة منها. ففي الكوميديا، يُبْقَى على الأمل بانتصار الإنسان الموقَّت على عالمه
باستشراف تسوياتظرفية بين القوى الفاعلة في العالمين الاجتماعي والطبيعي. وترمز لمثل هذه التسويات المناسبات الاحتفالية التي عادةً ما يستخدمها الكاتب الكوميدي ليختم رواياته الدراماتيكية عن التغير والتحول. أمّا في التراجيديا، فما من مناسبات احتفالية،
ما عدا الزائفة منها، والموهومة. والأحرى أنَّ هناك إشارات إلى حالات من التمزق بين البشر أشدّ هولً من تلك التي أثارت الكرب
التراجيدي في بداية الدراما. ويبقى أنَّ ما يجري في نهاية المسرحية التراجيدية من سقوط الشخصية الرئيسة واهتزاز العالم الذي تقطنه؛
لا يُعدَّان مهدِّدَين تمامًا لأولئك الذين نجوا من اختبار الكرب. وثمة كَسْب في الوعي يحققه من شاهدوا الصراع. وهو كسب يُعتقَد أنَّه
يكمن في ظهور القانون الحاكم للوجود الإنساني، ذلك القانون الذي أتت به أعمال الشخصية الرئيسة ضد العالم. التسويات التي تحصل في نهاية الكوميديا هي تسويات بشر مع بشر، تسويات بشر مع عالمهم ومجتمعهم؛ حيث يُصوَّر حال
المجتمع أنّه يغدو أنقى وأَسْلَم وأصَحّ؛ نتيجةَ الصراع بين عناصر في العالم دائمة التضاد؛ إذ تتكشف هذه العناصر على أنها، على المدى
الطويل، قابلة للانسجام أحدها مع الآخر، وموحَّدة، ومتسقة مع ذاتها ومع الآخرين. أمّا التسويات التي تحصل عند نهاية التراجيديا
فهي أشدّ كآبة من ذلك، ولها طبيعة استسلام البشر للأوضاع التي لا بدّ أن يعملوا في العالم في ظلّها. وهذه الأوضاع، بدورها، يتأكّد أنها
دائمة وأبدية، والفحوى هي أنَّ البشر لا يسعهم تغييرها بل يجب أن يعملوا في ظلّها. وهي ترسم الحدود لما يمكن أن يُطمَح إليه، وما
يمكن أن يُستهدَف، على نحوٍ مشروع؛ بحثًا عن الأمن وسلامة العقل في العالم. يبدو الرومانس والهجاء طريقتيَن لحبك سيرورات الواقع تقصي إحداهما الأخرى. وما التفكير بوجود هجاء رومانسي إلا ضرب
من التعبير المتناقض. وقد أتخيل نوعًا من الرومانس الهجائي، لكن ما أعنيه بهذا التعبير هو شكل من التمثيل يُراد له أن يُظْهِر، من
زاوية ساخرة، حماقةَ تصوّرٍ رومانسيٍّ ما للعالم. لكنبمقدوري، من جهة أخرى، أن أتكلم على هجاء كوميدي وكوميديا هجائية، أو على
وتحديدًا لأنَّ المؤرّخ لا يحكي القصة (ولا يزعم أنه يحكيها) "من أجلها هي ذاتها"، فإنّه يميل إلى أن يحبك قصصه بأشدّ الأشكال تقليدية: مثل الحكاية الخرافية أو القصة
البوليسية من جهة، ومثل الرومانس أو الكوميديا أو التراجيديا أو الهجاء من جهة أخرى.
يمكن أن نذكر أنَّ مؤرّخ القرن التاسع عشر الذي نال ما كان معتادًا من تعليمٍ آنذاك كان يترعرع على أساسٍ من الأدب الكلاسيكي والمسيحي. وكانت الأساطير التي يوفرها
هذا الأدب تزوده بمؤونةٍ من الأشكال القصصية التي كان بمقدوره أن يتكئ عليها في أغراضه السردية. لكن من الخطأ أن نفترض أنَّ مؤرخًا حاذقًا مثل توكفيل كان يمكن
أن يصوغ هذه الأشكال القصصية؛ بحسب تلك الضروب من الأغراض التي يتصورها شاعر عظيم، مثل راسين Racine Jean أو شكسبير Shakespeare. عندما كان
مؤرّخون مثل بوركهارت وماركس وميشليه ورانكه يتكلمون على "التراجيديا" أو "الكوميديا"، عادةً ما كانت لديهم فكرة بالغة البساطة عمّا يدلّ عليه هذان المصطلحان. لكن
الأمر يختلف بالنسبة إلى هيغل ونيتشه و (بدرجة أقل) كروتشه. فهؤلاء الفلاسفة، بوصفهم علماء جمال، كان لديهم تصور عن هذه الأجناس أشدّ تعقيدًا، ما جعلهم يكتبون
تواريخ أشدّ تعقيدًا كذلك. والمؤرخون عمومًا، مهما كانوا نقديين حيال مصادرهم، ينزعون إلى أن يكونوا قصّاصين ساذجين. يمكن للقارئ أن يجد توصيف فراي لبنى الحبكة
الأساسية في كتابه 238 - 158. pp , Anatomy. وثمة تناول لفراي في:
Geoffrey Hartman, "Ghostlier Demarcations: The Sweet Science of Northrop Frye," in Beyond Formalism: Literary Essay, 1958 - 197 0 (New Haven and London, 1971), pp. 24 - 41.
تراجيديا هجائية وهجاء تراجيدي. ولكن يجب أن نلاحظ هنا أن العلاقة بين الجنس (التراجيديا أو الكوميديا) والصيغة التي يوضع بها (الهجائية) تختلف عن العلاقة القائمة بين جنس الرومانس والصيغ (الكوميدية أو التراجيدية) التي قد يُوضع بها. تمثّل الكوميديا
والتراجيديا ضربين من تعديلالإدراك الرومانسي للعالم، منظورًا إليه بوصفه سيرورة؛ بغيةَ أن نأخذ على محمل الجدّ تلك القوى التي
تعاكسالجهد الرامي إلى الخلاص الإنساني الذي يُرى في الرومانس بسذاجة أنّه إمكانٌ بين إمكانات البشر. تأخذ الكوميديا والتراجيديا
الصراع على محمل الجدّ، وإن كانت أولاهما تحدث في أفق تسوية نهائية بين القوى المتعارضة، بينما تحدث ثانيتهما في أفق كشفٍ
لطبيعة القوى التي تعارض الإنسان. ويمكن للكاتب الرومانسي أن يتمثّل حقائق الوجود الإنساني التي تتكشف في الكوميديا والتراجيديا
على التوالي؛ ضمن بنية دراما الخلاص التي يصورها في رؤيته لانتصار الإنسان النهائي على عالم التجربة. لكن الهجاء يمثّل نوعًا مختلفًا من تعديل ما يتكشّف في الرومانس والكوميديا والتراجيديا على التوالي من آمال الوجود البشري
وإمكاناته وحقائقه. فهو يرى إلى هذه الآمال والإمكانات والحقائق على نحوٍ ساخر، في الجوّ الذي يولده إدراك القصور التام للوعي عن
العيش في العالم بسعادة أو الإحاطة به إحاطة تامة. يفترض الهجاء مسبقًا وجود قصور تاميَسِمُ رؤى العالم الممثلة على نحو دراماتيكي
في أجناس الرومانس والكوميديا والتراجيديا على السواء. ويشير مجيء الصيغة الهجائية في التمثيل، بوصفها طورًا في تطور الأسلوب
الفني أو التقليد الأدبي، إلى اعتقاد مفاده أنَّ العالم قد تقدّم في العمر. ومثل الفلسفة ذاتها، فإنَّ الهجاء "يضع الرمادي فوق الرمادي"
في إدراكٍ لقصوره الخاصبوصفه صورةً للواقع. وهو لذلك يهيِّئ الوعي للتنصّل من كلّ مَفْهمَةٍ متقنةٍ للعالم ويستبق عودةً إلى إدراكٍ
أسطوري للعالم وسيروارته. توفّر هذه الأشكال القصصية النمطية البدئية الأربعة وسيلة لتوصيف الأنواع المختلفة من الآثار التفسيرية التي يمكن لمؤرّخ أن
يسعى إليها على مستوى بناء الحبكة السردية. وهي تتيح لنا أن نميّز بين السرديات التزمّنية، أو التعاقبية، من النوع الذي قدّمه ميشليه
ورانكه والسردياتالتزامنية، أو السكونية التي كتبها توكفيل وبوركهارت. ففي الأولى، يكون للإحساس بالتغيّ البنيوي اليد العليا بوصفه
المبدأ الذي يهدي التمثيل. وفي الثانية، يكون الإحساس بالاستمرار البنيوي (خصوصًا لدى توكفيل) أو بالثبات (لدى بوركهارت) هو
المسيطر. لكن التمييز بين تمثيل تزمّني وتمثيلٍ تزامني للواقع التاريخي لا ينبغي أن يُؤخَذ على أنه يشير إلى طريقتين في حَبْك الحقل
التاريخي تقصي إحداهما الأخرى. فهذا التمييز إنما يشير، فحسب، إلى فارق في التشديد عند تناول العلاقة بين الاستمرار والتغيّ في
تمثيلٍ معيّ للسيرورة التاريخية ككل. التراجيديا والهجاء هما صيغتان في بناء الحبكة تنسجمان مع اهتمام أولئك المؤرّخين الذين يستشفّون، وراء فوضى الحوادث التي
يحتويها التسلسل الزمني أو ضمنها، بنيةً جاريةً من العلاقات، أو عودًا أبديًّا ل المماثلفي المختلف. أمّا الرومانس والكوميديا فتلحّان
على ظهور قوى أو ظروف جديدة من سيرورات تبدو للوهلة الأولى ثابتة لا تتغير في جوهرها، أو تتغير في أشكالها الظاهرة فحسب. لكن
لكلّ بنية من بِنى الحبكة النمطية البدئية هذه مؤدّاها؛ في ما يتعلق بعمليات الإدراك التي يلتمس المؤرّخ بواسطتها أن "يفسّ" ما كان
"يجري حقًا" خلال السيرورة التي تقدّم هذه البنية صورةً لشكلها الحقيقي. التفسير من خلال الحجاج الشكلي إضافةً إلى مستوى المَفْهمَة الذي عليه يحبك المؤرّخ روايته السردية ل "ما حدث"؛ ثمّة مستوى آخر قد يلتمس أن يشرح
عليه "غايةَ كلّ ذلك"، أو "ما يصل إليه كلّ ذلك" في النهاية. ويمكنني أن أتبيّ، على هذا المستوى، عمليةً أدعوها التفسير
بواسطة الحجاج الشكلي، أو الظاهر، أو الخطابي. ويقدّم مثل هذا الحجاج تفسيرًا لما يحدث في القصة باستحضاره مبادئ الجمع
والتضافر التي تعمل بوصفها قوا ين مفترضة للتفسير التاريخي. يفسّ المؤرّخ، على هذا المستوى من المَفْهمَة، الحوادث في القصة
(أو شكل الحوادث الذي فرضه عليها من خلال حبكها بصيغة معينة) من خلال بناء حجاج استدلالي مقنَّن. ويمكن تحليل هذا الحجاج إلى قياس منطقي، تتكون مقدمته الكبرى من قانون شامل مفترض للعلاقات السببية، ومقدمة صغرى للشروط الحدية التي
يطبّق ضمنها القانون، ونتيجة تكون هي الحوادث التي وقعت فعلً من المقدمتين بالاقتضاء المنطقي. ولعلَّ الأشهر في هذه القوا ين
المفترضة هو ما يُدعى قانون ماركس الخاص بالعلاقة بين البنية الفوقية والأساس. ينصّ هذا القانون على أنّه متى حصل أيّ تغي
في الأساس (المؤلَّف من وسائل الإنتاج وصيغ العلاقة فيما بينها)؛ يحصل تغيّ في مكوّنات البنية الفوقية (المؤسسات الاجتماعية
والثقافية)، أمّا العكس فغير صحيح (فالتغيرات في الوعي، مثلً، لا تثير تغيرات في الأساس). وثمّة أمثلة أخرى على هذه القوا ين
المفترضة (مثل "العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة"، أو حتى ملاحظات مبتذلة مثل "ما من صعود إلا ويتبعه هبوط") عادةً ما تثار ضمنًا في مجرى الجهد الذي يبذله المؤرّخ لتفسير ظواهر مثل الكساد الكبير أو سقوط الإمبراطورية الرومانية، على سبيل المثال. وما
تتميز به هذه التعميمات من طبيعة قائمة على الفهم الشائع أو العرف لا يؤثّر في مكانتها بوصفها المقدمات الكبرى المفترضة لحجاجات استدلالية مقنَّنة، تُعطى من خلالها تفسيرات الحوادث الواردة في القصة. وتشير طبيعة هذه التعميمات إلى ما يتّسم به التفسير التاريخي
عمومًا من طابع علميّ أوليّ، أو إلى قصور العلوم الاجتماعية التي يمكن أن تُسْتَعار منها مثل هذه التعميمات التي تظهر في شكل مُعدَّل
على نحو ملائم، ومصُوغ على نحو صارم. الأمر المهمّ هو أنّ ما يقدّمه المؤرّخ من تفسيرات قائمة على الحجاج الاستدلالي المقنَّن لمجموعات الحوادث في سرده يجب أن يُميَّز
من الأثر التفسيري المتأتي عنبنائه حبكة قصته بوصفها قصة من نوع معين. وليس هذا لأن من غير الممكن التعامل مع بناء الحبكة بوصفه نوعًا من التفسير بالوسائل الاستدلالية المقنَّنة. فالحقيقة أنَّ بناءً تراجيديًّا للحبكة يمكن أن يُعامَل بوصفه تطبيقًا للقوا ين التي
تحكم الطبيعة البشرية والمجتمعات البشرية في ضروب معينة من الأوضاع؛ وبقدر ما تتأسس هذه الأوضاع على أنها أوضاعٌ موجودة في
زمن معين ومكان معين، فإنها يمكن أن تُفَسّ باستحضار المبادئ المُلمَح إليها، بالطريقة ذاتها التي تُفسَّ بها الحوادث الطبيعية بتحديد
القوا ين السببية الكونية التي يُفْتَض أنّها تحكم علاقاتها. ما أريد قوله هو إنّه حين يقدّم المؤرّخ "الحبكة" التي تمنح حوادث القصة التي يحكيها نوعًا ما من التماسك الشكلي، فإنه يفعل
ما يفعله العالِم عندما يحدد عناصر الحجاج الاستدلالي المقنَّن الذي يجب أن يُوضَع فيه تفسيره. لكني أميّز هنا بين حَبْكِ حوادثِ تاريخٍ
أُخِذَت على أنها عناصر قصة، وتوصيفِ هذه الحوادث كعناصرَ مصفوفةٍ من العلاقات السببية التي يُفْتَض أنها وُجِدَت في نطاقات
محددة من الزمان والمكان. وباختصار، فإنني الآن آخذ، في قيمته الظاهرة، زعمَ المؤرّخ أنّه يمارس فنًّا وعلمًا معًا في آنٍ، وكذلك التمييز
الذي عادة ما يُقام بين ما يجريه المؤرّخ من عمليات الاستقصاء من جهة أولى، وعمليته السردية من جهة أخرى. ونحن نسلّم أن
تمثيل "ما حدث"، و"لماذا حدث على النحو الذي حدث عليه" هو شيء، وأنَّ تقديم نموذج لفظي، على هيئة سرد، نفسّ به سيرورة
التطور المفضية من حالٍ إلى حال آخر باللجوء إلى قوا ين السببية هو شيء آخر تمامًا. لكن التاريخ يختلف عن العلوم، وذلك، تحديدًا، لأنَّ المؤرّخين غير متفقين، ليس على قوا ين السببية الاجتماعية التي قد
يستحضرونها لتفسير سلسلة من الحوادث فحسب، بل، أيضًا، على مسألة الشكل الذي يُفتَض من تفسير "علمي" أن يتّخذه. وثمة
تاريخ طويل من الخلاف على لزوم أن يكون لكلّ من تفسيرات العلوم الطبيعية والتفسيرات التاريخية الخصائص الشكلية ذاتها. وهو خلاف يثير مشكلةَ ما إذا كان لضروب القوا ين التي تستحضرها التفسيرات العلمية نظائرها في الميدان المدعو بالعلوم الإنسانية
أو الروحية، مثل علم الاجتماع والتاريخ. وتبدو العلوم الفيزيقية كما لو أنها تتقدّم بفضل الاتفاقات التي يتم التوصل إليها، في حينٍ
وآخر، بين أعضاء الجمعيات العلمية القائمة التي تنظر في مشكلةٍ: أهي علمية أم لا؟ والشكل الذي يجب أن يتّخذه تفسير علمي،
وضروب المعطيات التي يُمكن الاعتداد بها أدلّةً في تناولٍ علميٍّ حقًا للواقع. أمّا بين المؤرّخين فلا وجود لمثل هذه الاتفاقات، ولم يسبق
لها أن وُجدت قطّ. ولعلّ هذا يعكس الطبيعة العلمية الأولية للمشروع التأريخي، لكن من المهم أن نُبقي في أذهاننا عدم الاتفاق
(أو غياب الاتفاق) الأصلي على ما يُعَدُّ تفسيرًا تاريخيًّا على وجه التحديد لأيّ مجموعة معينة من الظواهر التاريخية. فهذا يعني أن
التفسيرات التاريخية مضطرة إلى أن تقوم على افتراضات مسبقة مختلفة حول طبيعة الحقل التاريخي؛ مستمدّة من تاريخ التاريخ (metahistorical)، افتراضات تولّد تصورات مختلفة لنوع التفسيراتالتي يمكن استخدامها في التحليل التأريخي. الخلافات التأريخية على مستوى "التأويل" هي في الواقع خلافات على الطبيعة "الحقّة" لمشروع المؤرّخ. ويبقى التاريخ في حالة
فوضى مفهومية سبق للعلوم الطبيعية أن عاشتها في القرن السادس عشر، حين كان ثمّة تصورات ل "المشروع العلمي" كثيرة ومختلفة
بكثرة ما كان من مواقف ميتافيزيقية واختلافها. وتصورات القرن السادس عشر المختلفة لما يُفْتَض أن يكون عليه "العلم" كانت
تعكس، في النهاية، تصورات مختلفة عن "الواقع" وعن الأبستمولوجيات المختلفة التي تولدها تلك التصورات. ولذلك، أيضًا، فإن الخلافات على مايُفْتَض أن يكون "التاريخ" عليه تعكس، بالمثل، تصورات متنوعة عمّا يُفْتَض أن يتألف منه تفسير تاريخي صحيح
كما تعكس تصورات مختلفة، إذًا، عن مهمّة المؤرّخ. لا حاجة للقول إنني لا أتكلم هنا على ضروب الخلاف التي تُثيرها مقالات المراجعين في المجلات المتخصصة، حيث يمكن أن يُوضع
تبحّر مؤرّخ معين أو دقّته تحت طائلة الشكّ. بل أتكلم على ضروب الأسئلة التي تُطرَح عندما يصل باحثان أو أكثر، لهم القدر ذاته تقريبًا
من التبحّر والحنكة النظرية، إلى تأويلات مختلفة، من غير أن يقصي أحدها الآخر بالضرورة، للمجموعة ذاتها من الحوادث التاريخية،
أو إلى أجوبة مختلفة عن أسئلة مثل "ما الطبيعة الحقيقية للنهضة؟" وما ينطوي عليه هذا، على مستوى المَفْهمَة على الأقل، هو أفكار
مختلفة بصدد طبيعة الواقع التاريخي والشكل الملائم الذي يجب أن تأخذه رواية تاريخية، منظورًا إليها بوصفها حجاجًا شكليًّا. وأنا
أفرّق، باتّباع تحليل ستيفن سي. بيبر Pepper. C Stephen في كتابهفرضيات عن العالم، بين أربعة أطُر مفهومية حاكمة paradigms
للشكل الذي يمكن أن نتصور أن يتّخذه تفسير تاريخي، منظورًا إليه بوصفه حجاجًا خطابيًّا: الشكلي Formist والعضويّOrganicist
.Contextualist السياقي و Mechanistic الميكانيكي و تهدف النظرية الشكلية عن الحقيقة إلى تحديد الخصائص الفريدة للموضوعات التي يشتمل عليها الحقل التاريخي. وعلى هذا الأساس، يرى الشكليُّ أنَّ تفسيرًا ما يكتمل عندما تُحدَّد مجموعة معينة من الموضوعات على النحو الملائم؛ فئتها، وجنسها، وخصائصها
المميزة المنسوبة إليها، والعلامات الدالة على الخصوصية المقرونة بها. ويمكن للموضوعات المُشَار إليها أن تكون فرادى أو جماعات، جزئيات أو كلّيات، كيانات ملموسة أو تجريدات. وبتصوّر مهمة التفسير التاريخي على هذا النحو، فإنَّها تتمثّل في تبديد تلك التشابهات
8 تنطبق الملاحظات المتعلقة بفراي في الهامش 7، مع ما يلزم من التعديل، على تصوّر بيبر للأشكال الأساسية من التأمّل الفلسفي. ومن المؤكّد أنَّ الفلاسفة العظام
- يقاومون الاختزال إلى John Stuart Mill ل وهيغل ومِImmanuel Kant وكانط David Hume وهيوم René Descartes وديكارت Aristotle وأرسطو Plato أفلاطون-
الأنماط الأصلية التي يقدّمها بيبر. وإذا ما كان فكرهم يمثّل أي شيء، فإنَّه يمثّل توسّطًا بين اث ين أو أكثر من أنواع المواقف النظرية التي يرسم بيبر ملامحها العامة. لكن
أنماط بيبر المثالية توفّر تصنيفًا ملائمًا جدًا للمنظومات أو رؤى العالم الفلسفية الأشد بساطة، ذلك النوع من التصوّر العام للواقع الذي نجده لدى المؤرّخين حين يتحدّثون مثل
الفلاسفة، أي حين يستحضرون تصورًا عامًّا عن الكينونة، أو يلجأون إلى نظرية عامة عن الحقيقة والإثبات، ويتوصلون إلى مؤدّىً أخلاقي من حقائق يفترضون رسوخها،
وما إلى ذلك. ومعظم المؤرّخين قلّما يرتفعون فوق مستوى التعقيد الفلسفي الذي نجده، مثلً، لدى إدموند بورك؛ فهذا العضو العظيم في حزب الأحرار (Whig) من المؤكَّد
أنه كانت لديه رؤية للعالم، مع أنه يصعب عدُّها "فلسفة". كذلك، أيضًا، معظم المؤرّخين، بما فيهم توكفيل. وفي المقابل، إن فلاسفة التاريخ العظام ينزعون إلى إيجاد فلسفة،
علاوةً على إحكامِهم رؤيةً للعالم. وهم بهذا المعنى "مسؤولون معرفيًّا" أكثر من المؤرّخين الذين غالبًا ما يكتفون باتّخاذ رؤية للعالم ويتعاملون معها كأنها موقف فلسفي مسؤول
معرفيًّا. في شأن "الفرضيات عن العالم" انظر:
Stephen C. Pepper, World Hypotheses: A Study in Evidence (Berkeley and Los Angeles, 1966), pt 2 , p. 141 ff.
التي تبدو مشتركة بين جميع الموضوعات في الحقل. وحين يقيم المؤرّخ فرادة الموضوعات الجزئية في الحقل أو تنوّع أنماط الظواهر التي
يبديها الحقل، فإنه يقدّم تفسيرًا شكليًّا للحقل بوصفه كذلك. نجد الصيغة الشكلية في التفسير لدى هيردر Hereder Gottfried Johann وكارليل Carlyle Thomas وميشليه، ولدى المؤرّخين الرومانسيين
والساردين التاريخيين العظماء، مثل نيبور Niebuhr Carsten، ومومسن Mommsen Theodor، وتريفيليان Trevelyan Macaulay George،
وباختصار، في أيّ تاريخ يُؤخَذ فيه تصوير التنوّع الذي يَس م الحقل التاريخي وألوانه وحيوته؛ بوصفه الغاية الأساسية لعمل المؤرّخ. ومن الأكيد
أنَّ مؤرّخًا شكليًّا يمكن أن يميل إلى إطلاق تعميمات في شأن طبيعة السيرورة التاريخية ككلّ، كما في توصيف كارليل لها بأنّها "جوهر سَِيٍ
لا تُحصى". لكن الأساسي في الاستقصاء، بحسب التصورات الشكلية للتفسير التاريخي، هو فرادة مختلف الفاعلين والفاعليّات والأفعال التي
تشكّل "الحوادثَ" الواجب تفسيرها وليس "الأساس" أو "المشهد" الذي تنهض قبالته هذه الكيانات. كي نستخدم مفردات بيبر؛ فإن الشكلية هي في جوهرها "تجزيئية " dispersive في العمليات التحليلية التي تجريها على المعطيات،
وليست "تكاملية" integrative، كما تنزع التفسيرات العضوية والميكانيكية إلى أن تكون. هكذا تبدي تعميمات الإستراتيجية التفسيرية الشكلية في شأن السيرورات التي تتبيّنها في الحقل التاريخي افتقارًا إلى "الدقّة" المفهومية، مع أنَّ هذه الإستراتيجية تنزع إلى أن
تكون واسعة "المدى"، حافلة بأنواع الجزئيات التي تعرّفها بأنّها تشغل الحقل التاريخي. ويميل المؤرّخون الرومانسيون، بل "المؤرّخون
السرديون" عمومًا، إلى إطلاق تعميمات في شأن الحقل التاريخي كلّه ومعنى عملياته؛ هي تعميمات بالغة الاتساع بحيث لا يكون
لها كبير وزن بوصفها افتراضات يمكن إثباتها أو نفيها باللجوء إلى المعطيات التجريبية. لكن مثل هؤلاء المؤرّخين عادةً ما يتداركون فراغ
تعميماتهم بحيوية إعادة بنائهم للفاعلين والفاعليّات والأفعال المحددة الممثَّلة في سردياتهم. تتميّز الفرضيات العضوية عن العالم وما يتماشى معها من نظريات عن الحقيقة والحجاج بأنّها، نسبيًّا، أشدّ "تكاملً"، ومن
ثمَّ أشدّ اختزالً في عملياتها. ويحاول العضويُّ أن يصوّر الجزئيات التي يتبيّنها في الحقل التاريخي على أنّها مكونات عملية توليفية.
وثمّة، في القلب من الإستراتيجية العضوية، التزام ميتافيزيقي بالإطار المفهومي لعلاقة الجزء والكلّ أو الأصغري والأكبري، ويميل
المؤرّخ العضوي إلى أن يكون محكومًا بالرغبة في رؤية الكيانات الفردية بوصفها مكوّناتِ سيروراتٍ تتراكم في كلّيات هي أكبر من
حصيلة الأجزاء، أو مختلفةٌ عنها نوعيًّا. ويميل المؤرّخون الذين يعملون من ضمن هذه الإستراتيجية في التفسير، مثل رانكه ومعظم
المؤرّخين "القوميين" في العقود الوسطى من القرن التاسع عشر (فون سيبيل Sybel von Heinrich، مومسن Mommsen Theodor،
فون تريتشكه Treitschke von Heinrich، سْتَابْس Stubbs William، ميتلاند Maitland William Frederic... إلخ) إلى بناء
9 وجدتُ مصطلحات كينيث بورك النقدية شديدة الفائدة في محاولاتي توصيفَ ما دعوته "الحقل التاريخي" قبل تحليل المؤرّخ له وتمثّله إيّاه. يرى بورك أنه يمكن
تحليل جميع التمثيلات الأدبية للواقع من حيث خمسة من العناصر "القواعدية" المفترضة: المشهد scene، والفاعل agent، والفعل act، والفاعلية agency، والغرض
purpose. والطريقة التي توصف بها هذه العناصر وما تُعطاه من أوزان نسبية، بوصفها قوى سببية في "الدراما" التي تظهر فيها، إنّما تكشف رؤية العالم الضمنية في
كلّ تمثيل للواقع. وعلى سبيل المثال، إنَّ كاتبًا ماديًّا سوف يميل إلى التشديد على عنصر "المشهد" (المحيط، بصرف النظر عن كيفية تصوّره) أكثر من التشديد على
عناصر "الفاعل" و"الفعل" و"الفاعلية" و"الغرض"، وذلك على نحوٍ يجعل هذه المجموعة الأخيرة مجرد تجليات لقوة الأول. وفي المقابل، إنَّ كاتبًا مثاليًا سوف يميل
إلى رؤية "الغرض" في كلّ مكان، وسوف يحوّل "المشهد" ذاته إلى مجرد وهم، انظر: 20 - 3. pp , Motives of Grammar A , Burke. وفي حين أن نظريات بورك
Burke Kenneth مفيدة كوسيلة لتوصيف تصوّر المؤرخ ل "الحقل التاريخي" غير المعالَج؛ فإنها أقل فائدة في توصيف ما يمكن أن يفعله المؤرخ في الحقل ما إن
يوضع في سنّة "قواعدية". وكتابه) 1965 , Angeles Los and Berkeley (Motives of Rhetoric الذي قصد منه أن يسبر الأبعاد الأخلاقية للتمثيل الأدبي، وكتابه
) 1968 , Angeles Los and Berkeley (Action Symbolic as Language الذي قصد منه أن يوفّر طبعة علمانية من المستوى "الأمثوليّ" القروسطي بين مستويات المعنى
والدلالة، هما تقليديان على نحوٍ مخيّب للآمال. وبورك محق، بلا شكّ، في رؤيته أنَّ تمثيلات الواقع الأدبية كلّها، مهما تكن "واقعية"، هي في التحليل الأخير أمثولية
allegorical. لكنه حين يواصل ليصنف أنواع الأمثولات التي يمكن أن تكون حاضرة فيها، لا يقدّم سوى منتخبات من الرمزيات الماركسية والفرويدية والأنثروبولوجية،
هي ذاتها مجرد تمثيلات أمثولية ل "الواقع" الذي تدّعي أنها تحلله. وإذ تُعَدُّ التواريخ أمثولات؛ فهي تبدو كأنها تعنو للتحليل بالطرائق التي قدّمها فراي. وإذ تُعَدُّ شكلً من
الخطاب المسؤول معرفيًّا؛ فإنها تبدو قابلة للتوصيف بمصطلحات بيبر. وإذ تُعَدُّ مسارات أخلاقية؛ فإنها تبدو قابلة للوصف على نحوٍ صائب بالمصطلحات التي قدمها مانهايم
في النوع الخاص به من علم اجتماع المعرفة، كما نشير إليه في الهامش 12 أدناه.
سردياتهم بمثل هذه الطريقة؛ بحيث يصورون تبلور كيان متكامل ومندمج من مجموعة من الحوادث المبعثرة في الظاهر، وتكون أهمية هذا الكيان أكبر من أهمية أي من الكيانات الفردية المحلَّلة أو الموصوفة في سياق السرد. يمثّل المثاليون عمومًا، ولا سيما الديالكتيكيين مثل هيغل، هذه المقاربة لمشكلة تفسير السيرورات التي يجري تبيّنها في
الحقل التاريخي. من المؤكّد، كما يلاحظ بيبر، أنَّ المؤرّخين الذين يعملون بهذه الصيغة يهتمون بوصف السيرورة التكاملية أكثر من اهتمامهم
بتصوير عناصرها الفردية. وهذا ما يعطي الحجاجات التاريخية الموضوعة بهذه الصيغة خاصيتها "المجردة". وعلاوةً على ذلك، فإن التاريخ المكتوب بهذه الصيغة ينزع إلى تحديد الغاية والهدفاللذين يفترض أن تنحو إليهما جميع السيرورات التي توجد في الحقل
التاريخي. أمّا مؤرخ مثل رانكه فيتعمّد مقاومة الميل إلى تحديد ما يمكن أن تكون عليه غاية السيرورة التاريخية برمتها، ويرضى بجهدٍ
لتحديد طبيعة غاياتمؤقتة معينة، وبِنىً وسيطة تكاملية مثل ال "شعب"، أو ال "أمّة"، أو ال "ثقافة"، مما يزعم تبيّنه في السيرورة
التاريخية الجارية. فتحديد الغاية النهائية للسيرورة التاريخية برمّتها لا يمكن أن يُلْمَح، كما يذكر رانكه، إلا في رؤية دينية. ولذلك
يمكن أن يؤخذَ عمل رانكه على أنه مثال لتأريخ مؤلَّف بصيغة شكلية على وجه التحديد. لكن براعة رانكه في تصوير الحوادث الجزئية لا تمنع سردياته من استمداد بنيتها وتماسكها الشكلي من كونهاتفسيراتللسيرورات التي يصورها باللجوء، في المقام الأول، إلى النموذج العضوي لما يُفْتَض أن يكون عليه التفسير التاريخي اللائق، وهو نموذج منغرس في وعي رانكه بوصفه الإطار المفهومي الحاكم لما
يُفتَض أن يكون عليهّأيتفسير حقّ لأي سيرورة في الدنيا. مما يميّز الإستراتيجيات العضوية في التفسير أنّها تتحاشى البحث عن قوانينللسيرورة التاريخية، إذا ما فُهِمَت كلمة "قوا ين "
بمعنى العلاقات السببية الكونية والثابتة، على طريقة فيزياء نيوتن وكيمياء لافوازييه وبيولوجيا داروين. وينزع العضوي إلى الكلام على "المبادئ" أو "الأفكار" التي تُملي السيرورات المفردة التي يتبيّنها في الحقل وجميع السيرورات المأخوذة ككلّ. وتُرى هذه المبادئ
أو الأفكار كأنَّها تتخيّل أو تتصور مسبقًا الغاية التي تنحو نحوها السيرورة ككلّ. وهي لا تعمل بوصفها فاعل ين مسبّبين أو فاعليَّات
مسبِّبة، إلا عند مؤرّخين ذوي توجّه صوفي أو لاهوتي محسوم، وعندها؛ عادةً ما تؤوَّل بوصفها تجليات للغرض الذي يبتغيه الله لخليقته.
والحقيقة، أنَّ مثل هذه المبادئ أو الأفكار لا تعمل، بالنسبة إلى العضوي، بوصفها قيودًا تقيّد القدرة البشرية على تحقيق غاية إنسانية
مميّزة في التاريخ، على نحو ما يمكن أن تفعل "قوا ين" التاريخ كما يفترض الميكانيكي، بل بوصفها الضامن لحريةٍ إنسانية جوهرية.
هكذا لا يستخرج العضوي تلك الضروب المتشائمة من النتائج التي يميل الميكانيكي إلى استخراجها من تأمّله في الطبيعة المقنّنة للكينونة
التاريخية، على الرغم من فهمه السيرورة التاريخية من خلال إظهار الطبيعة التكاملية للسيرورة التاريخية مأخوذةً ككلّ. الفرضياتالميكانيكية عن العالم هي، بالمثل، تكاملية في هدفها، لكنها تميل إلى أن تكون اختزالية أكثر منها توليفية. وكما يقول كينيث بورك، فإنَّ الميكانيكية تميل إلى رؤية "أفعال" ال "فاعلين" الذين يقطنون الحقل التاريخي على أنّها تجليات ل "فاعليات" خارج تاريخية لها أصولها في ال "مشهد" الذي يُصوَّر ضمنه ال "فعل" في السرد الذي يتكشّف. وديدن النظريات الميكانيكية في التفسير
هو البحث عن قوا ين سببية تحدد نتائج السيرورات المكتشفة في الحقل التاريخي. وهي تفسّ الأشياء التي يُعتقَدُ أنّها تقطن الحقل
التاريخي بأنَّ لها وجهة علاقات الجزء بالجزء، وبأنَّ تشكيلاتها المحدّدَة تتعيّ بقوا ين يُفتَض أنّها تحكم تفاعلاتها. هكذا، يعمد
الميكانيكي - مثل باكل وتين وماركس أو حتى توكفيل، كما سأشير - إلى دراسة التاريخ كي يتكهن بالقوا ين التي تحكم فعليًّا عملياته،
وهو يعمد إلىكتابة التاريخ كي يعرِض في شكل سردي آثارَ تلك القوا ين.
قد يبرز إدراك القوا ين التي تحكم التاريخ وتحديد طبيعتها النوعية في تمثيل الميكانيكي "ما كان يحدث" في السيرورة التاريخية في زمن ومكان معي ين؛ لكن قيامه باستقصاءاته بحثًا عن مثل هذه القوا ين يهدد روايته بالميل ذاته نحو التجريد كما في رواية
العضوي. وهو يعدُّ الكيانات المفردة أقلّ أهميةً، كأدلّة، من فئات الظواهر التي يمكن تبيان أنها تنتمي إليها؛ لكن هذه الفئات
بدورها أقل أهمية بالنسبة إليه من القوا ين التي يُفتَض أنَّ انتظامات تلك الفئات تجسّدها. وفي النهاية، لا يُعَدُّ التفسير كاملً بالنسبة
إلى الميكانيكي، إلا حين يكتشف القوا ين التي يُفتَض أنها تحكم التاريخ بالطريقة ذاتها التي يُفتَض بها أن قوا ين الفيزياء تحكم
الطبيعة. وعندها يطبّق هذه القوا ين على المعطيات بطريقة تفهم تشكيلاتها على أنها وظائف لهذه القوا ين. هكذا نجد لدى مؤرّخ
مثل توكفيل أنَّ الخصائص الجزئية لمؤسسة معينة، أو عرف، أو قانون، أو شكل فني، أو ما شابه؛ هي أقل أهمية بوصفها أدلّة من
تنميطات النوع والفئة والجنس التي يمكن بالتحليل تبيان أنّها تمثّلها. ويرى توكفيل - بل وباكل Buckle Thomas Henry وماركس
وتين Taine Adolphe Hippolyte - هذه التنميطات، بدورها، أقلّ أهمية من قوا ين البنية الاجتماعية والسيرورات الاجتماعية التي تحكم مجرى التاريخ الغربي، والتي تقف هذه التنميطات شواهد على عملياتها. من الواضح أنَّ التصورات الميكانيكية للحقيقة والتفسير، على الرغم من اتّسامها بدقة مفهومية، عرضة لاتهامات بالافتقار إلى
النطاق، وبالميل إلى التجريد بالطريقة ذاتها التي تُتَّهَمُ بها نظيرتها العضوية. ومن وجهة نظر شكلية، يبدو كلٌّ من الميكانيكية والعضوية
"اختزاليًّا" حيال تنوّع الكيانات المفردة في الحقل التاريخي وتلوّنها. لكن استعادة النطاق والملموسية المرغوب فيهما تقتضي عدم اللجوء
إلى تصور للتفسير التاريخي مفرط في "الانطباعية" كذلك الذي تمثله الشكلية. ويمكن للمرء، بدلً من ذلك، أن يتّخذ موقفًا سياقيًّا،
وهو نظرية عن الحقيقة والتفسير تمثّل تصورًا "وظيفيًّا" لمعنى الحوادث التي يجري تبيّنها في الحقل التاريخي أو دلالتها. الافتراض الأساس في السياقية هو أنَّ الحوادث يمكن تفسيرها بوضعها في "سياق" حدوثها. ويُفسَّ حدوثها، على النحو الذي
حدثت به، بكشف العلاقات المحددَّة التي تربطها بحوادث أخرى حاصلة في فضائها التاريخي الذي يكتنفها. وهنا، كما في الشكلية،
يُدرَك الحقل التاريخي بوصفه "مشهدًا" أو قماشًا غنيّ الزركشة؛ يبدو للوهلة الأولى مفتقرًا إلى التماسك وإلى أي بنية جوهرية يمكن
تبيّنها. لكن السياقي - بخلاف الشكلي الذي يميل إلى أخذ الكيانات في خصوصيتها وفرادتها، أي في مشابهتها لكيانات أخرى في الحقل
وفي اختلافها عنها - يلحّ على أنَّ من الممكن تفسير "ما حدث" في الحقل من خلال تحديد العلاقات الوظيفية القائمة بين الفاعلين
والفاعليات التي تقطن الحقل في زمن معين. يجري تحديد هذه العلاقات الوظيفية من خلال عملية دعاها بعض الفلاسفة المحدثين- مثل وليم هنري ولش Henry William Welch، وإشعيا برلين Berlin Isaiah "الضمّ" أو "الجمع" Colligation. ويكون هدف التفسير في هذه العملية تحديد "الخيوط"
التي تربط الفرد أو المؤسسة قيد الدراسة ب "حاضرها" الاجتماعي الثقافي. ويمكن أن نجد أمثلة على هذا النوع من الإستراتيجية التفسيرية لدى أيّ مؤرخ جدير بهذا الاسم، من هيرودوت Herodotus إلى هويزنغا Huizinga Johan، لكنها تتجلى بوصفها المبدأ
التفسيري المسيطر في القرن التاسع عشر في أعمال جيكوب بوركهارت Burckhardt Jacob Carl. وتسعى السياقية، بوصفها إستراتيجية تفسيرية، لأن تتحاشى كلً من النزوع التجزيئي الجذري لدى الشكلية، والنزوع التجريدي الجذري لدى العضوية والميكانيكية. وهي تكافح، بدلً من ذلك، من أجل تكامل نسبيللظواهر التي يجري تبيّنها في نطاقات محددة من المجريات التاريخية بعَدِّها "اتجاهات "
10 انظر:
W. H. Walsh, Introduction to the Philosophy of History (London, 1961), pp. 60 - 65 ; Isaiah Berlin "The Concept of Scientific History," in Philosophical Analysis and History , ed. Dray, pp. 40 - 51.
وحول "الضمّ" عمومًا، انظر ملاحظات Mink في 72 - 171. pp ", Autonomy "
للمراحل والعهود أو سيماءات عامة لها. وإذا ما كانت السياقية تستحضر، ضمنًا، قواعد الجمع والتركيب؛ بغيةَ تحديد الخصائص المشتركة لكيانات تشغل نطاقات محددة من المجريات التاريخية، فإنَّها لا ترى هذه القواعد على أنها مكافئة لما يطرحه الميكانيكي من قوا ين السبب والنتيجة الكونية، أو لما يطرحه العضوي من مبادئ غائية عامة. بل تُرى، بدلً من ذلك، بوصفها علاقات فعلية يُفتَض
أنَّها موجودة في أزمنة وأمكنة بعينها، ولا يمكن البتّة معرفة أسبابها الأولى والأخيرة والمادية. يواصل السياقيُّ بعد ذلك، كما يخبرنا بيبر، فيعزل من الحقل التاريخي عنصرًا ما (أيّ عنصر، في الحقيقة) ويتّخذه موضوعًا
للدراسة، سواء أكان هذا العنصر كبيرًا مثل "الثورة الفرنسية" أم صغيرًا مثل يوم واحد في حياة شخص بعينه. ومن ثَمّ يتابع ليلتقط
"الخيوط" التي تربط الحادث الذي يجب تفسيره بنطاقات مختلفة من السياق. وتحدّد هذه الخيوط ويُقتفَى أثرها نحو الخارج، نحو
الفضاء الطبيعي والاجتماعي المحيط الذي وقع الحادث ضمنه، ورجوعًا في الزمن؛ بغية تحديد "أصوله"، وقدُمًا في الزمن؛ بغيةَ تحديد
"أثره" و"نفوذه" في حوادث تالية. وتنتهي عملية الاقتفاء هذه عند النقطة التي إمّا أن تختفي عندها "الخيوط" في "السياق" الخاص
ب "حادث" ما آخر، أو "تتقارب" لتكون سببًا في وقوع "حادث " ما جديد. وليس الدافع وراء كلّ هذا مكاملة جميع الحوادث والاتجاهات
التي يمكن تحديدها في الحقل التاريخي كلّه، بل ربطها معًا في سلسلة من التوصيفات الموقّتة والمقيدة تطال نطاقات محدّدة من
المجريات "الدالّة" على نحوٍ جلي.ّ يجب أن يكون واضحًا أنَّ من الممكن النظر إلى مقاربة السياقي لمشكلة التفسير التاريخي بعدِّها جَمْعًا للدوافع التجزيئية التي
تقف وراء الشكلية من جهة أولى، والدوافع التكاملية التي تقف وراء العضوية من جهة ثانية. لكنّ التصور السياقي للحقيقة والتفسير
والبرهان يبدو، في الواقع، فائق التواضع في ما يقتضيه من المؤرّخ ويطلبه من القارئ. لكن السياقية، بفضل تنظيمها الحقلَ التاريخي
إلى نطاقات مختلفة من المجريات الدالّة التي يمكن على أساسها تمييز المراحل والعهود أحدها من الآخر، تمثِّل حلًّ ملتبسًا لمشكلة
بناء نموذج سردي للسيروراتالتي يجري تبيّنها في الحقل التاريخي. ويتصور السياقي "جريان" الزمن التاريخي على نحوٍ يشبه حركة
الموجة (وهذا ما يشير إليه بوركهارت صراحةً) التي تُعَدُّ فيها أطوارٌ وذ رىً معينة أكثر دلالةً، جوهريًّا، من سواها. وتشير عملية اقتفاء
خيوط المجريات بتلك الطريقة التي تتيح تبيّ الاتجاهات في السيرورة إلى إمكانية قيام سرد يمكن أن تسيطر فيه صور النماء والتطور.
لكن الإستراتيجيات التفسيرية السياقية أكثر ميلً، في الواقع، إلى تمثيلات تزامنية لمقاطع أو أجزاء من السيرورة، حيث يُجرى الاقتطاع
عبر وحدة الزمن، إذا جاز التعبير. وهذا الميل إلى الصيغة البنيوية أو التزامنية في التمثيل متأصّل في أيّ فرضية سياقية عن العالم. وإذا
ما قام المؤرّخ الميّال إلى السياقية بمراكمة المراحل المختلفة التي درسها في رؤية شاملة للسيرورة التاريخية كلها، فعليه أن يتحرك خارج
الإطار السياقي: إما نحو اختزال ميكانيكي للمعطيات باسم القوا ين "الخالدة" التي يُفْتَض أنها تحكمها، أو نحو توليف عضوي لتلك
المعطيات باسم "المبادئ" التي يُفْتَض أنها تكشف الغاية التي تنحو نحوها السيرورة برمّتها على المدى الطويل. الآن، إنَّ أيًّا من نماذج التفسير الأربعة هذه يمكن أن يُستَخدَم في عمل تاريخي؛ كي يوفّر ما يشبه حجاجًا شكليًّا حول المعنى
الحقيقي للحوادث المصوَّرة في السرد، لكنها لم تتمتع كلّها بالسلطة ذاتها بين الممارسين الاختصاصيين المعروفين لهذا الفرع منذ إضفاء
الطابع الأكاديمي عليه في أوائل القرن التاسع عشر. والواقع، أنّ النموذجين الشكليَّ والسياقيَّ هما اللذان نزعا إلى الغلبة بين المؤرّخين
الأكاديميين؛ بوصفهما المرشَّحيَن الأساسيَيّن للأرثوذكسية. وكلما ظهر النزوعان العضوي والميكانيكي لدى أساطين المهنة المشهورين،
كما هو الحال عند رانكه وتوكفيل على التوالي، كانا يُعدَّان زلَّتَيْ مؤسفتين؛ بعيدًا عن الأشكال الصحيحة التي يمكن أن تتخذها
التفسيرات في التاريخ. علاوةً على ذلك، عندما يسيطر الدافع إلى تفسير الحقل التاريخي بطريقة عضوية وميكانيكية تلك السيطرة
الصريحةَ لدى مفكر معين، مثل هيغل من جهة أولى وماركس من جهة أخرى، كان هذا الدافع يُؤوَّل بأنّه السبب وراء وقوعهما في
"فلسفة التاريخ" الشنيعة. باختصار، مثّلت الشكلية والسياقية، بالنسبة إلى المؤرّخين المحترفين، حدود الاختيار بين الأشكال الممكنة التي يمكن أن يتخذها
تفسيرٌ من النوع "التاريخي" على وجه التحديد. وفي المقابل، مثّلت الميكانيكية والعضوية بدعتين في الفكر التاريخي، في رأي كلٍّ من
الخط الأساس للمؤرخين المحترفين، وخط المدافعين عنهم بين الفلاسفة الذين يعُدّون "فلسفة التاريخ" أسطورةً أو خطأً أو أيديولوجيا.
وعلى سبيل المثال، فإنَّ كتاب كارل بوبر النافذ بؤس التاريخانية يكاد يقتصر على كونه اتّهامًا مكينًا لهاتين الصيغتين من صيغ التفسير
في الفكر التاريخي. لكن الأسس التي يقوم عليها عداء المؤرّخين المختصين لصيغتَيِ التفسير العضوية والميكانيكية تبقى غامضة. والأحرى، أنَّ أسباب
هذا العداء تكمن، كما يبدو، في اعتبارات تقع خارج الأبستمولوجيا. ذلك أنّه ليس ثمة أسس أبستمولوجية محقّقة لتفضيل صيغة في التفسير على أخرى، نظرًا إلى الطبيعة العلمية البدئية للدراسات التاريخية.
قيل، بالطبع، إنَّ التاريخ لا يمكن تحريره من الأسطورة والدين والميتافيزيقا إلا بإقصاء صيغتَيِ التفسير العضوية والميكانيكيةِ عن
عملياته. ومن المقبول، على هذا الأساس، أنَّه لا يمكن الارتقاء بالتاريخ إلى مصافّ "علمٍ" صارم؛ ليُزْعمَ أنّ ذلك الإقصاء يمكّن، على
الأقل، من تجنّب أخطار "العلموية"، أي المحاكاة الزائفة للمنهج العلمي، والتملّك غير الشرعي للسلطة العلمية. ذلك أنّ التاريخ، إذ
يقصر نفسه على التفسير بصيغتَيِ الشكلية والسياقية، يبقى "تجريبيًّا" على الأقل، ويقاوم السقوط في ذلك النوع من فلسفة التاريخ التي
يمارسها هيغل وماركس. لكن هذا العداء تجاه الصيغتين العضوية والميكانيكية في التفسير، وبسبب من أنّ التاريخ ليسعلمًا صارمًا؛ لا يعبّ، كما يبدو،
سوى عن انحياز المؤسسة الاختصاصية. وحين نسلّم بأنَّ العضوية والميكانيكية توفّران تبصّاتٍ في أي سيرورة من سيرورات العالمَيْ
الطبيعي والاجتماعي لا يمكن أن توفّرها الإستراتيجيتان الشكلية والسياقية؛ فعندها لا بدّ أن يكون إقصاء العضوية والشكلية عن التفسيرات التاريخية المعتمدَة قائمًا على اعتبارات خارج الأبستمولوجيا. ولا يعكس التزام التقنيات التجزيئية الشكلية والسياقية سوى
قرار من طرف المؤرّخين بألا يحاولوا ذلك النوع من مكاملة المعطيات الذي تعتمده العضوية والميكانيكية كأمر طبيعي مفروغ منه. ويبدو
أنَّ هذا القرار، بدوره، يقوم على آراء غير نقدية في شأن الشكل الذي يجب أن يتخذه علمٌ عن الإنسان والمجتمع. وتبدو هذه الآراء،
بدورها، أخلاقية عمومًا، وأيديولوجية على وجه التحديد، من حيث طبيعتها. غالبًا ما تكون ثمة قناعة، عند الراديكاليين بخاصّة، بأنَّ لتفضيل المؤرّخ المحترف الإستراتيجيتين التفسيريتين السياقية والشكلية
بواعثه الأيديولوجية. يزعم الماركسيون، مثلً، أنَّ من مصلحة الجماعات الاجتماعية المسيطرة أن ترفض الصيغ الميكانيكية في التفسير
التاريخي؛ لأنَّ كشف القوا ين الفعلية للبنية والسيرورة التاريخيتين كفيلٌ بأن يكشف الطبيعة الحقة للسلطة التي تتمتع بها الطبقات
السائدة، ويوفّر المعرفة الضرورية لإزاحة تلك الطبقات عن مواقع الامتياز والسلطة. ومن مصلحة الجماعات المسيطرة، كما يقول الراديكاليون، أن تتعهّد بالرعاية تصورًا عن التاريخ لا تُعرَف فيه سوى الحوادث المفردة وعلاقاتها بسياقاتها المباشرة، أو لا يُسْمَح
فيه، إذا ما سُمح، بأكثر من ترتيب الوقائع في تنميطات مهلهلة؛ لأنَّ مثل هذه التصورات عن طبيعة المعرفة التاريخية تمتثل للتصورات
"الفردانية" المسبقة لدى "الليبرالين"، والتصورات "التراتبية" المسبقة لدى "المحافظين" على التوالي.
. Karl R. Popper , The Poverty of Historicism (London , 1961), pp. 5 - 55 انظر: 11
يرى المؤرّخون الليبراليون، في المقابل، أنّ ثمّة بواعث أيديولوجية أيضًا تقف وراء مزاعم "الراديكاليين" أنّهم اكتشفوا "قوا ين"
البنية والسيرورة التاريخيتين. ويرون أنَّ هذه القوا ين عادةً ما تُقدَّم بغية تعزيز برنامج معيّ للتغيير الاجتماعي، إمّا باتجاه راديكالي أو
رجعي. وهذا يعطي البحث عن قوا ين البنية والسيرورة التاريخيتين نكهة رديئة، ويضع موضع الشبهة بحثَ أيّ مؤرخ يزعم السعي وراء
مثل هذه القوا ين. وينطبق الشيء ذاته على تلك "المبادئ" التي يتصدّى من خلالها فلاسفة التاريخ المثاليون لتفسير "معنى" التاريخ
كلّه. فمثل هذه "المبادئ" التي يلحّ عليها أنصار التصورات السياقية والشكلية والميكانيكية؛ تُقدَّم على الدوام دعمًا لمواقف أيديولوجية
هي في مقاصدها تقهقرية أو ظلامية. يبدو، في الحقيقة، أنَّ هنالك مكوّنًا أيديولوجيًّا لا يمكن اختزاله في كلّ رواية تاريخية للواقع. وذلك يعني أنَّ كلّ زعمٍ يدّعي تبي
نوعٍ من التماسك الشكلي في السجل التاريخي يجلب معه نظريات عن طبيعة العالم التاريخي والمعرفة التاريخية ذاتها، لها تضميناتها الأيديولوجية بالنسبة إلى محاولات فهم "الحاضر"، كيفما جرى تعريف هذا "الحاضر"، وذلك لأن التاريخ ليسعلمًا، أو هو، في أفضل
أحواله، علم بدئي ذو عناصر غير علمية، يمكن تحديدها على وجه الدقة في تكوينه. وبعبارة أخرى، إنَّ زعم التمييز بين عالمٍ ماضٍ وعالم حاضر للفكر والممارسة الاجتماعيين، وتحديد التماسك الشكلي لذلك العالم الماضي؛ إنما يتضمنتصوّرًا عن الشكل الذي يجب أن
تتخذه معرفة العالم الحاضر أيضًا، بقدر ما يكون هذا الأخير متماديًا مع ذلك العالم الماضي. فالتزامشكلمعين من المعرفة يحدّد مسبقًا
أنواعالتعميمات التي يمكن للمرء أن يطلقها في شأن العالم الحالي، وأنواع المعرفة التي يمكن أن يمتلكها حياله، وتاليًا؛ أنواع المشاريع
التي يمكن أن يتصورها على نحو مشروع في ما يتعلّق بتغيير الحاضر أو الحفاظ عليه بشكله الحالي إلى ما لا نهاية. التفسير بالتضمين الأيديولوجي تعكس الأبعاد الأيديولوجيّة لروايةٍ تاريخيّةٍ العنصرَ الأخلاقي الذي ينطوي عليه اتّخاذ المؤرّخ موقفًا معيّنًا من مسألة طبيعة
المعرفة التاريخيّة، والاستنتاجات التي يمكن استمدادها من دراسة حوادث الماضي؛ لفهم حوادث الحاضر. وما أعنيه بمصطلح
"الأيديولوجيا" هو مجموعة من الوصفات الخاصة باتّخاذ موقف في عالم الممارسة الاجتماعيّة الراهن والعمل بموجبه (إمّا لتغيير العالم
أو للحفاظ عليه في حالته الراهنة). ويتم التوصّل إلى مثل هذه الوصفات من خلال حجاجات تدّعي لنفسها سلطة "العلم" أو "الواقع."
وسوف أقتفي تحليل كارل مانهايم Mannheim Karl، في كتابه الأيديولوجيا واليوتوبيا، وأطرح أربعة مواقف أيديولوجيّة أساسيّة:
الفوضويّة Anarchism، والمُحَافظَة Conservatism، والراديكاليّة Radicalism، والليبراليّة Liberalism.
12 قمتُ بتبسيط تصنيف مانهايم أنماطَ الأيديولوجيات الأربعة وفلسفات التاريخ التي تسندها. وهو في مقالته " Politics Scientific of Prospect "، يضع قائمة بخمسة
"أنماط مثالية تمثيلية" للوعي السياسي الذي نشأ في القرين التاسع عشر والعشرين، اثنان منهما هما نوعان من المُحَافظَة (الأول "بيروقراطي"، والثاني "تاريخاني"). ولا
أحتاج إلى أن أقيم هنا مثل هذا التمييز؛ إذ يمكن القول إنَّ الشكل "البيروقراطي" يقف في وجه جميعالجهود المدفوعة أيديولوجيًا؛ الرامية إلى تغيير النظام الاجتماعي. وأنا
معنيٌّ بأعمال المفكرين الذين سعوا لتغيير الواقع القائم أو الحفاظ عليه باللجوء إلى تصورات معينة للسيرورة التاريخية. وبقدر ما أعلم؛ ما من مؤرخ أو فيلسوف للتاريخ كتب
بطريقة تعزّز موقف "البيروقراطي المحافظ". لكن "التاريخانية المحافظة" كما تصورها مانهايم تمثّل الملجأ الطبيعي ل "المحافظ البيروقراطي"؛ بناءً على تعريفي المُحَافظَة بأنها
دفاعٌ ليس عن ماضٍ مثالي، بل عن النظام الاجتماعي الحالي. انظر:
Mannhiem, Ideology and utopia: An introduction to the Sociology of Knowledge (New York, 1946), pp. 104 ff.; and idem , "conservative Thought," in Essays in Sociology and Social Psychology , ed. Paul Kecskemeti (New York, 1953), pp. 74 - 164.
يورد مانهايم أيضًا "الفاشية" بين الأنماط المثالية للوعي السياسي الحديث. ولم أستخدم هذا الصنف؛ لأنه سوف يكون نوعًا من المفارقة الزمنية لو طبّقتُ ذلك على مفكري
القرن التاسع عشر. وبدلً من ذلك؛ استخدمت صنف "الفوضوية" الذي هو، في رأي مانهايم، الشكل الخاص بالقرن التاسع عشر الذي اتخذه التفكير السياسي القياميّ.
كما يورد مانهايم في مقالته " Mentality Utopian The " أربعة أنماط مثالية من التفكير اليوتوبي، كل منها يمثل مرحلة مميزة في تطور الوعي السياسي الحديث. وهي
الألفية العربيدة Chiliasm Orgiastic (التقليد الألفي الذي مثلّه الداعون إلى تجديد العماد Anabaptists في القرن السادس عشر)، والفكرة الإنسانية - الليبرالية- Liberal
idea humanitarian، والفكرة المحافظة idea Conservative، واليوتوبيا الاشتراكية - الشيوعية utopia communist - Socialist:. انظر. pp , utopia and Ideology
222 - 190. وكانت الفوضوية الشكل العلماني الذي اتخذته الألفية العربيدة في القرن التاسع عشر، أما الفاشية فهي الشكل الذي اتخذته في القرن العشرين. انظر: المصدر
هناك، بالطّبع، مواقف نظريّة سياسيّة أخرى. ويورد مانهايم القياميّة Apocalypticism لدى الطوائف الدينيّة الحديثة الباكرة،
والموقف الرّجعي Reactionary، والموقف الفاشي Fascist. لكن هذه المواقف هي في جوهرها مواقف سلطوية على نحوٍ لم تكنه أشكال
القرن التاسع عشر من الأيديولوجيّات التي سبق ذكرها. فالقياميُّ يُقيم وصفات الفعل على سلطة الوحي الإلهي، والرّجعيُّ على سلطة
ممارسة الطبقة أو الجماعة التي يراها منظومةً صحيحةً أبدًا للتنظيم الاجتماعي، ويقيمها الفاشيُّ على سلطة الزعيم الكاريزمي التي تسمو فوق أي نقاش. ومع أنّ الناطقين باسم وجهات النّظر هذه قد ينخرطون في جدالات مع ممثلّي مواقف أخرى، فإنّهم لا يرون من الضروريّ إقامة سلطة مواقفهم المعرفيّة على أسس عقلانيّة أو علميّة. وعلى الرّغم من أنّهم قد يقدّمون نظريّات معيّنة في المجتمع
والتاريخ، فإنّ هذه النظريّات لا تُعَدُّ مسؤولةً حيال النقد الذي تطلقه مواقف أخرى، أو حيال "المعطيات" عمومًا، أو حيال الاحتكام إلى
معايير الاتّساق والتماسك المنطقيّة. لكن المواقف الأيديولوجيّة الأربعة الأساسية التي حددها مانهايم تمثّل أنظمةً للقيمة تدّعي سلطة "العقل"، أو "العلم"، أو
"الواقع". وهذا الادّعاء يُلز مها، ضمنًا، مناقشةً عامّة للأنظمة الأخرى التي تدّعي سلطةً مماثلةً. وهو يجعلها، أبستمولوجيًّا، واعيةً ذاتَها
على نحوٍ لا يكون عليه ممثّلو المنظومات "السلطويّة"، ويُلزِمها جهدًا لفهم "المعطيات" التي اكتشفها مُسْتَقصُو السيرورة الاجتماعيّة،
العاملون من وجهات نظر أخرى مغايرة. باختصار، إنَّ أشكال القرن التاسع عشر من الفوضويّة والمُحافظَة والراديكاليّة واللّيبراليّة
"مسؤولة معرفيًّا" على نحوٍ لا يكون عليه ممثّلوها "السلطويون". عليّ أن أشدّد، عند هذا الحدّ، على أنّ مصطلحات: "فوضوي" و"محافظ" و"راديكالي" و"ليبرالي" يُقصَد بها أن تعمل بوصفها
مؤشّات على تفضيل أيديولوجيّ عام، لا بوصفها شارات أحزاب سياسيّة محدّدة. فهي تمثّل مواقفَ مختلفة من إمكان تحويل دراسة
المجتمع إلى علم، والرّغبة في فعل ذلك؛ وأفكارًا مختلفة في شأن الدروس التي يمكن للعلوم الإنسانيّة أن تعطيها؛ وتصوّرات مختلفة في
شأن الرغبة في الحفاظ على الواقع الاجتماعي القائم أو تغييره؛ وتصوّرات مختلفة في شأن الاتّجاه الذي يجب أن يتّخذه تغيير الواقع
القائم ووسائل إحداث مثل هذا التغيير؛ وتمثّل، أخيرًا، توجّهات زمنيّة مختلفة (نحو الماضي أو الحاضر أو المستقبل، بعَدِّ الواحد منها
المستودعَ الذي يُكْنَز فيه الإطار المفهوميّ الحاكم للشكل "المثاليّ" من أشكال المجتمع). وعليّ أن أشدّد، أيضًا، على أنّ حَبْكَ مؤرّخٍ معين
للسيرورة التاريخيّة، أو طريقة تفسيره لها في ح جاج شكلي؛ لا حاجة بهما لأن يُعدَّا وظيفةً من وظائف الموقف الأيديولوجي الذي يحمله
نفسه، ص 233. وما يجعل الفوضوية فريدة في تاريخ السياسات القيامية هو حقيقة أنها تسعى، بخلاف كل من الألفية والفاشية، لأن تكون مسؤولة معرفيًا، أي أنها تسعى
لأن تقدّم تبريرات عقلانية لموقفها اللاعقلاني.
في رأيي، إنَّ الفوضوية هي التضمين الأيديولوجي للرومانسية، وظهرت حيثما ظهرت الرومانسية على مدى القرن التاسع عشر، وغذّت الفاشية في القرن العشرين بالطريقة
التي غذتها الرومانسية. وحاول مانهايم أن يربط الرومانسية بالمُحَافظَة على نحوٍ منهجي في حين أنهما لم تكونا، في تجلياتهما أوائل القرن التاسع عشر، سوى ظاهرتين
صادف أن تعاصرتا. وفلسفة التاريخ التي ولدتها الأسطورة الرومانسية لا تستشرف فكرة مجتمع متكامل تمامًا قابل للتحقيق في الزمن التاريخي، تلك الفكرة التي تلهم
المحافظ الترتيل تقريظًا للوضع القائم. ما هو فريد في الرومانسية هو لحظتها الفردانية، تلك الأناويّة egoism التي تلهم الإيمان بفوضى تامة والرغبة فيها. هذه اللحظة قد
تكون حاضرة لدى بعض المفكرين المحافظين المزعومين، لكنهم، إذا ما كانوا محافظين حقًا، فإنها تكون لديهم بمنزلة شَ كَ أيديولوجي؛ دفاعًا عن موقع متميّز لجماعة
معينة في النظام الاجتماعي القائم ضد المطالبة بالتغيير المبرمج من طرف الراديكاليين أو الليبراليين أو الرجعيين. لا يمكن للمحافظ أن يؤيد تصورًا فوضويًّا أصيلً للعالم
إلا بقدر ما يمكنه أن يحتمل تصورًا راديكاليًّا حقيقيًّا لهذا العالم. إنه يدافع عن الوضع القائم بإظهاره أنّه يشكّل وحدة عضوية متكاملة لا يزال الفوضويون والراديكاليون
يحلمون بتحقيقها. 13 أخذتُ فكرة "المسؤولية المعرفية" عن بيبر. وهو يستخدمها كي يميز بين منظومات فلسفية التزمت دفاعات عقلانية عن فرضياتها عن العالم ومنظومات أخرى لم تلتزم
ذلك. ومن الأمثلة على هذه الأخيرة الصوفية Mysticism، والإحيائية Animism، والشكيّة المطلقة Skepticism Utter، وجميعها تضطر، عند حد معين من حجاجاتها، إلى
العودة إلى أفكار الوحي أو السلطة أو العرف. ومع أنَّ صوفيين وإحيائيين وشكّييّن معي ين يقدّمون تبريرات عقلانية للمواقف اللاعقلانية التي يتخذونها إزاء الواقع، فإن قد
مثل هذه التبريرات عادة ما تُقدَّم بصفتها نقدًا للعقلانية المفرطة لدى خصومهم. ومن المتعذّر، في النهاية، الدفاع عن المحتوى الإيجابي لعقائدهم على أسس عقلانية؛ لأنهم،
في النهاية، ينكرون سلطة العقل ذاته. انظر: 37 - 115. pp , Hypotheses World , Pepper. تتمثّل مكاف ئات هذه المنظومات في التفكير السياسي بالنبيل الإقطاعي المقيَّد إلى
التراث؛ والرجعي الذي ينكر أي استحقاق للحاضر أو المستقبل؛ والفاشي أو العدمي الذي يرفض كلً من العقل ومثال الاتساق في الحجاج مع خصومه.
بوعي. الأحرى أن يُقال إنّ للشكل الذي يعطيه لروايته التاريخيّة تضمينات أيديولوجيّة تتوافق مع هذا الموقف أو ذاك من المواقف
الأربعة التي ميّزناها في ما سبق. وكما تلحق بكلّ أيديولوجيا فكرةٌ بعينها عن التاريخ وسيروراته، كذلك أيضًا يلحق بكل فكرة عن التاريخ
تضمينات أيديولوجية يمكن تحديدها بدقّة. يمكن التعبير عن المواقف الأيديولوجيّة الأربعة التي تهمّني تعبيرًا تقريبيًّا على النحو التالي: في ما يتعلّق بمشكلة التغيير الاجتماعي، تعترف
المواقف الأربعة كلّها بحتميته لكنّها تمثّل آراء مختلفة في ما يخصّ الرغبة فيه وسرعته الأمثل. وطبيعيّ أنَّ المحافظين هم الأكثر اشتباهًا بتغيير
الواقع الاجتماعي القائم تغييرًا مبرمجًا، أمّا الليبراليّون والراديكاليّون والفوضويون فهم، نسبيًّا، أقلّ اشتباهًا بالتغيير عمومًا؛ ما يجعلهم متفائلين
إلى هذا الحدّ أو ذاك حيال آفاق التغييرالسريعللنظام الاجتماعي. وينزع المحافظون، كما يلاحظ مانهايم، إلى رؤية التغيير الاجتماعي على أنه تدرجات تشبه التدرّجات التي تعتري النبات، في حين يميل الليبراليون (ليبراليو القرن التاسع عشر على الأقل) إلى رؤية ذلك بقياسه على أنّه
تعديلات، أو "عمليات دقيقة" شبيهة بما يُجرى لآلية من الآليات. وفي كلتا الأيديولوجيتين، ثمة تصوّر عن بنية المجتمع الأساسية على أنها
سليمة، وإذا ما كان يُنظَر إلى شيء من التغيير على أنّه حتمي، فإن هذا التغيير ذاته يُعَدُّ أشدّ فعالية حين يطال أجزاء محددة من الكلّ، وليس
العلاقاتالبنيوية. أمّا الراديكاليون والفوضويون فيعتقدون ضرورة التغييرات البنيوية؛ بغيةَ إعادة بناء المجتمع على أسس جديدة، بالنسبة إلى
الأوّلين، وبغيةَ إلغاء "المجتمع" وإحلال "جماعة" من الأفراد محلّه يجمعها معًا ما تتقاسمه من إحساس ب "إنسانيتها" المشتركة. في ما يتعلّق بسرعة التغييرات المتصوَّرَة، يلحّ المحافظون على الإيقاع "الطبيعي"، في حين يحبّذ الليبراليون ما يمكن أن ندعوه
الإيقاع "الاجتماعي" للجدال البرلماني، أو إيقاع العملية التعليمية والمنافسات الانتخابية بين أحزاب ملتزمةٍ إطاعةَ قوا ين الحكم القائمة. في المقابل، يرى الراديكاليون والفوضويون إمكان قيام تحولات مباغتة، مع أنَّ الأولين ميالون إلى أن يكونوا أكثر إدراكًا للقوة اللازمة لإحداث مثل هذه التحولات، وأكثر حساسية حيال قوة العطالة في المؤسسات الموروثة، وهم، بعدُ، أكثر عناية بشرط الوسائلاللازمة لإحداث التغييرات مقارنةً بالأخيرين. يصل بنا هذا إلى النظر في التوجهات الزمنية المختلفة للأيديولوجيات المتنوعة. وفقًا لمانهايم؛ يميل المحافظون إلى تخيّل التطور
التاريخي على أنّه إحكامٌ تقدّمي للبنية المؤسسية التي تسود حاليًّا، وهي بنية ينزلونها منزلة "اليوتوبيا"، أي الشكل الأفضل للمجتمع
الذي يمكن للبشر "واقعيًّا" أن يأملوه، أو يطمحوا إليه على نحو مشروع، في الوقت الراهن. في المقابل، يتخيل الليبراليون زمنًا في
المستقبلسوف تتحسن فيه هذه البنية، لكنهم يُسقطون هذا الشرط اليوتوبي على المستقبل البعيد، بطريقة تحبط أي جهد حالي
لتحقيقه على نحو مندفع وطائش، بوسائل "راديكالية". ويميل الراديكاليون، من جهة أخرى، إلى رؤية الشرط اليوتوبي بعدِّه وشيكًا؛
ما يلهم عنايتهم بتوفير الوسائل الثورية لإحداث مثل هذه اليوتوبيا الآن. وأخيرًا، يميل الفوضويون إلى إضفاء طابع مثالي على ماض
بعيد من البراءة الطبيعية - الإنسانية سقط منها البشر إلى الحالة "الاجتماعية" الفاسدة التي يجدون فيها أنفسهم الآن. وهم، بدورهم، يُسقطون هذه اليوتوبيا على ما هو، عمليًّا، مستوى غير زمني، ويرونها إمكانًا من إمكانات الإنجاز البشري في أيّ وقت، إذا ما سيطر البشر
على إنسانيتهم الجوهرية، إمّا بفعل الإرادة أو بفعل الوعي الذي يدمّر الإيمان الذي يبثه المجتمع بشرعية المؤسسة الاجتماعية القائمة. هذا الموقع الزمني للمثال اليوتوبي الذي تعمل الأيديولوجيات المختلفة لمصلحته يتيح لمانهايم أن يصنّف هذه الأيديولوجيات؛ تبعًا لميلها نحو "التوافق الاجتماعي" من جهة، أو "التجاوز الاجتماعي" من جهة أخرى. والمحافظة هي الأشد "توافقًا اجتماعيًّا"؛
والليبرالية هي كذلك نسبيًّا. أمّا الفوضوية فهي الأشدّ "تجاوزًا اجتماعيًّا"؛ والراديكالية هي كذلك نسبيًّا. وعمليًّا، تمثّل كلّ واحدة من
هذه الأيديولوجيات خليطًا من عناصر التوافق والتجاوز الاجتماعي. وفي هذا الأمر، فإنَّ اختلافات إحداها عن الأخرى هي أمور تتعلق
بالإلحاح أكثر مما تعلق بالمضمون. وجميعها تأخذ احتمال التغيير على محمل الجدّ. وهذا ما يفسّ اهتمامها المشترك بالتاريخ، وعنايتها
بأن توفّر تبريرًا تاريخيًّا لبرامجها. وهذا ما يفسّ، بالمثل، استعدادها لمجادلة إحداها الأخريات، بمصطلحات مسؤولة معرفيًّا، حول
مسائل ثانوية، مثل سرعة التغيير الاجتماعي المرغوب فيه، والوسائل المستخدمة لإحداثه. لكنالقيمة المسبغة على المؤسسة الاجتماعية الراهنة هي ما يفسّ تصوراتها المختلفة عن كل منشكلالتطور التاريخي، والشكل
الذي يجب أن تتخذه المعرفة التاريخية. وفي رأي مانهايم، فإنَّ مشكلة "التقدم" التاريخي تُفسَّ بطرائق مختلفة باختلاف الأيديولوجيات.
فما هو "تقدّم" بالنسبة إلى إحداها هو " تقهقر" بالنسبة إلى أخرى، مع تمتّع "العصر الحاضر" بمكانة مختلفة من أيديولوجية إلى
أخرى، متراوحًا بين ذروة التطور أو حضيضه؛ تبعًا لدرجة الاغتراب في أيديولوجية معينة. وفي الوقت ذاته، فإنَّ الأيديولوجيات تكرّم أ طرًا
مفهوميةً حاكمةً مختلفة في ما يتعلّق بالشكل الذي يجب أن تتخذه الحجاجات الرامية إلى تفسير "ما حدث في التاريخ". وتعكس هذه الأطر المفهومية التفسيرية المختلفة ما لدى الأيديولوجيات المختفلة من توجهات "علمية" إلى هذا الحدّ أو ذاك. هكذا، مثلً، يشاطر الراديكاليون الليبراليين قناعة بإمكان دراسة التاريخ "عقلانيًّا" و"علميًّا"، لكن لدى هذين الفريقين تصورات
مختلفة حيال ما يمكن أن يتكون منه تأريخ عقلاني وعلميّ. فالأولون يلتمسون قوا ين البنى والسيرورات التاريخية، والأخيرون يلتمسون
الاتجاهات العامة للتطور أو منحاه الأساس. ومثل الراديكاليين والليبراليين؛ يعتقد المحافظون والفوضويون، بالتوافق مع قناعة عامة
في القرن التاسع عشر، أنّ من الممكن اكتشاف "معنى" التاريخ وتقديمه في رَس يمَات مفهومية schemata conceptual مسؤولة معرفيًّا
وليس سلطويةً فحسب. لكن تصورهم لما يمكن أن تكون عليه معرفة تاريخية مميزة يتطلب إيمانًا ب "الحدس" بوصفه الأساس الذي
يمكن أن يُبنَى عليه "ع لمٌ" للتاريخ مفترض. ويميل الفوضوي إلى تقنيات الرومانسية الحدسية أساسًا في رواياته التاريخية، في حين يميل
المحافظ إلىمكاملة حدوسه المتعددة حيال الموضوعات في الحقل التاريخي في رواية عضوية شاملة للسيرورة كلّها. في رأيي، ليس ثمة أسس خارج أيديولوجية يمكن الحكم على أساسها بين ما تلجأ إليه الأيديولوجيات المختلفة من تصورات متصارعة عن السيرورة التاريخية، والمعرفة التاريخية. ذلك أنَّ افتراض موقف أبستمولوجي معين نحكم من خلاله على كفايتها المعرفية سوف يمثّل هو ذاته خيارًا أخلاقيًّا آخر، ما دامت هذه التصورات لها أصولها في الاعتبارات الأخلاقية. ولا يمكنني أن أزعم أنَّ تصورًا عن
المعرفة التاريخية تفضّله أيديولوجيا معينة هو أكثر "واقعية" من التصورات الأخرى، ذلك أنّ هاته الأيديولوجيات تتخالف، تحديدًا،
على مسألة ما يشكّل معيارًا كافيًا ل "الواقعية". ولا يمكنني أن أزعم، أيضًا، أنَّ تصورًا للمعرفة التاريخية هو أكثر "علمية" من سواه من
دون أن أحكم، مسبقًا، على مشكلةِ ما يجب أن يكون عليه علم أو تاريخي اجتماعيعلى وجه التحديد. من المؤكّد أنّ الميكانيكية كانت تمثّل تصوّر العلم المُعتمَد، عمومًا، خلال القرن التاسع عشر. لكن المنظّرين الاجتماعيين اختلفوا
أحدهم عن الآخر حول شرعية علمٍ ميكانيكي للمجتمع والتاريخ. فالصيغ الشكلية والعضوية والسياقية في التفسير واصلت ازدهارها في العلوم الإنسانية خلال القرن التاسع عشر؛ بسبب اختلافات أصيلة في الرأي حول كفاية الميكانيكية بوصفها إستراتيجيا. لستُ معنيًّا، إذًا، بترتيب التصورات المختلفة عن التاريخ التي أنتجها القرن التاسع عشر من حيث "واقعيتها" أو "علميتها."
وبالمثل، إنَّ غرضي ليس أن أحللها بوصفها إسقاطات لموقف أيديولوجي معين. لست مهتمًّا سوى بالإشارة إلى الكيفية التي تدخل فيها
الاعتبارات الأيديولوجية محاولاتِ المؤرّخ تفسيرَ الحقل التاريخي، وبناءَ نموذج لفظي لسيروراته في سرد. لكني سأحاول أن أبيّ أنَّ ثمّة
تضمينات أيديولوجية محددة، حتى في أعمال أولئك المؤرّخين وفلاسفة التاريخ الذين من الواضح أنّ اهتماماتهم ليست سياسية، مثل
بوركهارت ونيتشه. فهذه الأعمال تتوافق، على الأقلّ، مع هذا الموقف الأيديولوجي أو ذاك من مواقف الزمن الذي كُتبت فيه.
ما أراه هو أنَّ اللحظة الأخلاقية لعمل تاريخي تنعكس في صيغة التضمين الأيديولوجي الذي يمكن بواسطته الجمع بين إدراك
جمالي (بناء الحبكة)، وعملية معرفية (الحجاج)؛ بحيث نستمد أقوالً تقريرية مما قد يبدو أنّه أقوال وصفية أو تحليلية محض. قد "يفسّ " مؤرّخ ما حدث في الحقل التاريخي بتحديده القانون الحاكم (أو القوا ين الحاكمة) لمجموعة الحوادث المحبوكة في القصة
بوصفها دراما ذات مغزى تراجيدي أساسًا. أو أنّه، بالعكس، قد يجد المغزى التراجيدي للقصة التي حبكها في اكتشافه "القانون" الذي
يحكم تسلسل الإفصاح عن الحبكة. وفي أيّ من الحالتين، فإنَّ التضمينات الأخلاقية لحجاج تاريخي معين يجب أن تُسْتمَدّ من
العلاقة التي يفترض المؤرّخ وجودهاضمنمجموعة من الحوادث قيد الاعتباربينبنية الحبكة الخاصة بالمَفْهمَة السردية من جهة أولى،
وشكل الحجاج المُقدَّم بوصفه تفسيرًا "علميًّا" (أو "واقعيًّا") صريحًا لمجموعة الحوادث من جهة ثانية. يمكن لمجموعة من الحوادث المحبوكة على أنّها تراجيديا أن تُفسَّ تفسيرًا "علميًّا" (أو "واقعيًّا") باللجوء إلى قوا ين التحديد السببي
الصارمة، أو إلى قوا ين الحرية الإنسانية الحدسية، بحسب الحالة. في الحالة الأولى يكون التضمين هو أن البشر مُلزمون مصيرًا محتومًا
بفضل مساهمتهم في التاريخ، أمّا في الحالة الثانية فالتضمين هو أنّ بمقدورهم أن يتصرفوا على نحوٍ يسيطرون فيه على مصائرهم، أو
يؤثروا فيها على الأقلّ. والزخم الأيديولوجي في التواريخ المصوغة بهاتين الطريقتين المتغايرتين هو، عمومًا، زخم "محافظ" و"راديكالي"
على التوالي. وهذان التضمينان لا حاجة بهما إلى أن يظهرا شكليًّا في الرواية التاريخية ذاتها، بل يمكن تحديدهما من النبرة وّالجو اللذين
صيغ بهما حلّ الدراما، وظهور القانون الذي تمثّل تجلِّيًا له. والفروق بين نوعي التأريخ المميّزين على هذا النحو هي تلك التي أتصور أنها
تميّز عمل شبنغلر Spengler من جهة، وعمل ماركس من جهة أخرى. فصيغة التفسير الميكانيكية تُسْتَخدَم عند الأول لتبرير نبرة التواريخ
المحبوكة بوصفها تراجيديات أو جوّها، لكن بطريقة تنطوي على تضمينات أيديولوجية؛ هي تكيُّفيّة اجتماعيًّا. أمّا عند ماركس، فتُستخدَم
إستراتيجية التفسير الميكانيكية ذاتها لتكريس رواية تراجيدية للتاريخ؛ هي رواية بطولية ونضاليّة في نبرتها. وتماثل الفروق هنا، بدقّة، تلك
الفروق بين تراجيديا يوريبيديس وتراجيديا سوفوكليس، أو بين تراجيديا الملك لير وتراجيدياهاملت، إذا ما أخذنا حالة كاتب واحد. يمكن أن نورد من التأريخ أمثلةً نوعية مقتضبة بغرض الإيضاح. فتواريخ رانكه عادةً ما توضع في صيغة الكوميديا، وهي شكل للحبكة
موضوعُه المركزي فكرةالتسوية. وبالمثل، فإنَّ صيغة التفسير السائدة لديه هي العضوية القائمة على كشف البِنى والسيروراتالتكاملية التي
تمثّل، كما يعتقد، الصيغ الأساسيّة للعلاقة التي توجد في التاريخ. ولا يُعنى رانكه ب "القوا ين" بل بكشف "أفكار" الفاعلين والفاعليّات التي
ينظر إليها كأنّها من قاطني الحقل التاريخي. وما أراه هو أنّ نوع التفسير الذي يحسب رانكه أن المعرفة التاريخية توفره هو الصنو الأبستمولوجي
لإدراكٍ جمالي للحقل التاريخي؛ يأخذ شكل الحبكة الكوميدية في سرديّاته كلّها. أمّا التضمينات الأيديولوجيّة لهذا الجمع بين صيغة كوميديّة
في بناء الحبكة، وصيغة عضوية في الح جاج، فهي تضمينات محافظة على وجه التحديد. ذلك أنَّ تلك "الأشكال" التي يتبيّنها رانكه في الحقل
التاريخي توجد في حالٍ من الانسجام الذي عادةً ما يظهر في نهاية كوميديا. ويتُرَك القارئ كي يتأمّل تماسك الحقل التاريخي الذي يُنزَل منزلة
بنيةٍمكتملة من "الأفكار" (أي المؤسسات والقيم)، ومع ضربٍ من الشعور الذي يتولّد لدى جمهور دراما أنجزت حلًّ كوميديًّا حاسمًا لكلّ ما
تشتمل عليه من الصراعات التراجيديةفي الظاهر. أمّا نبرة الصوت فهي نبرة تكيّفيّة، والجوّ جوّ تفاؤل، والتضمينات الأيديولوجية محافظة،
بقدر ما يمكن للمرء أن يستنتج من تاريخ مُفسَّ على هذا النحو أنّه يقطن أفضل العوالم التاريخية الممكنة، أو، على الأقل، أفضل العوالم التي
يمكنه أن يأملها "على نحو واقعي"؛ نظرًا إلى طبيعة السيرورة التاريخية كما تتكشّف في رواية رانكه لها. يمثّل بوركهارت تنويعًا آخر على إمكانات الجمع هذه ذاتها. كان بوركهارت سياقيًّا؛ وأشار إلى أنّ المؤرّخ "يفسّ " حادثًا معيّنًا بإقحامه
في قماشٍ زاخر بالفرديات المتباينة التي تشغل فضاءه التاريخي المحيط. وهو يُنكر إمكان اشتقاق قوا ين من دراسة التاريخ وصحّة
إخضاعه لتحليلٍ تنميطي. وبالنسبة إليه، إنَّ نطاقًا معينًا من الوقائع التاريخية يمثل حقلً من الحدوث غنيًّا، إلى هذا الحدّ أو ذاك، في
تألّق "قماشه"، وحسّاسًا، إلى هذا الحد أو ذاك، حيال التمثيلات الانطباعيّة. وعلى سبيل المثال، إنَّ كتاب بوركهارت حضارة النهضة
عادة ما يُعَدُّ خاليًا تمامًا من "القصة" أو "الخطّ السردي". والصيغة السردية التي وُضع بها، فعليًّا، هي صيغة الهجاء Satire من satura،
(أو "الخليط") الذي هو الصيغة القصصية للسخرية، ويحدث شيئًا من آثارها الأساسية برفضه تقديم ضروب التماسك الشكليّ التي
اعتاد المرء توقّعها من قراءة الرومانس والكوميديا والتراجيديا. وهذا الشكل السرديّ الذي هو الصنو الجمالي لتصوّر المعرفة وإمكاناتها
تصوّرًا شكّيًّا على وجه التحديد، إنّما يقدّم نفسه بوصفه النمط لجميع تصوّرات التاريخ التي يُفترض أنّها مناهضة للأيديولوجيا وبوصفه
بديلً ل "فلسفة التاريخ" التي مارسها ماركس وهيغل ورانكه، وكان بوركهارت، شخصيًّا، يحتقرها. لكنّ للنبرة والجوّ اللذين يوضع فيهما السّد الهجائي تضميناتهما الأيديولوجية الخاصّة. وهي تضمينات "ليبرالية" إذا ما وُضع
السرد في نبرة متفائلة، و"محافظة" إذا ما وُضع في نبرة مستقيلة. وعلى سبيل المثال، إنّ تصوّر بوركهارت للحقل التاريخي بوصفه
"نسيجًا" من الكيانات الفردية المرتبطة معًا بما يزيد قليلً على مكانتها بعدّها مكوّنات للميدان ذاته، وعلى تألّق تجلياتها المتعددة،
متضافرًا مع شكيّته الشكلية؛ هو تصوّر مُحب ط لأي جهد من طرف جمهوره يرمي إلى استخدام التاريخ وسيلةً لفهم العالم الحاضر بغير
المصطلحات المحافظة. وتشاؤم بوركهارت في ما يتعلّق بالمستقبل إنّما يعزّز لدى قرّائه موقف ال " peut qui sauve " ("اللهم نفسي.)"
ومثل هذه المواقف يمكن الترويج لها إمّا لمصلحة القضايا الليبراليّة، أو لمصلحة القضايا المحافظة؛ تبعًا للأوضاع الاجتماعية الفعلية التي
تُقدَّم فيها، لكنه ما من إمكان مطلقًا لأن تُقام عليها حجاجات راديكالية. وتضميناتها الأيديولوجية النهائية، كما استخدمها بوركهارت،
هي تضمينات محافظة على وجه التحديد، إن لم تكن "رجعيّة." مشكلة الأساليب التأريخيّة سوف أعمد الآن، بعد أن ميّزتُ بين ثلاثة مستويات يعمل عليها المؤرّخون لإكساب سرديّاتهم أثرًا تفسيريًّا، إلى النّظر في مشكلة
الأساليب التأريخية. وفي رأيي، إن أسلوبًا تأريخيًّا يمثّل جَمْعًا خاصًّا بين صيغ بناء الحبكة، والحجاج، والتضمين الأيديولوجي. لكن
الصيغ المتنوعة في بناء الحبكة، والحجاج، والتضمين الأيديولوجي لا يمكن جمعها عشوائيًّا في عمل معيّ. وعلى سبيل المثال، إنَّ بناء
للحبكة كوميديًّا لا يتوافق مع حجاج ميكانيكيّ، مثلما أنّ أيديولوجيات راديكاليّة لا تتوافق مع بناء للحبكة هجائي. وهناك، إذا جاز
القول، ضروبٌ مختارة من الألفة بين الصيغ المختلفة التي يمكن أن تُستخدم لتحقيق أثر تفسيري على مستويات التركيب المختلفة.
وهذه الضروب المختارة من الألفة إنّما تقوم على التشابهات البنيويّة التي يمكن تبيّنها بين الصّيغ الممكنة لبناء الحبكة، والحجاج،
والتضمين الأيديولوجي. ويمكن تمثيل هذه الضروب من الألفة على النحو التالي:
صيغة بناء الحبكة
صيغة الحجاج
صيغة التضمين الأيديولوجي
| صيغة بناء الحبكة | صيغة الحجاج | صيغة التضمين الأيديولوجي |
|---|---|---|
| رومانسية | شكلية | فوضوية |
| تراجيدية | ميكانيكية | راديكالية |
| كوميديّة | عضوية | مرحافظة |
| هجائية | سياقية | ليبرالية |
هجائية
سياقية
ليبرالية
لا ينبغي أخذ ضروب الألفة هذه على أنها تضافرات ضٌرورية للصيغ لدى مؤرّخ معيّ. بل على العكس، إنّ التوتر الديالكتيكي
الذي يميّز عمل كلّ مؤرّخ من أساطين المؤرّخين إنما ينشأ، في العادة، من جهد لعقدِ قِرانٍ بين صيغة لبناء الحبكة وصيغة للحِجاج
أو للتضمين الأيديولوجي غير متوافقة معها. وعلى سبيل المثال، إنّ ميشليه حاول أن يجمع بناءً للحبكة رومانسيًّا وحجاجًا شكليًّا مع
أيديولوجيا ليبرالية صراحةً. كذلك، أيضًا، استخدم بوركهارت بناءً للحبكة هجائيًّا، وحجاجًا سياقيًّا في خدمة موقف أيديولوجي محافظ
صراحةً، ورجعي في النهاية. أمّا هيغل فحبَك التاريخ على مستويين؛ تراجيدي على المستوى الأصغري، وكوميدي على المستوى الأكبري،
وبررهما كليهما باللّجوء إلى صيغة في الحِجاج هي صيغة عضوية، مع نتيجة تتمثل في كون المرء قادرًا على استنتاج تضمينات راديكالية
أو محافظة من قراءة أعماله. لكن التوتر الديالكتيكي يتطور، في كلّ حالة، في سياق رؤية متماسكة أو صورة رئيسة لشكل الحقل التاريخي كلّه. وهذا يُعطي
تصوّرَ المفكّر للحقل وجهَ الكلّ المتماسك داخليًّا. وهذا التماسك والاتّساق هو الذي يعطي عمله خصائصه الأسلوبية المميزة. والمشكلة
هنا هي تحديد أسس هذا التماسك والاتساق. وفي رأيي، إن هذه الأسس شعرية، ألسُنيّة على وجه التحديد، في طبيعتها. قبل أن يتمكن المؤرّخ من تطبيق الجهاز المفهومي الذي سيستخدمه للتمثيل والتفسير على معطيات الحقل التاريخي، لا بد
له، أولً، من أن يصوِّرمسبقًا ذلك الحقل، أي أن يكوّنه كموضوع للإدراك الذهني. وهذا الفعل الشعري لا يتميّز من الفعل الألسني
الذي يُهيَّأ فيه الحقل للتأويل بوصفه مجالً من نوع معين. وهذا يعني أنه، قبل أن يمكن تأويل مجال معين، لا بدّ، أولً، أن يُفسَّ
بوصفه أساسًا مسكونًا بالصور التي يمكن تمييزها. وهذه الصور، بدورها، يجب تصوّرها على أنها قابلةٌ للتصنيف بوصفها أنظمةً، وفئات،
وأجناسًا، وأنواعًا مميّزة من الظواهر. علاوةً على ذلك، يجب أن يجري تصورها على أنّها تقيم ضروبًا معينة من العلاقات بعضها مع
بعض، هي علاقات سوف تخلق تحولاتها "المشكلات" التي يجب حلّها بواسطة "التفسيرات" التي تُقدَّم على مستويَيْ بناء الحبكة
والحجاج في السرد. بعبارة أخرى، يواجه المؤرّخ الحقل التاريخي بالطريقة ذاتها التي يمكن أن يواجه بها النحويّ لغةً جديدة. مشكلته الأولى هي
التمييز بين عناصر الحقل المعجمية والنحوية والتركيبية. عندها فحسب؛ يمكن أن يضطلع بتأويل ما يمكن أن يعنيه أيّ تكوين معي
للعناصر أو تحولات علاقاتها. باختصار، مشكلة المؤرّخ هي أن يبني بروتوكولً ألسُنيًّا كاملً مع أبعاد معجمية ونحوية وتركيبية ودلالية،
يصف بواسطته الحقل وعناصره بمصطلحاته هو (لا بالمصطلحات التي وسمتها بها الوثائق ذاتها)، وبذلك يهيئها للتفسير والتمثيل اللذين سيقدمهما لها، بعدُ، في سرده. وهذا البروتوكول الألسُني المتصوَّر مسبقًا سوف يكون بدوره - وبفضل طبيعته المصوَّرة مسبقًا -
قابلً للوصف من حيث الصيغة المجازية السائدة التي وُض.ِع بها يُزعَم أنَّ الروايات التاريخية نماذج لفظية، أو أيقونات، لمقاطع معينة من السيرورة التاريخية. لكن مثل هذه النماذج ضرورية لأن
السجلّ الوثائقي لا يوفّر مسبقًا صورة غير ملتبسة لبنية الحوادث الموثّقة فيها. وكي يصوّر المؤرّخ "ما حدث " في الماضي؛ عليه، أوّل حقا،
أن يصوّر مسبقًا مجموعة الحوادث المسجلة في الوثائق بأكملها بوصفها موضوعًا ممكنًا للمعرفة. وهذا الفعل التصويري المسبق هو
شعريبقدر ما هو قبل معرفيّ وقبل نقديّ في اقتصاد وعي المؤرّخ الخاص. وهو شعري أيضًا بقدر ما هو مكوِّن للبنية التي سوف تُصوَّر،
بعدُ، في النموذج اللفظي الذي يقدّمه المؤرّخ بوصفه تمثيلً وتفسيرًا ل "ما حدث " في الماضي. لكنه مكوِّن، ليس للمجال الذي يمكن حقًا
للمؤرّخ أن يعالجه بوصفه موضوعًا ممكنًا للإدراك (الذهني) فحسب؛ بل أيضًا للمفاهيمالتي سيستخدمها كييحدد الموضوعاتالتي
تقطن ذلك المجال، وكي يصف ضروب العلاقاتالتي يمكن أن يقيمها أحدها مع الآخر. في الفعل الشعري الذي يسبق التحليل الشكلي للحقل، يخلق المؤرّخ موضوعات تحليله ويحدد مسبقًا وجهة الإستراتيجيات المفهومية التي سيستخدمها لتفسيره. لكن عدد الإستراتيجيات التفسيرية الممكنة ليس بالعدد اللانهائي. ثمة، في الواقع، أربعة أنماط أساسية تتماشى مع المجازات الأساسية الأربعة للغة الشعرية. وعلى هذا الأساس، نجد الأصناف الخاصة بتحليل صيغ التفكير، والتمثيل، والتفسير المختلفة التي
نصادفها في حقول غير علمية، مثل التأريخ، متخذةً وجهات اللغة الشعرية ذاتها. باختصار، توفّر نظرية المجازات أساسًا لتصنيف الأشكال البنيوية العميقة للمخيلة التاريخية في مرحلة معينة من تطورها. نظرية المجازات يحدد كلٌّ من الشعرية التقليدية ونظرية اللغة الحديثة أربعة مجازات أساسية لتحليل اللغة الشعرية، أو الصُّوريّة: الاستعارة Metaphor،
والكناية Metonymy، والمجاز المُرسل Synecdoche، والمفارقة Irony. تتيح هذه المجازات توصيف الأشياء بأنواع مختلفة من
14 النصيران البارزان للتصور المجازي للخطاب غير العلمي (الأسطوري والفني والحلمي) هما البنيويان رومان جاكوبسون Jakobson Roman وكلود ليفي ستروس. يستخدم الأخير ثنائية
الاستعاري - الكنائيبوصفهاالأساسلتحليلهأنظمةالتسميةفيالثقافاتالبدائية، وبوصفهامفتاحفهمالأساطير، انظر: 44 - 205. pp , Mind Savage The , Strauss - Lévi Claude؛ وانظركذلكعرض
منهج ليفي - ستروس في: ff 47. pp), 1970 , York New (Lévi - Strauss Claude , Leach Edmund. ويستخدم جاكوبسون الثنائية ذاتها بوصفها الأساس لنظرية ألسنية في الشعرية. انظر
مقالته الألمعية " Poetics and Linguistics " في 350 - 77. pp), 1960 , London and York New (Sebeok. A Thomas. ed , Language in Style؛ وانظر كذلك الفصل الخامس
الشهير من) 1956 , Gravenhage - s (' Language of Fundamentals , Halle Morris and Jakobson Roman، وعنوانه "القطبان الاستعاري والكنائي"، وقد أعيدت طباعته في
16 - 1113. pp), 1971 , York New (Adams Hazard. ed , Plato since Theory Critical. وثمة تطبيق مماثل لهذه الثنائية على مشكلة توصيف البنية الألسنية للأحلام في التحليل
النفسي، انظر: 36 - 101. pp) 1966 , York New (Ehrmann Jacques. ed , Structuralism in ," Unconscious the in Letter the of Insistence The , " Lacan Jacques.
يتصور ليفي ستروس وجاكوبسون ولاكان Lacan Jacques الاستعارة والكناية "قطبَي" السلوك الألسني، ويمثلان، على التوالي، محورَي الاتصال (الفعلي) والانفصال
(الاسمي) لأفعال الكلام. وفي نظرية جاكوبسون الألسنية عن الأسلوب، يُعامل المجاز المرسل والمفارقة كنوعين من الكناية التي تُرَى بدورها على أنها المجاز الأساسي في
النثر "الواقعي". هكذا، مثلً، يكتب جاكوبسون: "اتجهت دراسة المجازات الشعرية باتجاه الاستعارة بصورة أساسية، ولا يزال ما يُدعى الأدب الواقعي، المرتبط صميميًا
بالكناية، يأبى التأويل، مع أنَّ المنهجية الألسنية ذاتها التي تستخدمها الشعرية عند تحليل الأسلوب الاستعاري للشعر الرومانسي، قابلة للتطبيق تمامًا على النسيج الكنائي
للنثر الواقعي". انظر: 375. p ," Poetics and Linguistics , " Jakobson. والحقيقة، أنَّ تحليل تاريخ الواقعية في الرواية من حيث مضمونه الأساسي الكنائي قد أ جْرِيَ في
) 1967 , Cambridge (Novel French the in Style , Ullmann Stephen. ويوضح أ لمان عملية "إضفاء الطابع الاسمي" المطردة على الأسلوب الأساسي "الفعلي" للرواية
الرومانسية من ستاندال Stendhal إلى سارتر.
على الرغم من الخصوبة التي تميزت بها ثنائية الاستعاري - الكنائي في تحليل الظاهرة الألسنية، فإنَّ استخدامها إطارًا للتوصيف الأساليبالأدبية يبقى محدودًا، في رأيي. وأنا
أميل إلى استخدام تصور المجازات الرباعي الذي بات متعارفًا عليه منذ النهضة؛ للتمييز بين أعراف أسلوبية مختلفة ضمن تقليد مفرد من الخطاب. وكما أشار إميل بينفنست
Beneveniste Emile في مقالته الثاقبة حول نظرية فرويد في اللغة: "إنَّ الأسلوب وليس اللغة هو ما نأخذه كحدّ للمقارنة مع الخصائص التي كشفها فرويد باعتبارها تشير إلى
اللغة الحلمية... اللاوعي يستخدم "بلاغة" حقيقية لها "صيغها المجازية"، مثل الأسلوب، ولائحة المجازات القديمة توفّر جردةً ملائمة لنمطيّ التعبير [الرمزي والدلالي]". انظر:
. Emile Beneveniste , " Remarks on the Function of Language in Freudian Theory ," in problems of General Linguistics (Coral Gables , Fla., 1971), p. 75
وفي هذه المقالة، ينقض بينفنست التمييز بين اللغة الشعرية واللغة النثرية؛ بين لغة الأحلام ولغة الوعي اليقظ؛ بين القطب الاستعاري والقطب الكنائي. وهذا يتماشى مع قناعة
مفادها أنَّ التشابهات بين تمثيلات الواقع الشعرية والخطابية هي بأهمية الاختلافات بينها. ذلك أنه بالنسبة إلى التخييلات "الواقعية" كما هو الحال بالنسبة إلى الأحلام:
"طبيعة المضمون تجعل جميع منوعات الاستعارة تظهر، لأنَّ رموز اللاوعي تستمد كلً من معناها وصعوبتها من إقلاب استعاري. وهي تستخدم أيضًا ما تدعوه البلاغة
التقليدية بالكناية (مستودع المضامين) والمجاز المرسل (الجزء في مقام الكلّ) [كذا]، وإذا ما استدعى "تركيب" السلاسل الرمزية وسيلة أكثر من سواها، فإننا إزاء الحذف."
المصدر السابق.
ربما يكمن جزءٌ من صعوبة الانتقال من توصيف ألسني إلى توصيف أسلوبي لأشكال الأدب الواقعي في فشل استخدام التمييز البلاغي التقليدي بين المجازات والصور البيانية
figures من جهة، وذاك الذي بين المجازات والصيغ البديعية schemes من جهة أخرى. صنّف منظّرو القرن السادس عشر، سائرين على هدي بيتر راموس Ramus Petrus،
الأشكال البلاغية بحسب مجازات أربعة؛ هي الاستعارة والكناية والمجاز المرسل والمفارقة، ولكن من دون التشديد على إقصاء إحداها للأخريات، وبذلك قدّموا تصورًا للخطاب
الشعري أشدّ لينًا مما تقدّمه المنظومة ثنائية القطب المحبَّذة لدى الألسنيين المحدثين، كما قدّموا تفريقًا بين الأساليب الأدبية أشدّ حذقًا مما تقدّمه. وفي الوقت الذي يحافظ
بعض المؤرخين على التمييز الثنائي الأساسي بين الاستعارة والكناية، فإنهم يمضون إلى رؤية المجاز المُرسَل على أنه من الاستخدام الاستعاري، وإلى رؤية المفارقة على نوع
أنها من الاستخدام الكنائي. وهذا يسمح بالتمييز بين اللغة نوع التكاملية من جهة واللغة التجزيئية من جهة أخرى، في الوقت الذي يبقي على إتاحته تمييزات أبعد تتعلق
بدرجاتالتكامل أو الاختزال التي ترمي إليها أعرافٌ أسلوبية مختلفة. وفي كتابهالعلم الجديد (1725 - 1740) استخدم جيامباتيستا فيكو Vico Giambattista التمييز
الرباعي بين المجازات أساسًا لتمييز مراحل الوعي التي مر بها الجنس البشري من البدائية إلى الحضارة. وبدلً من رؤية تعارضبين الوعي الشعري (الأسطوري) والوعي
النثري (العلمي)، رأى فيكو استمرارًا. انظر:
Thomas G. Bergin and Max H. Fisch, trans., The New Science of Giambattista Vico (Ithaca, N.Y, 1968), bk. 2 , pp. 129 ff., on "Poetic Wisdom."
وانظر، حول النظرية البلاغية في عصر النهضة وقائمة الأشكال البلاغية والمجازات المستخدمة:
Lee A. Sonnino, A Handbook to Sixteenth Century Rhetoric (London, 1968), pp. 10 - 14 , 243 - 46.
يجري التمييز في البلاغة التقليدية بينالصيغ البديعية والصور البيانية على الأساس التالي: الصيغة البديعية (سواء أكانت من كلمات (lexeos) أم من فكر (dianoia)) هي
نظام تمثيلات لا ينطوي على أي قفزات أو إبدالات "لا عقلانية"، في المقابل، إنَّ الصورة البيانية تنطوي تحديدًا على مثل هذا الإبدال اللاعقلاني (أو على الأقل غير المتوقّع)،
كما في العبارة "أهواء باردة"، على سبيل المثال، عندما يمكن للنعت "حارّة" أن يكون متوقّعًا. لكن ما هو العقلاني وما هو اللاعقلاني في الاستخدام الألسني؟ تكون أي صورة
الخطاب غير المباشر، أو المجازي. وهي مفيدة، على نحو خاص، لفهم العمليات التي يمكن بها التقاط محتويات التجربة التي تقاوم الوصف في تمثيلات نثرية غير ملتبسة التقاطًا تصوريًّا وتهيئتها للإدراك الواعي. وعلى سبيل المثال، يمكن في الاستعارة (المعنى الحرفي
لكلمة metaphor هو "النقل") وصف الظواهر، من حيث تشابه إحداهما مع الأخرى واختلافها عنها، بطريقة القياس أو التشبيه، كما في العبارة "حبيبتي وردة". وفي الكناية (تعني metonymy حرفيًّا "تغيير الاسم") يمكن إحلال اسم جزء من شيء محلّ اسم الكلّ، كما
في العبارة "خمسون شراعًا" حين تكون الإشارة إلى "خمسون سفينة". ومع المجاز المرسل الذي يعدّه بعض المنظّرين شكلً من الكناية،
يمكن وصف ظاهرة باستخدام الجزء كي يرمز إلى خاصية يُفتَض أنها متأصّلة في الكلّ، كما في التعبير "أرسلنا العيون" حين يُقصد
بالعيون الجواسيس. وفي المفارقة، أخيرًا، يمكن وصف الكيانات من طريق نفينا، على المستوى المجازي، ما أكدناه، على المستوى الحرفي،
ويمكن عدُّ الصور التي تبدو في الظاهر تعبيرًا عبثيًّا (التعسف المجازي أو المجاز الشاذ catachresis)، مثل "أفواه عُمْيٌ"، والتناقض
الظاهر (إرداف الخلف أو اجتماع لفظتين متناقضتين oxymoron)، مثل "شغف بارد"، أمثلة على هذا المجاز. المفارقة والكناية والمجاز المرسل هي أنواع من الاستعارة، لكن أحدها يختلف عن الآخر بأنواع الاختزالاتأو التكاملاتالتي تحدثها على المستوى الحرفي لمعانيها، وبأنواع الإضاءات التي ترمي إليها على المستوى المجازي. فالاستعارة هي تمثيلية أساسًا، والكناية
اختزالية، والمجاز المرسلتكاملي، والمفارقةنافية. على سبيل المثال، يؤكّد التعبير الاستعاري "حبيبتي وردة" كفايةَ الوردة بوصفها تمثيلً للحبيبة. وهو يشدّد على أنَّ ثمّة تشابهًا بين
موضوعين يقف إزاء اختلافاتهما الظاهرة. لكن مطابقة الحبيبة مع الوردة ليست مقصودة حرفيًّا. والمقصود هو أن تؤخَذ العبارة بيانيًّا،
بوصفها إشارة إلى صفات الجمال والنَّفاسة والرقة وما إلى ذلك، مما تمتلكه الحبيبة. وكلمة "حبيبة" تعمل هنا بمنزلة إشارة إلى فرد
بعينه، أمّا كلمة "وردة" فيُفهَمُ أنها "صورة" أو "رمز" لخصائص منسوبة إلى الحبيبة. وهذه الأخيرة تُطَابَق مع الوردة، لكن على نحو يعزّز
بيانية عقلانية حين ينتج منها اتصال رمى إليه المستخدم. والشيء ذاته يمكن أن يُقال عن الصيغ البديعية، سواء أكانت من كلمات أم من أفكار. ويقرّ الاستخدام الخلاّق
للّغة، بل يقتضي، في الحقيقة، ترك ما يتوقعه الوعي على أساس من العرف والعادة في فعل القراءة أو التفكير أو السماع. وهذا يصحّ على الخطاب النثري "الواقعي" كما يصح
على الشعر، مهما يكن "رومانسيًّا". ما تتصوره المنظومات المصطلحية الشكلية، مثل تلك التي ابتُدِعَت للإشارة إلى معطيات الفيزياء، هو التخلص من الاستخدام البياني كليًّا،
وبناء "صيغ بديعية" schemata كلامية مكتملة لا يظهر فيها أي شيء "غير متوقّع" في الإشارة إلى موضوعات الدراسة. وعلى سبيل المثال، إنَّ الاتفاق على استخدام حساب
التفاضل والتكامل بوصفه المنظومة المصطلحية لمناقشة الواقع الفيزيائي الذي طرحه نيوتن يمثلصوغًا بديعيًا schematization لذلك المجال من الخطاب، وإن كان لا
يمثّل صوغًا بديعيًاللفكر الذي يتناول موضوعات دراسته. ويبقى الفكر الذي يتناول العالم الفيزيائيبيانيًّا figurative بصورة أساسية، يتقدّم بكل ضروب القفزات والوثبات
"اللاعقلانية" من نظرية إلى أخرى، ولكن ضمن الصيغة الكنائية على الدوام. ومشكلة الفيزيائي المبدع هي أن يضع تبصّ اته المستمدة بوسائل بيانية في بديع كلاميّ مخصص
للتواصل مع فيزيائيين آخرين ملتزمين المنظومة المصطلحية الرياضية التي قدّمها نيوتن Newton Isaac.
المشكلة الجوهرية في التمثيل "الواقعي" لتلك المجالات من التجربة غير المضبوطة اصطلاحيًا على طريقة الفيزياء، هي تقديم بديع كلاميّ كاف لتمثيل بديع الأفكار
التي تُعَدُّ الحقيقةفي شأنالواقع. ولكن، عندما يكون الأمر أمر توصيف مجال للتجربة ليس ثمة اتفاق أساسي على ما يتألف منه، أو على ما يمكن أن تكون عليه طبيعته
الحقّة، أو أمر تحد لتوصيفٍ تقليدي لظاهرة مثل ثورة من الثورات؛ فإنَّ التمييز بين ما هو "متوقّع" بصورة مشروعة وما هو غير ذلك ينتفي. والفكر المتعلّق بالموضوع الذي
يجب تمثيله، والكلمات التي يجب استخدامها في تمثيل الموضوع، أو الفكر الذي يتناول الموضوع، كلاهما يُوْدَعُ استخدامات الخطاب البياني. ولذلك من الضروري،
لدى تحليل تمثيلات الواقع "الواقعية" المفترضة، تحديدُ الصيغة الشعرية السائدة التي يوضع فيها خطابها. وبتحديد صيغة (أو صيغ) الخطاب السائدة، ينفذ المرء إلى
مستوى الوعي الذي يُكوَّنعليه عالم من عوالم التجربة قبل تحليله. وباستعادة التمييز الرباعي بين "المجازات الرئيسة"، كما يدعوها كينيث بورك، يمكن للمرء أن
يحدد "أساليب الفكر" المختلفة التي قد تبدو، خفية إلى هذا الحد أو ذاك، في أي تمثيل للواقع، سواء أكان شعريًّا على نحوٍ ظاهر أم نثريًّا. انظر:. app , Grammar , Burke
. الأدبيات التي تتناول المجازات Paul Henle , ed., Language, Thought, and culture (Ann Arbor , Mich., 1966), pp. 173 - 95 وانظر أيضًا:. D , pp. 503 - 17
متنوعة ويحف بها خلاف فطري. وبعض المشكلات التي التقيناها في محاولة تحليل الأبعاد المصطلحية للخطاب تمكن رؤويتها في التوصيفات المتنوّعة للمجازات في:
. Princeton Encyclopedia of Poetry and Poetics , ed. Alex Preminger et al. (Princeton , 1965)
أساسًا للأساليب يعززه التصور ثنائي القطب للأسلوب للإبقاء على التحليل الرباعي للغة البيانية مزية إضافية تتمثّل في مقاومة السقوط في تصور ثنائي - مع - اللغة. والحال، أن
التصنيف الرباعي للمجازات يتيح استخدام إمكانات الجمع التي يتمتع بها تصنيف للأساليب ثنائي مزدوج. وباستخدامه لا نضطر، مثل جاكوبسون، إلى أن نقسم تاريخ أدب
القرن التاسع عشر بين تقليد استعاري رومانسي شعري من جهة، وتقليد كنائي واقعي نثري من جهة ثانية. وتمكن رؤية التقليدين كليهما بوصفهما عنصرين في عرف واحد من
أعراف الخطاب؛ تحضر فيه جميع إستراتيجيات الاستخدام الألسني المجازية، لكنها تحضر بدرجات مختلفة باختلاف الكتاب والمفكّرين.
تميّزها؛ في الوقت الذي يشار فيه إلى الصفات التي تتقاسمها مع الوردة. لا تُختَزلالحبيبة إلى وردة، كما في حال قرأنا العبارة كنائيًّا، كما
أنَّ جوهر الحبيبة لا يُؤخَذ على أنه متطابق مع جوهر الوردة، كما في حال فُهِمَت العبارة على أنها مجاز مرسل. ومن الواضح أنه لا ينبغي
أخذ التعبير على أنه نفي ضمني لما يُؤكَّد صراحةً، كما في حال المفارقة. يشتمل التعبير الكنائي "خمسون شراعًا" على نوعٍ مشابه من التمثيل عندما يؤخَذ على أنه يعني "خمسون سفينة". لكن كلمة
"شراع" هنا تحلّ محلّ كلمة "سفينة" على نحوٍ يختزل الكلّ إلى واحد من أجزائه. وثمة شيئان يقارنان ضمنًا كما في العبارة "حبيبتي
وردة"، لكن الشيئين يجري تصورهما صراحةً على أنَّ ثمّة علاقة تربط أحدهما بالآخر؛ هي علاقة جزء بكلّ. لكن وجهة هذه العلاقة
ليست وجهة عالم أصغر - عالم أكبر، كما هو الحال حين يُقصَد بكلمة "شراع" أن ترمز إلى خاصية يتقاسمها كلٌّ من "السفن"
و"الأشرعة"، فنكون عندها إزاء مجاز مُرْسَل. الأحرى، أنها تشير إلى أنَّ "السفن" هي، بمعنى ما، متطابقة مع جزء منها هي ذاتها، لا
تستطيع من دونه أن تعمل. في الكناية، تُدْرَك الظواهر ضمنًا على أنها تقيم فيما بينها علاقات لها وجهة علاقات الجزء بالجزء، وعلى هذا الأساس يمكن أن
يقوم المرء باختزالأحد الجزأيْن إلى وجه من وجوه الآخر، أو وظيفة من وظائفه. وأن نفهم أيّ مجموعة من الظواهر بوصفها متّخَِذَة
وجهة علاقات الجزء بالجزء (وليس علاقات الشيء بالشيء، كما في الاستعارة) يعني أن نفكر بمهمة التمييز بين تلك الأجزاء التي هي ممثّلَة للكلّ، وتلك الأجزاء التي هي مجرد أوجه له. هكذا، مثلً، يكون التعبير "دَويّ الرعد" كنائيًّا. ففي هذا التعبير تُقسَم العملية
الكاملة التي يحدث بها صوت الرعد إلى نوعين من الظواهر؛ السبب من جهة أولى (الرعد)؛ والنتيجة من جهة ثانية (الدويّ). بعد
إجراء هذه القسمة، يُرْبَط الرعد بالدويّ من وجهة الاختزال سبب - نتيجة. والصوت المُشار إليه بكلمة "رعد" يُسبَغ عليه وجه "الدويّ"
(نوع معين من الصوت) الذي يتيح للمرء أن يتكلّم (كنائيًّا) على "رعد يُحدِثُ دويًّا." يمكن، بواسطة الكناية، إذًا، أن نميّز، في آن، بين ظاهرتين معًا، ونختزل إحداهما لتكون تجلّيًا للأخرى. وهذا الاختزال قد
يأخذ شكل علاقةٍ بين فعل وفاعل (الرعد يدويّ)، أو علاقة السبب والنتيجة ("دويّ الرعد"). وبمثل هذه الاختزالات، كما أشار
كلّ من فيكو وهيغل ونيتشه، يمكن لعالم الظواهر أن يحفل بحشد من الفاعلين والفاعليات التي يُفْتَض أنها توجد وراءه. وما إن
يُفصَل عالم الظواهر إلى نظامين للكينونة (فاعلين وأسباب من جهة، وأفعال ونتائج من جهة ثانية)، حتى تُسبَغ على الوعي البدائي،
بالوسائل الألسُنية المحض وحدها، تلك المقولات المفهومية (فاعلون، أسباب، أرواح، ماهيات) الضرورية للّهوت والعلم وفلسفة
التأمّل المتحض. لكن العلاقةالخارجية في جوهرها التي يُفتَض أنها تميّز نظامَيِ الظواهر في جميع الاختزالات الكنائية يمكن تفسيرها، بواسطة
المجاز المُرسَل، بأنّها علاقة داخلية بين خصائص مشتركة. فالكناية تؤكّد الاختلاف بين ظواهر تُفسَّ بطريقة علاقات الجزء بالجزء.
و"جزء" التجربة الذي يُدرَك بوصفه "نتيجة" يُرْبَط بذاك "الجزء" الذي يُدرَك بوصفه "سببًا" بطريقة الاختزال. أمّا المجاز المُرسَل فيمكّن
من تفسير الجزأين بطريقةَالتكامل ضمن كلّ مختلف نوعيًّا عن حصيلة أجزائه، ولا تشكّل فيه الأجزاء سوى تكراراتأصغرية. كي أوضح ما ينطوي عليه استخدام المجاز المرسل؛ أحلّل التعبير "أرسلنا العيون". ثمة في هذا التعبير ما يبدو أنّه كناية، أي استخدام
جزء من جسد الشخص لوصف جسد الشخص كلّه. لكن كلمة "عين" يجب أن تُفهَم، لا بوصفها جزءًا من الجسد، بل صفة من صفات
الشخص عادةً مايُرمَز لها بكلمة "العين". فليس المقصود أن تُفسَّ كلمة "العين" بأنها تشير إلى جزء تشريحي يمكن استخدام وظيفته
في وصف وظيفة الجسد بأكمله، كما في "خمسون شراعًا" حين تعني "خمسون سفينة"، بل المقصود أن تُفسّ بأنها رمز لصفة - هي
الجاسوسية - مُ الشخص كلَّه، إذ تجمع عناصر بدنية وروحية، تساهم كلّها في هذه الصفة من وجهة العلاقة بين الأصغر والأكبر تسِ.
هكذا يتراكب، في التعبير "أرسلنا العيون"، مجاز مرسل مع كناية. فإذا ما أ خِذَالتعبير حرفيًّا، فلن يكون له، حينئذٍ، معنى. وإذا ما قُرِئ كنائيًّا
فإنّه يكون اختزاليًّا، بقدر ما يقتصر على كونه إدراكًا لمركزية العين في اشتغال العضوية، بحيث يغدو موحِيًا ولو بيانيًّا. أمّا إذا قُرِئ كمجاز مرسَل
- أي بعدِّه قولً يشير إلى علاقة نوعية بين عناصر في كلّ - فإنّه يغدو تكامليًّا لا اختزاليًّا. وبخلاف التعبير الكنائي "خمسون شراعًا" الذي
يُستَخدَم كصورة ل "خمسون سفينة"، فإنَّ المقصود به هو الإشارة ليس إلى "تغيير في الاسم" فحسب، بل إلى تغيير في الاسم يشير إلى
الكلّ في (أولئك الذين أ رسلوا) تمتلك خاصية معينة (الرصد، السمّاع، التجسس... إلخ) تغمر الطبيعة الجوهرية لجميع الأجزاء التي
يتألف منها ذلك الكلّ، وتكوّنه. وهو يشير، حال كون ه كنايةً، إلى علاقة بين الأجزاء المختلفة للجسد الذي يجب أن يُفهَم من حيث
الوظيفة المركزية للعين بين تلك الأجزاء. أمّا باعتباره مجازًا مرسلً، فيشير إلى علاقة بين أجزاء الفرد، منظورًا إلى أنه جَمْعُ خصائص مادية
وروحية، هي نوعية في طبيعتها وتساهم فيها جميع الأجزاء. نظرنا في المجازات الثلاثة إلى الآن بعدِّها أطُرًا مفهومية حاكمة، توفّرها اللغة ذاتها، للعمليات التي يمكن من خلالها للوعي أن
يصوّر مسبقًا مجالات للتجربة هي إشكالية معرفيًّا؛ كي يخضعها لاحقًا للتحليل والتفسير. وهذا يعني، في الاستخدام الألسني ذاته، أن
الفكر مُزوَّد بأطر مفهومية بديلة ممكنة للتفسير. والاستعارة تمثيلية بالطريقة التي يمكن أن نرى عليها الشكلية. والكناية اختزالية بطريقة
ميكانيكية، في حين أنَّ المجاز المرسَل تكاملي على طريقة العضوية. تتيح الاستعارة التصوير المسبق لعالم التجربة على أنّه علاقات تربط
الأشياء بالأشياء، وتتيح الكناية ذلك على أنّه علاقات تربط الأجزاء بالأجزاء، ويتيحه المجاز المرسل على أنه علاقات تربط الكلّ بالشيء.
وكلّ مجاز يتيح أيضًا تنمية بروتوكول ألسني فريد. ويمكن أن ندعو هذه البروتوكولات الألسنية لغات الهوية Identity (الاستعارة)، والخارجية extrinsicality (الكناية)، والداخلية intrinsicality (المجاز المرسل.) مقابل هذه المجازات الثلاثة التي أصفها ب "الساذجة" (إذ لا يمكن استخدامها إلا مع الإيمان بقدرة اللغة على التقاط طبيعة
الأشياء بيانيًّا)، يقف مجاز المفارقة بوصفه صنوًا "عاطفيًّا" (بالمعنى الذي يعطيه شيللر ل "الوعي الذاتي"). وقد أ شير إلى أنَّ المفارقة
هي أساسًا ديالكتيكية، بقدر ما تمثّل استخدامًا للاستعارة واعيًا ومتعمدًا بغية نقضها فعليًّا. والتكتيك المجازي الأساس في المفارقة هو
التعسّف المجازي catachresis (حرفيًّا "إساءة الاستخدام")، أي الاستعارة العبثية في الظاهر المراد لها أن تثير أفكارًا أخرى فيها مفارقة
في شأن طبيعة الشيء الموصوف، أو في شأن قصور الوصف ذاته. ويمكن عدُّ الصورة البلاغية المسماة aporia (حرفيًّا "الارتياب")، حيث
يشير الكاتب مُقدَّمًا إلى عدم تصديق فعلي أو ملفَّق لحقيقة أقواله، صنعةً أسلوبية محبَّذة في لغة المفارقة، سواء أكان ذلك في القصّ من
النوع "الواقعي" الزائد أم في التواريخ التي تُصَاغ بنبرة تشكّكية أو "نسبية" متعمدة. هدف القول المنطوي على مفارقة هو سلبُ ما جرى تأكيده إيجابًا على المستوى الحرفيّ، أو هو تأكيد عكس ه. وهو يفترض أنَّ القارئ
أو المستمع يعلم مسبقًا، أو أنَه قادر على أن يعلم، عبث وصف الشيء المشار إليه في الاستعارة أو الكناية أو المجاز المرسَل المستخدَم لإعطائه
هيئةً. هكذا يغدو التعبير "أرسلنا العيون" منطويًا على مفارقة حين يُلفَظ بنبرة صوت معينة، أو في سياق يمتلك فيه الشخص المشار إليه لا
الخصائص المنسوبة إليه من طرف مستخدم المجاز المرسل. يمكن أن نرى مباشرةً أنَّ المفارقة هي، بمعنى ما، مجاز المجاز metatropological، ذلك أنها تُستَخدَم عمدًا وبوعيٍ لإساءة
الاستخدام التي يمكن إيقاعها باللغة المجازية. وتفترض المفارقة مسبقًا احتلال زاوية نظر "واقعية" حيال الواقع، يمكن منها تقديم
تمثيل غير مجازي لعالم التجربة. هكذا تمثّل المفارقة مرحلةً للوعي تغدو فيها الطبيعة الإشكالية للُّغة ذات ها مُدْركَةً. وهي تشير إلى حماقة
جميع التوصيفات الألسنية للواقع، بقدر ما تشير إلى عبث القناعات التي تحاكيها محاكاة ساخرة. وهي لذلك "ديالكتيكية"، كما لاحظ كينيث بورك، مع أنها ليست ديالكتيكية في فهمها لسيرورة العالم بقدر ديالكتيكيتها في فهم قدرة اللغة على التعمية أكثر من الإيضاح؛
في أي فعل من أفعال التصوير اللفظي. وفي المفارقة، تلتفُّ اللغة المجازية على ذاتها، وتستحضر قدراتها الخاصة لتشويه الإدراك المعنيّ.
وهذا هو السبب في أنَّ توصيفات العالم الموضوعة في صيغة المفارقة غالبًا ما تُعَدُّ معقدّة داخليًّا، وواقعية. ويبدو أنها تشير إلى صعود الفكر
في مجال معين من مجالات الاستقصاء إلى مستوى الوعي الذاتي الذي يغدو ممكنًا عنده إطلاق مَفْهمَة للعالم وسيروراته هي مفهمة
"مستنيرة"، أي ناقدة لذاتها. يوفّر مجاز المفارقة، إذًا، إطارًا مفهوميًّا ألسنيًّا لصيغة من الفكر ناقدة لذاتها على نحوٍ جذريّ في ما يتعلّق لا بتوصيف معين لعالم
التجربة فحسب، بل أيضًا، بكل جهد، لالتقاط حقيقة الأشياء في اللغة التقاطًا وافيًا. إنه، باختصار، نموذج للبروتوكول الألسني الذي
عادةً ما يُعبّ فيه عن الشكيّة في الفكر، والنسبية في الأخلاق. وبوصفه إطارًا مفهوميًّا للشكل الذي يمكن أن يتّخذه تمثيلٌ لسيرورة
العالم، فإنه مُعادٍ أصلً للصياغات "الساذجة" الخاصة بإستراتيجيات التفسير الشكلية والميكانيكية والعضوية. وشكله التخييلي، الهجاء،
مناوئ جوهريًّا للأنماط الأصلية الخاصة بالرومانس والكوميديا والتراجيديا، بوصفها صيغًا لتمثيل أشكال التطور الإنساني المهمة. حين تبرز المفارقة في رؤية ناضجة للعالم، تبدو كأنها عابرة للأيديولوجيات. ويمكن استخدام المفارقة تكتيكيًّا في الدفاع عن المواقف
الأيديولوجية الليبرالية كما المحافظة؛ تبعًا لكون مستخدمها يقف ضد الأشكال الاجتماعية القائمة، أو ضد الإصلاحيين "اليوتوبيين"
الساعين إلى تغيير الوضع القائم، أو لا. كما يمكن استخدامها هجوميًّا من طرف الفوضوي والراديكالي، للتشنيع على مثُل خصومهما
الليبراليين والمحافظين. لكن المفارقة، بوصفها الأساس لرؤية للعالم، تنزع إلى تبديد كل قناعة بإمكانية الفعل السياسي البنّاء. وهي في
التقاطها حمقَ الشرط الإنساني وعبثيتَه، تنزع إلى توليد قناعة ب "جنون" الحضارة ذاتها، وإلى إثارة ازدراء متعال تجاه أولئك الذين يسعون إلى التقاط طبيعة الواقع الاجتماعي سواء أكان ذلك بواسطة العلم أم الفن. أطوار الوعي التاريخي في القرن التاسع عشر توفّر نظرية المجازات طريقة لوصف صيغ التفكير التاريخي السائدة التي اتخذت شكلً في أوروبا في القرن التاسع عشر. وهي تتيح لي، بوصفها أساسًا لنظرية عامة في اللغة الشعرية، أن أصف البنية العميقة للمخيلة التاريخية لتلك الفترة منظورًا إليها كحلقة
مغلقة من التطور. ذلك أنَّ كل صيغة يمكن عدّها بمنزلة طور، أو لحظة، ضمن تراث من الخطاب تطور من إدراكات العالم التاريخي
الاستعارية، مرورًا بالكنائية والمجازية المرسلة، وصولً إلى التقاط النسبية التي لا تقبل الاختزال والتي تسم كلّ معرفة ذلك الالتقاط
القائم على المفارقة. اتخذ الطور الأول من أطوار الوعي التاريخي في القرن التاسع عشر شكله في سياق أزمة في التفكير التاريخي أواخر التنوير. توصّل
مفكّرون مثل فولتير Voltaire وغيبن وهيوم Hume David وكانط وروبرتسن في النهاية إلى رؤية التاريخ رؤية قائمة على المفارقة أساسًا.
وعمد أسلاف الرومانسية - روسو Rousseau، جستس موزر، إدموند بورك، شعراء الطبيعة السويسريون، حركة العاصفة والاندفاع، ولا سيما هيردر - إلى معارضة هذا التصور للتاريخ القائم على المفارقة بنظير "ساذج". ولم توضَع مبادئ هذا التصور للتاريخ على نحوٍ متسق، ولا تمسّك بها نقّاد التنوير المختلفون على ذلك النحو الموحَّد، لكنهم تقاسموا جميعًا عداءً مشتركًا لعقلانية التنوير. وآمنوا ب "الحدس"
بوصفه طريقة للاستقصاء التاريخي، وتعهّدوا بالرعاية تعاطفًا مع تلك الأوجه من التاريخ والإنسانية التي نظر إليها التنويريون باحتقار
أو تفضّل. ونتيجة معارضتهم؛ نشأت أزمة في التفكير التاريخي، واختلاف عميق على الموقف الصحيح الذي يجب أن تُقارب به دراسة التاريخ. وكان من المحتوم أن يلهم هذا الانقسام اهتمامًا بالنظرية التاريخية، فانتقلت "مشكلة المعرفة التاريخية"، مع العقد الأول من
القرن التاسع عشر، إلى مركز اهتمام فلاسفة تلك الفترة.
أعطى هيغل هذه المشكلة صيغتها الأعمق. وخلال الفترة بين كتابه فلسفة العقل (1807) وكتابه فلسفة التاريخ (1830 - 1831)،
حدّد، على نحوٍ صائب، السببَ الأساسَ لهذا الانقسام: الاختلافات التامة بين صيغةٍ في إدراك الحقل التاريخي قائمة على المفارقة،
وأخرى قائمة على الاستعارة. وعلاوةً على ذلك، قدّم هيغل، في فلسفته الخاصّة للتاريخ، تبريرًا معلّلً لتصوّر ذلك الحقل بالصيغة القائمة
على المجاز المرسل. خلال هذه الفترة ذاتها، بالطبع، كانت عقلانية التنوير قيد مراجعة في اتجاهٍعضوي من طرف الوضعيين الفرنسيين. ونجد في أعمال أوغست كونت Comte Auguste الذي بدأ كتابه دراسات في الفلسفة الوضعية بالظهور في 1830، كيف يُعقَد القران بين
نظريات التفسير الميكانيكية لدى التنوير وتصوّر عضويّ للسيرورة التاريخية. وهذا ما أتاح لكونت أن يحبك التاريخ بوصفه كوميديا،
مفكِّكًا، على هذا النحو، الأسطورة الهجائية التي عكست تشاؤم التأريخ في أواخر التنوير. هكذا اتخذت شكلها، خلال الثلث الأول من القرن التاسع عشر، ثلاث "مدارس" مميزة في الفكر التاريخي: "الرومانسية" و"المثالية" و"الوضعية". ومع أنّها اختلفت، بعضها مع بعض، على المنهج الصحيح لدراسة التاريخ وتفسيره، فإنّها كانت موحّدة في رفضها
موقف المفارقة الذي قارب به عقلانيو أواخر التنوير دراسة الماضي. وهذا العداء المشترك للمفارقة بكل أشكالها يفسّ قدرًا كبيرًا من
الحماسة للدراسات التاريخية المميزة لذلك الزمن، ومن النبرة الواثقة في تأريخ أوائل القرن التاسع عشر، تلك الحماسة والنبرة اللتان سيطرتا على الرغم من الاختلافات الحاسمة على مسائل "المنهجية." يفسّ هذا العداء أيضًا النبرة الخاصة التي وسمت التفكير التاريخي خلال طوره الثاني، "الناضج" أو "الكلاسيكي" الذي دام من
حوالي 1830 إلى 1870 أو نحوه. شهدت هذه الفترة جدالً محتدمًا على النظرية التاريخية، وإنتاجًا متسقًا لروايات سردية ضخمة عن
ثقافات الماضي ومجتمعاته. وخلال هذا الطور كان أن أنتج "الأساطين" العظماء الأربعة لتأريخ القرن التاسع عشر - ميشليه، رانكه، توكفيل، وبوركهارت - أعمالهم الأساسية. أكثر ما يلفت في شأن تأريخ هذا الطور هو درجة الوعي الذاتي النظري الذي أجرى فيه ممثّلوه تحرياتهم للماضي، وألّفوا رواياتهم
السردية عنه. ويكاد يلهمهم جميعًا أملٌ بخلق منظور للسيرورة التاريخية يكون "موضوعيًّا" مثل ذلك الذي ينظر به العلماء إلى سيرورة
الطبيعة، و"واقعيًّا" مثل ذلك الذي وجّه منه رجال الدولة في تلك الفترة مصائر الأمم. ولذلك نزع الجدال، في هذا الطور، إلى الالتفات إلى
مسألة المعايير التي يمكن أن يُحكَم بها على تصوّرٍ "واقعي" أصيل للتاريخ. ومثل معاصريهم في الرواية، كان مؤرّخو هذه الفترة مهتمين
بإنتاج صور للتاريخ متحررة من تجريد أسلافهم التنويريين بقدر ما هي خالية من أوهام طلائعهم الرومانسيين. لكنهم، أيضًا مثل معاصريهم في الرواية (سكوت وبلزاك Balzac وستاندال وفلوبير Flaubert Gustave والأخوان غونكور brothers Goncourt The)،
لم ينجحوا إلا في إنتاج أنواعٍ من "الواقعية" مختلفة بقدر اختلاف وجهاتهم في تفسير العالم في خطاب مجازيّ. وإزاء "واقعية" المفارقة
المميزة للتنوير، ابتدعوا عددًا من "الواقعيات" المتنافسة، كلٌ منها إسقاط لهذه الصيغة أو تلك من صيغ الاستعارة والكناية والمجاز
المرسل. والحال، كما سوف أبيّ، أنَّ "الواقعية التاريخية" لدى ميشليه وتوكفيل ورانكه لم تكن تزيد كثيرًا على كونها إحكامات نقدية
للمنظورات التي وفرتها هذه الإستراتيجيات المجازية؛ لمعالجة التجربة بطرائق "شعرية" نوعيًّا. ويشهد المرء في "واقعية" بوركهارت
الوقوع مرة أخرى في شرط المفارقة الذي افترضت "الواقعية" أنّها حررت منه الوعي التاريخي لذلك الزمن. لحقَ بظهور هذه الصيغ المختلفة من المَفْهمَة التاريخية، ونجمَ عنها، مزيد من التأمّل في فلسفة التاريخ. وخلال هذا الطور الثاني،
نزعت فلسفة التاريخ إلى اتخاذ شكل هجوم على منظومة هيغل، لكنها لم تنجح، عمومًا، في أخذ التفكير بالوعي التاريخي أبعد من
النقطة التي تركه عندها. والاستثناء من هذا التعميم هو، بالطبع، ماركس الذي حاول أن يجمع الإستراتيجيات المجازية المُرسَلة لدى
هيغل إلى الإستراتيجيات الكنائية للاقتصاد السياسي في زمنه؛ كي يخلق رؤية تاريخية هي في آن واحد "ديالكتيكية" و"مادية": أي
"تاريخية" و"ميكانيكية" معًا في آنٍ. يمثّل ماركس نفسه الجهد الأشدّ اتّساقًا في القرن التاسع عشر لتحويل الدراسة التاريخي إلى علم. وعلاوة على ذلك، كان جهده
أيضًا الجهد الأشدّ اتساقًا في تحليل العلاقة بين الوعي التاريخي من جهة، والأشكال الفعلية للوجود التاريخي من جهة أخرى. وترتبط
في عمله نظرية التأمل التاريخي وممارسته ذلك الارتباط الصميمي بنظرية المجتمع وممارسته. وكان ماركس، أكثر من أي مفكر آخر، حساسًا تجاه التضمين الأيديولوجي لأي تصور للتاريخ يزعم أنّ له مكانة الرؤية "الواقعية" للعالم. ومع أنَّ تصوّر ماركس للتاريخ هو أبعد
ما يكون عن المفارقة، فقد نجح في كشف التضمينات الأيديولوجية لكلّ تصور للتاريخ. ووفّر بذلك أسسًا وافية لما وسمَ الوعي التاريخي
في الطور الأخير من أطوار التأمل التاريخي لذاك العصر من هبوط نحو المفارقة، أو ما دُعيَ أزمة التاريخانية التي تطورت خلال الثلث
الأخير من ذلك القرن. لكن الفكر التاريخي ما كان بحاجة إلى أيّ ماركس كي يبُرزَ ذلك في طوره الثالث، أو طور الأزمة. مجرد نجاح المؤرّخين في الطور الثاني
كان كافيًا ليُغرِق الوعي التاريخي في شرط المفارقة ذاك الذي هو المحتوى الحقيقي ل "أزمة التاريخانية". وكان الإحكام المتسق لعدد
من التصورات الشاملة والمعقولة، بالمثل، الخاصة بمجموعات الحوادث ذاتها كافيًا لتقويض الثقة في زعم التاريخ التزام "الموضوعيةِ"،
و"العلمية"، و"الواقعية"، ما دامت هذه التصورات يقصي أحدها الآخر ذلك الإقصاء الواضح. ويمكن أن نلتقط فقدان الثقة هذا في أعمال بوركهارت التي هي جماليّة الروح، شكيّة النظرة، كلبيّة النبرة، ومتشائمة حيال أي جهد لمعرفة الحقيقة "الفعلية" للأشياء. النظير الفلسفي لمزاج بوركهارت في التأريخ هو، بالطبع، فريدريك نيتشه. لكن الجمالية، والشكية، والكلبية، والتشاؤم التي اتخذها بوركهارت أسسًا لصنفه الخاص بين صنوف "الواقعية" أخذها نيتشه على أنها مشكلات، بل عدّها تجليات لشرط من التفسّخ الروحي
الذي يجب التغلّب عليه جزئيًّا بتحرير الوعي التاريخي من المثال المستحيل المتمثّل بإيجاد منظور للعالم "واقعي" تلك الواقعية المتعالية. اتخذ نيتشه مشكلةً، في أعماله الفلسفية الباكرة، وعي عصره القائم على المفارقة وما يرتبط بذلك من أشكال المَفْهمَة التاريخية
التي تدعمه. وسعى، مثل هيغل من قبله (وإن يكن بروحٍ مختلفة وهدف مختلف) إلى حلّ هذه المفارقة من دون الوقوع في أوهام رومانسية ساذجة. لكن نيتشه لا يمثّل عودةً إلى تصور رومانسي للسيرورة التاريخية، بقدر ما حاول أن يستوعب الفكر التاريخي في فكرة
الفنّ التي تتخذ الصيغة الاستعارية، بوصفها الإستراتيجية المجازية التي تشكل إطارها المفهومي الحاكم. وتحدّث نيتشه عن تاريخ هو،
عن وعي، تاريخ للتاريخ في نظريته و"مفرط التاريخية" في هدفه. ولذلك دافع عن إدراك للحقل التاريخي استعاريٍّ قصدًا، أي أنه ليس
قائمًا على المفارقة في قصده إلا بصورة استعارية. ونجد في فكر نيتشه الخاص بالتاريخ أنَّ سيكولوجيا الوعي التاريخي تعنو للتحليل؛
إلى درجة كشف أصولها الضاربة في إدراك للواقع شعري على وجه التحديد. والنتيجة، أن نيتشه قدّم، بقدر ما قدّم ماركس، أسسًا لذلك
الوقوع في "أزمة التاريخانية" التي غرق فيها الفكر التاريخي في عصره. ردًّا على أزمة التاريخانية هذه؛ قام بنيديتو كروتشه بتحرياته الضخمة في البنية العميقة للوعي التاريخي. ومثل نيتشه، أدرك
كروتشه أنَّ الأزمة كانت تعكس انتصار موقف عقلي قائم على المفارقة في جوهره. ومثله؛ أم لَ أن يطهّر التفكير التاريخي في هذه المفارقة
باستيعابه في الفن. لكن كروتشه انساق في هذا السياق إلى ابتداع تصور للفن قائمٍ، هو ذاتُه، على المفارقة. وفي محاولته استيعاب الفكر التاريخي في الفن، لم يفلح، في النهاية، إلا في دفع الوعي التاريخي إلى إدراك عميق لشرطه الخاص القائم على المفارقة. وحاول، تاليًا،
أن يحميه من الشكيّة التي عززها هذا الوعي الذاتي الشديد باستيعاب التاريخ في الفلسفة. لكنه لم يفلح في هذه المحاولة إلا في إضفاء
الطابع التاريخي على الفلسفة، جاعلً إياها بذلك واعية لحدودها وعيًا قائمًا على المفارقة، شأنها شأن ما أصبح عليه التأريخ ذاته.
يمثّل تطور فلسفة التاريخ كما تصورناه - من هيغل، مرورًا بماركس ونيتشه، وصولً إلى كروتشه - التطور ذاته الذي رأيناه يعتري
التأريخ من ميشليه، مرورًا برانكه وتوكفيل، وصولً إلى بوركهارت. فالوجهات الأساسية التي اتخذتها المَفْهمَة تبدو ذاتها في كلٍّ من
فلسفة التاريخ والتأريخ، مع أنها تظهر في تسلسل مختلف بأشكالها الناضجة. والأمر المهم هو أنَّ فلسفة التاريخ، مأخوذةً ككلّ، تنتهي
في شرط المفارقة ذاته الذي بلغه التأريخ في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر. وشرط المفارقة هذا لا يختلف عن نظيره التنويري المتأخر
إلا بالتعقيد الذي بُسِطَ به في فلسفة التاريخ، واتساع التفقّه الذي ارتبط بإحكامه في تأريخ ذلك الزمن.
المراجع
References
• Adams, Hazard (ed). Critical Theory since Plato , New York, 1971. • Auerbach, Erich. Mimesis: The Representation of Reality in Western Literature, Princeton, 1968. • Beneveniste, Emile. problems of General Linguistics, Coral Gables, Fla., 1971. • Bergin, Thomas G. and Max H. Fisch (trans), The New Science of Giambattista Vico, Ithaca, New York, 1968. • Burke, Kenneth. A Grammar of Motives, Berkeley and Los Angeles, 1969. • _____________. A Rhetoric of Motives, Berkeley and Los Angeles, 1965. • _____________. Language as Symbolic Action, Berkeley and Los Angeles, 1968. • Danto, Arthur C. Analytical Philosophy of History, Cambridge, 1965. • Dray, William H. (ed). Philosophical Analysis and History, New York, 1966. • Ehrmann, Jacques (ed). Structuralism , New York, 1966. • Foucault, Michel. The Order of Things: an Archeology of the Human Sciences, New York, 1971. • ____________. L'archéologie du savoir, Paris, 1969. • Frye, Northrop. The Anatomy of Criticism: Four Essays, Princeton, 1957. • ____________. Fables of Identity, New York, 1963. • Galli , W. B. Philosophy and the Historical Understanding, New York, 1968. • Gombrich , E. H. Art and Illusion: A Study in the Psychology of Pictorial Representations, London and New York, 1960. • Hartman, Geoffrey. Beyond Formalism: Literary Essays 1958- 1970 , New Haven and London, 1971. • Henle, Paul (ed). Language, Thought, and culture, Ann Arbor, Mich., 1966. • Jakobson, Roman and Morris Halle, Fundamentals of Language, Gravenhage, 1956. • Leach, Edmund. Claude Lévi - Strauss , New York, 1970. • Lemon, Lee T. and Marion J. Reis (eds). Russian Formalist Criticism: Four Essays, Lincoln, Neb., 1965. • Mannhiem, Karl. Ideology and Utopia: An introduction to the Sociology of Knowledge, New York, 1946. • _____________. Essays in Sociology and Social Psychology , Paul Kecskemeti (ed), New York, 1953. • Mink, Louis O. "Philosophical Analysis and Historical Understanding," Review of Metaphysics , 21 , no. 4 , (June, 1968). • Pepper, Stephen C. World Hypotheses: A Study in Evidence, Berkeley and Los Angeles, 1966. • Popper, Karl R. The Poverty of Historicism, London, 1961. • Preminger, Alex et al. (eds). Princeton Encyclopedia of Poetry and Poetics , Princeton, 1965. • Sebeok, Thomas A. (ed). Style in Language , New York and London, 1960. • Sonnino, Lee A. A Handbook to Sixteenth Century Rhetoric, London, 1968.
• Strauss, Claude Levi. The Savage Mind , London, 1966. • Ullmann, Stephen. Style in the French Novel, Cambridge, 1967. • Walsh, W. H. Introduction to the Philosophy of History, London, 1961. • Wellek, Rene'. Concepts of Criticism, New Haven and London, 1963. • White, Hayden. "The Burden of History," History and Theory , 5 , no. 2 (1966). • ______________. "Foucault Decoded: Notes From Underground," History and Theory , 12 , no. 1 (1973).