العودة إلى تفاصيل المؤلَّف عرض كتاب تونس في العصر الوسيط: إفريقية من الإمارة التابعة إلى السلطنة المستقلة

عرض كتاب تونس في العصر الوسيط: إفريقية من الإمارة التابعة إلى السلطنة المستقلة

Review of Tunisia in the Middle Ages: Ifriqiya from Dependent Emirate to Independent Sultanate

ياسين اليحياوي

الملخّص

المؤلف: محمد الطاهر المنصوري. عنوان الكتاب: تونس في العصر الوسيط: إفريقية من الإمارة التابعة إلى السلطنة المستقلة. الناشر: دار صامد للنشر والتوزيع، صفاقس، تونس. سنة النشر: 2015 عدد الصفحات: 287 صفحة.

الكلمات المفتاحية:
  • تونس
  • إفريقية
  • سلطة
  • إمارة
  • عصر وسيط
Keywords:
  • Tunisia
  • Middle Ages
  • Ifriqiya
  • Emirate
  • Sultanate
ياسين اليحياوي| al-Yahyawi *Yassin
ياسين اليحياوي | Yahyawi al Yassin
عرض كتاب تونس في العصر الوسيط:
إفريقية من الإمارة التابعة إلى السلطنة المستقلة
Review of Tunisia in the Middle Ages: Ifriqiya from
Dependent Emirate to Independent Sultanate

يستهل المؤلف كتابه بجملة من الإشكاليات الأساسية التي تعترض أيّ باحث في تاريخ إفريقية، يتجلى أبرزها في ندرة المصادر التي تتحدث عن الفترة الفاصلة بين الحضور المسيحي البيزنطي وقدوم الدولة الإسلامية العربية، إضافةً إلى أنّ أغلب الذين كتبوا عن عملية الفتح وانتهاء الحُكم البيزنطي هم من المشارقة (ص. 7)، وهو ما يجعل المؤرخ لا يركن إلى مساءلة ما دوَّنُوه، بالنظر إلى أنَّه تأريخ لوجود مشرقي في المنطقة يُمجّد انتصارات المشرق وبُطولاته، وإلى أنّ ذكر إفريقية لا يأتي إلا بوصفها منطقةً شهدتْ بطولات الجيوش العربية. ومن ثمّ، فهي تُعبّ عن اهتماماتهم ومواقفهم من إفريقية، ولا تُعبّ بأيّ حال عن الوضع الحقيقي للمنطقة. وعلى الرغم من ظهور مجموعة من المؤلفات التي كتبها من تعربوا وأسلموا من إفريقية، فإنّ هذه المؤلفات ظلّت تُكرس فكرة الغلبة التي أخذت في العديد من الأحيان طابعًا إثنيًا عربيًا، وليس دينيًا، وهو ما يُؤكده المؤلف بقوله: "على الرغم من تداول عبارة الفتح في نصوصها، فهي لا تعبّ عن المفهوم الديني والروحي الذي ضمنته لها المصادر المتأخرة والدراسات الحديثة في فترات لاحقة" (ص. 8). وقد أثّر هذا اللبس في الكتابات المغاربية اللاحقة التي أنتجها كتاب محلّيون متأخرون، إذ نحَتْ إلى تبرير الوجود العربي بوصفه فتحًا دينيًا إسلاميًا، من خلال قراءة للأحداث تعتمد "ذهنية المفعول الرجعي"، وتتحدث عن فضل إفريقية المُستقبلي (نزوع إسكاتولوجي رؤيوي)؛ ذلك أنها ستذب عن الإسلام والمُسلمين في وقتٍ سيخفت فيه بريق المشرق. على الرغم من هذا الإشكال المنهجي الذي تُعانيه المصادر الأولى التي كُتبت من أجل السلطان، ومن أجل مملكة الإسلام، فإنها ساهمت في انتشار تاريخ الأُسر الحاكمة، كما هي الحال بالنسبة إلى تاريخ الفاطميين والحفصيين أكثر من غيرهما، وهو ما يسمح للمؤرخ المُعاصر بأن يؤكد من خلال الكتابة التاريخية أنّ بداية خروج إفريقية عن السلطة المركزية في الشرق، وبداية الوعي بهذا الاستقلال قد تمّ مع العهد الفاطمي (ص. 11)، وليس مع العهد الأغلبي كما هو شائع. تسمح المصادر التي اعتمد عليها المؤلف بإعادة رسم الماضي وتفسير واقع إفريقية في العصر الوسيط. وتنقسم هذه المصادر بحسب الانتماءات المذهبية إلى مصادر سُنيّة، ومصادر شيعية أو ذات ميل شيعي، ومصادر كتبها الخوارج والمُعارضون للسلطة الحاكمة. وتتجلى فرادة الكتاب أيضًا، في تأكيد ضرورة الاستفادة من المصادر البيزنطية التي بقيت فترةً طويلةً بمعزل عن الدراسة. وهي مصادر اهتمت بتاريخ إفريقية بوصفها منطقةً تابعةً لبيزنطة. ومن ثمّ، يمكن اعتمادها من أجل التأريخ للمنطقة قبل الفتح العربي. هذا إضافةً إلى الأرشيف الأوروبي الذي يُوثّق مختلف علاقات إفريقية بالضفة الشمالية من المتوسطي. ويسمح اعتماد هذا النوع من المصادر - كما يُؤكد ذلك المؤلف - بوضع المؤرخ أمام صورة قريبة من الواقع التاريخي لإفريقية في العصر الوسيط، بعيدًا عن "إنهاك النصوص العربية التي لم يعُد لها ما يمكن أن تبيح به في هذا المضمار" (ص. 18)؛ وليس هذا الأمر إقصاءً لجانب الأمصار العربية، ولكنه فتحٌ لباب جديد من أجل مساءلة المعرفة التاريخية، بعيدًا عن أيّ تحيّز أيديولوجي أو قراءة سياسية للتاريخ. فمهمّة المؤرخ تتجلى في تجاوز القراءة التقليدية والسعي لتفسير الظواهر والمواقف من خلال مقاربات شمولية (ص. 19)، حتى لو تعارضت مع مسلمات القارئ التقليدي. إنَّها مساءلة تسعى للاقتراب من الواقع التاريخي بعيدًا عن عاطفة الانتماء إلى الحضارة العربية الإسلامية، وبعيدًا عن تبرير الماضي. وهو ما جعل من الرسالة المنهجية للكتاب تُذكِّر بوصيّة المؤرخ الروماني لوقيانوس السميساطي Samosata of Lucian وتتطابق معها؛ وذلك حين قال: "يجب على المؤرخ أن يكون جريئًا مستقلًّ في الرأي صريحًا محبًا للحقيقة، لا يدع للحقد أو الصداقة أيّ تأثير فيه، لا يُحابي أحدًا شفقةً عليه أو خجلً منه أو احترامًا له، وأن يكون قاضيًا نزيهًا رفيقًا بالجميع لا يُعطي أحدًا إلا ما يستحق، وغريبًا في مؤلفاته كأنْ لا بلد له ولا قانون ولا مبدأ يُكبّله، فيسرد ما جرى غير مُهتمّ بما سيقوله فلان أو فلان".

بعد المقدمة المنهجية التي تضمّنت جملةً من الفوائد، يُمكن الانتقال إلى الفصول الخمسة للكتاب. فقد تحدّث المؤلف في الفصلين الأوّلين عن تاريخ تونس من التبعية إلى الاستقلال. وجاءت الفصول الثلاثة المُتبقية؛ لتكشف عن العديد من الجوانب المادية والاجتماعية والذهنية التي تُساعد على فهم مسار التجربة التونسية (إفريقية) خلال العصر الوسيط. ورَد الفصل الأول بعنوان "ولاية إفريقية: من عالم الروم المسيحيين إلى عالم العرب المُسلمين". وتمّ التطرق فيه إلى فترة مهمّة من تاريخ المنطقة قبل الإسلام، شهدتْ فترة استقلال عن الدولة البيزنطية. ولئن كانت هذه الفترة قصيرة (646  -  698 م)، فإنّ لها بليغ الأثر في ما ستعرفه المنطقة من أحداث. وجاء هذا الاستقلال بعد أن أعلن جرجير والي الإمبراطور، انفصاله عن بيزنطة وانتقاله من قرطاجة إلى سبيطلة. فأدى هذا الواقع إلى انقسام المُجتمع إلى مؤيدين لجرجير ومُعارضين له، هذا من دون الحديث عن البنية الاجتماعية للمنطقة التي عرفتْ حضور البربر والروم والمتروم ين. أضعف هذا التنوع السياسي والإثني قُدرة إفريقية على البقاء مُستقلةً، خصوصًا مع مُحاولة الإمبراطورية إرجاع المنطقة إلى حاضنتها، ثم دخول العرب إلى إفريقية في عمليات الفتح المعروفة. غير أنه من المهمّ أن نتابع المؤلف في مساءلته التاريخية لهذه المرحلة، والبحث عن مدى صدق المصادر العربية التي تنقل لنا استقلال جرجير Patrician the Gregory وتعيين نفسه ملكًا، وإن كان الأمر لا يعدو أنْ يكون تضخيمًا لصورة جرجير في المصادر العربية الإسلامية؛ فمع تضخيم العدوّ، تتولد ضخامة الانتصار (ص. 26). وفي المُقابل، تكون للمصادر الغربية الأخرى رهاناتها الخاصة، إذ لا تفتأ تؤكد أنّ الولاية لم تنفصل قطّ عن الإمبراطورية، وأنّ العرب سلبوها منها. داخل هذا المُعترك من الرهانات والاستعمالات للتاريخ، يُعالج المؤلف هذه القضايا في جزء من الفصل الأول. وبعيدًا عن الجدل المُحتدم حول هذه الفترة، فإنَّ الدخول العربي وتحدّيه للبيزنطيين واقعةٌ تاريخية أدَّتْ إلى انقسام المنطقة سياسيًا إلى موالين للعرب وآخرين موالين للروم، وبينهما أولئك الذين لا يرغبون في الخضوع لبيزنطة أو للعرب، ووجدوا في تدهور قوة الروم فرصةً سانحةً لإرجاع أراضيهم والسيطرة عليها. ولعل هذا الصراع بين الراغبين في الاستقلال وأغلبهم من البربر المسلمين، وبين العرب المقبلين، هو الملمح البارز الذي وسم المنطقة طوال نصف قرن من الزمن (تقريبًا خلال الفترة  647  -  684 م، مع محاولات مُحتشمة للروم من أجل إعادة السيطرة على المنطقة). وسيتحوَّل الصراع من صراع بين العرب والبربر، إلى صراع بين السلطة المركزية في الشرق والتيارات السياسية التي تحاول الاستقلال كالصفرية والإباضية والخوارج، والتي كانت حاضنةً اجتماعيةً تستقطب العديد من البربر المسلمين الرافضين للوجود الأجنبي. ستُساعد جميع هذه الأوضاع على تبلور هامش كبير من الاستقلال عن التبعية للمركز، وهو ما سعى المؤلف لإبرازه في الفصل الثاني من الكتاب. ففي هذا الفصل يُعالج وضع إفريقية من التبعية الرمزية إلى الاستقلال الفعلي، بدْءًا بحُكم الأسرة الأغلبية التي استطاعت أن تستقل ذاتيًا، لكنها ظلتْ تابعةً ومرتبطةً ولو على نحوٍ رمزي بمركز الخلافة العباسية في بغداد. وأبرزُ ما ميز الحُكم الأغلبي التفاف العديد من البربر حول العائلة الأميرية وخِدمتها. فلعلها كانت تُمثّل بالنسبة إليهم طُموحًا نحو الاستقلال عن المشرق. وعلى الرغم من ذلك، ظلّت إلى حدود انهيار الحُكم الأغلبي تعيش على طرف الدولة المركزية. سيتغير هذا الواقع مع قدوم الفاطميين، إذ ستشهد إفريقية لأول مرّة بعد دخول الإسلام استقلالً حقيقيًا عن الدولة المركزية، بل ستُصبح مُنافسًا قويًا وستضطلع بدور مركزي خلال هذه الفترة، ولا سيما بعد إعلانها الخلافة، ومُزاحمتها للعباسيين في الشرق والأمويين في الغرب (الأندلس). وجدير بالذكر أنّ تحوّل إفريقية في العهد الفاطمي من طرف إلى مركز، لم يكن ليحدث لولا استفادة الفاطميين من طبيعة البنية الاجتماعية في إفريقية، إذ ستُقرب إليها العديد من الفئات المُهمة في ظلّ الأرستقراطية العربية التي سبقتها؛ من قبيل البربر واليهود والمسيحيين، وهو ما سمح لها بأن تحظى بتأييد كبير من السكان المحليين.

وقد نتج من رحيل الفاطميين عن إفريقية وتوجههم إلى مصر فراغٌ سياسي سيؤدي إلى دخول المنطقة في فوضى عارمة، ساعدت على صعود الحفصيين الذين كانوا موالين بادئ الأمر للدولة المُوحّدية في الغرب ومُشاركين في نهوضها. وستتمكن الأسرة الحفصية من استعادة استقلال المنطقة، خصوصًا في القرن الثالث عشر، إذ تمكّنت من تثبيت استقلال بني حفص كعائلة حاكمة، ومن تثبيت مجال إفريقية كمجال للسلطنة سعى فيها بعض السلاطين لتبنّي مشروع الخلافة الإسلامية. وعلى الرغم من هذا الاستقلال، عانت الدولة الحفصية فترات ضعفٍ ووهنٍ وفقدانٍ للمُبادرة، ولا سيما في المجال العسكري والبحري والاقتصادي. وفي الفصول اللاحقة، انتقل المؤلّف إلى الحديث عن جملة من البنيات المادية والاجتماعية والذهنية التي أثّرت في تطور منطقة إفريقية ورافقت كلّ محطاتها التاريخية. فاستهل الفصل الثالث بدراسة موقع إفريقية بين البحر والصحراء، واضعًا سؤالً إشكاليًا رئيسًا عن كيفية تأثير منطقة إفريقية وتأثّرها بموقعها الجغرافي بين سهول سائلة وسهول متحركة (ص. 105). وقد تمّ رصد هذه العلاقة بناءً على التطور الزمني خلال العصر الوسيط، بدءًا بمرحلة السطوة على البحر، ثمّ مرحلة فقدان المبادرة البحرية، وأخيرًا مرحلة الغلبة الأوروبية على البحر وأثر ذلك في رجوع جزء مُهمّ من إفريقية إلى طابع البداوة. أمّا المرحلة الأولى، فقد تميزتْ بالإمكانات التي منحتها الملاحة البحرية للعرب من أجل تحقيق انتصاراتهم في شمال أفريقيا، من خلال تسهيل الإمداد الذي مكَّن من فرض السيطرة على السواحل. ولم يكن ذلك ليتأتّ لولا توارث العرب شؤون الملاحة البحرية وخبرتهم بها، ويُوازي ذلك أيضًا ضعف النشاط البحري البيزنطي. وقد كان لمرحلة السيطرة أثرٌ كبير في استكمال السيادة على مجالٍ أصبح الحكم فيه ينحو نحو الانفصال عن المشرق والسعي لاسترجاع دور إفريقية في العهود السابقة على الإسلام (ص. 111). كما توازت هذه السيطرة العسكرية بسيطرة على الجانب الاقتصادي من التجارة البحرية، فقد اضطلعت إفريقية بدور المحور المركزي الذي يربط التجارة بالشرق وبالجزر القريبة منها أيضًا. وأمّا المرحلة الثانية التي فقدت فيها إفريقية المُبادرة البحرية، فقد شهدتْ انتعاش العالم الغربي المسيحي وبداية استرجاع سيطرته بالتدريج على البحر المُتوسط. وقد تزامنت هذه السيطرة مع تراجع العالم الإسلام نحو الداخل؛ وبذلك عوّضت إفريقية السهول السائلة بالسهول المُتحركة، وهو ما أدى إلى تحوّل عوائد إفريقية من نمط مديني مُرتبط بالمدن البحرية، إلى نمط بدوي يتماشى مع طبيعة المُناخ الصحراوي. غير أنَّ هذا التحول تسبَّب به أيضًا انتقال الفاطميين من إفريقية إلى مصر ومجيء بني هلال إلى البلاد، وهو أمرٌ كرّس نمط إنتاجٍ يعتمد على التجارة، واضطلع بدور الوساطة بين الصحراء في الجنوب والعالم الأوروبي في الشمال. وأمّا المرحلة الثالثة، وهي ستتميز بالغلبة الأوروبية على البحر، فقد بدأت منذ منتصف القرن الثاني عشر، واستمرتْ حتى نهاية العصر الوسيط؛ ذلك أنّ أوروبا لم تسيطر على الجانب التجاري من الملاحة البحرية فحسب، بل إنها سيطرت على الجانب العسكري أيضًا. فمنذ انطلاق الحملات الصليبية نحو العالم الإسلامي، تعطلت مختلف الأنشطة المُرتبطة بالسواحل الإسلامية (ص. 119)، وتحوّل البحر من مصدرٍ للزرق والتجارة، إلى مصدر للخوف والمصائب. ولعلّ الحلول الدبلوماسية للدولة الحفصية مع أوروبا، وهي حلول مُتمثلة بمعاهدات السلم والتجارة، تعكس على نحوٍ بارز غلبة أوروبا على البحر المتوسطي. غير أنّ ذلك لم يمنع وجود بعض مظاهر الانتعاش الاقتصادي المُرتبط بالوجود الأوروبي وسيطرته. ويمكن رصد ذلك في نشأة عدد من المؤسسات؛ كالديوانة والفنادق والقنصليات. أمّا السهول المُتحركة، فقد ظلتْ مجالً يتّصف بالخطورة وفي الوقت نفسه اضطرت الدولة، سواء كان ذلك في العهد الأغلبي أو الفاطمي أو الحفصي، إلى فرض سيطرتها عليها تأمينًا للطرق التجارية ولدورها كوسيط في عملية التجارة العالمية. وتبرز خطورة هذا المجال في أنه مقرّ لمختلف الحركات الاحتجاجية كالصفرية والخوارج والإباضية، وقد ازدادت صعوبة السيطرة على هذا المجال مع دخول

بني هلال للمنطقة. أمّا مزاياه، فتتجلى في أنه الطريق الوحيدة لقوافل التبّر والذهب والعبيد والملح المقبلة من جنوب إفريقية. وهكذا، أصبح من الضروري بالنسبة إلى السلطان أن يفرض سلطته على المسالك المؤدية إليها. وفي الفصل الرابع، حاول المؤلف استكشاف البنية الاجتماعية التي واكبت تطورات إفريقية في العصر الوسيط؛ في العهد البيزنطي وفي العهد العربي الإسلامي الذي تلاه. فجاء الحديث في البداية عن المكونات الإثنية وتنوعها بين بربر وروم وأفاريق وعرب. وعلى الرغم من الغموض الذي قد يلفّ الحديث عن الأفاريق، خصوصًا مع ندرة المصادر حولهم (ص. 167)، فإنّ الراجح أنّ هذه الفئة من السكان من المتروم ين الذين انخرطوا في نمط الحياة الرومي وانصهروا فيه، ولعلهم من المُولدين من الروم ممّن رافقوا الحملات الأولى للإمبراطورية البيزنطية إبّان سيطرتها على إفريقية. كما أنّ العرب لم يكن وفودهم رهين مرحلة الفتح، بل يُمكن رصد قُدموهم كذلك مع هجرات بني هلال، ومع هجرات الأندلسيين أيضا. إنَّ دراسة الفئات الإثنية، إبّان دخول العرب لإفريقية، يسمح بتتبع التغيرات التي طرأت على المنطقة وما استتبع ذلك من تطورات اجتماعية. وقد جرت الإشارة في هذا الفصل إلى أهل الذمة بمكوّنيهم اليهودي والمسيحي، ولا سيما أنّ المُعطيات التاريخية تسمح بتأكيد ثقل هذه الفئة داخل مجتمع إفريقية، من خلال مختلف العلاقات التي ربطتهم بالمسلمين في العهد الأغلبي، ثمّ العهدين الفاطمي والحفصي. وهي علاقات اتسمتْ حينًا بطابع الأزمة والتضييق عليهم كما هي الحال في العهد الأغلبي، واتسمتْ حينًا آخر بهامش كبير من التسامح، إلى حدّ إشراكهم في الشأن العامّ وفي دواليب الحُكم كما هي الحال مع الفاطميين. أشار المؤلف أيضًا إلى التقسيم الفئوي لمجتمع إفريقية، إذ إنّ التمايز بينهم كان واضحًا في العصر الوسيط، على الرغم من عدم تكتلهم كطبقات. وفي هذا الصدد، يُمكن الإشارة إلى فئات بارزة من قبيل الأرستقراطيين والجند والتجار والفلاحين، ثمّ بقية المُجتمع التي عادةً ما تتحدث عنها المصادر واصفةً إيّاها بالدهماء والعامّة. وكلّ هذه الفئات عاشت داخل فضاءٍ عمراني شهد العديد من التطورات، بدايةً من تحوّل مركز المدينة من نموذج الساحة العامة الرومانية إلى المركب الديني بعد دخول المسيحية إلى إفريقية، ومرورًا بالمُدن التي شيّدها العرب بعد دخولهم، والتحول الملحوظ من الحواضر الساحلية إلى الحواضر في الداخل والقريبة من الصحراء. كما عرفتْ المنطقة أيضًا تشييد صروح عمرانية غير المُدن، ومن ذلك الرباطات التي انتشرت على طول السواحل مع الحُكم الأغلبي، والتي امتزج فيها الهاجس العسكري بالديني، لتتحول في العصور اللاحقة مع الفاطميين والحفصيين إلى مراكز تجري فيها تنشئة رجال التصوف. وجدير بالذكر، كما يُنبه على ذلك المُؤلف، أنّ الحركة العمرانية عرفتْ مع خروج الفاطميين من إفريقية انكماشًا ملحوظًا، وتحولً من المدينية إلى البداوة، مع خفوت دور المدن الكبرى، واستقلال كلّ واحدة بشؤونها الأمنية والاقتصادية. أمّا الفصل الخامس والأخير، فقد خصّصه المؤلف للتطرق إلى البنيات الذهنية من خلال التركيز على النُخب الفكرية في إفريقية إبّان العصر الوسيط. فقد شهدت المنطقة مراحل مُختلفةً من التنوع الفكري الذي تمتدّ جذوره إلى ما قبل الإسلام (ص. 231)، والذي زاده الإسلام إثراءً وتنوعًا. غير أنَّها تعددية لم تكن لتسلم من الإطار العامّ الذي طبع العصر الوسيط، إذ كان التسلط ومُحاولة فرض الآراء الدينية، ولو بالقوة وحدّ السيف، هو السّمة الغالبة على العديد من المحطات القاتمة في تاريخ إفريقية. وعلى الرغم من ذلك، استطاع المؤلف أن يُقرّب القارئ من تطوّر النُخب الفكرية التي شهدتها إفريقية. في هذا السياق يمكن أن نذكر العلاقات الشديدة التعقيد التي ربطت علماء الدين بالسلطة الحاكمة. ففي حين ظهرت فئة تُؤيد السلطان وتُضفي الشرعية على قراراته وأفعاله، بقيت فئة أخرى تُعارض السلطة الحاكمة وترفض الانصياع لها. وبين الطائفتين، ظهرتْ فئة الزُهاد والمُتصوفة؛ من المُستقرين في المُدن والحواضر أو السائحين بين الرباطات، وهي فئة تنهج منحى حياديًا في العلاقة

بالسُلطان، وتُكرّس مسلك الحياة الروحية البعيدة عن أيّ تَوق إلى الأطماع الدُنيوية. غير أنّ هذه الفئة، نتيجةً للعديد من العوامل الثقافية والاجتماعية، سوف تنتقل من قيامها بدور الوساطة بين الإنسان وربه إلى الوساطة بين الرعية والسلطان، بل إنها ستقوم أحيانًا مقام السلطة (ص. 252)، ولا سيما في أوقات الحروب وعدم قُدرة السلطان على توفير الأمن لرعاياه. فتلجأ إلى سلطة المُتصوفة وما تمنحه إيّاها من أمنٍ روحي ونفسي. تؤكد هذه الجولة بين فصول الكتاب مدى أهمية تاريخ إفريقية (تونس) في العصر الوسيط؛ فقد قامت تونس بأدوار مركزية، وانخرطت في رسم معالم حضارات المُتوسطي، سواء كان ذلك في فترة حكم الإمبراطورية الرومانية ووريثتها البيزنطية، أو عند دخول الإسلام إلى الحكم الحفصي للمنطقة. وخلال هذه الفترة الطويلة انتقلت إفريقية أكثر من مرّة من إمارة تابعة إلى سلطة مُستقلة، بل استطاعت - كما يؤكد ذلك المؤلف - أن تتبوّأ مكانةً مركزيةً في الحضارة الإسلامية بعد أن أعلن الفاطميون استقلالهم، ونافسوا بضراوة كلًّ من العباسيين ببغداد والأمويين بالأندلس في شرعية الاستحواذ على الخلافة الإسلامية. داخل هذا السياق، وبالأخذ في الحسبان لمكانة إفريقية في العصر الوسيط، إضافةً إلى البُعد المنهجي الذي عالج به المؤلف تاريخ المنطقة، في الإمكان القول إنّ كتاب تونس في العصر الوسيطهو كتاب يستند إلى ثلاثة مُرتكزات أساسية تسمح بتوسيع فائدة البحث وتخطّي المحلّية في دراسة حالة إفريقية، لتشمل بذلك كلّ المُهتمين بالكتابة التاريخية. فهذا الكتاب يشتمل، أولً، على دراسة لمُختلف العلاقات التي ربطت المملكات الإسلامية في العصر الوسيط؛ من خلال التركيز على إفريقية كمُنطلق يشتبك ويتقاطع مع الشرق والغرب الإسلاميين، فضلً عن مُختلف العلاقات بين المُسلمين والبيزنطيين التي عادةً ما كانت تدور رحاها في إفريقية. ويتجلّ المُرتكز الثاني في الاستفادة من الكتابة التاريخية كنافدة على المُجتمع ومقياس لرصد مدى ظهور الوعي بالتبعية أو الاستقلال عن السلطة الأجنبية. وأمّا المُرتكز الثالث، فهو ذو بُعد منهجي، يتمثل بالدراسة التي قدّمها المؤلف لمُختلف البنيات المادية والاجتماعية والذهنية لإفريقية في العصر الوسيط، والتي يُمكن من خلال الأخذ بمنوالها أن نكتب تاريخًا للعديد من الأمصار العربية وغير العربية، شرقًا وغربًا.

المراجع

References

السميساطي لوقيانوس. مسارات الأموات واستفتاء مَيْت، إلياس سعد غالي (مترجم)، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2015.