العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة كتاب الأخ، الرعية، والمواطن: دينامية الوضع السياسي للفرد في البلاد التونسية

مراجعة كتاب الأخ، الرعية، والمواطن: دينامية الوضع السياسي للفرد في البلاد التونسية

A Reading of Le frère, le sujet et le citoyen: Dynamique du statut politique de l'Individu en Tunisie

محمد الطاهر المنصوري

الملخّص

المؤلف: عبد الحميد هنية. عنوان الكتاب: الأخ، الرعية والمواطن: دينامية الوضع السياسي للفرد في البلاد التونسية. العنوان الأصلي: Le frère, le sujet et le citoyen: Dynamique du statut politique de l'Individu en Tunisie الناشر: دار تبر الزمان، تونس. سنة النشر: 2015 عدد الصفحات: 113 صفحة.

الكلمات المفتاحية:
  • أخ
  • رعية
  • مواطن
  • وضع سياسي
  • فرد
  • تونس
Keywords:
  • Brother
  • Subject
  • Citizen
  • Political status
  • Individual
  • Tunisia
*Mohamed Tahar Mansouri محمد الطاهر المنصوري|
محمد الطاهر المنصوريMohamed Tahar Mansouri |
مراجعة كتاب الأخ، الرعية، والمواطن:
دينامية الوضع السياسي للفرد في البلاد التونسية
A Reading of Le frère, le sujet et le citoyen: Dynamique du
statut politique de l'Individu en Tunisie

Le frère , le sujet et le citoyen: Dynamique du statut politique de l ' Individu en Tunisie العنوان الأصلي:

صدر في أواخر عام 2015 كتاب للباحث عبد الحميد هنية بعنوان الأخ، الرعية والمواطن: دينامية الوضع السياسي للفرد في البلاد التونسية في 113  صفحةً من الحجم المتوسط، وهو كتاب يطمح إلى البحث في جذور سيرورة وضعية الفرد في تاريخ البلاد التونسية أثناء العصر الحديث، وانتقاله من وضعية الرعية إلى وضعيىة المواطن عبر عملية الفردنة التي فرضتها ما يُعرف ب "الدولة الحديثة." وقد أعلن المؤلف منذ البداية أنّ الكتاب لا يتوجّه إلى الأكاديميين فحسب، بل إنه يتوجّه كذلك إلى الفاعلين الاجتماعيين، كما أعلن أنّ الكتاب يستعيد جملةً من البحوث التي كانت قد نشُرت في منشورات مختلفة. وأعلن أيضًا أنّ هذا الكتاب جاء نتيجةً لثورة 17 ديسمبر/ كانون الأول 2010 - 14 كانون الثاني/ يناير 2011، وهو ما جعله يطرح مسألة الفرد والفردانية في إطار حقوق الإنسان. ويرى المؤلف أنّ كتابه المذكور يدخل ضمن العمل المواطني والسياسي، معلنًا عن طموحه إلى دعم أولئك الذين يناضلون من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، من خلال بحثه عن بروز الفرد والفردانية. لقد طرح المؤلف على عاتقه جملةً من الإشكاليات التي تتعلق بظهور الفرد مع السعي لإبراز خصوصيات الدولة والجماعة في البلاد التونسية في الفترة الحديثة التي تمتد من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر. وقد قسّم كتابه إلى بابين. فالباب الأول جاء في خمسة فصول والباب الثاني في ثلاثة فصول. يبدو أنّ بروز وضعية الفرد محفوف بجملة من الصعوبات. وقد سعى الباحث لتقصّ الأوضاع التي ساعدت على بروز الفرد، انطلاقًا من تركيز الدولة واستفادتها من تعاون سكان المدن الذين وجدوا في الدولة ضالّتهم لتحديث البلاد وتطوير الاقتصاد؛ ذلك أنه ثمة تلاقٍ، في مستوى المنافع والمصالح، بين الدولة وسكان المدن، وخصوصًا الواجهة البحرية التي تعاون سكانها مع الغزاة أو الفاتحين أو المحتلين العثمانيين. كما سعت الإدارة العثمانية لإخضاع المجال القبلي لسلطانها؛ حتى تضمن الحدود والطاعة والجباية. وقد بيّ المؤلف أنّ الإدارة لم تنجح دائمًا في فردنة العنصر القبلَي؛ إذ ظلت المسؤولية جماعيةً أمام السلطة وأمام الجباية، وقد استطاعت الإدارة العثمانية أن تفرض ذاتها من خلال الإصلاحات الجبائية في بداية القرن الثامن عشر، أو خلال القرن التاسع عشر، وتمّ توحيد الضرائب واصطفاف الناس أمام القانون، ولو بدرجات متفاوتة. غير أننا لا ندري موقع ثورة علي بن غذاهم في هذا الإطار؛ ذلك أنّ الحديث لم يَرِد عن ردّات الفعل، بل عن موقف السلطة وسياستها، من دون الحديث عن موقف الناس من ذلك. يبدو من خلال البحث أنّ وضع الفرد هو من اختراع الدولة (ص. 43)؛ لاعتقاد المؤلف أنّ الفرد ظهر مع ظهور الدولة المجالية تحت إرادة الإدارة العثمانية. أمّا ما قبلها، فيبدو كما لو أنه لا تأثير له. فالحضور العثماني، في رأي المؤلف، يُعدّ نقلةً نوعيةً في تحريك الأمور الإدارية وتغيير أوضاع الناس. أو ليس التاريخ تراكمًا وما الحوادث إلّ نتيجةً لنضج الظواهر التي كانت تعتلج في المجتمعات منذ أزمنة بعيدة. يستخلص المؤلف وجود منطقين مختلفين؛ هما منطق الجماعة ومنطق الدولة. فالأولى تسعى، كيفما كان الأمر، للتخلص من أيّ شكل من أشكال المراقبة، والثانية تسعى، بمختلف الوسائل لفرض وجودها من خلال رعينة الأفراد individus des Sujétion. يبدو من خلال الدراسة أنّ وضعية "الرعية" هي امتياز خاص بأهل المدن. وقد سعى المؤلف إلى سبر أغوار مفهوم الرعية عبر التاريخ، ليصل في نهاية المطاف إلى استنتاج مفاده أنّ وضعية الرعية هي وضعية إيجابية من ناحية، ووضعية جبائية على الأقل في تونس العثمانية، مع تفاوت في المعاملات بين الشرائح المدينية والمجموعات البدوية، من ناحية أخرى؛ إذ يبدو أنّ السلطة تفاضل بين الفئات بحسب الملكية، وبحسب الأصل والنسب، وأخيرًا بحسب الانخراط في دواليب السلطة. وإذا كان الفرد في الوسط الحضري رعيةً، فإنه يتحول في الوسط القبلي إلى "أخ"، وهي علاقة رأى فيها المؤلف في بعض الأحيان عبارةً شكليةً تُعبّ عن نوع من العلاقات الوهمية،

ولكنها تُعبّ عن نوع من العلاقات المتساوية في مستوى استعمال "إخوة الشيخ". وهي علاقة تؤسس علاقات أفقيةً بين أفراد القبيلة، وعلاقة مبنية على التآخي. وبيّ المؤلف أنّ الإحصاءات التي قامت بها الدولة الحسينية في بداية القرن الثامن عشر تمّت على أساس لا يعطي للفرد مكانةً خارج الجماعة. ويختم حديثه في هذا الموضوع بالقول إنّ تملك الأرض يضفي على الفرد شخصيةً اجتماعيةً داخل الجماعة، ومكانةً جبائيةً أمام الدولة، وهو ما يسمح بالقول إنّ الملكية في هذه الحالة هي التي تؤسس للفردانية وتعطي للفرد وضعية ما؛ اجتماعيةً كانت أو إدارية.ً يطرح المؤلف في هذا الإطار مسألة الحداثة في تونس ويقدّم آراء بعض الباحثين الغربيين مثل برتران بادي Badie Bertrand وجان فرنسوا بيار Bayart François - Jean، وفي كلتا الحالتين تبدو الحداثة أمرًا إمّا مستوردًا من أوروبا أو مركبًا على واقع البلاد التونسية وما شاكلها؛ وهو ما يعني بصريح اللفظ أنّ المجتمع التونسي، من هذا المنظور، يبدو غير قادر على إنتاج تطورات داخلية فعليه، إذ ينتظر التدخل الخارجي ليتطور (رأى الباحث عند تكوين الدولة المجالية أنّ ذلك تمّ نتيجةً للتدخل الخارجي العثماني؛ أي إنّ الدولة المجالية لم تكن نابعةً من واقع تونس الحديثة، بل تمّت بفعل التدخل الأجنبي، بمعنى أنها أشبه ما تكون بالمستوردة أو المركّبة.) تناول الباحث قانون عهد الأمان الصادر سنة 1857 (وهو عبارة عن دستور للبلاد)، وبيّ أنّ هذا الدستور قد ألغى الفوارق والمفاضلات بين الناس على اختلاف مواقعهم الاجتماعية، وعلى اختلاف معتقداتهم، فهو دستور مساواة من هذه الناحية. ولكن يبدو أنّ الإصلاحات الجبائية التي قامت بها الدولة هي التي ستكون مصدرًا من مصادر الفردانية في المجتمعات القبلية. ويبدو أنّ هناك التقاء في المصالح بين الطرفين. فالدولة يعنيها جبي الضرائب بالأشكال المختلفة، والقبائل من مصلحتها دفع الضرائب لأنّ في ذلك تأمينًا لملكية الأرض وضمانًا لاعتراف الدولة بذلك. وفي ختام حديثه، بيّ المؤلف الفوارق بين قبائل الشمال التي تبدو مسالمةً ومتعاونةً مع الدولة، على عكس قبائل الوسط والوسط الغربي التي كانت تقف موقفًا حذرًا من السلطة. وقد انطلقت من هذه المنطقة ثورة 1864، وهي ثورة تجاوزت الاختلافات الجهوية والإثنية؛ إذ انضم إليها العديد من سكان قرى الساحل مثلً، وهي قرى متضررة من الإصلاحات الجبائية. ثم يربط المؤلف بين أوضاع القرن التاسع عشر وثورة 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 - 14 كانون الناثي/يناير 2011، وهي ثورة انطلقت من المنطقة نفسها. فهل يعني ذلك أنّ التركيبة الذهنية التي أفرزت ثورة 1864 هي نفسها التي أفرزت ثورة 2010  / 2011؟ أم هل أنّ البنى جميعها لم تتغير فكانت الفرصة سانحةً لإعلان التمرد على السلطة المركزية؟ وهل يعني ذلك أنّ التاريخ يعيد نفسه؟ ثمّة، إذن، أسئلة عديدة يستوحيها القارئ من الكتاب موضوع العرض. تناول الباحث في معرض حديثه نشوء الدولة في تونس أو ما سمّاه "المخزن"، كما أنه تعرض بالدرس لتجربة خير الدين باشا من أجل البحث في كيفية تطور بناء الدولة وانتقال المفاهيم؛ مثل المرور من نظام سياسي يُعرف ب "البيليك" إلى نظام جديد يُسمّى "الدولة." وفي ظلّ هذا المفهوم الجديد، وانطلاقًا ممّا ورد في الدستور، أصبح نفوذ الباي محددًا، وأصبحت علاقته بالخزينة مضبوطةً بالقانون؛ إذ جرى وضْع مبلغ ماليّ مُحدّد على ذمته لتسيير شؤون بلاطه، وهو أمر لم يكن موجودًا في السابق. غير أنّ جملةً من الحوادث أفشلت بعض التجارب الإصلاحية؛ مثل التجربة التي قادها خير الدين باشا. وقد أدّت ثورة 1864، وفشل تجربة خير الدين إلى عودة نظام "البيليك". لكنّ المجتمع التونسي ظلّ، عبر مساره التاريخي المعاصر يطالب دائمًا بدستور يحدد السلطات. وكان ذلك في فترة الاستعمار، وبرز هذا الأمر أثناء ثورة 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 - 14 كانون الناثي/يناير 2011.

ما يمكن أن نراه في الكتاب هو طغيان الجانب النظري على البحث، من دون الاستناد دائمًا إلى شواهد من تاريخ المجتمع التونسي للبرهنة على ذلك. ثمّ إننا لا نفهم صمت المؤلف عن الجماعات الدينية أو الزوايا والطرق التي يذوب فيها أيضًا الفرد الذي يحظى بحرمة الزاوية مادام من مريديها. كما أنّ الزوايا أدّت دور الملاذ لكل ما كانت السلطة تطالبه بشيء ما. فما هو وضع الفرد ابن الزاوية؟ أم هل أنّ الفرد يبرز من خلال الجباية فحسب؟ وفي هذه الحالة، هناك الكثير من الناس ممّن لا يدفعون الجباية لعدّة أسباب، وبطرائق شتّى. كما أنّ ربط الدولة المجالية بالحضور العثماني (ص  33  -  34)، فيه تعسّف على التاريخ من ناحية، وإغفال للتراكمات السابقة؛ إذ إنّ الدول التي تعاقبت على إفريقية أو ما يسمّى تونس اليوم، كانت تتحكم في مجالات مضبوطة سواء في العهد الأغلبي، أو في العهد الفاطمي، أو الزيري، أو حتى تلك الدويلات التي نشأت في إثر تفكّك الدولة الصنهاجية. فما بالك بالدولة الحفصية التي أمّنت حدودها بعواصم مختلفة؛ مثل بجاية وقسنطينة وطرابلس. نفهم من خلال الكتاب أنّ التشكّل المجالي مدين للعنصر الخارجي. وفي هذا الإطار، كيف نُنزل عدّة مؤلفات أرّخت للدولة الحفصية؛ مثل تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية " أو " الأدلة البينة النورانية أو الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية" إلخ.... ثمّ إنّ انتظار مجيء العثمانيين لتتشكل الدولة المجالية لا يقرّ بالتطورات الداخلية للمجتمعات عمومًا، أو البلاد التونسية في هذا السياق الخاصّ، وهي نظرة طالما كرستها النظريات الغربية الأورومركزية التي لا تقرّ للشعوب الأخرى بالقدرة على إنتاج ما يلائمها من مؤسسات وغيرها. من جهة أخرى، ثمة بعض المصطلحات التي تستحق التدقيق عند نقلها إلى الفرنسية مثل كلمة " الأجواد." فهي لا تعني "الفرسان" كما ترجمها المؤلف، وإنما تعنيأهل الجود والناس الجيدين. وتعني الأجواد أيضًا عِلية القوم وأكثرهم جودةً. ويكفي أن ننظر في مدونة الشعر الشعبي لنفهم المعنى؛ إذ يقول أحمد البرغوثي متحدثا عن الغريب: "هذاك حال اللي خرج من ناسه *** يلقى بيوت الجيدين شحاحة" إضافةً إلى ذلك، يمكن أن ننظر في المثل الشعبي الذي يقول: "من معرفتو في الأجواد سلّم على بوسعدية." كما أنّ سعي المؤلف للربط بين موضوع بحثه وما يعرف بثورة ديسمبر/كانون الأول 2010 - كانون الناثي/يناير 2011، لا يبدو مقنعًا؛ ذلك أننا لم نلمس العلاقة بين الحوادث التي وقعت في تونس في بداية هذا القرن وموضوع الكتاب. إنّ كتابالأخ، والرعية والمواطنكتاب يفتح للنقاش مجالات عديدةً تهمّ الدولة ونشأتها، والحداثة وظهورها، إضافةً إلى الفرد وبروزه.