عرض كتاب تونس في العصر الوسيط: إفريقية من الإمارة التابعة إلى السلطنة المستقلة
Review of Tunisia in the Middle Ages: Ifriqiya from Dependent Emirate to Independent Sultanate
الملخّص
المؤلف: محمد الطاهر المنصوري. عنوان الكتاب: تونس في العصر الوسيط: إفريقية من الإمارة التابعة إلى السلطنة المستقلة. الناشر: دار صامد للنشر والتوزيع، صفاقس، تونس. سنة النشر: 2015. عدد الصفحات: 287 صفحة.
- تونس
- إفريقية
- سلطة
- إمارة
- عصر وسيط
- Tunisia
- Middle Ages
- Ifriqiya
- Emirate
- Sultanate
| *Chamseddin Alkilani شمس الدين الكيلاني| | |
|---|---|
| شمس الدين الكيلانيChamseddin Alkilani | | عرض كتاب تونس في العصر الوسيط: إفريقية من الإمارة التابعة إلى السلطنة المستقلة Review of Tunisia in the Middle Ages: Ifriqiya from Dependent Emirate to Independent Sultanate شمس الدين الكيلانيChamseddin Alkilani | المؤلف: محمد الطاهر المنصوري. عنوان الكتاب: تونس في العصر الوسيط: إفريقية من الإمارة التابعة إلى السلطنة المستقلة. الناشر: دار صامد للنر والتوزيع، صفاقس - تونس. سنة النشر: 2015. عدد الصفحات: 287 صفحة. |
| عرض كتاب تونس في العصر الوسيط: إفريقية من الإمارة التابعة إلى السلطنة المستقلة Review of Tunisia in the Middle Ages: Ifriqiya from Dependent Emirate to Independent Sultanate |
مقدمة
نحن بصدد مؤرخ يعرف موضوعه، آنس التفكير فيه، وألف صحبته، حتى أثمرت، في النهاية، مئات الصفحات من تذكّر أيام الماضي والحاضر في بلاد المغرب العربي الكبير والتذكير بها، تاريخًا وحياةً ثقافيةً، وعلاقةً صعبة المراس بالجيران في الشمال. واظب المنصوري أكثر من عقد من الس ين، بعد اختمار الفكر والمذاكرة، على التفكير، تاريخيًّا وأنثروبولوجيًّا، في بلاد المغرب العربي الكبير، من دون أن ينسى بلده تونس. تأمّلَ التجربة التاريخية لماضي البلاد، وتأمّل تحولها نحو حاضرها، ونظر مليًّا في علاقتها بالطرف الآخر من المتوسط، فلم يتناول السطح السياسيَّ إلّ ليغوص في الجسد الثقافي المحلّ، في علاقته بالجيرة المتوسطية المضنية، وفي حوار الثقافات. عرّج ليحفر في دهاليز الثقافة العربية الإسلامية ببحثه الأنثروبولجي الحمّامات مدينة متوسطية (2000)، واستذكر عام 2001، في طريقه البحثي، قبرص العربية الإسلامية فاختار نصوصًا عربية عنها، تعكس حالها في زمن زهوها العربي الإسلامي، والتي كانت تبدو، حينئذ، امتدادًا للأندلس في حضارتها وتمدنها، قبل أن تصبح الجزيرة تابعةً لروجرز الثاني النورماندي (القرن 12) الذي طاب للإدريسي أن يكتب، في ظل رعايته، مدونته الجغرافية الخالدة، ويهديها إليه. ألّف كتابه ما بين الخمار والزنار أو قوانين اللباس في العالم الإسلامي الوسيط (2007)؛ ليكشف فيه عن دلالة اللباس ورموزه، وعن التنوع الاجتماعي، والتخوم الثقافية التي عكست هندسة العلاقات الدينية بين الجماعات المنخرطة في الاجتماع السياسي الإسلامي؛ ليدمج بين الاجتماع السياسي والأنثروبولوجيا، في دراسة المجتمع الإسلامي في تنوعه ووحدته. غاص بعد ذلك في العلاقات البيزنطية الإسلامية (2009)، ووسع دائرة نظره ليستكشف سر علاقة المسلمين بالغرب اللاتيني (2009.) اختار المنصوري ترجمة كتب مفتاحية في التاريخ مثل كتابالتاريخ الجديد لجاك لوغوف Goff Le Jacques (1924 – 2014)، الملقب ب "المؤرخ الغول". دمج التاريخ بالأنثروبولوجيا مؤسِّسًا بذلك "التاريخ الجديد"، وصاحب كتاب مثقفو العصر الوسيط، وكتاب التجار والمصرفيون، اللذيْن أهلّاه للإشراف على مجلة الحوليات، وعلى مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، كما جرى لفرانسوا دوس Doss François وألفيا كونستاس. بين يديْ تأليفِه تاريخَ المغرب، أشار العروي إلى أن لدينا منهجين؛ أحدهما تقليدي، والآخر حديث، "الأول عربي إسلامي (نمط الناصري [أحمد الناصري]) والثاني غربي (نمط ليفي بروفنسال Provençal - Lévi Évariste)... يبدو الثاني صفوة التكوين العلمي... وأصبح الآن، في العالم المتقدم، تقليديًّا... لن يستطيع المنهج الحديث، كما تنشره الآن الجامعة العصرية، أن يجدد كتابة تاريخ المغرب. يتطلب التجديد ظروفًا ذهنية واجتماعية، جماعية وفردية، لا تتحقق إلّ بشروط كثيرة وفي أمد طويل"1. لعل المنصوري اكتسب الخيارات المنهجية الأوسع ليُطِلَّ علينا بكتابه الجديد، مغترفًا من داخل التاريخ المغربي الإسلامي، مزوَّدًا بالمنهجيات الحديثة، دامجًا الأنثروبولوجيا في التاريخ، متجنّبًا الخضوع للمناهج التقليدية، والمناهج الأكاديمية الجامدة، وما يصدر عن الغرب من دراسات أغلبها متأثر بالنزعة المركزية الغربية. شارك المنصوري في اهتمامات المؤرخ التونسي بتأصيل الذاكرة الوطنية التونسية، مؤسَّسةً على مفهوم الدولة على حساب مفهوم السلالة أو العائلة، من دون افتعال انفصال جذري عن الرابطة العربية الإسلامية التي بقيت مفاعيلها لديه، ومن دون أن يغفل تأثير
التقسيم العثماني للمجال المغربي (طرابلس – الجزائر - إسطنبول)، والاستمرارية العثمانية (الحفصية)2، فالتقط مفهوم "تونس" ضمن استمرارية تاريخية منذ ظهور الاسم "إفريقية" في كتب المؤرخين الكبار - من ابن الحكيم (مؤرخ فتح مصر) إلى ابن خلدون - كهوية استطاعت أن تعبِّ عنها الدولة الحفصية في القرن 15، وتجددت في الذاكرة التاريخية مع ابن دينار وأبي ضياف3، ثم تغذت في المرحلة الكولونيالية، وفي مواجهة التبعية الفرنسية، فأعطى كتاب شارل أندريه جوليان Julien André - Charles (1891 – 1991) تاريخ أفريقيا الشمالية الذي صدر سنة 1931، نظرة عامة شاملة عن ماضي المنطقة، كان لها تأثيرها في رجال الإصلاح والاستقلال، مثل الحبيب بورقيبة وفرحات عباس وآخرين، وفي استلهام وطنية تونسية4. وما زلنا بحاجة إلى الإطلالة على الأستغرافيا التونسية – المغربية، وتبيان الحلقات الأساسية في التأليف التاريخي المغربي.
نحو التفكير يف تشكيل نواة تونس: القيروان
بعد أن أجرى هذه الجولة في مجال الجغرافيا - التاريخية والثقافة، والعلاقة بين أوروبا وبلاد الإسلام، اتجه تفكير المنصوري إلى تونس بتاريخها ومستقبلها، كيانًا سياسيًّا وثقافةً، فكان كتابه عن تونس في العصر الوسيطالذي هو موضوع قراءتنا الحالية، عصارة جهده في مسيرته الثقافية. لا يُخفي المنصوري شكواه إلى قارئه من شحّ المصادر اللازمة لاستقصائه التاريخي الثقافي، ولا يُخفي نقدَه المنهجي لمؤرخي المشرق بسبب عنايتهم برجالات الفتح أكثر من عنايتهم بالرجال المغاربة. وانتقد المنصوري ما تُبديه كتابات مؤرخي المشرق الأوائل من تكريس ل "فكرة الغلبة لا فكرة الفتح"، وفي المقابل، رأى أن المؤرخين المغاربة شاركوهم نزعتهم التاريخية العالمية، مع مشاركتهم إياهم النزعةَ التاريخيةَ الإسلاميةَ العالمية.َ وانطلاقًا من كونية الإسلام، وفكرة الوحي الخاتم؛ أصبح الفتح لديهم بمنزلة مشاركة المغرب في هذه العالمية القدسية، وأصبح المغرب، من خلال هذه المشاركة، المدافعَ (المرابط) الموثوقَ، عن الإسلام5. كان المؤرخ الكلاسيكي يهتم بالواقعة، والوثيقة، والحقبة. ثم تطوّر الأمر مع المناهج الحديثة في الاقتصاد، والأنثروبولوجيا، والتحليل النفسي، فصار من عادة المؤرخين الجدد تمثُّل أحد هذه التخصصات. أما المنصوري فقد دمج الأنثروبولوجيا في التاريخ؛ فكان هذا الكتاب نموذجًا لهذا التعاضد والتلاحم، وسبقه في ذلك كتابُه الذي ذكرناه سابقًاما بين الخمار والزنار. قسَّم المنصوري كتابه إلى خمسة عناوين كبرى، تتعلق بتونس في تكوينها التاريخي، بطريقة تجعل الواحد منها يفضي إلى الآخر ويتكامل به. في الفصل الأول، يعود إلى الجذور التاريخية الأولى التي انبثقت منها النواة المؤسِّسة للكيان التونسي: "القيروان"، ويحلّل مرحلةَ الانتقال إلى ما يشبه الاستقلال في ظل الأغالبة، وتعالي دور البربر، وبروز الدولة الفاطمية. ثم الانتقال إلى تصفّح صفحات الجغرافيا المغاربية الثلاث: البحر، والجبل، والصحراء. ينتقل بعد هذا ليغوص في العمارة الاجتماعية والثقافية لإفريقية العصر الوسيط، وصولً إلى معاينة السطح الثقافي، عبر التفكير في النخب الفكرية التونسية التي أشعَّت في ذلك الزمان.
رصد المنصوري العوامل التي جعلت الخلافة العباسية تسمح لإفريقية أن تصبح إمارة شبه مستقلة، وفي مقدمتها الفتن الداخلية، والتنافس العربي الفارسي في ظل تكريس الطابع الإسلامي، وتراجع دور العرب في الجيش لمصلحة فئات أخرى، بمن فيهم البربر في المغرب. سمحت تلك الأجواء الغامضة لإبراهيم بن الأغلب أن ينجح في القضاء على ثورة "تمام"، فمكنه الخليفة من سلطان إفريقية. منذ أن عمل "جرجير" على الانفصال عن الدولة المركزية لبيزنطة الأفريقية، ونقل عاصمته من قرطاجة إلى سبيطلة في عام 646 م، لتكون "بداية عصر خاص بإفريقية"، وصارت الفترة الممتدة ما بين "سنة 646 و 698 م هي فترة إفريقية المستقلة"6 التي غدت مسرحًا للتجاذبات بين سكان إفريقية والبيزنطيين والعرب، مع انفتاح قناة تواصل بين العرب وأطراف من الأفارقة تدعو إلى التعامل معهم ضد أسياد الأمس. تبدو هذه الفترة للمنصوري مغيبة عن ذاكرة التأليف التاريخي، وبحاجة إلى إعادة التنقيب. يرى المنصوري أن الفتح جاء عبر مراحل انتقالية؛ إذ إن قرار الفتح لم يُتخذ إلا في زمن الخليفة عثمان بن عفّان، وإنّ جانبًا من القرار يعود إلى حماية مصر، وإلى تخفيف التوتر حول السلطة. سعى مؤرخو المغرب إلى إضفاء القداسة على الحملة الأولى "غزوة العبادلة السبعة" ودمجها في التاريخ الإسلامي، في وقت اختارت فئة من السكان الانحياز إلى العرب7. ظلت بيزنطة تحن إلى المغرب، حتى بعد حملة عقبة بن نافع، وظل العرب يحذَرون بيزنطة، وينظرون "إلى البحر بعيون الريبة"8، في الوقت الذي بنوا فيه القيروان "تكريسًا للغلبة"، ولتصبح نقطة اندفاع لا رادّ لها، ولم يؤثر في مكانتها إهمالُ الفاطميين إياها، ثم استُعيدت في زمن الأغالبة.
بروز نواة تونسية: القيروان
يستمر المنصوري في تقصّ علامات النزعة الاستقلالية لإفريقية/ تونس وميولها، ويبحث عن تجسدات هذه النزعة، فيضع إشارات هنا وهناك على مسار تلك النزعة الاستقلالية وتجلياتها9.
1. البربر
رأى أن المغرب مرَّ بمرحلة، بعد الفتح، برز فيها البربر قوةً محليةً تعكس "بروز نوع من الذاتية البربرية" انطلاقًا من القيروان، أنشأ "كسيلة" نواة أول دولة بربرية مسلمة بقيادته، بعد استشهاد عقبه بن نافع، وأقام فيها أميرًا على سائر إفريقية والمغرب10. يُستنتج من سرده أن البربر لم يكونوا ضد الإسلام، في الوقت الذي يؤكد فيه، بلا غضاضة في الحديث، وجودَ تجاذب وتنافر بين العرب والبربر في بداية الفتح، فيورد العديد من التنافرات ومن جملتها حركة "الكاهنة" في مواجهة حملة حسان بن النعمان، على سبيل الأمانة للتاريخ، وليس لتشنيع دور العرب في التاريخ، وليؤكد، ربما، أن الأسلمة والتعريب لم يكونا مرتبطين بقيادة العرب
وحسب، بل ساهم فيهما البربر أيضًا، مع تنويهه بأن البربر أنفسهم انقسموا بين العرب والكاهنة؛ ما ساعد العرب، بقيادة حسان، في الإمساك بالمبادرة11. وبقي العديد من التنافرات: هجرات المشرقيين الكثيفة طلبًا للجهاد أو للثروة أو الاث ين معًا، وتطلبات مركز الخلافة للجواري - "تفضيل الجارية البربرية على غيرها" - والعبيد والمال، وضريبة الجزية. وتعليقًا على ذلك؛ يمكن التنويه بأن هذا لم يمنع البربر من تأسيس كيان سياسي مستظل بالإسلام والعروبة انطلاقًا من القيروان. وقد غدا البربر مسألة إشكالية اتخذها مؤرخو الغرب، أمثال إيميل فليكس غوتييه Gautier Félix - Émile (ت 1940)، مجالً لتساؤل غريب: كيف اندمج البربر في العروبة والإسلام ولم يندمجوا في اللاتينية والمسيحية من قبل؟ فقد صوّر المؤرخون الأجانب "المغرب كأرض نزاع تتحارب عليها قوتان مبهمتان، هما الشرق والمغرب، ممثلتان من جهة في الدين المسيحي واللسان اللاتيني، ومن جهة في الإسلام والعربية"12.
2. نحو الإمارة الأغلبية: من التبعية الرمزية إلى الاستقلال
في مقدمة كتابه عن تاريخ المغرب، ينوّه العروي بأن المغرب مرَّ بمرحلة أولى كان فيها منفعلً. انتهت هذه المرحلة أواسط القرن الثامن ميلادي، مع صعود دور الخوارج بنزعتهم الاستقلالية. ويذهب المنصوري في الاتجاه ذاته؛ إذ يرى أن الخوارج ساهموا في خلق المناخ المناسب للحركات الاستقلالية في بلاد المغرب عامّة، وفي إفريقية خاصة. ومثّلت لديه هذه الحركات المذهبية سببًا في فسح المجال لتكوّن أول نواة لدولة شبه مستقلة، هي دولة الأغالبة13، على حساب الخصومات المتعددة. وعمل الأغالبة على التوفيق بين استقلاليتهم النسبية وارتباطهم بالخلافة العباسية، و"انخرط ابن الأغلب" في السياسة الخارجية العباسية، فعادى أعداءها وصادق أصدقاءها، فتبدو الخلافة العباسية للمنصوري راضية عن سياسته، واستطاع ابن الأغلب، أيضًا، التكيف مع السلطتين الدينية والعسكرية14. سهلت عليه إقامته العمرانَ والمدنَ على نحوٍ عباسيّ. وجعل الملك وراثة فقوّى ذلك من النزعة الاستقلالية التي عززها اعتماده على البربر على حساب الأرستقراطية العربية، وهو أمر دأب عليه الأدارسة والرستميون، ويقول الكاتب إنه "من الطبيعي أن تنمو علاقات متنوعة بين بغداد والقيروان في ظل هذه العلاقة السياسية التي يطغى عليها طابع الود"15.
3. الخلافة الفاطمية
يعود المنصوري، بمناسبة الدولة الفاطمية، ليتفحص النزعة الاستقلالية لإفريقية العربية، ليؤكد أن بلاد المغرب "كانت تحدوها في العصر الوسيط رغبة جامحة في الاستقلال عن الكيانات السياسية في المشرق والأندلس"، و"لعل أبرز مظاهر الاستقلال التي عرفتها إفريقية هي فترة الحكم الفاطمي"16 التي نمت لتصبح منافسة لدولة الخلافة العباسية، ولتتحول إلى "مركزية إسلامية" انطلاقًا من المغرب الكبير. ولفت المنصوري النظر إلى أن الفاطميين اعتمدوا على الفئات المهمشة مثل البربر وأهل الذمة، و"نجحوا في إعادة الاعتبار إلى هذه المجموعات"، وعاملوا أهل الذمة معاملة حسنة. أما تأثير هذا التحول في المشرق فإن المخيال الجماعي للمشارقة حوَّل
"إفريقية من منطقة طرفية إلى منطقة مركز"17. وفي المقابل، يلفت المنصوري النظر إلى "نفور المجتمع من المذهب الفاطمي واعتبار رحيل الفاطميين (إلى مصر) فرصة للتخلُّص منهم نهائيًّا"18.
4. الدولة الحفصية وسلطنة أهل البلاد
ينقلنا المنصوري بعد هذا إلى الدولة الحفصية التي انبثقت، من الناحية السياسة، من رحم الدولة الموحِّدية (المهدي بن تومرت)، واستمدت شرعيتها منها. وقد شغلت سلالة أبي حفص عمر الهنتاتي المراتب العليا للدولة الموحدية، وقالوا بموحديتهم، فكانوا، عمليًا، خلفاء الموحدين، ورأى المستنصر الحفصي نفسه أحق بوراثة خلافة بغداد بعد سقوطها، وظلَّت السلطنة الحفصية تتحرك باسم المشروع الموحدي وتتعالى به على بقية الدول19.
إفريقية ما بين البحر والصحراء
البلاد التونسية بين البحر والصحراء. ويبدو أن علاقة تونس بمجالات البحر والجبل والصحراء، مرت بمراحل ثلاث حاول المنصوري تعقبها: مرحلة السطو على البحر، ومرحلة فقدان المبادرة البحرية، ومرحلة الغلبة الأوروبية على البحر20. ودحض ما أشيع عن خوف العرب من البحر، ففي عهد معاوية نفسه كسبوا معركة "ذات الصواري"، فانفتحت شهيتهم على ركوب البحر، وأصبحت إفريقية، إلى القرن 11، منطلقًا لجملة من الحملات البحرية، استهدفت بها صقلية وغيرها، وأمّنوا الساحل بالرباطات حذرًا من بيزنطة، ودخلوا في مجال صناعة الأسطول. ويعود المنصوري إلى الإدريسي الأبعد، وإلى حسين مؤنس الأقرب؛ للكشف عن مجالات التواصلات الشاطئية، ويشير إلى أن ادعاء كلٍّ من أوروبا والعرب الهيمنةَ على المتوسط. يعود إلى بعض الانزياحات في القرن 11 لمصلحة أوروبا، أو ما سمّاه "فترة انقسام السيطرة"21، ثم صعود البنادقة والجنَويِيّن. ومع إطلالة بني هلال تراجع الموقف الدفاعي من البحر، وامتهان البر، وغدا الاتجاه نحو التفكك، وتنامي دور إفريقية الوسيط بين أوروبا والصحراء، إلى أن شرع العهد العثماني في الصعود. يغطي المنصوري بذلك علاقات وفاعليات واسعة، ويرى في صعود الحملات الصليبية رجحان الهيمنة الأوروبية، وعودة مشاعر الخوف من البحر لدى إفريقية مع تعرضها لغارات البحر22. وعلى الرغم من هذا الصراع على الغلبة، يفتتح المنصوري فصلً آخر يتعلق بالتجارة بين شمال المتوسط وجنوبه "فاندمجت إفريقية منذ القرن الثاني عشر في شبكة العلاقات التجارية. أصبحت من المحطات الرئيسية التي تتوقف بها السفن الأوروبية المبحرة نحو الشرق أو القادمة منه"23. ولا يبخل علينا المنصوري بتقصّ المؤسسات المتعلقة بالتجارة البحرية، والوظائف المعقدة المتعلقة بها. ينتقل بعد هذا إلى المجال الصحراوي، الزاخر بالحرب والتجارة والتصورات الأنثروبولوجية عن حياة شعوبها وطرقها ومنافذها. وعلى الجانب الصحراوي يلقي المنصوري الضوء على تشعبات الطرق التجارية ومحطاتها، حتى بلاد السافانا "بلاد الذهب"، وعلى أنواع النقود، وتجارة العبيد النشطة، وبخاصّةٍ الأفارقة السود، ومحاولات ضبط المسالك، وتجارة الملح وقوافلها العابرة للصحراء، وما يسمّى "التجارة الصامتة" في أقاصي الجنوب الصحراوي، بين أناس لا يتقابلون، وإنما يعرضون بضاعتهم، وكل منهم ينتظر الآخر حتى يضع بجانبها ما يريد أن يقايض به. ويشير إلى
دور العلاقات التجارية في نشر الإسلام واللغة العربية في الصحراء، ويلفت نظرنا إلى أن الهجرة الهلالية - على الرغم مما قيل ويقال عن دورها التدميري – فرضت، كما يرى، "اللغة العربية بدون رطانة على السكان وقامت بصهرهم في بوتقة حضارة العرب"24.
المجتمع والحضارة الإفريقية
يدلنا بحث المنصوري في الاجتماع المغربي/ الإفريقي على تنوعاته، فإضافةً إلى العربي "الفاتح" الذي يسعى لدمج التنوعات في بوتقة الحضارة العربية الإسلامية، يلفت المنصوري النظر إلى أن العربي كانت له أحكامه التي تتردد ما بين القيم الإسلامية وبين معيار السلالة (الأنساب)، لذا، صنّف العربُ السكانَ ما بين روم (المنضوون تحت راية بيزنطة، وهم العدوّ في المخيال العربي) وبين أفارقة (الذين يبدون فئة مهجنة بين الروم والبربر)، ونحو هؤلاء. لا يجد المنصوري لدى العرب سوى الحياد اللفظي، أما العنصر الثالث فهم البربر أي العنصر المحلي الذي حافظ على تجانسه. كان البربري بالنسبة إلى العربي موضوعًا للريبة، حدد العرب موقفهم من العنصر البربري على ضوء علاقتهم به حربًا أو سلمًا. يصف المنصوري، بطريقة صادمة، موقف العربي من البربر، فيقول: "تعامل العرب مع العنصر البربري بفظاظة"25، لكن البربر، في المقابل، لم يكن موقفهم، كما يرى المنصوري، ودّيًّا تجاه العرب. أثّرت طبيعة هذه العلاقات الذاهبة بين الجذب والنبذ في السِّلم الاجتماعي، وكان لها صداها في "جعل مواقف البربر من العرب، وليس من الإسلام، مواقف لها مشروعية"26. غير أنه لا يسعنا سوى أن نعلق في الهامش فنقول: إن هذا الوصف لا يتسق مع موقع القائد البربري طارق بن زياد، الزاهي في المخيال والوجدان العربيين. شمل تحليل المنصوري، في بحثه عن المكونات والفئات الاجتماعية التي يختزنها الاجتماع المغربي، العديدَ من هذه التكوينات: أهل الذمة وتميُّز وضعهم من أمثاله في المشرق، وتنوع أصولهم وأشكال التوترات التي صاحبتهم، والعناصر الوافدة من جهات مختلفة، والأندلسيين، والأعراب كبني هلال. ثم يتناول الفئات الاجتماعية بتراتبيتها وأصنافها وطبقاتها: الأرستقراطيين، والجند، والتجار، والفلاحين، وسائر أصناف "العامة والدهماء". ويلتفت إلى حياة العمران والمدن والرباطات على السواحل والتخوم. كان هناك 34 مدينة قبل الفتح العربي، ثم عرفت أفريقيا "تحولً في المجال الحضري" بعد مجيء العرب. تميزت مدن هذه الفترة بسعة أسواقها وتنوعها، وبفصلها أهل الذمة عن المسلمين، وبمدارسها. حاول المنصوري الإطلالة على المدينة الصغيرة، والحديث عن طبيعة العلاقات القبلية واحترامها للمواثيق، وشيوع الإغارة والغزو، ليعود فيقول: "يرى البعض أن مظاهر التواصل بين العهدين العهد العربي الإسلامي والعهد الروماني البيزنطي بارز للعيان"27.
النخبة الفكرية يف العصر الوسيط
ذهب المنصوري بعيدًا في بحثه عن تشكيلات النخب الفكرية الأفريقية (المغرب الكبير)، وعاد إلى التنوعات المسيحية في زمن "الوندال"، يريد أن يسيطر على كل تلك المساحة الذهنية التي ربما بدأت بأجوبة رجالات الكنيسة على المسائل اللاهوتية وحرصهم على النزعة الاستقلالية، ولكنها لم تنتهِبزمن رجال السنة (المالكية) بعد أن اغتنموا فرصة غياب الفاطميين بعيدًا، أو رجالات الزهد الصوفي.
ذكَّر قارئه أنه "يمكن اعتبار مساهمة القديس أغسطين في صياغة الدين المسيحي بنفس الدرجة التي ساهم بها علماء إفريقية في صياغة جانب من الدين الإسلامي"28. عمل على تصوير خاطفٍ للتحولات في التربة الفكرية الانتقالية، ما بين المسيحية وبزوغ الإسلام في الديار بحواضرها وبواديها. "فلئن تغيرت الأوضاع السياسية والمادية للناس بسرعة، بحكم إزاحة الإدارة المحلية وفرض إدارة جديدة، فالدين يدخل في باب الذهنيات التي لا ترافق آليًا تطور الأوضاع المادية. لا بد من صيرورة تتطلب س ين"29. إن التونسي أو المغربي يتعامل مع أهل السلطة الجديدة كغرباء فرضوا أنفسهم بالقوة. لذا، فإن الكثيرين منهم "يغيرون مواقفهم بسرعة دون أن تتغير قلوبهم"30، ظلّت بعض الفئات تتكلم اللغة القديمة حتى القرن 12، وحافظ السكان البعيدون من الحواضر على لغاتهم المحكية القديمة، بينما استقرت اللغة العربية في المدن والحواضر. ويذهب المنصوري إلى حد القول: "إن المسألة اللغوية ما تزال قائمة إلى اليوم"31، وإن الأسلمة لم توازِ في تقدمها التعريبَ، إلى جانب سيادة تعددية مذهبية تثير ما تثير من سجالات. ميَّز المنصوري علماء السلطان، من علماء يضعون علمَهم في مواجهة تكبّ السلطة وزهوها، وعلماء الصوفية في اعتكافهم عن الناس واستدامة التعبد والتواصل الروحي وملازمة الثغور. وعلى الرغم مما يُقال، فإن المنصوري يرى أن لعلماء السلطة "مهما كان موقعهم، دورًا هامًا في حياة الناس سواء كانت في خدمة السلطان أو ضده، فقد لعبوا دور الوسيط بين السلطة والمجتمع ودور المحرك للأحداث"، وأضفوا شرعية تحتاج إليها السلطة، وأشار إلى أنه - إلى جانب علماء الوظائف والخُطط - برزت فئة من العلماء نذرت نفسها للدفاع عن الحق، ورفضت الخضوع لمستلزمات السلطة32.
يف الختام
يركِّز الدكتور المنصوري على الميل إلى الاستقلال والخصوصية في مظاهر التطور التاريخي التونسي، والمغربي عمومًا. نتساءل هنا – في هامش الكتاب -: ألم تكن الدولة الفاطمية نازعة إلى الوحدة وليس إلى الاستقلال؟ وإن كان هناك صراع بين الميل إلى الوحدة والميل إلى الاستقلال؛ ألم تكن الغلبة هي لاتجاه الوحدة؟ يمكن أن نقول هذا القول نفسه في الدولة الموحدية والدولة المرابطية. ربما أغفل الدكتور المنصوري الميل السياسي التطوري إلى الوحدة لدى تونس أو المغرب، ولعل صراع هذين الميلين، في التطور السياسي التاريخي للمغرب الكبير، يبدو أحد مظاهر تطور الحياة، الأول ميل إلى الاستقلال (سياسة الحكام غالبًا)، والثاني ميل إلى الوحدة (سياسة الشعوب عمومًا). حتى إن المنصوري نفسه يشدد، ضمنًا، على هذه الحقيقة عندما يكتب "تغيرت وضعية إفريقية من منطقة تابعة إلى منطقة تطمح إلى أن تكون مركزًا تدور حوله شعوب العالم الإسلامي"33. لقد عمل المنصوري طوال صفحات كتابه على إبراز الميل نحو الاستقلالية، ونحو الخصوصية التونسية، غير أنه يختتم كتابه بالتخفيف من ذلك الانطباع الذي تركه عند قارئه، فشدد على الاستقلالية والخصوصية في المجال السياسي، وعلى الوحدة في المجال الثقافي، قائلا: "ساهم العصر الوسيط في الحقب الأغلبية وخاصة الفاطمية والحفصية في نحت الشخصية المحلية الإفريقية وإرساء
أسس الدولة وتدعيم استقلالية المنطقة، وهي استقلالية سياسية عن الشرق أساسًا، إذ انفرد أبناء البلاد بالحكم وتكونت أسر حاكمة من المحليين دفعت نحو نوع من الخصوصية المحلية في السياسية والمجتمع، أما من الناحية الحضارية فقد انصهرت أفريقيا في الحضارة العربية الإسلامية"34. ولم يلفت المنصوري نظرنا، على نحوٍ كافٍ، إلى أن المناطق الثلاث: البحر، والجبل، والصحراء، اتحدت أول مرة بعد الفتح ونشوء الدول العربية – الإسلامية، أما قبلها فلم يتجاوز الغزاة مناطق السهول الساحلية. ويتركنا المنصوري أمام أسئلة تحيل على ما وراء الزمان والتاريخ؛ إذ تتملكه الحيرة والذهول، أمام عملية الخروج النهائي الصعبة من أفريقيا أوغسطين المساهمة في انبثاق المسيحية وانبساطها، إلى إفريقية المساهمة في إحياء الإسلام وانتشاره شمالً وجنوبًا، ليضم المغرب: ساحلها وجبلها وصحراءها أول مرة في التاريخ. ختم المنصوري بحثه عندما وصل إلى عتبات الحدث العثماني الذي جعله بعض الباحثين المغاربة محورًا أو حقلً خاصًا لإلقاء الضوء على تاريخ المغرب الكبير، تقديرًا لتأثير الدولة العثمانية في هذا التاريخ؛ ففي ظل الضعف السياسي الأفريقي الذي أشار إليه المنصوري، شرع الأتراك بحركة التفاف واسعة اخترقوا فيها أوروبا برًا، تشبه من وجوه مختلفة حركة التفاف البرتغاليين حول أفريقيا إلى بحر العرب نحو الهند، بعد أكثر من قرن ونصف القرن. دفعت حركة الالتفاف العثمانية هذه (البابا) إلى أن يرسل النداء تلو النداء إلى ملوك الغرب للقيام بحملة صليبية جديدة، استجاب الأيبيريون وحدهم - الإسبان والبرتغاليون - لتلك النداءات بالفعل، لكنهم بدلً من الذهاب إلى الشرق بعيدًا لملاقاة المسلمين فضلوا، في البداية، الهجوم على مواقعهم في الأندلس القريبة، حيث لم يعد المرينيون منذ عام 1340 يستطيعون التدخل عسكريًّا في إسبانيا35. ثم اندفعوا جنوبًا في غاراتهم نحو تونس وغيرها من بلدان المغرب الكبير، وعملوا فيها فتكًا قبل التدخل العثماني مع الإخوة بربروسا.
المراجع
دار سراس، ط 3، 1993. العروي، عبد الله. مجمل تاريخ المغرب، بيروت: المركز الثقافي العربي، ط 5، 1992.
References
الشريف، محمد الهادي. تاريخ تونس من عصور ما قبل التاريخ إلى الاستقلال، محمد الشاوش ومحمد عجينة (مترجم)، تونس: القيرواني، محمد بن أبي القاسم الرعيني (ابن أبي دينار.) المؤنس في أخبار إفريقية وتونس، بيروت: دار المسيرة، ط 3، 1993. المنصوري، محمد الطاهر. تونس في العصر الوسيط: إفريقية من الإمارة التابعة إلى السلطنة المستقلة، صفاقس: دار صامد، 2015. الميلي، مبارك بن محمد، تاريخ الجزائر القديم والحديث، محمد الميلي (مقدم ومصحح)، الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتب، 1986.