العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المهمشون في سورية أواخر القرن العشرين شهادات شفوية

المهمشون في سورية أواخر القرن العشرين شهادات شفوية

Marginalized in Syria at the Turn of the Century: Oral Testimonies

عبد الله حنا

الملخّص

يعد الدكتور عبد الله حنا من أبرز المؤرخين السوريين الذين اعتمدوا على أساليب التاريخ الشفوي وتقنياته ومناهجه في كتابة التاريخ الاجتماعي السوري الحديث. ففضلاً عن الوثائق والسجلات، اعتمد بشكل كبير على تقنية المقابلة الميدانية المنظمة في التاريخ الشفوي من جهة، والتركيز على تناوله بوصفه تاريخ المهمشين والذين "لا صوت لهم" بما أغنى مقارباته التاريخية الاجتماعية للتاريخ السوري المعاصر فيما عرف بقراءة "التاريخ من الأسفل" والذي يجمع بين حقول التاريخ والأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا. ويندرج في إطار ذلك أعماله المتعددة عن تاريخ الفلاحين والحركة العمالية في سورية، وعن ملكية الأرض. وتقدم أسطور في هذه المادة نصوص شهادات نظّمها وجمعها حنا في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، مع "مهمّشين أو من هم على تخوم التهميش" لأهميتها التوثيقية، ولكونها تتضمن معلومات يمكن الاستفادة منها وتنطوي على فائدة كبيرة لمن يشتغل من الباحثين، ولا سيما المؤرخون منهم، في كتابة التاريخ الاجتماعي السوري الراهن.

Abstract

Abdullah Hanna, one of the most prominent historians of modern Syria, was a keen adopter of the methods of oral history, and was especially fond of the structured field interview. Hanna's scholarly work was underpinned by his belief in value of the oral history gained through such interviews as the starting point for a history of the "voiceless". In other words, Hanna's work formed part of a global interdisciplinary approach towards a "history from below", and which combined academic history with anthropology and sociology. Hanna was particularly keen to study questions of land ownership and the role of peasants and serfs in modern Syria. Ostour is publishing a number of texts which Hanna collected during his interviews of marginalized Syrians during the final two decades of the twentieth century, making them available to scholars interested in Social History and how it can confirm the present-day history of Syria.

الكلمات المفتاحية:
  • التاريخ الاجتماعي
  • التهميش
  • المهمشون
  • سورية
  • شهادات
Keywords:
  • Social History
  • Marginalization
  • Marginalized communities
  • Syria
  • Oral Testimonies
عبد الله حنا| Hanna *Abdullah
عبد الله حنا | Hanna Abdullah
ب|يعد الدكتور عبد الله حنا من أبرز المؤرخن السورين الذين اعتمدوا عى أساليب التاريخ الشفوي وتقنياته ومناهجه في
كتابة التاريخ الاجتمعي السوري الحديث. ففضلً عن الوثائق والسجلات، اعتمد بشكل كبر عى تقنية المقابلة الميدانية
المنظمة في التاريخ الشفوي من جهة، والتركيز عى تناوله بوصفه تاريخ المهمشن والذين "لا صوت لهم" بما أغنى
مقارباته التاريخية الاجتمعية للتاريخ السوري المعاصر فيم عرف بقراءة "التاريخ من الأسفل" والذي يجمع بن حقول
التاريخ والأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا. ويندرج في إطار ذلك أعمله المتعددة عن تاريخ الفلاحن والحركة العملية في
سورية، وعن ملكية الأرض. وتقدم في هذه المادة نصوص شهادات نظّمها وجمعها حنا في العقدين الأخرين أسطور
من القرن العرين، مع "مهمّشن أو من هم عى تخوم التهميش" لأهميتها التوثيقية، ولكونها تتضمن معلومات
يمكن الاستفادة منها وتنطوي عى فائدة كبرة لمن يشتغل من الباحثن، ولا سيم المؤرخون منهم، في كتابة التاريخ
الاجتمعي السوري الراهن.
كلمت مفتاحية: التاريخ الاجتمعي، التهميش، المهمشون، سورية، شهادات
Abdullah Hanna, one of the most prominent historians of modern Syria, was a keen adopter of the methods of
oral history, and was especially fond of the structured field interview. Hanna's scholarly work was underpinned
by his belief in value of the oral history gained through such interviews as the starting point for a history of the
"voiceless". In other words, Hanna's work formed part of a global interdisciplinary approach towards a "history
from below", and which combined academic history with anthropology and sociology. Hanna was particularly
keen to study questions of land ownership and the role of peasants and serfs in modern Syria. Ostour is publishing
a number of texts which Hanna collected during his interviews of marginalized Syrians during the final two
decades of the twentieth century, making them available to scholars interested in Social History and how it can
confirm the present-day history of Syria.
Keywords: Social History, Marginalization, Marginalized communities, Syria, Oral Testimonies
المهمشون في سورية أواخر القرن العشرين
شهادات شفوية
Marginalized in Syria at the Turn of the Century:
Oral Testimonies
ب|

A Syrian historian residing in Germany.

مدخل يجمع بين النظري والميداين

دخل مدلول التهميش والفئات المهمّشة قاموس التداول السياسي في السنوات الأخيرة من ثمانينيات القرن العشرين. قبل ذلك، نادرًا

ما كنت أعثر في الأدبيات العربية السياسية على كلمة التهميش أو المهمّش. هذا، مع العلم أنّ هذا اللفظ ورد في بعض الدراسات المترجمة،

وكان ذا مدلول اقتصادي، وغالبًا ما عنى الفاقة أو الفقر. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ سمير أمين روّج في ما نشره بالعربية لفكرة المركز والأطراف؛ وبعدها ازداد استخدام تعبير التهميش. ومع تعاظم

شكيمة الشركات الرأسمالية العابرة للقارات، أخذت جماهير واسعة خارج المركز الرأسمالي تشعر أنها تعيش على الهامش، ولا أمل لها في النجاة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، إلا الاتجاه إلى السماء. وتاريخيًا كانت العودة إلى الدين - ولا تزال - أهم وسيلة للنجاة من الواقع المرير.

واليوم نلمس لمس اليد أنّ الخوف من التهميش، أو الخوف من فقدان الهوية الثقافية يدفع بفئات واسعة نحو التديّن والهروب من الواقع.

ويتّخذ التديّن المتصاعدة وتيرته ثلاثة مظاهر: انتظار الفرج، بالإكثار من إقامة الطقوس الدينية وحفلات الأذكار والعودة إلى الطرق الصوفية. ظهور كثيف للتجمعات الدينية ذات المحتوى السياسي والخلفيات الاجتماعية، لحضّ الناس على الاحتجاج أو المقاومة

تحت المظلّة الدينية. ظهور تنظيمات دينية متطرفة، تنهل من الجوانب المتزمّتة والمتحجرة من التراث، ثمّ تسعى لانتقاء حوادث معيّنة اتصفت بالعنف

في زمان كان له مبرراته، وتتخذها نماذج لتصرفاتها المرعبة. وتزداد خطورة هذه الجماعات، مع استخدام التقنيات الحديثة

وما أُنتج من وسائل الدمار، لاستخدامها تحت راية الدين والتراث بحسب فهمها، وإلحاق الخراب بالبشر والحجر والشجر. ويمكن القول إنّ الشعور بالتهميش، سواء أكانت أسبابه داخلية من الأنظمة الحاكمة والتفاوت الطبقي، أم خارجية بسبب هيمنة

القوى الرأسمالية المتوحشة، هو من العوامل الرئيسة المهمة التي تدفع إلى التديّن أولً، ومن ثمّ تزجّ بفئات معيّنة في أتون نيران حروب

تحطّم المجتمعات وتقوم بمحو ذاكرة الحضارات السالفة. ولا يسعنا هنا الحديث عن أسباب اتساع عملية التهميش في المجتمعات العربية، في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، وما أعقبهما من حوادث جسام. هذه الدراسة ليست إلّ تصويرًا انتقائيًا - محكومًا بإمكانات كاتب هذه الأسطر الباحث من دون مساعدة حكومية أو خاصة - في

الوصول إلى مختلف الفئات المهمّشة، وتتبّع بعض مظاهر التهميش الجارية في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين. وبحسب علمي

لا توجد دراسات منشورة عن عملية التهميش والفئات المهمّشة، إلّ في مجلة جدل، بإشراف العراقي الماركسي عصام خفاجي. وقد شاركت

في هذا العدد بدراسة مقتضبة عن مظاهر التهميش في المدن والأرياف السورية. وأورد عناوين بحثي في مجلة جدلومقتطفات من فقراته على النحو التالي: نظرة تاريخية إلى التهميش في سورية الحديثة. تناولت مفهومي العامة والخاصة في تاريخنا العربي، واستعرضت أوجه التهميش في المراحل المتعاقبة من تاريخ سورية الحديث.

1 عصام خفاجي (مشرف)، "هامشيون في المدن العربية"، مجلة جدل، العدد 4، دمشق (1993)، إضافة إلى الدراسات النظرية في هذا العدد من مجلة، نجد أيضًا جدل

عددًا من الدراسات الميدانية، نذكر منها: دراسة سهير سلطي التل، "قاع المدينة: بحث ميداني حي في بعض نماذج الفئات الهامشية في الأردن"، والمقصود مدينة عمان، وكذلك

دراسة أحمد بعلبكي، "مورفولوجيا التآلف والتنافر داخل ضاحية حاشد في'مينا الحبايب' بيروت"، ودراسة طويلة لثروت إسحق، "أبعاد الهامشية: حالة مصر"؛ وقد درس إسحق

حالة "مجتمع الزبالين"، في ما أسماه الهامشية الحضرية، و"عمال التراحيل" في ما أسماه الهامشية الريفية.

التكاثر السكاني وأزمة السكن وعلاقتهما بالتهميش. وهذا ما ستلقي عليه الدراسة الحالية الأضواء. التكاثر السكاني والتهميش بين طبيعة الأرض الزراعية وخصوبتها، ونظام الملكية.

العمل بعد التخرّج والقلق من المستقبل الغامض. ӵ ӵ العلاقة بين النشاطات الطفيلية والتهميش.

بعض أوجه التهميش المستخلصة من الدراسات الميدانية

ننقل تعاريف للتهميش، من وجهة نظر بعض من التقيناهم: ثمة أنواع متعددة للتهميش، منها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري والديني والإثني... إلخ. المهمّش هو كل إنسان غريب في وطنه، ويشعر بأنّ هذا الوطن ليس وطنه.

والجغرافيا الذين لا مورد إضافي لهم. المهمّش هو خارج فعالية السلطة أو الدولة، وليس له أي تأثير في المجتمع، ولا أحد يعطيه دورًا.

شعوري ووضع العمل." تسبب التهميش. والمناطقي... وهذا ما يقودنا إلى القول بنسبية التهميش.

حظهم لأنّ دورهم على الهامش بعد صعود "الطبقة الجديدة" التي لا تترك لهم إلّ العظام وتستأثر باللحم. وأحيانًا يُطلّ برأسه من جديد.

التهميش ذو شكل هرمي، ومن يقف في منتصف الهرم يجد نفسه مهمّشًا من الأعلى، وهو يهمّش الأدنى منه مرتبة.

التهميش في المراحل التعليمية. ويجري التهميش هنا بين اليافعين والشباب في مرحلتين: الأولى مرحلة التسرب من المراحل التعليمية ما قبل الجامعية، والثانية مرحلة الدراسة الجامعية التي كانت تمتد عند الكثيرين عقدًا من الزمن، وأخيرًا مرحلة

ما بعد التخرج في الجامعة. وتعيش أعداد كبيرة من طلاب الجامعات تحت وطأة ظروف الحياة الصعبة، وهاجسها إيجاد

المهمّش هو كل إنسان لا يستطيع الوصول إلى حقّه، حتى لو كان صاحب حق واضح وضوح الشمس... أمّا إذا كان لدى

الإنسان واسطة للوصول إلى حقه أو ما يبتغي فهو غير مهمّش، وإذا لم تكن لديه واسطة أو مسؤول يدعمه فهو مهمّش.

المعلمون والمدرسون عمومًا مهمّشون. وأكثر الشرائح تهميشًا مدرسو التربية الموسيقية والرسم، ويليهم مدرسو التاريخ

"أنا لست مهمّشا في محلي [مهنته كوّاء ملابس]، ولكني خارج المحل لا أشعر بأي قيمة لي. وأحيانًا أشعر بالتهميش في

المحل عندما يأتي أحد أصحاب النفوذ ويطلب بلهجة الأمر أن أكوي ما أتى به في برهة قصيرة. إنه يتصرف من دون أن يراعي الإنسان المهمش هو الإنسان الذي لا يعمل في المجال الذي أُهّلَ له، ويوضع في مكان لا علاقة له بتخصصه... الأنظمة التهميش لا يعني بالضرورة الفقر، بل له مدلولات وأنواع متعددة: فمنه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري والديني التهميش نسبي، بمعنى أنّ تاجرًا يربح بطرق مشروعة مئة ألف ليرة سورية شهريًّا يجد نفسه مهمّشًا، مقارنة بتاجر آخر

على صلة بذوي النفوذ ويفوق ربحه الشهري المليون ليرة، وفي ذمّة بعضهم مليون دولار. ولذلك نجد التُجّار القدامى الذين

لم يدخلوا في علاقات متشابكة ومتبادلة المصالح مع البيروقراطية الحاكمة يتذمرون مع أنّ أرباحهم جيّدة، ويندبون سوء التهميش ليس أزليًّا، أي إنّ ثمّة حركية داخل المجتمع لا تعرف السكون... فالتهميش يمكن أن يستمر لفترة ثمّ يزول،

التهميش ذو شكل دائري، فثمة مركز وأطراف، وكلّما ابتعد الإنسان عن المركز أصبح أكثر تهميشًا. ويمكن للفرد أن ينتقل من دائرة إلى أخرى: إمّا في اتجاه المركز، وإمّا في اتجاه الأطراف. وفي هذا الإطار يبرز أيضًا التهميش المنطقي.

ثمّة فئات مهمّشة اجتماعيًا مثل النوَرْ (الغجر). ولكنّ بعض مجموعات النور ليست مهمّشة اقتصاديًا. فبعضهم اغتنى غنى

فاحشًا بفضل حفلات الغناء والرقص التي يقيمونها. ӵ هل العنوسة للفتيات وكذلك الشباب، والتي سببها الضائقة الاقتصادية وغيرها، هي صورة من صور التهميش؟ هل المرأة في مجتمعنا مهمّشة؟ بالتأكيد لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال الحساس والمعقد بالمطلق. إذ لا بدّ من مراعاة

المستويات الحضارية المتنوعة في مجتمعاتنا العربية، والخصوصية التاريخية لكل منطقة ولكل مرحلة تاريخية من حياة مجتمعنا. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ "نظام الحريم" ترك بصماته المباشرة وغير المباشرة في المجتمع. ومع أنّ عصر النهضة العربية في

منتصف القرن العشرين قاد نسبيًّا إلى تحرر المرأة، إلّ أنّ التغيير لم يكن شاملً وعميقًا. وبقيت أكثرية المجتمع تنظر إلى المرأة

على أنها قيمة نسبية لا قيمة مطلقة كالرجل، فتعيش تابعة تدور في فلك الرجل لا في فلك المجتمع. ويلاحظ أنّ تهميش المرأة في المدينة أوضح منه في الريف، إذا استثنينا المرأة الموظفة أو التي تتقاضى أجرًا. وسترد في الدراسات

الميدانية التالية صور لوضع المرأة الريفية من هذه الزاوية. ظهر لي، أثناء زيارتي الأخيرة إلى دمشق في ربيع 2015، أنّ الفتيات أخذن "يتمردن" على أنماط الملابس التي فُرضت عليهن

في فترات تراجع السفور والتشديد على الألبسة الواسعة الداكنة وما يتعلق بها. والأكثرية الساحقة من الفتيات السنيّات

اللواتي شاهدتهنّ في دمشق واللاذقية وبلدات القلمون يلبسن البنطلون الجينز الضيق والثياب المتعددة الألوان والملتصقة

بجسم الفتاة ساعية لإظهار مفاتن جسمها، مع تغطية شعر رأسها بأشكال لافتة للنظر. وهذه الظاهرة، كما أرى، إشارة إلى بداية التمرد على الأحكام التي ظهرت بعد انحسار أفكار النهضة العربية وصعود الأصولية المتزمتة... هل لذلك علاقة بالتمرد على تهميش المرأة؟... لقد حاولت الاستفسار وطرح الأسئلة بشأن هذه الظاهرة، ولكنّ المأساة التي يعيشها البشر في سورية

المحطَّمة، لم تسمح لي بالخوص عميقًا في هذا الموضوع الحسّاس. وأرى أنّ ظاهرة اللباس الضيّق والمتعدد الألوان تشبه

طرح أعداد من الفتيات للملاءة في أربعينيات القرن العشرين. فهل نحن أمام عهد جديد على الرغم من التزمت والتحجر

والتمسك بالقشور دون اللُباب؟

نماذج من التهميش اعتمدا عىل الدراسات الميدانية

هذه النماذج المستمَدّة من الواقع في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، والمنقولة حرفيًا أو بتصرف من أفواه أصحابها، نوردها لأخذ

فكرة عن المهمّشين أو من هم على تخوم التهميش. ولأسباب عديدة، رأينا حذف أسماء من التقيناهم واكتفينا بالوقائع. لقد جرى جمع هذه العيّنات في وقت اشتدّت فيه الهجمات على الفكر النهضوي العربي من جهة، متلازمًا مع التضييق على المنهج

العلمي المتطلع إلى فهم الواقع وتطويره من جهة أخرى. فقد اتسع دور الظلامية، واللاعقلانية هي سيدة الموقف، والحديث عن نهاية الأيديولوجيا أصبح رائجًا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وقد تناسى هؤلاء أنّ الأيديولوجيات قديمة، ظهرت منذ بدأ استغلال الإنسان

للإنسان، وانقسام المجتمع إلى طبقات، وطموح المقهورين إلى تشييد مجتمع السعادة والرفاه.

2 منير كرامة، "مراجعة كتاب، الجذور التاريخية لتحرير المرأة المصرية في العصر الحديث"، لمحمد يحيى كمال، مجلة الفكرالعربي، العدد 39  /  40 (حزيران 1985)،

ص 355.

الحالة الأولى: أيهم أجمل غرفة كلب "المعلم" يف الثكنة أم غرفة المجند يف أحياء دمشق الفقيرة؟

السلَمية مدينة معروفة، تقع إلى الشرق من حماة، هجرها قسم من أهلها في أواخر خمسينيات القرن العشرين، بعد أن جفّت المياه

الجوفية فيها بسبب الاستخدام الأرعن لضخ المياه وسقاية القطن. انتسب المهاجرون إلى القوات المسلحة وأجهزة الأمن ووظائف الدولة. وعندما لم تستطع أجهزة الدولة في أواخر سبعينيات القرن الماضي استيعابهم - كما هو الحال بالنسبة إلى غيرهم - اتجهوا للعمل في مؤسسات القطاع العام. وبعد أن توقفت هذه المنشآت عن قبول اليد العاملة الجديدة، في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، بدأ الشباب - في السلمية كما في غيرها - يبحثون عن أعمال متنوعة، منها المنتج ومعظمها غير منتج أو هامشي. تتميّز السلمية وقراها بارتفاع مستوى الثقافة وحب المطالعة والحوار الذي ورثوه على ما يبدو من تراثهم الإسماعيلي. وقد زرت السلمية

في ربيع 1977 محاضرًا في المركز الثقافي العربي. وبدا واضحًا كثافة الحضور وحبهم التزوّد بالمعرفة ورغبتهم في النقاش. وكونهم يعيشون على

أطراف المعمورة، فإنّ كرم أهل البادية كان جليًّا في طباعهم، وتجلى ذلك في حفلة العشاء العامرة باللحم المشوي وأقداح "حليب السباع" التي

تُطلق اللسان على عواهنه للحذر، فكيف بأهل السلمية الشغوفين بالنقاش الفكري السياسي؟ أحد شباب السلمية، وهو معاون مهندس في معمل الإطارات (الكاوتشوك) في حماة، التقيته بعد المحاضرة بعدة سنوات، وزرته في غرفته في دمشق أثناء تأديته خدمة العلم. غرفته المستأجرة في أحد الأقبية لا ترى النور والشمس، ويدخلها الهواء من طاقة صغيرة في أعلى الغرفة. روى هذا الشاب المجنّد أنه كان سائرًا في الثكنة فشاهد بيتًا صغيرًا أنيقًا مخصصًا لإقامة كلب "المعلم" (الضابط) قائد الثكنة. وعندها

صاح الشاب بلا وعي: "يا إلهي، هذا الكلب يعيش في غرفة أفضل من غرفتي بعشرات المرات." بعد انتهاء خدمته العلم بمدة، توقف معمل الإطارات وأصبح الشاب عاطلً عن العمل، فوجد نفسه مدفوعًا ومرغمًا على ممارسة أحد

النشاطات الطفيلية، المتمثّل ببيع الدخان المهرّب... وبعدها ألقى عصا التسيار في إحدى دول الخليج للعمل فيها، وتغيّ وضعه من حال

إلى حال.

الحالة الثانية: حول الطبقة العاملة وهوامشها الطفيلية

عند الحديث عن بنية الطبقة العاملة وتركيبتها النوعية في سورية، أثناء تكوّن هذه الطبقة في منتصف القرن العشرين قبل أن تحلّ بها

المصائب، لا يكفي معرفة وضع العامل ومقدار ما يتقاضاه من أجر، بل لا بدّ من التعرف إلى أمور عدة منها: - الأملاك أو الأموال التي ورثها العامل عن والديه. - عدد أفراد الأسرة اليافعين الذين يتقاضون أجرًا، أو يقومون بأعمال هامشية أو طفيلية تؤدي إلى زيادة دخل الأسرة وتحسين

أوضاعها، والحلم بالصعود نحو الأعلى في السلم الاجتماعي. روى لي أحد الأصدقاء، وهو ذو باع طويل في معرفة أحوال الناس وتحليلها. وأنقل ما ذكره الصديق عن حالة أحد العمال المقيم بجواره في أحد أحياء البؤس إلى الجنوب من دمشق ما يلي:

3 شاب من السلمية، مقابلة شخصية، دمشق. 4 صديق الكاتب، مقابلة شخصية، دمشق، 25  /  9  /  1989.

عامل أصله فلاح من حوران، عمل في شركة الدبس للنسيج بدمشق، وكان أجره الشهري مع التعويض العائلي مقدار 1800 ليرة سورية، وهو يعيل أسرة مؤلفة من ثمانية أفراد بمن فيهم الزوجة. ثلاثة من أولاد العامل يقومون بأعمال هامشية تؤدي إلى زيادة دخل الأسرة ما يعادل أربعة أضعاف راتب الأب، وهم على التوالي: الابن البكر ترك المدرسة في الصف الثامن، وشرع يبيع الدخان المهرّب في الشوارع، ووصل ما حصل عليه من ربح أكثر من

ألفي ليرة سورية. الابن الثاني ترك المدرسة، وبدأ يشتري ربطة الخبز بسعرها الرسمي 7 ليرات، ويبيعها بسعر عشر ليرات إلى الفئات الثرية التي لا يرغب أفرادها في الوقوف مدة طويلة في صفوف متراصة وغير منتظمة للحصول على ربطة خبز. وهذا الطفل اليافع لا يطمح إلى تعلّم مهنة فيها نفع له وللمجتمع، فقد استأثرت النشاطات الطفيلية بجماع قلبه. الابن الثالث لعامل النسيج أخذ يعمل في العطلة الصيفية لعام 1989. وهو في الصف السادس في جمع أحذية البلاستيك القديمة أو المستهلكة من البيوت والشوارع وحاويات القمامة، ويبيعها بالوزن إلى أحد معامل تحويل البلاستيك إلى مزهريات بلاستيكية وما سواها. وبهذه الطريقة تمكن الابن الثالث في العطلة الصيفية من أن يربح أكثر من أخويه. لا أعلم ماذا حلّ بهؤلاء الفتيان. وبحسب خبرتي، فإنّ روح العمل غير المنتج والهامشي أخذت بمجامع قلوبهم وتفكيرهم. وعلى الأرجح

لن يفكروا في شق طريقهم إلى العمل المنتج سواء في الحرف أو في الزراعة. ويلاحظ أنّ قسمًا من القوى الشابة تغلغل في أعماقها النشاط

الطفيلي، وأصبح لهذه القوى الشابة قاعدة واسعة في المجتمع، وباتت تهدده بالعواقب الوخيمة.

الحالة الثالثة: بائع الدخان المهرب والموظف يف شركة سادكوب الحكومية

نلاحظ ظاهرة استشرت، وتتمثّل بكثرة الشباب الذين يبيعون الدخان (السجاير) الأجنبي المهرّب في الساحات ومفترق الطرق،

وعددهم يفوق المئات في دمشق لوحدها. سألني أحدهم هل أريد شراء الدخان؟ فتظاهرت بالرغبة في الشراء وسألت عن الأسعار، وسرعان ما دخلت إلى قلب الشاب عندما بادرته بالسؤال: ألست من نازحي طبريا؟ فأجاب بالإيجاب، وكانت ملامح وجهه ولهجته تدل على ذلك. ودار حديث طويل بيننا، خلاصته التالية: عمر الشاب 32 سنة، متزوج وله ثلاثة أطفال، ويسكن مع والديه في حي الحجر الأسود، أحد أحزمة الفقر إلى الجنوب من دمشق. وهو موظف (عامل) في شركة سادكوب لتوزيع النفط، وله إجازة في الحقوق من جامعة دمشق، ويحتل وظيفة رئيس دائرة، إضافة إلى أنه رئيس اللجنة النقابية. يتقاضى راتبًا قدره 3300 ل س. غادر العمل صباحًا تحت ستار مهمة تخص العمل، وجاء إلى

ساحة القصور لبيع الدخان الأجنبي المهرّب. يشتري البضاعة من "القادمين" من لبنان ومعظمهم جنود. ثمن "باكيت" أحد الأنواع

يشتريه - كما قال - ب 21 ل س ويبيعه ب 25 ل س. قال إنه يربح شهريًّا بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف ل س، وأحيانًا يتجاوز الربح هذا الرقم.

معنى ذلك أنّ دخل هذا الشاب من سادكوب ومن التهريب يبلغ سبعة آلاف ليرة سورية، وهو ما يعادل راتب أستاذ جامعة. وعلى الرغم

5 شاب من طبريا، مقابلة شخصية، دمشق، 8  /  10  /  1989. 6 درّست مادة التاريخ ثلاث سنوات خلال الفترة (1970 - 1965)، ولهذا السبب تمكنت من معرفة أصل هذا الشاب، إذ إنّ قسمًا كبيرًا من نازحي الجولان سكنوا في البدء

بعد حرب حزيران 1967 في درعا ومحيطها. والطريف أنني كنت أثناء توجيه الأسئلة إلى التلاميذ أسأل: ماذا يعمل والدك؟ وعندما يجيب: لا عمل له، أعرف أنّ والده مهرب

للبضائع بين درعا والأردن أو العكس.

من قيمة هذا الدخل، فإنّ ثيابه ليست نظيفة، وملامحه تدل على البؤس. أضاف أنّ ما يربحه من بيع الدخان يدفعه اشتراكًا في إحدى

الجمعيات التعاونية السكنية، لأنه يرغب في الانتقال مستقبلً من بيت والديه إلى بيت حديث. سألته كيف تتعامل مع زوجتك وأولادك في البيت؟ أتعاملهم بصفتك موظفًا، أم مهرّبًا، أم بائع دخان مهرّب؟ أجاب - على ذمته - أنّ زوجته ووالديه لا يعلمون أنه يبيع الدخان المهرّب، ويتعامل معهم بصفته عاملً ورئيسًا للجنة النقابية. سألته: أنا محاضر، إذا استمعت إلى إحدى محاضراتي التي تنتقد التهريب والمهرّبين، وأدعو إلى الحماية الجمركية لإنتاجنا الوطني

وبناء صناعة وطنية، وإغلاق بوابة لبنان التي تدمّر اقتصادنا، ألا تكرهني؟ أجاب (والله أعلم إن كان مجاملً أم صادقًا): لا، أنا مع سياسة تحسين الدخان الوطني، وأتمنى أن يكون من نوعية جيّدة. ولكن

ما العمل؟... أريد أن أعيش. بعد أن ودعته ذهبت واشتريت "كرتونة" أو"صفت" بيض بسعر 75 ل س. فأسرع نحوي، وقال: "لماذا تشتري البيض ب  75 ل س،

وسعره الرسمي (تسعيرته) 55 ل س؟"، قاصدًا من وراء ذلك مداعبتي، وتوجيه النقد إليّ، مبررًا عمله في البيع بطريقة "غير مشروعة." بعد أسبوع من هذا اللقاء، التقيت شابًا آخر في ساحة بيع الخضرة في حي ركن الدين بدمشق. كان يبيع على الرصيف - ما يُعرف بالبسطة

- الدخان والسمنة والجبنة والزبدة، وجميعها مواد مهرّبة من لبنان (وغالبًا بواسطة الجنود الذين يخدمون في الجيش السوري المقيم في لبنان

آنذاك ويبيعونها لهؤلاء الشباب). والطريف أنّ هذا الشاب الذي يبيع المواد المهرّبة على قارعة الطريق حاصل على دبلوم من كلية التجارة من

جامعة دمشق. إنّ ظاهرة مهربّي الدخان وغيره من المواد الآتية من لبنان وبائعيه في الشوارع والساحات أصبحت ظاهرة عامة، تستوعب آلاف

الشباب الذين لا يجدون عملً أو الذين دخلهم لا يكفيهم، ويعدّون هذا العمل وسيلة للعيش. هذه الظاهرة من مؤشرات تهميش الطبقة

العاملة الشابة وتحويلها إلى"فئات رثة" لا وعي اجتماعي لديها، ولا حس وطني، ولا أخلاق، ولا قيم، ولا هم يحزنون.

الحالة الرابعة:" بائع الخضار على الرصيف"

شاب عمره 22 سنة، من قرية المشرفة إلى الشرق من حمص، حصل على شهادة الدراسة الثانوية، ثمّ تخرّج في المعهد المتوسط

الزراعي آملًالحصول على وظيفة، لكن من دون جدوى. وعندما تذمّر من وضعه أمام إداريّي المعهد قالوا له: "اذهب بِعْ خضرة."

ربّما لعلاقة الخضرة بدرايته الزراعية البسيطة. غادر هذا الشاب قريته، وألقى عصا التسيار في دمشق، وسكن مع أربعة من رفاقه في غرفة صغيرة في حي القابون إلى الشمال من دمشق أجرتها 520 ل س. أخذ هذا الشاب يشتري الخضرة يوميًّا من سوق الهال الجديد بمبلغ يقارب 500 ل س، وينقلها بسيارة شحن

صغيرة (سوزوكي) إلى ساحة القصور حيث "يبسّط" (يعرض) بضاعته على جانب الطريق. وإذا لم يوفّق في بيع كل شيء، يعيده إلى سوق

الهال، ويعود به في اليوم التالي. عندما التقيته، كان يبيع البندورة والخيار والكوسا. لم يكن لديه ميزان، ولهذا كان يستخدم ميزان جاره المُرَخّص له بالبيع على

الرصيف. قال الشاب إنّ ربحه يراوح بين 100 و 150 ل س. ولكن إذا أتت شرطة البلدية، تصادر له البضاعة لأنه لم يحصل على رخصة،

وعندها يخسر من رأس ماله.

7 شاب، مقابلة شخصية، ساحة القصور- دمشق، 8  /  10  /  1989.

سألته: ما هو هدفه في هذه الدنيا؟ وكيف ينظر إلى المستقبل؟ أجاب: إنّ هدفه الإنفاق على إخوته الثلاثة الصغار وتعليمهم، وهو لا يفكر في الزواج أو غيره من الأمور. يطفح وجه الشاب بالبراءة، ويتمتّع بصحة جيّدة وقوة عضلية بادية في حركاته. فأسفت على هدر هذه الطاقة، وضياع هذا الشاب في

أعمال غير منتجة، يمكن أن يقوم بها ابن الستين سنة. وليست حالة هذا الشاب نادرة، بل هي ظاهرة عامة منتشرة في كل مكان. فساحات المدن وشوارعها تعجّ بهؤلاء الشباب الذين يزاولون

أعمالً هامشية، ولا يلبثون أن يتحولوا إلى بضاعة معروضة للبيع لمن يدفع الثمن.

الحالة الخامسة: أصوات تئن يف مؤتمر الخدمات الطبية النقابي

بدأ أحد النقابيين بكلمة سياسية عامة، لا جديد ولا محتوى لها، وهي عادة متبعة عند النقابيين المتحدثين باسم السلطة والمتطلعين إلى ما تقدّمه لهم من امتيازات. قال أحدهم: "اللجان النقابية في مستشفيات الجامعة لا تأخذ دورها. هناك خلل في العلاقة بين النقابة ورب العمل." قال ثان: "المريض الذي يدخل إلى المشافي، وهو غير مدعوم ومن دون واسطة، يُهمل. أحد المرضى بقي في المستشفى الجامعي عشرين

يومًا من أجل إجراء عملية فتاق، وخرج من المستشفى من دون إجراء العملية، بسبب وجود متسلطين لا يعملون إلّ عن طريق الواسطة." أكثرية المؤتمرين رفضت فرض نسبة 1 في المئة من راتب النقابي بدلً من ثلاث ليرات سورية. إحدى الممرضات قالت: "إنّ قطع واحد في

المئة من الراتب اشتراكًا للنقابة معناه سرقة لقمة العامل. ليس هدفنا خلق بورجوازية جديدة في النقابة، من جراء قطع واحد في المئة من الراتب... نحن نطالب بالموازنة بين الأسعار والأجور." النقابيون الجالسون على منصة القيادة كانوا يناورون من أجل اقتطاع الواحد في المئة من أجور العمال "لصالح العمل النقابي" بحسب قولهم، ولكنهم أخفقوا في نيل موافقة أكثرية الأعضاء... أحدهم قال: "هناك تناقض بين من يركبون المرسيدس (إشارة إلى مسؤولي السلطة) ومن لا يجدون مكانًا في الباص. لم تعد الناس تثق بالنقابات."

الحالة السادسة: جامع النفايات

ذكر اسمه من دون شعور بالإحراج. وهو من مواليد 1977 في دمشق، ولكن والده من النازحين من إحدى القرى المطلة على جسر بنات يعقوب في الجولان. وهو يقوم بجمع الأشياء "الثمينة" من حاويات القمامة، ويبيعها لمن يقوم بإعادة تصنيعها. زوجته لا تعمل. أخته الكبيرة خديجة تشتغل في معمل البلاستيك، وأجرتها الأسبوعية 400 ل س. أخوه نوح في الصف الرابع، اخته آمنة في الصف الأول، أخته عائشة صغيرة لم تدخل المدرسة بعد. في حالة أخرى مشابهة، شاهدت رجلً يتردد مع ابنه ليجمع "الثمين" من حاوية القمامة قرب بيتنا في حي العدوي. وبعد مدة أخذ الصبي يأتي بمفرده من دون أبيه بعد أن تعلم "المهنة". لاطفته وتحدثت معه وتبيّ لي أن في عقله خللً بسيطًا. طلب مني إعطاءه أكلً أو

مواد تموينية. ذكر لي أن أهله يسكنون خارج دمشق إلى الجنوب من السيدة زينب، وبيتهم "ملكهم" وهو مؤلف من غرفتين ومطبخ وبيت

8 انعقد في دمشق في 7  /  2  /  1981 في مبنى اتحاد نقابات عمال دمشق. 9 شاب دمشقي، مقابلة شخصية، قرب الحاوية - حي العدوي - دمشق، 8  /  4  /  1992.

حوش، أي أرض دار. وفي هذا الحوش بئر يضخون الماء منها للشرب والاستعمالات المنزلية. الكهرباء "يسرقونها" بحسب تعبيره من خط الدولة، كما هو حال معظم القاط ين في هذه التجمعات السكنية العشوائية غير المرخصة. هذا الصبي يجمع، كما ذكر لي، البلاستيك الذي يسميه الشمع، ويبيع الكيلوغرام ب 11 ل س. كما يجمع الخبز اليابس ويبيع الكيلوغرام ب  4 ل س، والألومنيوم ب 12 ل س، والنحاس ب  16 ل س. وأردف أنه يحصل مع والده يوميًّا على 150 ل س.

الحالة السابعة: "الزبّال" عامل التنظيفات

الاسم (س) من مواليد 1959 في إحدى القرى المطلة على الضفة الشرقية لبحيرة طبريا، وهو من النازحين بعد احتلال الجيش الإسرائيلي الجولان في حزيران 1967. وبعد حديث قصير، دعوته لشرب فنجان قهوة في حديقة منزلي. كان والده فلاحًا قُتل أثناء احتلال الجيش الإسرائيلي الجولان عام 1967. ولم يكن (س) مسجّلً في دائرة النفوس بعد ولادته، وبقي

مكتومًا حتى نزوحه من قريته مع أمه وإخوته من الجولان إلى دمشق. سكنوا في برزة في إحدى شقق الأبنية العظم، أي غير مكتملة البناء

مثل غيرهم من النازحين. دخل (س) المدرسة الابتدائية، ووصل إلى الصف السادس، وعندما اكتمل عوده شرع في العمل أجيرًا في مهن الحدادة، والنجارة،

والبلاط. وعندما بلغ الرابعة عشرة من عمره التحق بالعمل الفدائي، وبقي ثماني سنوات إلى أن أصيب برجله فترك العمل الفدائي. وعلى الأثر استُدْعي لخدمة العلم لمدة أربع سنوات قضاها في خدمة شاليهات الضباط على الساحل السوري. بعد خدمة العلم، عمل لمدة ثلاث سنوات

مع شركة قاسيون الحكومية للبناء، وكانت تضمّ أعدادًا كبيرة من العمال النازحين من الجولان غير الموصوفين (ليس لديهم خبرات). وشركة

قاسيون شركة إنشائية، ظهرت مع عدد من الشركات العامة في سبعينيات القرن العشرين، واستوعبت فائض اليد العاملة آنذاك. بعدها عمل (س) في "البلدية" بحسب تعبيره، أي عامل تنظيفات، يعمل في الليل بأجر شهري قدره 2700 ل س. وذكر أنه في عدد من ساعات النهار يبحث عن "ضالته" من منتجات البلاستيك، والنايلون، وعلب التنك، وأشياء "ثمينة" أخرى، يبيعها للمعامل التي تعيد تصنيعها. والمعدل الشهري لما يحصل عليه من نقود قرابة 2500 ل س. تزوج (س) عام 1989 من ابنة عمه، وهي أمّية وكانت عاملة زراعية قبل الزواج وتوقفت عن العمل. وأردف موضحًا: "كرامتي

الشخصية لا تسمح لي بتشغيلها لا هي ولا أختي"، كما ذكر حرفيًّا. أنجب (س) في مدة قصيرة بين عامي 1989 و 1992 صبييّن وبنتًا كان

عمرها أثناء الحديث معه شهرًا. بعد زواج (س) ترك (انفصل عن) أهله واستأجر في ضواحي دمشق غرفتين بمبلغ مئة ل س. ثمّ شرع في بناء غرفتين ومطبخ وحمام

من دون رخصة من البلدية. والواقع أنّ البلدية لا وجود لها في المنطقة التي يعمّر فيها إلى الجنوب من مقام السيدة زينب. بلغت تكلفة

البناء 125 ألف ل س، واستغرق البناء مدة سنة وخمسة أشهر. وكانت الأعمال العادية أثناء البناء يُنفّذها (س). يحصل (س) على الماء من

بئر جيرانه، أمّا الكهرباء فهي سرقة من خطوط كهرباء الدولة. وهذه ظاهرة عامة، كما ذكرنا، موجودة في كل مكان من أماكن السكن

العشوائي المحيطة بدمشق والمبنية بلا رخص. وفي هذه الأحياء، تسكن أعداد هائلة من البشر، يمكن للباحث المتواضع القدير أن يدرس حالتهم الاجتماعية. على الرغم من أنّ (س) وصل إلى الصف السادس، فإنّه نسي القراءة والكتابة، شأنه شأن عشرات الآلاف من أقرانه الذين تسربوا من

المدارس ونسوا بعد مدّة ما تعلّموه. يسمع (س) أحيانًا إذاعة صوت الجبل وإذاعة "مونتي كارلو "ذات الشعبية الواسعة. وعندما سألته بصفة

10 عامل تنظيفات، قرب الحاوية - حي العدوي - دمشق، 25  /  5  /  1992.

غير مباشرة وبطريقة دبلوماسية عن شعوره ورأيه في التهميش، كان جوابه أبيًّا مع اعتداد بالنفس. وحول مستقبله أجاب: "من جدّ وجَد، ومن

سار على الدرب وصل. ممكن ابني يسكن في المستقبل هنا في حي العدوي إذا علّمته". وأضاف: "أنا عمّرت غرفتين وبعتهم وحسّنت وضعي."

الحالة الثامنة: "مغمسة بالدم لقمتنا"

قالت إحداهنّ: "الأجر البالغ 500 ل س لا يكفي عائلة مؤلّفة من خمسة أفراد. الرأسمال الطفيلي يلتهم كلّ شيء". قال أحدهم:

"كثير من العمال يتركون العمل في القطاع العام للبحث عن اللقمة الشريفة. نرغب في استقرار العمال وعدم تشريدهم. فالأجور متدنّية

والغلاء فاحش...". قال أحدهم: "في الثورة الفرنسية قيل لهم روحوا كلوا كاتو. فمن أين نشتري الكاتو؟... ز يدت الرواتب ولكن الأسعار ارتفعت أكثر... هذه بدها مطالبة وليس كتابة فقط." أحدهم قال: "نحن عمال لسنا معلقين ولا مطلقين". وذلك في معرض حديثه عن التأمينات الاجتماعية. أحد عمال شركة قاسيون طالب بالأمور التالية:"الكسوة، والإجازات، وعدم الفصل من الخدمة، وأخذ طبيعة العمل، وحساب العمل الإضافي وفق معدل الأسعار الحالية، وتأمين النقل، ومراعاة العامل المتقدم في السن." كنت بصفتي مستمعًا وناقلً للمهم مما أسمع، أشعر أنّ أحاديث العمال هذه نابعة من القلب، لا تصَنّعًا ولا مواربة ولا تزلّفًا للسلطة.

وبدا واضحًا أنّ هذه الشرائح الاجتماعية جائعة وبائسة. أحد عمال التنظيفات قال: "نحن طبقة مسحوقة، نطلب رغيفًا نظيفًا في يد نظيفة. هناك وساطات ورشاوى تؤثّر علينا."... تركّزت تساؤلات عمال الدولة والبلديات ومطالبهم في ثلاثة أمور: الوضع المعيشي والاقتصادي السيّئ، والخدمات القليلة التي تقدمها

النقابة، ووضع العمال في شركة جبل قاسيون التي تضم أكثر من سبعة آلاف عامل. ولوحظ أن تذمّر هذه الفئات المسحوقة يختلف في جوهره

عن تذمر البورجوازية الصغيرة ذات المطالب الأخرى. كما لوحظ أنّ قادة النقابة حاولوا امتصاص نقمة العمال وتذمرهم، بأساليب وطرق بدا

واضحًا أنّ الجالسين على المنصة يتقنونها. جرى الحديث كثيرًا أثناء المؤتمر عن دور الوساطات في الإفساد، وعن مشاعر الخيبة ممن ليس له سند يوصله إلى حقه. وننقل ما

قاله أحد العمال: "في الوساطات ألو يا فلان دبرلي فلان. أو يأخذ كرت فيذهب إلى شاليهات العمال في البسيط. نحن بدنا شي أهم من الشاليهات، بدنا صيدليات ومستشفيات... إلخ."

الحالة التاسعة: من مهندس زراعي إلى مساعد مصور ودهّان

(س) من مواليد 1956، تخرّج في كلية الهندسة الزراعية عام 1980. وقام بخدمة العلم لمدة سنتين، ثمّ عمل مهندسًا زراعيًّا في

محافظة السويداء لمدة خمس سنوات. تزوج من فتاة عام 1985 حاصلة على شهادة البكالوريا، وتدرس في كلية الحقوق في الصف الثاني. وبعد الزواج، تركت الدراسة وأنجبت طفلين، وهي الآن ربة منزل. وجد (س) أنّ راتب المهندس الزراعي لا يمكن أن يعيله مع عائلته. وبحسب تعبيره قال: "ما عادت توفي معي". فاستقال من الوظيفة

بصفة مهندس، وأخذ يعمل مع أخيه "مساعد مصوّر فيديو"، إذ ينضمّ ناقلً أشرطة الكهرباء وراء مصور الفيديو في الحفلات. وتبلغ أجرته

الشهرية من هذا العمل المسائي عندما تتوافر الحفلات مقدار 5000 ل س، في حين أنّ راتبه الشهري بصفة مهندس لم يتجاوز 4000 ل

11 مقتبسات من مؤتمر نقابة مستخدمي الدولة والبلديات المنعقد في 18  /  2  /  1981، في مبنى اتحاد نقابات عمال دمشق. 12 شاب دمشقي، مقابلة شخصية، دمشق، 2  /  5  /  1992.

س. إلى جانب ذلك، قام (س) بعمل دهّان في البيوت، وكانت هذه مهنة والده سابقًا. يُحَصّل (س) من مهنة الدهّان من ألفين إلى ثلاثة

آلاف ل س شهريًّا. معنى ذلك أنّ أجره تضاعف مقارنة بالعمل في الهندسة الزراعية، مع ملاحظة أنه في عمله الجديد يبذل جهدًا يفوق ثلاثة

أو أربعة أضعاف الجهد في الهندسة الزراعية. يقطن (س) في بيت بالأجرة في دمشق مؤلّف من غرفتين ومطبخ في دار قديمة. وأمله في الحصول على بيت مُلك مغلقة أبوابه، فما

يتقاضاه لا يكاد يكفي الحاجات اليومية.

الحالة العاشرة: "مهنة الدِّهانة ومشاعر التهميش"

الاسم أبو إلياس من مواليد 1951 في بلدة صدد إلى الجنوب الشرقي من حمص. كان والده عامل نول يدوي يصنع البسط و"العبي" (العباءات). وكانت هذه مهنة معظم سكان صدد، فقد كان أفراد العائلة جميعهم يقومون بتحويل صوف الغنم يدويًّا إلى خيوط، ومن ثم

حياكته وبيعه إلى البدو والفلاحين في القرى المجاورة. وبعد تعثّ مهنة الحياكة بسبب تغيّ الأزياء ومنافسة الأنوال الآلية للنول اليدوي، أخذ

أهالي صدد في الهجرة إلى لبنان ومدينتي حمص ودمشق للبحث عن العمل والوظيفة. بعد هجر مهنة الحياكة، عمل والد أبي إلياس عاملً زراعيًّا في لبنان، ولحق به ابنه البكر الذي أنهى الصف الخامس للعمل معه. وبعد

مدة، انتقل الابن البكر إلى دمشق، وعمل في أحد معامل "الكازوز"، ثمّ في الشركة الخماسية للنسيج، وتزوج ممرضة، وسكن في غرفة ملك

لأهل الزوجة. أمّا محدّثنا أبو إلياس، فأتمّ دراسة الصف التاسع في صدد، ثمّ يمّم شطر دمشق، وسكن مع أخيه، وبدأ يعمل في مهنة الدِّهانة حتى

تاريخ اللقاء. تزوج أبو إلياس فتاة خريجة المعهد المتوسط الصحي، وهي تعمل في وزارة الصحة براتب شهري قدره 3000 ل س. أمّا أجرة أبي إلياس

فهي يومية وتصل أسبوعيًّا إلى 5000 ل س إذا توافر العمل. وليس لأبي إلياس أي ضمان صحي أو تأمين. يسكن أبو إلياس أثناء اللقاء به في حي الدويلعة الفقير إلى الجنوب الشرقي من دمشق. والمساكن في الدويلعة غير مرخصة للبناء من بلدية دمشق. يسكن أبو إلياس في غرفة أجرتها 600 ليرة، وهي ملك لقريب له من صدد. مالك البيت كان شرطيًّا استطاع بناء البيت

والسكن فيه وتأجير الغرف الزائدة إلى أبناء بلدته. وفي تاريخ اللقاء كان يسكن في الدويلعة أكثر من 600 شخص من صدد يعملون جميعهم في مهنة الدِّهانة. وعلاقتهم ببعضهم قوية، وغالبًا ما يتمّ الزواج من داخلهم. فكأنّ قسمًا من صدد انتقل إلى دمشق، بعد تغيير أداة العمل

من مكوك النول إلى فرشاة الدهّان. رفيق أبي إلياس واسمه جوزيف هو دهّان أيضًا ومن مواليد دمشق عام 1965، ولكن جذوره تعود إلى صدد ويعدّ نفسه صدّيًا. فقد

قدم والده إلى دمشق عام 1959، وتطوع في الجيش وأنجب خمسة ذكور وبنتًا، وتوفي في سنِ مبكّرة. ولذا فإنّ جوزيف وأخاه الذي يعمل في

فندق الفاندوم يعتقدان أنّهما مسؤولان عن تربية إخوتهما بمساعدة راتب أبيهما التقاعدي. وكان الوالد تمكّن، بفضل التوفير من راتبه في الجيش، من بناء غرفتين مع منافعهما في الدويلة. ويفكر جوزيف في بناء غرفة على سطح الغرفتين، لعله يتمكن من الزواج إذا توافر السكن. حصل جوزيف على شهادة البكالوريا، وانتسب إلى الجامعة قسم اللغة الفرنسية. ولكنّ ضيق ذات اليد وصعوبة تعلّم الفرنسية دفعتاه

إلى ترك الدراسة الجامعية والانصراف إلى مهنة الدِّهانة.

13 أبو إلياس، مقابلة شخصية، بلدة صدد - جنوب شرق حمص، 28  /  5  /  1992.

وعندما سألت جوزيف، وهو مثقف ويقرأ كتب الأدب والروايات، عن عدم تمكّن "الصدّية" من التحول إلى متعهدين للدهّان في

البيوت، أجاب: "إنّ العزلة وعدم معرفة الناس في الأحياء الغنية والمتوسطة هي التي تجعلهم مجبرين على العمل تحت إشراف متعهد له صلات، وكان في الأصل دهّانًا وتحول إلى متعهد، ولكنه كثيرًا ما يشاركهم العمل." هؤلاء "الصدّية" الذين سكنوا في الدويلعة والطبالة وأكثرية سكانها مسيحيون، بنوا علاقات حسنة مع الحوارنة المسيحيين القادمين من سهل حوران وجبَله (جبل العرب.) وعلى الرغم من ضعف خدمات البلدية في هذه الأحياء العشوائية، وعدم وجود مرافق عامة فيها، فإنّ أبا إلياس وجوزيف أكدا أنهما لا يشعران أنهما مهمّشان. فهما بحسب نظرتهما يعيشان في حي مستوى الناس الاجتماعي فيه متشابه، والجميع أصحاب مهن أو موظفون

صغار. وملّ ك هذه البيوت المؤلفة من طابقين وغير المرخصة من البلدية يسكنون مع المستأجرين ومستوى الجميع متماثل. ولا يوجد في

الحيين مطاعم أو نوادٍ، وهم يقضون أوقات الفراغ في الزيارات وشرب الشاي أو "المتّة" ولعب ورق الشدّة.

الحالة الحادية عشرة: "التهميش ليس أزليًّا"

كان والد حسن فلّحًا فقيرًا توفي عام 1970.وعاش بفضل مساعدة أخويه إلى أن بلغ أشدّه. وبعد أن أنهى حسن الخدمة العسكرية

عام 1977، كان حائرًا لا يعرف ما يعمل. وبحسب تعبيره: "طلعت من الجيش وأنا أضرب كف على كف"، تعبيرًا عن غموض مستقبله.

ولكنّ أبواب العمل كانت في أواخر السبعينيات مفتوحة أمام الشباب فتوظف في الأعمال الإنشائية لمدة 13 شهرًا، ثمّ في الشركة العامة لتنفيذ

المشاريع الصناعية في السويداء. بعد ذلك عمل محاسبًا لمدة أربع سنوات في الشركة العامة للبناء بدمشق، واستأجر غرفة في مخيم اليرموك مع

أمه وأخته اللتين كان يعيلهما. في ربيع 1988، ذهب حسن إلى دبي، وعمل في أحد الفنادق مستفيدًا من خبرته السابقة قبل خدمة العلم وبعدها، فقد عمل بين الحين والآخر في المقاهي، والتحق بثلاث دورات لتعلم اللغة الإنكليزية. عن شعوره في الخليج قال: "في لحظة من اللحظات تشعر نفسك لا شيء، وكنت أشتاق لشخص أشاكسه". ومن حصيلة العمل في دبي بنى بيتًا في قريته من أربع غرف ومنتفعاتها، وعقد خطبته على معلمة، وهو يفكّر

لمّا التقيته في شراء محل تجاري صغير (دكان) أو مكتبة، والإقامة في قريته. من خلال لقاءاتي مع كثير من شباب محافظة السويداء، يتبيّ في ما له علاقة بموضوعنا، ما يلي: يقيم (يعمل) في بلدان الخليج

أكثر من ثلاثة آلاف شخص (شاب) من الدروز. القاسم المشترك بين هؤلاء هو العودة إلى "الجبل" أي جبل الدروز. و"الجبل "عندهم يصل حد التقديس، وبناء بيت في الجبل هو أول أمنية للمغترب. والبيت يجب أن تتصدره غرفة واسعة مفروشة وفق العادات، تسمّى

"المضافة"، وهي رمز الوجاهة وإثبات الذات، وفيها تقام الولائم (العزائم)، وهي من العادات الاجتماعية المتأصلة لديهم. واللافت للنظر أنّ من كان مهمّشًا قبل السفر يسعى بعد عودته لمحو تاريخ تهميشه وفقره عن طريق الإسراف في فرش المضافة، والإنفاق

على الولائم، والتباهي بالسيارة الفارهة، لدفن ماضيه المهمّش قبل سفره من جهة، وتناسي وضعه الأكثر تهميشًا في بلدان الخليج من جهة أخرى.

14 حسن، مقابلة شخصية، محافظة السويداء، 20  /  5  /  1990.

15 المقصود بالجبل هو جبل الدروز الذي تحوّل اسمه عام 1937 إلى جبل العرب، تأكيدًا لروح الوطنية المنتعشة في أرجاء سورية في تلك الفترة. وتاريخيًّا، كان الجبل معروفًا

باسم "جبل حوران"، وكاتب هذه الأسطر أنشأ كتاب العامية والانتفاضات الفلاحية في جبل حوران (1918  -  1850)، عن ثورة الفلاحين الدروز ضد مشايخهم عام 1888،

المعروفة بالعامية. 16 وهذه الحالة تسري أيضًا على مغتربي دروز جبل حوران إلى فنزويلا، وحلمهم بناء بيت في "الجبل."

وهذا ما أكده حسن بأنه مرّ بعدد من مراحل حياته شعر فيها بأنه مهمّش. أي إنّ التهميش يمكن أن يستمر لفترة ثمّ يزول، وكثيرًا ما

يطلّ برأسه من جديد. أثناء جولاتنا الميدانية في منتصف ثمانينيات القرن العشرين، لكتابة تاريخ الفلاحين، لاحظنا أنّ أعدادًا كبيرة من العائدين من بلدان

الخليج يحملون في قرارة أنفسهم عُقد التهميش الذي عانوه في بلدان النفط. ونضرب بعض الأمثلة على ذلك: مناطق وادي الفرات: نرى أنّ العائد منها، وجيوبه مليئة، يسعى للزواج من ابنة شيخ عشيرته، وينفق ما جمعه على "سياق عروسه"

والحفلات التي يقيمها، ثمّ يعود ثانية إلى الخليج فارغ الجيوب.

جبال القلمون: ثمّة أمثلة لا تحصى عن سلوك العائدين وتصرفاتهم، وهم يتعنترون ويبذخون بلا وعي، لتغطية ما عانوه

قبل السفر إلى الخليج وأثناءه. سهل حوران: التقيت فيه عددًا من العائدين من الخليج، وهم ينفقون بلا حساب على مضافاتهم و"عزائمهم" ويقومون

بتصوير ذلك على الفيديو للتباهي أمام ضيوفهم. ويملك كاتب هذه الأسطر عشرات الأمثلة عمّا شاهده أثناء جولاته الميدانية في الأرياف السورية.

الحالة الثانية عشرة: الإنجاب والتهميش يف قرى "البدو المستوطنين"

عند سؤال أم جاسم عن عمرها، أجابت: "عمري والله ما بعرف أربعين خمس وأربعين". وهي من عشيرة "حرب" إحدى العشائر المتنقلة إلى الشرق من غوطة دمشق، ثمّ استقرت في أوائل الستينيات في عدة قرى من المرج منها البياضية بالقرب من مطار دمشق الدولي. والدها راعي غنم، وننقل كلامها: "كان راعي يشارك الشوام. الشامي يعطي الغنم للبدو، ومن كل 12 فطيمة اثنتين للراعي. كان عندنا جمال يرجدون (ينقلون على ظهورها) عليها الزرع بالأجرة. أيام الوحدة (تقصد الوحدة السورية المصرية بين عامي 1958 و 1961) انتهت

الجمال. مع بيوت اللبن انتهت الجمال. كان عندنا على دور أ بُويَ3 جمال." مضى على زواج أم جاسم - أثناء الحديث معها - 23 سنة. وزوجها كان راعيًا ومن عشيرتها، عشيرة حرب. عند زواجه كان يسكن بيتًا من

اللبن مؤلفًا من ثلاث غرف. وبعد أن كثر أولاده وكبروا قاموا مكان والدهم في رعاية الغنم. يشرف زوج أم جاسم على تربية أربع بقرات، يبيعون حليبها إلى جامعي الحليب الذين يبيعون الحليب في دمشق. وقد استخدمت تعبير الإشراف على تربية البقر، مع العلم أنّ العبء الحقيقي

في رعاية البقر يقع على كاهل أم جاسم. التقينا أم جاسم في إحدى مزارع المليحة في غوطة دمشق، وهي تجمع الحشائش للبقر. وبعد أن ملأت كيسًا كبيرًا، حملته على ظهرها،

وسارت في اتجاه بيتها في قرية البياضية التي تبعد مسافة طويلة عن المزرعة. يعمل في هذه المزرعة بالأجرة في المليحة ابنا أم جاسم. وعندما سألتهما لماذا لا يساعدان أمهما في نقل كيس الحشيش من المزرعة إلى بيتهم في البياضية؟ أجاب أحدهما: "عيب نحنا نشتغل هيك شغلة.وإذا أردنا مساعدة أمنا هي ترفض". وهذه ظاهرة عامة عند الفلاحين من ذوي الأصل البدوي الذين يتركون هذه الأعمال للمرأة، وهي لا تجد غضاضة في هذا العمل. والمرأة لا تشعر بأنها مهمّشة أو مضطهدة

فهذا، في اعتقادها، هو قدرها، وليس لديها أي طموح إلى تحسين وضعها. وأثناء النقاش علّق أحد أبنائها: "هذه حياتنا ونحن مبسوطين فيها". أي إنهم مسرورون من هذه الحياة على هذا النحو.

17 أم جاسم، مقابلة شخصية، 20  /  6  /  1992. 18 تقصد عندما بنينا البيوت من اللبن وتركنا الخيام، بعنا الجمال التي انتهى دورها مع حلول السيارة محل الجمال في النقل.

لأم جاسم ابنة عمرها (18 - 19) سنة، وزواجها مرتبط بزواج أخيها، وهي تقول بحسب ما نقلت أمّها: "بعد أن أفرح في أخي أتزوج."

وهذه البنت عاملة زراعية بالأجرة. وهي ليست وحدها تمارس هذه المهنة، ففي البياضية أكثر من مئة بنت يعملنَ عاملات زراعيات في بساتين

الغوطة الشرقية. ويوجد في قرى المرج إلى الشرق من الغوطة نساء ذوات نفوذ يقمن بدور الوسيط بين الفتيات الراغبات في العمل وصاحب المزرعة الباحث عن قوة عمل موسمية. ويُطلق على هؤلاء النسوة اسم "معلمة"، وهي التي تجمع الفتيات أو النساء وترسلهنّ إلى أماكن

العمل في بساتين الغوطة وتأخذ عمولة خمس ليرات عن كل عاملة تأتي بها إلى بساتين العمل. وأعداد العاملات الزراعيات كبير، وبعضهن

يأتي من قرى ريف دمشق الفقير، والأخريات من الفلاحات ذوات الأصل البدوي من المرج. وما تجمعه العاملة الزراعية، إمّا أن يبقى لها،

وإمّا يأخذه والدها، وغالبًا ما تجري القسمة بين الأب وابنته. أمّا بعد زواج الفتاة، فيتعلّق عمل المرأة برغبة الزوج أو الحاجة إلى النقود. أولاد أم جاسم مهيؤون نفسيًّا للعمل في مزارع الغوطة، وهم لا يشعرون أنهم مهمّشون، ويبدو السرور والبهجة على محياهم، ويجدون

أنّ وضعهم أفضل بألف مرة من الأجيال التي سبقتهم، وكانت تعيش في الخيام مترحلة لرعي الغنم أو الجمال. لأم جاسم ثمانية ب ين وبنات وأصغرهم عمره سنتان، وكما بدا لي أنّ المولود التاسع على الطريق. لا تختلف حالة أم جاسم عن حالة

150 بيتًا (أسرة) تسكن في قرية البياضية وعدد من القرى المجاورة لها.والأسرة هنا تتألف من 10 إلى 12 فردًا، وهي متماسكة عمومًا، تشدّها

تقاليد بقايا نظام الأسرة الأبوية (البطريركية). وغالبًا ما تبقى الأسرة متماسكة ويبقى الشباب بعد الزواج يعيشون في كنف والدهم وسلطته

الضعيفة أو القوية. ويلاحظ من ناحية أخرى أنّ كثيرًا من الشباب أخذوا بعد الزواج ينفصلون عن آبائهم، إذا كانت أوضاعهم المالية تسمح

بذلك. ويبقى شيخ العشيرة وقد تحوّل إلى مختار للقرية، يقوم بحلّ المشكلات الصغيرة، ويعيش على أكتاف أولاده. وتكاد تنعدم الفروق

الاجتماعية (الطبقية) داخل هذه القرى.

الحالة الثالثة عشرة: الإنجاب والتهميش يف قرى سهل الغاب

س)( من مواليد 1922 في إحدى القرى الجبلية المطلة على سهل الغاب. ورث (س) عن والده بيت سكن ريفيًّا وكرمًا زيتونًا وكرم

عنب. لم يدرس عند الخطيب في "الكُتّاب"، ودخل يافعًا ميدان العمل في إحدى مزارع سهل الغاب. وبعدها اشتغل في تهريب الدخان

من الساحل إلى الصقيلبية عاصمة الغاب، ومنها يُنقل إلى حماة. كانت شركة الريجي تحتكر زراعة الدخان (التبغ) وتصنيعه. ولكنّ مهربّي

الدخان كانوا متفقين مع مخافر الدرك على دفع عشر ليرات سورية عن كل نقلة دخان تمرّ محمّلة على الدواب. بعد قضاء زمن في التهريب،

عاد (س) إلى العمل بأجر في الزراعة. وبعد صدور قوا ين الإصلاح الزراعي حصل في منتصف الستينيات على أرض من الإصلاح الزراعي

يدفع عنها سنويًّا أجرًا زهيدًا. انجبت زوجة (س) 14 ولدًا، تسعة ذكور وخمس إناث. ولدينا قائمة بعمل كل منهم، ونكتفي بالخلاصة والانطباع العام عن هذه

الأسرة الكبيرة التي يعمل ذكورها الكبار في المدن بدخول محدودة، وتعيش الأسرة بفضل أرض في الغاب مساحتها 25 دونمًا مستأجرة من

الإصلاح الزراعي بسعر زهيد فيما يُعرف بالرخصة، وتُزرع قطنًا وشوندرا وقليلً من الحبوب. إضافة إلى ذلك، تملك الأسرة قطيعًا من الماعز

يرعى في الجبال برعاية أحد الأولاد، وعددًا من الأبقار يراوح بين اثنتين إلى أربع بقرات. يلاحظ في هذه الأسرة أنّ من تعلّم وحاز البكالوريا لم يتمكن من الزواج حتى تاريخ اللقاء، بعكس الأولاد الذين لم يتعلموا، تزوجوا

وأنجبوا ويعيشون مع أبيهم حياة ذات مستوى متدن. هذه الأسرة التي تَحسّن وضعها المعيشي عن السابق تحسنًا ملحوظًا، لا تزال، مقارنة بالأسر الأخرى الأقل إنجابًا، في أسفل السلم

الاجتماعي. وقد وصف الابن البكر وضع أفراد الأسرة بالعبارة التالية: "لا هُمْ عايشين ولا هُمْ ميتين."

19 شاب من سهل الغاب، مقابلة شخصية، 22  /  4  /  1992.

الفائض السكاني من هذه الأسرة من الشباب، وعددهم ثلاثة، هاجروا إلى دمشق، ويسكنون في "مدن القصدير"، في مستوى معيشي

متدنٍ مع آفاق مستقبلية مسدودة. وفي القرية، أصبح الأب أشبه بربِّ عمل يُسيّ أولاده إلى الرعي أو العمل الحقلي، ولا يمارس أيّ عمل جسمي. أمّا الأم فيقع عليها

عبء العمل المنزلي ورعاية الأبقار. ومع أنها منهكة تعبة، فهي ذات وجه بشوش، ترى أنّ الدنيا هكذا خلقها الله، وهي فخورة بما انجبته

من شباب وفتيات.

الحالة الرابعة عشرة: الإنجاب والتهميش يف قرى الساحل

الاسم (س) من مواليد 1961 في إحدى قرى سهل اللاذقية. يملك والد (س)، وهو من مواليد 1938، عشرة دونمات مروية بمياه الآبار عن طريق الضخ. يزرع الخضار الباكورية والأشجار المثمرة (الليمون، والبرتقال) ويبيع المحصول إلى أحد تجار سوق الهال في اللاذقية. وكما هو العُرف يُديّن التاجر الفلاح ما يلزمه من نفقات، بشرط أن يُسوّق الفلاح إنتاج موسمه للتاجر الذي يحدد السعر. يشعر والد

(س) بوطأة علاقته مع التاجر الذي يستغله، وهو مضطر إلى التعامل معه. والدة (س) تقوم بالأعمال المنزلية ورعاية الأبقار. وكل أسرة تملك من 2 إلى 6 بقرات. ودخل البقرة أفضل من دخل الأرض، ولذا يُعتنى

بالأبقار التي تكلّف جهدًا ووقتًا. وكما هو الحال في الأرياف الأخرى، الزوجة منهكة متعبة توزع وقتها بين العمل المنزلي، ورعاية الأبقار،

والمساعدة في الحقل. المعلومات التالية عن الأسرة أخذناها من (س)، وننقل ملخص ما فاه به عن الأسرة:

إلى الصف التاسع.

متعب بسبب السفر، مثقل بالهموم، ولا مستقبل سعيد أمامه.

في كل سهول الساحل. بالأجرة في أرض الجيران الذين لا يملكون قوّة عمل كافية. وهو ينتظر بناء والده مسكنًا له كي يتمكن من الزواج. تعبير (س) "سيصفُّ على الدور" في انتظار بناء المسكن والزواج. الأخ السادس تشبه حالته حالة أخيه، وهو يعمل بالأجرة في أرض الجيران. الأخ السابع تلميذ في الصف السابع، ويشارك في العمل الحقلي وفي تربية الأبقار.

20 شاب من اللاذقية، مقابلة شخصية، اللاذقية، 25  /  6  /  1992.

(س) كما ذكرنا من مواليد 1961، موظف راتبه 3000 ل س. يسكن في بيت عمّره في أرض والده وبمساعدة الوالد. يحمل

شهادة البكالوريا وشهادة معهد متوسط، وهو الوحيد في الأسرة الذي حصل على البكالوريا، متزوج وزوجته لا تعمل ووصلت الأخ الأول ل (س) متطوع في الجيش ووصل إلى الصف السادس. يعمل في دمشق، وزوجته تقيم في القرية في كنف الوالد وفي مسكن بُني بمساعدة الوالد. له ثلاثة أولاد، ويزور أسرته كل شهر. وقال (س) عن أخيه إنّه "عايف الله تبعَهُ"، أي أنه الأخ الثالث فلاح يعمل مع والده، وهو من مواليد 1970، ولا يزال عازبًا في تاريخ إجراء اللقاء. وهو ينتظر أن يبني له والده

بيتًا، كما بنى لأخيه. وهو يعمل في أرض والده من جهة، وفي أرض الجيران بالأجرة من جهة أخرى. وهذا النموذج منتشر الأخ الرابع فلّح أيضًا، وهو من مواليد 1971، ولا يختلف وضعه عن وضع أخيه الثالث، أي العمل في حقل أبيه والعمل الأخ الخامس يقوم بخدمة العلم ومصروفه من والده. وبعد الخدمة العسكرية، سيصبح وضعه كأخويه السابقين. وبحسب

وحلاق من جهة أخرى. الأخت الثانية وصلت إلى الصف السادس، وهي مخطوبة لشاب فلاح ونجار باطون (عامل بناء).

ӵ ӵ الأخت الرابعة تلميذة في الصف الثالث. ӵ ӵ الأخت الخامسة تلميذة في الصف الثاني.

إلى ستين دونمًا. وغالبًا ما يرسل صاحب الأملاك الواسعة أولاده إلى مدارس المدينة لتلقي العلم، ومن ثمّ العمل في المدينة. ويرى (س) أنّ فكرة تحديد النسل أصبحت منتشرة بين الشباب الذين أدركوا أنّ كثرة الإنجاب لها سلبيات كثيرة.

خاتمة

بورجوازيات طفيلية وبيروقراطية تأكل الأخضر واليابس، تصاعدت وتيرة التهميش في عهدها.

في هذه الأيام العجاف.

هجمات "الليبرالية الجديدة" واتساع دائرة العمل الطفيلي وآثاره المدمرة. ӵ ӵ المثقفون وشرائحهم، ودورهم في المجتمع والدولة.

الصعود والهبوط (دمشق: دار نون 4، 2008)؛ والحركة العمالية في سورية ولبنان 1945 - 1900 (دمشق: دار دمشق، 1973.)

الأخت الأولى تعلّمت حتى الصف السادس، وهي تساعد أمها في البيت. وقد عقدت خطبتها على شاب فلاح من جهة،

الأخت الثالثة لم يستطع (س) تحديد الصف الذي وصلت إليه قائلً: "والله ما بعرف الصف الرابع أو الخامس."

يُعدّ والد (س) وأسرته من الفئات الوسطى في القرية. وملكيته، كما ذكرنا، لا تتجاوز عشرة دونمات مروية من موتور (مضخة) أمسى

مستهلكًا لقدمه. والوالد لا يستطيع شراء موتور جديد ثمنه 20 ألف ل س. ومعنى ذلك أنّ والد (س) سيشتري مياه الري لأرضه من جاره. ولأفراد الأسرة مهنة أخرى في أوقات فراغهم وهي صيد السمك البحري، لتأمين غذاء للأسرة، وبيع الفائض وشراء لحم الفروج (الدجاج.) وهكذا، نلاحظ أنّ من لديه أسرة كبيرة وأرض محدودة يقوم أفرادها بالعمل في أرض الجيران المالكين لمساحات أوسع، يصل بعضها

لا تزال - بحسب علمنا - الدراسات المتعلقة بالهامشيين محدودة. وحقل العمل في هذا الميدان لا يزال بكرًا. كما لا يزال مفهوم الهامشيين

ملتبسًا غير واضح المعالم. وكاتب هذه الأسطر قام بهذه المحاولة، استمرارًا لأبحاثه السابقة المتعلقة بالفئات والطبقات الاجتماعية التالية: البورجوازية الوطنية الصناعية المنتجة ودورها في التنمية وفي مقارعة الرأسمال الأجنبي، ثمّ ضمورها، إذ حلّت محلّها

الطبقة العاملة وإرهاصات تكوّنها وتطورها، وقيام النقابات العمالية في منتصف القرن العشرين، ثمّ ذبولها وما وصلت إليه

الحرفيون وورشاتهم وشرائحهم ودورهم في عملية التنمية. كما خاض كاتب هذه الأسطر غمار البحث في تحركات العامة في كل من دمشق وحلب في القرين الثامن عشر والتاسع عشر، وعمودها الفقري الحرفيون من معلمين وصناع وأجراء. الفلاحون ومُلّك الأرض (الإقطاعيون) والصراع بينهم، والإصلاحات الزراعية وتأثيراتها، والأوضاع الحالية في الأرياف بعد

21 انظر: عبد الله حنا، الفلاحون وملاك الأرض في سورية القرن العشرين (بيروت: دار الطليعة، 2003)؛ وملامح من تاريخ الفلاحين في الوطن العربي ونضالهم في القطر

العربي السوري، العصر الحديث المسألة الزراعية والحركات الفلاحية من الاحتلال العثماني حتى الاستعمار الفرنسي (دمشق: د.ن.، [1980])؛ والحركة الشيوعية السورية

والآن، أتى دور الهامشيين والأبحاث المتعلقة بهم قليلة، ولهذا رأينا إطلاق العنان ل "العفوية" من جهة، والسير بالدراسة على وفق ما تمليه المعلومات التي جمعتها خلال الدراسات الميدانية من جهة أخرى. ومعظم من التقيتهم لم تكن لديهم فكرة عن التهميش، والواعون

منهم خلطوا بين الفئات الرثّة والمهمّشة، لأنّ الحدود الفاصلة بينهما ليست أسوارًا عالية، إضافة إلى عدم استقرار الهامشيين صعودًا وهبوطًا. تكمن أهمية هذه المقابلات مع المهمّشين في تتبع الحراك الاجتماعي المختلط الأوجه، والذي يجعل من دراسة المهمشين مسألة

خاضعة للنقاش، لا يمكن كتابة التاريخ الاجتماعي من دونها.

المراجع

References

الخفاجي، عصام (مشرف). هامشيون في المدن العربية، مجلة جدل، العدد 4 (1993). كرامة، منير. "مراجعة كتاب الجذور التاريخية لتحرير المرأة المصرية في العصر الحديث لمحمد يحيى كمال"، مجلة الفكر العربي، العدد 39  /  40 (حزيران 1985.)