إشكاليات البحث في التاريخ العربي
Fields of Historical Research in the Arab World (Ostour's Seminar)
الملخّص
عقدت مجلة أسطور للدراسات التاريخية ندوتها النقاشية الثالثة في موضوع "مجالات البحث التاريخي في العالم العربي"؛ وذلك على هامش المؤتمر السنوي الثالث للدراسات التاريخية "التأريخ العربي وتاريخ العرب: كيف كُتب تاريخ العرب؟ وكيف يُكتب؟ الإجابات الممكنة" الذي نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات خلال الفترة 22-24 نيسان/ أبريل 2016 وقد انتظمت الندوة في أربع جلسات ترأّس الأولى منها ناصر الدين سعيدوني، وكانت مخصصةً للنظر في النظريّ والمؤسسيّ في مجال الكتابة التاريخية العربية. أمّا الجلسة الثانية، فقد ترأسها وجيه كوثراني، وناقشت نماذج من مجالات بحث المؤرخ في المغارب ما قبل الاستعمار وما بعده. وخُصصت الجلسة الثالثة لتاريخ المهمّشين وأدارها عبد الرحيم بنحادة، وكان الختام مع إبراهيم القادري بوتشيش في جلسة رابعة تناولت إشكالية الحداثة والانتماء الوطني كمجال للبحث التاريخي. وقد حرصت هيئة تحرير مجلة أسطور على إدراج المداخلات وما تبعها من مناقشات؛ تعميمً للفائدة واقتناعًا منها بأهمية ما يُطرح خلال النقاش.
Abstract
Ostour held its third discussion seminar on the subject of "Fields of Historical Research in the Arab World" on the fringes of the ACRPS conference "Arab History and Historiography: How was Arab History Written, and How is it Being Written Today" held from April 22 - 24, 2016. The seminar was organized into four sessions. The first was chaired by Nasireddin Saidouni and was devoted to theoretical and institutional aspects of writing Arab history. The second session was facilitated by Wajih Kawtharani and discussed examples of historical research in the Maghreb both before and after colonialism. The third session was devoted to problems of modernity and national belonging as a field for historical research, and was chaired by Abdelrahim Benhadda. The fourth and final session was chaired by Ibrahim Qadiri Boutchich, and explored the themes of modernity and patriotism as a subject of historical study. The editorial board of Ostour were keen to include interventions and ensuing discussions, and to make them available to readers.
- عرب
- كتابة تاريخية
- تاريخ عربي
- ندوة
- أسطور
- Arab
- Arab History
- Historiography
- Symposium
- Ostor
Ostour Sem inar
الجلسة الأولى: مجالات البحث التاريخي بين النظري والمؤسيس
القسم الأول: المداخلات
القسم الثاني: مناقشات
الجلسة الثانية: البحث التاريخي المغاربي نماذج ما قبل الاستعمر وما بعده
القسم الأول: المداخلات
القسم الثاني: مناقشات
الجلسة الثالثة: تاريخ المهمّشين
القسم الأول: المداخلات
القسم الثاني: مناقشات
الجلسة الرابعة: إشكالية الحداثة والانتمء الوطني تجارب عربية
القسم الأول: المداخلات
القسم الثاني: مناقشات
ندوة أسطور: إشكاليات البحث يف التاريخ العربي
Fields of Historical Research in the Arab World (Ostour's Seminar)
الجلسة الأوىل: مجالات البحث التاريخي
بين النظري والمؤسيس
(رئيس الجلسة: ناصر الدين سعيدوني)
خالد زيادة: أريد أن أرحب بكم مرة أخرى لقدومكم إلى لبنان ومشاركتكم في المؤتمر. وطبعًا، أرحب بكم أيضًا في هذه الندوة التي تعقد في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات فرع بيروت. وأشكر الدكتور عبد الرحيم بنحادة على تنظيمه الندوة التاريخية المهمة، وننوه كذلك بالجهد الذي بذله الدكتور وجيه كوثراني خلال الأيام السابقة لإنجاح الندوة. نرحب مرة أخرى، ونبدأ مع الدكتور ناصر الدين سعيدوني الذي يترأّس هذه الجلسة، ونبدأ أعمال هذه الجلسة الأولى. عبد الرحيم بنحادة: أريد، في البداية، أن أذكر مسألةً تنظيميةً ل ندوةأسطور، فهي عبارة عن ندوة تفاعلية؛ استنادًا إلى الأوراق التي نستقبلها (ينبغي ألّ تتعدى 3000 كلمة). وتُقدَّم هذه الأوراق بتلخيص شديد (في حدود عشر دقائق)، وبعد ذلك يدور النقاش، ثمّ تُسجل النقاشات وتفرّغ وتنشر في مجلة أسطور للدراسات التاريخية؛ والهدف من ذلك أننا نريد أن نبلّغ عددًا كبيرًا من الأفكار التي نتداولها، وهي أفكار وجيهة ومهمة جدًّا، لكن نفترض أنّ الباحث لا يجد الوقت لترجمتها إلى الكتابة. لذا، نريد أن ننقلها كتابة إلى مجلةأسطور. نظمنا في مجلة أسطور ندوتين تفاعليتين سابقتين. وقد كانت الندوة الأولى متعلقة بالحرب العالمية الأولى، وكانت الندوة الثانية بشأن التحقيب في التاريخ. أمّا بشأن نشر هاتين الندوتين، فقد نشُرت أولاهما في العدد الثاني وثانيتهما في العدد الثالث، وننشر أعمال هذه الندوة في العدد الرابع. ناصر الدين سعيدوني: أودّ أن أشكر الجميع وأحييهم. في الواقع، إنّ تخصيصي برئاسة هذه اللجنة شرفٌ لي. وسوف تكون هذه الجلسة، إن شاء الله، تفاعليةً حرةً في طرح الأفكار والتصورات والمقاربات. لكن في كلمة وجيزة، أشير إلى سمنار "عين شمس" في السبعينيات الذي كنّا فيه طلبةً مع الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن، وأحمد عبد الرحيم، وعزة عبد الكريم، وكذلك السمنارات التي كان شارك فيها شارل أندري جوليان Julien André - Charles وبروديل Braudel Fernand وغيرهما، وروبير مونتران Mantran Robert وأندريه ريمون Raymond André، وكلّ الذين عشنا معهم وتفاعلنا معهم. في الواقع، يُطرح تساؤل في هذا السياق. فهل العرب ظاهرة تاريخية؟ ومن ثمّ، نقول إنّنا ننتقل من الذاكرة التي تسترجع الماضي إلى طرح الأفكار. وفي هذا التقديم الوجيز الذي لا يتجاوز دقيقةً، نقول إنّ ما لاحظته، خلال الخمسين سنةً الماضية، هو انتقال البحث من الجامعات إلى مراكز البحث المتخصصة، وهذا يطرح مجالً واسعًا. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ الواقع الذي نعيشه، بوصفنا عربًا، هو الواقع المتأزم فكريًا وحضاريًا، وهو يتّسم بالتراجع أمام ضغوط حضارية كبيرة تقتضي منّا إعادة طرح جديد لتاريخ العرب في مضمونه وشكله ومنهجه ورؤيته. ومن خلال ذلك تأتي مبادرات مجلة أسطور في عقد ندوات تفاعلية، وقد شاركت في ندوة الحرب العالمية الأولى،
وكانت ذات فائدة كبيرة. ومن هذا الوجه، تكون لهذه الندوات مكانتها، كما هي في الواقع، وهنا أودّ أن أشكر الدكتور خالد زيادة والدكتور وجيه كوثراني، وأن أخص بالشكر كذلك الدكتور عبد الرحيم وكلّ جهدٍ إزاء هذه الندوة. نبدأ الجلسة الأولى بمداخلات سوف تكون، من دون شكّ، ذات أثر توجيهي، وسوف تكون لها رؤى جديدة. وهنا نجد، في هذه الجلسة، الدكتور وجيه كوثراني يقدّم لنا مجالات علم التاريخ من السخاوي إلى مارك بلوخ، والدكتور أحمد أبو الشوك الذي سيُعنى بمجالات البحث في التاريخ، وكذلك الدكتور ناصر الكعبي الذي سيهتمّ بتوظيف الرواية الموازية، والدكتور خالد زيادة الذي سيتناول مسألة المؤسسات مجالً للبحث التاريخي. أحيل الكلمة على المتدخل الأول في الجلسة الأولى وهو الأستاذ الدكتور وجيه كوثراني ليحدثنا في مجالات علم التاريخ من السخاوي إلى مارك بلوخ.
وجيه كوثراني Wajih Kawtharani |
مجالات علم التاريخ من السخاوي إىل مارك بلوخ
يورد السخاوي (ت 902 ه/ 1497 م) في كتابه الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، وفي باب عنوانه "التصانيف في التاريخ"، أكثر من أربعين صنفًا من التواريخ، وعندما يعدّد هذه التصانيف إذا به يعدّد العشرات من الموضوعات. ففضلً عن التواريخ الكلاسيكية المعروفة في كتب التاريخ التقليدي (كتب الأخبار)، كتواريخ الأنبياء والملوك والسير والتراجم والمعارك والغزوات، نفاجأ بأنه يعدّد الكتابة في موضوعات "تاريخ الورّاقين والمعلمين والوعاظ وقرّاء الأنغام والمطربين والأطباء وتاريخ البخلاء والحمقى والسفهاء والصم والخرس والجدبان والسحرة والمشعوذين والشطار وقطاع الطرق والعشاق والمتيمين بالحب والرقاصين وشربة الخمر والمخنثين وأهل المجون والمزاح والكذب والمجا ين والموسوسين، وتاريخ السائلة والشحادين"، وإلى موضوعات أخرى تتعلق بفئات نصفها اليوم ب "المهمّشة." واللافت في هذا التعداد أنّ المؤلف (أي السخاوي) يعدّد موضوعات الكتابة الاجتماعية على اختلاف ألوانها وحقولها؛ أي موضوعات الحياة البشرية بقضها وقضيضها، بحلالها وحرامها، بظاهرها وباطنها، بالمسموح به والممنوع، بالنبيل و"المبتذل". إنها التصانيف في التاريخ التي لا تخضع لضوابط أو قيود أو قواعد منهجية؛ أي هي كتابة من غير "علم أصول"، على عكس حال علم الحديث في التراث والذي ضُبط بعلم التعديل والتجريح. ورُبط علم التاريخ بهذا الأخير حتى محاولة ابن خلدون فك الارتباط بين العلمين، ولم ينجح على كل حال. فالسخاوي بعد مئة عام تبعده عن ابن خلدون، عاد فربط علم التاريخ وفقًا للتقليد الثقافي الغالب بالشريعة والعبرة الأخلاقية والدينية. لكن السؤال كيف نفهم هذه المفارقة القائمة؟ أو بالأحرى هذا التناقض المعرفي (الإبستمي) بين اعتبار تلك المجالات الواسعة والموضوعات الدقيقة والحرجة والتي تقع عادةً في حيز الممنوع والمحرّم والمطموس في المجتمعات الإسلامية أنها "تصانيف في التاريخ" من جهة، وبين اعتبار السخاوي أنّ هدف علم التاريخ ودوره ينحصران في خدمة الأخلاق والشريعة والحياة الآخرة (أي أنه علم مساعد لعلوم الدين) من جهة ثانية؛ فكيف تنتظم إذًا تلك المجالات (الموضوعات) في تصانيف التاريخ، والتاريخ عند السخاوي علم في خدمة الدين؟
محاولة الجواب: كما أنّ ابن خلدون كان على عتبة فك الارتباط بين منهج التعديل والتجريح الذي هو منهج الحديث، وبين منهج التاريخ ومجالاته وحقوله الذي هو منهج المطابقة بين الخبر وطبيعة الأشياء؛ أي قوا ين العمران وطبائعه، كان السخاوي أيضًا على عتبة توسيع مجالات التاريخ وحقوله وموضوعاته، ليتجاوز في تصانيفه الكتابة التاريخية في السير والتراجم والغزوات والمعارك وسياسات الملوك، وليستدخل من خلال اهتمامات الأدب والكتابة الحرة، موضوعات المجتمع والحياة الإنسانية، بكل تعبيراتها الجميلة والقبيحة، الحسنة والرديئة، المستحبة والمكروهة، ولكن هذه العتبة عند الاث ين انسدت لأسباب يمكن درسها وتفنيدها وفهمها. ولعل السبب المحوري الذي يصلح عنوانًا لكل الأسباب، غلبة الفقيه في ثقافة ابن خلدون على المؤرخ على الرغم من دعوته لاستقلال علم التاريخ، وغلبة المحدث عند السخاوي على المؤرخ، على الرغم من توسيع السخاوي لموضوعات التاريخ إلى ما لا نهاية في خضم الحياة البشرية والاجتماعية. وعلى الرغم من مرافعته عن التاريخ، وهي مرافعة تشبه بالمناسبة من ناحية الشكل والعنوان مرافعة مارك بلوخ Bloch Marc عن التاريخ histoire ' l pour Apologie، من موقعين معرفيين مختلفين وظرفين تاريخيين مختلفين، فإن السؤال عن مجالات علم التاريخ اليوم، عربيًا وفي ظروفنا، يمكن أن تأخذ في الاعتبار المعطيات التالية: أول: إنّ الموضوعات والمجالات التي يدعو لها "التاريخ الجديد"، عبر جميع دراساته وتعبيراته المتعددة في العالم، هي موضوعات تطرّقت للكلام عنها إرهاصات في الكتابة التراثية الحرّة، والتي ندعوها أدبًا. ومع أنّ هذه لم تضبط داخل منهج علمي آنذاك، فإنها تعد اليوم مصادر أولية ومهمة، يجب أن يُبذل الجهد لجمعها وتبويبها وتصنيفها (سواء أكانت كتبًا منشورة أم مخطوطات)، لوضعها في متناول الباحثين وطلاّب الدراسات العليا، لاستخلاص موضوعات وأطروحات منها (يمكن العودة إلى لائحة السخاوي الغنية: تصانيف التاريخ.) ثانيًا: إنّ العتبة المعرفية التي انسدّت لدى ابن خلدون في المنهج عبر تغلّب الفقه، ولدى السخاوي في المجالات والموضوعات عبر تغليب الحسبة الدينية على الهدف (وهي أمثلة على انسداد احتمالات تطور الثقافة العلمية العربية بدءًا من القرين الرابع عشر والخامس عشر)، هي عتبة يعاد إنتاجها - وبعد انطلاقة نهضة عربية على امتداد قرن ونصف - بصيغة مأزق معرفي اليوم، إذ تغلب في الجامعات وفي المدارس الثقافة الفقهية التقليدية التي تلجم الطموح المعرفي الهادف لمقاربة الموضوعات "المحرّمة"، وهي موضوعات تقع في صلب علم التاريخ وتصانيفه كما تشير لائحة السخاوي المفتوحة على كل الموضوعات والمجالات. ثالثًا: إنّ أبرز ما قدّمته القفزات العلمية في الغرب ولا سيما في العلوم الإنسانية والاجتماعية بدءًا من القرن التاسع عشر حتى اليوم، هو منجز تعاضد هذه العلوم وتداخلها لدراسة جميع الظواهر والمشكلات الاجتماعية المعيشة في الماضي وفي الحاضر، من دون خلط للأزمنة، أي من غير دراسة الماضي بلغة الحاضر، ومن غير دراسة الحاضر بلغة الماضي. ولعلّ هذا ما يوصل إلى موقف بياجه Piaget Jean الذي اعتبر العلوم ذات الموضوعات الجارية في الزمن التاريخي (بما فيها علم النفس) "علومًا تاريخية" (إبستمولوجية علوم الإنسان.) وهذا بدوره من شأنه أن يفتح علم التاريخ على آفاق ومجالات وموضوعات لا حدود لها وأن يتجاوز "العتبات المقدسة" (أو الممنوعة) إذا كان الهدف هو هدف مقاربة الحقيقة أيًا كان حيزها أو مجالها.
أحمد إبراهيم أبو شوك Ahmad Abu Shouk |
مجالات البحث يف التاريخ: تاريخ العالم نموذجًا
ترتبط عمليَّة تحديد مجالات البحث في التاريخ بثلاثة عناصر رئيسةٍ، تشمل اختيار الموضوعات المبحوثة، ومناهج بحثها، ومصادرها المعلوماتية. وتُعدُّ مناهج البحث أكثر هذه العناصر فاعليةً؛ لأنَّها تستندُ دائمًا إلى منطلقات فكريةٍ، تُساهم في تشكيل أوليات الاختيار موضوعًا ومجالً، وتحدد طبيعة المسار الواصل بين مشكلات الأبحاث والنتائج المترتبة عليها، وكيفية تفسير الأحداث التاريخيَّة من واقع ظروفها السياسيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة والاقتصاديَّة، ثم استنباط القواعد الناظمة لحركتها الداخليَّة والصالحة لقياس الأحداث النظيرة لها. وتنبثق المنطلقات الفكرية أحيانًا من ثقافة المجتمع، وأحيانًا من إبداعات الأفكار الفردية النيرة وأدوارهم الرساليَّة في المجتمع. ونتيجةً لذلك، غلبت المثيولوجية على أدبيات الإغريق التاريخيَّة المبكرة؛ لأنها كانت متأثرة بثقافة ذلك المجتمع الذي شكل خرافاته وأساطيره حول قضية الخلق، ودور الآلهة، والأبطال أنصاف الآلهة، والمعايير الدينية في تفسير الأحداث التاريخيَّة. وفي التراث المسيحي الوسيط، برز التاريخ الكنسي بصفته مجالً رئيسًا للبحث التاريخي. وبظهور الإسلام دينًا ودولة، برزت تواريخ الرسل والملوك في المدونات الإسلامية القديمة. وفي عصر النهضة الأوروبية تجلت معالم التاريخ العالمي في المقالة التي كتبها فولتير Voltaire عن عادات الأمم وأرواحها (1756)، إذ اعترف بفضل الحضارات الشرقية والحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية. وبذلك حقق نقلة نوعية في أنماط الكتابة التاريخيَّة ومجالاتها؛ لأنه وسع الفضاء الجغرافي للرؤية التاريخيَّة، واهتم بالأمور الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتفسير سير البابوات والملوك. وبعد ذلك، بدأت تظهر بوادر التاريخ الاجتماعي والتاريخ الثقافي، لكنها كانت بدايات متواضعة؛ لأنها أغفلت حقيقة التطور الإنساني والمتغيرات المصاحبة له، ولم تربط ربطًا مُحكمًا بين محتويات الوثائق التاريخيَّة والظروف التي تشكلت فيها؛ لأنَّ التاريخ في ذلك الوقت لم يكن مادة مستقلة تُدرَّس في المدارس، أو الجامعات الأوروبية. ولكن في الوقت نفسه ظهر اهتمام مكثف بالتاريخ الدبلوماسي والتاريخ السياسي، كما فعل المؤرخ الألماني ليوبولد رنكه Ranke von Leopold. وفي القرن العشرين، تشكلت مناهج الدراسات التاريخيَّة والمجالات التابعة لها؛ لأنَّ الثورة المعرفية أفسحت الطريق لاتجاهات جديدة في مجال التاريخ الاقتصادي، والتاريخ الاجتماعي، والتاريخ الثقافي، وتاريخ النظم والمؤسسات الدستورية. وبدأت عملية استصحاب بعض العلوم الاجتماعية والإنسانية المساعدة في تفسير الأحداث التاريخيَّة، مثل علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الإناسة، وعلم الجغرافيا. وعند هذا المنعطف بدأت تتشكل ملامح المنهج التكاملي في ألمانيا، عندما تبنى كارل لامبرتش Lamprecht Karl مصطلح التاريخ الثقافي؛ لدراسة أحداث الماضي وفق منهج يزاوج بين مناهج علم الاجتماع، وعلم الإناسة، وتاريخ الفن؛ إلا أنّ هذه الخطوة انتقدها بعض المؤرخين الألمان، مُتذرِّعين بأنّ التاريخ يجب أن يكون له منهجه الخاص الذي يميزه عن مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية الأخرى. في المقابل، وجدت أطروحة التاريخ الثقافي رواجًا بين جماعة من المؤرخين الأميركيين، أمثال جيمس هارفي روبنسون Robinson Harvey James، الذي استنّ مصطلح التاريخ الجديد، محتجًا بأنّ العلوم الإنسانية والاجتماعية لا يمكن أن تقف مستقلة عن بعضها، بل ينبغي أن تتكامل من حيث المناهج؛ لتعطي رؤية كليَّة لقراءة أحداث الماضي الإنساني. وبناءً على ذلك،
دعا إلى تجسير التواصل بين علم التاريخ والعلوم الإنسانية الأخرىُ. وفي فرنسا، برز اسم المؤرخ هنري بير Berr Henri، الذي أدخل مفهوم التحليل التاريخي المركب، القائم على العلاقة الثلاثية المتبادلة بين الفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ. وأخيرًا، استطاعت هذه المحاولات الأولية السابقة لمدرسة الحوليات الفرنسية، أن تتجاوز إخفاقات تيار الوضعانية الذي شجع على استقلالية العلوم الاجتماعية والإنسانية عن بعضها، مع التزام المهنيَّة "التاريخيَّة الموغلة في التخصص... والممعنة في التدقيق والنظر في ضبط النصوص الوثائقية، واستخراج الحقائق المفردة منها"، من دون عناية بالسياق "التاريخي الذي يحمل معطيات اجتماعية، واقتصاديَّة، وسياسيَّة، وديموغرافيَّة، ونفسيَّة". شكَّلت هذه التحولات في مناهج البحث التاريخي ومجاله مرتكزًا مهمًا لمدرسة الحوليات، التي مالت إلى التاريخ الإشكالي في إطار النظرة الكُليَّة للأحداث التاريخيَّة في حيز جغرافي معينٍ؛ مع الاستئناس بالمنهج التكاملي القائم على مناهج العلوم الإنسانيَّة والاجتماعيَّة الأخرى في تحليل الأحداث التاريخيَّة، والأزمنة التاريخيَّة المتعاقبة، ودورها في تقصّ أبعاد الحدث التاريخي بجوانبه المختلفة. وتبيّ منظرو التاريخ الجديد هذه النظرة الثلاثية من حيث المنهج وتنوع الموضوعات. ويتضح من هذا العرض أنّ تطور مناهج البحث التاريخي كانت تمثل واسطة بالنسبة إلى العنصرين الآخرين (الموضوعات والمصادر)، وتشكل في الوقت نفسه القوة الدافعة لتكاثر مجالات الكتابة التاريخيَّة. ومن أهم المجالات التي ظهرت بقوة في الربع الأخير في القرن العشرين، هي الدراسات المناطقية studies Area وتاريخ العالم. وكما يرى المؤرخ عبد الفتاح نعوم أنّ الدراسات المناطقية عبارة عن نسخة معدلة من الدراسات الاستشراقية، تحاول أن تبعد نفسها من المركزية الأوروبية، لكنها في الوقت نفسه تمهد الطريق لإحكام سيطرة الولايات المتحدة الأميركية من خلال دراسة المناطق التي ترتبط بمصالحها الإستراتيجية مثل الشرق الأوسط. والتزمت هذه الدراسات في إطارها الجغرافي المنهج التكاملي المتمثل في دراسة الاقتصاد السياسي، ووضعية الدولة والأيديولوجيًا والأنساق الاجتماعية، علمًا بأنّ هذا المجال ظل مهتمًا بوضعية الدولة القُطرية في محيطها الإقليمي. واتساقًا مع ذلك، ظهرت في الجامعات الغربية مقررات وبرامج تاريخية تُعنى بالدراسات الأفريقية والآسيوية والأوروبية. ونشأت بعض الجمعيات الأكاديمية والدوريات ذات الصلة بهذا المجال الجديد مثل معهد دراسات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي في واشنطن، ومجلة الدراسات الأفريقية، ورابطة الدراسات الآسيوية. وبعد ذلك، برزت مقررات تاريخ العالم بصفتها مجالً جديدًا في الدراسات التاريخيَّة، تهدف إلى إبراز الأنساق المشتركة لتواريخ شعوب العالم، وتبحث عن الظواهر التاريخيَّة المتباينة التي تكشف تنوّع التجارب الإنسانية. وتحقيقًا لهذا الهدف، نشأت بعض المراكز الأكاديمية المتخصصة في تاريخ العالم، والجمعيات الأكاديمية الداعمة للتواصل المعرفي والارتقاء المنهجي بهذا المجال الأكاديمي الناشئ. إذًا، تحاول هذه المداخلة أن تلقي الضوء على تاريخ العالم، بصفته مجالً جديدًا في البحث التاريخي، إلا أنها تستند إلى فرضيَّة مفادها أنَّ المعرفة التاريخيَّة ذات الصفة العالمية ربما تُساهم في تمكين مركزية الولايات المتحدة وتحديد نظرتها الإستراتيجية تجاه الآخر. وهنا نطرح مجموعة من الأسئلة المتعلقة بعلاقة المعرفة التاريخيَّة بالقوة السياسيَّة، وكيف يُوظف المجال التاريخي في خدمة الأجندة السياسيَّة؟ يمكن أن يُوصف التاريخ في إطاره المعلوماتي المتمثل في نقل الوقائع والأحداث إلى صور ذهنية حيَّة، بالحياد الموضوعي، إذا التزم المؤرخ نقل الحقائق التاريخية كما تشكلت على أرض الواقع، من دون أن يفسرها وفق سؤاليْ (كيف ولماذا)، وبذلك تكون هذه الصور الذهنية أقرب إلى الواقع، أو كما أطلق عليه هيغل Hegel "التاريخ الأصلي". لكن عندما ننقل الحادثة التاريخية من حيز
الوصف الذهني إلى حيز التفسير التحليلي نخضعها للمعايير الذاتية والموضوعية المرتبطة بالتفسيرات الناتجة من الحدث الأصل. وعند هذا المنعطف تخضع المعرفة التاريخية للتوظيف السياسي الذي يخدم إستراتيجيات المراكز العالمية المهيمنة على صناعة القرار السياسي والاقتصادي. ويؤكد تاريخ العالم من هذه الزاوية ارتباط المعرفة التاريخية بالقوة السياسية، لكنّ هذا الارتباط لا ينفي أنّ تاريخ العالم هو مجال جديد في الدراسات التاريخية؛ يُساعد في فهم الأحداث التاريخية العابرة للقارات وذات الأشباه والنظائر المشتركة التي تشكلت وفق أمد زمني طويلٍ، وفضاء جغرافي واسعٍ. فضلً عن أنّ الأحداث التاريخية المحلية أضحت ذات ارتباطات خارجية في عصر العولمة؛ ولذلك يصعب فهمها واستيعابها بطريقة موضوعية من دون النظر في الديناميات التي توجّه مسار حركة التاريخ العالمي. وبهذه الكيفية، يصبح تدريس تاريخ العالم في المؤسسات الأكاديمية ضرورة معرفية في مجال البحث التاريخي، لكنّ هذه الضرورة المعرفية لا تنفي قضية ارتباطه بالقوة السياسية العالمية. ناصر الدين سعيدوني: شكرًا، أستاذي الفاضل على هذا الطرح. في الحقيقة، ما الذي يطرح إشكالية المركزية الأوروبية Eurocentrism، وكذلك ما يسمى "المناطقية" التي هي Territorial أو Regional؟ لا ندري كيفية معالجة ذلك، ولكنّي أقول إنّ التاريخ هو تعبير عن مشكلات المجتمع وحاجاته وتطلعاته. وفي الواقع، يؤدي ذلك إلى أنّ التاريخ هو علم الإنسان homme ' l de Science. وطرحك طرح جديد، وهو من دون شكّ يثير كثيرًا من التساؤلات؛ لأنه محاولة لوضع التاريخ العربي في إطاره العالمي وتلمّس مكانة العرب في هذا التاريخ.
نصير الكعبي | Alka'bi Nasir
توظيف الرواية الموازية يف حقل دراسة تاريخ العرب والإسلام
تتكون هذه الورقة من ثلاثة محاور رئيسة: يعنى المحور الأول بالرواية الموازية من الناحية الاصطلاحية؛ ويستعرض المحور الثاني أصناف الرواية الموازية؛ ويتعلق المحور الثالث والأخير بمزايا توظيف الرواية الموازية ومبرراته. أمّا النطاق الزمني الذي سأحاول أن أؤكده في استثمار الرواية الموازية، فهو يعتمد في دراسة تاريخ العرب منذ الإسلام المبكر حتى العصر العثماني. إنّ اجتراح حقول جديدة في الكتابة التاريخية محكوم بدعامتين رئيستين: الأولى متعلقة بالاستحضار الدائم والمزمن للمنهجيات الحديثة القادرة على سبر موضوعات قديمة / جديدة عبر إعادة التقييم واستخلاص نتائج غير مسبوقة؛ أمّا الدعامة الثانية فتعنى بإدخال مصادر جديدة لم تستثمر سابقًا، ولم توظف في مجالات الكتابة المتعلقة بتاريخ العرب والإسلام. إنّ مدار المداخلة معني بالتوظيف المصدري لما اصطلحت عليه ب "الرواية الموازية". وهي غير التواريخ العربية التي كتبت بها مجمل الكلاسيكيات التراثية بلغتها، وأصبحت لاحقًا المعتمد الرئيس في تكوين الصور النمطية في مجال دراساتها. فالرواية الموازية راوية تاريخية لم تكتب باللغة العربية، وقد لا تنتمي إلى جوهر الثقافة العربية أو الإسلامية، لكنها استعرضت بطريقة مباشرة أو اعتراضية تفاصيل حيوية عن التاريخ العربي أو الإسلامي. وقد تنطبق تاريخيًا عليها معايير الزمان والمكان بقوة عند مقاربتها للحدث أكثر من قرينتها المصادر التقليدية التاريخية العربية - الإسلامية. ذلك أنّ هذه المصادر التقليدية تعرضت أحيانًا إلى الحظر أو المصادرة أو التمويه
أو إعادة الإنتاج المصابة به غالبًا الروايات المحلية أو الداخلية، بفعل التغييرات السياقية، وارتباط الكتابة التاريخية بتجاذب البلاط والمعارضة والصراعات الأيدولوجية والمذهبية. وتشمل منطقة توظيف الرواية الموازية حقبًا تاريخية مهمة ومفصلية، قد ارتبكت أو غابت عنها الأرشفة المعاصرة، ودوّنت حوادثها التفصيلية في مراحل لاحقة تبعد عنها زمنيًا قرونًا عديدة، فأثّر هذا البعد في مديات الموثوقية والاعتماد. ومن أبرز العهود التي من المفترض أن تستثمر فيها الرواية التاريخية الموازية، عصر الإسلام المبكر ومرحلته التأسيسية أو التكوينية في القرن السابع الميلادي. فهذا القرن لا نمتلك عنه وثائق أو مدوّنات مباشرة أو معاصرة، توثق حوادثه بصفة مباشرة أو قريبة على مستوى الزمان والمكان. فأغلب المدوّن عنه وصل بعد ثلاثة قرون، إذ دوّن في العصر العباسي. فالفارق بين القرين السابع والعاشر الميلاديين يستدعي بقوة مراجعة موضوعية لمصادر الاعتماد الأولى أو الرئيسة. ذلك أنّ معظم المقدم عنها اعتمد رواية الغالب، ولم نلحظ حضورًا مقارنًا لرواية المغلوب المسكوت عنها، عند التعامل على سبيل المثال مع موضوع الأنا والآخر. كذلك الحال مع العصر العباسي، لم يتمّ تجريب إدخال مصادر غير عربية قد تقدم معطيات غير تقليدية، وتتجاوز السرديات المسلّم بوصفها حقائق امتلكت الثبات والشرعية، بسبب التوارد في استعمالها. والمرحلة الثالثة التي من الممكن أن توظف فيها الرواية الموازية هي حقبة العصر العثماني الذي يعاني عوزًا مصدريًا في التواريخ العربية الكلاسيكية القادمة من تلك المرحلة.
أصناف الرواية التاريخية الموازية
التواريخ السريانية والأرمنية
تصنف هاتان المجموعتان ضمن المصادر التي كتبت باللغة السريانية واللغة الأرمنية. ويعود تاريخ التأليف التاريخي فيها إلى عصر ما قبل الإسلام. وعاصرت نصوص تاريخية مهمة منها ظهور الإسلام وحركة الفتوحات الإسلامية. فهي قد عاصرت ظهور نبي الإسلام، وحفظت حوادثه المباشرة، وقدمت في كثير من الأحيان صور المغلوب وانطباعاته عن ذلك التحول الكبير في الشرق. وكتبت العديد من تلك النصوص في العراق، حينما بدأت الفتوحات تصل إليه. فالمشاهدة (المعاصرة) تكاد تكون أبرز مواردها الرئيسة للكتابة، تليها تلك السماعات المتواردة من العرب المسلمين المصنفين ضمن الرعيل أو الجيل الأول. فالتواريخ السريانية قدمت أكثر من خمسة وعشرين نصًا أو تاريخًا كنسيًا وعلمانيًا، ما زال أغلبها باللغة السريانية غير مترجم إلى العربية، فيها فصول ومرويات وفيرة عن تاريخ العرب والإسلام من غير الممكن إيجاد مثيل أو نظير لمعلومتها وطريقة عرضها وتصنيفها وطبيعة الرؤية المتضمنة فيها. ويبدو الحال مشابهًا إلى حد كبير للمصادر الأرمنية التي دوّنت أيضًا في عصور تاريخية مهمة لتاريخ العرب والمسلمين.
التواريخ البيزنطية
ورثت المصادر البيزنطية أساليب الكتابة التاريخية من المؤرخين اليونان، فهم لم يتعاطوا مع موضوعاتهم الخاصة، وإنما شملوا بتناولهم الأمم المحيطة، ولا سيما العرب ومن ثمّ المسلمين في العصور المبكرة والوسطى. إذ أشاروا ضمنيًّا أو بصورة مستقلة إلى حوادث عاصروها، ودوّنوها بطريقتهم ورؤيتهم التي تختلف عما تضمنتها المروية العربية والإسلامية في الحوادث نفسها، وهنالك كم كبير من المؤرخين الذين عاصروا الإسلام المبكر الوسيط.
التواريخ الفارسية
من الممكن أن تكون المصادر الفارسية مصدرًا حيويًا لدراسة العالم العربي والإسلامي في العصر العثماني، فهنالك مجاميع مهمة للغاية من المصادر التاريخية التي كتبت وأرشفت العلاقات العثمانية - الصفوية والقاجارية. هذا فضلً عن النصوص الفارسية التاريخية والجغرافية الرحلية (رحلات الحج) التي جابت العالم العربي والإسلامي أبان تلك الحقبة التاريخية الموصوفة بندرة مصادرها العربية وارتباكها. كما يضاف إلى ذلك الكم الهائل من وثائق الأرشيف القاجاري التي تتجاوز الملايين، من حيث أعدادها وأصنافها وطبيعة تناولها التاريخ العربي، إبّان تلك الحقبة الحيوية. وهي وثائق لم تترجم إلى العربية حتى الآن، أو تستثمر صراحة في معرفة صورة العرب في الذهنية الإيرانية وعبر مصادرها.
مزايا التوظيف ومبرراته
إنّ إدماج الرواية الموازية يخلق أجواء حيوية للمقارنة والمقابلة والوقوف عند التقاطعات، وفحص الرواية التاريخية التقليدية من خارج مرجعيتها أو محيطها السياسي أو التنافسي إلى محيط آخر قد يتسم إلى حد كبير بالحيادية أو الاستقلال المرجعي عنها. تجديد الدرس التاريخي معلوماتيًا، وفتح منافذ جديدة للبحث التاريخي قد تعيد النظر في الكثير من معطيات الحوادث التاريخية المستقرة التي شكّلت الوعي الجمعي والمدرسي. فالكثير من المناطق البحثية غير المغطاة سابقًا، بفعل ندرة المصادر والمعلومات التي تقف عائقًا أمام تناولها أو إخضاعها للدرس، من الممكن ردم فجواتها عبر استثمار معطياتها ورواياتها، بما يتعلق بالتاريخ الإسلامي والعربي في مراحله التي تصل حتى العصر العثماني. قد يكون ذلك مدعاة إلى تفعيل العلوم المساعدة في الكتابة التاريخية، ولا سيما في مرفق إجادة العديد من اللغات المساندة، وترجمة نصوص إلى العربية لم تعرفها سابقًا تعنى بالتاريخ الإسلامي والعربي، وربما يكشف مديات التأثير والتأثر في أساليب الكتابة التاريخية، بين تقاليد الكتابة الإسلامية أو العربية المتأخرة وطرائق الكتابة في الأدبيات التاريخية الموازية. ناصر الدين سعيدوني: يقول التاريخ إنّ الجماعات أو الشعوب تموت بتاريخها الصامت. وأنت طرحت هذه المقارنة التي مفادها أنّ الرواية الرسمية للتاريخ هي الطاغية كما نعرف. نحن نريد أن نرى رؤية الطرف الآخر. وحينئذ، تُستدعى الحفريات والدراسات السيميائية وغيرها. وأنت، أستاذنا الفاضل، قد طرحت موضوعًا على غاية من الأهمية متمثّل بتفعيل وتثمينٍلرؤية جديدة نحن في حاجة إليها. ومن دون شكّ، هناك تساؤلات ومناقشات لورقتك الجيدة والممتازة. الآن ننتقل إلى المداخلة الأخيرة لأستاذنا الفاضل خالد زيادة، وهو سيتناول موضوع المؤسسات مجالً للبحث التاريخي. فلولا هذه المؤسسة الكريمة والمركز، لما اجتمعنا أو تواصلنا. وقد قلت في أوّل الكلام إنّ المؤسسات البحثية في العالم العربي هي "الأكسجين"؛ فهي الإطار الحقيقي الذي قلت فيه تصورًا جديدًا لرؤية تاريخية مُخصِبة متفاعلة وملائمة لتطور العالم الذي نعيشه.
خالد زيادة Khaled Ziade |
المؤسسات مجالً للبحث التاريخي
خلال اشتغالي على الفترات الحديثة من التاريخ العربي، كانت اهتماماتي منصبَّة على موضوع رئيس هو حداثة المجتمعات العربية. والواقع أنه حين نراجع ما كُتب، وهو كثيرٌ في هذا الصدد، نجد أنّ هناك تركيزًا على دور الأفكار في الحداثة. وقد ركزت الكتب أو الدراسات المبكرة نسبيًا التي ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين، والتي راجعت فترة ما يعرف بالنهضة وفترة التنظيمات، على الأفكار إلى حدٍ بعيد؛ مثل كتاب رئيف خوري في لبنان، والدراسات المتعددة للويس عوض في مصر، ولا ننسى ألبرت حوراني في هذا السياق. ويعد هذا الجانب مهمًا؛ لأنّ هناك اعتقادًا بأنّ للأفكار دورًا كبيرًا في التغيير. وأعتقد أنّ هذا الأمر ناتج من تأثير أفكار الأنوار الفرنسية باعتبار أنه لفترة طويلة اعتبرت الثورة الفرنسية أنها ابنة أفكار التنوير. وقد وجدتُ من المقارنة، على سبيل المثال، بين مصر ولبنان - وهذه المقارنة اعتمدتها في العديد من الدراسات التي قمت بها - أن هناك اختلافًا في شكل النهضة وفي أداء النهضة؛ ففي لبنان كانت النهضة ذات بعد أدبي وفكري ولغوي. كلنا نعرف دور النهضويين اللبنانيين في هذه المجالات. أما في مصر فكان التركيز على بناء المؤسسات. صحيح أنّ رفاعة الطهطاوي تكلم وعرض لأفكار الدستور والحرية، وكذلك فعل علي مبارك في كتبه وخصوصًا في كتابه علم الدين. ولكن في نهاية الأمر، كان هؤلاء هم أبناء الدولة، فالطهطاوي، كما هو معروف، أ وفد في بعثة، كما أوفد علي مبارك في بعثة عسكرية. إذًا المقارنة بين هاتين التجربتين العربيتين في القرن التاسع عشر تضعنا أمام التساؤل حول دور الأفكار ودور المؤسسات في النهضة العربية أو في حداثة المجتمعات العربية. والسؤال الأساسي كيف جرى بناء هذه المؤسسات؟ وحين نطرح السؤال، فإننا نطرحه على التجربة المصرية أيام محمد علي باشا وإسماعيل باشا في القرن التاسع عشر. ونطرحه أيضًا على التجربة التركية العثمانية أيام سليم الثالث ثم فترة التنظيمات مع عبد المجيد وعبد العزيز. وكذلك الأمر في تونس في عهدي الباي أحمد والباي محمد الصادق. والسؤال هو كيف بُنيت هذه المؤسسات؟ ومن الذي بناها؟ وبأي كيفية جرى إدخالها في المجتمعات الإسلامية العربية؟ فالمعلوم أن المؤسسة الرئيسة التي قادت التحديث آنذاك كانت المؤسسة العسكرية باعتبار أنّ الهزيمة العسكرية كانت السبب أو الدافع الرئيس للتحديث. وهذا ما حدث في مطلع القرن الثامن عشر مع السلطان أحمد الثالث ثم السلاطين الذين تعاقبوا بعده. إذًا من الذي بنى المؤسسات، وبأي طاقات؟ وما هي الأفكار؟ طبعًا الجواب، أو جزء من الجواب، موجود لدينا لأنّنا نقول إنّ هذه المؤسسات بُنيت على أساس التجربة الأوروبية، مثل استعارة النظام العسكري الفرنسي، ثم استعارة النظام القضائي الأوروبي، ثم استعارة أنظمة التعليم الموجودة كلها في أوروبا. هذه الأجوبة جاهزة إلى حد ما. ولكنّ الجزء المهم في الموضوع الذي أتناوله، وإذا كانت الأسئلة جائزةً من الناحية المنهجية، ما هي حصة المؤسسات التقليدية في بناء المؤسسات الحديثة؟ هل هناك انقطاع فعلي نهائي بين المؤسسة الحديثة والمؤسسة التقليدية؟ وهل هناك انقطاع بين التعليم الحديث والتعليم التقليدي؟ وبين القضاء والمحاكم كما بُنيت والقضاء الشرعي كما كان؟ وتنطبق التساؤلات على جميع أنواع المؤسسات التي وجدنا أنها بُنيت أو أُنشأت أو أُحدثت في القرن التاسع عشر بما في ذلك الأحزاب والنقابات.
إنّ الهدف من طرح هذه الأسئلة القول بأنه لو عدنا إلى جورج بلانديه Balandier Georges في "الأنثروبولوجيا السياسية"، فإنه يُخبرنا بأنّ التحديث الذي يحدث، سواء في الأمثلة التي أوردناها أو الأمثلة الأفريقية التي أوردها هو، سرعان ما تنكشف تقليديتها، وإن كانت تعبّ في مراحل عن الحداثة وعن التشبّه بأنظمة أوروبية. ولكن يمكن أن نكشف مع مرور الوقت، وقد حان الوقت، كيف أنّ هذه المؤسسات تعود لتكتسب جزءًا من تقليديتها في التعليم، أو في القضاء في بعض المراحل أو بعض الأماكن، أو بشكل خاص في العسكرية باعتبارها المؤسسة الرئيسة. نحن بحاجة إلى أن نولي دراسة المؤسسات أهمية أعمق، وهو ما لم يحدث، وإن حدث فبطريقة جزئية تسمح بمتابعة تطور المؤسسات، ومن ذلك دراسة خالد فهمي بشأن تأسيس الجيش المصري. هناك أيضًا دراسات مبكرة حول التعليم أيام محمد علي تتعلق بالجامعات، ولكن كل هذا يحتاج إلى مناهج جديدة لدراسة المؤسسات الحديثة من جهة، والكشف عن الآثار التقليدية الموجودة والقائمة في المؤسسات الحديثة من جهة أخرى. ولكي نصل إلى مقاربات معقولة في هذا المجال، لا بد من أن نأخذ في الاعتبار التمييز بين وظيفة المؤسسة ودورها الاجتماعي ثم التحولات التي طرأت عليها، ويمكن أن نعطي مثالً على ذلك، بأنّ التعليم الحديث كما تم التفكير فيه عندما أنشئت المؤسسات التعليمية والمعاهد، كان الهدف منه إعداد أفراد لخدمة الإدارة، وهذا ما نعرفه في التجربة المصرية باعتبارها تجربة رائدة، وكذلك في تجارب أخرى. لكن نعلم أنّ دور المتعلم والخريج لم يقتصر على هذه الوظيفة، وإنما كان هناك دور اجتماعي للتعليم وإعادة موضَعة الفئات الاجتماعية؛ إذ أصبح التعليم تعبيرًا عن الوجاهة الاجتماعية، بينما كانت الوراثة والمال والجاه والعشيرة هي مصادر الوجاهة التقليدية، وأصبح التعليم الحديث مصدرًا إضافيًا لم يكن محسوبًا. وإذا اقتصرنا على مثال التعليم، فنقول بأنّ التعليم أوجد فئة اجتماعية جديدة في المجتمع، ولكنها تستمد عناصر تأثيرها ونفوذها من مصادر تقليدية. إذًا، ما نحتاجه، وهذا ما أدعو إليه، هو أن نتجاوز فكرة القطيعة في المؤسسات من دون أن نهملها إهمالً تامًا، وتعني فكرة القطيعة أنّ هناك مؤسسات حديثة لا صلة لها بالمؤسسات التقليدية، وهذا ما ينبغي إعادة النظر به، وخصوصًا حينما نتطلع وندرس مسارات هذه المؤسسات. ولا أريد في هذا المجال أن أستخدم تعابير أو مصطلحات قيمية؛ كالقول بتدهور التعليم. ولكن في تحوله عن الوظيفة التي رسمت له والمآلات التي صار إليها، نستطيع أن نلمس مقدار التقليدي في الحديث، وهذا مجال أو حقل بحثي يستحق الاهتمام. ناصر الدين سعيدوني: شكرًا أستاذي الفاضل على هذا الطرح. في الواقع، إنّ الذي يطرح إشكالية التحديث في العالم العربي انطلاقًا من المؤسسات، ويعطينا رؤية بجمع التقليد الذي هو أصالة إلى التجديد الذي هو تحديث للرؤية من أجل الوصول إلى شبكة للبحث التاريخي؛ من خلال ما يسمى "دور المؤسسات". لكم الشكر على العمل. ننتقل، الآن، إلى القسم الثاني وهو قسم النقاش.
الطاهر المنصوري: شكرًا سيدي الرئيس. أعتقد أنّ الكتابة التاريخية في العالم العربي كما ذكر الأستاذ كوثراني حول المناهج هي مهزلة حقيقية وتمسّ في العمق الكتابة التاريخية في العالم العربي، حيث لا تزال المناهج الكلاسيكية التقليدية مسيطرة على أكبر جزء من الكتابة التاريخية. ولكن تُطرح مسألة المواضيع في الوقت نفسه؛ فهناك مواضيع تكاد تكون محرّمة أو ممنوعة، ليس بقانون وإنما بنوع من الرقابة الذاتية. أمّا بالنسبة إلى ما ذكره الأستاذ الكعبي فلا أتفق معه في تسمية الرواية الموازية إنما هي نصوص خارجية أجنبية
معناها المصادر الأجنبية وأهميتها في قراءة التاريخ العربي. وما ذكره حول المصادر الأرمينية والمصادر البيزنطية هو تقريبًا معروف. فأولً، هناك دراسة عرفان شهيد قعوار حول علاقة العرب بالروم، وعملية المسح التي قام بها شهيد للمصادر الأرمينية واللاتينية والبيزنطية حول هذا الموضوع. ثم هناك كتابات أخرى مثل كتاب نشُر عام 1970 للمؤرخ الفرنسي آلان دوسوليي Ducellier Alain عنوانه باللغة العربية مرآة الإسلام Islam ' l de Miroir. في هذا الكتاب قام دوسوليي، وهو مشكور على ذلك على الرغم من أنّ الكتاب منع من النشر في لبنان واتُهم صاحبه بالكفر والزندقة وهو فرنسي، إلى غير ذلك، بجمع النصوص الأرمينية والنصوص البيزنطية التي تحدّث عنها زميلي. ثم أعاد دوسوليي سنة 1997 صوغ الكتاب بشكل أكبر وسمّاه "علاقات المسيحيين في الشرق بالمسلمين". ونشر الكتاب ولكن يبقى كتاب مرآة الإسلاممن أحسن الكتب؛ ففيه جمعٌ من النصوص المهمة. عندما نتحدث عن المصادر الأرمينية مثلً والصورة التي أعطتها عن المسلمين، لو قرأها أغلب المسلمين لأحرقوها. وشكرًا. إبراهيم القادري بوتشيش: أشكر بدوري السادة الأساتذة على تدخلاتهم القيّمة. والحقيقة أنّ الموضوع الذي طرحه الدكتور وجيه من الأهمية بمكان؛ فهو طرح قضية المفاهيم والمصطلحات. وطرح قضية التمييز بين الحقب والانقطاعات التي تحدث في هذه المفاهيم. استعمل الانقطاعات والتحولات. وأنا أميل إلى التحولات لأنّ المصطلح فيه سيرورة تاريخية. يمكن أن نؤصّله ونتابع سيرورته التاريخية ونكتشف هذه التحولات التي هي فعلً تحولات مهمة. ومقارنتك التشابه بين نص السخاوي ومارك بلوخ أظن أنّ فيها شيئًا مهمًا، ولكن ربما أخذت قضية التجزئة فكرة وقرنتها بما ذكر بلوخ وفيليب أرياس Aries Philippe. لكن بحسب علمي السخاوي كما هو معروف كان قادحًا للعلماء في تراجمه، بينما كان مارك بلوخ مدافعًا عن المؤرخين. فهو بطبيعة الحال يقدح في العلماء الذين سبقوه في كتب التراجم، والمؤرخين وغيرهم قدحًا كثيرًا. بينما كان مارك بلوخ مدافعًا. كان له مشروع يدافع عن المؤرخين، وعن مهنة المؤرخ. يلتقي مع السخاوي في فكرة الكذب والتطفل. إنّهما يلتقيان ولكن يختلفان؛ فالأول لم يكن لديه مشروع، بينما الثاني كان له مشروع واضح وجلي.ّ وبالنسبة إلى الزميل أبو شوك، أعتقد أنّ القول بأنّ التاريخ العالمي ليس جديدًا، وليس جديدًا اللحظة إنما بدأ مع إدوارد سعيد عندما نقد المركزية الأوروبية وعندما ظهرت أنماط الإنتاج وحاولت أوروبا أن تفرض تصوّرها لنمط الإنتاج، ظهر الإنتاج الآسيوي. هناك مجموعة من الآراء تقول بأنّ الشعوب المتخلفة لها نمطٌ معين، ويجب أن نتحرر من هذا. أؤيدك، حاليًا هناك موجات عالمية؛ موجات التحرر، وموجات الثورات. فمثلً ما يقع الآن في أميركا اللاتينية في البرازيل سرعان ما نشب في أميركا اللاتينية. وما وقع في عام بعد سقوط جدار برلين نتج منه موجات عالمية، بخاصة في أوروبا الشرقية. والربيع العربي أيضًا. في الحقيقة، أعتقد أنّ هذه الموجات آلية يمكن أن نفسّ بها هذا النسق المشترك العالمي. بالنسبة إلى نصير الكعبي، للأخ الطاهر سبقتني وأعتقد أنّ هذه مصادر مكملة فحسب وليست مصادر موازية أو لها خصوصية خاصة وإنما هي موازية. وأخيرًا أختم مع الأستاذ خالد زيادة، بالنسبة إلى دراسة المؤسسات، في المغرب عندنا وفرة في المجال الجامعي ووفرة في المؤسسات العسكرية، والمؤسسات المالية، والمؤسسات الإدارية، بعضها لا يزال حبيس الخزانات. وبطبيعة الحال، طرحت هذه المؤسسات إشكال التحديث لأنّ الهدف الذي أسّست لأجله اصطدم بعقلية تقليدية وفشل. أريد أن أنبّه فحسب إلى أنّ هناك وفرةً في المغرب. وشكرًا لكم. محمد حبيدة: في الواقع، أريد أن أقف عند مفهوم التاريخ الجديد الذي ورد في مداخلة أبو شوك. بطبيعة الحال ورد ذكر المفهوم في سياق المدرسة الألمانية، وفي سياق المدرسة الوضعية. وربما وجب التنبيه إلى مسألة أساسية وبطبيعة الحال هذه مسألة نحن نحس بها
على مستوى الممارسة. قضية المفهوم هي قضية متحركة في المجال وفي الزمان. إذا تناولنا قضية التاريخ الجديد نجد في كلّ محطة يحصل تقدّم في مجال المعرفة التاريخية ويجد المؤرخ أنّه دخل في مرحلة جديدة على مستوى الممارسة التاريخية. وحصلت هذه المسألة مع المدرسة الألمانية ورأوا أنّ ما أنجزوه جديدٌ بالقياس إلى ما كان سائدًا في السابق والمدرسة الوضعانية هي بطبيعة الحال في القرن التاسع عشر بخاصة في فرنسا كانت قد أنجزت شيئًا جديدًا. وسيثير ذلك التاريخ الجديد وهذه القضية النقاش مع السيد الطاهر المنصوري. نجاح المفهوم مع مدرسة الحوليات وبخاصة في الكتاب الذي أشرف عليه جاك لوغوف Goff Le Jacques وترجمه صديقنا وزميلنا الطاهر المنصوري كان صدفة بوصفه مفهومًا، لأنّ مدرسة الحوليات بخاصة مع الجيل الثالث كانت تشتغل بمنطق جديد، منطق الأنثروبولوجيا التاريخية، ومنطق الانفتاح على العلوم الاجتماعية وبخاصة الأنثروبولوجيا. وظهر الكتاب الأساسي histoire ' l de faire سنة 1974 وهو يتضمن ثلاثة مجلدات. والجميل في الحكاية أنّ صحافية فرنسية (والسيد طاهر يعرف هذه القضية) اسمها جاكلين بياجي Piaget Jacqueline كانت قد أنجزت قراءة حول الكتاب الذي أشرف عليه جاك لوغوف. ووجد لوغوف عنوان هذه القراءة لجاكلين بياجي nouvelle La histoire، جميلً جدًا ويستحق أن يكون عنوانًا لكتاب جديد، وهو في الواقع ليس بكتاب جديد بالقياس مع كتاب Histoire ' l de Faire. نجد التوجه نفسه والحقل نفسه والمساهمين أنفسهم. وما يؤكد هذه القضية أنّ المسألة الجديدة كانت رائجة في ذلك الوقت وبخاصة على مستوى السينما vague nouvelle La لغودار Godard Luc - Jean وغيره. إذًا قضية المفهوم حقيقة. لكي نعود إلى قضية أبو شوك فإن هناك جديدًا على مستوى المقاربة وعلى مستوى المفهوم وعلى مستوى تناول الأرشيف في السياق الألماني والسياق الفرنسي. ولكن في سياق مدرسة الحوليات كانت هناك سياقات أخرى ولدت هذا المفهوم وضمنت له نجاحًا كبيرًا، إن لم أقل عالميًا. وشكرًا. فاطمة بنسليمان: أشكر كلّ المتدخلين. أتفق تمامًا مع الأستاذ وجيه كوثراني بخصوص أنّ المسألة ليست مسألة مجالات في البحث بل هي مسألة مناهج ومقاربات؛ لأنّ مجالات البحث متعددة. وبالنسبة إلى أحمد أبو شوك وتاريخ العالم أو التاريخ العالمي، هناك اليوم تجديد كبير، فهذه المسألة مسألة Studies Area التي لها توجهات ثقافوية Culturalist. وهناك الآن تركيز على المسألة الكونية Globalization وأنت تقول إنّ الأنساق المشتركة لتاريخ العالم مركزها الولايات المتحدة الأميركية، لا يتطابق ذلك مع الواقع لأنّ تاريخ العالم يكتب اليوم من جوانب متعددة انطلاقًا من التواريخ المحلية؛ لأنّ التاريخ المحلي يكشف عن مظاهر من التاريخ العالمي. وهنا تظهر مسألة التهجين والتواصل بين مختلف أجزاء العالم. أمّا بالنسبة إلى الرواية الموازية فالأمر لا يتعلق برواية موازية بقدر ما يتعلق بمسألة المصادر. وكيف نقرأ المصادر. وكانت لنا محاضرة شيقة مع الأستاذ طاهر المنصوري حول المصطلحات المستعملة في المصادر. ولكن كيف نتحدث عن التاريخ الفارسي القاجاري في الحقبة العثمانية، تاريخ العرب في الحقبة العثمانية، هذا مهم جدًا. ولكن المشكلة أيضًا نحن نتحدث اليوم وخلال الأيام التي خلت من التاريخ العربي. إذًا المسألة هنا هي مسألة المنهج ومسألة اللغة أيضًا. فكم في بلادنا العربية من مهدٍ لتدريس اللغات على غرار معهد الدراسات الشرقية مثلً في باريس. هذا نقص فادح لأنّنا ندرس تاريخ الإمبراطورية العثمانية انطلاقًا من دفاتر الأرشيف التونسية مثلً، وهي مكتوبة باللغة العربية. فهل هذا كافٍ لكي ندرس تاريخ البلاد التونسية في العهد العثماني؟ أتفق أيضًا مع الأستاذ خالد زيادة، على أنّ هناك انقطاعات بل هناك تحولات كما ذكر. ولكن ما نفتقده أيضًا أننا لا نزال نتحدث عن مستوى التاريخ العربي. فالمسألة تكمن في المقارنات. لقد تحدثتَ عن مقارنة بين ما يحدث في لبنان وفي مصر بالنسبة إلى المؤسسات وتحديثها. ولكن لنا في تونس ما يشبه هذه المسألة. من هنا أؤكد أنّ هذا التاريخ الذي نريد أن نكتبه عن العالم العربي يجب أن يكون أيضًا تاريخًا مترابطًا بين شرق المتوسط وغربه. فهناك تجارب مشتركة بالنسبة إلى حالات المؤسسات. وهناك تحديث في تونس وتواصل وتفاعل بين القديم والجديد في القرن التاسع عشر، على الأقل، وحتى قبل ذلك بالنسبة إلى التنظيمات العثمانية. وشكرًا.
الطاهر اليحياوي: شكرًا. أولً، أنا لست مؤرخًا، وجئت لأتعلم منكم؛ فأنا أهتم بالآداب والحجاج وتحليل الخطاب. ولكن التاريخ يهمني كثيرًا. في الحقيقة استفدت من كلّ ما طُرح. مسألة أنّ التاريخ تجاوز مجالً واحدًا إلى مجالات متعددة وخصوصًا مصطلح التاريخ الثقافي، مسألة مهمة، لأنّ أفكر في التاريخ العربي، تاريخ الأدب أحيانًا كثيرة. عندي انطباع أنّ التاريخ كما كتب قبل الطبري وبعده هو تاريخ سياسي؛ هو تاريخ صعود دول وسقوطها وتأثيرات ذلك. لكن يوجد أيضًا تاريخٌ مواز؛ تاريخ الشعراء، وتاريخ المغ ين، وتاريخ الفقهاء. وهنا أتساءل هل كُتب الطبري مثلًالمتعلقة بعلم الكلام والفقه أو المتعلقة بالأدباء يمكن أن تندرج ضمن مجالات التاريخ؟ ثانيًا، عندما أقرأ كتاب الأغاني، وهذا أمر مهم لأنّ درست كتاب الأغانيوقد درست كتاب أخبار الأغانيوكنت أقول للطلبة الفرق بين الخبر في كتاب الأغاني والخبر في كتاب التاريخ هو: مبدئيًا العلاقة بين الخبر في كتاب الأغاني والواقع ليست علاقة مرجعية، بينما العلاقة في كتب التاريخ بين الخبر والواقع هي علاقة مرجعية هذا في الافتراض النظري، أجد أخبارًا كثيرة في كتاب الأغانيأو كتاب الفرج بعد الشدة للتنّوخي ترد في كتاب الطبري أيضًا. ثم أشير إلى جانب آخر، فأطروحتي كانت حول الخطب. وأهم مصدر للخطابة العربية هو كتاب الطبري؛ إذ أحصيت 362 خطبة ولا نجد مصدرًا آخر ثريًا متعددًا ككتاب الطبري. والخطبة كما نعلم رواية شفوية انتقلت إلى مرحلة التدوين وتعتمد بخاصة في الفترة الأولى عند الطبري اعتمادًا كاملا. بينما في الفترات اللاحقة لا أجد اعتمادًا كبيرًا في كتاب الكامل في التاريخ المأثور. أسوق ملاحظة أخرى تتعلق بمسألة المصادر الموازية أو الروايات الموازية؛ فأنا لا أعرف هذه الأشياء ولكن من خلال ما أتابعه من إصدارات وكتابات بخاصة ما يسمى بالاستشراق الجديد الذي يريد أن يقدّم تصورًا راديكاليًا مختلفًا عمّا أعرفه. وأنا لست ضد هذا. أخشى أن يكون أحيانًا الاعتماد على هذه المصادر الموازية مهمًا لغرائبيتها وليس لنجاعتها. أحيانًا نسمع بخبر كتب باللغة البيزنطية لكن ليس من الضروري أن يكون أصيلً لأنّك تسيء إلى السريانيين مثلً. أي من يدريني أنّ هؤلاء الذين احتلت أراضيهم عبّوا عن رواية غير موضوعية، أي رواية ذاتية. ولذلك يجب أن نحترس كثيرا من هذه المصادر التي تجلبنا لغرائبيتها أكثر من صدقيتها. أعرف تاريخ اليعقوبي ولا أجده يختلف جوهريًا عن التواريخ الأخرى إلّ في بعض المصطلحات؛ من قبيل أنّه لا يسمّي خلافة أبي بكر خلافة، فهو يقول "أيام أبي بكر"، و"أيام عمر" و"أيام عثمان"، وخلافة علي بن أبي طالب. أو حينما يروي خطبة الغدير مثلً بطريقة مختلفة. لكن في الجوهر لا أعتقد أنّ هناك اختلافًا بين هؤلاء. شكرًا جزيلً. عبد الرحيم بنحادة: أريد أن أعود إلى مسألة ما طُرح من قبل بشأن المصادر الموازية والمصادر. وأضم صوتي إلى باقي المتدخلين؛ فلا يمكن أن يكون ما تراه أنت موازيًا قد يراه الآخر أساسيًا ورئيسًا. أظنّ أنّ المصادر هي مصادر. ويمكن أن يتضمن المصدر "الموازي" معلومات قد لا تكمّل، بل قد تكون هي أساسية، وقد تكون من الدرجة الأولى. أثارتني مداخلة الدكتور خالد زيادة بشأن المؤسسات ومسألة الانقطاعات والتحولات ومسألة المقارنة التي أوردتها فاطمة بنسليمان، هناك كتاب وضعه المؤرخ الوضعاني الألماني رانكه Ranke von Leopold في نهاية القرن التاسع عشر وكان تحت عنوان العثمانيون والملكية الإسبانية. وفي هذا الكتاب مقارنات بين الأنظمة أو بين المؤسسات العثمانية والمؤسسات الإسبانية، وفي الكتاب إجابات عن أسئلة المقارنة بين نظامين متوازيين، وأعتقد أن قراءة هذا الكتاب ستسعفنا كثيرًا في معرفة تطور هذه المؤسسات العثمانية وأهم معالم قوتها. إن قدرة الدولة العثمانية في بناء مؤسسات قوية هو ما جعل الدولة العثمانية تعمر هذه الفترة الطويلة من 1299 - 1923. يربط الدكتور خالد زيادة بين بناء المؤسسات والتحديث وأنا أعتقد مسألة التحديث ترتبط بعدم قدرة مؤسسات النظام القديم على مسايرة الوضعية الجديدة للدولة العثمانية منذ النصف الأول من القرن السابع عشر. سامر عكاش: أشكر الزميل على التقديم وعلى المحاضرات القيّمة المفيدة. لست مؤرخًا، فأنا في حضرة الزملاء المؤرخين. أنا معماري مهنيًا ولكنّي متطفل على التاريخ. ولكن هذا يسمح لي بالدخول والخروج في مجال البحث وفي مجال التقاطعات. سأبدأ أولً مع الدكتور
وجيه، عندي مجموعة من التساؤلات. النقطة الأساسية بالنسبة إليّ هي المفاصل التاريخية. لفت نظري أنّ اختيارك للسخاوي كان على عتبة دخول العثمانيين إلى البلاد العربية. فهل كان السخاوي يمثّل مفصلً في تطور الدراسات التاريخية؟ يعني هل اختلف في طرحه المناهج أو المواضيع التاريخية؟ هل اختلف عن ابن خلدون منهجيًا أو فكريًا أو عن المقريزي تلميذ ابن خلدون؟ وما هي التطورات التي أدخلها السخاوي بوصفه مختلفًا في طريقة تقديمه أو دراسته للتاريخ؟ وهل هناك مفاصل بعد دخول العثمانيين؟ إذا أخذنا طاشكبري زاده مثلً في كتاب موضوعات العلوم، فقد طرح موضوع العلوم بوصفه موضوعًا أساسيًا في مجال التاريخ. بينما أظنّ أنّ السخاوي لم تشمل موضوعاته التي طرحها موضوع العلوم. وإذا أخذنا طاشكبري زاده وكاتب جلبي (حاجي خليفة) على سبيل المثال فهما تحدّثا عن خلافٍ منهجي كبير بينهما. بإمكاننا أن نتابع مجموعة من المفاصل في الكتابات التاريخية. فهل السخاوي يمثّل مفصلً؟ أحيل هذه المسألة للدكتور وجيه والدكتور أحمد أبو شوك. لفت نظري اهتمام المؤرخين الزملاء كلّهم طبعًا بالتعمّق في مجال التاريخ فهو مجالهم. والنقاشات محصورة بخاصة في تاريخ العالم وفي طريقة دراسة المنهجية الغربية لصوغ تاريخ العالم. مثلً، من المدرسة الوضعية أو المدارس الأخرى فأنتم تناقشون بوصفكم مؤرخين واهتماماتكم في مناهج التأريخ. فتاريخ العالم بالنسبة إليكم كان الصوغ الأساسي، كيف يمكننا صوغ فكرة ومن كان يطرحها بشكل أو بآخر. بالنسبة إليّ بوصفي من خارج الدائرة التاريخية، يهمني أن أعرف مثلً ما هي مكانة الحضارة العربية الإسلامية في ما يسمى ب "تاريخ العالم"؟ فبالنسبة إلى كلّ المناهج الغربية يهمني أن أرى كيف تعامل كل منهج من المناهج مع موضوع الحضارة الإسلامية في تاريخ العالم: كيف قدّموه ووضعوه وصوّروه؟ المشكلة هنا أنّني لم أجد أحدًا قدّم مساهمة لقضية تاريخ العالم من وجهة نظر عربية؛ أي أن يصوغوا مثلً تاريخ العالم ويذكروا دور الحضارة الإسلامية فيه؛ إذ ليس لنا منظور مقابل لتاريخ العالم من المنظور العربي، وهذا المكان من الأوروبي والأميركي. فهل هناك مجال لتقديم منظور لتاريخ العالم خارج عن المناهج المعتمدة؟ بالنسبة إلى الأستاذ الكعبي، في رأيي أشارك الدكتور عبد الرحيم بخصوص أنّ المصادر هي مصادر. لكن الفكرة الموازية هي فكرة كذلك لا نستطيع تفاديها. لقد اشتغلت على تاريخ القرن 18، وعلى كتب اليوميات؛ فمثلًالبديري وابن كنان اللذين كتبا يوميات مدينة دمشقالتي هي مصادر إسلامية، كتبا من وجهة نظر إسلامية. لكن في مصادر يوميات متزامنة مثل تاريخ الأب بريك لدمشق، تمّ التركيز على مشاكل الجالية المسيحية. وفي الحقبة نفسها نلاحظ إذا قارنّا بين الاث ين، أنّه يمكن عدّها موازية وكما قال الدكتور عبد الرحيم يجب أن نتعامل مع هذه المصادر بوصفها مصادر. ولكن هناك اختلافات؛ فكلّ المواضيع التي تخص الجاليات المسيحية أو اليهودية مثلً في دمشق مغيّبة تمامًا في اليوميات المحلية لتاريخ مدينة دمشق. فكان من المفيد قراءة التواريخ ومقاربتها؛ فهناك مواضيع في التغيير الاجتماعي مشابهة تمامًا للجاليات المسيحية والجاليات الإسلامية، وكانت تتقاطع. فموضوع التواريخ الموازية يعطي فكرة جيدة ومهمة للدراسات. عبد الحميد هنية: أشكر الزملاء على التدخلات، فكلّها مفيدة ومحفزة للنقاش. بالنسبة إلى مداخلة الدكتور وجيه كوثراني، التركيز على أهمية المفاهيم مهم والتفكير فيها ضروري. والمهم أنّه يجب أن نعتقد أنّ هذه المفاهيم ليست جامدة وإنما يجب أن نخضعها إلى قراءة متواصلة ومتفككة، ونعيد تفكيكها. نعرف كثيرًا من البراديغمات، ولد وترعرع وأنتج معرفة مهمة جدا، ولكنّه سرعان ما ووجه بالتفكيك والنقد واستنبطت براديغمات أخرى تطوّره. لكن يجب أن ننقد دائمًا هذه المفاهيم، ونعيد استنباطها وتكييفها، بخاصة في العالم العربي؛ فقلّما تستنبط براديغمات عندنا؛ فإلى يومنا هذا، ترد كلّها من الخارج ويجب أن نعرف كيف نتعامل معها. لكن إلى جانب المفاهيم والبراديغمات أيضًا لا أقول كلمة مجالات أنا لست موافقًا. بل نقول حقولً جديدة. أي عندما نبحث عن حقول جديدة فهي من شأنها أن تحفز التجديد. وسأتحدث عن ذلك في مداخلتي.
بالنسبة إلى تاريخ العالم، دفعتني مقولة تاريخ العالم إلى مقولة العولمة. إذًا هي مرتبطة بهذه العولمة وهناك ردة فعل عليها، ويجب أل ننكر ذلك وأن نأخذها في الحسبان. في الحقيقة أنتجت ردة الفعل اتجاهًا جديدًا في البحث. عندما اهتممنا بالفرد، أصبحنا نهتم بالفعل، وصرنا نهتم بالتاريخ من الأسفل، وأصبحنا نهتم بأشياء كثيرة من الداخل. ثم لا ننسى أنّ تاريخ العالم طبعًا مفيد. وربما تكمن معضلة التاريخ في أنّه محلي. والمحلية هي أكبر معضلة عند المؤرخين؛ فكلّ العلوم الأخرى تجاوزت المحلية لكي تطمح إلى الكونية في نتائجها. والمؤرخ لأنّه محلي في الزمان والمكان لا يمكن أن يكون مؤرخًا إذا لم ينطلق من زمان محدد ومكان موحّد. فهو مجبَ على أن يكون محليًا. لكن يجب أن يكون ذلك في الانطلاق لكي يرفع شيئا فشيئا المعرفة التي يبنيها عندما تصل هذه المعرفة إلى الكونية. يصبح التاريخ علمًا عندما يصل إلى الكونية. لا أقول العولمة لكن أقول الكونية. لكن الانطلاق دائمًا من المحلي، ومن الجزئي، ومن الفرد، إلى آخره. في ما يخص مداخلة الدكتور خالد زيادة، هي مداخلة مفيدة جدًا وما يقوله يهم مجالات أخرى كما ذكرت الدكتورة فاطمة بنسليمان. ونجد القضايا نفسها ونطرحها أيضًا عندما نتحدث عن تونس، نحن نقارب أيضًا مع مصر ومع لبنان. نقارن لأنّ المقارنة هي الطريقة الوحيدة التي تساعدنا على التخلّص من معضلة المحلية. هذا الهدف ضروري. القضية التي طرحتها طبعًا مفيدة وحقيقية بطبيعة الحال. ولكن أعتقد أنّ منطقها اعتماد تصنيفات. ويجب أن تتمّ المسألة في التصنيفات المستعملة الرئيسة؛ وهي التحديث والتصنيف والتقليد وتصنيف آخر. إذًا، التصنيفات هي تحقيرية أو تفضيلية. استعمل التحديث على أنّه تصنيف تفصيلي، والتقليد هو تصنيف على أنّه تصنيف تحقيري. طبعًا الفاعلون يصنّفون ولا ينجزون إلّ التصنيفات. ولهم أن يصنفوا تحقيريًا أو تفضيليًا. لكن على الدارس ألّ يصنف؛ فهو يقرأ التصنيفات ويرصدها ويسائلها. ولماذا يقول هؤلاء التحديث أو يحدثون ويعدّون ذلك تحديثًا، علما بأنّ ذلك التحديث تصنيف تفضيلي؟ ولماذا أقول "تقليد"؟ إذًا أقول إنّه في الحقيقة، عندما ننظر إلى الطهطاوي وغيره من الذين ساهموا في حركة التحديث. نستعمل هنا التحديث لا التصنيف. بإمكان هذه التصنيفات أن تكون معرفية أو معرفية عندما تصبح في يد المؤرخ والدارس، فهو لا يضفي على التصنيف المعرفي صيغة إيجابية أو سلبية. عندما ننظر إلى التحديث نجد أنّ هؤلاء الذين يغيّون أو يدخلون تغييرات يعيدون استنباط الأشياء، ولا يأتون دائمًا بشيء. لا يسقطون الواقع الأوروبي على الواقع المحلي، وإنما يعيدون استنباط الأشياء. يأخذون من التراث -وكلمة التراث لا أدري لكن هي أيضًا تصنيف - كما هو بل يعيدون الاستنباط. نأخذ مثال كلمة "حرية" بالمعنى السياسي والاقتصادي إلى آخره كما ظهرت في أوروبا خلال القرن 19 لا نجد لها أصلً في اللغة. لكن ماذا فعلوا؟ أخذوا كلمة "حرّ" ضد "عبد"، وكلمتا حر وعبد لهما معنى حقوقي، وأعادوا استنباطها لكي تصبح كلمة ذات معنى اجتماعي وسياسي واقتصادي، حرية اقتصادية، وحرية سياسية، إلى آخره. إذًا هذه الآليات والأشياء هي التي اعتمدت في الكثير من الأحيان. عمار السمر: في الحقيقة أضم رأيي إلى ما رأى الزملاء بخصوص الرواية الموازية والنظر إليها بوصفها مصدرًا تاريخيًا. ولكن هذه مسألة الآخر، ورواية الآخر، ومصادر الآخر، ومناهج الآخر، والمدارس التاريخية للآخر. يعني ما أعرفه أنّ له جاذبية عندنا. أو ربما تأثّرنا بما قاله ابن خلدون بقضية الغالب والمغلوب. لا أعرف، أو ربما على المستوى الشعبي كنّا في الشام نقول الفرنجي برنجي، كلّ شيء فرنجي برنجي (ما معنى كلمة برنجي؟ أحسن وأفضل). نلاحظ هذا حتى في المنهج أو المدرسة والفكرة. وتنظر الكتابات أيضًا إلى هذه الروايات الموازية ورواية الآخر كأنّها هي الحقيقية على الرغم من أنّ المصادر العربية الأخرى فيها روايات ربما مختلفة عن بعضها ولكن تؤخذ بوصفها رواية أولى. أمّا المصادر التي نعدّها موازية ومصادر الآخر فقط فننظر إلى الرواية في المصادر العربية للأحداث بوصفها رواية موازية وهامشية أحيانًا. ألمح الدكتور عكاش إلى الاختلاف بين اليوميات التي تناولها في القرن 18 عن دمشق وروايتين مختلفتين. بينما نجد في مجال آخر وهو الوثائق - عملت في مركز الوثائق لعدة سنوات وكتبت عن الآخر في دمشق من خلال الوثائق الشرعية - آلاف الوثائق
تتناول الآخر، وليس الآخر بوصفه فردًا حتى سميت دمشق مدينة الآخرين، مدينة للآخرين. فالوثائق التي يشترك فيها أطراف طائفية وقومية وغرباء تعدّ بالآلاف. أمّا عن حديث الدكتور خالد زيادة عن المؤسسات، ففي عالم عربي يعاني ضعفًا متأصلً في المؤسسات بجميع أشكالها، ويعاني أسباب فشل الدولة الوطنية الحديثة، على ما أعتقد، وهو عدم بناء مؤسسات حقيقية. لذلك، كما قال الدكتور بنحادة إنّ في العهد العثماني كانت توجد مؤسسات على الرغم من أنّ هذه الدولة سلطانية. ربما بسبب طول الفترة الزمنية تبلورت مؤسسات نجدها أحيانًا أقوى من المؤسسات التي نشأت في الدولة الوطنية. وهناك دراسة مهمة صدرت عن مركز الآثار والفنون الإسلامية "أرسيكا" عن الدولة العثمانية: تاريخ وحضارة، أفردت كمًا كبيرًا جدًا للمؤسسات وتطوّرها في الدولة العثمانية. أعتقد أنّ دور المؤسسات في كثير من البلدان العربية حتى اليوم، خصوصًا مع بداية الدولة الوطنية، كما قلتم الجيش هو المؤسسة الأقوى ربما لأنّ هذه المؤسسة التي تبلورت حتى في بعض الدول العربية لن تشكّل مؤسسة حقيقية حتى الجيش. ولكن في أغلبها مؤسسات للارتباط والعلاقات. وشكرًا. عز الدين جسوس: أتوجّه إلى محاضرة الدكتور وجيه كوثراني بخصوص السخاوي ومارك بلوخ الأمر الذي أثارني هنا هو أن السخاوي كان متأخرًا. وهنا علينا ربما أن نعود لكي ننظر في ما جاء به السخاوي إلى مرحلة نشأة الفكر التاريخي عند المسلمين. عندما ندرس هذا الموضوع علينا أن ننكبّ أساسًا على مقدمات كتب التاريخ وغيرها من كتب الأخبار. والانكباب على هذه الأمور يجعلنا نضع أيدينا على التصانيف التي كما أسماها السخاوي تصانيف التاريخ. وهي مجالات التي قالها والتي ذكرتم أنّه صنّف نحو 50 تصنيفًا. ثم إنّ هذا الأمر يصحّ على الإنتاج المعرفي الذي أنتج في القرن الأول والثاني والثالث مع بداية حركة التدوين التي كانت مع القرن الأول ليس في القرن الثالث الهجري، ثم إنّ هذا الأمر في حد ذاته من حيث الإنتاج المعرفي الذي صدر. من ذلك ابن الجوزي في أخبار الحمقى والمغفلين، وأخبار البصران والعميان والعرجانوكتب "الباه" الموجودة، هذا جانب كبير من إنتاج كتب "الأوائل". هذا الأمر مرتبط بمسألة مهمة، بخاصة في نشأة الفكر التاريخي الإسلامي، وهي قضية الجرح والتعذيب التي أثرتموها. هذا الأمر مهم جدًا، بخاصة بالنسبة إلى من يؤرخ للقرن الأول الهجري. وهو قرن خاص له وحدة زمنية ومكانية خاصة في العالم الإسلامي؛ فالمؤرخ أولً عليه أن يكون مؤرخًا ومحدّثًا وفقيهًا وعالمًا بالأنساب، لكي يفهم هذه الأمور لأنّه إذا لم تكن لديه هذه المعرفة لا يستطيع أن يفهم مجموعة من الأمور ولا أن يتتبع الأخبار، هذا جانب. ثم هناك جانب آخر في قضية الجرح والتعديل، ففي مرحلة الجمع والتدوين التي قام بها الرواة والإخباريون حدث تبلور سياسي ديني في هذه الروايات. فكانت لدينا روايات حجازية وروايات عراقية بما في ذلك رواية البصرة، ورواية الكوفة، ورواية الزبير، ورواية أموية، ورواية عباسية، ورواية مصرية، إلى غير ذلك. فالجرح والتعديل من الآليات المساعدة والمهمة في دراسة التاريخ الإسلامي عمومًا، ودراسة القرن الأول الهجري والقرن الثاني الهجري على وجه الخصوص. وهنا أضيف أمرًا آخر؛ لدينا علم مهم جدًا نستفيد من آلياته وهو علم مقاصد الشريعة، من حيث الآليات التي يستعملها في طرق التفكير. ومهم جدًا إذا ما أضفنا الجرح والتعديل فهي أدوات مهمة لدراسة التاريخ ورؤيته بطريقة أخرى، وتمكّننا من معرفة كيف نظر الأوائل إلى هذا التاريخ. ناصر الدين سعيدوني: سأطرح تساؤلات بسيطة. أسوق سؤالً للأستاذ الدكتور وجيه كوثراني حول دلالات عنوان كتاب التوبيخ لمن ذمّ التاريخ. والدلالات المعنوية التي يحملها العنوان للسخاوي في هذا الكتاب. ثم هل هناك إمكانيات تخصيب التراث التاريخي العربي، والتراث العربي التاريخي لإعادة استخراج مادة جديدة تؤدي بنا إلى تصور آخر أو ما أ همل في التاريخ. وهذه إشكالية مطروحة. وأوجّه سؤالً آخر للدكتور أحمد أبو شوك: ما هي مسألة التموقع؟ نحن نريد أن نتموقع نريد أن نجد كرسيًا نجلس عليه في طاولة التاريخ العالمي. وهنا تظهر إشكالية ما كان يسمّى بالمناطقية Territorial أو Regional كيف يتمّ التموقع؟ هل يمرّ حتمًا بتفكيك الإشكاليات Eurocentrism أو المركزية الأوروبية لإيجاد مكان؟ مثلًالمحاضرة الأخرى وهي توظيف الرواية، وهنا كذلك
جانب مجهول، لكن ليس بوصفها مصادر غائبة. ربما هي مكمّلة لكن الآخر دائما غائب لأنّ التاريخ تاريخ رسمي لا يهتم. ومن ثم لا نبحث عن التاريخ الآخر لكن نستغل الآليات. لكن أضيف أنّ قضية المؤسسات لم تكن في لبنان ومصر أو تونس بعد ذلك. وإنما تمّت أول تجربة في الجزائر. المشروع الفرنسي أو مشروع الأمير عبد القادر الذي فشل، وحمل هناك مؤسسات علمية وهو أول مؤسسة لإسقاط كلّ الحدود على النخبة والتأسيس وكذلك المشروع الفرنسي لكاريط ولوتورنو Tourneau Le Roger وغيرهما. فالمشروع المؤسساتي للتحديث وإن كان جرى بشكل معاكس في الجزائر. أستاذنا الفاضل أقرأ لكم الرحلات الجزائرية في فرنسا في القرن 19 وما طرحته من إشكاليات المؤسسات للتحديث أو غير ذلك. لكن أريد أن أختم بكلمة وهي تعريف الإخوان بواقع المؤسسات في الجزائر. نحن لا نعيش فشلً مطلقًا. لماذا؟ لأنّ الجانب المعَرّب من الجزائريين ذهب إلى الجامعات. وأنت جمعت الجانب المفرنس. هناك إشكالية في الجزائر؛ إذ رفض المفرنسون أن يتعربوا ورفض المعربون أن يتفرنسوا. ووقع ما يسمّى بالشرخ في المجتمع، وذهبوا وتحصّنوا في المركز الوطني للبحوث الاجتماعية CRASC. عشت أربعين سنة أستاذًا جامعيًا هناك وظهرت حصون إثنوغرافيا وأعيد إنتاج الفكر الكولونيالي في حركة معاكسة للتعريب في الجزائر. وعليه، حاولت الدول بعد ذلك أن تؤسس مراكز للبحث في الجامعات فشلت فشلً ذريعًا وأصبحت موردًا للحصول على أموال والتمتع بمنحة دراسية لمدة معينة في الخارج. أودّ فقط أن أنيركم في هذه القضية. نحن نعيش إشكالية وأزمة تتمثّل بانفصال مركز البحث عن الجامعات وعدم إمكانية خلق نخبة متفاعلة، لها رأي، جزائرية من منطلق عربي إسلامي لكن برؤى تحديثية متفتحة على اللغات العالمية. وأقول أيضًا أنا أتأسف في هذه السن التي غادرت فيها الجامعات لأنّ قضية المؤسسات في الجزائر أصبحت إشكالية كبيرة. ننطلق مع الأساتذة المتدخلين لنبدأ بالأستاذ الدكتور وجيه كوثراني. فليتفضل مشكورًا. وجيه كوثراني: شكرًا. الحقيقة كانت مداخلتي محصورة في موضوع الندوة بالذات. لكن التعليقات حولها وعليها فتحت آفاقًا وأبعادًا ومواضيع جديدة لا أستطيع فعلً أن أجيب عنها جميعًا فلديّ وجهة نظر في كلّ ما طرح عليّ. لديّ كتابٌ مرجع أريد أن أرجع إليه هو تاريخ التأريخ؛ حيث استعرضت عددًا كبيرًا من المقولات والمفاهيم والفرضيات التي يمكنني أن أعتمد عليها لأجيب عن بعض الأسئلة التي طُرحت أو بعض التعليقات. طبعًا أوافق الدكتور المنصوري على أنّ مناهجنا كلاسيكية في معظم الجامعات، وهناك محاولات تجديد لكنها على المستوى الفردي، أي على مستوى المبادرات أكثر ممّا هي على مستوى المؤسسات. والمواضيع محرّمة، نعم المواضيع محرمة لكن هناك شيء محرّم أكثر منها هو مصادرها؛ أي المخطوطات. فما ذكره السخاوي عن هذه الموضوعات عن المخنّثين، عن كلّ المواضيع هناك مخطوطات حولها، هناك كتب حولها. فأين هي؟ إذ ليست الموضوعات هي المحرمة فحسب وإنما طباعتها وكذلك اكتشافها بوصفها مخطوطات كانت أمورًا محرّمة. في حين أنّها، وهذه مفارقة، كانت في عصرها متداولة وكتب الجنس كلّها كانت متداولة وتُقتنى. وحتى أواخر العصر العثماني كان هناك علماء وفقهاء يقتنون كتاب رجوع الشيخ إلى صباهفي مكتبتهم إلى جانب كتاب الفقه. بالنسبة إلى الدكتور إبراهيم، فعلً أنا لا أفصل التحولات عن الانقطاعات؛ فلا تحولّات من دون انقطاعات. الانقطاع هو تحوّل، أي نصل في أيّ أمر من الأمور إلى مأزق. المأزق هنا لا بد أن يولّد انقطاعًا فتحوّلً. ينطبق هذا على أطوار التاريخ وعلى أطوار العلم والمعرفة. أمّا الأسئلة التي دارت حول السخاوي، فأريد أن أجمعها كلّها. في الحقيقة اختياري للسخاوي لم يكن لأنّ السخاوي شكّل مفصلً. فابن خلدون شكّل مفصلً أكثر على مستوى ما قاله على نصه وليس ما أثّر فيه ابن خلدون. يبدو لي أنّه لم يؤثّر في شيء لابن خلدون لاحقًا؛ بدليل أنّ السخاوي بعده ب 95 سنة قال أشياء ما قبل ابن خلدون. تبنّى أشياء ما قبل ابن خلدون؛ من ذلك أنّ ابن خلدون حاول أن يستقل بالتاريخ، فدعا إلى استقلالية علم التاريخ. بينما السخاوي على الرغم من مدحه التاريخ (التوبيخ لمن ذمّ التاريخ)، فقد عد التاريخ علمًا مساعدًا للشريعة. فدوره الأساسي ليس علمًا للمعرفة، المعرفة الموضوعية ولكنّه لخدمة الشريعة. أخذت مثلً بين مارك بلوخ
والسخاوي اتخذته مثالً من خلال تماثل شكلي، وأشدد على كلمة شكلي بين كتاب مارك بلوخ دفاعًا عن التاريخ ' l pour Apologies histoire، و لمن ذمّ التاريخأوالتوبيخ لمن ذم التاريخ، يحملان العنوان نفسه، هو نوع من titres des Jeu لعبة عناوين ليس أكثر. لا يشكّل السخاوي مفصلً لكن استشهدت به فحسب لأنّه يروي خمسين تصنيفًا مفصلً. وهذا ليس من اختراع السخاوي، قال الذهبي هذا قبله. هذه الموضوعات هي الحياة البشرية كلّها، حتى إذا رجعت إلى الأدب اليوناني والروماني ترى الموضوعات نفسها. لذلك ركّزت في مداخلتي على أنّ المشكلة ليست مشكلة موضوعات لأنّ هذه الموضوعات معيشية أو معيشة ولا يعبّ عنها من خلال علم التاريخ وهو آخر علم يعبّ عنها، من خلال الكتابة الحرة التي تندرج تحت عنوان الأدب بصورة عامة. وهنا ذكّرتموني بكتاب لزميل صديق وهو كتاب مهم لم يحظ بمكانة عربيًا، كتب بالإنكليزية ثم ترجم عربيًا. هو كتاب طريف الخالدي فكرة التاريخ من الكتاب إلى المقدمة أي من القرآن إلى المقدمة. يستعين طريف الخالدي بفهم تطور فكرة التاريخ بقراءة الأبستمولوجيا التاريخية لما يسمّيه بالق بب المعرفية. فعلم التاريخ لم يشتغل علمًا مستقلً في تراثنا. والسخاوي دافع عن التاريخ، لكن على مستوى الوظيفة والاشتغال علم التاريخ لم يتمأسس كعلم الحديث أو كالعلوم الدينية. يعني لم يكن له مكانة في المدارس. هنا أتفق مع عزيز العظمة الذي ركّز كثيرًا على هذا الجانب. فالقبب المعرفية التي قرأها طريف الخالدي هي أربع. اشتغل التاريخ تحت قبة علم الحديث أولً. وهنا أتفق مع الدكتور عز الدين جسوس، وتولت آنذاك علم التعديل والتجريح الذي استخدمه الإخباريون. وليست مهمة ورقتي شرح التعديل والتجريح. لقد كتبت عن التعديل والتجريح. لكن ابن خلدون عارض أن يستخدم التعديل والتجريح في الخبر وفي تدقيقه. وهذه نقطة مدهشة فعلً عند ابن خلدون. لكنّها لم تستكمل عنده، في المبتدأ والخبر. ولم تؤثرّ لاحقًا بعده. إذ لم يتخلّ المؤرخون اللاحقون عن مسألة تأثير علم الحديث. هذه القبة المعرفية الأولى. وخلال ثلاثة قرون أو أربعة اشتغل علم التاريخ تحت قبة علم الحديث. والقبة الثانية، قبة الفلسفة. اشتغل علم التاريخ تحت قبة الفلسفة أو تحت مظلة الفلسفة. والقبة الثالثة التي هي الأهم والتي توسعت فيها تصنيفات التاريخ التي يحكي عنها الذهبي والسخاوي والكافيجي هي قبة الأدب. هنا تحت قبة الأدب تدخل الكتابات الحرة كلّها كالمهمشين والمخنثين وشاربي الخمر. يقدّم تراثنا موضوعات ومعطيات هائلة ورائعة وغنية. لكن التعامل مع هذه المعطيات لا بد له من المفاهيم. هذه المفاهيم كما قال الدكتور هنية غير جامدة بل هي متحركة؛ ففي فترة من الفترات ونحن في شبابنا استعملنا مفهوم الصراع الطبقي، قد لا نفهم ولكن قدّمنا شيئًا مفيدًا، لأني اشتغلت على اشتغال شبابنا كما يعرف الدكتور خالد، حركة الفلاحين في كسروان استخدمنا هذا المفهوم، لكن هذا المفهوم ناقص. اطّلعنا أكثر على الإثنولوجيا والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع الديني إلى آخره، فقدّمت لنا أيضًا مفاهيم جديدة. في رأيي، لا أعرف إن كانت هناك موضوعات أخرى، أختصر لأقول فعلً هذه المفاهيم وهذه الأدوات المعرفية لا نستطيع أن نجلبها إلا من الغرب يا دكتور السمر. ليس عندنا في تراثنا من علوم اجتماعية وإنسانية وإثنولوجيا وأنثروبولوجيا. هذه مدارس جديدة وعلم التاريخ لا يمكن أن يتطور إلا إذا استخدم مؤرخون عرب معطيات العلوم الإنسانية والاجتماعية والفلسفة بخاصة فلسفة العلوم التي هي الإبستمولوجيا. كل شيء "فرنجي برنجي" في العلوم الإنسانية. لقد أصبحت هذه المفاهيم كونية تمامًا، لأنّ كلمة الغرب مثلً أصبحت فزّاعة. لا تأخذوا من الغرب وعندنا في تراثنا كلّ شيء. عندنا في تراثنا الأصيل معطيات وموضوعات مهمة كثيرًا. لكن يجب أن نعرف كيف نتعامل معها. فهنا مثل كيف تطور علم التاريخ في الغرب؟ وكيف انتقلت؟ كيف تأسست؟ لأنّ هناك سؤالً عن مدرسة الحوليات كيف نشأت مدرسة الأنال/ الحوليات. مدرسة الحوليات ليست مدرسة عقائدية، وإنما هي قفزة إبستمولوجية اكتشفها لوسيان فيفر Febvre Lucien ومارك بلوخ من خلال المأزق المعرفي واكتشفا أنّ هناك أسئلة جديدة جاء بها دوركايم Durkheim؛ فهما تأثرا بالسوسيولوجيين لوسيان فيفر ومارك بلوخ وتأثرا بسوسيولوجييَن كبيرين: الألماني ماكس فيبر Weber Max، والفرنسي دوركايم. جاءا بأسئلة عن الإثنولوجيا والأنثروبولوجيا،
عن الانتحار، وكيف نشأت الرأسمالية بفعل البروتستانتية، إلى آخره. هذه كانت Stimulus لهذين الشابين اللذين لم يكونا في فرنسا بل في ستراسبورغ. فالتحولات تصيب دائمًا الاقتصاد والاجتماع والبشر، وتصيب المعرفة. أحمد أبو شوك: مراعاة للزمن سأختصر تعليقي في نقطة واحدة. ذكرت أنّ لتاريخ العالم مركزية وتاريخ العالم في الأدبيات الأميركية ينظر إليه بوصفه أنواعًا History Global و History Transnational. كلّ هذه الكلمات يعدّونها متطابقة مع بعضها البعض. لكن يجب ألّ ننظر إلى مركزية العالم، والمركزية الأميركية هي المركزية الأوروبية نفسها. تختلف عن Approach Eurocentric يحاول أن يصدّر المنهج وينمّط الآخر بحسب التاريخ الأوروبي. تقوم المركزية الأميركية على الإحاطة المعلوماتية. لأنّ أميركا دولة المهاجرين ليست هناك مركزية. يريدان أن يحيطا بالمعلومة لكي يبنيا عليها الإستراتيجية العالمية في عهد العولمة. فالمنهج التاريخي المستخدم، في إطار الدراسات المناطقية يريدون أن ينظروا إلى الدراسات المناطقية من منظور عالمي. ومن أفضل الدراسات التي قُد مت في هذا المضمار على الرغم منِ أنّها ليست دراسة تاريخية صرف هي دراسة صامويل هانتنغتون Huntington Samuel وهي Democratization Wave Third The الذي درس الديمقراطية في كلّ أنحاء العالم وحاول أن ينظر إليها من خلال رؤية عالمية تساعد الإدارة الأميركية على وضع السياسات الخارجية من هذا الجانب. ويجب أن ترتبط الدراسات المناطقية بمنظور عالمي. ويجب أن ترتبط الرؤية العالمية بقضايا عالمية عابرة للقارات. تتمثل المركزية برسالة المؤسسات الأكاديمية الأميركية. لقد قارنت بين تدريس العالم في المؤسسات الأكاديمية الأميركية وفي العالم العربي. في العالم العربي ندرس تاريخ المناطق بوصفها تُرعًا منفصلة عن بعضها البعض. لذلك لا نعطي رؤية تكاملية لكي نضعها في إطار تاريخ العالم. لقد طُرح هذا السؤال خلال الندوة: هل يمكن دراسة تاريخ العالم من منظور عربي؟ أم وضع تاريخ العالم في إطار عالمي؟ هذا هو التحدي الذي يواجه الباحثين في العالم العربي. مثلً، إذا نظرنا في الوقت الحاضر إلى القضايا المعاصرة: القضية السورية ليس ببعدها المحلي، بل ببعدها العالمي. فإذا ما استأنسنا بآليات البحث العلمي التي تضع القضايا المحلية في إطارها العالمي لا يمكننا فهمها فهمًا صحيحًا. البعد الآخر المتمثل بهذه القضية هو أنّ مركزية المؤسسة الأميركية تمثّلت بالجامعة، ومراكز البحث العلمي، والجمعيات المرتبطة بالمجالات. نجد جمعية الدراسات الآسيوية مركزها في أميركا. وتعقد جمعية الدراسات الأفريقية مؤتمراتها في أميركا. فالمركزية الأميركية ليست مرتبطة بتنميط الآخر في إطار الواقع الأميركي. الرؤية بالنسبة إلى تاريخ العالم مبنية على الإحاطة المعلوماتية. والإحاطة المعلوماتية بالنسبة إليهم شيء مهم بالنسبة إلى القراءة الإستراتيجية والعمل الإستراتيجي في الولايات المتحدة الأميركية. لذلك من هذه الزاوية تعدّ الإحاطة المعلوماتية المخرج للمركزية الأميركية المرتبطة بدراسة تاريخ العالم. عندما نظرت إلى تاريخ العالم في جامعتنا وجدت مقررًا course واحدًا عن مقاربة العالم. درست في منطقة الخليج العربي ووجدت في كلّ جامعة مقررًا واحدًا عن تاريخ العالم. ولا أزال مشغولً بدراسة الكشوف الجغرافية. إضافةً إلى ذلك الدراسات المناطقية لم يكن لها رؤية عالمية. لذلك تاريخ العالم من هذه الزاوية مفتوح للمناهج الأخرى لإعطاء دراسة معلوماتية مفيدة. لكن الجهة المفيدة أكثر هي الولايات المتحدة الأميركية. نصير الكعبي: دعوني أَصغ الأسئلة بصورة عامة لكي أجيب عنها إجمالً وليس تفصيلً. ما فهمته من الكثير من المداخلات أنّ هناك آراء في صوغ أو نحت المصطلح الذي يجمع هذه الورقة. لكن تظهر المفارقة بعد أن جمعت هذه الآراء أو المقترحات وجدت أنّ هناك ثلاثة آراء متقاطعة في الوقت نفسه؛ أي هناك من حاول أن يطلق على الورقة رواية خارجية أجنبية. وربما الدكتور المنصوري هو الذي يرى هذا الأمر ومن اعتقد أنّ هذه المصادر هي مصادر أصيلة، والدكتور عبد الرحيم هو الذي يشير إلى هذا. وأيضًا من اعتقد أنّها رواية مكملة. يبقى العنوان هو الإشكال. لكن المهم في جوهر هذه الورقة ألّ تحلّ رواية مكان رواية. وإنما تتمّ عمليتَا المقاطعة والمقابلة وعملية الفحص. هذا هو الأهم الذي يجب أن ترتقي فيه الرواية الكلاسيكية العربية. يتمّ تجربتها وفحصها وعرضها على روايات أخرى مناظرة لها. هذا هو المبدأ العام. بخصوص بعض الأسئلة التأصيلية أشار الدكتور المنصوري إلى كتاب صدر عام 1970 حول جمع الروايات غير
العربية أيضًا صدر في أكسفورد Oxford وكامبريدج Cambridge قبل عامين أكثر من كتابين حول هذا الأمر في تفاصيل كثيرة. أريد أن أقول إنّ الرواية الموازية إذا اتفقنا على هذا الاسم هي رواية ليست رسمية؛ فكثير من المؤرخين كتب تواريخه خارج سلطان الدولة أو بعيدًا عن البلاط. أو ربما هناك روايات ذات طابع شعبوي. فعلى سبيل المثال الرحلة لو أخذنا الرحلة الفارسية في العصر القاجاري التي جابت المناطق العربية، كُتبت بطريقة بعيدة عن البلاط. طرح بعض الزملاء هذا السؤال، والدكتورة فاطمة أيضًا. التكوين اللغوي مهم لأيّ باحث في علم أو مجال التاريخ يحتاج إلى أن يتكوّن تكوينًا لغويًا على الأقل في جانب الاختصاص الدقيق أو العريض الذي يعمل عليه الدكتور الطاهر بن يحيى. أمّا عن الاستشراق ومدى استثمار هذه الرواية نتيجة لغرابتها أو لإثارتها، فأوافقك الرأي، لكن هناك بعض الروايات مهم وحيوي. دعني أضرب مثالً حتى أبين أنّ هناك اختلافًا كبيرًا في الكلاسيكية الإسلامية حول ثورة الحسين بن علي أو حركته. هناك رواية سنّية، وهناك رواية شيعية، وهناك روايات متضاربة. ففي المصادر السريانية هناك نص معاصر لهذا الحدث كُتب بطريقة مستقلة وخارج هذه المصنفات المذهبية أو السياسية. وإدراج نصوص مماثلة ربما يعطي حالة من التوازن ويخلق جوًا إيجابيًا للمقارنة والمقابلة ما بين الروايات. بخصوص تعبير "فرنجي" لزميلي الدكتور عمار هذه الروايات كتبت في العالم العربي الإسلامي ولم تكتب في أميركا أو أوروبا. لقد كتبت داخل المجتمعات العربية الإسلامية. خالد زيادة: أشكر المداخلة في موضوع تونس؛ فأنا قد أكون من الأوائل الذي عرّفوا بخير الدين التونسي في المشرق وآخر ما نشر مقدمة أقوم المسالك 1976. وهذا ليس إهمالً وكان الكلام مختصرًا. وأظن أنّ التجربة التونسية هي متممة لفهم كلّ ما حدث في القرن 19 في التنظيمات. وأضاف أستاذنا لنا شيئًا عن الجزائر. الواقع أنّ الفرنسيين دخلوا إلى الجزائر في سنة 1834. فأحدثوا مؤسسات. أتساءل فقط، هل شارك جزائريون في عملية التحديث الفرنسية؟ ليتني أعثر على معلومات في هذا المجال؛ فكرتي وصلت ولكن قلنا كل هذه الأمور باختصار. شكرًا للدكتور إبراهيم. أعرف أنّ هناك دراسات للمؤسسات وذكرت ما أعرفه عن مصر ولبنان. لكن نحن في حاجة إلى مجال جديد لفحص هذه المؤسسات. فليست دراستنا بوصفها مؤسسات قائمة بذاتها، ولكن بعلاقتها مع التاريخ ومع التطور، وبناء الأفكار، وما أحدثته في المجتمع. ثم كيف تدهورت مسألة التحديث أو تراجعت؟ وهذا سؤالي المركزي الذي ليس لي بالضرورة جواب عنه: هل هي سيطرة التقليد؟ أم أنّ هناك عوامل أخرى؟ ولكن نلتقي مع فكرة السلطوية والحدود التي تقف عليها. على سبيل المثال، كان خير الدين التونسي ينتمي بكلّ كيانه إلى تقليد قديم، وفكرة أنّه مملوكٌ بيع، ثم أصبح رائدًا في التحديث. هو نفسه يجمع في شخصه هذا التناقض إذا جاز التعبير. وهو في أقوم المسالك يتكلم عن الشورى والديمقراطية ليقارب بين مفاهيم ربما تلتقي وربما تتعارض. إذًا، مسألة الديمقراطية بحدّ ذاتها كما تمارس الآن ليست لها علاقة بمفهوم الديمقراطية الذي حاولنا أن نكتسبه في البداية. هناك أسئلة كثيرة، لكن النقطة المركزية بالنسبة إليّ ليست الإجابة عنها كلّها.
الجلسة الثانية: البحث التاريخي المغاريب مناذج ما قبل الاستعمر وما بعده
(رئيس الجلسة: وجيه كوثراني)
وجيه كوثراني: أرجو أن نبدأ الجلسة التي تشمل ثلاثة عناوين؛ وهي لكلّ من الدكتور عبد الرحيم بنحادة الذي سيتحدث عن "مجالات البحث التاريخي في المغرب: التاريخ المحلي"، والدكتور محمد حبيدة الذي سيتحدث عن "الزراعة والأغذية في المغرب قبل الاستعمار"، والدكتور عبد الحميد هنيّة الذي سيُعنى ب "مظاهر التّجديد في البحوث التاريخيّة في تونس". نبدأ وفقًا لهذا الترتيب، وسيحدثنا عبد الرّحيم بنحادة في موضوعه المذكور.
عبد الرحيم بنحادة Abdelrahim Benhadda |
مجالات البحث التاريخي يف المغرب: التاريخ المحلي
مقدمة
استهوى التاريخ المحلّ المؤرخين منذ زمن بعيد. وكان تقليد كتابة تاريخ المدن من التقاليد الراسخة في الكتابة التاريخية العربية. فقد انبرى عدد من المؤرخين العرب المسلمين لكتابة تاريخ المدن والأقاليم التي شكّلت خروجًا عن القاعدة التي تميزت بها الكتابة التاريخية في البدايات والرامية إلى "عولمة التاريخ". ويمكن أن نشير، في هذا الباب، إلى كتاب تاريخ بغداد لأحمد بن أبي طاهر طيفور، وتاريخ الموصللابن الأثير وبغية الطلب في تاريخ حلبلابن العديم. ولم يشذّ الغرب الإسلامي عن ظاهرة كتابة التاريخ المحلّ، ولعل من أبرز الأمثلة الدالة على ذلك كتاب فتوح مصر والمغربلابن عبد الحكم قبل أن تصبح الظاهرة عامةً تعكس استقلال المغرب عن المشرق، بل إنّ هذه الكتابات تدخل في إطار التفاضل بين مدن البلاد الإسلامية كما هو الشأن عندما كتب محمد بن أحمد الرازي كتاب تاريخ قرطبة. وكُرِّس هذا الوضع في المغرب بكتابات ابن عذاري، وابن أبي زرع الفاسي، والجزنائي، وغيرهم. وقد عكست هذه الكتابات في مجملها تنوع المجتمع الإسلامي وأظهرت التعدد والتنوع والاختلاف.
لن نهتمّ بتطور الكتابة عن المدن والقبائل في المغرب بقدر ما سنقف عند لحظات ثلاثٍ في تاريخ كتابة التاريخ المحلّ في المغرب خلال الفترة المعاصرة. فاللحظة الأولى هي لحظة التمهيد للاستعمار الفرنسي ومرحلة الحماية، بالنظر إلى أنّ التاريخ المجهري كان من الأدوات التي استعملت لتسهيل السيطرة على المغرب. أمّا اللحظة الثانية، فتتعلق بكتابة "مؤرخين جماعيين" للتاريخ المحلّ؛ في محاولةٍ لفهم دلالات هذا التوجه خلال مرحلة الاستعمار وما بعدها، والتساؤل إنْ كان هذا التوجه مرتبطًا بطريقة لمقاومة الاستعمار وإبراز مقومات هوية مغربية حاول الفرنسيون طمسها. وأمّا اللحظة الثالثة، فتتعلق بالإنتاج التاريخي في مجال المونوغرافيات الجامعية التي كانت، في وقت من الأوقات، سمةً بارزةً في إنتاج المعرفة التاريخية، لنتساءل عن السياقات التاريخية لهذا الإنتاج وحصيلته ودواعي انحصاره في لحظة تاريخية معيّنة.
أولً، التاريخ المحلي يف المعرفة الكولونيالية حول المغرب
في نهاية القرن التاسع عشر، وفي ثمانينات هذا القرن، تحديدًا، أصبحت فرنسا أكثر عنايةً بالمغرب نتيجة التطورات التي عرفها العالم المتوسطي بعد مؤتمر مدريد، فأصبحت - وإن كان هذا تقليدها - تتبع كلّ شاذّة وفاذّة عن المغرب. في هذه الفترة، ولمّا عزم السلطان مولاي الحسن على توجيه حركة إلى الجنوب المغربي، أوفدت السلطات الفرنسية من يتتبع أخبار هذه الحركة، ولم يكن هذا الشخص سوى لوشاتلييه Chatelier Le الذي كانت له أدوار كبيرة في مأسسة المعرفة الاستعمارية الفرنسية للمغرب. فإلى هذا الأستاذ المقتدر بالكوليج دو فرانس France de Collège الفرنسي، يعود الفضل في إحداث البعثة المغربية التي تأسست سنة 1904 بمبادرة منه، وتمويل خاص في البداية، قبل أن يتمّ تبني المشروع من وزارة التكوين العمومي، وقد عهد إلى البعثة العلمية نشر سلسلة أرشيفات مغربية marocaines Archives. وفي سنة 1906، أحدث لوشتاليي مجلة العالم الإسلامي Musulman Monde du Revue. وفي سنة 1914، بعد مرور سنتين على توقيع عقد الحماية، أعطت الإدارة المركزية الفرنسية في باريس تعليمات بإصدار سلسلة مدن المغرب وقبائله Maroc du tribus et Villes، وقد كان ينتظر منها أن تجمع بين دفتي كتاب المونوغرافيات المتعلقة بالمدن والقبائل، وقد عملت سلطات الحماية على توفير كلّ التسهيلات الضرورية لهذا المشروع ولا سيما أنه تمّ في إطار شراكة بين مديرية الشؤون الأهلية ومصلحة الاستخبارات. ويبدو أنّ وزارة التكوين العمومي بدأت تتخلى شيئًا فشيئًا عن المشروع الذي أصبح مهددًا بالتوقف، وهو ما جعل إدارة الحماية الفرنسية في المغرب تتحمل جزءًا من مسؤولياتها عندما أحدثت القسم السوسيولوجي إلى جانب القسم التاريخي في اتجاهٍنحو خلْق مؤسسة مدبّرة لمشروع المعرفة الاستعمارية حول المغرب. وفي سنة 1919، كانت البعثة العلمية قد نشرت 24 مجلدًا من أرشيفات المغرب و 35 مجلدًا من مجلة العالم الإسلامي (استمرت في الصدور حتى عام 1923)، و 11 مجلدًا من سلسلة " مدن المغرب وقبائله "، وتُعدّ هذه السلسلة بمنزلة المدخل الأساسي لتركيز البحث المونوغرافي الذي عُدّ أداةً لمعرفة البلاد في أفق التحكم فيها. وقد شرع القسم التاريخي في الاشتغال بموجب المرسوم الوزاري الصادر في 13 أيلول/ سبتمبر 1919، وقد كان من بين مهمّات هذا القسم البحثُ في أرشيفات ومكتبات فرنسا والبلدان الأجنبية عن الوثائق المتعلقة بتاريخ المغرب من أجل نشرها. وقد عُهد بهذا القسم إلى العقيد هنري دوكاستر Castries de Henri الذي كان آنذاك مستشارًا في الحكومة الشريفية، ومن ثمّ، عدَّ القسم التاريخي مكمل للبعثة العلمية. فإذا كان القسم التاريخي قد خُصص للبحث في الأرشيفات الأجنبية عن كلّ ما يتعلق بالمغرب، فإنّ البعثة العلمية كانت متخصصةً بنشر كلّ ما يعثر عليه في المغرب من نصوص ووثائق، وقد أفضى عمل القسم التاريخي إلى إصدار السلسلة التاريخية المعروفة الدفينة لتاريخ المغرب. وبما أنّ هاجس التهدئة كان هو الهاجس الأساسي بالنسبة إلى فرنسا خلال الفترة 1912 - 1934، فقد انبرى عسكريون ومراقبون مدنيون لكتابة مونوغرافيات عن جهات متعددة من المغرب، كانت عبارةً عن أوصاف إثنوغرافية دقيقة اتخذت شكلً موحدًا في الإنجاز. واشتهر من هؤلاء جورج سبيلمان Spillmann Georges (وهو الاسم العسكري لدراغ Drague الذي وضع كتابًا عن الزوايا في ما بعد)، وقد
وضع مونوغرافيةً عن قبائل أيت عطا. كما اشتهر جوستينار Justinard المعروف ب "القبطان الشلح" الذي وضع مونوغرافيةً عن السوس، وعمل على ترجمة كتابالفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة لعبد الرحمن التمنارتي، ونشر وثيقةً متفردةً عن السوس في القرن السادس عشر. ولمّا كانت إدارة الحماية الفرنسية في حاجة إلى أُطر للقيام بهذه الأعمال، فقد أحدثت مدرسة اللغات التي تحولت في ما بعد إلى معهد الدراسات العليا المغربية، وهو المؤسسة التي غدَت مركزًا لتكوين الخبرات في التاريخ المحلّ. ولعلّ ما يبين هذا الترابط بين معهد الدراسات العليا المغربية والدراسات المحلّية هو تكريس عدد من مؤتمراته السنوية لمجالات بعينها. فلمّا بات الفرنسيون يواجهون صعوبات في منطقة جبالة ومقدمة الريف مع تنامي حركة محمد بن عبد الكريم الخطابي، رتبوا لمؤتمر حول جبالة والريف في سنة 1925. وهو المؤتمر الذي قُدّمت فيه دراسات تكشف تعقيدات المجال من الناحية الاجتماعية. لم تكن نهاية مرحلة التهدئة تعني نهاية الاشتغال بالمونوغرافية، فقد ظلت المونوغرافية حاضرةً بكل ثقلها في المراحل اللاحقة. وفي هذا الصدد لا بدّ من الإشارة إلى الأعمال الرائدة في مجال البحث المونوغرافي لروبير مونتاني Montagne Robert وجاك بيرك Jacques Berque غاستون دو فردان De Gaston Verdun وروجيه لوتورنو Tourneau Le Roger. ويمكن أن نميز في هذا السياق بين توجهين: فالتوجه الأول، تناول المجتمع القروي القبلَي. وانطلقت الأبحاث من إطار رسمه إدموند دوتي Doutté Edmond، مستفيدًا من المونوغرافيات السابقة. وسعت هذه الأبحاث للتركيب والدفاع عن نظرية معيّنة. فقد درس مونتاني - وكان مديرًا للأبحاث السوسيولوجية بمعهد الدراسات العليا المغربية - قبائل الجنوب المغربي والريف، ليصل إلى خلاصات تبريرية لوجود الاستعمار. ففي كتابه "البربر والمخزن " Makhzen le et Berberes Les، يقف عند تحليل العديد من المفاهيم التي استفاد فيها من الإنتاج المونوغرافي السابق. وأول هذه المفاهيم مفهوم القبيلة؛ ذلك أنه يبتدع ما يسمّى نظرية "الموضع" ليقرر أنّ الدفاع عن مجال معيّ من جهة الجماعة البشرية هو الأمر الحاسم في الترابط بين أفراد هذه الجماعة. وتظل مسألة الانتماء إلى الجد المشترك بمنزلة أسطورة مؤسسة لا أقلّ ولا أكثر. أمّا المسألة الثانية التي يقف عندها مونتاني في مونوغرافيته، فهي التعارض بين المخزن والقبيلة. ففي حين يعتمد المخزن على الشريعة والقانون المخزني، تعتمد القبيلة على العرف. ومن ثمّ، فإنّ التعارض بين القبيلة والمخزن هو تعارض بين الشرع والعرف، وهو الأمر الذي يكرّس "سيبةً" بنيويةً في القبائل المعتمدة على العرف. وقد ارتكزت هذه النتيجة التي انتهى إليها، أساسًا، على اشتغاله بالأعراف؛ إذ نشر مونتاني عددًا من هذه القوا ين العرفية (أعراف ماسة، في مجلة هسبيريس عام 1924). وأمّا التعارض الثالث الذي انتهى إليه صاحب " البربر والمخزن " فهو التعارض بين العرب والبربر. ويبدو أنّ الأمر في النهاية يرمي إلى تبرير صدور الظهير البريري الذي يتزامن مع تاريخ نشر الكتاب. وكتب جاك بيرك " البنيات الاجتماعية للأطلس الكبير " (عام 1953)، ويشكّل هذا الكتاب منعطفًا في السيرة العلمية لبيرك الذي انتقل من مراقب مدني يكتب تقارير، كانت تنشر لخدمة غايات استعمارية، إلى ملاحظ يراقب التطورات الحاصلة على مستوى الجوانب المختلفة للنظام التقليدي في احتكاكه بالحضارة الغربية، ثمّ إلى باحث يقطع مع توجهات المعرفة الكولونيالية ويعالجها بالنقد والتحفظ. ففي هذا الكتاب، يتصدى بيرك لمختلف النتائج التي انتهى إليها مونتاني، بدءًا من انتقاد نظرية الموضع التي يدحض خلفياتها، مقترحًا نظريةً بديلةً متمثّلة ب "إيخصن"؛ أي إنّ الرابطة بين مختلف عناصر المجموعة الواحدة هي رابطة دموية، وعلى أساس هذه الرابطة تتمّ التحالفات. وقد سبق لجاك بيرك أن كرّس مقالةً مطولةً لتفسير معنى القبيلة في شمال أفريقيا. كما أنه توجّه بالنقد لمونتاني في الجانب المتعلق بالشرع والعرف والتعارض الموجود بينهما، وأكّد أنّ هناك بعض النماذج التي تبيّ التوافق بين القانو ين العرفي والشرعي.
أمّا التوجه الثاني للمونوغرافية زمن الاستعمار، فهو يتمثل بثلاث أطاريح، الأولى عن فاس قبل الحماية لروجي لوطورنو، والثانية عن مراكش من الأصول إلى سنة 1912 لغاستون دوفيردان، والثالثة عن مدينة وجدة للنقيب فوانو Voinot Louis. وتتناول الأعمال الثلاثة مجالات حضريةً مختلفةً قبل الحماية الفرنسية، وكلّها تضع عام 1912 سقفًا زمنيًا، غير أنها لا تحدّد البدايات، وبعضها يستهويه العودة إلى الأصول. اهتمت هذه الأعمال، أساسًا، بقضايا التطور العمراني للمدن والاقتصاد الحضري؛ إذ تناولت الح رف والصنائع في هذه المجالات الحضرية. ولم يَغب عنها الاهتمام بالعلاقات التي ربطت بين المدينة ومجالها الريفي. وكان الاهتمام بهذه القضايا وليد رغبة في التحكم في هذا المجال. ومن ثمّ، تُعدّ النماذج الثلاثة ذات أهمية في هذا السياق. خلاصة القول إنّ المعرفة الاستعمارية في شقها المونوغرافي لا تكاد تنفصل، مهما يكن من أمر، عن السياق التاريخي. فهي معرفة تجاوبت إلى حدّ بعيد مع متطلبات السياسة الاستعمارية الفرنسية في المغرب، وسيكون من السذاجة أن نبحث عن النزعة الاستعمارية من خلال تراث استعماري.
ثانيًا، التاريخ المحيل عند المؤرخين المغاربة زمن الاستعمر
صدر الظهير البربريفي أيار/ مايو 1930. وكان لهذا الحدث أثرٌ كبير في الساحة الثقافية للمغرب. فقد كان هذا الظهير "صفعة"ً كبيرةً أفاقت المثقفين المغاربة الذين راحوا يبحثون عن مقومات الهوية المغربية من خلال الانغماس في التاريخ المحلّ، إلى حدّ أنه يمكن القول إنّ المغاربة تخصصوا بالمحلّ واستنكفوا من البحث في التاريخ العامّ. فما هي المجالات الجغرافية التي كتب فيها هؤلاء المؤرخون؟ وما هي مميزات هذه الكتابة؟ يمكن أن نميز في كتابات التاريخ المحلّ المغربية، خلال الفترة الاستعمارية، بين كتابات محلية حضرية وكتابات محلّية قروية تمامًا، كما هو الشأن بالنسبة إلى الكتابات الاستعمارية. فمن هم مؤلفو هذه الكتب؟ وما هي القواسم المشتركة داخل هذا الإنتاج؟ ينتمي مؤلفو هذه الكتب إلى فئات مختلفة. فمنهم الشريف المقرب إلى الأسرة الحاكمة، ومنهم القاضي، ومنهم الفقيه. وقد انعكس هذا الانتماء على مختلف الكتابات. فلمّا كان عبد الرحمن بن زيدان من الأسرة الشريفة ونقيب الأشراف بمكناس؛ إذ أعطى أهميةً كبيرة لتراجم السلاطين والأمراء الذين سكنوا مدينة مكناس أو مرّوا بها. ولمّا كان بوجندار قاضيًا في الرباط، فقد أولى عنايته لقضاة الرباط وأعيانها. وقد تأثرت هذه الكتابات أيضًا بالانتماء الصوفي لأصحابها. فلمّا كان المختار السوسي درقاويًّا، ركزت تراجمه على أتباع الطريقة الدرقاوية، بل إنه جعل أباه محورًا لسير من أورد تراجمهم من الأعلام. كان مؤلفو هذه الكتب على درجة متفاوتة في علاقتهم بالإدارة الاستعمارية في المغرب، ففي حين كان عبد الرحمن بن زيدان مرتبطًا بعلاقات مع الإدارة الفرنسية ارتباطًا وثيقًا، دُعيَ إلى إلقاء محاضرة عن القصور الملكية في معهد الدراسات العليا المغربية، وقام ليوطي بكتابة مقدمة كتابه. ولهذا الارتباط علاقة بالوظائف التي تولاها عبد الرحمن بن زيدان. فقد كان مديرًا للمدرسة الحربية بمكناس، علاوةً على أنه ترأّس نقابة الأشراف بمكناس أيضًا. أمّا محمد المختار السوسي فقد كان من المناهضين للاستعمار وكانت علاقته بإدارة الحماية الفرنسية متوترةً إلى حدّ اعتقاله ونفيه. وأمّا العباس بن إبراهيم المراكشي، فقد كان قاضيًا بمراكش والجديدة، وهو ما جعل علاقته بالإدارة الفرنسية مهنيةً، وقد استكتبه مولاي عبدالحفيظ عن أحمد الهيبة. ومن ثمّ، يمكن أن نعُدّ ما أنجزه دفاعًا عن السلطة الشرعية. غير أنّ علاقته بالفرنسيين قد اتسمت بنوع من الضبابية.
الجدول (1) الكتابات المحلية الحضرية
المؤلف
| المؤلف | عنوان الكتاب |
|---|---|
| عيمبد الرحمن بن زيدان | إاأاإتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس |
| العباس بن إبراهيم المراكشي | الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام |
| محمد داود | تيراريخ تطوان |
| ميحمد الصديقي | إيقاظ السريرة في تاريخ الصويرة |
| محمد الكانوني | آاسفي وما إليه قديمًا وحديثًا |
| ميحمد بن مصطفى بوجندار | ارأألاغتباط بتاريخ الرباط |
| عيبد الله الكامل الكتاني | سيلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس |
| أحمد الرهوني | عمدة الراوين في تاريخ تطاوين |
أحمد الرهوني
المصدر: من إعداد الباحث.
الجدول (2) الكتابات المحلية القروية
محمد المختار السوسي البشير الفاسي الفهري
المصدر: من إعداد الباحث.
يتمثّل القاسم الأول بين كلّ هذه الكتابات، بأنها اختارت أن تتبنى طريقة السرد بالتراجم (وليس بالأحداث)؛ إذ خصصت كلّها لتراجم الأعلام، وولجت في التاريخ من باب الترجمة. أمّا القاسم الثاني، فهو يتمثّل بالكشف عن نصوص دفينة بين دفّات الكتب التي أ نجزت. وإذا توقفنا عند محمد المختار السوسي في كتابهالمعسول، فسنجد هذا المؤلف يدمج عدّة مؤلفات، أو يلجأ إلى تقديم ملخصات مطوّلة لها، وهي كتب نادرة، بل يمكن القول إنها فريدة من نوعها. ففي الجزء الخامس من كتابه المعسول، يورد نصًّا مهمًّا عن الثورات التي عرفتها منطقة السوس في القرن الثامن عشر. وفي الجزء الثاني عشر يورد نصًّا عن أحمد أو موسى السملالى ومناقبه. وفي الجزء السادس عشر يورد نصًّا عن ثورة الفتان في النصف الأول من القرن العشرين بمنطقة الجنوب الشرقي المغربي. وهذا النهج الذي اعتمده المختار السوسي، اعتمده سائر المؤرخين أيضًا. ويمكن القول إنّ هذا النهج يتساوق مع فهم هؤلاء المؤرخين للتاريخ ومع رغبتهم في مقاومة النسيان والحفاظ على الذاكرة. وأمّا القاسم الثالث بين تلك الكتابات، فهو يتحدّد باشتمالها على العديد من الوثائق الرسمية وغير الرسمية. فعندما نطالع كتاب إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس، يستوقفنا عدد كبير من الوثائق المخزنية، وهي وثائق لا تتعلق بمدينة مكناس
عنوان الكتاب
عمدة الراوين في تاريخ تطاوين
المعسول، خلال جزولة قبيلة بني زروال
فحسب، بل هي وثائق صادرة عن السلطة المخزنية ومرتبطة بمجالات ترابية أخرى، ولكنّ المؤلف حرصَ على دمجها في كتابه؛ لعلاقته الوطيدة بأحد المترجمين لهم ممّن لهم علاقة بمكناس، وهو أمرٌ يمكن لقارئ الرهوني أو داود أن يسجله بشأن الوثائق المحفوظة بين الكتابين، إلى حدّ إمكان القول باستحالة كتابة تاريخ المنطقة الخليفية في الشمال في غياب هذه الوثائق. أمّا محمد المختار السوسي، فقد حضرت عنده، أساسًا، الوثائق الخاصة؛ إذ أورد سيلً من عقود الملكية والبيع والشراء. وأمّا القاسم الرابع، فهو متمثّل باعتماد تلك الكتابات على الرواية الشفوية. فبما أنّ هذه الكتابات كانت مهوسةً بمقاومة النسيان، فإنها حرصت على الاستفادة ممّا يرويه الأحياء عن حوادث ماضية، أو عن تقاليد وعادات المناطق التي تمّ التعرض لها. فقد انبرى محمد المختار السوسي، سواء كان ذلك في كتابه المعسولأو في كتابيه حول مائدة الغذاء ومن أفواه الرجال، إلى تدوين الشهادات الشفوية في مواضيع مختلفة، وهي السمة الغالبة عند كلّ مؤرخي هذه الفترة.
ثالثًا، التاريخ المحيل ما بعد الاستعمر
تُعَدّ أطروحة أحمد التوفيق التي ناقشها في عام 1976، وقد نشُرت مرات متعددةً ضمن منشورات كلية الآداب بالرباط، علامة بارزةً في تاريخ الكتابة التاريخية بالمغرب؛ إذ أعطت نفسًا جديدًا لهذه الكتابة، وغدَت هذه الأطروحة نبراسًا ونموذجًا اقتداه باحثون آخرون، سواء كان ذلك في الجامعات الفرنسية أو الجامعات المغربية. ففي وقت كان فيه أحمد التوفيق يشتغل حول إينولتان، كان العربي مزين يحضر رسالته في جامعة السوربون في موضوع "تافيلالت خلال القرين السابع عشر والثامن عشر" (نوقشت عام 1977.) وقد تلا هذه الأعمال سيلٌ من الأبحاث شملت مجالات جغرافيةً وفترات تاريخيةً مختلفةً. ولعلّ ما يمكن أن نسجله من ملاحظات بشأن المونوغرافية يتمثّل بما يلي: ركّزت معظم المونوغرافيات على القرن التاسع عشر. أمّا المونوغرافيات التي تناولت المراحل السابقة، فهي قليلة. فمن أصل ما لا يقل عن 30 أطروحةً، لم يخصص ل مَا قبل القرن التاسع عشر سوى عشر أطاريح (خمس أطاريح عن المرحلة الوسيطية سجلماسة وسبتة ومراكش، وخمس أطاريح عن الفترة الممتدة من بداية القرن السادس عشر إلى نهاية القرن الثامن عشر.) شمل البحث البوادي والمدن على حدّ سواء، وكان الهمّ البحثيّ هو الكشف عن بنيات ما قبل الاستعمار الحضرية منها والبدوية. تجديد المصادر والكشف عن وثائق غميسة؛ إذ كانت هذه الأبحاث مناسبةً للتنقيب عن وثائق محلّية، انتهى معظمها إلى الكشف عن نصوص جديدة، بل ربما شكّلت هذه النصوص حافزًا للباحثين للعناية بهذه المجالات. ونظرًا إلى ضنك معلومات المصادر التقليدية، فقد اضطر الباحثون في التاريخ المحلّ إلى الاستعاضة من هذا الضعف بالبحث عن المعلومة في نصوص عُدّت إلى عهد قريب نصوصًا لاتاريخيةً، وهو ما جعل المؤرخ يبحث عن أدوات جديدة أخرى لاستنطاق هذه النصوص الجديدة. فقد اضطره الاعتماد على النصوص النوازلية إلى أن يتحول إلى فقيه يمسك بتلابيب النصوص الفقهية. والناظر إلى أطاريح أحمد التوفيق، ومحمد مزين، وحسن علوي حافظي، وعمر بنميرة، سرعان ما يقف على هذا الجهد المبذول في هذا المستوى. تجديد المناهج؛ فقد اعتمدت هذه الدراسات مناهج جديدةً راوحت بين الانفتاح عن الأنثروبولوجيا الثقافية بالنسبة إلى مونوغرافيات القرن التاسع عشر، والانفتاح عن مدرسة الحوليات بالنسبة إلى المونوغرافيات واعتماد مقاربات مدرسة الحوليات.
وأمّا بالنسبة إلى الاستفادة من العلوم الاجتماعية، فقد وجد الباحثون المغاربة ضالتهم المنشودة في الأعمال التي أنجزت خلال فترة الحماية لإثنوغرافيين؛ من أمثال إدموند دوتي Doutté Edmond الذي حطّ رحاله بأرض المغرب وسخّر الملاحظة الميدانية توخيًا لمعرفة أعمقَ بشأن المغاربة، وشارل دوفوكو Foucauld de Charles الذي تنكّر في دور راهب؛ ليقدّم وصفًا عن عادات المغاربة وتقاليدهم، ودو سيكونزاك Segonzac de Marquis الذي قدّم أوصافًا على درجة كبيرة من الأهمية بشأن المغرب العميق والحياة في الأطلس المتوسط، وغيرهم ممّن سخّروا معرفتهم لخدمة إدارة الحماية في المغرب. كما غذّت الأنثروبولوجيا أعمال المؤرخين المغاربة. وفي هذا الباب، يمكن الإشارة إلى النقاش الذي فتحه مؤرخو المونوغرافية مع أعمال جاك بيرك Berque Jacques وروبر مونتاني، وأندري آدم Adam André، كما أنهم فتحوا نقاشًا جديًّا مع الأنثروبولوجيا الأنجلو سكسونية ممثلةً بأعمال إرنست غيلنر Gellner Ernest، ودافيد هارت Hart David، وكليفورد كيرتز Gueertz Clifford، وجون واتربوري Waterbury John. وأمّا بالنسبة إلى الاستفادة من مناهج مدارس التاريخ الحديثة، فيمكن التنويه بالانفتاح الذي استحضر مقاربات مدرسة الحوليات الفرنسية. فقد عجّت كتابات مؤرخي المونوغرافية بمصطلحات هذه المدرسة، وبات من الطبيعي الحديث عن المدى الزمني الطويل والمدى الزمني القصير، والوعي بضرورة كتابة تاريخ البنيات (وليس تاريخ الأحداث). كما خاض مؤرخو المونوغرافية في مواضيع جديدة وخصصوا فصولً من أطاريحهم لوصف الظواهر الطبيعية وأثرها في التحولات التي عرفتها مجالات بحثهم، وتناولوا التطورات الديموغرافيا والبنية الاجتماعية والاقتصادية والذهنية، مستحضرين في هذا الباب كتابات لوسيان فيفر وإيمانويل لاديري Emmanuel Ladurie Roy Le وفرناند بروديل. غير أنّ الاستفادة لم تكن من مدرسة الحوليات فحسب، بل أثّرت في باحثي المونوغرافيات التيارات الإيديولوجية للسبعينيات وما كانت تحمله هذه التيارات من قيمٍ، حيث التركيز على التاريخ الاجتماعي والنفور من تاريخ البلاط. لقد كانت فورة القرن التاسع عشر أو طفرته، على حدّ تعبير عبد الأحد السبتي، تُخفي هذه القيم، وكان البحث في القرن التاسع عشر تعويضًا من البحث في التاريخ الحاضر. ومن ثمّ، وجدنا عددًا من الباحثين في العلوم السياسية والاقتصاد وعلم الاجتماع أيضًا يكرّسون أبحاثهم للقرن التاسع عشر.
محمد حبيدة Mohamed Houbaida |
الزراعة والأغذية يف المغرب قبل الاستعمر
ارتبط موضوع الأغذية في الأصل بحقل الأنثروبولوجيا. لكن التحقت علوم إنسانية واجتماعية عديدة، مثل التاريخ والاقتصاد والجغرافيا بهذا الموضوع، وأسهمت في فهم ما يطرحه من قضايا على مستوى نظام الحياة والتقاليد الاجتماعية؛ فاليوم يتحدث الأنجلوساكسونيون عن "دراسات الغذاء" Studies Food، بوصفها مشروعًا متعدد الاختصاصات، يجمع كلّ المعارف التي تُعنى بالمسألة الغذائية، من العلوم الاجتماعية إلى وسائل الإعلام، مرورًا بعلم الزراعة والبيولوجيا. تظهر خصوبة هذا الموضوع، من الوجهة التاريخية، على مستويين رئيسين: أول، مستوى الترابط بين ما هو مادي وما هو ثقافي؛ أي إنتاج الأغذية واستهلاكها من جهة، والعادات الغذائية من جهة ثانية. ثانيًا، مستوى الأغذية في حد ذاتها، إذ يمكن المزاوجة بين التاريخ وعلم التغذية. قبل البنيات الحديثة التي أدخلها الاستعمار الأوروبي في القرن العشرين، كان المغاربة يعيشون عيشة محكومة باقتصاد الكفاف وقساوة البيئة؛ فقد كانت الزراعة رهينة ما تجود به السماء من أمطار، وحبيسة ما يستخدمه الفلاح من تقنيات قديمة، ما جعل الإنتاج ضعيفًا والطعام قليلً. كانت الحبوب والقطاني والخضار والفواكه الطرية والجافة وزيوت الزيتون والأركان هي المواد الأساسية التي يقتات منها الناس في الأوقات العادية، كما كانت النباتات البرية تقدّم بديلً لهذه الأطعمة في أوقات القحط والمجاعات. أمّا اللحم فكان مادة احتفالية ذات صلة بالمناسبات العائلية أو الدينية. هذا ما تُظهره المعطيات المتناثرة داخل المصادر التاريخية المعروفة مثل كتب النوازل والتراجم والمناقب، وكتب رحلات الأوروبيين الذين زاروا المغرب قبل الاستعمار، وكتب الفلاحة والطبخ. ويدفعنا هذا الطعام النباتي الذي هيمن ع ىل موائد المغاربة لمدة زمنية طويلة إلى القول ب "نظامٍ نباتي عفوي" vegetarianism Involuntary، بعيد عن أيّ تصور طبي أو بيئي أو أخلاقي، ع ىل غرار ما كشفت عنه دراسة سوسيولوجية في هذا المجال. لكن، يحتوي هذا الطعام الفق ري من الناحية الاجتماعية ع ىل فوائدَ كب رية من الناحية البيولوجية. فالاطلّاع ع ىل نتائج البحوث البيولوجية قد يغ ريِّ نظرة المؤرخ للأشياء، فعوض النظر إلى هذه الأغذية المتقشفة من زاوية الهشاشة، كما تصوّر ذلك المؤرخ الفرن يس بيرنار روزينبيرجي Rosenberger Bernard، يمكن مقاربة الموضوع من زاوية الاستعاضة الغذائية على مستوى الوجبة. هذا يعني أنّ نظامًا غذائيًا في حدّه الأدنى، وإن كان فق ريًا من ناحية البروتينات الحيوانية، يمكِّن المرءَ من العيش في توازن في حالة إذا ما استند إلى ما يسميه المختصون في التغذية بالاستعاضة البروتينية والفيتامينية للنباتات، وذلك بطبيعة الحال خارج أوقات الجوع.
يعرّف البيولوجيون التغذية بوصفها نظامًا من التوازن والاستعاضة على مستوى كلّ وجبة، ويشدِّدون على ضرورة الربط بين الحاجيات الغذائية وطبيعة الشخص الفيزيولوجية لفهم هذا التوازن. والحال أنّ النصوص التاريخية تبُرز هذه الآلية بدرجات متفاوتة، بحسب المناطق والوثائق المتوافرة. نقدّم في هذا الصدد ثلاثة أمثلة: القطاني غنية بمادة الليزين Lysine. والحال أنّ هذه المادة تعادل البروتين الحيواني. هذا ما يفسر عبارة "لحم الفقير"، كما يقول بعض الباحثين للدلالة على العدس والحمص والفول، وهي مواد قامت بدور كبير في توازن نظامٍ غذائي يغلب عليه الحبوب. الفواكه الموجودة بوفرة في مختلف مناطق المغرب، والمستهلكة بكثرة، غنية كما هو معلوم بفيتامين سِ الذي يتيح للجسم امتصاص الحديد الذي تحتويه القطاني. الحليب ومشتقاته، يكثر في فصل الربيع بالخصوص، وهو غني بالكالسيوم. ما مكّن من تعويض نقص هذه المادة في الحبوب. ولكي نفهم هذا النظام الغذائي فهمًا جيدًا، نُحوّل دائرة الضوء باتجاه علم الحياة؛ ففي البحث الذي قام به الطبيب والبيولوجي الأميركي أنسيل كيز سنة 1975 حول الأغذية في الحوض المتوسط، أبان عن فوائد الأطعمة النباتية، من حبوب وخضار وفواكه وزيت زيتون، ونصح الأميركيين باتباع هذا النظام لاتّقاء أمراض القلب والشرايين. وتتلاءم هذه المقاربة العلمية مع ما كان قد نبّه له العال م الألماني ماكس غيرسن Gerson Max منذ بداية القرن العشرين. فقد شدّد هذا الطبيب على أهمية الأطعمة الحية Food Vital، أي النيئة أو المطبوخة قليلً، وما تقدّمه من نتائج إيجابية على مستوى تحسين تنفّس الخلايا وتقوية المناعة. وتشير النصوص التاريخية باستمرار إلى هذا النظام الغذائي الخالي من الدهون، المتكيف مع شروط البيئة، وتتيح إمكانية تلمّس هذه الأطعمة الحية التي نصح ماكس غيرسن بتناولها. هذا، لأنّه باستثناء وجبة العشاء التي كانت تتطلب تحضيرًا كبيرا، كما هي الحال عند إعداد الكسكس في البوادي بالخصوص، فإنّ الكثير من الأطعمة كان يُؤكل إمّا نيئًا أو شبه مطهوّ، مما كان يسمح، على نحو طبيعي، بالاستفادة من الأنزيمات وحيويتها الفائقة، ومن منافعها الصحية. وتفسر هذه الأطعمة الخالية من الدهون أوصاف الأوروبيين لمغاربة البوادي والواحات والجبال، كونهم: "نحاف الجسم وذوو قامات طويلة"، أو كما لاحظ لويس شينيي Chenier Louis، قنصل فرنسا في الرباط في نهاية القرن الثامن عشر: "عمومًا أبدان المغاربة نحيفة بسبب طبيعة الأطعمة التي يأكلونها". وفي القرن السادس عشر كان الحسن الوزان في كتابه وصف إفريقيا قد أثار هذا الأمر عندما كتب عن سكان المناطق الجبلية، ووصف أطعمتهم المكونة أساسًا من الشعير والزيت والفاكهة، وربط بطريقة غير مباشرة
بين نظام الطعام ونشاط الجسم، فتحدّث عن كبار السن البالغين السبعين والثما ين سنة وأكثر، كونُهم: "يحرثون الأرض وينقشون الكرم ويقومون بسائر الأعمال بخفة عجيبة". وتتقاطع هذه الشهادات مع التقارير التي أنجزها موظفو الحماية الفرنسية في النصف الأول من القرن العشرين؛ فقد أكّد جورج هاردي Hardy Georges في تقريرٍ كتبه سنة 1932 حول النظام الغذائي في المغرب: "قدرة المغاربة على القيام بأشغال مجهدة وقطع مسافات طويلة على الرغم من هزالة طعامهم المكون بالأساس من قطعٍ من خبز الشعير وقليل من التمر". يتعلق الأمر بشرائح كادحة عريضة في المجتمع المغربي، من قرويين وعوام الحضريين الذين كانوا يعملون في مختلف أشغال الزراعة والرعي والحرف مدى الحياة، ويكتفون في المقابل بطعام زهيد فرضته قساوة الوسط البيئي، واقتصاد القلة، والعودة المتكررة للقحط والمجاعات. لقد كان الشخص النموذجي بالنسبة إلى عامة الناس، بحكم اقتصاد القلة هذا، هو ذلك الرجل المتقشف الذي يصوم بانتظام، يومين في الأسبوع (الإث ين، والخميس)، وثلاثة أشهر في السنة (رجب، وشعبان، ورمضان)، ولا يأكل في الليل إلّ ما تيسّ من الطعام. من جهة أخرى، خضعت الأغذية، على الرغم من الإكراه البيئي والاقتصاد المعاشي، لتمايز اجتماعي واضح؛ إذ تتحدث النصوص، على مستوى علية القوم، كالتجار والأعيان وخدام المخزن، عن شيء من الرخاء، وبعض الوفرة في الغذاء. في هذا السياق، يصف نص يعود إلى القرن السادس عشر ظاهرة إطعام الطعام الدينية بناءً على التراتب الاجتماعي المعروف آنذاك، أي العامة والخاصة وخاصة الخاصة، يقول: "كانت للشيخ أبي عمر القسطلي [دفين مراكش] همة رفيعة في إطعام الطعام، فلا يدخل أحد زاويته إلا بادر الخدام بإحضار الطعام على قدر طبقته، فسائر الناس يأكلون خبز الشعير، وما وجد من الفاكهة معها، وفي الصبح الدشيش، وفي المساء الكسكس، ومن هو أعلى مرتبة يأكل خبز البر، وخلاصة التمر والعسل واللحم والتريد والدجاج، ومن هو أعلى قدرا من الطبقتين يقربون له الحسو المتخذ من لباب خبز الخالص، وفصوص البيض مفوها بالقرفة والزعفران ولحم الضأن المطبوخ بالمرق واللفت والسلجم وأنواع الفاكهة التي لا توجد في خزائن الملوك". وحتى بالنسبة إلى شيوخ الزوايا الذين عادةً ما تقدّمهم النصوص التاريخية أشخاصًا يعيشون في زهد وتقشّف، فإنّ بعضهم كان يملك كميات هائلة من الطعام ويستهلك الكثير من اللحم والسمن. لنقرأ هذا النص المنقبي المكتوب في القرن الثامن عشر، والذي يتحدث عن النظام الغذائي لأحد صلحاء منطقة تادلة في وسط البلاد، يقول: "لا يأكل إلا ما تأكل النفساء مثل بركوكش بالحليب والسمن في الفطور، والتريد بالمرق في وسط النهار، والكسكسون باللحم والإبزار في الليل [حتى إنّ] بعض الناس أراهم ثديه يسيل لبنا مثل ثدي امرأة". في الواقع، خضع النظام الغذائي لمراتب المجتمع، ولإنتاج الاقتصاد، وللتباين الإقليمي؛ فعلى خلاف البوادي، حيث البطون الفارغة، فإنّ المدن التي توافرت فيها أسواق منتظمة وحركة تجارية نشيطة نسبيًا، كانت تنعم بمواد غذائية أكثر؛ فحيثما توافرت الموارد، تعددت الوجبات الغذائية، لتصل إلى أربع مرات في اليوم، كما هي الحال في البيوتات الكبرى. تُظهر النصوص، في البوادي بالخصوص، على الرغم من قلة الأقوات، أنّ الناس استطاعوا التكيّف مع شروط البيئة وأحوال الفلاحة. كانت الحياة تشتد صعوبة، بخاصة في أوقات القحط والمجاعة، حيث تختل التوازنات. لكن ما يثير الانتباه هو أنّ ن حاف الجسم، في القرى والجبال والواحات، هم الذين كانت لهم القدرة على مقاومة الجوع.
هنا أيضًا تتقاطع نتائج البحوث في مجالَ البيولوجيا والعلوم الإنسانية. فعندما يقول شارل كايزر Kayser Charles انطلاقًا من بحوث مخبرية، إنّ الشخص النحيف يقاوم الجوع أكثر من البَدِين، فإنّه يقدّم لنا فرصة الرجوع إلى ما قاله ابن خلدون في المقدمة في القرن الرابع عشر بخصوص التغذية، في فصل مهمّ تحت عنوان "في اختلاف أحوال العمران في الخصب والجوع وما ينشأ عن ذلك من الآثار في أبدان البشر وأخلاقهم." يقارن ابن خلدون بين نمطَي عيش أهالي المدن والبوادي، ويقول إذا كان أهل الحواضر، كالفاسيين مثلً، المتعوِّدين على "كثرة الأغذية ورطوبتها"، من لحوم الخرفان والدجاج والسمن التي "تُوَلد في الجسم فَضلَات رديئة"، فإنّ سكان البوادي "المتقشفين في العيش" القانعين "بالشعير والزيت"، "لا فضلات في جُسومهم". ومعنى ذلك، برأي صاحب المقدمة، أنّ "الجوع أصلح للبدن من كثرة الأغذية". ويذهب ابن خلدون بعيدًا في تحليله عندما يؤكد أمرًا أساسيًا، كون المجاعات التي كانت تعصف بالبلاد على نحوٍ دوري، تنال بصفة رئيسة من سكان المدينة "المخص بين في العيش المنغمِسين في طيباته"؛ إذ "يسرع إليهم الهلاك أكثر من غيرهم". أمّا سكان البادية، "إذا أخذتهم السنون والمجاعات، فلا تنال منهم ما تنال من أولئك، ولا يكثُ فيهم الهلاك بالجوع." ويفسر ابن خلدون هذا الأمر تفسيرًا طبّيًا؛ فيقول: "السبب في ذلك، أنّ المنغمسين في الخ صب المتعودين للأدم والسمن خصوصا تكتسب من ذلك أمعاؤهم رطوبة فوق رطوبتها الأصلية المزاجية، حتى تُجاوِز حدّها. فإذا خُول ف بها العادةُ بقلة الأقوات وفقدان الأدم واستعمال الخشن غير المألوف من الغِذاء، أسرعَ إلى المعَا اليبَسُ والانكماش، وهو ضعيف في الغاية، فيسُرعُ إليه المرضُ، ويَهلكُ صاحبُه دفعة لأنه من المَقاتل. فالهالكون في المجاعات إنما قتلهم الشبعُ المعتاد السابق، لا الجوع الحادثُ اللاحق. وأمّا المتعودون على قلة الأدم والسمن، فلا تزال رطوبتُهم الأصلية واقفة عند حدها من غير زيادة، وهي قابلة لجميع الأغذية الطبيعية. فلا يقع في معَاهم بتبدّل الأغذية يبَس ولا انحراف، فيسْلمون في الغالب من الهلاك الذي يعْرِض لغيرهم بالخِصب وكثرة الأدَم في المآكل ". لقد ردَّد الناس الذين عاشوا أحوال القلة والخصاص قولةً عربية شهيرة، تلخّص هذه الورقة: "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع". تحيل هذه القولة التي تتقاطع فيها المعطيات المطروحة، إلى أوضاع الحياة اليومية القاسية في البوادي والفيافي، وإلى "العلاقة الضرورية بين الأغذية والنظام العام الذي يتأطر داخله الوجود البشري". لقد أبانت البحوث العلمية، تجانسًا مع ملاحظات ابن خلدون، أنّ فيزيولوجية أهل المناطق القاحلة وشبه القاحلة تنمِّي بصورة طبيعية "أشكال خاصة لتدبير الطاقة"؛ إذ تنتج نمطًا بيولوجيًا متكيفًا مع شروط البيئة، وقادرًا على تحمّل قساوة الطبيعة.
وجيه كوثراني: شكرا للدكتور محمد حبيدة. هذا الموضوع الذي تناوله هو موضوع شائك ومعاصر وتعيشه الآن الحوارات البيولوجية الطبية في الولايات المتحدة الأميركية حول النباتية واللاحمين، وهناك جدل كبير أيضًا مداره السؤال: أيّهما أ سْلَمُ النّباتيون أم أكلَةُ اللّحوم؟ سنتحدث في هذا الموضوع لاحقًا في النقاش.
عبد الحميد هنيّة Abdelhamid Henia |
مظاهر التجديد في البحوث التاريخية يف تونس حالة فريق "دراسات مغاربية"
اخترت أن أركّز حديثي في هذه الندوة على التجربة الأستغرافية التونسية، وبالتحديد تجربة فريق "دراسات مغاربية" بجامعة تونس، وذلك لأسباب شخصية وذاتية؛ إذ اشتغلت في إطار هذا الفريق طوال عشرين سنةً تقريبًا (من سنة 1995 إلى سنة 2015)، فأثّر هذا الفريق في مسيرتي البحثية كما أثّرتُ في توجهاته البحثية بطريقة أو بأخرى، تمامًا مثلما فعل الباحثون الآخرون المنخرطون في أنشطته. من الضروري أن أنبِّه هنا، إلى أن تجربة فريق "دراسات مغاربية" كانت تُنجَز بعلاقة متينة مع شركاء في المغرب الأقصى (وبالتحديد في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط في جامعة محمد الخامس)، ومع شركاء آخرين في الجزائر، وبالتحديد في مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية CRASC بوهران. وبعد خبرة جاوزت أكثر من عقدين من الزمن، ترعرعَتْ في رحاب هذا المَخْبَ نزعةٌ علميةٌ تعمل على القطع مع الكتابات التاريخية السابقة في ما يتعلق بالمناهج والموضوعات، كما تعمل بوجه خاص على إنشاء معرفة تاريخية بمعايير جديدة، تتميز بالمساءلة بما هو أكثر جدوى، والنقد، ومراجعة النفس، وتعمل على فتح آفاق بحثية أخرى. ويكمن الجديد - أيضًا - في هذه النزعة العلمية في العمل على الخروج من مجموعة من "السجون" المنهجية والمعرفية التي كثيرًا ما كبّلت عملَ المؤرخين في البلاد التونسية. وفي هذا الإطار، حصلت قناعة لدى باحثي فريق "دراسات مغاربية"، مفادُها أن النقلة أو التجديد في الكتابات التاريخية يحصل بطريقتين أساسيتين: الأولى؛ بفتح حقول بحثية جديدة، والثانية؛ بإعادة النظر في المناهج والبراديغمات المستعملة وتجديدها.
أولً، فتح حقول بحثية جديدة
عمل الفريق على فتح حقول بحثية لم يجرِ التطرق إليها في التجارب البحثية السابقة في الأستغرافيا التونسية، فأدّى ذلك إلى تجديد في طرح الأسئلة، ورصد المدونة الوثائقية الملائمة للإجابة عن تلك الأسئلة. ومن بين الحقول البحثية الجديدة التي تمت تجربتها في إطار فريق "دراسات مغاربية" أذكر مثالين: التفكير في الكتابة التاريخية، والبحث في الفرد والفردانية.
التفكير يف الكتابة التاريخية
خص التفكير في الكتابة التاريخية أساسًا البناءات والاستعمالات في بلاد المغارب، وذلك بشراكة مع باحثين آخرين. وهو مبحث جديد بالنسبة إلى الأستغرافيا التونسية، لكن المدرسة التاريخية بالمغرب الأقصى - والحق يقال - سبقت إلى ذلك ببضع سنوات. ونشُرت في هذا الصدد كتبٌ جماعية أُنجزت بمشاركةِ باحثي مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية بوهران، ومؤرخي كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط في جامعة محمد الخامس.
البحث يف الفرد والفردانية
شكلت دراسة وضع الفرد وتطوره والفردانية حقلً بحثيًا جديدًا في الكتابات التاريخية بمَخْبَ "دراسات مغاربية". وهو ما كان من شأنه أن يفتح آفاقًا بحثيةً أخرى، علاوةً على كونه مبحثًا مرتبطًا بالطلب الاجتماعي في الوقت الراهن، وذلك لفهم فعل الأفراد في الواقع السياسي والاجتماعي. والسؤال المطروح هو: كيف برز الفرد من حيث هو علاقة سياسية لكي يصبح - تدريجيًا - عنصرًا فاعلً في المشهد السياسي؟ مثل هذا العمل يكشف لنا عن تاريخية وضع الفرد وتطوره في الواقع العربي، أي في إطار غير أوروبي. لماذا الاهتمام ب "الفرد" وما علاقة ذلك بالحاضر؟ إن إرادة التخلي عن النظرة الإجمالية والقصرية، مثلما كانت تفرضه الطغمة الماركسية والطغمة البنيوية، كانت أساسيةً في الاهتمام بموضوع الفرد وتاريخ الفردانية. فالعامل الأساسي الذي جعل الباحثين، بوجه عام، يعتنون بالفرد والفاعل الاجتماعي، هو بلوغ العولمة إلى درجة قصوى، خاصة في بداية الثمانينيّات في القرن العشرين. أمّن هذا المبحث بلورة الواقع الذي يحياه الفرد اليوم في العالم العربي، فقضية "وضع الفرد" اليوم مرتبطة بقضية "المواطنة"؛ إذ تُعَدُّ قضيةُ وضع "الإنسان الفرد" في وقتنا الحاضر إحدى القضايا الجوهرية التي تُهِمُّ الأوساط العلمية والسياسية والثقافية، فضلً عن ارتباطها بقضية "المواطنة" التي تُطرَح على نحوٍ حادٍّ في البلاد العربية اليوم، وفي بلدان العالم بأسره، في إطار ما يسمى "المجتمع المدني." وخلال هذه السنوات، يدور نقاش كبير في العالم العربي حول هل وضعُ "الإنسان الفرد" هو وضعُ "الإنسان الرعية" أو وضع "الإنسان المواطن"؟ ف "وضع الرعية" وكذلك "وضع المواطن" يفيدان - قبل كل شيء - علاقةً سياسيةً. لذلك تطرح قضية وضع الفرد بعلاقة مع
الدولة (أو السلطة المركزية)، لأنه لا مجال للحديث عن "إنسان رعية" أو "إنسان مواطن" في حالة عدم وجود الدولة، وبذلك يكون البحث في تاريخية الفرد والفردانية في العالم العربي من القضايا الجوهرية والمجددة في المعرفة التاريخية.
ثانيًا، إعادة النظر يف المناهج والبراديغمت المعتمدة
إن طرح أسئلة جديدة من شأنه أن يُمكِّن من إعادة النظر في قضايا تمَّت دراستها بطريقة تثريها وتفتح أبوابًا بحثيةً مجدِّدةً، وذلك باعتماد براديغمات من شأنها أن تعطي للبحث وجهة أخرى لم يُتطرَّق إليها من قبل، وهو ما حاول فريق "دراسات مغاربية" تحقيقه في التجربة الأستغرافية التي خاضها، وذلك من خلال كتابة تاريخ يُسائل الذاكرة، عوضًا من تاريخ يبني الذاكرة أساسًا، ومن خلال تبنِّي منهج يقوم على "أهلنة" Indigénisation المعرفة التاريخية.
من تاريخ يبني الذاكرة إلى تاريخ يسائل الذاكرة
حصل منعرج في التجربة التاريخية لدى فريق "دراسات مغاربية"، تمثل بالخروج من مجموعة من السجون المعرفية المرتبطة بتاريخ الذاكرة بوجه عامّ، وبتاريخ ذاكرة الدولة بوجه أخصّ، وبدأ الخروج من سجن الذاكرة بمساءلتها من حيث هي موضوع بحث بذاته، وقُل الشيءَ نفسَه في سجن الدولة. من المعروف في البلاد التونسية أن التاريخ أصبح منذ القرن 17 عِلم الدولة الأول، فشكّلت الكتابة التاريخية سلطةً معرفيةً تقوم على إقصاء كل من يناهض الدولة. ومنذ تلك اللحظة، أصبح المؤرخ في البلاد التونسية مسخِّرًا طاقته لبناء الدولة بقلمه، تمامًا مثلما يبنيها أصحاب النفوذ بالسيف، فكل ما يكتبه يصب - من حيث لا يشعر - في مصبٍّ واحد؛ هو بناء الدولة في كل أوضاعها ومراحلها، فهي الدولة المجالية/ الترابية بالنسبة إلى الفترة الممتدة خلال القرون 17، و 18، و 19. وهي الدولة الوطنية بالنسبة إلى الفترة اللاحقة. ولم يحصل الوعي بالنسبة إلى المؤرخ، من حيث كونه لا يدرس الدولة كظاهرة اجتماعية وموضوع مستقل بذاته، وإنما يتناولها كأنه عنصر فاعل فيها، فتبرز شخصية المؤرخ كأنها تبني الدولة من الداخل (وذلك عندما يبني ذاكرة مكوناتها: كالمجال، وقضية الاستقلالية عن الباب العالي، وكذلك بناء ذاكرة لمؤسسة الباي... إلخ.) حصر المؤرخ نفسه في سجن الذاكرة عندما عمد إلى دراسة تاريخ الدولة من زاوية الذاكرة. كانت كتابة ذاكرة الدولة خاصةً من خلال الاهتمام بقضية استقلالية البلاد التونسية عن الباب العالي، في إثر انتصاب النفوذ العثماني في طرابلس سنة 1835، وإنهاء الحكم العائلي القراملي بها. وكان هدف الكتابات التاريخية في هذا المجال حجب فكرة أن البلاد التونسية ليست إلا ولاية/ إيالة تابعة لإسطنبول، ما يضفي عليها صفة الدولة المستقلة. لذلك وقع بناء ذاكرة تاريخية من شأنها أن تقلل من فاعلية فكرة تبعية البلاد التونسية إلى الباب العالي، وتؤكد استقلالية السلطة في تونس، ما يبرر فكرة الدولة المستقلة. وبدأت هذه الذاكرة تتبلور، خاصة في كتاب إتحاف أهل الزمان في أخبار ملوك تونس وعهد الأمان للمؤرخ أحمد بن أبي الضياف، وواصل بناءها على النسق نفسه المؤرخون التونسيون في فترة ما بعد الاستقلال. وبذلك أصبح المؤرخ في تونس "سجين" الدولة وسجين تاريخ الذاكرة على نحو عامّ. ولم يحصل الخروج من هذا "السجن" إلا بمساءلةِ عمليّةِ بناء الدولة ومقوّماتها، وتفادي التفكير فيها بتصنيفات ومقولات الدولة ذاتها، وكذلك عبر مساءلة الذاكرة من حيث هي بناء اجتماعي ومساءلة استعمالاتها أيضًا. ويمكن القول إنه مع فريق "دراسات مغاربية" سجَّل المؤرخ في البلاد التونسية أول مرة في نهاية التسعينيات من القرن الماضي بداية خروجه من هذه "السجون."
التجديد بأهلنة المعرفة التاريخية
التجديد المعرفي يحدث بتجربة بحثية تقوم على فكر نقدي، وعلى مراجعة النفس وخلق أوضاع النقلة في مجال الموضوعات المعالجة وكذلك في المناهج المعتمدة. واختار فريق "دراسات مغاربية" أن تتحقق النقلة على أساس "أهلنة" المناهج والموضوعات في الوقت عينه. والمقصود ب "الأهلنة" أن نجيب عن هذا السؤال: كيف ندرس مجتمعاتنا من دون أن نكون دعاة لأفكار صيغت في الخارج؟ المنطلق هو الداخل، وقد حصلت قناعة لدى فريق "دراسات مغاربية"، خلُاصتُها أن الباحث - مهما كان اختصاصه - مطالب بأن يكون في تناوله لبحوثه ملتحمًا بمتطلبات المجتمع الذي يدرسه، ومتناغمًا معها، ومع ما يطرحه المجتمع من قضايا وتساؤلات. ومنطلق هذا التمشّ في البحث هو التصدي لتلك الهيمنة شبه الكاملة للتوجّه الإثنومركزي الأوروبي، عبر استخدامه لأدوات فكريّة ومصطلحيّة، ومفاهيم ومناهج مهيمنة منذ فترةٍ طويلة. فجاءت المعرفة التي صاغها الدارسون الغربيون حول مجتمعاتنا تتميز بالإثنوثقافية الغربية. فهي لا تكشف عن واقعنا بوجه سليم، وتمنعنا من فهمه بطريقة مثلى. وهي تُرجع - مثل - كل الحراك داخل المجتمعات العربية إلى عناصر فاعلة أجنبية؛ أوروبية غربية أساسًا. أما العناصر الاجتماعية المحلّية فهي مغيّبة كلّيًّا، ولا تَنسب لها أيّ دور فاعل في هذا الحراك. وهي نظرة تعطي الأولوية للعوامل والأسباب الخارجية في تفسير الديناميّات الداخلية. فهل ينبغي قبول الفكرة القائلة إن كل مشاريع الحراك التي عرفها العالم العربي كظاهرة بناء الدولة والحداثة والعلمانية... إلخ، إنما هي مقرّرة من الخارج؟ هل يجب أن نفهم أن كل حراك سياسي أو اجتماعي أو ثقافي تعرفه البلاد العربية في ذلك التاريخ مردُّه بالضرورة إلى إرادة قوى أجنبية؟ طرح القضيّة بهذه الصورة يجعلنا واعين بضرورة إعطاء أهمية قصوى لتحسس مظاهر الحراك في البلاد العربية عامّةً من الداخل، وانطلاقًا من العناصر الفاعلة المحليّة، مع العلم أن هذه العناصر تتحرك بدورها في علاقة تبعيّة متبادلة مع القوى الخارجيّة. يتعلّق الأمر إذًا بالتخلّص من القوالب الجاهزة، وبتناول القضايا البحثية من وجهة نظر أهلية، أي انطلاقًا من الداخل، مع ضمان الاستقلالية عن مقولات الإثنوثقافية الغربية التي - بالفعل - تمنع من التفكير بطريقة سويّة في قضايا المجتمع العربي. ولكي يحصل التخلص من الهيمنة البراديغمية والمفاهيمية الإثنوأروبية أو الإثنوثقافية الغربية، يتطلب ذلك إعادة إنتاج هذه البرديغمات والمفاهيم وذلك بعد تفكيكها ونقدها؛ فإعادة صَوْغ ها من داخل الواقع العربي مع الأخذ بخصوصية المسارات المحلية لهذا الواقع. لذلك؛ يجد الباحث نفسه دائمًا بصدد مساءلة الترسانة المفاهيمية وتفكيكها، وإعادة صَوْغ موضوعات بحوثه بصورة تحميه من هذه الهيمنة، وتكون منطلقات بحوثه دائمًا من داخل المجتمع ذاته. بذلك يحصل إنشاء معرفة أصيلة نابعة من أعماق المجتمع العربي. وهو عين ما يُقصد بأهلنة المعرفة التاريخية التي ينشُد تحقيقَها باحثو مخبر "دراسات مغاربية."
الطاهر بن يحيى: حقيقةً، استفدت بإضافة مصطلحات جديدة من قبيل "الأهلنة" و"التناهج" و"التعابر". وهي مصطلحات سجّلْتها، فصيغتها الصرفية سليمة وجميلة وتدلّ على هذا التداخل. أشكركم جميعًا. ما سمعته في المحاضرات الأولى والثانية والثالثة ليس لي ما أضيف إليه؛ فهو مفيد. فما ورد في المحاضرتين الأولى والثانية يتعلّق بالمغرب، وما ورد في المحاضرة الثالثة أثارني ومهمّ. ودعوني أطرح جملة من الأسئلة المهمّة مستغلً هذه الفرصة؛ كيف يتعامل المؤرّخ الآن في هذا التّيار الجديد أو هذه المدرسة الجديدة أو التّوجه
الجديد مع وسائل حديثة؟ تعرفون أكثر مني أنّنا نعيش الشفوية الثانية اليوم. لم نعد نعيش الشفوية بالمنطق التقليدي. وهناك بحوث كثيرة فرنسية وأميركية في هذا الأمر. تجسد هذه الشفوية الثانية وسائل تواصل جديدة؛ مثل فيسبوك وتويتر وغير ذلك. أتساءل كيف يستغل المؤرخ تعليقات بعض السياسيين في العالم على تويتر التي أثارت قضايا كبيرة؟ هل فيها نوع من الصدقية؟ أم لا؟ وكيف يتعامل معها؟ ويجرنّي هذا إلى أمر آخر، فمثلً في مرحلة الوضعية المنطقية في القرن التاسع عشر كان يعتقد أنّ الأسطورة خرافة ولا تدلّ على شيء. لكن، نهتم بها الآن بوصفها شكلً من أشكال الوعي. أمّا السؤال الآخر فهو: هل التاريخ أو الخطاب التاريخي خطاب أيديولوجي بامتياز؟ أنا أطرح السؤال وأفكّر في الذين سيؤرّخون للحرب العراقيّة أو الواقع العراقي. مَنْ هم في السلطة اليوم سيؤرّخون للأحداث في العراق انطلاقًا من المنظومة الشيعية التاريخية، لكن توجد للأسف منظومة أخرى سياسية هذه المرّة جديدة هي المنظومة السُّنِّية. فكيف سنقرأ تاريخ العراق في هذه السنوات؟ الأمر نفسه يصدق على سورية. بل أكثر من ذلك حتى بالنسبة إلى الثورة التونسية، ولو أنّ الأمر يكاد لا يُذكر مقارنةً مع هذين المثالين. لكن سؤالي الأساسي هو: هل سيظل التاريخ في النظام؟ أم هو أوّلً خطابٌ أيديولوجي بالضرورة؟ وكيف نستطيع أن نتحدث عن خطاب تاريخي إذن يبتعد أقصى ما يمكن عن هذه الانتماءات والنزعات؟ أحمد أبو شوك: شكرًا دكتور وجيه. لديّ سؤال منهجيٌّ أطرحه على الدكتور عبد الرّحيم بنحادة، عندما تحدَّث عن النظرة الاستعمارية وأشار إلى أنّها تتكوّن من جزئيتين تتمثلان بالمستعمرين الذين كتبوا عن تاريخ المستعمرات والوطنيين الذين عاشوا في كنف المُستعمِر، فإلى أيّ مدى استفاد الوطنيون من منهج المستعمر في كتابة التاريخ؟ وإلى أيّ حدٍّ تأثّروا؟ أمّا السّؤال الثّاني، عندما نتحدث عن التاريخ المحلّ بعد الاستقلال وبحسب روايتِكَ كتبه مؤرخون محترفون، فهو: ما هي الخلفيات التأهيلية والمدارس الفكرية التي انطلقوا منها؟ لي ملاحظة أسوقها للدكتور عبد الحميد هنيّة. أعتقد أنّ النظرة العالمية للتاريخ يجب ألّ تكون مغلوطة، هي ليست نظرة من أعلى إلى أسفل. بل هي نظرة تراكمية؛ فعندما ننظر إلى السياسة الأميركية وتطبيقاتها في الشرق الأوسط ننظر إلى مرتكزات السياسة الأميركية في أميركا وتأثيرها في الشرق الأوسط. عندما نريد أن ندرس تاريخ سورية ندرس من الداخل وننظر إلى المؤثّرات الخارجية. إذًا، يجب أل تفهم النظرة العالمية بوصفها نظرة مفروضة على المحلّ من مركز معيّ. لفت انتباهي أيضًا أنّك ذكرت أنّنا نريد أن ننتقل من التاريخ العام أو التاريخ الاجتماعي إلى التاريخ الفردي أو الفرداني، هل ترى أنّ هذه نظرة ارتدادية؟ لأنّ هذا المنطلق هو الذي انطلقت منه المدرسة المثالية وقضايا التاريخ البطولي لكنّ الإنسان هو إفراز للمجتمع المحلّ. فهل ندرس المجتمع؟ أم ندرس الفرد؟ سامر عكاش: لي ملاحظة من خارج موضوع التاريخ. ذكر الدكتور وجيه أنّ النظرية في التأريخ هي غربيّة فالمادة موجودة عندنا ولكن النظرية للتطوير أو النظر في مناهج التاريخ غالبًا هي واردة من الغرب. يطرح ذلك نظرية معيّنة في تطوُّر العلوم الأنثروبولوجية. وهي طرحت فكرة نقدية للتاريخ المحلّ، إذ عندما ظهرت العلوم الأنثروبولوجية بصورة عامّة بعد حركة التنوير في القرن التاسع عشر لدراسات الشعوب الأخرى ظهر من ضمن الدراسات الأنثروبولوجية مشاكل أخلاقية في التعامل مع الآخر وطبعًا هم من أثاروا (الباحثون الغربيون) هذه المشاكل. وظهرت أزمة معرفية بالعلم الأنثروبولوجي. كيف يمكن لنا أن نتعامل مع الآخر بهذه الطريقة الاستعلائية؟ فعندما وجدوا أنّ المجال لم يعد يسمح بالتعامل مع الآخر بالأسلوب الاستعلائي الاستعماري القديم نفسه، ظهرت نظرية جديدة وهي نظرية الثقافة النسبية فهي المبدأ الأساسي للثقافة النسبية؛ لأنّ الأوروبيين قالوا: لم نعد نستطيع أن نكون أسياد العالم، إذًا، نترك كل واحد يعيش في عالمه؛ فهم لم يستطيعوا أن يجعلوا الآخر سيِّدًا في العالم، لذلك طرحوا مواضيع التواريخ المحلّية والدراسات المحلية والثقافية النسبية التي أعطت المشروعية لهذه الفكرة، لذلك أخذناها وأمعنّا فيها النظر، فنحن عزلنا أنفسنا عن أن نكون أسيادًا في العالم.
نصير الكعبي: تفاعلت مع موضوع محمد حبيدة فعلً بوصفي من النباتيين. وربما يكون الموضوع قابلً للتطبيق في مواطن أو مواضع عربيّة أخرى. ربّما لا ننتج في الشرق العربي دراسات تعالج موضوعات الأغذية على الطريقة الأنثروبولوجية، لكن سؤالي دكتور يحتاج إلى أن نقيس مدَيات تأثير المنظومة أو المؤسسة الدينية أو الشرعية في خلق نظام غذائي معيّ؛ فالمعروف أنّ المؤسسة الدينية لها مواقف من الأغذية على مستوى التحريم والكراهة والاستحباب وتؤثّر كلُّ هذه المستويات في خلق نظام غذائي معيّ يتفاوت من مجتمع إلى آخر. أنتقل بسرعة إلى مداخلة الزميل العزيز الدكتور عبد الحميد، مظاهر التجديد في البحوث التاريخية في تونس. أخشى أن تكون جزءًا ممّا عرفناه في الشرق بشأن إعادة كتابة التاريخ مع كلّ تحوُّل دراماتيكي في السياسة؛ أي لا شعوريًا مع كلّ تحوُّل، تحاول الدولة أن تعيد كتابة التاريخ، لأنّ سمعت عبارةً لم أفهمها بما يكفي وهي القَطْعُ، فربّما لا شعوريًا تكون للدولة أو ربّما الأمر هو على العكس تمامًا. إبراهيم القادري بوتشيش: أعجبت بمداخلة الدكتور وجيه الكوثراني وأعجبت أيضًا بمداخلة السيد عبد الرحيم. لكن وبطبيعة الحال عندي ملاحظة. وهي أنّ ما غيّب في المداخلة هو ذلك الخيط الناظم بين اللحظات الثلاث التي ذكرتها، بل أكثر من ذلك لقد ذهبت إلى أنّ اللحظة الثالثة هي لحظة صدفة وقدّمت أمثلة على ذلك. أحسب أنّ هذه اللحظات الثلاث جرت أو تمّ تناولها أو تمّت كتابة التاريخ المحلّ المغربي في سياقٍ يتمحور عبر خطيّن متعارضين؛ الخطّ الأوّل وهو الذي يمثّل اللحظة الأولى هو الكتابة الأجنبية التي عالجت موضوع القبيلة ودافعت عن أطروحة التنازع بين المخزن والقبيلة، والصراع بين المخزن والزاوية، والتناقض بين الشرع والعُرْف؛ بمعنى أنّ هذا الخطّ حاول أن يكرّس مفهوم الانفصال ما بين الدولة والمجتمع. وهنا تبرز اللحظتان الثانية والثالثة بوصفهما طرحًا وطنيًا يحاول أن يبني هندسةً مجاليةً مغايرة للطرح الأول فيبني على أساس أنّ هناك مفهوم الاتصال؛ اتصال القبيلة بالدولة، واتصال الشرع بالعرف، إلى غير ذلك. لقد ناقض كلّ ما ذكرته المرحلة الأولى. هناك إذًا اتصال. ولكن نفهم هذا الاتصال في إطار هذا التعارض ما بين الاستعمار أو الفكر الاستعماري والفكر الوطني. بالنسبة إلى الأخ محمد حبيدة، وما ذكرته عن المغرب النباتي إلى غير ذلك - ونحن نعلم أنّ تاريخ المغرب هو تاريخ مجاعات وأوبئة وكوارث وأزمات - ألا يمثّل كسرًا لهذه الرتابة التي استخلص منها "بعض القوا ين"، وتحدثت حتّى عن نظرية ابن خلدون في هذا المجال. أمّا الأخ عبد الحميد فأهنِّئك على هذه المدرسة الجديدة الناشئة التي نتمنى لها حقيقةً التوفيق. لكن هناك طموحاتٌ لها سقف بطبيعة الحال - لأنني جرّبت هذه المسألة - هناك مشاريع، وهناك سقفٌ نحدّده. ولكن أحيانًا ما يلزمنا هو تغيير البنيات وتغيير الذهنيات، فهناك الفرد والمجتمع. فهل تغيَّ المجتمع؟ وهل تغيّت ذهنيته؟ وهل أدّى الانتقال مثلً من الثورة التونسية إلى تغيُّات يمكن أن نحقّق بها ما نريد؟ هل بإمكاننا الآن فعلً أن نسائل الذاكرة الوطنية بطريقة مغايرة للطريقة السابقة؟ ثمّ قضية العولمة أو عدم التفاعل مع العولمة. مع ذلك، أعتقد أنّه يجب أن نتفاعل لأنّ هذا التجديد إذا لم يكن باللغة الإنكليزية وهي لغةٌ فرضتها العولمة، كيف يمكن لهؤلاء الطلبة أن يدرسوا أو يغيروا في مناهج البحث التاريخي؟ محمد الطاهر المنصوري: سأحصر مداخلتي في سؤال الأستاذ محمد حبيدة، وأضمّ صوتي لما ذكره الأستاذ الكعبي؛ يجب أن يسمح لنا بفتح آفاق جديدة في البحث، لماذا نتناول هذه المواضيع في طرق أبعد وأوسع؟ أولً، لنا كتب الطبخ، لابن خلصون، وكتب الفلاحة إلى جانب المصادر التاريخية التقليدية، وكتب الحسبة؛ عندما نقرأ الشيرزي مثلً فهو يراقب في الأسواق، نعرف ما يطبخ السماكون والشواؤون وما إلى ذلك. وربما في هذا الإطار، أذكر حادثة شخصية حدثت لي: كنت قد نشرت مقالة حول استهلاك العرب الثلج في العصر الوسيط، وكانت في الأصل مداخلة في ندوة، وعندما انتهيت من تقديمها، قال لي أحد الأساتذة الأفاضل في الجامعة التونسية من أين أتيتنا بهذا؟ كيف كان العرب يستهلكون الثلج؟ كأنّ المقالة خيال وليس واقعًا. فأرسلت المقالة إلى مجلة "الغذاء والتاريخ" History and Food في فرنسا، وعرضتها على هيئة التحرير. وكان الرد: "نرسل لك تهاني هيئة التحرير، وعلى الرغم من أنّ المقالة لا تهمّ التاريخ الأوروبي، قررنا نشرها." نلاحظ أنّ هذه المواضيع جديدة على المؤرخ العربي. وعلى الرغم ممّا يمكن أن أسميه مظاهر التجديد، مازال المؤرخ العربي يلوك مواضيع
قديمة. مثلً عندما نقرأ ابن قتيبة "كتاب الأشربة والأطعمة" وما إلى ذلك، وهناك موضوع آخر إلى جانب الأغذية، هو اللباس. وهو موضوع مهم جدًا في هذا الإطار. عمار السمر: أشكر السادة المتدخلين. وأعقّب على ما قاله الزملاء بأنّ هذا المجال تجديدي في مجال الأغذية ودلالات ذلك. في المشرق يوجد مثل هذا؛ فالمصادر التاريخية حافلة بالمعلومات، وحتى الغربيون لم يكونوا مؤرخين بل كانوا رحالة، مثلً تاريخ حلب الطبيعي. وفي العصر العثماني تعجّ الوثائق والمحاكم الشرعية بهذه الأخبار. قال الدكتور المنصوري نحن في حاجة إلى هذه المواضيع، لا بد أنّها مواضيع جديدة. تمامًا، هناك حاجة إلى دراستها. ولكن نحن الآن أمّة تمرّ بمرحلة أزمة. أليس كذلك؟ وكما قال أحدهم، هذه الأوقات العصيبة هي فترة مهمة لظهور فلسفة جديدة في التاريخ. وأعتقد أنّ المؤرخين من أقدر الناس على الكتابة وتحليل الواقع. كيف وصلنا إلى هذا؟ وكيف نخرج منه؟ وأربط هذا بمداخلتي كيف نوصل رأي هؤلاء الذين هم أقدر على فهم الأزمة؟ وكيف وصلنا إلى الأزمة؟ وكيف نخرج منها؟ محاسن عبد الجليل: في الحقيقة لديّ ثلاثة تساؤلات. تحدّث الدكتور عبد الرحيم بنحادة عن ثلاث لحظات. وبحسب فهمي اللحظتان الأولى والثانية متزامنتان، أو بينهما تقاطع، ثم اللحظة الثالثة. لكن، على الرغم من أنّ الدكتور بنحادة تحدّث عن سمات مشتركة أو قواسم مشتركة، أرى أنّها تطورت خارج الأكاديمية وربما يعطي ذلك مناهج مستقلة، هل طورت هذه المدرسة مناهج مستقلة؟ وكيف كان تأثير المنهجي في اللحظة التي تلت؟ هل انصرفت تأخذ من اللحظة الأولى التي تلت والتي قدّمتها أولً؟ أم كان للمؤرخين الجماعة ومناهجهم تأثير في ما بعد الاستقلال؟ أمّا التساؤل الثاني فأطرحه على الدكتور هنية الذي تحدّث عن الفرد والفردانية. هل تقصد التاريخ من أسفل والاهتمام بمناهج الأنثروبولوجيا، والسوسيوسيكولوجي؟ أم منهجيًا قدّمتم جزءًا من ميكروستوريا للاهتمام بدراسات الفرد؟ أم التاريخ من الأسفل؟ هناك أيضًا حديث عن المركزية الأوروبية والمركزية الأميركية. وتحدّث الدكتور سامر عن الثقافة النسبية. أين موقع دراسات التابع في كل ذلك؟ ناصر الدين سعيدوني: أقول للأستاذ الفاضل الدكتور عبد الرحيم، في الحقيقة كان بحثًا مركّزًا وشاملً وأعطى صورة متكاملة. ماذا كان دور روبير مونتاني في قضية الظهير البربري؟ ربما جاك بيرك Berque Jaques وأبوه أوغستين بيرك Berque Augustin وهو المنظّر والمسؤول عن المكاتب الاستعمارية في الجزائر؛ ولخمس وعشرين سنة. وابنه جاك ولد في فرندا في الجزائر. وعدّ نفسه جزائريًا. لقد انزعجت منه، عندما كنت في تونس مع محمد الطالبي ورأيت تصرفات جاك بيرك رحمه الله. لكن الأبوية المطلقة، وهنا أقول قد تصح هذه الأفكار أساسًا على أوغستين بيرك، لأنّ أباه جاك بيرك في الواقع، له توجّه مشرقي فقد نوعًا ما. ولكن هل يمكن أن نعدّ المونوغرافيا التقليدية ردة فعل على النظرة الاستعمارية؟ أم أنّها كانت استمرارًا لتقاليد مغربية قديمة؟ أمّا الأستاذ حبيدة ففي بحثه نظرة جديدة منعشة للبحث التاريخي. لكن أتساءل وأقول لنا أدب الأطعمة والأشربة، ابتداء من العقد الفريد وغيره. بإمكاننا أيضًا أن نستخدم كتب الرحلات والتراجم والنوازل. أعود إلى مداخلة الزميل الدكتور عبد الحميد هنية، وأقول: في الواقع هناك تجديد في المدرسة التونسية، وشاركت مع الدكتور عبد الحميد هنية في فلورنسا وفي روما، عندما كنّا نعمل في مشروع الوقف. وفي تونس أيضًا، وكان هناك تجديد في الواقع. لكن، أرى أنّك تنطلق من طموحات، وأنا أنطلق من إحباطات. عندنا أرى سجونًا معرفية؛ فنحن في الجزائر في زنزانات معرفية، والسجن هو ألطف بكثير من الزنزانة كما تعرف. هنا نجد أنّ فكرة الأهلنة جميلة ومعبرة. وأعود إلى ما أثاره الدكتور إبراهيم. نحن في المغرب العربي نواجه سجنًا كبيرًا. هو سجن التصور الفرنكفوني. لماذا لا ننفتح كما المشارقة على الثقافة الأنجلو سكسونية بوصفها مطلبًا عالميًا. وهذا ما نلاحظه الآن فهذا الجانب عاجز، ويعاني عقدة داخلية مستعصية، أفهم هذه اللغة وأستعملها، ولكن لا أستطيع أن أتكلم هذه اللغة التي أصبحت عالمية. فنحن المغاربة في الجزائر وتونس والمغرب مع اكتسابنا البعد الفرنكفوني، وهو أساسي وجيّد، علينا كذلك أن نأخذ مقاربة لتجديد المعرفة، ولكن تجديد المعرفة أساسه تفعيل التاريخ المغاربي من خلال رؤية عالمية تستوعب المكاسب الفرنكوفونية والطموحات الأنجلو سكسونية.
وجيه كوثراني: في مداخلتي سؤالان؛ أحدهما للدكتور عبد الرحيم، حول المونوغرافيا؛ فمن خلال تجربتنا بوصفنا مدرسي تاريخ ومشرفين على رسائل ماجستير ودكتوراه، وبوصفي مسؤولً ومديرًا للإصدارات العلمية للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، زادت خبرتنا؛ فهناك مشكلة في هذه الدراسات المونوغرافية. وأنا أتعامل معها كمحظور. لأنّ هناك توجّهًا لهذه الدراسات نحو الدراسة الكمية الجزئية التي لا تقول شيئًا، تقدِّم لنا أرقامًا تقرأ هذه الأرقام، وبعض الخلاصات التي يصعب إعادة تركيبها في نص ذي معنى تاريخي فلسفي، بالطبع هناك مشكلة أخلاقية فلسفية معرفية. هل ننشر هذه المخطوطات؟ أم لا؟ بصراحة نعتذر عنها. وأضمّ صوتي لصوت الدكتور السمر فليست لها وظيفة علمية فكرية اجتماعية فلسفية. ومن مهمات المركز إبراز الدور في مشروع النهوض العربي. فهذه الدراسات المونوغرافية تعاني مشكلة؛ مشكلة معرفية تتمثّل بأنّها جزئية جدًا، وليس لها وظيفة فلسفية فكرية اجتماعية في المجتمع. ويذكّرني هذا بسوء استخدام منهج المونوغرافيا. بعد بروديل الذي استخدم هذا المنهج؛ فكلّ كتابه قائم على مونوغرافيات ودراسات كمية، وهذه مشكلة منهجية فعلً تحدّت الجامعات الفرنسية. وقيل بعد بروديل إنّه قام بإعجاز، بأطروحة دكتوراه الدولة. فأصبح من الصعب على الطلاب ما بعد بروديل إنجاز أطروحات مثله. فكيف يمكن الدمج بين الدراسات المونوغرافية الجزئية التي يتحمس لها الدكتور عبد الحميد هنية في مركز دراسات مغاربية، لكن لم تصل هذه الدراسات الجزئية لتقوم بدورها النهضوي الذي تطمح إليه هدفًا كبيرًا. ستنشر لكن في حدود مئة إلى مئتَي قارئ. وهذه مشكلة فعلية كيف يمكن حلّها؟ كيف ننطلق من الدراسات المونوغرافية، إلى أن تصبح هذه الدراسات تركيبية. أمّا مداخلة محمد حبيدة المهمة جدًا والمثيرة للاهتمام، فهناك جدل وأخذ وعطاء بينها وبين البيولوجيا. تطرح هذه الدراسات التاريخية حول الغذاء أيضًا محاذيرَ مثل هذه الدراسات؛ لأنّ النظريات البيولوجية تتغير، ولا أدري إذا كانت تتغير بفعل دراسات تاريخية، بخاصة في الولايات المتحدة الأميركية، يقومون بدراسة مرحلة تاريخية معينة كان الغذاء السائد فيها نباتيًا، فيستنتجون بيولوجيًا أنّ الغذاء النباتي أفضل لجسم الإنسان. هناك دراسات تتابع هذه المواضيع. وهناك دراسات الآن في الولايات المتحدة ترى أنّ المرحلة التأسيسية للمرحلة البيولوجية للجسم هي مرحلة لحمية وليست المرحلة النباتية، فليس لها علاقة بالكوليسترول، وليس لها علاقة بالذبحة القلبية؛ فالذبحة القلبية هي نتاج أكسدة الخلايا، ويوجد عوامل كثيرة لذلك تؤدي إلى سرطان أو ذبحة قلبية. وأكسدة الخلايا لها عوامل معقدة، ليس سببها تناول اللحوم بالضرورة. طبعًا إلى جانب أكل النبات. فالدراسات التاريخية التي يعتمد عليها ضمنًا من النظريات البيولوجية، خطيرة جدًا؛ ففي مرحلة يقولون يجب أكل النبات وفي مرحلة أخرى يقولون يجب أكل اللحوم. عبد الرحيم بنحادة: أبدأ من سؤالك عن الخوض في الجزئيات؛ بالنسبة إلى الكتابات المونوغرافية المغربية أخذت في الحسبان الجزئيات والإغراق فيها؛ فربطُ ما هو محلي بما هو وطني، وما هو إقليمي. أقدّم مثالين على ذلك: لا أريد أن أتكلم عن أحمد التوفيق، فالكلّ يتكلم عنه. ولكن أريد أن أتكلم عن أطروحة العربي مزين، وأطروحة أحمد بوشارب. فأطروحة العربي مزين تناولت منطقة في الجنوب الشرقي المغربي، هي منطقة تافيلات. ولكن عندما كان يدرس هذه المنطقة، كان يأخذ في الحسبان التطورات الحاصلة، على مستوى الوطن ككلّ. وكان يربط مثلًالأزمة التي عرفتها منطقة الجنوب الشرقي المغربي بالوجود البرتغالي في أكادير في القرن السادس عشر وكيف أثّر هذا الوجود البرتغالي في منطقة نائية. بالنسبة إلى أحمد التوفيق عندما كان يدرس اينولتان كان يستحضر الاستعمار الأوروبي، وحرب تطوان، وما ترتّب عنها سنة 1860. بل كان يدرس هذا المجال مع ما هو وطني. بالنسبة إلى أحمد بوشارب نجده لا يكتفي بدراسة هذه المنطقة الصغيرة على المحيط الأطلسي زمن الاحتلال البرتغالي، بل يدرسها في إطار تاريخ الإمبراطورية البرتغالية، وفي إطار التوسع الاستعماري البرتغالي. وهذا الهاجس، أي هاجس الربط بين المحلي والإقليمي، كان ملازمًا لكل الأعمال التي أنجزت في مجال التاريخ المحلي. في ما يتعلق بروبير مونتاني، وعلاقته بالظهير البربري، أظن أنّ الظهير البربري جاء في إطار مسلسل، بدأ بدراسات عن القبائل والأعراف والإسلام والزوايا، في المغرب. وصادف أن صدر كتاب روبير مونتاني مع صدور الظهير البربري. ولم يكن روبير مونتاني سوى
حلقة في هذه المسلسل. لقد استثمرت إدارة الحماية الفرنسية دراسات ميدانية وبحوثًا سابقة عن روبير مونتاني، أمّا عن جاك بيرك فهو كما قلت أكثر من جاك بيرك واحد، هناك جاك بيرك الأول الذي كان مراقبًا مدنيًا، وهناك جاك بيرك الباحث، وهناك جاك بيرك المستشرق والمعجب بالشرق. وعندما نستعرض كتابات جاك بيرك من البداية إلى النهاية، نقول إنّ هذا تحوّل ظاهر في كتاباته. التاريخ المحلي أو التاريخ المحلي الذي أنجزه من أسميتهم بالمؤرخين الجماعة كان ردة فعل على الاستعمار وردة فعل على الظهير البربري، فكانت القضية قضية هوية، وتأكيد الثقافة المغربية، والإنسان المغربي، والدولة المغربية. ولكن في الوقت نفسه كان يظهر هذا في مقدمات كتب هؤلاء المؤرخين الجماعة. كان هؤلاء يستشعرون كتابة التاريخ الوطني، ويرون أنّ كتابة التواريخ المحلية، خطوة في كتابة التاريخ الوطني الشامل، ويظهر في كتاب سوس العالمة الذي وضعه المختار السوسي، وهو كتاب يعدّ بمنزلة مقدمة لمؤلفه الجامع المعسول. لم يكن بوسعي، الربط بين الملاحظات الثلاث. بالتأكيد هناك ترابط قويّ، ونظرًا لضيق الوقت لم أوضح ذلك بما يكفي. محمد حبيدة: يسرنّي هذا التفاعل الجميل. عندي ثلاث إجابات وتساؤلات تتقاطع فيما بينها. الدكتور نصير، والدكتور القادري. القضية فعلً هناك محرمات. وهذه المسائل واردة في الدراسة. ثم إنّ المجاعات تكسر القاعدة في هذه المسألة. ويمكن مقاربة هذه المسألة ممّا قاله كلود ليفي شتراوس Strauss - Lévi Claude. والمدخل جميل جدًا لدراسة هذا الموضوع من كتاب أصل آداب المائدة. يقول إنّ المائدة والطعام هي مكان ومرآة تعكس تناقضات المجتمع. وعند المجاعات يصبح المغاربة لاحمين. ولحم الخنزير محظور أصلً. ولفهم هذه القضية لا بدّ من الرجوع إلى مصادر لا لبس فيها. المسألة الثانية التي ذكرها السيد الطاهر المنصوري بخصوص كتب الطبخ، وكتب الفلاحة؛ فالملاحظة الأساسية هي أنّ كتب الطبخ تلقي الضوء على طعام علية القوم والأعيان وخاصة الخاصة، بينما النتف التي نتصيدها من هنا وهناك هي التي تمكّننا من فهم طعام العامة، والشرائح العريضة للناس. عبد الرحيم بنحادة: كتب الطبخ هي كتب لحمية بامتياز؛ فكلّ الوصفات هي وصفات لحمية. محمد حبيدة: ولكنّها تلقي على جانب بسيط وجزئي من واقع المجتمع. لأنّ الأساسي ما يقوله بروديل "هذا شيء آخر"، ولكن، صحيح المجتمع فيه العامة وفيه الخاصة. أمّا القضية الأخيرة، كما يطرحها الأستاذ وجيه فالسؤال وجيه فعلً. في الواقع لا أقدّم وصفًا في هذا البحث، وإنّما محاولة لتقديم معاينة وتفسير. ولكن كما ذكرت هي مهمة. فالبيولوجي في نهاية المطاف لا ينصح المرء بأن يقتصر على النبات، أو يأكل اللحم فقط. تتعلق المسألة بجسم الإنسان الذي هو مثلٌ أعلى. إذا كان المرء يتحرك في حياته اليومية ويحرق ما يستهلكه، فله أن يأكل ما يشاء. ولكن إذا كان لا يتحرك كثيرًا، فمن مصلحته أن يبتعد عن اللحوم. هذه هي القاعدة الأساسية التي يركّز عليها البيولوجيون. وجيه كوثراني: أقترح فصل علم البيولوجيا عن علم التاريخ، حتى لا يكون هناك تأثيرات سلبية في الطرفين. ولكن لا أدعو إلى وقف الدراسات الأنثروبولوجية على الغذاء. ولكن، يتعلق التحذير باستخدام معلومات تاريخية جزئية، لصحة الناس. عبد الحميد هنية: سأحاول أن أجيب عن بعض الأسئلة المطروحة؛ هناك سؤال طرحه الدكتور الطاهر بن يحيى حول ما إذا كان التاريخ خطابًا أيديولوجيًا. أقول إنّ المؤرخ مهما كان هو إنسان، وهو رجل يمكن أن ينعت بالأحول، لديه عين تنظر إلى الحاضر والأخرى تنظر إلى الماضي. فهو دائمًا يقرأ الماضي متأثرًا بحاضره، وبذاتيته. لكن هنا تظهر حرفية المؤرخ؛ فكلّما كانت حرفيّته عالية، استطاع أن يجعل تأثير الذات ضعيفًا، فيكون التاريخ الذي يكتبه قريبًا من الواقع لا أكثر، أي ليس الواقع بعينه. لذلك يمكن القول إنّ المؤرخ لا يستطيع أن يكون موضوعيًا بصورة كلية، ولا أعتقد أنّه من الممكن القول إنّ هناك موضوعية مطلقة في العلوم الإنسانية والاجتماعية. بالنسبة إلى الدكتور أحمد أبو الشوك، أوافق تمامًا التدقيق الذي ذكره بشأن "تاريخ العالمية". لكن الذي أردت التركيز عليه هو أن الكتابات التي تخص سورية مثلً والقائمة على المركزية الأميركية أو المركزية الأوروبية تخضع دائمًا إلى أجندات خاصة بهذه المناطق. وعندما
يشير إلى "الإحاطة المعلوماتية"، فإنّ الكتابات الأميركية والأوروبية لا توضع أساسًا لفهم المجتمع المعني بالدراسة بقدر ما توضع من أجل خطط سياسية. لهذا أقول إنّ هذه الدراسات القائمة على المركزية الأميركية أو المركزية الأوروبية تمنعنا في معظمها من أن نفهم مجتمعاتنا. ولكن لا أدعو إلى التخلّ كليًا عن هذه الدراسات، فهي موجودة لنقرأها وننقدها ونعيد تفكيكها، ونستفيد منها. لكن لا ننطلق منها ولا نجعلها مسيطرة علينا في فهم واقعنا. لكي نفهم واقعنا، ننطلق دائمًا من الداخل ومن التصنيفات المحلية، وممّا يصدر عن الفاعلين المحليين. في ما يتعلق بسؤال الدكتور أحمد أبو الشوك بشأن حقيقة الاهتمام بالفرد وبالفردانية. فهو مبحث جديد، من شأنه أن يفتح آفاقًا بحثية أخرى، علاوة على كونه مبحثًا مرتبطًا بالطلب الاجتماعي في الوقت الراهن، وذلك لفهم فعل الأفراد في الواقع السياسي والاجتماعي. والاهتمام بموضوع الفرد وتاريخ الفردانية في وقتنا الحاضر نابع من إرادة التخلي عن النظرة الإجمالية والقصرية التي كانت تفرضها الطغمة الماركسية والبنيوية. وعوض أن نقول إنّ "الإنسان هو إفراز للمجتمع" الأفضل أن نفهم المجتمع انطلاقًا من الفرد والفاعل الاجتماعي. ثم إنّ العامل الآخر الذي جعل الباحثين بصورة عامة يعتنون بالفرد والفاعل الاجتماعي هو بلوغ العولمة إلى درجة قصوى بخاصة بداية من الثمانينيات في القرن العشرين. ذكرت الدكتورة محاسن عندما تحدثت عن الميكروستوريا، والتاريخ من أسفل... إلخ. نعم هذا المنهج الذي ننعته ب "الأهلنة"، يستفيد من كلّ التجارب التي سبقته؛ من ذلك تجربة الميكروستوريا الإيطالية، ونقد الاستشراق لإدوارد سعيد، وما قدّمه كليفورد غيرتز من تأكيد ضرورة إعطاء الأولوية والانطلاق من نظرة الأهالي، بخاصة عندما يقول إنّ الباحث يجب أن يوجّه نظره انطلاقًا من كتف الفاعل، ل يك يرى كما يرى الفاعل، وحتى لا يفرض على الفاعل الذي يدرسه رؤية تأتي من الخارج. لقد وظّفنا كلّ هذه المناهج حتى نتخلص من الإثنومركزية مهما كان مصدرها. فالإثنومركزية ليست بال رضورة أوروبية أو أميركية فقط. أحيانًا هناك إثنومركزية داخلية عند العرب أنفسهم. وفي بلد واحد نجد إثنومركزية حضرية مدينية ضد الأرياف. وفي داخل العالم الأوروبي نجد إثنومركزية في بلد معينّ تكون موجهة ضد بلد أوروبي آخر. والأمثلة على ذلك متعددة. أمّا تخوّف الدكتور نصير الكعبي فلا أساس له. فالقطع الذي أتحدث عنه يتعلق بالخروج من سجن الدولة وذاكرتها. بحيث أصبح المؤرخ يدرس الدولة بوصفها ظاهرة اجتماعية وموضوعًا مستقلً بذاته لا كما كان سابقًا يتناولها وكأنّه عنصر فاعل فيها. في خصوص ملاحظة الدكتور إبراهيم القادري بوتشيش، أشاطره الرأي، بخاصة عندما يتحدث عن السقف بالنسبة إلى الطموحات. نعم للتغيير حدود وشروط يجب أن تتحقق أولً حتى يحصل التحوّل. مثال ذلك عندما ننشر أعمالنا ولا نجد كيف نوزعها (وهي المشكلة التي أثارها أيضًا الدكتور وجيه كوثراني)، ذلك أنّ التوزيع في تونس ضعيف. لذا عملنا على نشر أعمالنا مع زملائنا في المغرب الأقصى وفي الجزائر، وذلك حتى نتجاوز ولو جزئيًا معضلة النشر. وفي خصوص النقلة التي أمّنتها الثورة التونسية في ما أنجزنا يمكن أن أسوق الحالة التالية. كنّا نقدنا في بحوثنا الإثنومركزية الأوروبية لأنّها تمنعنا من أن نفهم تاريخنا؛ ففي فرنسا مثلً نجد صدّا كبيرًا من بعض الزملاء الذين نتعامل معهم هناك، بخاصة عندما نتحدث عن وجود حادثة مبكرة في العالم العربي بصورة عامة وفي البلاد التونسية بصورة أخص. نريد أن نؤكد بذلك أنّ الحداثة ليست أوروبية المنشأ، وأن هنالك حداثة أو حداثات أخرى من نوع آخر تنشأ في العالم غير الأوروبي، وأنّ إمكانية التغيير والإبداع واردة في العالم غير الأوروبي. وذلك خلافًا لما ذهبت إليه الدراسات القائمة على الإثنومركزية الأوروبية والتي لا ترى حراكًا في العالم إلّ ويكون بالضرورة مصدره أوروبا. عندما اندلعت الثورة التونسية وبينت كيف أنّ التغيير يمكن أن ينطلق من داخل العالم العربي، أقول إنّ الربيع العربي في تونس أسعفنا وبيّ أن الحراك يمكن أن يحصل أيضًا في داخل العالم العربي، وأنّ مصدر الحراك ليس بالضرورة الخارج (أي أوروبا). وزملائي في فرنسا اللذين كانوا يرون عكس ذلك إلى حد الثورة التونسية، غيّوا رأيهم، وأصبحوا يقبلون بفكرة الحراك والتغيير في العالم غير الأوروبي. لهذا يمكن القول انطلاقًا ممّا سبق إنّ الثورة التونسية أوجدت منعرجًا إبستمولوجيًا (أي معرفيًا.)
الجلسة الثالثة: تاريخ المهمّشني
(رئيس الجلسة: عبد الرحيم بنحادة)
نواصل أعمال هذه الندوة المهمة، ومحور هذه الجلسة هو المجالات المهمشة في الكتابة التاريخية العربية. فما هي هذه المجالات؟ وكيف تمّت مقاربتها في الكتابات العربية؟ وما هي المشكلات المنهجية التي تواجه الباحث/ المؤرخ في تناول هذه المواضيع؟ لعل هذه الأسئلة هي التي شغلت محمد الطاهر المنصوري وإبراهيم القادري بوتشيش ونجلاء مكاوي، ولعلنا سنستمع منهم إلى إجابات عنها في مداخلاتهم.
محمد الطاهر المنصوري Mohamad Tahar Al Mansuri |
المجالات "المهملة" يف الكتابة التاريخية العربية
تشكو الكتابة التاريخية في العالم العربي من عدة نقائص متفاوتة من جهة إلى أخرى، وتشمل هذه النقائص المناهج والمواضيع. تطورت الكتابة التاريخية في الغرب قبل الحوليات ومعها، وشملت التطورات التاريخ الغربي وغير الغربي في الجامعات الغربية من حيث المنهج والمواضيع. ولعل أبرز التطورات جاءت مع مدرسة الحوليات التي ترى أنّ التاريخ شمولي. فهو تاريخ شمولي بمواضيعه وبمصادره وبمناهجه. فليست هناك مواضيع محرّمة، أو مواضيع "خسيسة" تعتني بالهوامش، على عكس المواضيع "النفيسة" التي تعتني بعلية القوم وصفوة الناس وتعالج الحوادث الإيجابية التي تتبناها المجتمعات وتصطفيها الذاكرات. كما هو تاريخ شمولي بمصادره، إذ لا يوجد مصدر قابل للاستغلال، وآخر لا قيمة له. وهو شمولي بمناهجه، فالتاريخ يجب أن يكون منفتحًا على مختلف العلوم لدراسة الظواهر التاريخية على اختلاف أنواعها. وليس الاعتماد على المناهج الغربية استتباعًا للغرب، وإنّما هو السعي للاستفادة من المناهج الحديثة التي برهنت على جدواها وأهميتها في دراسة تاريخ الغرب، وسمحت للمؤرخ الغربي بتوسيع أفق البحث التاريخي من حيث المناهج والمواضيع. إنّ الموقف الرافض للمناهج الغربية، والمتستر بمشاعر دينية وقومية، يعبّ عن عدم اطلاع وعدم إدراك لقيمة المناهج، وهو يسقط في أغلب الأحيان فيما سميته في مقدمة ترجمة كتاب التاريخ الجديد بعمليةتبييض التاريخ.
فمن هذا المنطلق، تبدو الكتابة التاريخية متفاوتة بين جهات العالم العربي، بحسب التأثيرات الغربية، وبحسب ثقل العادات والتقاليد والمعتقدات، حتى أنّ هناك جملة من المواضيع تبدو "متروكة" أو "مهملة" عن قصد أو عن غير قصد. ويمكن أن نقسّم المجالات البحثية التي علينا أن نخوض فيها حتى نحولها إلى إطار فكري إضافي لما هو موجود، إلى ثلاثة مجالات:
أولً: المجال الاجتمعي
يمكن أن نسلّط الضوء على عديد الشرائح الاجتماعية التي يلفها الحاضر بالصمت، ويسكت عنها الماضي، ولا تذكرها المصادر إل بصفة عرضية مثل: الهامشيين على اختلاف أنواعهم مثل الرعاة وقطاع الطرق والبغايا والمتسولين وعمال الموانئ والنساء... توفر المصادر معلومات ضنينة، ولكنها تسمح بالبحث وبتركيب صورة عن المجتمع من خلال دراسة هوامشه. كما يبقى موضوع الأقليات على اختلاف أنواعها مجالً للبحث الجدي مثل مسألة السود في التاريخ العربي الإسلامي (ذلك أنّه باستثناء دراسة برنار لويس Lewis Bernard حول العرق واللون في الحضارة الإسلامية، فإنّه لا توجد دراسات جادة في الموضوع)، ومسألة العبودية وتجارة العبيد. إضافة إلى ذلك يبقى موضوع أهل الذمة من المواضيع التي أسالت كثيرًا من الحبر، ولكنها تميزت بتناظر في المواقف. فالدراسات الاستشراقية (ستيلمان، وبيرلمان Perelman، وبات يور or ' Ye Bat، وبرنارد لويس وغيرهم) تبحث عن الجوانب السلبية في تاريخ أهل الذمة في علاقتهم بالمجتمعات الإسلامية؛ أمّا الدراسات العربية فتسعى إلى تبييض وضع أهل الذمّة، وتقديم الجوانب الإيجابية في هذه العلاقة. فلمَ لا ننظر إلى المسألة على نار هادئة، ونبرز الجوانب الإيجابية والجوانب السلبية في هذه العلاقة، بأقلام عربية، أو كما يقال كتابة التاريخ من الداخل من دون الخوف من النعت بالاستشراق أو التكفير؟ أمّا مسألة الجنس في التاريخ العربي الإسلامي والهوس الجنسي الذي نراه في التراث الإسلامي، فيكفي بأن نقرأ كتابات النفزاوي والتيجاني والتيفاشي والسيوطي، والتي نشرت عدة مرات، وترجمت إلى لغات مختلفة، لنرى العناية التي أولاها البعض من الكتاب في العصر الوسيط لهذا الموضوع، وقد عبّ عنها جمال جمعة بالأيروتيكا العربية. فهذا الموضوع الاجتماعي يبقى من المواضيع التي يصعب ولوجها بلا خوف، فهي لا تختلف عن المقدّسات. أضف إلى ذلك أنّه يمكن مراجعة تواريخ حركات التحرر وعلاقة الشعوب بالاستعمار. وهي من المواضيع الحساسة التي قد تكشف عن علاقات وسلوكات مخالفة لما هو مألوف في التاريخ الرسمي. وكما يقول مالك بن نبي "لا يمكن أن يكون هناك استعمار، إذا لم تكن هناك قابلية للاستعمار." كما يمكن النظر في كتب الطبقات، لا فحسب من حيث هي مصادر لمعرفة النخب الاجتماعية والعلمية وغيرها، وإنّما أيضًا لدراسة الحياة اليومية للناس من خلال تلك المعلومات العرضية المنبثة في عرض الحديث عن النخب، والتي يمكن أن نتسقط منها أخبار المجتمع، ليس من خلال نخبه وإنّما من خلال علاقة هذه النخب ببقية عناصر المجتمع. فقد سبق لي أن تناولت علاقة العلماء بالملكية العقارية في إفريقية، ومن خلال ذلك استطعت أن أكشف عن صورة أخرى للعلماء في تعاملهم مع "غلمانهم" و"عبيدهم" مثل سحنون في القيروان وغيره.
يمكن أيضًا في هذا المجال طرق مواضيع تتعلق بالأكل واللباس والأفراح، أو ما يسمى بمحطات العبور مثل الزواج والولادة والموت... مع أنّ هذه المواضيع قد تناولها بصورة محتشمة المؤرخون العرب (حبيدة، وبوتشيش، والمنصوري...). وتكشف هذه المواضيع عن الأوضاع الاقتصادية، وعن شبكات العلاقات الاجتماعية وتكوينها، أحيانًا، ما يسميه ابن خلدون العصبية. وتكشف عن قضايا ذهنية مثل الحلال والحرام أو الموانع التي قد تعترض الناس في حياتهم بسبب المحرمات الغذائية أو غيرها. وتتعدد المجالات الاجتماعية التي تحتاج إلى حرفة المؤرخ، وهي تلك المسائل التي تتعلق بالكوارث وكيفية فهمها الناس (انحباس الأمطار أو الجوائح الأخرى مثل الجراد وغيره) وهو ما يحيلنا على تاريخ الذهنيات، وهو من الحقول التي لا تزال بكرًا في تاريخنا العربي، ولكنّها تحتاج إلى التسلح بعدة علوم رديفة مثل علم النفس والأنثروبولوجيا التاريخية. وهي من الحقول التي لا يتفطن إليها المؤرخون الكلاسيكيون، بل ربما يرونها من المواضيع التي لا علاقة لها بالتاريخ. وكثيرًا ما نسمع أنّ المؤرخ لا يمكن أن يكون عالمًا بغير التاريخ، والحال أنّ الأمر لا يقتضي من المؤرخ تخصصًا آخر، وإنّما يمكنه اعتماد مناهج العلوم الأخرى وأساليبها ونتائجها، والاستعانة بها لتفسير الظواهر التاريخية موضوع بحثه. يظل المؤرخ مؤرخًا وإن امتدت يده إلى علوم تبدو بعيدة عن التاريخ. لنطمئن حول مسار التاريخ ومصير المؤرخ.
ثانيًا: تاريخ الآخر
إنّ عزل التاريخ العربي عن تاريخ الأمم الأخرى، ودراسته كما لو أنه تاريخ نقي وله خصوصيته، هي من المبررات الواهية. فليس هناك تاريخ نقي، وليس هناك تاريخ خاص بأمّة من دون تفاعل مع الأمم الأخرى المجاورة القريبة والبعيدة. والتاريخ العربي أكثر التواريخ كثافة من هذه الناحية. فهو تاريخ مبني على إرث قديم، إذ لا أحد ينكر دور الشعوب المغلوبة في صناعة التاريخ العربي، بل ربما في إعطائه وجهه الزاهي الذي يفاخر به الكثيرون. فالتاريخ العربي يجب أن يكتب أيضًا في سياق التاريخ العالمي، من خلال دراسة الآخر. إن التاريخ البيزنطي مثلً يكاد أن يكون مغيّبًا في الجامعات العربية، إلّ ما قلّ وندر. فهل لذلك علاقة بالتاريخ الإسلامي وهو تاريخ مبني على مشروع ديني شأنه في ذلك شأن التاريخ المسيحي البيزنطي؟ وهل تؤدي دراسة التاريخ البيزنطي إلى تنسيب الدور الحضاري للعرب (المؤسسات، والأنظمة، والضرائب، والنقود)؟ لقد بنيت الحضارة العربية بالتراكم، ولا يمكن أن نفهم ذلك البناء إلا بدراسة تاريخ الشعوب المغلوبة أو التي تنتمي إلى دار الحرب. لا تزال كثير من المواضيع في هذا المجال تصطبغ بحساسية مفرطة، فمثلً إلى أي حد تعدّ الفتوحات العربية صورة من صور الاستعمار المشرعن بالدين؟ وإلى أي حد كانت مواقف الشعوب التي خضعت للعرب مواقف قبول وإذعان أو هي مواقف المغلوب أمام الغالب؟ وما هو أثر الحضارات السابقة للإسلام في المجالات المفتوحة في تعدد الثقافة الإسلامية، بل في تعدد الإسلام ذاته، إذ لا يوجد تصور واحد عبر العالم الإسلامي للدين وطقوسه؟ ويمكن أن نسحب ذلك أيضًا على ما يعرف بالحروب الصليبية، فهي حروب استعمارية جرى تبريرها بالدين، وهو ما يجعل الكثير المؤرخين يعدّون ما يعرف بالحروب الصليبية حروبًا دينية. هذه مجرد عيّنات يمكن النسج على منوالها لتعميق معرفتنا بتاريخنا من دون عواطف، ومن دون اطمئنان إلى ما هو مكتوب. ونذكّر بمجال آخر لا نزال نتجاهله، وهو الأرشيفات الغربية خاصة بالنسبة إلى فترة العصر الوسيط. وهي أرشيفات تعج بالوثائق الرسمية من معاهدات، ومراسلات، وكذلك وثائق خاصة تشمل عقود البيع والشراء والشركة والاقتراض. وهي وثائق لا تقل قيمة عن وثائق الجنيزة التي درسها شلومو قويتاين Goitein Dov Shelomo . وهو مجال يتطلب الانفتاح على اللغات الأخرى، مثل اللاتينية
خاصة. وتوجد في الأرشيفات الإيطالية والإسبانية أساسًا آلاف الوثائق، نشر منها القليل، ولا يزال الكثير منها في حاجة إلى استكشاف واستقراء، لعل ذلك يسلّط الضوء على بعض الجوانب من تاريخنا المجهول.
ثالثًا: المقدس
يبقى مجال المقدّس من المجالات المغلقة أمام المؤرخين العرب، نظرًا لعلاقة الموضوع بوجدان الناس وأحاسيسهم الدينية، والخلط الواضح بين الإسلام والتاريخ الإسلامي. فإذا كان الإسلام دينًا يعتمد على كتاب مقدّس وعلى جملة من العناصر التي يؤمن بها المسلم، فالتاريخ الإسلامي هو عمل بشري فيه تطابق مع النصوص الدينية، وفيه تنافر معها. فعندما يتناول المؤرخ موضوعًا يهمّ التاريخ الإسلامي، ويعتني بشخوصه من الرسول إلى الصحابة وغيرهم، فإنّ ذلك لا يمس المعتقدات، وإنّما يبحث في تاريخ الدولة وتاريخ المجتمع. ويسمح ذلك بالتفريق بين إسلام النص وإسلام التاريخ، إذ ليس هناك ما يمنع من قراءة تاريخية نقدية لأعمال عمر بن الخطاب مثلً، أو لأعمال الصحابة، أو الخلفاء على اختلافهم. لقد كُتبت العديد من الدراسات عن الرسول وعلاقته بمحيطه بدءًا بنسائه. وهي دراسات ذات بعد منقبي لا تاريخي. في حين أنه أمر يستحق الدراسة من دون قداسة، كما يمكن النظر في مسألة الردة وإعادة النظر في تفسيرها، فهل هي فعلً حركة ارتداد عن الدين؟ كما أنّ المقدّس يشمل النصوص ذاتها، إذ يبدو أنّ استعمال القرآن والحديث مصادر تاريخية أمر لا يستسيغه كثير من المؤرخين، والحال أنها نصوص لها تاريخيتها، ويمكن إخضاعها إلى قراءات نقدية لا تمس جوهر المعتقدات. إنّ المواضيع الاجتماعية "المهملة" أو "المتروكة" من الباحثين العرب عديدة ومتنوعة. ولكنها تلقى معارضة أولى من ذوي القرار في الجامعة، وأغلب من يقفون ضد تجديد البحث بالمواضيع وبالإشكاليات وبالمناهج هم من تغلب عليهم النزعة الكلاسيكية أو المحافظة التي لا تواكب المناهج الحديثة. وتجد معارضة ثانية من بعض شرائح المجتمع، وقد تؤدي إلى عواقب وخيمة (في بعض الأحيان تعرض بعض الأطروحات على شيوخ الأزهر لإجازة مناقشتها أو رفضها). ويكون ذلك معوِّقًا أمام الباحثين الشبان للتسجيل في مثل هذه المواضيع بحجة ندرة المصادر، أو بحجة الابتعاد عن مجال التاريخ (يفهم التاريخ هنا على أساس التاريخ الوقائعي السياسي). وهو ما يجعل البحوث التاريخية يكرر بعضها بعضًا، ويقل فيها الإبداع والتجديد. ختامًا هذه بعض الجوانب التي ارتأيت أن أطرحها، وهي ليست سوى عيّنات لا تغطي كل ما هو متروك أو مهمل، ولعلها تثير النقاش وتساعد على بلورة نظرة جديدة إلى تاريخنا.
إبراهيم القادري بوتشيش Brahim Elkadiri Boutchich |
تغيّ مجالات اهتممات المؤرخ لقراءة التاريخ من الأسفل: تاريخ المهمّشني نموذجًا
لا يزال تاريخ المهمّشين يطرح تساؤلات متشابكة ومعقدة في مجال الدراسات التاريخية العربية، ويشكل منطقة بحثية ملتبسة، تستدعي وضع خارطة طريق، وعلامات إرشادية بغية تيسير مهمة الباحث في هذا الحقل الشائك. وسنقتصر في هذه الورقة على سؤالين نعتبرهما أساسيين للمساهمة في كتابة تاريخ المهمّشين، ونطرحهما على الشكل التالي: ما هي المجالات التي تشكّل مركز اهتمام مؤرخ المهمّشين، والتي يتحوّل بمقتضاها من نهج المسالك المألوفة في كتابة تاريخ النخبة، إلى مسالك ودروب غير مألوفة عند قراءة التاريخ من الأسفل؟ وما هو التغيّ الذي يطرأ على أرشيفه الوثائقي والمصدري عند تناول تاريخ الهامش والمهمّش؟
أولً: قراءة التاريخ من الأسفل وتغيير مجالات البحث المألوفة
قبل سبر غور المجالات التي تتغيّ في سلّم اهتمامات مؤرخ المهمّشين، نستعرض في عجالة مسألة الاهتمام الكوني بقراءة التاريخ من الأسفل. ففي أوروبا بدأ استعمال تعبير "التاريخ من الأسفل" bas - en ' d vue histoire ' L منذ الخمسينيات من القرن الماضي، حيث وظفه المؤرخ الفرنسي ألبرت سوبول Soboul Albert وغيره من المؤرخين الذين اهتموا بتاريخ المهمّشين marginaux Les في الثورة الفرنسية. كما تناولته مدرسة "الحوليات" في سياق التاريخ الاجتماعي ابتداءً من أعمال إرنست لابروس Labrousse Ernest، ثم الجيل الثاني الذي خلفه. أما في الولايات المتحدة، فإنّ اكتساح السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا الثقافية لمجالات المعرفة من جهة، وتأثير اليسار الجديد من جهة أخرى، زاد من تسريع وتيرة الاهتمام بتاريخ المهمّشين. وفي شبه القارة الهندية، ظهرت القراءة القاعدية للتاريخ في سياق دراسة المجالات الاجتماعية الهامشية Studies Subalternes التي حدثت كرد فعل ضد الكتابات الاستعمارية، قبل أن تتطور إلى ما يعرف اليوم بالدراسات الثقافية والدراسات ما بعد الكولونيالية. ولم يخل التراث العربي كذلك من نبشٍ في تاريخ المهمّشين، وإن كان ذلك قد تمّ تداوله في سياق كتابات أدبية تشكّل اليوم نصوصًا ومتونًا مهمة لإماطة اللثام عن هذه الفئة التي لم ينصفها المؤرخون، ولا غرو فقد خُصصت كتب ورسائل وظفت السخرية كآلية لرسم واقع المهمّشين، مما يكشف عن رصيد نصّ مهمّ لكتابة تاريخ هذه الفئة العريضة من المجتمع العربي في التاريخ الإسلامي.
إنّ الاهتمام بالمنسيين في التاريخ يستدعي تجديد الدروب التي كان يسلكها المؤرخ النخبوي، وهو ما يمكن حصره في مجموعة من التغيرات والانتقالات التي يقوم بها في المجالات التالية:
تحوّل الاهتمم من الفرد إلى الجمعة
على عكس التاريخ النخبوي الذي يرتكز على دراسة الفرد والنخب، ويؤسس لمفهوم التاريخ المنطلق من الذات السلطانية، ويحدّد النظم القيمية التي تجعل من جسد السلطان ونظام حكمه محور الكتابة التاريخية، يتحوّل مركز اهتمام مؤرخ المهمّشين نحو الجماعات، أو "تاريخ كل الناس"، ليغدو محاورًا للعقل الجمعي، ومنقّبًا في السيكولوجيات الجماعية. ومن ثمّ، فإنّ تاريخ الهامشيين لا يتأتى إلا بوضعهم في دائرة الذات الجماعية، التي ترقى بالكتابة التاريخية، وتصوغها في صيغة الجمع وليس صيغة المفرد، وتنتقل من الخاص إلى العام، ومن الاستثنائي والعرضي إلى المنتظم والثابت.
تحوّل على مستوى خارطة الأشخاص
في سياق التاريخ الهامشي، يتحوّل مركز اهتمام المؤرخ من دراسة الحاكم إلى دراسة المحكوم، ومن رموز السلطة والمتنفذين في المجتمع إلى دراسة التعساء والمجهولين والمجا ين والشطار والمتسولين والمشعوذين والمجرمين، وغيرهم من الشرائح الاجتماعية التي أقصاها المؤرخون من دائرة اهتمامهم، وجعلوها في عداد "البقايا غير النافعة" من المجتمع. بيد أنّ توجيه الاهتمام نحو هؤلاء المغيّبين في التاريخ على حد تعبير ميشيل دي سيرتو Certeau de Michel لا يعني القطيعة مع التاريخ النخبوي، لأنّ التاريخ الهامشي - في تصورنا - لا يدرك إلا في سياق تكامله مع تاريخ النخبة.
تحوّل على مستوى خارطة المكان
يتغيّ اتجاه بوصلة مؤرخ المجال الهامشي مكانيًا من أروقة البلاط ومجالس الأعيان والمكاتب الوزارية إلى المزارع وأرصفة الطرقات والساحات العمومية، والكهوف والأماكن المهجورة، والزوايا والأضرحة، ومن الحواضر ودوائر العمران إلى البوادي والقفار والجبال والأماكن المنعزلة النائية، ومن المركز إلى الهوامش. كما يتحوّل مؤرخ المهمّشين في التاريخ الحاضر أو التاريخ اللحظي إلى الميادين التي تصير "عين المكان" و"قلب الحدث" لاشتغال المؤرخ، بحيث لا يكتفي بالنبش والتنقيب في ربائد الخزانات، بل يقوم أساسًا باستجواب المشاركين في عزّ أحداث فائرة، وتاريخ معيش vécue Histoire، ويرتدي، مؤقتًا، عباءة الصحافي من دون أن يفقد هوية مهنته كمؤرخ.
تحوّل على مستوى الجندرGender
على عكس التاريخ النخبوي الذي يتسيّد فيه الرجل النصوص التاريخية، ويتربع على قمّة الحدث، تتوسّع مساحة الجنس الأنثوي في دائرة اهتمام مؤرخ المهمّشين، فيغدو عمل المرأة الزراعي أو الحرفي في البادية أو في المراكز الهامشية، محورًا أساسيًا لفهم تطور مجتمع الهامشيين. كما أنّ بعض الجوانب السلبية التي جرى تهميشها في تاريخ المرأة كالدعارة تصبح مطلبًا أيضًا بالنسبة إلى الباحث في تاريخ المهمّشين.
تحوّل يف شبكة التحقيب التاريخي
بحكم أنّ التأريخ للهامشيين ليس مجرد رصد لتراكمات حدثيّة تاريخية مترسّبة في الماضي، بقدر ما هو حفر في بنى اجتماعية واقتصادية، فإنّ ذلك يستلزم استبدال التحقيب المألوف في التاريخ السياسي بالتحقيب الاجتماعي. وبموجب هذا التحول، ينتقل المؤرخ من الزمن النخبوي المتجلي في الزمن الخلافي أو الأميري أو الأسري إلى الزمن الاجتماعي الذي تتداخل فيه أزمنة قطاعية متعددة يفرضها تغيّ ذهنيات الناس كالموقف من الكوارث الطبيعية والأمراض والمعتقدات والنظم الاجتماعية، فيجري التحقيب مثل بزمن الخوف من الطاعون والأمراض المعدية، وزمن الكرامات، وزمن البركة والولاية، أو زمن القبيلة، وزمن الشريفية، وزمن الإماء والجواري، أو الزمن المحدد بالموقف من العمل اليدوي: متى تحوّل من المفهوم القدحي إلى المفهوم الإيجابي؟ أو الزمن التكنولوجي: زمن الآلة البخارية، وزمن الشبكة العنكبوتية، أو الزمن الحقوقي: زمن الاستبداد، وزمن حقوق الإنسان، وغير ذلك من الأزمنة المتداخلة التي تخرج عن سياق الزمن التصاعدي المألوف في الدراسات التاريخية. وفي سياق هذا الزمن الاجتماعي، ينتقل مؤرخ الهامشيين أيضًا من الزمن القصير الأمد إلى الزمن الطويل الذي قد يستغرق أربعة قرون كما هو الحال في دراسة إيمانويل لاديري Ladurie Roy le Emmanuel التي خصصها للوقوف على تطور الحياة الاجتماعية الشاملة لفلاحي منطقة لانجيدوك Languedoc. ويفسر هذا التحول من المدى الزمني القصير إلى الطويل بالتبدلات البطيئة في الطبائع والسلوك والعادات التي هي من صميم اهتمامات مؤرخ المهمّشين. ومن ثم يصبح مفهوم قياس الزمن ذا أبعاد جديدة مغايرة لمقاييس تاريخ النخبة.
انتقال من المجال الشرعي إلى الفضاء المحظور
يفرض التأريخ للمهمّشين على المؤرخ الانتقال أيضًا من المجال الشرعي المتداول في الكتابات التاريخية كمراسيم البيعة ومناقب الملوك وحملاتهم الجهادية، إلى الفضاء المحرّم الذي كانت تصادره المرجعية الرسمية من قبيل العمليات الربوية والدعارة والشذوذ الجنسي والرشوة وشرب الخمر والسحر والإجرام، وغيرها من المجالات التي كان التاريخ الرسمي يسيّجها بسياج سميك.
انتقال على المستوى الثقايف: من عالم النخبة العالمة إلى عالم الأميين
في مجال التأريخ للمغيبين الذين لا صوت لهم، ينتقل المؤرخ من عالم النخبة المثقفة إلى عالم الأميين الذين لم يكتبوا شعرًا ولا نثرًا على غرار ما هو متوافر في نصوص كتب تراجم العلماء. كما ينتقل من مجال الثقافة المكتوبة إلى مجال الثقافة الشفهية بكل تمثلّاتها السردية والحكائية، ومن اللغة البلاغية والأدبية النخبوية إلى اللغة البسيطة، وأحيانًا اللغة الساقطة.
انتقال نحو العالم المتخيّل
بحكم أنّ عالم المتخّيل يعدّ مرآة عاكسة لآمال المهمّشين وطموحاتهم في ظل واقع مأزوم، يصبح هذا العالم حقلً خصبًا للكشف عن مخيالهم الاجتماعي. ومن خلاله يتحوّل اهتمام المؤرخ من النص الواقعي إلى النص الغيبي والتخيلّي بكل ما يختزنه المتخيّل من أساطير وسحر وأحلام ونبوءات. وإذا كان الباحث الأنثروبولوجي ليفي ستراوس قد جعل الأسطورة ضربًا من الحقول المعرفية العلمية وليس الغيبية، فإنّ مهمة الباحث تتجلّ في ارتكازه على مثل هذه الألوان النصية، وكشف دلالاتها الرمزية للوقوف على تاريخ
المهمّشين، والوصول إلى أغوار نفسيتهم وأحاسيسهم ومشاعرهم، خاصة أنّ فضاء المتخيّل يزاوج بين العالم المرئي والعالم اللامرئي. وتقدّم الأحلام أنموذجًا لهذا المجال التخيلي؛ إذ بقراءتها وتحليلها بآليات التحليل النفسي، يمكن الكشف عن قضايا لم تبح بها الكتابة التاريخية الرسمية حول مشاعر عامة المجتمع وتطلعاتهم. وإذا كان لكل ثقافة متخيّلها ومستوياتها، فالحق أنّ مدرسة الحوليات ساهمت في تطوير دراسات المتخيّل في الغرب الأوروبي الوسيط، في حين لا تزال الحاجة ماسة إلى إلقاء الضوء على هذا الجانب المعتّم في التاريخ العربي، وهو أمر ممكن جدًا لأنّ المتخيّل الجماعي يتقاطع مع الفولكلور الشعبي، وطقوس الاحتفالات والحكايات الخرافية، وهو فضاء معرفي بدأ في توليد بعض المبادرات في الدراسات الاجتماعية - النفسية ذات الصلة بمشاعر الجسد، ولو على مستوى التخصص الأدبي.
انتقال من تاريخ الأكثرية إلى تاريخ الأقليات
غالبًا ما همّشت الإسطوغرافيا التاريخية العربية - الإسلامية الطوائف الدينية وبعض الإثنيات العرقية، بحيث لم ترد النصوص بصددها إلا بكيفية شاحبة، حتى غدت هذه الأقليات بقعة من بقع التاريخ المنسي. ولملء هذا البياض، ينتقل مؤرخ المجالات الهامشية من تاريخ الأكثرية إلى تاريخ الأقليات، ومن تاريخ الغالب إلى تاريخ المغلوب، من دون أن يُحدث ذلك أي قطيعة بين الحاضر والغائب في التاريخ.
انتقال إلى تاريخ الذهنيات
يستلزم التأريخ للمهمشين أيضًا انتقال المؤرخ من كرونولوجية الأحداث والسرديات السياسية، إلى مجال تحليل الآليات الذهنية المعقدة الموصولة بالمشاعر والسيكولوجيا الجماعية، وحوار الإنسان مع الطبيعة، ومع وسطه البيئي والسلوكي. ومن الثابت أنّ دراسة الذهنيات غالبًا ما تحيل على الجماعات أكثر من الفرد، لأنها حسب فوفيل تجسّد "الجزء الدقيق والبارز من المستوى الذي تعبر فيه الانتماءات عن ذاتها في جملة من المواقف والتمثلّات الجماعية"، مما يشكل تقاطعًا مع حالة المهمّشين. لذلك، يستقطب المؤرخ بعض المواضيع المرتبطة بالعقليات والعادات الفيزيولوجية والنفسية من قبيل الحب والسلوك الجنسي، والجنون والعواطف، والسلوكات المرتبطة بالكوارث والأمراض والزلازل والفيضانات، والتغذية والمجاعات، والموقف من الأزمات، والاهتمام بمستوى الطبائع أو ما يسميه مارسل موص ب "تقنيات الجسد".
ثانيًا: تغيّ يف الأرشيف والمادة المصدرية
بالرجوع إلى السؤال الثاني الذي طرحناه في هذه الورقة، حول طبيعة الأرشيف والموارد المصدرية التي ينهل منها مؤرخ الهامشيين مادته، يلاحظ أنّ هذه الفئة الاجتماعية الدنيا تستدعي منه توظيف آليات بحثية جديدة، وسبر غور حقول معرفية متعددة، تندرج في ما بات يعرف بإستراتيجية التحالفات المعرفية، أي الاستخدام المكثّف والممنهج للعلوم المجاورة للتاريخ.
فإلى جانب المصادر الأساسية التي يعتمدها مؤرخو التاريخ الاجتماعي، من قبيل كتب الأمثال الشعبية ومشاهدات الرحالة والنصوص المناقبية، والنوازل والفتاوى والسير الشعبية، والنكت والرسوم الكاريكاتورية، يتحوّل مؤرخ المهمّشين إلى أكبر مستثمر للوثائق المجازية التي تحتاج إلى فك الشفرات لقراءة ما خلف سطورها، وإدراك دلالاتها وأبعادها. ومن هذا القبيل: النصوص الفلكلورية والأهازيج الغنائية والأحاجي، بل إنّ شكل الرقصات وإيقاعاتها ودلالاتها تشكل معلومات دفينة للوقوف على الجوانب المسكوت عنها في تاريخ المهمّشين. وتبرز أيضًا أغاني "ناس الغيوان" التي هي مادة نصية غنائية مرموزة تؤرخ لفترة ما يعرف في تاريخ المغرب بمرحلة سنوات الرصاص. ويمكن للباحث أيضًا الاعتماد على ما يسمى بأدب الشطار أو ما يعرف بالإسبانية ب Picaresca، ويجسده نص رواية "الخبز الحافي" للروائي المغربي محمد شكري، وأعمال الروائي التونسي محمود طرشونة حول أدب الكدية. كما يعدّ المسرح أيضًا من المتون النصيّة الأساسية لتاريخ المهمّشين بما يتضمنه النص المسرحي من طروحات وأفكار وإيحاءات تعكس هموم الشرائح الاجتماعية الدنيا وتطلعاتها. ويستدعي التأريخ للمهمّشين الرجوع أيضًا إلى ما يسمى بالكتب الصفراء مثل كتب السحر والتعاويذ والجداول الفقهية ورسوم الأفاعي والثعابين والأحاجي، وتهريج أصحاب الحلقات والحكواتيين، فمثل هذه المصادر المنطوقة تعبّ عن حلقات غامضة من تاريخ المهمّشين، وتعكس مشاعرهم وآلامهم النفسية الجماعية. وبخصوص التاريخ الراهن، وخاصة انتفاضات الربيع العربي التي تشكل حلقة مهمة في تاريخ المهمّشين، تقدم الميادين والساحات العمومية مادة نصية في غاية الأهمية سواء في شكلها المكتوب أو المنطوق وهو ما يتجسد في الكتابات الجدارية والرسوم الغرافيتية والصور المعبّة التي رافقت انتفاضات الشارع العربي إبان أحداث الربيع العربي، إلى جانب الشعارات والهتافات التي رفعت خلال التظاهرات. فمثل هذه "النصوص الصوتية" تعتبر مكنزًا ثريًا لمؤرخ انتفاضات المهمّشين في العالم العربي خلال عام 2011. كما يمكن لهذا الأخير أن يعتمد على شهادات "الصغار" من البسطاء والعوام وغيرهم من "مقصيي التاريخ" الذين شاركوا في الحركات الاحتجاجية بالميادين والشوارع، إضافة إلى الحوارات التي كانت رائجة في منصّات التواصل الاجتماعي، وهي حوارات تعكس أفكار "الرأي العام"، ومواقف المهمّشين من قضايا الاستبداد والحرية والديمقراطية. وبالمثل، فإنّ ارتباط انتفاضات المهمّشين في الربيع العربي بالطفرة التكنولوجية الهائلة، أفرز وثائق إلكترونية غدت تتكاثر وتتناسل بفضل المخترعات التقنية الذكية وآليات التواصل القادرة على التسجيل والتخزين لحظة وقوع الحدث، إذ أصبح النص الصوتي والصورة الملتقطة من أجهزة الكاميرات والهواتف الذكية والفيديوهات ووسائل التواصل الأخرى مصادر فاعلة لحفظ ذاكرة المهمّشين وصيانتها. ونسوق في هذا الصدد وثائق "ويكيليكس" الإلكترونية التي تسربت خلال الربيع العربي، ووفّرت معلومات طازجة كشفت النقاب عن بعض القضايا ذات الصلة بما هو مهمّش. والجدير بالملاحظة بخصوص هذه الوثائق أنها تشكل جزءًا من التحولات التي أفرزها التاريخ الهامشي، لأنها تجاوزت النمطية الزمنية التي كانت تتأسس على مقياس زمني لخروج الوثيقة إلى العلن، وعدم إمكانية توظيفها إلا بعد مرور ربع قرن إلى نصف قرن. فمؤرخ المهمّشين في التاريخ الآني لم يعد ينتظر كل هذه المدة الزمنية لبداية الكتابة، بل أصبحت الوثيقة تتميز بالتوظيف الفوري في البناء التاريخي ولو بشكل مؤقت، في انتظار ما تكشف عنه التطورات اللاحقة.
نجلاء مكاوي Najlaa Makkawi |
تاريخ الذهنية الجمعية مجالً للبحث يف تاريخ مصر
إذا كانت دراسة المواقف والسلوكيات وتجذيرها وتتبّع تطورها على المدى الطويل، هي المجال الأساسي لتاريخ الذهنيات الذي بدوره يعدّ حقلً ذا أهمية، يبحث في طبيعة البنية الذهنية، وتمثلاتها كافة، وخصائصها الثابتة والمتغيرة، بوصفها مُشكِّلة الحدث، أي فعل الجماعة، ومُفسِ ة له، فإنّ القضايا الملحّة التي تدفع إلى ضرورة قراءة جديدة لتاريخ المجتمع المصري تجد في هذا المجال أهمية خاصة، ليس لإعادة دراسة المواقف والتصورات تجاه أحداث أو أزمات تاريخية مهمة شهدها هذا المجتمع فحسب، بل أيضًا لمعالجة إشكاليات قائمة في هذا التاريخ، اختلفت مناهج المؤرخين الذين تناولوها ونظرياتهم. لكن لم تُعرض الأحداث المرتبطة بها على أصولها النفسية والعقلية الجماعية لمجتمع اتسمت بنيته الذهنية بالتعقيد، وكان واقعها دائمًا يعكس إرثًا طويل المدى، مع مراعاة خصوصية الأزمنة، الأمر الذي يفرض البحث بعيدًا عن التاريخ المؤسسي، وبمقاييس زمنية مختلفة عن التقليدية، في تحديدها للانقطاعات، لرصد ما هو ثابت ومستقر في النسق الذهني كاملً، بما فيه الذهنية التي حرّكت المحكوم في علاقته بالحاكم، وعلاقات التأثير والتأثّر بذهنيات أخرى؛ كالتدين والبنية الاعتقادية الشعبية. تاريخ البنية الذهنية الجماعية مجال يفرضه وجود إشكاليات كثيرة وإلحاحها، وتوليه المصادر التاريخية أهمية، سواء الوثائق الرسمية بأنواعها كافة التي غلب استخدامها لكتابة تاريخ من حكَم، والمحكوم كيف حُك م، وماذا فعل، دون قراءة محركات فعل الأخير الذهنية، وبنية ذاكرته الجماعية، أي ما صمت عنه ظاهر تلك الوثائق، أو السجلّ غير الرسمي للتاريخ الذي يتفوق على الرسمي لجهة تأصيل الممارسة الجماعية وتعبيراتها وتفصيلها، وهو القراءة الشعبية المصرية للتاريخ، المتمثلة بما أنتج من آداب وفنون وتراث شعبي، وتمثلات الثقافة المادية. بما يلقيه هذا السجلّ من إضاءات على نظرة المجتمع الفلسفية لذاته وللعالم وصوغها، ومفهومه لعلاقته مع الطبيعة وإدارتها، وتطوره المعرفي وتأثيره في تصوراته؛ ولم يعبّ المجتمع عن هذا ثقافيًا فحسب، بل انعكس في سلوكه السياسي، وأسهم في تشكّله، كون الأخير في علاقة تأثّر بما هو فكري ووجداني وتأثير فيه، ومن ثمّ، يعدّ تمثُّلً للبناء الذهني بمستقراته ومتغيراته. ومن هذه المصادر وتلك، يمكن الوقوف على بناء هيكل الذهنية وتطورها، بوصفها حاكمة للسلوك الاجتماعي والسياسي، من أجل فهم التاريخ من خلال تصورات فاعليه الأساسيين ومعتقداتهم وتفسيراتهم، ودورها وحجم حضورها في صناعته. في تناول تاريخ مصر الاجتماعي، انقسم المؤرخون بين من كتب تاريخ المجتمع المصري، وفئاته وطبقاته، في حقب زمنية محددة ومنفصلة، بداية من مصر القديمة مرورًا بمصر العربية والإسلامية، ومصر في عهد الأسرة العلوية، حتى مصر تحت حكم دولة 23 يوليو، وبين من درس وقال باستمرارية تاريخ هذا المجتمع، وضرورة التناول الشامل، وتحديد ما هو ثابت ومتغير في مسار تطوره. لكن بقيت دراسة هذا التطور مرتبطة بتتبع حركة المجتمع الاجتماعية والسياسية، ومن خلال وضع محددات بعينها؛ لرصد التغير وتحديده، كتطور ملكية الأرض على سبيل المثال، بوصفه أفرز أول تطور في البنية الاجتماعية، وما ترتّب عليه من آثار، لكن في سياق تفسير حركة المجتمع، والأحداث السياسية المهمة التي تلت هذا التطور، لا التأثير الثقافي تحديدًا، وفي إطار منهج يعدّ التطورات الاقتصادية والسياسية دائمًا مؤثرة لا متأثرة.
وحتى من قال بالاستمرارية سمْتًا رئيسًا، وتناول التاريخ وفقًا لها، كونه تاريخ الناس لا الحكام والأنظمة، درس حركة المجتمع بوصفها تأكيدًا لذات "جمعية" متفق على خصائصها، دون مناقشة هذه الخصائص، ومع التسليم بثبات كثير منها، بل بفرضية وجوده أساسًا. وهنا لا تأتي أهمية تاريخ الذهنية من مقاربة هذه الخصائص في حد ذاتها، لكن من دراسة العقلية وطبيعة علاقتها بالبنية الاجتماعية: ركائزها، وتقلباتها، وتطوراتها؛ فهل تأثرت إلى حد إفراز عقلية جديدة، بما جعل السلوك الجمعي يختلف؟ أم أنّ البنية الذهنية حملت ما عجز التطور عن خلخلته؟ وما تغيّ وتبدّل، كيف تشابك وانسجم في تناقضاته مع الثابت، وما هي العوامل الذاتية والخارجية التي دفعت إلى تغيره؟ والأهم تأثير رسوخ الثابت، وظهور الجديد في المواقف والأدوار والسلوك، وهذا ما يفرض أهمية دراسة تطور البنية المصرية: مكوناتها وتعقيدات تركيبها، وتعبيراتها الثقافية والسياسية؛ وعلى وجه الخصوص، من أجل تفسير مختلف للانتفاضات الشعبية المصرية، ورصد علاقة المصريين بالدولة، بمفهومها الشامل، واختلاف أنواعها، وتحليلها. تؤكد هذه العلاقة التي شهدت تحولات بفعل عوامل كثيرة وجود هذه التحولات، لكنّها لم تدرس من خلال موقع الجماعة المصرية بوصفها فاعلً في هذه العلاقة، ورؤيتها لهذه الدولة، من حيث مفهومها ودورها وواجباتها، ومن ثم سلوك الجماعة تجاهها من حيث الخضوع، والمواءمة، والانتفاض، أو الثورة، وموقع التدين ومفهومه وتطوره بوصفه عاملً مهمًا في هذه العلاقة. وقد يطرح هذا بدوره إعادة بحث كثير من الفرضيات، وما صدر بشأنها، تأريخًا، من أحكام بوصفها نتائج للبحث في تاريخ مصر الاجتماعي. قبل نشأة الدولة الحديثة، قبع المصريون تحت حكم دولة مركزية، وقامت دراسة تاريخها الطويل على فرضيات عدة، اختلف بشأنها المؤرخون، لجهة التأكيد أو النفي القاطعين، لخصائص نفسية وذهنية، تفسيرًا لكثير من أحداث هذا التاريخ؛ فما بين التسليم بتأثير الجغرافيا والسلطة ومتطلباتها وممارساتها في التكوين النفسي، لجهة تأكيد أنّ الفلاح المصري، بوصفه قوامًا لمجتمع نشأ وبقي زراعيًا، ينسحق أمام الدولة التي تطلّبت نشأتها وتطورها وضرورة وجودها، سلطات واسعة، ويميل إلى السلبية، سواء نتاجًا لتاريخ طويل من القهر مارسته هذه الدولة، وأصالة مفهوم تقديس الحاكم، أو لطبيعة الجغرافيا (النهر، والأرض المنبسطة) المُرس خة النزوع إلى الاستقرار والبلادة والفردية، ما بين نفي مطلق لهذه التركيبة، وتبرير فترات الاستقرار الطويلة. وهنا كان الجدل حول العقل الجمعي المصري والسلوك؛ وإن تجاوز التقسيم الزمني التقليدي، وامتد لفترات طويلة، إلا أنّه جاء وفقًا لقراءة محدودة بمنهج تفسيري جامد للذهنية وتطورها، ودون مناقشة جدلية علاقتها بالبنية الاجتماعية وتطورها، وتعاقب الدول والأنظمة، وما صحبه من تغيرات. تأتي الثورات المتعددة للفلاحين في حقب مختلفة، بوصفها فعلً يُرصَد ويُدلَّل به على نفي تركيبة وإقرار أخرى، لكن بوصفها فعل دالً، أي حدثًا بكلّ تفاصيله، دون التمحيص الذهني في تلك التفاصيل وامتداداتها: ما وراء اندلاعه، وتوقّفه، وأهدافه، وتفاصيل السلوك الجمعي في أوقات التمرد. كما غابت التمثلات الذهنية غير المادية؛ فثمة أساطير ونبوءات ونصوص أدبية وفنية ومواويل شعبية، عبّت عن استقرار مفاهيم كثيرة في الوجدان الشعبي، عاشت عهودًا طويلة، منها ما عبّ عن مفهوم الخلاص وانتظاره الدائم، وصوغ صورة للمخلص اختلفت طبيعتها من عهد إلى آخر، وقناعة بعدم ديمومة الاستبداد، وتقبيح الحاكم والمقربين منه، بل والنظر إلى الحاكمين بدونية المحكومين واستعلائهم، فهم أفضل وأنقى وأشرف، وفقًا للرؤية الشعبية. وكثير منها وصف الأحوال واضمحلالها، والمتسببين فيها، سواء أكانوا مصريين أم أجانب. وفي كلّ هذه القراءات تعبيرٌ عن الموقف ممّن يحكمون، وفقًا لتصور المحكومين لمفهوم الدولة والحكومة والحاكم، وواجباتهم وحقوق الشعب، وتحديدًا وقت معاناته هضمها. في تتبّع ذلك ثمة اختلاف وتماثل، سواء لجهة الثقافة أو السلوك؛ كتمثلات للوجدان الجمعي؛ فعلى سبيل المثال، كان الموقف الشعبي من سلاطين المماليك، في ما يتعلق بمستوى عنف التمرد، أو ما رفع خلاله من شعارات، يعبّ عن مدى احتقار الحاكم والسخرية
منه وأسبابه في حالة المماليك على وجه الخصوص (كان المصريون ينظرون إلى حكام المماليك نظرة دونية، ويستنكرون صعودهم إلى الحكم، ويسبّونهم عند مرور ركابهم، ويهينونهم عند التظاهر تحت نوافذ القلعة)، أو كما عبّ عنه الأدب الشعبي آنذاك الذي حمل طبيعة التصور، وكان مفعَمًا بالسخرية والتهكم والاحتقار، وهذا فيه اختلاف يرجع إلى الطبيعة الخاصة لهؤلاء الحكام تحديدًا، يتحدد في المبالغة في الإهانة، وعدم الاكتراث بقوة السلطة، ما أعطى الجموع قوة مقابلة أجبرت الحكام في ذلك العصر على الامتثال إلى المطالب الشعبية. وفيه تماثل لجهة ثبات الموقف تجاه كلّ من حمل الصفات ذاتها من الحكام، وتجاه ممارسات بعينها من جانب السلطة، فعلَها المماليك وغيرهم. في ما يتعلق بالتدين الذي يعدّ مكونًا رئيسًا في البنيتين الاجتماعية والذهنية، ويحتل موضعًا مهمًا في تفسير أحداثٍ وأزمات تاريخية، والعلاقة بين الحاكم والمحكومين، لكن إشكاليًا، فقد تأثّر بما هو اعتقادي ثابت لمدى طويل من الزمن، على الرغم من تعدد الديانات التي اعتنقها المصريون، الأمر الذي أفرز نوعًا خاصًا من التدين الشعبي؛ وفي هذا يقول كثير من المؤرخين بأنّ الموقف من الدين كان براغماتيًا، وساهمت في تشكيله الطبيعة غير القاسية؛ أي إنّه ارتبط بضرورة عدم التعارض مع المصالح؛ فعندما قرر الفلاحون أن يثوروا على الحاكم في مصر القديمة نزعوا عنه القداسة، ورفضوا وجود مؤسسة دينية رسمية وسيطًا، بعد أن كانت الدولة في بنائها الأول تفرض مفاهيم دينية تقدّسه. إلى جانب أنّ انتقال المصريين من ديانة إلى أخرى، من الديانة القديمة إلى المسيحية، ثم إلى الإسلام، ثم القبول بحكم مختلف في المذهب، كان انتقالً دفعته الضرورات، فتبنّوا مواقف سياسية واجتماعية أغفلت البعد الديني. لكن لم تكن المصالح وحدها، بل كان النزوع إلى دين أو مذهب، تحدده نقاط الالتقاء بين هذا الدين والمفهوم والتصور المبنيّ عليه التدين الشعبي المصري. وعندما كانت مصالح الشعب تتعارض معه، وتهضم الدولة الحاكمة حقوقه، وينشد في الجديدة تحقيق تصوراته عن كيف يُحكم، كان ينتقل بعد أن يأخذ طقوسًا وعاداتٍ وأفكارًا وفلسفات من تلك الديانة أو ذلك المذهب؛ وليس أدلّ على ذلك من موقف المصريين من الدولة الفاطمية التي استعانوا بها ضد دولةٍ سنية، ثم ثاروا ضدها، وعادوا إلى دولة سنية أخرى، وثاروا ضدها أيضًا، فلم يكن الدين هنا مُحدِدًا. وفي ما يتعلق بالدولة الفاطمية، لم يعتنق المصريون المذهب الشيعي، سوى من ارتبط بالسلطة منهم. ويُرجع مؤرخو تلك الفترة ذلك إلى رفض تقديس الأئمة، لارتباطه بفكرة التقديس التي احتل رفضها مكانًا في الذاكرة الشعبية، لكن هذه الذاكرة احتفظت للفاطميين، حكمهم ومذهبهم، بأشياء وأسقطت أخرى، فقد أخذت الثقافة الشعبية المصرية كثيرًا من هذا العصر، من تقاليد وموروثات وعادات، استقرت بوصفها أهم الممارسات الشعبية في مصر، أمّا التراث الشعبي وبخاصة السير الأدبية، وهي وجهة نظر الشعب في التاريخ وأحداثه وحكّامه، فقد أسقطت أحداث الدولة الفاطمية وشخصياتها؛ فلم تأت على ذكرها، وهو ما تقدّم أسبابه تفسيرًا وقراءة مختلفة لحكم هذه الدولة، بل والدولة التي تلتها. بعد تأسيس الدولة الحديثة المنسوب لمحمد علي التي يعدّها البعض فاصلً تاريخيًا أحدث انقطاعًا كاملً مع ما قبله، ومع التطورات الاجتماعية والسياسية المهمة، خلال عهد الأسرة العلوية التي عدّ بعضها فاصلً مهمًا أيضًا، قد لا تجد أسئلة كثيرة إجابات سوى في تتبع تاريخ العقلية؛ ففي هذه الفترة تغيّت الدولة، بما يفصل فصلً حادًا بينها وبين ما قبلها، بحسب القائلين بتغير طبيعة المجتمع المصري تغيرًا جذريًا، وتغيّ نمط الصراع بين الشعب والدولة أيضًا، فكيف انعكس ذلك على ذهنية المقاومة، ومفهوم الدولة، والعلاقة الجدلية بين القمع والتمرد، تغيرًا أو استمرارية؟ تعددت أسباب الثورات والانتفاضات الفلاحية في القرن التاسع عشر، في أساسها كانت في مواجهة منظومة تلك الدولة "الحديثة" وسياساتها التي أنتجت مظالم لدى الفلاحين، واختلفت السياسات، لكن المظالم في جوهرها لم تختلف، وإن اختلفت أشكالها، فجاءت الهَبّات بدفعها، وعندما قوبلت بعنف شديد، ظلت تتابع، وتشابه السلوك الجمعي لعقل جمعي بقي ريفيًا حاملً ثوابته بامتياز فيها مع ما
سبقها بفترات كبيرة، فهذه الدولة "الحديثة" لم تبرم مع المحكومين عقدًا اجتماعيًا، وخالفت العقد المتصور لديهم الذي دفعتهم مخالفته قبلها إلى الانتفاض بالآليات ذاتها (أنماط السلوك الاحتجاجي)، مع اختلاف مستوى العنف الممارس ضدهم ومنهم. أمّا من يقولون بتبدّل منطق السلوك الاحتجاجي الجمعي وشكله، كما تمثّل بثورات وانتفاضات، مع تبدّل نمط الصراع مع تلك الدولة، وتحديدًا بعد أن عرفت الملكية الفردية أثناء حكم الخديوي إسماعيل (قانون المقابلة عام 1871) وما ترتب عليها من تشكّل طبقة كبار ملاك مصريين، ومن ثمّ وجود مضمون اجتماعي للثورات يستتبعه تغيرٌ في المفاهيم والتصورات والسلوك، فضلً عن انتشار التعليم، وما رافقه من تغيرات فكرية، فإنّ ذلك يقابله أيضًا حقائق عدة، منها أنّ المجتمع المصري ظل محتفظًا بكثير من ثوابت بنيته الذهنية، بخاصة أنّه بقي ذا طابع زراعي حتى منتصف القرن العشرين، على الرغم من ظهور صناعات شهدت ازدهارًا في هذا القرن، واختلفت عن القرن التاسع عشر، وزيادة التفاعل بين الحياة المصرية والغربية بوجود الجاليات الأجنبية، وظهور طبقة صناعية تكوّنت من عمال وموظفين (غالبيتهم من أصول ريفية)، لكنّها ظلت على التكوين النفسي والذهني نفسه؛ فكانت العقلية الزراعية بطبيعتها وكلّ تفاصيلها هي الغالبة، وظل الاقتصاد الزراعي صاحب النصيب الأكبر، في حين اعتمد على وسائل الاستغلال ذاتها، وبقي المجتمع المصري الذي شكّل الفلاحون ثلاثة أرباع سكانه، تحت نير الأوضاع المادية نفسها وتأثيراتها كافة. فهل عندما قام الشعب بعدة انتفاضات وثورات من نهاية القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين، وهو تحت الاحتلال الأجنبي، كان يثور على الدولة، وإن تحكّم فيها محتل، كان يسعى للتخلص منه أيضًا، وفقًا لتصوره عنها؟ وهل تغيّ هذا التصور مع اختلاف طبيعة الدولة وممارستها، وتطور البنية الاجتماعية؟ وهل تغيّ مفهومه للدين في تلك الفترة؟ هل بقي سمته النفعي بما يخدم نضال الشعب، ويؤثر في نظرته للحاكم ومن ثمّ التمرد عليه؟ أم أنّ ثمة تغيرات سبقت هذه الفترة، وامتدت لها، جعلت التصور الديني يقف عائقًا أمام فاعلية تمرده، من حيث ضرورة وجود حدود للتمرد، وجمح النزوع له، وانتظار المعجزات، وتحكّم الدين في قيم السلوك الجماعي وقوانينه؟ الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، في ما أعتقد، مجالها الأساسي دراسة تاريخ الذهنية الجماعية المصرية، تأثراتها وتأثيراتها، من خلال المصادر الرسمية وسجلات تأريخ الشعب لنفسه، في نطاقٍ زمني يتجاوز التحقيب الذي اتُبع في دراسة تاريخ مصر.
فاطمة بنسليمان: عندي ملاحظتان أو ثلاث أسوقها في عجالة، تتعلق بالمواضيع التي تكلم فيها محمد الطاهر المنصوري وإبراهيم بوتشيش فهي متشابهة، إذ تناولا تقريبًا الإشكالية نفسها. بالنسبة إلى الأستاذ محمد الطاهر، أقول إنه ربما بالغ في حديثه عن مواضيع محظورة ومواضيع خسيسة، فبالنسبة إلى الدراسات التاريخية في تونس لا نأخذها من هذا المنظور، فليس هناك إرادة لتهميش بعض المواضيع، وإنما هناك سياقات تاريخية وهي السياقات نفسها التي نجدها في مناطق كما في فرنسا أو غيرها من البلدان. فهذه السياقات التاريخية ارتبطت بمناخ معرفي وسياسي واجتماعي معيّ وهو الذي أفرز نوعًا معيّنًا من الدراسات دون أخرى. فمدرسة الحوليات كانت تولي اهتمامًا خاصًا للمسائل الاجتماعية والاقتصادية، وتهمش ما غير ذلك بصفته يدخل في إطار اهتمامات المدرسة الوضعية، أي المسائل السياسية والحدث والشخصيات والأفراد إلى غير ذلك. ثمّ جاءت فترة بعد ذلك. إنّ من مسؤوليتنا نحن بوصفنا مؤرخين لكي تكون الأجيال القادمة متفتحة على مواضيع جديدة ولا يسعني في الباب سوى التنويه إلى ما قام به الأستاذ حسين بوجرة
حول الأمراض أو حول الخمر. إنّ توافر دراسات من هذا القبيل يعني وجود بدايات نرجو لها أن تتواصل. ليست هناك إرادة فعلية لتهميش التاريخ. أمّا الأمر الثاني فيتمثّل بالتركيز على الدولة أو على Macrohistory مقارنة بما يسمى Microhistory اليوم. لا يمكن أن نقوم بالعكس، نحن ننتقم للفترة السابقة ونرجح على حساب المواضيع الأخرى الدراسات المهمشة، ومن عيوب ذلك أننا سنسقط في التعامل نفسه الذي كان سائدًا في السابق؛ برأيي، ينبغي لنا أن نترك حرية اختيار المجال الذي نريد دراسته. فمن يدرس موضوعًا سياسيًا اليوم لا يعني أنّه بالفعل يندرج في إطار تلك النظرة القديمة في تناول المواضيع السياسية. أنا لا أتفق مع هذا، إذ يجب أن تدرس كل المواضيع وفق المناهج التي نعرفها. والمهم في كل هذا بالنسبة إلى المصادر هو أن يكون المؤرخ واعيًا بالتمشي المنهجي والمقاربة التي يستعملها، وأن يكون أيضًا قادرًا على تفسيرها للقارئ. المهم بالنسبة إلينا هو ألّ نترك كل المواضيع المطروحة للبحث سواء كانت حوادث أو أشخاصًا أو مواضيع المهمشين أو غيرهم. وأخيرًا أنهي بهذه الملاحظة بالنسبة إلى الدكتورة والباحثة نجلاء. يزعجني صوغك الموضوع في عبارة "التاريخ الطويل للذهنية الشعبية". فماذا نقصد بالتاريخ الطويل؟ إذا كان التاريخ يمتد على عشرة أو عشرين قرنًا، فما معناه؟ التاريخ الطويل ذكرني ببروديل عندما يتحدث عن الذهنية؛ وقد أثير حوله نقد كثير. وكذلك عبارة "الذهنية الشعبية"، فما معنى الذهنية الشعبية؟ فهناك أشخاص فاعلون وليس هناك أمر اسمه الشعب، بل هناك أناس فاعلون يقولون أشياء ويفعلون أشياء، ونحن في التاريخ ندرس هؤلاء، ونحاول أن ندرس أفعالهم، ونحاول أن نحللها ونقارنها. أمّا بهذه الصورة التي جاء عليها الموضوع، فيبدو لي أنّه غامض ولا أفهمه. وجيه كوثراني: استكمالً لما بدأته الدكتورة فاطمة سأبدي ملاحظتين: الملاحظة الأولى تنطبق على ما تفضل به الدكتور محمد الطاهر المنصوري والدكتور إبراهيم بوتشيش وما قلته أنا صباحًا عن مجالات البحث التاريخي. صحيح نطلب أن يبحث المؤرخ في هذا المجال وفي عشرات المجالات، وهذا ليس من اختراعنا أو من استنباطنا مثلما قلت صباحًا كان الذهبي والسخاوي، وقد أشاروا إلى هذه التصنيفات وعشرات التصنيفات وهي التعبير الحديث نفسه الذي نستخدمه. فأنا كلما تعددت الاختصاصات وكثرت هذه المجالات شعرت بالإحباط والقصور في الحقيقة الذاتي والعام. فعندي ثلاثة أسئلة تتعلق بعبارتي "على المؤرخ"، و"ينبغي للمؤرخ." سأطرح ثلاثة أسئلة، انطلاقًا من تجربة أربعين سنة في البحث مع طلاب وجامعة... إلخ. السؤال الأول: من يوجب؟ والثاني: من يمكّن للمؤرخ أن يتناول هذه المجالات الصعبة؟ والثالث: كيف يتمكن المؤرخ؟ نذكر أمثلة من المؤرخين والعلماء الغربيين الذين تصدوا لمثل هذه الموضوعات ونرى شروط تكوينهم، فمثلً كيف أرّخ فوكو Michel Foucault للجنون؟ إنّ فوكو كانت قاعدته المعرفية علم النفس وليس الفلسفة، وقد تمكن من علم النفس ومن الفلسفة ومن التاريخ بتأثير مجلة الحولياتبروديل ولوغوف بالضبط وبتأثير فليب آرياس Aries Philippe الذي اشتغل على العواطف والنفسيات والحب والموت... إلخ. نحتاج في جامعاتنا، ونحن نحتاج تعني: هل أستطيع أن أشتغل على الجنون في البلاد العربية؟ ليس بسبب الاستبداد والضغط ولكن بسبب إعدادي والتكوين المعرفي المحدود. أنا لا أستطيع تناول ظاهرة الجنون مثلما تناولها فوكو، ففوكو - مثلما قالت فاطمة - نتيجة سياق أو سياقات مركبة ومعقدة وثرية وغنية جدًّا. نأخذ مثلً آخر أيضًا اشتغلت على كتاب بياجي إبستيمولوجيا علوم اللغة، وبياجي كذلك عالم نفس اشتغل على النمو عند الطفل. في الوقت نفسه وصل بياجي بثقافته وباشتغاله إلى أنّ العلوم الإنسانية والاجتماعية كلها التي تندرج في الزمن التاريخي وسمّاها العلوم التاريخية، وسمّى علم النفس والاقتصاد والسياسية بالعلوم التاريخية. فمن أين
لنا هذه العلوم؟ وحتى الذين تعلموا منا بالجامعات الغربية هل تكوّنوا فعلً على هذا التداخل؟ نحن نمارس أحيانًا من الاقتصاد ومن الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والتاريخ ثمّ نركبها. مثال ثالث نورده عن بولفيه، وهو صديق فوكو واشتغل معه في تاريخ الأفكار. وحتى لا نعجز طلابنا دائمًا، مثل العمل على تاريخ الجنون، إنها من المواضيع الجميلة، ولكن كيف يمكن معالجتها في البلاد العربية، وحتى في بعض الجامعات الغربية؟ أمّا الملاحظة الثانية فأتوجه بها إلى الدكتورة نجلاء بشأن موضوع التديّن. فالشعب المصري فيه شيء من البراغماتية كغيره من الشعوب كما يقول ابن خلدون "الناس على دين ملوكهم"، ولكنه جانب لا يُفسر وحده الظاهرة، فالجانب الأهم هو التديّن الشعبي المرن "الإسلام الشعبي"، وقد عبّ عن نفسه بالطرق الصوفية التي هي عبارة عن طقوس، وردة فعل على الأحكام الفقهية وجمودها. فالإسلام الطرقي قابل للتحول؛ ففي كتابي الفقيه والسلطاندرست حالة التديّن في الأناضول أثناء الصراع الصفوي- العثماني، فكان تديّنا طرقيًا - صوفيًا. لقد بدأ التمذهب في منطقة الأناضول منذ عهد السلطان سليم والشاه إسماعيل، إذ تحولت الطُرق الصوفية إلى مذاهب سنّية على يد سليم وسليمان القانوني، أو مذاهب شيعية فقهية على يد إسماعيل الصفوي، فإيران كانت ثلاثة أرباعها سُنة، ولكنّ الصفويين تمكنوا بالإرهاب والضغط والعصا والجزرة من تحويلها إلى شيعية. لذا يمكن أن نفهم تديّن الشعوب عبر مدخلين: البراغماتية السياسية، والتديّن الشعبي. التديّن الشعبي في بعض الفترات يتحول إلى مسيحية، ففي البلقان تحولوا مثلً إلى مسلمين لأهداف سياسية، أو للاطمئنان على وضعهم داخل كيان الدولة العثمانية. أوجّه سؤالً إلى الدكتور الطاهر المنصوري حول المجالات المهملة: هل نستطيع أن نربطها بالوعي بالذات؟ فمثل هذه المواضيع موجودة في أوروبا، وتتماهى مع ما هو موجود فيها بصفتها مطلبًا اجتماعيًا، فهل يمكن القول إنّ التطور في المجالات المهملة مرتبط بالوعي الطبقي؟ وكيف يمكن للمؤرخ أن يسلط الأضواء عليها؟ ناصر الدين سعيدوني: سؤالي للأستاذ إبراهيم بوتشيش في ورقته "قراءة التاريخ من الأسفل". فالمشكلة هي ليس ما أهمل في تاريخ المستضعفين، بل في تحرير ذهنية المؤرخ، والتحرر من المراقبة الذاتية والارتباط بالمواضيع المعبرة عن الطبقات الشعبية. فتثوير ذهنية المؤرخ وربط التاريخ بالعلوم الإنسانية كما جاءت به مدرسة الحوليات وخروج المؤرخ من القوقعة كما حققه لوغوف وغيره هو الأهم. وسؤالي: بما أنّ حركة الربيع العربي أتت بلا خلفية أيديولوجية وأبرزت البسطاء صناعًا للتاريخ الراهن، فهل يمكن للمؤرخ العربي أن يستغل حركية الربيع العربي من دون الوقوع في الأيديولوجيا والمحظور مع الطوائف الأخرى التي تعيش الحركية؟ سؤال ثان إلى الأستاذة نجلاء: هل يمكن أن نجزم، من خلال المدى الطويل، أنّ العسكرتارية في التاريخ العربي والمصري خصوصًا مع البويهيين والسلاجقة والأيوبيين والمماليك والإنكشارية ومحمد علي باشا ثمّ من جيوش الاستعمار وصولً إلى الحكم الوطني ثم الثورة والواقع اليوم هي التي خلقت البراغماتية والمركزية في الحكم؟ وهل أنّ كل من يحكم مصر هو فرعون؟ فالعسكرتارية تحيل على الانغلاق في الذهن وعدم تقبل مجتمع مدني وعدم السماح باختلاف الرأي. فهل نستطيع تفسير مركزية الحكم في مصر من خلال المدى الطويل لحكم العسكر؟ وهذه تساؤلات بريئة، لأنّ في التاريخ ظواهر تستدعي الوقوف عندها. عمار السمر: سؤالي موجه إلى الدكتور الطاهر المنصوري وإبراهيم القادري بوتشيش بشأن مجالات التاريخ، وهي مجالات لا حصر لها، فهل تلبي المجالات المهملة حاجات معرفية عربية اليوم؟ عندما كنت أعمل في الأرشيف السوري في دمشق جاء طالب أميركي من جامعة هارفرد أراد دراسة تاريخ العواطف في سورية وأخرى عن تاريخ الأمراض النفسية! وهذه مواضيع غائبة عن جامعاتنا
وأبحاثنا. يمكن القول إنّ في أوروبا بالإمكان الاهتمام بهذه المواضيع، بعد ما وصلوا إليه من تطور في أنظمة الحكم والديموقراطية والتطور العلمي والفكري وتلبية حاجات معرفية، ولكن هل تكتسي هذه المواضيع في عالمنا العربي الأهمية نفسها؟ عز الدين جسوس: ثمة تقاطع بين ما قاله كوثراني وبوتشيش والمنصوري بخصوص التصنيفات التاريخية كما جاء بها السخاوي، ولكنّ ملاحظتي للطاهر المنصوري، أنّ مواضيع مثل الأوبئة والمجاعات مواضيع اهتم بها الكثيرون في المغرب، وكذلك الأقليات اهتم بها عدد غير قليل من أهل المغرب والمشرق العربي سواء بالنسبة إلى اليهود أو النصارى (مثلً دور اليهود في الإدارة وفي الثورات). وخلال الأيام الوطنية في المغرب سنة 2010، عرضت أطاريح كثيرة عن المجاعات والأوبئة في الغرب الإسلامي. ما ينقص في جامعاتنا هو قلة الاهتمام بتاريخ الآخر، فالبحث التاريخي محصور في مجاله ولا يتجاوز نطاقه الجغرافي. بالنسبة إلى الدكتور بوتشيش، لقد ذكرت أنّ المؤرخين عندما يبدؤون بالكتابة، فكأنهم يعقدون اتفاقًا مع القارئ بأنه سيتحدث عن السياسي، فلا بد من ذكر الاستثناءات كما عند مسكويه في كتابه تجارب الأمموالمقريزي في المواعظ والاعتبار وما كتبه الخطيب البغدادي. إن تاريخ المهمشين لا يوجد في كتب الحوليات والتواريخ التقليدية بل في كتب الطبقات والمناقب والنوازل الفقهية. محمد حبيدة: أريد أن أتفاعل مع الطاهر المنصوري، فنلاحظ قضية قصور تاريخية حول دراسة الآخر، وربما تحتاج لأدوات البحث التاريخي كما أكد وجيه كوثراني، ففي التسعينيات نرى العروي يؤكد مسألة أساسية، وهي أنه على الباحث المغربي أن ينجز بحثه الأول خارج المغرب حول تاريخ الصين واليابان وأوروبا، ومن ثمّ تأتي المرحلة الثانية التي يكتب فيها عن تاريخ المغرب. فاهتمام الباحث بتاريخ الآخر سيجعله يحتك بالأسئلة والمصادر والأدوات كالتي أتت بها الحوليات. فأن يدرس المؤرخ التاريخ الآخر - وهو في المغرب - غير مجد لأنّ بحثه يبقى وصفيًا، ولا يكون ملتصقًا بالأرشيف، وهو لا يقدم تفسيرًا مقبولً إذا لم يكن في البلد ذاته. المشكل ليس في الموضوعات ولكن في التناول. عبد الرحيم بنحادة: أعتقد أنّ دراسة تاريخ الآخر ارتبطت في البحث التاريخي المغربي بعدد من الباحثين الذين توجهوا في إطار البعثة المغربية إلى فرنسا، فأنجزوا أطاريح محددة عن فرنسا وغيرها، ولكن عندما عادوا إلى المغرب انصرف معظمهم إلى تاريخ الأندلس أو التاريخ المحلي، وكأنّ تجربة التي خاضوها في فرنسا لم تنفعهم في شيء. فتاريخ الآخر بالنسبة إلى المغاربة يدخل في إطار إجابة عن تساؤلات مؤرقة تتعلق بتاريخ المغرب. ومن الدراسات المهمة التي بحثت في تاريخ الآخر دراسة محمد أعفيف عن تاريخ اليابان في عهد الميجي، فقد حاول الإجابة عن سؤال الإصلاح والتحديث لكنه في الحقيقة كان سؤالً مغربيًا بامتياز وكذلك في محاولتي التركيبية عن الدولة العثمانية كان الهاجس هو الإجابة عن قضايا ترتبط بالمغرب. وعمومًا فهاجس الاهتمام بتاريخ الآخر هو محاولة فهم ظواهر وقضايا تتعلق بالتاريخ الوطني. لقد خرجنا من التقوقع جغرافيًا لكننا لم نبارحه من حيث الأسئلة. نصير الكعبي: سؤالي إلى الطاهر المنصوري حول المهمل مفهومًا ومصطلحًا، فقد وردت في كتابات أخرى المسكوت عنه أو المطموس. والمهمل هو المتروك طوعًا، ولكنّ الجنس والعبيد وقضايا دينية واجتماعية حساسة خضعت لسلطة الرقيب التي حالت دون تلك المواضيع. ومن ثمّ، فمن هو المهمل الذات أم الجماعة؟ أحمد أبوشوك: أوجه ملاحظتي إلى الدكتورة نجلاء حول إشكالية الذهنية الاجتماعية والسلطة في مصر، فيمكن اختصار العنوان الطويل "التحول الطويل للذهنية الاجتماعية في مصر"، فقد أصبح عنوانًا عموميًا وله أبعاد عمودية وأفقية ترتبط بالعلاقة بين فئات المجتمع ومن ثمّ علاقتها بالسلطة، فلو أنه ضبط بعنوان "الحاكم والمحكوم في مصر نموذجًا". وإذا انتقلنا من مرجع الدين، فيجب النظر إلى تركيبة الدولة في إطار الأمد الطويل منذ عهد عمر بن الخطاب حتى عهد عبد الناصر مرروًا بكل السلطات الخارجية التي حكمت
مصر. فما تأثير العامل الخارجي في المجتمع؟ وهل للتمذهب تأثير في بنية المجتمع؟ فمن المعلوم أنّ البراغماتية الشعبية ظاهرة عامة، وبالنسبة إلى الدين الطرقي فيه استمرار واستيعاب، فالتركيبة الصوفية فيها خضوع لصاحب السجادة. عبد الحميد هنية: تناول الطاهر المنصوري وبوتشيش مواضيع تتلاقى وتتقارب عن المهمشين والمواضيع المهملة في التاريخ المغربي. ومن المفيد رصد هذه المواضيع، ولكن يجب أن نفهم أنّ للمؤرخ علاقة مع وقته؛ فالمؤرخ ينظر إلى الحاضر ليكتب عن الماضي. فأحيانا الحاضر لا ينبهه فهو يكتب تحت طلب اجتماعي بوعي أو بغير وعي. وبالنسبة إلى المنصوري فقد أشار إلى قضية أهل الذمة، وكيف قرئت بطريقة مختلفة وهو مصيب في هذا، ويجب أن نعلم أنّ هذه القراءات جاءت بعد الحرب العالمية الثانية وما تبعها من نشأة إسرائيل ومناقشة قضايا الأقليات في العالم. وفي البلاد التونسية في التاريخ الحديث، أعددت كتابًا عن وضع الفرد اليهودي ومقارنته ببعض البلاد الأخرى. لقد كان وضعه ممتازًا ويحظى بمكانة في المجتمع، وعلى سبيل المثال الدية، فعندما يقتل فرد مسلم تكون ديته خمسمئة دينار، والعين "ذو المكانة الاجتماعية الكبيرة" ألف دينار، في حين نجد أن دية الذمي ألف دينار كذلك. وملاحظتي الثانية للدكتورة نجلاء حول المنطلقات على مستوى المفاهيم والتصنيفات التي استعملتها في الورقة، فما هو التاريخ الطويل؟ وما معنى الذهنية الشعبية؟ الشعبية كلمة يمكن أن تتضمن كل شيء وعلينا أن نعلم أنّ كلمة شعب كلمة ظهرت في القرن العشرين كما قال أبو القاسم الشابي "إذا الشعب يومًا أراد الحياة"، وعبارة "الفئات الشعبية" استعملتها الطغمة الستالينية، ومن ثمّ كان هذا التضاد بين الدولة والسلطة والشعب، هذه الثنائية لا تنفع في شيء، فعلينا البحث عن مجتمعات التداخل. الطاهر المنصوري: المواضيع التي تمّ طرحها مهمّة جدًا، وأنا سعيد لأنها أثارت تساؤلات واعتراضات. وبدايةً أريد أن أسأل الأستاذ هنية عن رأيه في قضية المثليين وانقسام الشارع التونسي حول هذه الظاهرة. إنّ طرح مثل هذه القضايا يعطينا سبقًا، وهذا ما نجده عند الفرنسيين الذين يهتمون بكل جزئية. أمّا بالنسبة إلى مسألة أهل الذمة فلي فيها دراسات، فقد كتبت مقالات حول الذمة في العهد المملوكي والفاطمي، ولباس أهل الذمة وقوا ين أهل الذمة، ولكن يجب أن ننظر إلى ما كتبه الآخرون عن وضع الذمة وخاصة الكتابات اليهودية. ففي دراسة للمؤرخة اليهودية المصرية بيتيور" ابنة النيل" التي قامت بقص النصوص وقدمت كتابات تبين أنّ أهل الذمة كانوا يعيشون في جحيم. ومع ذلك علينا أن ننظر إلى الوضعية السيئة لأهل الذمة، ففي المغرب كانوا يلبسون الشكلة لتمييزهم عن الآخرين وحذاء أسود وأبيض. ولذلك نحن في حاجة إلى المجالات المهملة. وأسوق مثالً آخر على ذلك، فعندما بدأت حوادث الموصل بدأ الناس يتساءلون من هم الأزيديون. ونجد في المقابل أنّ الأوروبيين يستطيعون حماية أقلياتهم، ونحن في سورية وتونس وغيرها ظهرت لدينا مجتمعات متصارعة وإفرازات مدمرة. وأمّا ما قيل عن دفع دية الذمي فعلينا أن نعلم أنها كانت وفق عقد لحمايته وليس للترفيع من قيمته، فهو عقد بين الذمي والإمام، ولكنه تحوّل إلى عقد اجتماعي في العالم الإسلامي فيما بعد. إبراهيم القادري بوتشيش: أثمّن الملاحظات التي أثرت موضوعي. وأبدأ بالأسئلة التي أثارها كوثراني. أعتقد أنّ الحاجة إلى تصحيح تاريخنا تتطلب ذلك، فالتاريخ إذا كتب بطريقة فوقية يمشي على قدم واحدة، فلماذا نجد في الولايات المتحدة والهند اهتمامًا موسعًا بالدراسات الهامشية وتقارع الدراسات الفوقية؟ فلماذا نريد أن نعرف تاريخ الآخر ولا نعرف تاريخنا؟ ونحن نتفق على الوجوب، ونحن بصفتنا مؤرخين نقوم بمحاولات فردية أو جماعية أو مخبرية أحيانًا ولكنها لا تزال هزيلة. واحد من عشرة من طلابي أنجزوا أبحاثًا اجتماعية واقتصادية متميزة، وربما هذا عائد إلى الإمكانات، وهنا علينا بصفتنا مؤرخين عربًا القيام ببعض الأعمال إلى حين تغيير الذهنية السائدة وتحولها إلى مطلب جماعي وأساسي. أمّا بالنسبة إلى قضية تغيير ذهنية المؤرخ فهي في الحقيقة أساسية، وكذلك قضية التحرر من الرقابة الذاتية والمؤسساتية "النظام القمعي". فالمؤرخ لا يمكن أن يبوح بكل ما يريد، وهي مسألة في غاية الخطورة. والسؤال
المهم بالنسبة إلي هو: هل يمكن للمؤرخ العربي أن يستغل مرحلة الربيع العربي؟ وهنا أقول نعم، وأكشف عن مشروعي الذي أريد البدء فيه وهو مؤرخو الربيع العربي، ونحن نجمع بعض المعلومات وذلك لكتابة ما يحصل فعلً. نجلاء مكاوي: قلت إنّ هناك تصورًا عن تاريخ مصر الاجتماعي، وأنا وضعت العنوان لدراسة الذهنية في علاقة الحاكم والمحكوم وارتباطها بالتديّن، فالذهنية الشعبية عندي نوعان: القراءة الشعبية وأنواع السلوك الاجتماعي الجمعي. أمّا بالنسبة إلى السؤال المتعلّق ب "التاريخ الطويل"، فأنا وصلت إلى القرن العشرين لأنه قرن الانقطاعات. وأنا لا أتفق مع مقولة "الناس على دين ملوكهم"، فالبراغماتية وعلاقاتها بالطبيعة وكذلك عائق الدين ووضعه سقفًا ضد التمرد، لكيلا يثور على الحاكم، والجوانب السياسية والاجتماعية تعكس المقولة. فالتبعية للحكام فرضتها مصالحه الخاصة. وأمّا سؤال الدولة المصرية المركزية، فهناك إجابتان؛ الأولى تمتد لمئتي عام، وفيه بقيت مصر فترات طويلة تحت حكم مستبد، والثانية أنّ الشعب المصري يثور بطبيعته، وربما هذه فرضيات تساعدنا على إعادة كتابة تاريخ مصر من جديد.
الجلسة الرابعة: إشكالية الحداثة والانتمء الوطن ي تجارب عربية
(رئيس الجلسة: إبراهيم القادري بوتشيش)
إبراهيم القادري بوتشيش: نبدأ الجلسة الرابعة والأخيرة من سلسلة هذه الجلسات المفيدة. وسيدور موضوع هذه الجلسة حول إشكالية الحداثة والانتماء الوطني من خلال تجارب عربية، ويتدخل فيها ثلاثة أساتذة أفاضل، هم: سامر عكاش، وفاطمة بنسليمان، وعمار السمر.
سامر عكاش Samer Akkach |
الحداثة المبكرة وإشكالاتها يف التأريخ العربي
إذا سلّمنا أنّ المجتمعات العربية لا بد من أنها انتقلت في مرحلة تاريخية معينة من حالها القديم إلى حالها الحديث، فلا بدّ من التساؤل عن كيفية حدوث هذا التغيير. وباعتبار أنّ التحولات المجتمعية بمختلف تجلياتها، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية، هي دائمًا تدريجية، فلا بدّ من التساؤل عن بدايات تلك التحولات الحداثية في السياق العربي، وعن مظاهرها وطرق تحديدها وأساليب التعرف إليها. تقودنا هذه التساؤلات للبحث إن كانت هناك مرحلة حداثية مبكرة في المجتمعات العربية يمكن رصد بواكير التغيرات المجتمعية فيها، على غرار ما يعرف بفترة "الحداثة المبكرة" modernity Early في التاريخ الأوروبي. فضمن أطر التأريخ الأوروبية، هناك حقبة محددة تعرف ب "الحداثة المبكرة" تتراوح حدودها الزمنية بين نهايات القرن الخامس عشر ومنتصف القرن التاسع عشر (1500 - 1850)؛ حقبة ظهرت فيها الملامح الأولى للتغيرات الحداثية، أحوالً وأفكارًا. وعلى الرغم من وجود بعض المعارضين لمفهوم الحداثة المبكرة والمنتقدين لحقيقتها التاريخية كمرحلة ذات خصائص مميزة يمكن إسقاطها على جميع الشعوب في تاريخ العالم
history World، فقد أصبحت هذه الفترة مجالً بحثيًا تخصصيًا له رواده ودراساته ومنشوراته ومجلاته البحثية المتخصصة، ويُدرّس، بشكل أو بآخر، في معظم مدارس التاريخ الغربية. تختلف تحديدات فترة الحداثة المبكرة في التاريخ الأوروبي، ولكن أغلبيتها تتقاطع في الفترة الزمنية الممتدة من نهاية العصور الوسطى وحتى عصر النهضة الصناعية. وتتضمن البدايات معالم تاريخية، مثل ارتقاء عصر النهضة في إيطاليا، وظهور الطباعة الميكانيكية بالأحرف المتحركة، وسقوط القسطنطينية بأيدي العثمانيين في منتصف القرن الخامس عشر، ورحلة كريستوف كولومبوس Columbus Christopher واكتشاف أميركا، ونهاية حروب استعادة الأندلس في نهاية القرن الخامس عشر، وبداية حركة الإصلاح البروتستانتي التي تزامنت مع سيطرة العثمانيين على البلاد العربية في بداية القرن السادس عشر. أما النهايات فمعالمها تتضمن الثورة الفرنسية وبداية الثورة الصناعية في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر. لا شك في أن هذه الفترة كانت حافلة بالأحداث المهمة التي قادت إلى تغييرات جذرية في المسيرة الحضارية الإنسانية شملت العالم كله. ومن أهم تحولات هذه الفترة، كان انتشار الحروب الدينية التي تلت حركة الإصلاح البروتستانتي، وتراجع النظام الإقطاعي، وظهور الرأسمالية، وظهور الدولة القومية، وبروز الفضول العلمي وما رافقه من ثورة علمية، وظهور العلوم الحديثة وحركة التنوير الأوروبي، وما تلاها من صعود الغرب كقوة عالمية، وبداية الاستعمار الأوروبي للأميركيتين وجنوب شرق آسيا. إلا أن أهم ما يميز تلك الحقبة من الناحية التأريخية هو أنّ جلّ أحداثها تخصّ التاريخ الأوروبي، أو هكذا أ رّخت، لذا تميّزت سرديات فترة الحداثة المبكرة بالتركيز على الحراك الأوروبي الداخلي وتجاهل العالم الخارجي، ما أدى إلى ظهور نزعات المركزية الأوروبية Eurocentrism في كتابة التاريخ، وخاصة فيما يعرف بتاريخ العالم. ما زالت هذه الفترة الزمنية المهمة بمبادئها وطروحاتها ونظرياتها التأريخية غريبة عن مناهج التأريخ العربي لسببين رئيسين. الأول، هو استمرار التركيز في التحقيب التاريخي العربي بشكل أساسي على هويات الأسر الحاكمة (الأموي، العباسي، الفاطمي، الأيوبي، السلجوقي، المملوكي، العثماني). الثاني، هو الانفصال التأريخي في سرديات التحولات الحداثية بين الخط الزماني العربي والخط الزماني الغربي؛ إذ درجت العادة على اعتبار الحملة الفرنسية على مصر، التي جاءت بعد الثورة الفرنسية، على أنها بدايات دخول الحداثة إلى العالم العربي. وهذا يعني أنّ نهاية فترة الحداثة المبكرة في الغرب تزامنت مع بدايات الحداثة في العالم العربي، وهذا أساس الإزاحة التأريخية التي رسخت الاعتقاد بأن العملية الحداثية في العالم العربي جاءت متأخرة ثلاثة قرون عن نظريتها الغربية، ومن ثم فهي ليست سوى تكرار وتقليد لمنجزات صانعيها الأوروبيين. وباعتبار أن العرب استلموا منجزات الحداثة المبكرة جاهزة فلا تاريخ حداثيًا مُبكرًا لهم، وإنما
تاريخ لمواجهة تحدّيات الحداثة وتاريخ للتأقلم مع أفكارها وأحوالها. هكذا أرّخ الأوروبيون للحداثة العربية وكتبوا رواياتهم التأريخية عن العالم العربي، وهكذا نقلت السرديات العربية، بما في ذلك خطابات حركة النهضة أو اليقظة العربية، رواية ظهور الحداثة العربية في القرن التاسع عشر. رسّخت هذه الرواية الفصل والانزياح التأريخي في السياقين العربي والأوروبي، كما كرّس هذا التصور صورة العرب بأنهم ليسوا من صنّاع الحداثة، باعتبار أن لا حداثة مبكرة لهم، وإنما من متقبليها ومستخدميها ومستهلكيها، وحتى من رافضيها كونها غريبة عن تاريخهم. على الرغم من إشكاليات هذا الطرح، فقد تقبله المؤرخون العرب، وصاغوا خطاباتهم التأريخية ضمنه، دون تحد يُذكر للافتراضات التي ينطوي عليها، أو لإطاره النظري، أو لمبادئة المنهجية. فمعظم سرديات الحداثة العربية كتبت من هذا المنظور التأريخي. وليس لدينا اليوم تاريخ لفترة حداثية مبكرة عربية، ولا تأريخ لفترة الحداثة المبكرة الأوروبية من المنظور العربي. وهذا يعني غياب المنظور التأريخي العربي لظهور العلوم الحديثة والثورة العلمية وحركة التنوير، وكذلك للتغيرات التجارية والاقتصادية التي رافقت تغيير أساليب الإنتاج وظهور النظام الرأسمالي، ومن ثمّ غياب المنظور التأريخي العربي لفكرة صعود الغرب المحورية في تاريخ العالم الحديث، والتي قادت تلقائيًا إلى فكرة انحطاط الشرق. يبُرز هذا التقصير مشكلة تحديد الموقع العربي في تاريخ العالم، والذي يتطلب خروج العرب من عزلتهم في تواريخهم المحلية الخاصة لكي يحتلوا موقعًا داخل هذا التاريخ، وليس خارجه. فإذا نظرنا إلى التاريخ العربي من منظور تاريخ العالم وتحقيباته الزمانية، فإن مناهج التأريخ العربية تواجه تحدّيات وإشكالات عدة، يتمحور أهمها حول إن كانت هناك حداثة مبكرة في تاريخ التطور الحضاري العربي. ولما كانت فترة الحداثة المبكرة تتقاطع مع الفترة العثمانية في البلاد العربية، فهل يمكن النظر إلى التاريخ العربي - العثماني على أنه فترة حداثة مبكرة؟ وماذا يعني تأريخ الفترة العثمانية ضمن الإطار النظري للحداثة المبكرة؟ وكيف تبرز معالم تلك الفترة إذا اعتبرت من منظور الحداثة المبكرة؟ ولما كانت الفترة العثمانية غالبًا ما توصف بأنها فترة تراجع علمي وانحطاط حضاري (من المنظور العربي على الأقل)، فكيف يمكن حل تناقض هذا التوصيف السلبي مع مقتضيات الحداثة المبكرة الإيجابية؟ وإذا اعتبرنا أن هناك تجربة حداثية مبكرة عربية - عثمانية، فهل تتطابق زمانيًا وفكريًا مع التجربة الأوروبية؟ وإذا كانت تتطابق معها، فما هي المساهمات العربية والعثمانية، وإذا كانت لا تتطابق معها، فما هي معالمها الخاصة بها؟ في كتاب عثمانيو الحداثة المبكرة Ottomans Modern Early The الذي ضمّ مجموعة من الدراسات عن التاريخ العثماني، طرح المحرران فيرجينيا أكسان ودانيال غوفمان Geoffman Daniel and Aksan Virginia مفهوم الحداثة المبكرة في السياق العثماني،
وناقشا تداعيات إسقاطها على التاريخ العثماني. نظر المحققان في المقدمة في إشكالات التحديد الزمني لفترة الحداثة المبكرة، واعتبرا أن الفترة الزمنية الممتدة بين عامي 1453 و 1839، على أنها فترة "الحداثة المبكرة" العثمانية، أي من عام فتح إسطنبول وهزيمة البيزنطيين، عندما بدأ العثمانيون بالنظر إلى أنفسهم على أنهم قوة مسيطرة في العالم، وحتى عصر التنظيمات، عندما بدأ العثمانيون بشكل واع بتقليد أو محاكاة العالم الغربي. يقدم هذا الطرح إطارًا نظريًا مقبولً مبدئيًا لقراءة التحولات الثقافية نحو التمدّن الجديد الذي ظهر في بدايات القرن التاسع عشر، وذلك على الرغم من الإشكالات النظرية والمنهجية العديدة التي ينطوي عليها. ويكمن الإشكال الأساسي في كيفية التمييز في أسلوب التفاعل بين العثمانيين والأوروبيين في مرحلتين، مرحلة قبل عصر التنظيمات، والمرحلة التي تلتها، وإن كان الحديث عن حداثة واحدة عالمية متشابكة، ساهمت في صناعتها جميع الحضارات، أم حداثات مستقلة ومتوازية في حراكاتها وتطوراتها. وإذا كان الحديث عن حداثة واحدة، فما مدى مساهمة العثمانيين بأحداث الثورة العلمية والتنوير والتغيرات الاقتصادية العالمية؟ لا شك في أن العثمانيين كانوا في أفضل وأقوى حالاتهم في القرين السادس عشر والسابع عشر، كما كانوا على تماس وتفاعل دائم مع جيرانهم الأوروبيين. لذا يَفترض هذا التحديد الزماني، ضمنيًا على الأقل، أن العثمانيين في فترة ما قبل التنظيمات، أي فترة الحداثة المبكرة، كانوا يعيشون ضمن فضاء اجتماعي وفكري وديني خاص بهم، ومستقل إلى حد ما عن الهيمنة الأوروبية الثقافية، وهذا ما يميزه عن عصر التنظيمات عندما بدؤوا بالانضواء تدريجيًا تحت الهيمنة الثقافية والعلمية الأوروبية. ومن ثمّ يُفترض أن الحراك الاجتماعي والفكري في المجتمعات العثمانية آنذاك كان مدفوعًا بالتجاذبات والتطورات الداخلية، والتفاعلات الفكرية والاجتماعية العثمانية، كون المجتمع العثماني هو مركز الإشعاع الفكري والعلمي ومركز القوة في العالم حتى نهايات القرن السابع عشر. فما هي معالم الحراك الحداثي العثماني المبكر؟ وهذا التمييز بين الحالتين إشكالي من جهة تحديد طبيعة الحراك الاجتماعي وهدفه في المرحلتين. فهل كان حراك المجتمع العثماني قبل التنظيمات على مسار مغاير أم موافق لحراك المجتمع الأوروبي؟ فإن كان موافقًا، فإلى أي حد ساهم العثمانيون في صناعة الحداثة المبكرة؟ وما الذي يميز هذا الحراك عن حراك ما بعد التنظيمات؟ وإن كان مغايرًا، فما هي طبيعته ومعالمه وهدفه؟ لا يناقش المحرران أكسان وغوفمان هذه الإشكالات النظرية كما أنهما لا يعالجان المشاكل المنهجية التي ينطوي عليها إسقاط مفهوم الحداثة المبكرة على الفترة العثمانية.
باعتبار أن مفهوم "الحداثة المبكرة" تيليولوجي Teleological، أي معرّف بشكل مسبق بمعالم الفترة اللاحقة، أي الحداثة، فإننا نجد أنفسنا مجبرين على فهم وتعريف "الحداثة المبكرة" من خلال إسقاط استرجاعي لمفهوم "الحداثة" على الفترات السابقة. يمكن تبرير هذا الإسقاط الاسترجاعي في السياق العثماني على أساس تلاقي المسيرتين الأوروبية والعثمانية في محطة "التمدّن الجديد" في القرن التاسع عشر. السؤال المنهجي هنا: هل يسمح لنا هذا التلاقي بقراءة استرجاعية للتحولات المجتمعية السابقة للقرن التاسع عشر ضمن إطار الحداثة المرصودة في القرن التاسع عشر؟ حاولنا في كتابنا الأخير، يوميات شامية: قراءة في التاريخ الثقافي لمدينة دمشق في القرن الثامن عشر، تقديم إجابة إيجابية عن هذا السؤال، من خلال رصد جملة من التغيرات في الأحوال المعيشة في مدينة دمشق (كان لها صدى في كل من القاهرة وحلب وإسطنبول)؛ وهي تحولات بدت غريبة ومتطرفة وشاذة في تلك الفترة، وشكلت تحديًا للمألوف والمقبول اجتماعيًا ودينيًا، قبل أن تصبح من الأمور العادية المألوفة في سياق الحياة اليومية في القرن التاسع عشر. ونظرًا لغرابتها وقت ظهورها اعتبرنا أنها تمثل معالم مرحلة مبكرة للحداثة في السياق العربي - العثماني، كما يقول المثل الشامي "أول الرقص حنجلة." وتمثلت معالم الحداثة المبكرة المرصودة في الحواضر العربية - العثمانية بمظاهر الانفتاح الاجتماعي في الفضاء العام للمدينة، وتجلياته بأحوال وممارسات اجتماعية مدنيّة جديدة ذات طبيعة دنيوية، كظهور المقاهي والملاهي، وانتشار شرب القهوة والتدخين، وممارسات الترفيه في المتنزهات وفي الأماكن العامة، والحضور البارز والجريء للمرأة في الفضاءات العامة، والاختلاط الجنسي والطبقي. واعتبرنا الجدل الفقهي حول شرعيّة هذه الأحوال والممارسات، والذي مازال صداه مسموعًا إلى يومنا هذا، أنه دليل على غرابتها وقت ظهورها وتحدّيها للتقليدي المألوف. الإشكال الأساسي الذي يواجه هذا الطرح، كما يواجه أية محاولة للتأسيس لمرحلة حداثة مبكرة عربية أو عثمانية هو غياب الوعي الفكري لحالة حداثية مختلفة عن القديم والتعبير عنها فكريًا. فليس لدينا نصوص تعبّ عن حالة الوعي الحداثي والتحولات الملازمة لها حتى نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر. ولمعالجة هذا الإشكال، حاولت في يوميات شامية طرح تساؤل عن أسباب التحولات الحداثية، هل هي الأحوال أم الأفكار؟ أي هل الأحوال الاجتماعية المعيشة ومتطلباتها هي التي تخلق الرغبة، وتدفع بالأفراد والمجتمعات لطلب التغيير؟ أم أن الأفكار والتصورات الجديدة هي التي تقيّم الحالة المعيشة أولً، ثم تطرح الحاجة الاجتماعية المنشودة من خلال اعتقاد فكري يخلق الرغبة في التغيير؟ من الصعب الإجابة عن هذا التساؤل بشكل قطعي بسبب التفاعل المتواصل بين الحال والفكر؛ تواصل يصعب فيه عزل أحد الطرفين عن الآخر، حتى لو بدت الأسبقية لأحد الطرفين في مختلف الحالات التاريخية. فعلى سبيل المثال، عندما خطر لبعض الدمشقيين في النصف الأول من القرن السادس عشر الاستفادة تجاريًا من الطلب المتزايد على شرب القهوة لدى ظهورها كمشروب اجتماعي، وقاموا ببيع القهوة للجمهور في مكان عام استقطب العامة خارج خصوصية المنزل، لم يخطر لهم آنذاك بأنهم مقدمون على خلق مؤسسة اجتماعية جديدة ستحدث تغييرًا جوهريًا في البنية الاجتماعية والعمرانية للمدينة التقليدية، وستؤسس فيما بعد لفعالية اجتماعية محورية في الفضاء العمراني الجديد للمدينة الحديثة، بالإضافة لتحفيز مجموعة من الممارسات الاجتماعية الدنيوية الجديدة المرافقة لها. هؤلاء الدمشقيون كانوا مدفوعين برغبة مادية وخبرة تجارية من حالة اجتماعية معيشة، وليس بمشروع فكري للتغيير، ولكن مبادرتهم ما لبثت أن حازت شعبية واسعة، وأخذت أبعادًا فكرية وثقافية ودينية. واليوم
بعد أن أصبح المقهى عنصرًا أساسيًا في النسيج العمراني المألوف للمدينة الحديثة، لا يخطر على بال أحد عند الجلوس في المقاهي لشرب القهوة، أن لهذه الحالة الاجتماعية الطبيعية والمألوفة تاريخ طويل وحافل، وصراع ديني - اجتماعي عريض وعنيف، كما لا يخطر لهم مرارة المعاناة الاجتماعية التي صاحبت تطور هذه الظاهرة الجديدة في المدن العربية والعثمانية على مدى ثلاثة قرون من الزمان، قبل أن يتقبلها المجتمع - الغربي أكثر من العربي - كممارسة اجتماعية مألوفة ومطلوبة، ويخصص عنصر عمراني أساسي لها في المدينة. لا شك في أن التغيرات في الأحوال المعيشة، وما لازمها من مظاهر الانفتاح الاجتماعي، لا تمثل سوى جانب من جوانب الحداثة، أو التمدّن الجديد، المتشعبة. والتصور العام للحداثة يتمحور عادة حول التحولات التي تخص تطور التصنيع التقني Industrialism، والتحض Urbanism (بمعنى الانتقال من الريف إلى المدينة)، والعلمانية Secularism، والعقلانية Rationalism والفردية Individualism. ويبقى دور الوعي الحداثي لهذه العوامل والتفاعل الفكري معها محوريًا. ويرى العديد من الباحثين أن ظهور مفهوم "الدولة القومية" بالمقارنة مع دولة المدينة، أي ظهور التنظيم السياسي والاجتماعي القائم على الانتماء الوطني القومي عوضًا عن الانتماء القبلي أو المديني، هو من أهم معالم التحولات الحداثية. وكذلك ظهور النزعات الفردية في تحديد الهوية، مقارنة مع التركيز على الهوية الجماعية سابقًا. ويعتبر أكسان وغوفمان، في كتابهما السابق ذكره، أن دولة القومية والفردية هما اللذان يحددان الحداثة وتحولاتها، وهاتان الصفتان مرتبطتان بالتجربة الغربية لظهور الحداثة، كما أنهما مرتبطتان بمفهوم الإمبريالية الغربية، ولذا فإن الدراسات التي تسعى لتأطير منظورها ضمن الحداثة المبكرة، أو ما قبل الحداثة، محكوم عليها سلفًا بالتوجه والتحرك ضمن التعريفات المفروضة والمستقاة من التجربة الغربية. وهذا صحيح وحتمي إلى حد كبير، ويبدو سلبيًا من المنظور الذي يرى تجربة الحداثة المبكرة في أوروبا مستقلة ومعزولة عن العالم العثماني - العربي، ويتصور أن التجربة العربية لا حداثة مبكرة لها، ومن ثمّ يجب أن تقيّم على مقاييس ومعايير داخلية خاصة بها فقط. باعتبار أنّ تاريخ الحداثة المبكرة ارتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخ التنوير الأوروبي، وأن التنوير الأوروبي هو الرحم الذي ظهرت فيه الحداثة، وأن لا حداثة بمفهومها المتداول والمعيش اليوم من دون تجربة التنوير الأوروبي، فإن تلك الاستقلالية المنشودة عن المعايير
الخارجية تقصي العرب عن أي دور فعال في تاريخ التنوير الأوروبي، وتضعهم أمام أصعب تحد فكري لتأريخ حداثتهم المبكرة، إن كانت لديهم رغبة في تأريخها طبعًا. لقد ساهمت تجربة التنوير في تغيير المجتمع الإنساني تغييرًا جذريًا بطرح الأمور التالية: أولً، مواجهة السلطة الدينية ورفض احتكارها للحقيقة، وإبعاد تأثيرها في إدارة الدولة، وتأسيس مفهوم العدالة الاجتماعية، ليس على مبادئ الشرع الإلهي، وإنما على القوا ين الوضعية، التي كرست الحقوق الطبيعية للفرد والمساواة أمام القانون، وأسقطت الحقوق المكتسبة بالولادة، وسطّحت التراتبية الطبقية وهرمية المجتمع، لتحقيق ما يسمى ب "الديمقراطية". وثانيًا، التركيز على قدرة العقل الإنساني وإنجازات العلوم الحديثة، وعلى دنيوية التجربة الإنسانية، إذ أصبح الإنسان المرجع الأول والأخير في تحسين مستوى المعيشة وتحصيل السعادة الإنسانية. وثالثًا، توسيع مجال الحريات الشخصية والعامة، بما في ذلك تحرير المرأة ومساواتها بالرجل، وظهور الفضاء العام كساحة فعالة لمناقشة وحسم الأمور الاجتماعية والدينية والسياسية والتي تخص الفرد والمجتمع. بالنظر إلى هذه التحولات المهمة، فإن التحدي الذي تطرحه حركة التنوير، باعتبارها تجل من تجليات الحداثة المبكرة، هو تحديد الموقع الذي يشغله، أو يجب أن يشغله، العرب في ذلك الحراك التنويري. كان موقع العرب من الحراك التنويري - ومازال - هامشيًا؛ موقع المتفرج والمعقب، وما دام موقعهم كذلك فلن يكون لهم حداثة مبكرة ضمن الأطر التأريخية المعتمدة، ومن ثمّ لن يكونوا من صناع الحداثة وإنما من مستهلكيها. ولتغيير مواقفهم، عليهم إما إعادة النظر في الأطر والمناهج والتحقيبات التأريخية المعتمدة لتقديم روايات جديدة مقنعة، قادرة على حفظ مكان فعّال لهم في تلك الحقبة المهمة من تاريخ العالم، وإما السعي لإبراز مشاركتهم في صناعة التنوير، بأسلوب أو آخر، ضمن إطار ما يسمى "الحداثة المتشابكة" في محاولة لإعادة تمركزهم بشكل يمنحهم القدرة على اقتناء التحولات الحداثية كجزء عضوي من تاريخهم المحلي - العالمي. أنا أميل إلى الاتجاه الثاني، وهذا ما سعيت لمناقشته في كتاب يوميات شامية، من خلال بيان مظاهر التطورات المجتمعية العثمانية المحلية المشابهة للتطورات المجتمعية الأوروبية إلى حد ما. وهذا يبرر اللقاء الثقافي والفكري الأوروبي - العثماني فيما يخصّ التمدّن الجديد في بداية القرن التاسع عشر. ويعكس هذا العرض اقتناعنا الشخصي بأن التوجه الناجع اليوم للتعامل مع مفهوم الحداثة المبكرة، يتطلب التحول من البحث عن استقلالية فكرية وخصوصية ثقافية متوهمة لا واقع تاريخي لها، والعمل على التشكيك بالروايات الغربية التي تعتبر التنوير الأوروبي تجربة غربية خالصة ونقية، والبحث من ثمّ عن الأصول المتشابكة لصناعة الحداثة المبكرة. فإذا اسقطنا مبدأ الانفصال التأريخي ورصدنا التغييرات المجتمعية العربية بشكل متزامن مع تلك التي ظهرت في أوروبا، فإنّ تبني مفكري اليقظة العربية أفكار التنوير الأوروبي، كونها نتاجًا إنسانيًا عامًا هدفها تعزيز دور الإنسان في مجتمع تحكمه أسس العدالة والرفاهية والسلام والعيش المشترك، يصبح استمرارًا لتاريخ حداثي مبكر مشترك ساهم العرب والعثمانيون بصناعته، ولم يكن يومًا غريبًا عن التطور الحضاري للشعوب العربية والإسلامية.
فاطمة بنسليمن Fatima Bensulieman |
نحو تجديد مقاربة مسألة الجنسية يف تونس يف أواخر العهد العثمني
اتسعت اليوم مجالات البحث التاريخي، ولم يعد هناك تفضيل لموضوعات على حساب أخرى مثلما كان الشأن حتى بداية السبعينيات من القرن الماضي، لمّا كانت مدرسة الحوليات مهيمنة، وعندما استبعدت آنذاك المسائل ذات الطابع السياسي أو المتعلقة بالأفراد ساسة كانوا أم لا. فالمسألة باتت متعلقة أساسًا بالمقاربات التي يعتمدها الباحث، وبالتساؤل الذي يمكّنه من تجديد الإشكاليات، ويكيّف تعاطيه مع المصادر المتاحة ومع خطاب الفاعلين الذي تتضمنه... إلخ. فمسألة الجنسية مثلً عبارة عن زاوية معتمة، إذ لم تفرد لها الإستغرافيا التونسية دراسات مستقلة، وإذا ما تمّ التطرّق إليها فغالبًا ما يحدث ذلك بصفة هامشية وبالتحديد من داخل حقل الدراسات المتعلقة بحركة التحرر الوطني. وهو وضع ترتب أولً على توزيع الاختصاصات في تدريس التاريخ في الجامعة مع ما تضمنه من تحقيبات كان لها دور الحواجز الفاصلة بينها، مؤدية مثلً بالنسبة إلى الفترة المعاصرة إلى تركز البحوث حول التدخل الاستعماري وردات الفعل التي أدت إلى نمو حركة التحرر الوطني وإلى بروز كيان وطني تونسي لم تراعَ، في نشأته، مجمل التحولّات السابقة للاستعمار. وثانيًا كان للظرفية التاريخية التي عقبت خروج الاستعمار المتميزة ببناء الدولة الوطنية وانتشار أيديولوجيا التنمية دور مهم في هذا التعتيم، إذ عُدّت مسألة الجنسية التونسية ضمنيًا أمرًا حاصلً وبديهيًا. وأخيرًا لنذكر أيضًا بأنّ التاريخي الاجتماعي استبعد من أفقه، لزمن طويل، لا فقط المسائل ذات الطابع السياسي، بل أيضًا القانون الذي عُدّ مجرد شكل أو غلاف لموضوع أكثر عمقًا وهو الاجتماعي. طرح السياسيون والحقوقيون الفرنسيون مسألة الجنسية للدرس، بعد 1881، أي تاريخ انتصاب الحماية الفرنسية على البلاد، وارتبطت المسألة بوضعية "المحميين" وبوضع المهاجرين من سكان الإيالة التونسية في الخارج. وكان هاجس السلط الفرنسية هو الآتي: ما هي الوضعية الحقوقية التي ينضوي تحتها أولئك المهاجرون؟ أي ما هي الحقوق التي يمكنهم التمتع بها في مواطن هجراتهم؟ طغت المشكلات الآنية المتعلقة بالقضاء والسياسة على تلك الدراسات، ولم تنل مواقف الفاعلين ولا الجوانب التاريخية حظها من الاهتمام. وفي هذا السياق قرأ رجال القانون الفرنسيون "الجنسية" التونسية، والتي هي رابط بين الفرد والدولة وبين الأفراد أيضًا، من زاوية القوا ين الفرنسية، كما لو كانت ظاهرة غير مسبوقة وإحدى إفرازات الحداثة الاستعمارية. كما اختزل الرابط بين الأهالي والدولة في الدين، إذ نفت تلك الدراسات أن يكون للأفراد في تونس أو في غيرها من البلدان المسلمة انتماء آخر غير الانتماء إلى الديني الإسلامي. فوضع الرعية المسلم، بحسب رأي أولئك الدارسين من رجال القانون، هو واحد حيثما حلّ في بلاد الإسلام، ونظّروا لوجود ما سموه بحالة "الولاء الدائم" perpétuelle allégeance ' L للحاكم المسلم. وإذا ما حصل تطور في تحديد الانتماءات بين الكيانات السياسية والتمييز بينها فالفضل، في تصورهم، يعود إلى القوا ين الأوروبية ولا سيما ما ساقته المعاهدات من توضيح للانتماءات والحقوق. وتندرج هذه المواقف ضمن التصور الذي طورته الدراسات الاستعمارية والمتمثل بالتمييز بين قانون أوروبي وضعي "تقدمي" مقابل صنف سمي ب "القانون الإسلامي" قائم على الشريعة ومتميز بالثبات، فغابت من أفق تلك الدراسات التحولّات التاريخية والممارسات الفعلية للأفراد
والمجموعات. وإلّ فماذا تعني حالة "الولاء الدائم"؟ وما هو مضمونها؟ وهل استعمل الفاعلون المحليون هذه العبارة؟ وما مدى تاريخية القول بالانتماء الديني الذي قد يكون غيّب معنى الانتماء السياسي؟ لكنّ هذا التصور الاستعماري للجنسية التونسية، أي طابعها الديني واستدامتها التاريخية، ترك آثاره في الدراسات التاريخية المحلية. فموضوع الجنسية يستحق الدرس، فقد كان ولا يزال من المسائل الشائكة سواء تعلق الأمر بالإمبراطوريات أو بالدولة القومية. وهو ككل المسائل التاريخية يتطور مع السياق التاريخي، وما نراه اليوم من مشكلات تتعلق بتحديد الانتماءات في ارتباط بالهجرة وبأوضاع المهاجرين دليل على ذلك. كما أنه بات من الضروري تناول الجنسية من زاوية السوسيولوجيا التاريخية، أي المتعلقة بالفاعلين ومواقفهم وخطاباتهم ومخيالهم، وهو ما يعطي المسألة عمقًا تاريخيًا. لنشر إلى أنّ الجنسية، من حيث هي صنف قانوني، هي فعلً أمر مستحدث حتى بالنسبة إلى أوروبا ذاتها التي لم يظهر بها هذا الصنف قبل القرن التاسع عشر. أمّا في البلاد التونسية، فمسألة "الجنسية"، من حيث هي وضع قانوني، فتجد جذورها في الظرفية السابقة للحماية، وكانت فترة السبعينيات من القرن التاسع عشر مرحلة مهمة في مسارها. ولم ترتبط فقط بالتطورات المحلية، بل كذلك بالتأثيرات العثمانية من جهة، والفرنسية من جهة ثانية.
الجنسية التونسية بين القوانين العثمنية والحميات الأوروبية
برزت عبارة "الجنسية التونسية" خلال السبعينيات من القرن 19، في خضم الجدل حول "الحمايات" بين حكومة بايات تونس والسلطات القنصلية الفرنسية والأوروبية، ومشكلة تحديد انتماء الأفراد، واندرجت أيضًا في خضم سيرورة الإصلاحات التي عرفتها الإيالة. وكان لمناشير الإصلاحات العثمانية التي ترجمت في تونس ب "ميثاق عهد الأمان" ثمّ ب "قانون الدولة" (أو الدستور) الصادر في 1861، تأثير مهم في الوضعية الحقوقية للأهالي. ضَمن "عهد الأمان" المساواة بين سكان الإيالة "على اختلاف الأديان والألسنة والألوان." وهي تسوية هيأت لانبجاس مفهوم المواطنة (على الأقل قانونيًا). فكان لهاتين الإمبراطوريتين الفرنسية من جهة، والعثمانية من جهة ثانية، تأثير في بداية تبلور مفهوم الانتماء التونسي سواء في القوا ين أو في الممارسات السياسية. وتنوعت التصنيفات التي يستعملها الرعايا والسلطات للإشارة إلى هذه الحالات من "رعاية" و"حماية" تونسية، انضاف إليها لفظ "جنسية" في السبعينيات معوضًا عبارة "الحماية التونسية" الدالة حتى ذلك العهد على الانتماء التونسي. قبل هذا التاريخ، كانت ألفاظ "الجنس" أو "الأجناس" أو "الجنوس" تستخدم بصفتها صنفًا يميز بين انتماءات مختلفة؛ فتارة يكون له مدلول سياسي كالإشارة إلى القوميات الأوروبية وهو المعنى الذي نعثر عليه لدى
المؤرخ ابن أبي الضياف (1804 - 1872)، وطورًا يطبق على صنف اجتماعي أو ديني أو اجتماعي / ديني معيّ "جنوس النصارى". وسيكون من المفيد في هذا السياق معرفة كيف يتمّ التحوّل من الجنس بهذا المعنى إلى الجنسية بالمعنى القانوني. لكن ما المقصود ب "الجنسية التونسية" والحال أنه لا وجود لقانون يحدّد مضمونها؟ نكتشف مثلً من خلال القانون الرامي إلى إدماج الرعايا الجزائريين المهاجرين إلى تونس، والذي أعدّه خير الدين الوزير الأكبر في الإيالة في 1876، أنّ الشرط الأساسي للدخول في الجنسية التونسية يرتبط برغبة الفرد الجزائري في الانتماء إليها أم لا، ثمّ الإقامة في البلاد عامين على الأقل يتمّ على إثرها الإقرار النهائي بالوضع الجديد. ليس هناك إذن من مستند قانوني أو تعريف للجنسية التونسية لا في مشروع هذا القانون ولا في دستور 1861، بل علينا فهمها في ثنايا تلك النصوص. فالتاريخ كما هو واضح مرتبط بالظرفية، ويمر عبر منعطفات، ولا يسير وفق منطق تطوري خطي ينطلق مثلً من مرحلة وعي بالذات لكي ينتهي عند التق ين. وهنا يبقى السؤال قائمًا: لماذا لم توجد السلطات التونسية قانونًا ينظم الجنسية التونسية على غرار ما قامت به السلطات الفرنسية في الجزائر؟ خصوصًا أنّ إيجاد مثل هذا القانون كفيل بوضع حد للسجالات الدائرة حول مسألة الانتماءات في البلاد، والتي كانت باستمرار مصدر توتر داخلي ومس بسيادة الباي؟ هل كان الانتماء التونسي أمرًا حاصلً لدى أصحاب القرار؟ أم أنّ قانون الجنسية العثماني الصادر في 1869، والذي تمّ سحبه على مجمل الولايات كان سببًا في غياب القانون المشار إليه؟ لم تخضع البلاد التونسية، على حدّ علمنا، إلى العديد من الإجراءات التي قامت بها الإمبراطورية العثمانية في ولاياتها والرامية إلى توحيد أوضاع الرعايا التابعين لها، والتي منها الإحصاءات التي حصلت في 1830 وشملت مجمل مناطق الإمبراطورية أو القانون المنظم للولايات، كما لم تندرج ضمن القانون المؤسس للجنسية العثمانية الصادر في 1869، ولم تطبق بها النظم الإدارية المرتبطة بذلك القانون مثلما حصل في المشرق. وهو أمر يستحق البحث. وإذا ما تعلق الأمر بمسألة تحديد انتماء الرعايا في تونس فالمقاييس المعتمدة تبقى دومًا محلية تونسية. لنذكر هنا أنّ البلاط الحسيني تعامل في هذا الظرف مع مجمل الإجراءات القانونية التي اتخذتها الإمبراطورية العثمانية (مراسيم التنظيمات مثلً) ومع الضغوط التي سلطتها عليه بقدر كبير من المرونة، نتج منها تأكيد للانتماء التونسي من دون المسّ بالشرعية العثمانية. ففي الوقت الذي حافظ فيه الباي على ولائه للسلطان، معترفًا بعلويته الدينية والسياسية، رفض تطبيق فرمان التنظيمات الأول، الرامي إلى إدماج مجمل الولايات وسكانها ضمن بوتقة الانتماء الجديد المؤسسة للعثمنة. وعندما قبل فيما بعد بتطبيق مبادئ التنظيمات الواردة في فرمان 1856، المؤكدة بدورها محتوى الفرمان السابق، فقد حصل ذلك بعد أن أخضع النص العثماني إلى تحويرات شكلية جعلته يتحوّل إلى ميثاق تونسي. تجلّ ذلك في تلخيص المبادئ العامة الواردة في نصوص التنظيمات العثمانية، وتعريبها، ووضعها
تحت عنوان "عهد الأمان". وبذلك بدت وثيقة "عهد الأمان" من خلال ديباجتها والبنود التي احتوت عليها وكأنها ضمانات ممنوحة من باي تونس، لا من السلطان العثماني، إلى رعاياه. وفي هذا السياق أيضًا وبدوره لم يجد القانون المؤسس للجنسية أو "التابعية العثمانية" كما كانت تسمّى، والصادر في إسطنبول عام 1869، والذي أرسلت منه نسخ معربة إلى الولايات، طريقَه إلى التطبيق في تونس، بل لا توجد في المصادر الأرشيفية التونسية إشارة إليه. يستخدم النص القانوني العثماني مصطلح "التابعية" لا الجنسية أو "تابع السلطنة السنية"، وينصّ في بنده الأول على أنّه يُعد عثمانيًا كل من ولد على أرض الإمبراطورية (وإيالة تونس هي جزء منها). وهو وضع يعطي الأولية للانتماء الترابي ويتجاوز الوضع السابق الموروث عن نظام "الملت" المبني على الانتماء الديني. لذلك فإنّ إصدار قانون جنسية تونسي في هذا الظرف المتوتر قد ترى فيه الدولة العثمانية دليلً على وجود كيان سيادي من شأنه الإخلال بالوضع القانوني للبلاد وبعلاقتها مع السلطة العثمانية، ومن ثمّ ربما كان الحذر سببًا في غياب قانون يحدد الجنسية التونسية. لا ننسى هنا أنّ الإمبراطورية العثمانية كانت تعدّ الباي في مراسلاتها أحد وزرائها، وتشير إلى سكان الإيالة التونسية بصفتهم رعايا السلطان. كما لا يفوتنا أيضًا في هذا الصدد التذكير بالنشاط الدبلوماسي الحثيث الذي قامت به وزارة الخارجية العثمانية عن طريق سفرائها في العواصم الأوروبية منذ أواسط القرن التاسع عشر، لمحاصرة نشاط القنصليات التونسية في المدن الأوروبية، تمهيدًا لإلغائها بصفتها خرقًا لحقوق الباب العالي على تونس. كلّ هذه العناصر تجعلنا نتصور أنّ التطورات العثمانية قد تكون وراء غياب قانون جنسية تونسي. وتتداخل هذه المعطيات مع التغيرات التي أحدثها الاستعمار الفرنسي في الجزائر. وكان من انعكاساتها المباشرة تفشي ظاهرة الحمايات التي كانت منتشرة في مجمل فضاء الإمبراطورية العثمانية، والتي تجد جذورها في نظام الامتيازات الذي منحه السلطان العثماني للأجانب منذ القرن السادس عشر. وهي وضعية اختص بها في الأصل المستخدمون في القنصليات الأوروبية من رعايا السلطان العثماني مثل الحراس والمترجمين والسماسرة الذين تمتعوا بحكم ارتباطهم الوظيفي بالبعثات الدبلوماسية بالحقوق نفسها التي تمتعت بها الجاليات الأجنبية المقيمة في الإمبراطورية. لكنّ توسّع القوى الأوروبية في تطبيقاتها في القرن التاسع عشر، في ظل الصعوبات التي واجهتها الإمبراطورية، أدى إلى تحوّل قسم من الرعايا العثمانيين، لا سيما غير المسلمين منهم، إلى محميين. وكباقي الفضاءات العثمانية عرفت البلاد التونسية نظام الامتيازات واستفحال تطبيقاته في القرن التاسع عشر. منحت فرنسا هذا الامتياز للرعايا الجزائريين المسافرين خارج بلاد الجزائر، أو الرعايا الموجودين بتونس وادّعوا أنهم من أصل جزائري. وشمل هذا الوضع العديد من رعايا الباي الذين استغلوا الظرف للحصول على حجج تثبت نسبتهم إلى الجزائر. ونسجت
القنصليات الأوروبية الأخرى على المنوال الفرنسي، إذ فتحت الباب أمام المحليين، لا سيما غير المسلمين منهم، للتمتع بوضع المحمي فتحوّل العديد من الرعايا إلى محميين إنكليز وإيطاليين أو إسبان وغيرهم... كانت الفئات المحمية، الحاملة لبطاقات تثبت انتماءها الجديد، مثل البسبورت (أو جواز السفر) أو شهادة الحماية أو حتى شهادة الجنسية، المقيمة في البلاد التونسية تتمتع، بمقتضى وضع الحماية، بالحقوق الممنوحة للأجانب ذاتها، وبنوع من الحصانة تجعلها غير خاضعة للقوا ين التونسية. ومثّلت العملية في جوهرها انتهاكًا لسيادة الباي على رعاياه من يهود ومسلمين، وكانت مصدر توتر بين الأهالي والسلطة التونسية من جهة، والممثلين الفرنسيين أو غيرهم من القناصل من جهة أخرى... وقد تمحور التوتر حول أحقية التمتع بالحماية، واقترن بضرورة إثبات الوضع الجديد. وانحصر التساؤل في كل مرة حول التمييز بين صنفين من الانتماء: "الحماية" أو "الرعاية". لنذكر في هذا السياق أنّ لفظ الحماية من حيث هو صنف قانوني استعمل للإشارة إلى "المتجنسين"، ومضافًا إلى عبارة الدولة التونسية للتعبير عن الانتماء التونسي. ففي كل مرّة، كان على الباي أو ممثليه أو غيرهم تقديم البراهين المثبتة لانتماء شخص ما يدّعي الحماية الفرنسية أو غيرها أو حامل لوثيقة مثبتة لهذا الوضع، أنه من رعايا المملكة وليس خارجًا عنها. ومن نتائج هذا الجدل حصول تطوّر مهم في مفهوم الرعاية، إذ استوعب مجموعة من المقاييس جعلته يتجاوز المعنى الذي كان متداولً في السابق والمتمثّل بدفع الضرائب، كما هو واضح في سجلات الجباية أو الإحصاءات والخضوع للأحكام المخزنية، وأصبح يحيل على المعاني التالية: تولّ الوظائف المخزنية سواء كانت عسكرية أو سياسية أو الوظائف الدينية. لنذكر هنا أنّ هؤلاء الأعوان المندرجين في خدمة الدولة وتسييرها من عسكر وموظفين أو من ذوي الوظائف الدينية لم يكونوا في السابق، أي قبل إصلاحات القرن التاسع عشر، مصنفين ضمن الرعايا، بل ضمن ما كان يعرف في البلاد بالمخازنية أي الوظائف المتصلة بالدولة، وهي تراتبية تجد جذورها في الهيكلة العثمانية للمجتمع. الولادة في المملكة أو أقدمية الإقامة بها، أو ما يمكن أن يطلق عليه "حق الأرض" في القانون الفرنسي. فقد صادفتنا في عديد المناسبات في الوثائق الأرشيفية شهادات لأعيان محليين تؤكد ولادة مدّعي الحماية الفرنسية أو غيرها، في قرية أو مدينة ما من تراب المملكة، ووجود روابط له عائلية بالمكان. ويمكن القول إنّ الوضعية التي خلقها الاستعمار الفرنسي في الجزائر وما تبعها من إعادة تصنيف للسكان وحقوقهم، كانت أحد الأسباب المهمة في إعادة صوغ مفهوم الرعية وتحويله إلى صنف يعبّ عن الانتماء التونسي، وينسحب على مجمل سكان الإيالة من دون النظر إلى المراتب الاجتماعية أو الوظيفية. وهو بذلك يتماهى مع مفهوم "الجنسية التونسية". فكان المعنى سابقًا للمفهوم. ومن الألفاظ الأخرى الكثيرة التوارد والدالة على الانتماء إلى الدولة "أهل المملكة"، وهم بحسب دستور 1861 "كل واحد من أهل المملكة سواء ولد بالحاضرة أو غيرها من البلدان والقرى ونواجع العربان على اختلاف الأديان...". وهو ما يعطي الأولوية في منح الحقوق للسكان والتسوية بينهم للانتماء الترابي لا الديني الذي كان يؤسس للتراتبية الاجتماعية في السابق. وهذا ما يمثّل كذلك بداية استبعاد المرجعية الدينية في تحديد الانتماء الوطني.
ويضمّ الدستور أصنافًا أخرى تعبّ عن الانتماء إلى تونس، منها لفظ " الحماية" ذاته. وهو ما يبيّ أهمية الظرفية من حيث تأثيرها في التصورات السياسية. وتعترضنا تصنيفات أخرى أكثر دقة، وتتمثل بالأساس في صفة التونسيالواردة دومًا في صيغة المفرد وفي سياق الانتماء أو تغييره. كل هذه التصنيفات تعبّ أولً عن الانتماء التونسي، وثانيًا عن وجود جملة من الحقوق يتمتع بها المنتمون دون غيرهم. فمن هم "الغير"؟ هم أولًالمحميون: تعبّ التصنيفات المحلية للمحميين من "حماية" أو "بروتسيون" و"نسيون" و"سوديتو" عن محاولة الفاعلين المحليين، بمختلف مراتبهم وانتماءاتهم، فهم الوضع الجديد الذي أوجدته الظرفية المتوسطية واستبطانه. وهي تعني كذلك المغايرة المترتبة عن ابتعاد المحمي، قانونيًا، عن انتمائه السابق بصفته رعية للباي. وألحق بصنف الأجانب، وبذلك تحوّلت الحماية إلى إحدى آليات الإقصاء الاجتماعية والقانونية. ففي المستوى الاجتماعي، كان الجدل حول وضع الحماية والمحميين من العوامل المهمة في تبلور الوعي بالذات لدى المحليين. تفيد بذلك أولً ردات أفعالهم الرافضة لوضع المحميين أو "النسيون" كما كانوا ينعتونهم في الغالب، أولئك الذين لم تعد لهم المكانة نفسها بين الرعايا التونسيين. وفي المستوى السياسي عبّت السلطة الحسينية ومن يمثلها، بصفة قارة عن عدم اعترافها بتغيير رعاياها انتماءاتهم سواء كانوا محميين أو "متجنسين"، وكرّس دستور 1861 هذا الإقصاء. إذ تضمّن في أحد بنوده وتحديدًا في باب "استحقاق الوظائف" إخضاع الموظف الأجنبي لقوا ين المملكة: ف "كل أجنبي يباشر خدمة في المملكة التونسية تجري عليه قوانينها ما دام في المملكة وكذلك إذا تعلقت به نازلة صدرت منه مدة مباشرته للخدمة المذكورة أو بعد انفصاله من الخدمة تجري عليه الأحكام المذكورة في خصوص ذلك". وسيكون هذا الفصل إحدى الوسائل القانونية المهمة في إقصاء الجزائريين، رعايا فرنسا، من تولي الوظائف لاحقًا. ذلك ما نستخلصه من قضية خالد بن عمر رايس الجزائري الذي عزله باش مفتي الحنفية أحمد بن الخوجة عن وظيفة التوكيل بمجلس الشرع في 1877، وما تبع هذه العملية من تدخل القنصل الفرنسي روستان Roustan، بصفته من رعاياه، لدى الوزير الأكبر خير الدين. كان جواب ابن الخوجة على هذه المسألة القانونية إذ رأى أنّ "دار الشريعة مشتملة على عدة وكلاء أ خَر والمطلوب التسوية بينهم في إجراء
الأحكام. فإذا جنى هذا المشتكي (أي خالد بن عمر رايس المحمي) جناية وكانت لا تنال الأحكام ذاته كما كانت تنال غيره يختل نظام دار الشريعة ولذلك كان الفصل 17 من ترتيبها قاضيًا بمنعه". والقانون المشار إليه هو ذلك المؤرخ في 30 ربيع الثاني 1293 (25 أيار / مايو 1876)، والذي "يشترط في الوكلاء الذين يناضلون في النوازل الشرعية أن يكونوا ممن تنال الأحكام الشرعية ذواتهم". هذا المثال يقيم الدليل على حصول تطور قانوني وفعلي مهمّ، إذ يجعل، خلافًا للممارسات السابقة، الانتماء السياسي القانوني يتفوق على الانتماء الديني في تولي الوظائف، كما يبين أيضًا استبطان العلماء التونسيين هذا القانون الذي يميز التونسيين عن غيرهم ويعطيهم حقوقًا بصفتهم تلك، ويقطع مرة أخرى مع فكرة وجود انتماء ديني هلامي تنتفي فيه الفوارق بسبب العقيدة كما روجت لذلك المدرسة الاستعمارية. فأهل الإيالة أو "المحتمين بها"، بمعنى المولودين في أي مكان ما من ترابها، يُمنحون حقوقًا، مثل تولّ الوظائف في الدولة، لا تُمنح لغيرهم لصفتهم تلك لا غير. وبذلك سيلتحق المحميون، مسلمين أكانوا أم لا، بصنف الأجانب الذين لا تشملهم قوا ين البلاد. وإن تعرّض المحميون في بعض الحالات إلى الإقصاء وأحيانًا إلى العنف الجسدي أو اللفظي، فإنّ الجدل حول انتمائهم كان في الغالب ذا طابع سياسي، كما يتجلى من خلال وثائق الأرشيف. ومواقف المؤرخ ابن أبي الضياف من هذه المسألة واضحة. وهو ما يقيم الدليل على وجود رؤية معيّنة لمخترقي حدود الانتماء المعروفة في عصرهم ومجتمعاتهم، تفصل بين الانتماء السياسي والانتماء العقائدي. وسوف تتجلى هيمنة السياسي بأكثر وضوحًا في تحديد الجنسية، بمناسبة قضية نسيم شمامة التي شغلت السلطة الحسينية في السبعينيات من القرن التاسع عشر. قضية القائد نسيم أو جدلية الدين والسياسة في الخطاب المخزني حول الجنسيةفي سنة 1873 عندما توفي نسيم شمامة، وهو يهودي تونسي شغل وظيف قابض ومدير مالية الدولة التونسية، بالقرنة في إيطاليا، كانت قد مرت ثماني سنوات على مغادرته البلاد التونسية، سعى خلالها إلى الحصول على الجنسيتين الفرنسية ثمّ الإيطالية. وإن قُبل مطلبه بالنسبة إلى الثانية فإنه توفي من دون الإيفاء بموجباتها القانونية. طرحت مسألة جنسية نسيم أمام المحاكم الإيطالية بسبب النزاع الحاصل بين ورثته والدولة التونسية بخصوص مخلفه الهائل. وعلى الرغم من عدم إيفائه بشروط المواطنة الإيطالية، فقد قررت المحاكم الإيطالية (في طوريها الابتدائي والاستئنافي) أولً أنّ نسيمًا الذي تخلى عن الجنسية التونسية وتوفي قبل أن يصير إيطاليًا، قد مات خاليًا من الجنسية، وثانيًا أنّ مخلفه يخضع، بحكم وفاته بأرض إيطاليا، للقوا ين الإيطالية. استند القضاء الإيطالي في إصدار حكمه إلى حجج ارتبطت بمرجعيات قضائية أوروبية استمدت أساسًا من القضاء الروماني وقوا ين نابليون، وبصفة ثانوية إلى الحجج التي تقدم بها قسم من أقرباء نسيم (زوجته ثمّ ورثائها) المطالبين بقسم من إرثه.
كان على الدولة التونسية، عبر موكلها الجنرال حسين، الدفاع عن حقها في مخلّف مدير ماليتها السابق، وذلك عبر إثبات جنسيته التونسية أو "تونسيته" كما يقول أرشيف مراسلات الجنرال حسين. وتكشف رسالته المطولة التي وجهها إلى محاميي الدولة التونسية في إيطاليا مجمل إستراتيجياته في الدفاع عن "تونسية" نسيم، في مواجهة قرارات المحاكم الإيطالية، ومنافسيه من عائلة المتوفى الذين سعوا إلى البرهنة على انتماء نسيم الإيطالي أو على الأقل تمتعه بالحماية الإيطالية. استند هذا القسم من العائلة في نفي "الجنسية التونسية" عن نسيم إلى انتماء المتوفى إلى الأقلية اليهودية بالبلاد، فهم كانوا يرون أنّ اليهود لا جنسية تميزهم، ولا وطن لهم وحيثما حلوا فهنالك وطنهم، وقوا ين تلك البلاد هي التي تطبق عليهم وعلى مواريثهم، وبالنتيجة فنسيم المتوفى بأرض إيطاليا لا يمكن أن يكون في نظرهم إلّ إيطاليًا. أمّا حكومة الإيالة فكلّ ما يربطهم بها (أي اليهود) هو مجرد حماية لا أكثر، مؤكدين بالخصوص عدم تمتع اليهود بالمساواة مع بقية سكان البلاد، إذ هم بحسب شهاداتهم مستبعدون من الوظائف السياسية والعسكرية ولا تقبل لهم شهادة في المحاكم. تثير هذه المواقف الصادرة عن اليهود تصورًا معيّنًا للجنسية يجعلها تتماهى مع معنى المواطنة، فلا انتماء بالنسبة إلى أصحابها طالما تنعدم المساواة بين السكان. ولا يخفى في هذا السياق دور الظرفية التاريخية للإيالة ولمحيطها الجغراسياسي في هذا التصور والمتمثلة أولً بسياسة الإصلاحات وما واكبها من تحولّات مهمة طالت علاقة الأهالي، بما فيهم اليهود، بالسلطة، وثانيًا بالقوا ين التي صاغتها فرنسا في الجزائر وآثارها العميقة في وضعية أهالي البلاد، وخاصة اليهود الذين منحوا الجنسية الفرنسية بالجملة بمقتضى قرار كريميو
.Isaac Moise Cremieux
"تونسية نسيم" لا جدال فيها بالنسبة إلى الجنرال حسين، وعبارة "نسيم لا يمكن أن يكون إلّ تونسيًا" هي الأكثر تواترًا في رسائله. لكن كيف يمكن له البرهنة على ذلك؟ كيف يثبت ذلك أمام المحاكم الإيطالية؟ وما هي حججه في تفنيد ادعاءات خصومه من عائلة نسيم؟ وما معنى أن تكون تونسيًا بالنسبة إلى حسين؟ بالعودة إلى الرسالة المذكورة آنفًا نكتشف أنّ الشريعة الإسلامية والإصلاحات الدستورية مثّلتا المرجعيتين الأساسيتين في إسناد مواقف وكيل الدولة التونسية. يرى الجنرال حسين، أنه خلافًا لأوروبا التي اختارت بحسب رأيه "الاجتماع الجنسي والعصبيات" لبنة في بناء الانتماء الوطني، فإنّ بلاده اختارت الرابط الديني الذي هو بحسب رأيه الأداة الناظمة للعلاقات بين الحاكم والرعايا مسلمين كانوا أو أهل ذمّة. فالدين في نظره عبارة عن عقد يربط بين الحاكم والمحكومين، وليس هناك من جنسية خارج مفهوم الدين. ويؤكد أنّ "ضياع الجنسية لا أصل له في شريعة الإسلام". وأضاف أنّ الخروج عن الجنسية يضاهي خروجًا عن الدين، أو ردّة بالنسبة إلى المسلم، وكسرًا لعقد الذمّة بالنسبة إلى غير المسلم، وكلاهما ينطبق عليه حكم الردّة.
عمومًا تصبح الجنسية في الدولة المسلمة محايثة لطبيعة الإنسان ملازمة له، حتى وإن انتقل إلى أي بلد آخر، واشتغل هناك بوظيفة ما، أو أصبح تابعًا أو محميًا. فكلّ تلك التغيرات الطارئة على وضعه الحقوقي لا تغيّ شيئًا من جوهره الذي هو انتماؤه الديني، وبالنتيجة فعودته إلى بلاده لا ينجر عنها إجراءات معيّنة تعيده إلى وضعه الأصلي، بما أنه لم يخرج أبدًا من دينه أي من جنسيته. فهل أنّ التصوّر الاستعماري للجنسية في دول المغرب، من حيث هي حالة ولاء دائمة ملازمة للفرد الرعية حيثما حل ببلاد الإسلام، ينحدر من هذا التصوّر؟ كما يثير هذا التعريف للجنسية التونسية لدى حسين عديد التساؤلات: ما مدى اقتناع الرجل بهذا التحديد للجنسية، والحال أن الإصلاحات كرست مفهومًا غير ديني لعلاقات الأفراد بالسلطة؟ أو بالأحرى كيف نفهم المرجعية الإسلامية في سياق هذه القضية؟ لنبين هنا أنّ الشريعة في خطاب حسين تشتغل كما لو كانت مؤسسًا لقانون شمولي في مواجهة قانون شمولي آخر هو القانون الأوروبي، فهي عبارة عن قانون وضعي ديني. فحسين لا يقدم في خطابه آية قرآنية أو مرجعية فقهية تبرهن على جنسية نسيم التونسية، بل بالعكس نراه يصف الفتاوى التي قدمها خصومه بال "مكذوبة"، ويستهزئ بعباراتها لا سيما لفظ الجنسية الوارد بها، والذي بحسب حسين، لا وجود له في لغة الفقه. ومن المفارقات أيضًا أنّ حسين الذي بنى خطابه في تعريفه الجنسية التونسية على مستندات دينية لم يذكر بالمرّة وضع الرعاية أو الانتماء العثماني (أي الأمّة الإسلامية) في حين أنّ الإيالة كانت جزءًا من دولة الخلافة، بل إنّ مجمل مرجعياته ظلت محلية تونسية وتتضمن تنديدًا بما "فعله نسيم ضد وطنه". بل إنّ ما تكشف عنه رسالته هو دعم دستوري للمرجعية الدينية: إذ يورد حسين من الدستور التونسي ما نصه: "التونسي إذا انتقل لوطن آخر على أي وجه وبأي وجه طالت مدة مغيبة أو قصرت وحُسب من أهل الوطن المنتقل إليه أم لم يُحسب ثمّ رجع لمملكة تونس يُحسب من رعاياها كما كان". لنذكر هنا أنّ الغرض من وراء إنشاء هذا الفصل في أذهان واضعيه هو مقاومة الحمايات القنصلية لا غير. وفي رده على خصومه من عائلة نسيم، نرى الجنرال حسين يفند ادعاءاتهم القائلة بانتفاء المساواة في بلاده بين اليهود وغيرهم من المسلمين، مشيرًا إلى كلّ الضمانات القانونية التي أعطيت لليهود وما نصت عليه من مساواة تامة بين أهالي المملكة جميعهم، مدعمًا مواقفه بالحظوة التي تمتع بها نسيم في حكومة البايليك. ولكي يضيف إلى الجنسية التونسية طابعًا قانونيًا، استند حسين إلى الضمانات التي توفرها المعاهدات بين تونس وإيطاليا، والتي تكرس المساواة الفعلية في المعاملات بين التونسيين والإيطاليين، مما يبين اعتراف السلطات الإيطالية بصفة التونسي. وإذا ما تأملنا في مسار الجنرال حسين السياسي، فإننا نجده في بداية الستينيات يستبعد المرجعية الدينية في إسناد الوظائف مقدمًا عليها الأهلية أو الكفاءة. فهو واحد من تلك الفئات المثقفة التي كان لها دور فعّال في الإصلاحات التي عرفتها البلاد، والتي عمقت مسار العلمنة في علاقة الفرد بالدولة. وبذلك فإنّ مجمل خطاب حسين واستدلالاته والتوظيف الذي أخضع له الفصل 92 المذكور لا يمكن فهمه إلّ بإدراجه في إطاره التاريخي. لنذكر أولً بأنّ الإصلاحات الدستورية التي قامت بها الفئات المثقفة كانت في جوهرها غير دينية، بل تمّ تغليفها في أطر دينية. تمثّل هذا الغطاء الديني بالبحث عن مشروعية دينية لمبادئ عهد الأمان ذات المرجعية الإنسانية العلمانية، وذلك عبر تشريك مجموعة من
علماء المذهبين، الحنفي والمالكي إلى جانب رجال السياسة ضمن اللجنة التي سهرت على شرح عهد الأمان وإعداد الدستور. لقد قام عمل اللجنة المذكورة على أقلمة القوا ين الدستورية الفرنسية ونصوص التنظيمات العثمانية والقوا ين المترتبة عنها بمسار التونسة أو تجربة بناء الدولة المحلي. ونظر المصلحون إلى عملهم على أنّه جزء من مسؤوليتهم واجتهاد في الدين. وثانيًا لم تكن القوا ين المترتبة عن عهد الأمان مستمدة من الشريعة، فليس هناك كما ذكر فان كريكن Krieken Van Gerard في كتابه حول الوزير خير الدين إشارة واحدة إلى الدين في دستور 1861، وحتى الباي - بحسب الكاتب نفسه - لم يشترط فيه انتماؤه إلى الدين الإسلامي. بل نجد العكس، فمجمل القوا ين الدستورية تجعل من المساواة بين الرعايا أمرًا حاصلً وتتكرر في نص الدستور عبارات "من أي دين كانوا" أو "على اختلاف الأديان" في استحقاق الوظائف ومختلف الحقوق والواجبات. ومن العلامات المعبرة عن هذا التصور سقوط مصطلح "الذمّة" من الاستعمال. وبالعودة إلى قضية نسيم لا نلمس في رسائل حسين قبل 1877، أي قبل صدور الحكم القضائي الأولّي لفائدة خصومه، إشارة واحدة إلى مسألة الدين في انتماء نسيم. كانت "تونسية نسيم" بديهية بالنسبة إلى حسين، بناءً على أصول نسيم التونسية، وعراقة عائلته في خدمة الدولة، ووظائفه السامية في صلب الحكومة، ورسائله التي تواصلت مع أصدقائه في حكومة البايليك حتى قبيل وفاته. كان قرار محكمة القرنة بوفاة نسيم بلا جنسية والحجج التي قدمها الغرماء حاسمًا في تغيّ مواقف حسين. لكن المرجعية الشرعية التي وظفها حسين في تحديد الجنسية التونسية كانت عبارة عن توليف قانوني في صيغة إصلاحية تونسية، فمصطلح الذمّة الوارد في رسالته استخدم تصنيفًا دالًّ على غير المسلمين لا غير، وهو ما يفسّ لجوء حسين في كل مرة إلى تحديد معناه بتأكيد "أنّ الديانة الإسلامية جعلت لأهل ذمّة الإسلام ما للمسلمين وعليهم ما عليهم". كما كان حسين ذاته من مناصري مبدأ المساواة؛ ففي سنة 1876 طلب من الوزير خير الدين إلغاء وظيفة قائد اليهود، وإلحاق المنضوين تحتها ببقية سكان الإيالة حتى لا تبق تفرقة في إدارة شؤون الأهالي. يتضح من خلال هذا العرض: أنّ تكوّن مفهوم الجنسية لم يكن وليد الفترة الاستعمارية، وإن كانت مرحلة مهمة في تقنينه، بل ارتبط بجملة الصعوبات والتوترات التي واجهها المخزن الحسيني وكذلك رعاياه، كما ارتبط برهانات سياسية ومادية؛ فقد كانت مصالح الدولة في مخلّف نسيم شمامة مثلً مناسبة مكنت المخزن من اللجوء إلى جملة من الحجج أفضت إلى بلورة مفهوم أولّي للجنسية. أنّ المرجعية الدينية (الشريعة) في تكوّن مفهوم الجنسية، كما تتضح من خلال قضية نسيم شمامة، لم تكن سوى إستراتيجية قامت على توظيف الدين بما يجعله متماشيًا مع متطلبات المرحلة التاريخية؛ فالحجج الدينية المقدمة في تدعيم الجنسية التونسية ترمي إلى إسناد وضعية قانونية، قامت على مبادئ كرستها الإصلاحات من مساواة ومواطنة، هيّأت لبروز المفهوم الجديد للجنسية كما طوّره الجنرال حسين. أنّ التصنيفات القانونية، والتي غالبًا ما تخلى عنها المؤرخون للحقوقيين، هي أساسية في إثراء تاريخ اجتماعي يأخذ في الحسبان تصنيفات الفاعلين، سواء كانوا في قلب السلطة أو خارجها، وفي فهم سيرورات إعادة تشكّل المجتمع.
عمر السمر Ammar Alsoumer |
مجالات البحث التاريخي واهتممات العرب: لمن نكتب التاريخ؟
في ما يتعلق بالتاريخ، يتركز دومًا الاهتمام في الكيفية التي كُتب التاريخ بها، وفي الكيفية التي بها يُكتب؛ كما هو الشأن في عنوان المؤتمر الثالث للدراسات التاريخية الذي عقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. ويمتد السؤال إلى من يكتب التاريخ، ومنهاج الكتابة ومصادرها، ومجالات البحث في التاريخ التي يصعب حصرها. ولا بد أنّ هذه القضايا الإشكالية مهمة جدًا. أمّا اليوم، فتطرح مجلة أسطور الرزينة موضوعًا للنقاش مكملً لموضوع المؤتمر؛ وهو "مجالات البحث في التاريخ" ولا بدّ أنّ الموضوع يهمها بصفتها متخصّصة بالدراسات التاريخية؛ لعلّها تركّز في مجالات جديدة، في البحث التاريخي، غير مطروقة من المؤرخين العرب، وقد فعلت. وطبعًا، يهدف التركيز في الكتابة التاريخية وشروطها، والمؤرخين وصفاتهم، والمنهج ومدارسه إلى الارتقاء بالكتابة التاريخية، وتقديم منتج علمي مفيد ل "الأمة" والمجتمع والناس، من شأنه أن يساهم في توضيح كثير من القضايا التي تدور حولنا وتؤثّر في حياتنا أشدّ تأثير، وخصوصًا مع المخاض العسير، منذ سنوات، في العالم العربي والربيع الذي طال انتظاره، وعمل العديد من المراكز العلمية والمؤرخين، وظهورِ كثير من الكتابات الرزينة التي قامت بتحليل ما وصلنا إليه وما نحن ذاهبون إليه. وفي هذا السياق، لا شكّ في أنّ الحديث يُقصد به الكتابات العلمية. وبناءً على ما سبق، نطرح مجموعةً من الأسئلة للنقاش في هذه الندوة. أول، أمام هذه الكمّ الكبير من الكتابات والدراسات، لا بدّ من أن نتساءل: إنْ قام المؤرخون بكل ما هو مطلوب، فمن سيقرأ ما سيكتبون؟ وهل تتناول تلك الكتابات اهتمامات الناس (الخاصة والعامة)؟ أم هل هي كتابات تحوز اهتمام المتخصّصين والمثقفين فقط، وقد تمتد أحيانًا إلى صنّاع القرار وإن كان ذلك نادرًا في عالمنا العربي؟ ثانيًا، ما هي مجالات البحث المناسبة لأمة في طور أزمة وجودية كبيرة؟ يطرح اليوم عدد من المؤرخين المميزين - وبعضهم مشارك معنا - في هذه الندوة مجالات بحث جديدة يواكبون فيها ما يقوم به المؤرخون في العالم والغرب تحديدًا، ونجد ذلك عند الإخوة المغاربة على نحو خاص؛ بسبب الجغرافيا والخلفية الثقافية والتعليمية. ومن هذه المجالات على سبيل المثال: تاريخ الغذاء، والميكروستوريا، وتاريخ العواطف... إلخ. لا بد أنّ تلك المجالات مهمة وجديدة، وأنها تواكب الدراسات التاريخية العالمية، ولكنّ السؤال هو: هل تلبّي حاجةً معرفيةً حاليًا في عالمنا العربي؟ هل هي مجالات البحث الملائمة لأمة في طور أزمة وجودية كبيرة؟ نطرح هذا السؤال على الرغم من أنّ تلك المجالات جديدة وتُبعدنا عن المواضيع المكررة التي تعتمد على اجترار التاريخ ومصادره، إضافةً إلى أنّ بعضها ممتع وتتعدى الاستفادة منه عنوانه؛ فيكون مدخلً لفهم الحياة الاجتماعية والاقتصادية. وفي هذا السياق، ينبغي ألّ يخطر ببالكم أننا لا نرى الجديد والمفيد. فقد أشار الزملاء إلى مواضيع على غاية من الأهمية، وهي ملائمة وتضيء جوانب مازالت مهملةً، أو مظلمةً، أو مطموسةً، أو مسكوتًا عنها، في تاريخنا. وقد أشار الدكتور محمد الطاهر المنصوري إلى عدم اهتمام المؤرخين العرب بالتاريخ الأوروبي وأرشيف العصور الوسطى في أوروبا، على الرغم ممّا لتلك القارة من تأثير في ما جرى، وفيما يجري، بالنسبة إلى عالمنا العربي منذ قرون، كما أشار الدكتور نصير الكعبي إلى الرواية الموازية. ثالثًا، هل تلبي مجالات البحث التاريخي وجديدها الحاجات المعرفية؟ لا بدّ أن نأخذ في الحسبان تطور المجتمعات والدولة والحاجات المعرفية الملائمة لكل مرحلة من ذلك التطور. والفرق كبير بين الغرب والعالم العربي من هذه الناحية؛ إذ تلبّي المواضيع المطروحة في الغرب، اليوم، اهتمامات وحاجات معرفيةً موجودةً حاليًا في هذه المرحلة من تطور تلك المجتمعات، ولم تكن موجودةً ما
قبل الحرب العالمية الثانية ولا في الخمسينيات، على سبيل المثال، بل كانت هناك مواضيع أخرى تحوز اهتمامات المؤرخين. أضف إلى ذلك الخصوصيةَ الموجودة لدينا، بوصفنا عربًا ومسلمين كما هي لدى غيرنا، وهذا أمر ينبغي أن يُؤخذ في الحسبان وهو ليس اختيارًا. ربما علينا في عالمنا العربي العودة قرنًا إلى الوراء لموازاة الغرب. فمازال لدينا سؤال الحرية والدولة، على سبيل المثال، والكثير من القضايا والمواضيع السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أُشبعت بحثًا في الغرب. فقد بقيت الدولة والمجتمعات المستقرة وفضاء الحريات العامة الواسع مواضيع غير مطروقة لدينا؛ بسبب عدم وجود بيئة ملائمة للبحث، وأهمها الحريات التي هي أساس الإبداع في العلوم بوجه عامّ والعلوم الإنسانية على نحوٍ خاص. وفي هذا السياق، لا بدّ أن نذكر أنه، بسبب نقص من الحريات، توجد مجالات بحث قديمة وجديدة مهمة في الغرب، في ما يتعلق بالتاريخ السياسي والاجتماعي، وهي ملحّة في عالمنا العربي، ولكن لم يقترب منها أغلبية المؤرخين العرب المشارقة والمغاربة. في حين نجد بعضهم يقبل على مواضيع كانتقاد الفكر الإسلامي، على سبيل المثال لا الحصر، ويأخذ في ذلك حريةً غير معهودة في الكتابة؛ لأنّ ذلك يتسق مع الموقف العامّ للأنظمة العربية في معاداة الإسلام السياسي المتطرف والمعتدل على حدّ سواء. ونرى بعضهم ينبش موضوعات ويقوم بقراءات غريبة، تلبّي حاجةً معرفيةً مضادةً للمجتمعات، وبعضهم يصبّ الزيت على النار بدعوى حرية البحث والقراءة الجديدة. وطبعًا، ذلك لا يشمل بعض القراءات الحديثة المبدعة للتراث وللتاريخ الإسلامي. رابعًا، هل يستطع المؤرخون الذين من المفترض أن يكونوا أكثر الناس فهمًا لِما حدث، ولِما يحدث من حولنا أن يلامسوا اهتمامات المجتمع ومخاوفه، وأن يقدّموا تفسيرًا علميًا ل ما يجري حوله؟ وإن أرادوا ذلك، فهل يملكون وسائل لإيصال معرفتهم للجمهور؟ وهل يستطع المؤرخون الوصول إلى الجمهور أو النزول إليه؛ لأنه من الصعب أن يصعد الجمهور إليهم؟ إنّ بعض الكتابات لا يكاد يفهمها المتخصّصون. بمعنى آخر، ينبغي تبسيط الأمور والكتابات. وإن امتلك المؤرخون وسائل الوصول إلى الجمهور، فهل سيكون هناك من يهتمّ بما يقولون؟ أم هل ستكون حالهم اليوم كحال ابن خلدون عندما خرج بفلسفته التاريخية في ذلك العصر المضطرب الذي كانت تعيشه الأمة الإسلامية، وقدّم آنذاك تفسيره المعروف للحالة، ولكيفية وصول الناس إلى ما وصلوا إليه من فوضى وانحطاط؟ لقد ضاعت صيحته وأفكاره، آنذاك، في صخب الصراعات المستعرة - مثل اليوم - ولم يُستفد منها آنذاك ولا اليوم. ف "لا حياة لمن تنادي." خامسًا، المؤرخون ونشر المعرفة التاريخية: إن كان هناك تنوع كبير بين من يكتبون التاريخ ومجالات بحثهم، فإنّ التنوع بين القراء أكبر كثيرًا. ومن ثمّ، كيف يمكن تلبية متطلباتهم المعرفية المتنوعة؟ بعبارة أخرى كيف يساهم المؤرخون في بناء المعرفة في المجتمع؟ هذا مع عدم نسيان ما للتاريخ من "تقديس" في المجتمعات العربية وأنّ المروي منه أكثر من المكتوب، والخيالي أكثر من الواقعي، والطائفي والعشائري أكثر من العلمي، إضافةً إلى نخبوية الكتابة التاريخية؛ بمعنى توجهها إلى المتخصّصين. فكيف يتصرف المؤرخ تجاه هذه الإشكالية؟ وجد بعض المؤرخين طرائق للوصول إلى الناس عن طريق وسائل الإعلام الحديث؛ كالصحف والمواقع الإلكترونية والمدونات، وهي وسائل أكثر قربًا من القرّاء، حتى أصبح لبعض المؤرخين، بغضّ النظر عن توجهاتهم، زاويا خاصة أسبوعية في بعض الصحف؛ كيونان لبيب رزق على سبيل المثال، فهو قد استطاع أن يمزج الصحافة بالتاريخ، من خلال مقالاته الأسبوعية في جريدة الأهرامتحت عنوان "ديوان الحياة المعاصرة "، وعمل من خلالها على توثيق بعض وقائع التاريخ المصري الحديث، حتى قيل إنّ "يونان رزق أشاع المعرفة التاريخية بين أوساط الشعب المصري فبسط إليهم التاريخ المصري وقدمه سهلً مفهومًا". طبعًا، ينبغي ألّ يفهم من هذا الكلام أنه دعوة لتحول المؤرخ إلى صحافي. ولكن هذه طريقة واسعة الانتشار لإشاعة المعرفة التاريخية.
فضلً عن ذلك، نجد لدى مؤرخين آخرين؛ كسيار الجميل مثلً، مواقع إلكترونيةً نشيطةً يتناولون فيها الكثير من القضايا العربية والعالمية التي تهمّ المتخصّصين والناس العاديين. وهذا النوع من التواصل مع الناس مازال محدودًا. ولكن توجد مشكلة أخرى أكبر من ذلك؛ مفادها أنّنا نتحدث عن البلاد العربية التي عُرِفَ عنها إحصائيًا أنها من أقلّ شعوب العالم قراءة.ً ونجد بعض المؤرخين يطرق مجال الدراما والسينما، مع انتشار موجة الأعمال الدرامية التاريخية، وهي من أكثر الوسائل انتشارًا بين الناس. وهذا أمر لا بأس به، ولكن ينبغي ألّ تتُرك هذه الوسيلة الواسعة لغير المتخصصين؛ لئلَّ تنتشر المعرفة التاريخية غير الدقيقة أو تُوظف توظيفًا فارغًا خاليًا من أيّ مضمون معرفي. هذه هي التساؤلات التي أطرحها للنقاش مع الزملاء في هذه الندوة لعلّنا نخرج بأجوبة لها.
ناصر الدين سعيدوني: سعيدٌ أنا بهذه المحاضرات القيّمة، وهذا الطرحِ الجديد، لكن لديّ بعض التساؤلات، أوجّهها إلى الأستاذة فاطمة بنسليمان. بحثك رائع جدًّا، ومنعش للذاكرة التاريخية، لكني أرى خلطًا ما بين الهوية والجنسية، وما بين الانتماء والتمايز، وسؤالي هو: هل كانت حملات الحكام الجزائريين، لا سيما صالح باي وغيره، على الحدود التونسية، أو التدخلات الجزائرية في العصر العثماني، عاملً في نموّ الشعور والتمايز التونسي؟ معلومٌ أن هناك تمايزًا في الجزائر؛ فأبو راس الناصري - مثل - عندما يجتاز الحدود بخطوة واحدة يقول: الآن دخلت الوطن، كذلك حسين الورتلاني في رحلته، غادر الكاف - وكانت الحدود آنذاك وادي سْاط، وليست الحدود الحالية -، عندما قطع الوادي قال: الآن دخلت الوطن فانشرح قلبي. كانت تونس بالنسبة إليه بيئةً مختلفةً، لكن القضية لم تكن مرتبطة بالاستعمار، بل هي بدأت في الواقع مع العهد الحفصي، وتميزت في القرن السادس عشر. بدأت الجنسية هنا بالتراب ثم وصلت إلى الشعور. نجد هذا كذلك عند محمود مقديش في صفاقس، ونجده عند أبي الضياف وغيرهما. إذًا؛ هناك شخصية تونسية متميزة في الواقع. لكن احتلال الجزائر تعمّق بعد ذلك. منح طرحكِ وتحليلكِ - في الحقيقة - هذا كلّه بُعدًا ما، وأهنئك بهذا الطرح. بخصوص مداخلة الدكتور عمار السمر؛ في الواقع، وجدت نفسي مضطربًا، لماذا؟ لأنه يُخشى أن يتحوّل العربي إلى صحافي، أو رجل سياسة، أو رجل مواقف إذا ارتبط مجال البحث التاريخي باهتمامات الباحث الشخصية. وهذه إشكالية كبيرة؛ لأنني أرى أن التحفّظ واجب على المؤرخ، لأنه كالذي يعمل في المجال الدبلوماسي، أو في الجيش. أما إذا فقد المؤرخ الحياد وانخرط في المعالجة السياسية، فإنه سيفتقر إلى ما نسميه "صدقيّة"، على الرغم من علم نا بأن الصدقيّة التاريخية أو الموضوعية مستحيلة التحقق في الواقع. ومع ذلك؛ نجد مثلً أن زميلنا وأخانا الفاضل عبد العظيم رمضان - رحمه الله - الذي عشنا معه سنواتٍ في مصر وفي الجزائر، عندما بدأ الانفتاح في مصر بدأ يكتب، ويُكثر الكتابة، وكذلك محمد أنيس رحمه الله وغيرهما. فالاستغراق في الأعمال السياسيّة أو التماهي معها، ومحاولة جعل المؤرخ يُدلي بدلوه في الأحداث السياسية مجازفة قد تؤدّي به إلى أن يصبح طرفًا، وهذا نوع فقط من المحاذير، لا أدري مدى صحته، لكن هناك خطورة نوعًا ما. إنه لا بدّ من ترك فترة زمنية حتى يكتملَ الحدثُ، وتضحَ الصورة، ثم بعد ذلك تأتي الكتابة التاريخية لتلقي الأضواء على الأحداث، لكنّ رأيك وتوجهك يخيفانني في هذه القضية في الواقع، وإن كانت مداخلتك رائعة جدًّا. عبد الحميد هنيّة: الدكتور عمار السمر، عندما أستمع إليك أشعر أنه ليس هناك تفاعل بين المنتج للمعرفة التاريخية والجماهير. تقول: لمن يكتب المؤرخ؟ لكن ماذا تقول عندما نجد الجماهير تكتب على الجدران "فليسقط التاريخ"؟ حدث هذا في لبنان، في بيروت
خاصة، وفي الجزائر أيضًا. ماذا تقول عندما تجد الجماهير تطالب بإعادة كتابة التاريخ؟ ألا يعني هذا أن الجماهير تعرف ما يُكتَب؟ ولهذا ترفض شكلً من أشكال كتابة التاريخ، وتطالب بإعادة كتابة معيّنة، هذا ما أريد قولَه. فالمؤرِّخ ينتج المعنى sens de Producteur، وفي الجامعة، مثلا، تظهر بعض الأفكار، ثم تُبَثُّ على التلفاز، وفي الصحافة، فهناك قنوات تنقل دائمًا إبداعات المؤرخين إلى الجماهير. أريد أن أبدي ملاحظة للدكتور سامر عكاش، بصراحة ومع احترامي لما تقول، في تونس؛ في الجامعة دراسات حول الحداثة، ولنا توجه مختلف تمًاما، فالنظرة إلى الحداثة كما يقول أحدهم "إنما هي ابتكار للعبقرية الأوروبية" - كأن أوروبا هي مركز العالم - أكبر خطر. وكأنّ بك تعدُّ الحداثةَ الأوروبية، أو الغربية عامّة، حداثةً كونيةً؛ لأن الحداثة ظاهرةٌ كونيةٌ، لكنّها بالنسبة إليك ظاهرة كونية غربية، والكوني - إن كان كونيًّا فعل - لا يمكنه أن يكون غربيًّا فقط. تقول كذلك: ليست هناك حداثة مبكرة. لو أخذنا فقط مظهرًا من مظاهر الحداثة، أنا اعتنيت به شخصيًّا، وهو الدولة بالمعنى الحديث للكلمة State / Etat، ظهرت هذه الكلمة في القرن الثالث عشر، وتطورت شيئًا فشيئًا؛ لأن الحداثة لا تولد هكذا دفعةً واحدةً. عندما ننظر في شمال أفريقيا مثلً، في المغرب؛ منذ القرن الثاني عشر، وجد الفاعلون السياسيون والفاعلون الاجتماعيون الحاجة ماسَّةً إلى بناءٍ سياسيٍّ جديدٍ يخضع لمحتوى الدولة بالمعنى الحديث للكلمة Etat، وهو المخزن، ظهر مع الموحِّدين بدرجةٍ أساسيةٍ. كلمة مخزن لا تزال موجودة ومستعملةً في المغرب للدلالة على الدولة العميقة، وهناك استنباط لمعنى كلمة مخزن للدلالة على بناء سياسيٍّ من نوعٍ جديدٍ لا علاقة له بالخلافة أو بغيرها ممّا كان موجودًا، بل هو تمامًا مثل ما استنبط الأوروبيون كلمة Etat ' L للتعبير عن بناءٍ سياسيٍّ جديد بمعنى حديث، الحداثة إذًا - على الرغم من أننا اقتصرنا على هذا المثال فقط - ظهرَت في العالم غيرِ الأوروبي، قبل أوروبا، ولكنّنا - في الحقيقة - لا نحاور الذاتية المركزية الأوروبية بذاتية مركزية مغاربية، بل ظهرت الدولة بالمعنى الحديث للكلمة في الصين قبل ظهورها في المغرب العربي بكثير. أحمد أبو شوك: سأوجّه ملاحظتي وتعليقي إلى الدكتور سامر عكاش. أعتقد أنّ الفرضيّة التي انطلق منها تنفي وجود المركزية تمامًا؛ لأنه أقرَّ بقضية الثقافة النسبية، ومن هذه الزاوية حاول أن ينظر إلى ظواهر الثقافة في مواقع مختلفة، لكنّ السؤال المحوري الذي طرحه - في وجهة نظري - هو المرتبط بتموقع التاريخ العربي في المنظومة العالمية، والفرضية الأخرى التي يرى فيها أن الإمعان في التاريخ المحلي يقود إلى التهميش الذاتي. بحسب قراءاتي، طرَح هذه القضية أكثرُ من مؤرخ، بمن فيهم الأخ المنصوري؛ ففي قضية التحقيب تختلف الأدبيات الإسلامية، وكل الاختلاف مرتبط بالعصور الوسطى، لكننا نتفق على التاريخ القديم ومرحلة التاريخ الحديث. إذا حاولنا أن نضع التاريخ العربي أو الإسلامي في هذه المنظومة، يجب أن نجعل للعصور الوسطى وجهين بدلً من وجه واحد، الوجه الواحد يمثل التاريخ الظلامي أو فترة الظلام في أوروبا، لكن الوجه الآخر أنها كانت فترة العطاء والإنتاج في التاريخ العالمي. إذا استطعنا أن نموقع التاريخ العربي في هذا الإطار، نحتاج إلى منهج عالمي لقراءة الآثار التي أحدثها التاريخ العربي خارج الإطار العالمي. نحتاج إلى أن ننظر إلى المصطلحات بعمق؛ لأن قراءتك للحداثة تقودنا إلى الدولة العثمانية. لقد لاحظتُها في دراسات صدرت عن IRCICA، حاولَتْ أن تموقع الدولة العثمانية في إطار التاريخ العالمي، أراها محاولات جيدة، إلا أن الإشكالية المطروحة بعد قيام الدولة القُطْريّة في العالم العربي هي: كيف نضع منظورًا يمكن للعالم العربي فيه أن يكون جزءًا من المنظومة العالمية؟ سامر عكاش: أولً، تحدثتُ عن الحداثة المبكرة، لا عن الحداثة، وعن التحولات الحداثية لا عن توصيفات الحداثة، ولهذه فترة زمنية محددة، وتغيرات مرصودة بالكامل. ولم أتحدث عمّا جرى في القرن 13، ولا أريد أن أخرج عن السياق التاريخي للحداثة المبكرة، ولا عن التغييرات المرصودة في هذا التاريخ؛ فنحن لا نريد أن نموقع أنفسنا كما تفضل الدكتور، ولكننا نريد إعادة صَوْغ هذا التاريخ العالمي لنحتل موقعًا رئيسًا فيه، وهو ما يحتاج إلى دراسات متخصصة في مدارس التاريخ عن فترة الحداثة المبكرة بوصفها مجالً تخصصيًّا موجودًا في كل العالم، لكنه ليس موجودًا عندنا. ثانيًا، أما الطريق التي سنشتغل عليها بدورنا في هذا المجال، فأنا اشتغلت عليها في الكتاب الأخير الشامل لقراءة التاريخ الثقافي لمدينة دمشق. المشكلة الأساسية التي تواجهنا في هذه العملية التي ألمحَ إليها الدكتور خالد زيادة هي موضوع الأفكار، صَوْغُ التاريخ العالمي وتحولات الحداثة قائمة على أساس أن أي تغيير مجتمعي عالمي يجب أن يكون قائمًا على نوع من الوعي بهذا التغيير، ومن ثمَّ الكتابة في
هذا التغيير، فالتغيير أساسًا تغيير فكري، هكذا رُص دَ تاريخُ الحداثة. إنّ تغييرًا اجتماعيًّا لا يصاحبه وعيٌ اجتماعي لا يُعَدُّ تغييرًا حداثيًّا. لذلك؛ نقضتُ هذا الموضوع، وحاولتُ أن أوضح في هذا الكتاب أن التغييرات المجتمعية هي تغييرات الأحوال وتغييرات الأفكار. من الأمثلة على ذلك، في النصف الأوّل من القرن 15 أقام شخصان من دمشق مشروعًا تجاريًا مبتكرًا، هو بيع القهوة، وكانت القهوة في بداية انتشارها، وهكذا فُت ح أول مقهى في دمشق، ثم نقلا بيع القهوة إلى تركيا، وانتشر شربها، وبهذا ظهرت المقاهي في المجتمعات الغربية والعربية على نحو واسع، وغيرت التركيبة المجتمعية كاملةً. انتشار القهوة كان تغييرًا مجتمعيًّا جذريًّا في هيكلة المدينة، وفي العلاقات الاجتماعية، وفي تسطيح الهرمية الاجتماعية، ثم بدأ التنظيرُ فيما بعد، أي أن التغيير الاجتماعي عندما طرأ على المدينة، لم يحتج الناس إلى التنظير، ومن هنا حاولت أن أطرح مفهوم "الحداثة المتشابكة"؛ على أساس أن المشاركة العربية التي كانت سباقة في تحولات الحداثة، كانت في الأحوال وليس في الأفكار؛ لذلك اعتمد الغربيّون على الأفكار موضوعًا أساسيًّا، أما نحن فليس لدينا الوعي للتنظير لظاهرة انتشار القهوة مثلً، وتأثيرها في المجتمعات، وتغييرها. فاطمة بنسليمان: سأجيب الأستاذ ناصر الدين سعيدوني عن سؤاله حول الهوية والجنسية التونسية، نعم، أنت على حق، ولكن مسألة الهوية كانت متداولةً في النقاشات بعد الثورة، وأ عطيَتْ شحنةً عاطفيةً، وشحنةً يمكن أن نقول إنها تاريخانية، أي أن كل إنسان يتكلم عن هويته كأنها شيء ثابت في التاريخ، فهوية البعض بربرية، وهوية البعض الآخر عربية إسلامية، إلى غير ذلك؛ لذا نظرتُ إلى المسألة من باب آخر، واستعملتُ لفظ "الانتماء" الذي هو "الجنسية" بدل "الهوية". صحيح أن الجنسية وضعية قانونية، أما بالنسبة إلى العلاقة بين الانتماءات، فهذه فعلًانتماءات قبل استعمار الجزائر وتونس، وكان لصراع الولايتين العثمانيتين تأثيره في بلورة الانتماءات في الناحيتين. أثّرت العلاقة بين السلطة الحاكمة في تونس والمجال الترابي البشري في مسألة الانتماء، ولا سيما بعد تسطير الحدود بين الجزائر وتونس بداية القرن 17، وبينها وبين الإيالة في طرابلس، وابتداءً من هذا التاريخ تركز همُّ الحكام في تونس على المجال التابع لهم ضمن هذه الحدود، وارتبط الرعايا في الداخل بمركز الحكم الذي هو مدينة تونس، وقد درست هذا الموضوع، وهو يشبه - إلى حدٍّ كبير - تكوُّنَ الهُويَّات القومية في أميركا اللاتينية التي درسها أندرسون في كتابه الجماعات المتخيلة. عمار السمر: أوافق الدكتور سعيدوني تمامًا، وأدرك أن المؤرخ يجب ألا يلجَ في دراسة ما يجري الآن؛ لأن هذا شأن العلوم السياسية، ونحن نعرف - منذ كنا طلابًا في الجامعة - أنه يجب أن يكون قد مرّ على الموضوع خمسون سنة؛ فلكي نفهم ما يجري في سورية مثلً أو حتى في الجزائر أو ليبيا أو لبنان، لا بدّ أن نعود إلى بداية الدولة الحديثة، وهذا مضى عليه مئة عام. كذلك إذا أردنا أن نتتبع ظاهرة العنف والعنف المضاد الذي يجري في العراق، أو مسألة بناء الهوية الوطنية وتفتُّتها، لا بد أن نعود إلى الوراء، لكن من غير أن نبتعد كثيرًا. ومثل هذا يُهِمُّ الناس كثيرًا، لكن حين أحاول أن أتكلم مع ناسٍ استقَوْا معرفتَهم عن التاريخ غالبًا من مصادر شفهية، فهذا - كما قلت سابقًا - يفرّق أكثر مما يجمّع. في لبنان - مثل - قبل خمس سنوات، فشلت لجنة في وزارة التربية اللبنانية في وضع مقرر للطلاب لتدريس التاريخ الحديث، وقد شاهدتُ هذه اللجنة على التلفزيون تعلن أنها فشلت في وضع هذا المقرر، وكان هناك ربورتاج للّجنة قامت فيه بلقاء بعض الطلاب في المدارس وفي الصفوف، وكذلك بعض المعلمات. سئلت إحدى المعلمات هذا السؤال: لنفرض أن طالبًا سألك عن بشير الجميِّل، كيف ستجيبين؟ قالت: سألفُّ وأدور حتى لا أجيب؛ لأن الإجابة عن هذا السؤال ربما تخلق مشكلة في الصفّ. إذًا، كيف يُدرَّس التاريخ في مدارس تابعة لطوائف وما إلى ذلك؟ عندنا في سورية الوضع مختلف؛ فهناك مناهج قومية عربية، تشجع على الوطنية وأشياء كثيرة، لكن بلا نتيجة. على الرغم من ذلك، أرى أن التاريخ مهم جدًّا في بناء الهوية، وبناء روح مشتركة للأطفال ولأبناء البلد، لكن هذه الهوية يجب أن تكون ثابتة وغير متناقضة مع الواقع، لذلك؛ الرجوع إلى الماضي مهم من أجل العيش في الحاضر. وشكرًا. إبراهيم القادري بوتشيش: أنا بدوري لديّ ملاحظة، ربما أختلف فيها مع الدكتور ناصر في ما يتعلق بقضية المؤرخ واللحظة الراهنة، عندنا الآن ما يسمّى ب "التاريخ اللحظي"، وفيه يخزّن المؤرخ المعلومات حتى لا تتعرض للطمس والتشويه فيما بعد، ولا يقوم بإصدار الأحكام، بل تتُرك حتى تنضج القضيّة، وتصبح الأمور أكثر سهولة في التناول وفي التحليل، أي أنه يوثِّق، لكن لا يكتُب حتى تظهر الحقائق جليّة.
المراجع
مجالات البحث يف التاريخ: تاريخ العالم نموذجًا
كوثراني، وجيه. تاريخ التاريخ: اتجاهات - مدارس - مناهج، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012. نعوم، عبد الفتاح. "مساهمة الاستشراق الأنغلو - أميركي في صعود دراسة المناطق"، مجلة تبين، المجلد 3، العدد 4 (2014.)
مجالات البحث التاريخي يف المغرب: التاريخ المحلي
الزراعة والأغذية بالمغرب ما قبل الاستعمر
ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة، ط 7، بيروت: دار القلم، 1989.
للتأليف والترجمة والنشر، 1977.
حافظي، حسن علوي. المرابطون، الرباط: جذور للنشر، 2007.
العبدوني، محمد بن عبد الكريم. يتيمة العقود الوسطى، مخطوط الخزانة الوطنية بالرباط، رقم ك 305.
References
هيغل، فريدريك. محاضرات في فلسفة التاريخ، إمام عبد الفتاح إمام (مترجم)، بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، ط 2، 1983.
• Brush, Kathryn. "The Cultural Historian Karl Lamprecht: Practitioner and Progenitor of Art History," Central
European History , vol. 26 , no. 2 (1993).
• Cole, Matthew D. "The Idea of Historical Synthesis, Henri Berr and the relationship between History and
Sociology in France at the beginning of the Twentieth Century" (Sheffield University, Department of Sociological
Studies , ShOP, Issue 8 (March 2005), accessed on 31 / 5 / 2016 , at: http://bit.ly/ 25 vNpFy
• Whelan, Michael. "James Harvey Robinson, the New History, and the 1916 Social Studies Report," The History
Teacher , vol. 24 , no. 2 (February 1991).
• Ben Ali, Driss. Le Maroc précapitaliste: Formation économique et sociale, Casablanca: Société marocaine des
éditeurs, 1981.
ابن عسكر، محمد. دوحة الناشر لمحاسن من كان بالمغرب من مشايخ القرن العاشر، محمد حجي (محقق)، الرباط: دار المغرب الفاسي، محمد العربي. مرآة المحاسن من أخبار الشيخ أبي المحاسن، محمد حمزة الكتاني (محقق)، الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2003.
الوزان، الحسن (ليون الإفريقي.) وصف إفريقيا، محمد حجي ومحمد الأخضر (مترجم)، الرباط: منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، 1980.
• Aron, Jean-Paul. "Biologie et alimentation au XVIIIe siècle et au début du XIXe siècle," Annales. Economies,
Sociétés, Civilisations , no. 5 , (1961).
• Aymard Maurice & Bresc, Henri. "Nourritures et consommation en Sicile, entre XIVe et XVIIIe siècle, " Annales.
Economies, Sociétés, Civilisations (1975).
• Beardsworth Alan & Keil, Teresa. Sociology on the Menu. An Invitation to the Study of Food and Society ,
London/ New York: Routledge, 2003.
• De Chénier, Louis. Recherches historiques sur les Maures et l'histoire de l'empire du Maroc, Paris: Louis Chénier,
• Gerson, Max. A Cancer Therapy. Results of 50 Cases, San Diego: The Gerson Institute, 1990.
• Hardy, Georges. "L'alimentation indigène au Maroc," Terre, Air, Mer , no. 48 , (1932).
• Host, Georg. Histoire de l'empereur du Maroc Mohamed Ben Abdellah , F. Damgaard & P. Gailhanou (trans),
Rabat: édition La Porte, 1998.
• Houbaida, Mohamed. Le Maroc végétarien, XVe-XVIIIe siècles. Histoire et Biologie , Casablanca: Editions
Wallada, 2008.
• Kayser, Charles (dir.). Physiologie , Les fonctions de nutrition , Paris: Flammarion, 1970.
• Keys, Ancel. How to Eat Well and Stay Well. The Mediterranean Way , New York: Doubleday, 1975.
• Médicaments et aliments: approche ethno pharmacologique , Actes du 2 e colloque européen d'Ethnopharmacologie,
Heidelberg (1993).
• Rosenberger, Bernard. Société, pouvoir et alimentation. Nourriture et précarité au Maroc précolonial, Rabat:
Alizés, 2001.
• Siddiqi, M. Z. Studies in Arabic and Persian Medical Literature, Calcutta: Calcutta University Press, 1959.
مظاهر التجديد في البحوث التاريخية يف تونس
حالة فريق "دراسات مغاربية"
• Bargaoui, Sami & Hassan Remaoun (coord.). Savoirs historiques au Maghreb: construction et usages, Tunis and
Ohran: publications CERES/ CRASC, 2006.
• Chérif, Mohamed Hédi & Abdelhamid Hénia (coord.). Individu et pouvoir dans les pays islamo-méditerranéens,
Paris: Fondation Européenne des Sciences & Maisonneuve et Larose, 2008.
• Elmoudden, Abderrahmane & Abdelhamid Henia & Abderrahim Benhadda (coord.). Ecritures de l'histoire
du Maghreb: identité, mémoire et historiographie , Actes de deux tables rondes organisées à Marrakech, 27-
28 / 5 / 2004 , Tunis, 1 - 2-3 / 10 / 2004 , Série colloques et séminaires no. 138 , Rabat: Publications de la Faculté des
Lettres et des Sciences Humaines, 2007.
• Henia, Abdelhamid et al., Itinéraire d'un historien et d'une historiographie. Mélanges de DIRASET offerts au
professeur émérite Mohamed-Hédi Chérif, Tunis: DIRASET - CPU, 2008.
• Hénia, Abdelhamid. (coord.), Être notable au Maghreb: Dynamique des configurations notabiliaires, Tunis:
Publication de l'RMC & Maisonneuve et Larose, 2006.
•. Le frère, le sujet et le citoyen: Dynamique du statut politique de l'individu en tunisie, Tunis:
l'Or du temps , 2015.
• Virtanem, Kirsi (ed.). Individual, idelogies and society: Tracung the Mosaic of Mediterranean History, no. 89 ,
Tapri: Tampere Peace Research Institue, 2001.
• Zghal, Abdelkader & Abdelhamid Hénia & Fatma Ben Slimane (coord.). Révolution Tunisienne: Compromis
historique et citoyenneté politique , Actes du colloque international organisé par le Laboratoire Diraset et
l'ATASC, mai 2013 , Tunis: Laboratoire Diraset et Editions arabesques, 2015.
تغيّ مجالات اهتممات المؤرخ لقراءة التاريخ من الأسفل: تاريخ المهمّشين نموذجًا
باتلاجين، إفلين. "تاريخ المتخيل"، في: التاريخ الجديد، جاك لوغوف (مشرف)، محمد الطاهر المنصوري (مترجم)، بيروت: منشورات المنظمة العربية للترجمة، 2007.
بوتشيش، إبراهيم القادري. المهمّشون في تاريخ الغرب الإسلامي، قراءة في التاريخ المنظور إليه من أسفل، القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2014.
فوفيل، ميشيل. "التاريخ والأمد الطويل"، في: التاريخ الجديد، جاك لوغوف (مشرف)، محمد الطاهر المنصوري (مترجم)، بيروت: منشورات المنظمة العربية للترجمة، 2007.
ليسير، فتحي. "محاذير توظيف المصدر الشفوي في كتابة تاريخ الزمن الراهن، شهادات فاعلين في الثورة التونسية"، في: التاريخ الشفوي مقاربات في الحقل السياسي العربي، مج 3، الدوحة/ بيروت: منشورات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015. المودن، عبد الرحمن وآخرون (تنسيق.) دراسة المجالات الاجتماعية المهمّشة وتاريخ المغرب، الدار البيضاء: منشورات مختبر المغرب والعوالم الغربية والجمعية المغربية للبحث التاريخي، 2011.
• Le Goff, Jacques. L'imaginaire médiéval , bibliothèque des historiens, Paris: Gallimard, 1985.
• L'homme, la femme et les relations amoureuses dans l'imaginaire arabo-musulman, Psycologie, no. 8 Tunis:
Cahier C.E.R.S , 1995.
• Louvet, Jean-René and Catherine Grünblatt (eds.). Image et histoire: Actes du colloque, Paris-Centier, Mai 1986 ,
collection histoire du présent, Paris: Publisud, 1987.
• Rossiaud, Gacques. "Prostitution, jeunesse et société dans les villes du sud-est du XVe siècle," Annales,
économies, sociétés, vol. 31 , no. 2 (1976).
• Soboul , Albert. Les Sans-culottes parisiens en l'an II: mouvement populaire et gouvernement révolutionnaire, 2
Juin 1793 - 9 Thermidor An II, Paris: Librairie Clavreuil, 1958 réimpr. 1962.
• _________. Problèmes paysans de la révolution (1789 - 1848) Paris: Maspero, 1983.
الحداثة المبكرة وإشكالاتها يف التأريخ العربي
الجزيري، عبد القادر. عمدة الصفوة في حل القهوة، أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، 2007. عكاش، سامر. يوميات شامية: قراءة في التاريخ الثقافي لمدينة دمشق في القرن الثامن عشر، بيروت: بيسان، 2015.
• Aksan, Virginia and Daniel Geoffman (eds.). The Early Modern Ottomans: Remapping the Empire, Cambridge:
Cambridge University Press, 2007.
• Eisenstadt, Shmuel and Wolfgang Schluchter. "Introduction: Paths to Early Modernity: A Comparative Vie,"
Daedalus, vol. 127 , no. 3 (Summer 1998).
• Ellis, Markman. The Coffeehouse: A Cultural History, London: Weidenfeld and Nicolson, 2004.
• Fitzpatrick, Martin et al., The Enlightenment World, London and New York: Routledge, 2007.
• Goldstone, Jack. "The Problems of the 'Early Modern World," Journal of the Economic and Social History of the
Orient, vol. 14 , no. 3 (1998).
• Grehan, James. "Smoking and 'Early Modern' Sociability: The Great Tobacco Debate in the Ottoman Middle East
(Seventeenth to Eighteenth Centuries)," American Historical Review , vol. 111 , no. 5 (2006).
• Hamadeh, Shirine. "Ottoman Expressions of Early Modernity and the 'Inevitable' Question of Westernization,"
Journal of the Society of Architectural Historian s, vol. 63 , no. 1 (2004).
نحو تجديد مقاربة مسألة الجنسية في تونس يف أواخر العهد العثمني
ابن أبي الضياف، أحمد. إتحاف أهل الزمام بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، تونس: الدار العربية للكتاب، 1984. الأرشيف الوطني التونسي، السلسلة التاريخية، الحافظة 142، الدفتر 516، وثيقة رقم 18491.
الأرشيف الوطني التونسي، السلسلة التاريخية، ص 204، م. 57 مكرر.
الأرشيف الوطني التونسي، ص 204، م. 57 مكرر /. 002. وثيقة 5.
الأرشيف الوطني التونسي، ص 116، م. 336. وثيقة 22.
الأرشيف الوطني التونسي، الصندوق 115، الملف 345. وثيقة 31.
أرشيف وزارة الخارجية البريطانية (FO)، 102 / 218.
• Hanna, Nelly. "Coffee and Merchants in Cairo 1580 - 1630 ," in Michel Tuchscherer (ed.), Le commerce du café
avant l'ère des plantations coloniales, Cairo: Institut Farnçais d'Archéologie Oreintale, 2001.
• Hattox, Ralph. Coffee and Coffee houses: The Origins of a Social Beverage in the Near East, Seattle: University
of Washington Press, 1985 , 3 rd edition 1996.
• Hayland, Paul et al., The Enlightenment: A sourcebook and Reader, London and New York: Routledge, 2003.
• Lewis, Bernard. Islam in History: Ideas, People, and Events in the Middle East, Chicago: Open Court 1993 , 2001 , 2003.
• ________. The Crises of Islam: Holly War and Unholy Terror, New York: Random House, 2004.
• ________. What Went Wrong? The Clash between Islam and Modernity in the Middle East, New York: harper
Perennial, 2002.
• Pascual, Jean-Paul. "Café et Cafés à Damas: Contribution à la Chronologie de Leur Diffusion au Xvième Siècle,"
Berytus Archeological Studies, vol. 42 (1995 - 96).
• Tezcan, Baki. "Lost in Historiography: An Essay on the Reasons for the Absence of a Limited Government in the
Early Modern Ottoman Empire," Middle East Studies , vol. 45 , no. 3 (2009).
• Weber, Stefan. Damascus: Ottoman Modernity and Urban Transformation 1808 - 1918 , Damascus: Danish Institute,
• Wiesner-Hanks, Merry. Early Modern Europe 1450 - 1789 , Cambridge: Cambridge University Press, 2013.
• Yildirim, Onur. "Ottoman Guilds in the Early Modern Era," International Review Social History , vol. 53 (2008).
• Ҫaksu, Ali. "Janissary Coffee Houses in Late Eighteenth-Century Istanbul," and Alan Mikhail, "The Heart's
Desire: Gender, Urban Space and the Ottoman Coffee House," in Dana Sajdi (ed.), Ottoman Tulips, Ottoman
Coffee: Leisure and Lifestyle in the Eighteenth Century, London and New York: Tauris Academic Studies, 2007.
دستور البلاد التونسية الصادر في 1861، شوهد في 22 / 6 / 2016، في: x 15 Oj 28 / ly. bit:// http الطويلي، أحمد. الجنرال حسين حياته وآثاره، تونس: بلدية تونس، 1994.
الماجري، عبد الكريم. هجرة الجزائريين والطرابلسية والمغاربة الجواونة إلى تونس (1831 - 1937)، تونس: د. ن، 2010.
• Ben Slimane, Fatma & Hichem Abdessamad (dir.). Penser le national au Maghreb et ailleurs , Tunis: Arabesques
éditions/Laboratoire Diraset, 2012.
• Ben Slimane, Fatma. "Définir ce qu'est être Tunisien. Litiges autour de la nationalité de Nessim Scemama
(1873 - 1881)," REMMM , no. 137 (mai 2015), pp. 31 - 48.
• Braude, Benjamin & Bernard Lewis (eds.). Christians and Jews in the Ottoman Empire. The functioning of a
plural society , Teaneck: Holmes & Meier Publishers, 1982.
• Jamoussi, Habib. Juif et chrétiens en Tunisie au XIXe siècle. Essai d'une étude socio-culturelle des communautés
non-musulmanes (1815 - 1821) , Tunis: Amal édition, 2010.
• Nunez, Juliette. "Sujets et protégés de la France dans la Régence de Tunis (1848 - 1881)", Thèse pour le diplôme
d'archiviste paléographe, Paris, Ecole Nationale des Chartes, 1987.
• Kenbib, Mohammed. Les protégés, contribution à l'histoire contemporaine du Maroc , Casablanca: Faculté des
Lettres et des Sciences Humaines, 1996.
• Noiriel, Gérard. "Socio-histoire d'un concept. les usages du mot "nationalité" au XIX è siècle," Genèses , vol. 20 ,
no. 1 (1995), pp. 4 - 23.
• Pouillon, François et al. De la colonie à l'Etat-nation: construction identitaire au Maghreb , Paris and Tunis:
IRMC/ L'Harmattan, 2013.
• Sonyel, Salâhi Ramadan. "The protégé system in the ottoman empire and its abuses," Belleten , no. 214 (1991).
• Van den Boogert , Maurits. The capitulations and the Ottoman legal system: qadis, consuls, and beraths in the
18 th century , Leiden: Brill, 2005.
• Van Krieken, Gerard. Khayral-Din et la Tunisie , 1850 - 1881 , Leiden: E.J. Brill, 1976.
• Weil, Patrick. Qu'est-ce qu'un français? Histoire de la nationalité française depuis la révolution , Paris: Grasset, 2002.