دور البحث العلمي في ضبط المفاهيم والمصطلحات علم التأثيل أنموذجًا
How Academic Research Contributes to Enhanced Definitions of Terms The Case of Etymology
الملخّص
للبحث العلمي دورٌ جوهري في ضبط مفاهيم المجالات المعرفية المتعدّدة التي يكون فيها التصوّر العام حاضرًا بقوة، وبخاصة ما تعلّق منها بالمتداول اليومي، المتميز بدلالة ما، وذات حمولةٍ ثقافيةٍ وتاريخيةٍ لها ارتباطات بالواقع المعيش لكل مكونات المجتمع؛ سواء أكان قبليًا أو حضريًا. والمفهوم ذاته محدّد في الزمان والمكان، ويُؤَرْشِفُ لهما وفق ما يرمز له وإن تغيّرت الحقب لتداوله بحمولاته التي لن تبتعد نهائيًا عمّا كانَ يعنيه ضمن المنظومة الثقافية لمجتمع ما. والإيتيمولوجيا هي الوحيدة القادرة على الحفاظ على الدلالة العامة للمفهوم وضبطه عبر مساراته المتعددة التي لن تكون في النهاية إلا معبرة عن المتداول ثقافيًا مع تحديدات طوبونيمية في بعدها سواء الرمزي أو الواقعي.
Abstract
Academic research plays a vital role in constantly improving the definitions of technical terms across all fields of knowledge, including fields where public awareness plays a major role and where words and phrases carry considerable cultural baggage and connotation. This reflects the reality that all phrases and their meanings are rooted in time and place: while the temporal and geographical contexts in which specific phrases are used may change, the words never completely lose touch with their original meanings. Etymology is, in this regard, the only academic discipline capable of preserving the original meaning of words throughout their various transformations. The rigorous process of philology is what ultimately allows the field of etymology to continue to be relevant even as words are separated from their original meanings contexts.
- التأثيل
- الدلالة
- المفاهيم
- الطوبونيميا
- المجال
- النسق
- Etymology
- Semantics
- Terminology
- Linguistic Typology
- Syntax
علم التأثيل أنموذجًا
How Academic Research Contributes to Enhanced Definitions of Terms
The Case of Etymology
تقديم
ظلت العلوم الإنسانية حبيسة أجهزتها المفاهيمية وكأنّ ذلك كفيلٌ بجعلها بمنأى عن الوقوع فيما يخلخل صرامتها النظرية، التي انبنت عليها كل التصوّرات التي اعتبرت منطلقًا للعديد من الأبحاث في مجالات لها دلالة في الزمان والمكان من دون تغييبٍ لأبعادها الاجتماعية من حيث هي المحدّدة لكل منطلق نظري. فإذا كان البحث يعيش طفرة بعد أخرى، فإنّ ذلك مرده انغماس القائمين على الشأن العلمي في القيام بكل ما يعطي أفقًا لمستقبل التدقيق في الأجهزة المفاهيمية، التي ترهن الحقل المعرفي ومستقبل الكتابة فيه من دون أن تترك المجال للدلالات الخاصة للمصطلح للتعبير عن غير ما يحدّد الدال ويشكل هويته التي تتحقق بها قوانين الوجود الفعلي للمفهوم/ المصطلح مع تعبيراته أي "إظهار التضمينات الوجودانية المضمرة لهذه التعابير"1. لذا، فإن إشكالية البحث العلمي في معناها الدقيق لا تحتاج إلى شرعية فكرية بقدر احتياجها إلى دليلٍ عملي للتوجيه والإجابة عن أسئلة واقع دائم التغير، مما يفرض استحضار علم التأثيل2لضبط العلاقات بين المكون المفاهيمي ودلالته؛ أي الانتقال إلى ما هو واقعي ضمن المجال المتحول لمؤسسة منتجة لمفاهيمها ودلالتها ضمن سياق اجتماعي وثقافي يعيد إنتاج قيمه المعبرة عن تاريخه، خاصة أنّ السياقات التي يتم فيها التوظيف المفاهيمي تحيل في العديد من الأحيان إلى ما لا وجود له في التداولات اليومية مما يزيد الضبط الدلالي صعوبة، ولا سيما إن كان الحقل الدلالي ينتمي لثقافة لها سياقاتها التاريخية التي أدت إلى إيجاد مدلول ذي حمولة سوسيوثقافية وعمق تاريخي يمتح من تراث المجتمع. لكن ما مدى علاقة المفاهيم الدالة على الواقع بما هو اجتماعي وأدوارها في إنتاج وإعادة الإنتاج الثقافي للمعيش؟ بقيت العلاقة ثابتة بين مكونات المجال والبحث العلمي، وهو ما يلاحظ عبر استدماج كل دقائق الواقع وتحويلها إلى نظرية عامة وتصريفها لغويًا عبر مفاهيم تراعي بشكل أساسي الجانب التداولي في بعده الاجتماعي3، ودلالة ذلك في المعيش اليومي لمكونات المجتمع. إن المفاهيم تعبر عن وجودها الفعلي عبر علاقاتها التي تشكل نسيجًا لا غنى عنه لإبراز حقيقة ما ترمز إليه، مما يجعلنا نؤكد على أن الواقع في تشكله العياني يبدي وجوده من خلال مواقعيته Toponymie المحولة إلى مفاهيم دالة.
التأثيل والدراسات التاريخية
ساهم البحث التاريخي في ضبط المعطيات الخاصة بالحدث وسياقاته التي كان لها إمكانية دفع "المغالط في حكايات الوقائع"4؛ لأن لها تأثيرًا مباشرًا في مجريات الأحوال باعتبارها "لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر"5؛ مما يطرح مسألة علاقة المفهوم بزمان ومكان الحدث الذي له قوة وحضور خاص فيما نبحث فيه لكون "كتابة التاريخ هي أولً ذاكرة مُؤَرشفَة "6 مع تأريخ لحوادث المجال في ديناميتها وتصريف للغته التي تعطيه شرعية الوجود المرتبطة أساسًا بالأنشطة الاجتماعية الممارسة داخله سواء تلك الواعية أو لا. فالتحولات الطارئة على المجال بالأنشطة هي تداولات للمصالح المعبر عنها بمعادل رمزي والمحولة إلى تعابير تعتمل داخل "فضاء عمل فيه الإنسان والتاريخ"7 من أجل تخليد الحدث الذي يتحول لمفهوم يشتغل عليه التأثيل Etymologie بمستويات مختلفة بدءًا من المستوى اللساني الخالص إلى المستوى التاريخي الذي تحضر فيه العلاقات الاقتصادية والسياسية ويعكس كل ذاك في التداولات الثقافية التي تظل "ذاكرة للمكان" مُسترجعَة عبر المفاهيم/ المصطلحات كما هو الشأن مع الأنشطة الممارسة في الشأن اليومي من دون أن نضع لها سجلً ما. عبر هذه التصورات، نرى أن "التاريخ كعلم يجد نفسه معنيًا بطريقة غير مباشرة بولوج علم اللسانيات"8 الذي يمكن من ضبط المفاهيم وجعلها ذات دلالة بالنسبة إلى وجودها الفعلي عبر العلاقات التي تشكل نسيجًا لا غنى عنه لإبراز حقيقة ما ترمز إليه. إن المفهوم لا يمكن ربطه بمدلوله إلا من حيث هو تعبير أساسي عما هو عيني في ارتباطه بتطوره المرحلي والذي تفرّد ضمن منظومة فكرية ذات بعد اجتماعي واقتصادي معبرة عن انشغالات الحقل الدلالي بما هو عياني ومعيش. إن عدم ضبط المفاهيم/ المصطلحات مرده الجهل بواقعها السوسيوثقافي الذي أنتج شبكة عامة، لها ارتباطات بالمنظومة التي تتحكم في العلاقات الداخلية التي تنبني عليها كل تواريخ المجتمع أو "المجتمعات التي تظهر لنا دائمًا في علاقة غير مستقرة، قلما تكون ثابتة أو محفوفة بالمخاطر مع شروطها الخاصة لإعادة الإنتاج [التاريخي"]9 لها من دون أن يؤثر ذلك في مساراتها التي هي في النهاية مواضيع للدراسة. وارتباط المفهوم/ المصطلح بمكان ما هو إبراز لهوية قد تتعدى الزمان لتتخلص منه، ل "أن التخلص من الزمنية عبر التجريد لا يكون إلا بهدف التحكم في كل المضامين الزمنية"10 التي كانت وستظل محايثة له على الرغم من تبدل الأحوال والمعيش. معنى ذلك أن كل مفهوم/ مصطلح هو مسار لتقعيد الواقع بما يحمله معناه دون استقلالية عن دلالته الحقيقية، التي لا تشبع الفضول بل تحقق وظائف أخرى11 في التداول اليومي لكل الأفراد سواء حمل هذا مضمونًا اقتصاديًا أو تعبيرًا عن فكرة لها ارتباطات اجتماعية، لا سيما أن وضعية المجتمعات وما يعتمل بها يخضع لما هو ضروري ومتداول عادة12، مع عدم اللامبالاة بمفهوم الزمان
الذي يعتبر عنصرًا أساسيًا في استعمال المفاهيم ودلالاتها13 في حقبة قد تطول أو تقصر حسب عملية "التحقيب" التي يلجأ إليها المؤرخون لضبط الحقول التي يتناولونها بالدرس، مع العلم بأنّ غياب تيار أو مدرسة تاريخية مغربية للمفاهيم والمصطلحات المجالية (الإيتيمولوجيا والطوبونيميا) ذات البعد التاريخي يؤثر سلبيًا في تناول المتون التي كتبت سابقًا وتحمل في طياتها مفاهيم تفيد في توضيح طبيعة المجال واللغة، وهو ما يفرض عودة الباحث إلى التاريخ الشفهي للمجالات اللغوية الممتدة جغرافيًا و"يكتب تاريخها بصيغة المفرد، كالمقاطعات والأحياء، تلك التي تمثل حياتها في تعاقب للأيام"14. وبهذا الخصوص وأخذًا بنوعية المتداول بين المكونات الاجتماعية، تحيلنا القواعد المتحكمة في تداولية المفهوم إلى البنية التي أنتجته سيما في علاقتها بعمل الأفراد وارتباط "الواقعي" في مجمله بما ينتجه من أبنية فكرية هي عبارة عن شبكات مفاهيمية تحيل دومًا على مدلولاتها الواقعية من دون أن تتجاوزها. إن المفاهيم هي نتاجات لعلاقة الإنسان بالمجال، واعتبارًا لوجود مفهوم مرتبط بدالٍ معينٍفإنه يضع شرعيته المبنية على العمل المنجز في المجال باعتباره مختبرًا للكل على محك الانتماء للقاموس الثقافي لكل المكونات الاجتماعية التي نحتت لها "متنًا" للتداول يتمدد ويختزل حسب الطبيعة العامة للثروة الثقافية التي هي ملك للكل بمجرد تداولها. وهذه المشكلة هي التي تدفع "المؤرخ (ل) ينتخب عادة مفاهيم ليصف الخصوصية التاريخية لموضوعاته من دون التفكير تفكيرًا واضحًا في أصلها وفي تسويغها... ولا يعير انتباهًا لحقيقة أن المفاهيم الوضعية التي ينتخبها هي مفاهيم تضر ضررًا كبيرًا بمبتغاه الخاص حين تقيم شبهًا بين ما هو مختلف تاريخيًا وما هو مألوف"15. فعملية اختيار المفاهيم وضبطها بما يناسب البحث العلمي أمر قمين بالاهتمام و"على المرء، في فهم التاريخ، أن يغفل مفاهيمه الخاصة وأن يفكر في مفاهيم الحقبة التي يحاول فهمها فقط"17، لأن ذلك يفضي إلى معرفة ما يمور في المجتمع مع انعكاس ذلك على إنتاج "العلم" بالمجال سواء كان شفهيًا أو مكتوبًا، مما يدفع المهتم بالبحث العلمي إلى تصويب وجهات نظره لتساير الوضعيات المعرفية الناشئة عن التداول اليومي للمفاهيم، لأن ما يثير "مشكلة الفهم... هو القول الشفوي أيضًا"18 الذي يعتبر سيد الحقبات السابقة في غياب التدوين للحوادث، مما يجعل أمر التفكيك والتأويل للمفاهيم والمصطلحات النابضة بالحيوية المجالية شرطًا ضروريًا للإبقاء على المعنى الدال في وضعية جلية تعكس "معنى ما يُتكلَّمُ به لذاته على نحو محض"19.
التأثيل والطوبونيميا: نماذج للفهم
بالرجوع إلى الواقع وتقعيد "المفاهيم" المعبرة عنه، نجد تلازمًا تفرضه تاريخيتها التي توضح مدلولاتها من دون نسيان التغيرات الحاصلة في المجال الذي هو المحصلة النهائية للعمل البشري، مما يدفعنا للقول: هل "المفاهيم" تمثل حقيقة المجال؟ لأجل هذا، وجب العودة إلى الأصول ومعرفة ثرائه المستمد من واقعية المفهوم وارتباطاته اليومية الدالة على معناه مع العلم أن ذلك يستوجب في الكثير من الأحيان الحذر النابع من بنية وطبيعة المفهوم.
لماذا نحتاج المفاهيم؟ أَلِضَبْطِ المعنى أم لجعله قابلً للفهم، أو أن دخوله مجالً لغويًا ما من أجل إضفاء صبغة وحمولة رمزية يختزنها لأجل التميز والتفرد قصد الإفصاح عن المكنون التاريخي أولً والاجتماعي ثانيًا للمتلقي الذي يظل في غالب الأحيان، غير قادر على التقاط رمزية وجود مفهوم ما، في خطاب معين إلا بعد إخضاعه لقواعد اللغة المُؤَطِّرَة له في علاقة بالموروث الثقافي الذي يمثل الخيط الناظم لكل الأنساق المجتمعية. وتحليل كل معطيات النسق، خاصة ما تعلق بالمفاهيم الدالة، تحيلنا إلى إبراز الصلة بين المفهوم وتعبيراته والتي لها القدرة على جعل الصيغة التي يتداول بها المفهوم أقرب إلى ما هو واقعي حقيقي، ولا يتوقف فهم هذه التعبيرات على نوعية الصوغ بل على المدلول الإجرائي في النسق اللغوي الذي ينتمي إليه المفهوم بذاته. واعتبارًا لحضور الواقع بشكل كبير في صوغ منطوقاته، فمن المفروض التزامها باعتبارها مفاهيم، بشروط إنتاجها ضمن حقولها التي لها تأثير أولي فيها، خاصة المكان والتاريخ والأيديولوجيا20. فالعلاقة التي يجسدها المفهوم بقيمه الثقافية هو ما يفسر كونه قابلً للانزياح باتجاه آخر غير ذاك الذي من أجله تم صوغه، للتعبير عن تطوره المنشود في "بعده العملياتي". إن القيام بوضع تأصيل موضوعي للمفاهيم "له قيمة قصوى بالنسبة لتاريخ حضارة الحوض الغربي للبحر المتوسط ويُمَكِّنُ من إعداد منظومات حقيقية للفظيات phonétique "21 التي ساهمت فيها حضارات عدة، إضافة إلى التراث الثقافي الذي شيدت صرحه كل مكونات المجتمع وإثنياته. فالبحث التأثيلي على هذا النحو لا يكون في غالب الأحيان بقادر على ضبط العلاقات بين المفهوم ودلالته إلا إذا أخذ في الحسبان وقعه الثقافي الذي يتميز به دون غيره، وهو ما يحيلنا إلى أمثلة للفهم مستمدة من الفترة الوسيطية لتاريخ المغرب الذي لا يزال البحث فيه بكرًا وأن عملية النبش في ثنايا مفاهيمه التي أثثت المتون التاريخية والأدبية قادرة على فك عدة ألغاز سيما ما تعلق منها بالموروث الثقافي المشترك لكل مكونات المجتمع. وأخذ هذا المعطى في الاعتبار يمكن من تخفيف وقع اللغة البربرية التي أكد دارسو الطوبونيمات على كونها "صعبة مع وجود العديد من المطبات حتى بالنسبة للبربر أنفسهم"22، مما يحتم الحذر في تناول المفاهيم التي تخفي بعضًا من أسرارها التي لن يكشف عنها إلا باستعمال التراث الثقافي لمكونات المجتمع الإثنية. فالتأثيل إذن، يدفعنا لمحاولة فهم الكيفية التي تسرب بها المفهوم إلى لغة ما وفي أي وسط تم توظيفه23، من دون أن يهدف ذلك إلى تثبيت تداوله الحالي24 الذي لن يكون بمنأى عن التداولات السابقة التي راعت خصوصية التسمية ودلالتها الرمزية، الشيء الذي يمكّن من فك ألغاز عدة تكتنف هذه العملية في الزمان والمكان، مع العلم بأن ما يمرر من مجال سوسيوثقافي إلى آخر يحافظ على "معناه الحقيقي" Étymon25 وإن تغيرت أصول مكوناته اللفظية، وهو ما يدفعنا لدراسة مفهوم طوبونيمي واحد على سبيل الاستئناس مع ما له من وقع على المجال الحضري لمدينة فاس الوسيطية وفي ارتباطه بمكونات المجال "الملكي" للسلاطين المرينيين.
الْمُصارَة
اعتبر هذا "الطوبونيم" إشكاليًا لما نسج من حوله من شروح من دون أن يصل البعض ممن تعرض له إلى "معناه الحقيقي"، الذي ارتبط أصلً بالكيفية التي تم تناوله بها مما زاد الأمر إبهامًا. وفي هذا الباب يصبح التأثيل ذا فائدة قصوى للإفصاح عن المعاني الدفينة التي يختزنها المفهوم في "مجال يُنتِج ويعيد إنتاج نفسه في محاولة للتهرب من الاختلال المتصاعد للكون"26 الذي هو أحد عناصره المعبرة عن طبيعته التي هي عين الوجود أصلً. وقد اعتبر البعض هذا المفهوم "كلمة عربية مجهولة في الشرق الإسلامي "27 مما يحيلنا إلى البحث عن أصولها في تراث الغرب الإسلامي الذي حاول طريس بالباس القفز عليه للبحث في آخر لم يورد أصلً هذا المفهوم سواء في قواميسه الحضارية أو غيرها ممن تناولت المجال الثقافي للمجتمع الشرقي في غناه. وزاد الأمر إبهامًا حين يحاول الدارس نفسه ربط المفهوم بالأندلس وقرطبة حيث كانت مُصارتها "الأولى بين المُصارات الأندلسية، وأكثرها شهرة، تمتد على سطح يقع في الجنوب الغربي للمدينة، وعلى الضفة اليمنى للوادي الكبير"28، الشيء الذي دفعه للإقرار بأن طبيعة أرضها المسطحة جعلت منها مكانًا ملائمًا للقيام بالاستعراضات العسكرية والاحتفالات العامة، وجعلها البعض الآخر مكانًا لبيع الأسرى من عرب وبربر، فقرطبة على أيام والي الأندلس ثعلبة بن سلامة العاملي سنة 125 ه/ 743 م29، استعملت سوقًا للنخاسة بعد الحروب. ويبدو أن مدلول هذا الطوبونيم ظل عصيًا على الفهم بالنسبة إلى طريس بالباس الذي لم يجد ما يبرر به ديمومة استعمال "نفس كلمة مصارة لمعاني مشابهة لأصل مدلولها"30، علمًا أن المدلول لن يتغير وأن "معناه الحقيقي" يظل حاضرًا وإن غابت معالمه التي بواسطتها يتفرد. ف "المُصارة" التي اعتبرت في الكثير من المصادر بستانًا جليلً للسلطان31، "ظهرت متزامنة مع كلمتي الملاح وحمص "32، مما يؤكد أن المفهوم في رسمه وكتابته العربية "لا يعني أنه كذلك. فالأفعال الثلاثية العربية عندما تكون في الماضي لا يرفع أولها البتة إلا إذا بنيت للمجهول، وأما أن تكون مبنية للمعلوم ومضمومة الأول فربما دخل هذا دائرة الاستثناء والشذوذ عن القاعدة، وهو ما قد يفسر عدم الإجماع على كتابته"33. ويعطينا إمكانية البحث باتجاه آخر غير هذا الذي استكان له مجموعة من الباحثين من دون أن يعولوا على استنطاق التراث الثقافي لكل مكونات المجال الذي تم البحث فيه مع الاستفادة من الأعمال التي قام بها الباحثان بريسوليت ودولاروزير34 والتي أكدت أن المكان لم يكن أبدًا مستويًا بل مرتفعًا لوجوده في المجال الشمالي لفاس الذي يعتبر بداية حقيقية للمرتفعات التي هي بداية الصعود باتجاه "زالغ" "على العقبات التي تكشفها تلة في مكان أدنى من قصبة ابن دباب الحالية، وتشغل مقبرة الصهريج الخارجية الجزء الشمالي لما كان يعرف بالمُصارة قديمًا"35.
يبدو من خلال هذه الاستنتاجات التي تم التوصل إليها بفضل المسح الجغرافي المعتمد في هذه الحالات التي يكون الحسم فيها غير مؤكد، أن المُصارة مرتفعات وليست بالأرض المستوية، وأن عملية ريها ارتبط بالناعورات التي بلغ عددها ثلاثًا في أول الأمر قبل أن يتم تعويضها بناعورتين اثنتين لرفع الماء لروض السلطان36. فما جاء عند النميري وما أورده المنوني37 من كون "جنة" السلطان بمرتفع خارج أسوار المدينة يجعلنا نتجه صوب التراث العبري، كما ذهب إلى ذلك الباحث محمد الغرايب من كون المُصارة "تحريف طفيف للمُصورة والتي تعني في العبرية المدرسة التي يهتم فيها فقهاء اليهود بشرح وضبط التوراة"38. ف "المعنى الحقيقي" هنا غاب في معجم وظهر في آخر وذلك لتقارب المصدر اللغوي والرسم الكتابي؛ مما أحدث نوعًا من البلبلة في إرجاعه لجذره الذي به يفرض دلالته التي هي مصدر قوته الرمزية، لأنه "إذا كان لمفهوم دلالة ما في فترة ما فلأنه، وفي نفس الفترة، وفي تضاد مع كلمات أخرى من نفس المعجم، لا يمكن أن تُأخَذ نفس الكلمة في فترات مختلفة دون اعتبارات لأثر بيئاتها المتعاقبة".
المراجع
العربية
ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. تحقيق وتقديم عبد السلام الشدادي. الدار البيضاء: بيت الفنون والعلوم والآداب، 2006.
بالباس، ليوبولدو طريس. التاريخ الحضري للغرب الإسلامي، الحواضر الأندلسية. ترجمة محمد يعلى. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2007.
بنكراد، سعيد. "المؤول والعلامة والتأويل". مجلة فكر ونقد المغربية. العدد 16 (شباط/ فبراير 1999.)
ريكور، بول. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة وتقديم جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009.
. الزمان والسرد، الزمان المروي. ترجمة سعيد الغانمي. مراجعة جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2006.
عبد الرحمن، طه. فقه الفلسفة. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1999.
العمري، ابن فضل الله. مسالك الأبصار في ممالك الأمصار. تحقيق مصطفى أبو ضيف. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1988. غادامير، هانز جورج. الحقيقة والمنهج: الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية. ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح. مراجعة جورج كتورة. طرابلس/ ليبيا: دار أويا للطباعة والنشر، 2007.
الغرايب، محمد. مجتمع يهود المغرب الأقصى الوسيط: دراسة تاريخية اجتماعية. الرباط: مطبعة ربا نيت، 2012.
لوغوف، جاك (إشراف). التاريخ الجديد. ترجمة محمد الطاهر المنصوري. بيروت: مشورات المنظمة العربية للترجمة، 2007.
المراكشي، ابن عذاري. البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب. تحقيق ج. س. كولان وليفي بروفنسال. ط 2. بيروت: دار الثقافة، 1980.
المنوني، محمد. ورقات عن حضارة المرينيين. ط 3. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2000.
النميري، ابن الحاج. فيض العباب وإفاضة قداح الآداب في الحركة السعيدة إلى قسنطينة والزاب. دراسة وإعداد محمد ابن شقرون. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1990.
الأجنبية
• Bressolette, H. et J. Delaroziere. “EL MOSARA, jardin royal des Merinides.” Hespéris Tamuda. vol. XVIII
• Antoine Meillet, Linguistique historique et linguistique générale. Paris: Champion, 1975.
• Barthes, R. et al. Exégèse et Herméneutique. Paris: Éditions du Seuil, 1971.
• Cabre, Maria-Teresa. La terminologie: Théorie, Méthode et application. Monique C. Cormier et John Humbley
(trad.). Paris: Ottawa/ Armand Colin, 1998.
• Colin, Georges S. “Note de dialectologie arabe. Étymologies magribines.” Hespéris. T. VI (1926).
• Cuq, Jean-Pierre et Isabelle Gruca. Cours de didactique du français langue étrangère et seconde. Grenoble:
PUG, 2005.
• Del Pérugia, Jean. “Noms de lieu d’origine berbère dans le sud-ouest de la France.” Hespéris Tamuda. vol. XVIII
• Godelier, Maurice. L’idéel et le matériel. Pensée, économies, sociétés. Paris: Fayard, 1984.
• Guilhaumou, Jacques. “De l’histoire des concepts à l’histoire linguistique des usages conceptuels.” Revue
Genèses. no. 38 (2000 / 1).
• Guiraud, P. L’Etymologie. Coll. Que sais-je? Paris: PUF, 1964.
• Hildebert, Isnard. L’espace géographique , Coll. Le géographe, Paris: PUF, 1978.
• Le Goff, J. La civilisation de l’Occident médiéval. Paris: Flammarion, Coll. Champs, 1982.
• Margot, J. C. Traduire sans trahir. La théorie de la traduction et son application aux textes bibliques. Lausanne:
L’âge d’Homme, 1979.
• Nyckees , V. La Sémantique. Paris: Belin, 1998.
• Tournier, Maurice. Des sources du sens. Propos d’étymologie sociale. Lyon: ENS Editions, 2002.