التجار والحراك الديمقراطي في الكويت (1921-1939)
Merchants and the Drive for Democracy in Kuwait (1921-1939)
الملخّص
تستعرض هذه الدراسة الدور الذي قام به تجار الكويت في المسار الديمقراطي فيها خلال القرن العشرين؛ وهي الفترة التي شهدت عدة تجارب استهدفت وضع الأسس اللازمة لإقامة حياة ديمقراطية. وعلى الرغم ممّا شاب هذه التجارب كافةً من مآخذَ وما صاحبها من ملاحظات، فهي تعدّ تجارب ثرية أثّرت في ما جاء بعدها، توّجت بالإعلان عن قيام مجلس الأمة الكويتي عام 1963. وركّزت الدراسة في دور التجار في تهيئة الكويتيين للمطالبة بنيل حقوقهم، وسعيهم لنقل الأفكار والتجارب من الخارج إلى الكويت، بعد إخضاعها للضوابط والأعراف الموجودة وقتئذ. وتناولت العلاقة بين التجار والأسرة الحاكمة. وبينت نقاط الاتفاق والاختلاف التي ظهرت بين الطرفين، من خلال تعامل كلّ طرف مع هذه التجارب خلال هذه الفترة.
Abstract
جامعة الدول العربية، القاهرة. * رئيس قسم البحوث والدراسات في معهد البحوث والدراسات العربية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ALECSO، Head of Research and Studies Department at Institute of Arab Research and Studies at the Arab League Educational, Cultural and Scientific Organization (ALECSO), Egypt.
- الكويت
- دول الخليج
- التجارة
- الديمقراطية
- Kuwait
- Gulf states
- Merchants
- Democratization
| *Mohammad Mahmoud Al Tanahy محمد محمود الطناحي| | |||
|---|---|---|---|
| محمد محمود الطناحيMohammad Mahmoud Al Tanahy | | |||
| ي| y و | تستعرض هذه الدراسة الدور الذي قام به تجار الكويت في المسار الديمقراطي فيها خلال القرن العرين؛ وهي الفترة التي شهدت عدة تجارب استهدفت وضع الأسس اللازمة لإقامة حياة ديمقراطية. وعى الرغم ممّ شاب هذه التجارب كافةً من مآخذَ وما صاحبها من ملاحظات، فهي تعدّ تجارب ثرية أثّرت في ما جاء بعدها، توّجت بالإعلان عن قيام مجلس الأمة الكويتي عام 1963. وركّزت الدراسة في دور التجار في تهيئة الكويتين للمطالبة بنيل حقوقهم، وسعيهم لنقل الأفكار والتجارب من الخارج إلى الكويت، بعد إخضاعها للضوابط والأعراف الموجودة وقتئذ. وتناولت العلاقة بن التجار والأسرة الحاكمة. وبينت نقاط الاتفاق والاختلاف التي ظهرت بن الطرفن، من خلال تعامل كلّ طرف مع هذه التجارب خلال هذه الفترة. كلمت مفتاحية: الكويت، دول الخليج، التجار، تجارب ديمقراطية. This paper explores the contribution of merchants to the rise of democracy in Kuwait during the early part of the twentieth century. In that period, a number of incidents combined to lay the foundations of a robust democratic system in Kuwait. Notwithstanding the specific flaws of each of these chains of incidents, they combined together to give rise to Kuwait’s first elected legislature, which held its first session in January of 1963. In examining these events, the author focuses particularly on the role which Kuwaiti merchants played in achieving democracy for their country and securing their political rights, and how this group imported democratic ideas and experiences from abroad, tempering the ideas to align better with local norms and customs. Of specific interest is the relationship which tied the merchant families to the ruling family of Kuwait. Keywords: Kuwait, Gulf states, Merchants, Democratization. التجار والحراك الديمقراطي في الكويت (1921 - 1939) Merchants and the Drive for Democracy in Kuwait (1921 - 1939) ي| y و | ||
مقدمة
تمتد حدود الدراسة الزمنية بين عامي 1921 و 1939. بينما تمتد حدودها الموضوعية بما تضمنته هذه الفترة الزمنية من تجارب ديمقراطية تمثّلت بتأسيس مجلس الشورى عام 1921، والمجلس البلدي عام 1932، ومجلس المعارف عام 1936، والمجلسين التشريعيين الأول والثاني (1938 – 1939). ترصد الدراسة الدور الذي قام به التجار في الحراك الديمقراطي في الكويت، من خلال مساهماتهم في تأسيس المجالس الديمقراطية خلال الفترة 1921 - 1939، في نسق زمني تاريخي متتالٍ. وتبحث في الدوافع التي حفزتهم إلى القيام بهذا الدور. وترصد جهدهم من خلال ما قدّموه من دعم معنوي ومادي أيضًا. وتناقش إن كان هذا الدور محفزًا أم معوقًا؛ أساسيًا أم ثانويًا. وتوضح الأسباب التي أدّت إلى فشل هذه المجالس في القيام بعملها وتحقيق الهدف المرجوّ من إنشائها، ومدى مساهمة التجار في هذا الفشل. وتبرز الباعث وراء إصرارهم على المضي قدمًا في طريق الإصلاح الديمقراطي. وتسعى الدراسة إلى البحث في تأثير الطبقة التجارية في الحياة السياسية في الكويت خلال مراحلها الأولى، من خلال تحليل الدور الذي قامت به في التجارب الديمقراطية خلال الفترة 1921 - 1939 التي مهّدت لإعداد الدستور بعد استقلال الدولة في عام 1961، ووضعت اللبنة الأساسية في التجربة الديمقراطية فيها. وتهدف الدراسة إلى البحث في العوامل التي أدت إلى ظهور هذه المجالس خلال فترة الدراسة، والدور السياسي الذي قام به التجار في ظهورها، وماهية الدوافع التي كانت وراء قيامهم بهذا الدور، كما تهدف إلى تحديد طبيعة العلاقة بين طرفي المعادلة السياسية (الحكام – التجار) خلال هذه المرحلة المبكرة من تاريخ الكويت. ومن خلال ما تقدّمه من عرض زمني وموضوعي للتجارب الديمقراطية في الكويت خلال فترة الدراسة 1921 - 1939، تنشد الدراسة الإجابة عن الأسئلة التالية: ما هي طبيعة العلاقة التي كانت تربط بين الحكام والتجار في المرحلة الأولى لنشأة الكويت؟ وكيف أثّرت هذه العلاقة في ظهور المجالس النيابية بدءًا بمجلس الشورى في عام 1921؟ وما الدور الذي قام به التجار في التجارب السياسية والديمقراطية في الكويت خلال الفترة 1921 - 1939؟ وما الدافع وراء إصرار التجار على استكمال المسيرة الديمقراطية وإنشاء المجالس النيابية واحدًا تلو الآخر على الرغم من الصعوبات التي كانت تواجه عملها والفشل الذي كانت تنتهي إليه على الدوام؟ اعتمدت الدراسة على مصادرَ ومراجع عربية وأجنبية وبعض الوثائق البريطانية ذات الصلة. كما اعتمدت على الشهادات الشفهية لبعض الشخصيات التي عاصرت فترة الدراسة، وكانت شاهدة على تأسيس هذه المجالس وعملها وحلّها، أو الشخصيات ذات الصلة بالموضوع محلّ الدراسة التي قدّمت شهادات تاريخية ومساهمات موضوعية أثْرت موضوع البحث، كالسادة خالد سليمان العدساني، وأحمد الزيد السرحان، وعبد العزيز محمد الشايع. تناول العديد من الدراسات موضوع التجارب الديمقراطية في الكويت خلال الفترة التي سبقت الاستقلال، وناقش تجربة مجلس الشورى في عام 1921، وما تلاه من ظهور للمجلس البلدي في عام 1932، ومجلس المعارف عام 1936، والمجلسين التشريعيين الأول والثاني 1938 - 19391، لكنه ركز أساسًا في العوامل التي أدت إلى ظهور هذه التجارب، وأهم الأسباب التي أدت إلى فشلها، دون التطرق بوضوح إلى تحليل دور التجار فيها وتقييمه.
لذلك، مثّلت ندرة المراجع التي تناولت موضوع الدراسة الخاص بدور التجار في التجارب الديمقراطية في الكويت خلال فترة الدراسة أكبر المعوقات في أثناء تجميع المادة العلمية؛ إذ تناول كلّ الدراسات ذات الصلة هذا الموضوع بصورة عامة دون التطرق إلى دور التجار سواء في الفترة التي مهّدت لظهورها أو خلال الفترة القصيرة التي شهدت قيامها. وقد يرجع عدم تركيز الدراسات في دور التجار في هذه التجارب إلى حالة الصدام التي ظهرت بين بعض التجار وحاكم الكويت الشيخ أحمد الجابر الصباح في بعض المواقف خلال هذه الفترة، مما جعل كثيرًا من المؤرخين يتغاضى عن التعرض لدور التجار في هذه الفترة. كما منعت العوامل الاجتماعية بسبب المكانة المرموقة للأسر التجارية العريقة، كثيرًا من الكتاب من التعرّض للمشكلات والأزمات التي واجهها التجار في بعض الفترات جراء اصطدامهم بالسلطة، وهو ما كان أحد الأسباب التي شجعت على تبنّي فكرة البحث والكتابة في هذا الموضوع. لذا، فالدراسة تتناول جزئيةً محددةً من موضوع كبير تمّ تناوله في أكثر من دراسة تناولً عامًا وعابرًا، وهي الجزئية الخاصة بالتجار ودورهم في الحراك الديمقراطي عبر التجارب الديمقراطية في الكويت خلال فترة الدراسة.
الكويت والديمقراطية
يخطئ من يظن أنّ الديمقراطية في الكويت حديثة النشأة، أو وليدة العقود الأخيرة، بل هي قديمة قدم الكويت نفسها، واكبت نشأتها موافقة أهل البلاد في منتصف القرن الثامن عشر على تزكية أسرة آل الصباح حكامًا للكويت؛ إذ عاهد الشيخ صباح بن جابر (صباح الأول) غداة اختياره حاكمًا للكويت عام 1752 الشيوخ والتجار على إقامة العدل والمساواة وعدم الانفراد بالحكم ومشاورتهم في الرأي2. ويذكر مؤرخ الكويت عبد العزيز الرشيد في هذا الصدد أنّ شيوخ الكويت حتى عهد الشيخ مبارك الصباح كانوا يشاورون وجهاء البلد، ولا يستطيعون أن يغيروا لهم أمرًا اتفقوا عليه، لأنّ السلطة الحقيقية للوجهاء وأعطي الشيوخ الرئاسة عليهم تفضلا3. لقد ارتبط مفهوم السلطة في الكويت منذ البوادر الأولى لظهور الدولة بالمفهوم الحديث بالقبيلة والعشيرة4، مما أثمر ولادة نظام سياسي على مبدأ التراضي وعلى أساس المساواة والشورى5. ومثّل الاتفاق الذي توصّل إليه مؤسسو الكويت الأوائل (آل الصباح، وآل خليفة، والجلاهمة) لإدارة شؤون البلاد نموذجًا فريدًا لتشكيل أطر حكم مدني لدولة في وقت مثّلت فيه العصبية أساسًا للحكم، بحيث اقتسمت الأطراف الثلاثة بحكمة وتروٍ الأدوار الرئيسة المطلوبة في هذه المرحلة المحورية من عمر الدولة، مرسخةً جميعها مبدأي المساواة والشورى؛ إذ نهض آل الصباح بأعباء الحكم، وتحمّل آل خليفة مخاطر التجارة، بينما تُرك للجلاهمة البحر صيدًا وغوصًا. وتعدّ التجربة الديمقراطية في الكويت من التجارب الرائدة في المنطقة. وقد ترسخت هذه التجربة بعد استقلال الكويت عام 1961، وإعداد الدستور عام 1962 الذي حدد طبيعة النظام السياسي الكويتي بأنّه "نظام ديمقراطي"، كما تنص على ذلك المادة السادسة من
الدستور، وأرسى دعائم الديمقراطية في الكويت، وفتح المجال أمام المشاركة السياسية الشعبية الفاعلة من خلال المجلس التأسيسي في عام 1962 ومجالس الأمة المتعاقبة بدءًا من مجلس الأمة الأول في عام 1963. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ جذور الديمقراطية في الكويت لا ترجع إلى وضع دستور عام 1962 فحسب، بل هي مواكبة للفترة التي رسخ فيها نظام الحكم على أساس مبدأ الشورى، وعلى الطبيعة التوافقية التي تميز العلاقة بين الحاكم والمحكومين، أو كما يسمّى ب "العقد الاجتماعي غير المدون". ثم شهدت الكويت في بدايات العقد الثالث من القرن العشرين، بعد وفاة الشيخ سالم المبارك في عام 1921، أولى المحاولات الفعلية ل "مأسسة" هذه الطبيعة التقليدية في الحكم التي كانت تقوم على أساس مبدأ الشورى غير المقنّن، وذلك من خلال تأسيس مجلس الشورى في عام 1921 والمجلس البلدي عام 1932، وتلتهما بعد ذلك تجارب المجلس التشريعي الأول والمجلس التشريعي الثاني في 1938 - 1939. ومثّلت هذه التجارب الديمقراطية في هذه المراحل المبكرة من تاريخ الكويت السياسية اللبنة الأساسية التي بني عليها دستور عام 1962 بعد استقلال الدولة. وجاءت هذه التجارب السياسية نتيجة جهد شارك فيه الكويتيون في تلك المرحلة، وقد كان للتجار بما لهم من ثقل ونفوذ اجتماعي واقتصادي الدور الأبرز والتأثير الأكبر في ظهور هذه المجالس الشعبية، وفي تقنين صورة المشاركة السياسية في الحكم، بحيث تعدّ فئة التجار أبرز الفئات التي مارست دورًا سياسيًا فاعلً في الدولة إلى جوار الأسرة الحاكمة؛ فقد قاموا بأدوار محورية عدة ساهمت في وضع الكويت على طريق الحداثة والتطور، عبر مشاركتهم وانغماسهم المستمر في عمليات الإصلاح في الدولة كافة، مستندين إلى علاقاتهم الطيبة مع الأسرة الحاكمة، ومتلاقين معها دومًا في نقطة المصلحة المشتركة. وقد كان للتجار دورٌ مؤثّر في الحياة السياسية في الكويت ولا يزال كذلك. ويرجع هذا التأثير في جذوره إلى الفترة التي سبقت ظهور النفط، بحيث مثّل التجار المورد الرئيس للاقتصاد المحلي من خلال ما يدفعونه من ضرائب ورسوم، ساهمت في تلبية احتياجات البلاد من السلع والخدمات الأساسية، الأمر الذي ساعد في زيادة نفوذهم وتأثيرهم في عملية صنع القرار السياسي خلال تلك الفترة. وكما هو معروف فقد كانت طبقة التجار في الكويت منذ نشأتها لاعبًا رئيسا وعنصرًا فاعلً ومؤثّرًا في المجتمع في جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وساهم التجار في تطوير شكل العلاقة بين الحاكم والمحكومين فيها وطبيعتها، وذلك من خلال مساهمتهم الفعلية والمؤثّرة في تأسيس المجالس النيابية التي أتاحت الفرصة أمام توسيع فرص المشاركة الشعبية في الحكم.
تجار الكويت: المكانة الاقتصادية والدور الاجتمعي
يصف الرحالة الإنكليزي جيمس بكنغهام أهل الكويت بأنّهم أكثر أهل الخليج حبًا للحرية والإقدام، وأنّ أغلب أهلها من التجار المشتغلين بالتجارة الداخلية والخارجية الذين يمارسون جميع أنواع التجارة السائدة في الخليج دون استثناء6. ولتجار الكويت مكانة بارزة بين تجار المنطقة منذ قرون أربعة، حين كانت الكويت محطة تجارية كبرى بين الهند وأجزاء متعددة من أفريقيا وأوروبا وآسيا، ومثّلت المحطة الرئيسة بين الخليج العربي وهذه المناطق، منافسةً المدينة ذات الإرث التجاري الكبير، البصرة.
ولم تكتف الكويت بالقيام بدور الوسيط التجاري أو محطة المرور فقط، بل برع تجّارها في القيام بالدور الرئيس في التجارة الخارجية لدول هذه المنطقة أو كياناتها، معتمدين على أسطول تجاري يقارب 700 سفينة و 15 ألف رجل، فبرعوا في هذه المهنة، وأضحوا أصحاب الريادة بين شعوب المنطقة في هذا المضمار بعد أن خبروا بياضه وعرفوا سواده. نوّع الكويتيون نشاطهم التجاري ما بين التصدير والاستيراد؛ فنجدهم مصدر الخيل العربي الرئيس للهند، واشتهر من تجارهم التاجر يوسف البدر أواخر القرن التاسع عشر7، حيث كانت الخيول تنقل في السفن الشراعية إلى بومباي، كما كانت تنقل أيضًا إلى مدينتَي البصرة والمحمرة ومنهما إلى مناطق كثيرة في العالم. وبرع الكويتيون أيضًا في الغوص بحثًا عن اللؤلؤ ومن ثم تصديره، وجنوا من وراء ذلك أرباحًا طائلة لم يقطعها سوى بداية استزراع اللؤلؤ في اليابان منذ عام 1920. وبرز من تجار اللؤلؤ الشيخ أحمد بن رزق8. وفي استيراد البضائع المختلفة، برز من تجار الكويت التاجر يوسف الصقر وسليمان بن عبد الجليل وغيرهما من الذين كوّنوا ثروات طائلة عبر جلب البضائع المتنوعة من الهند واليمن وزنجبار9. وقد كان - ولا يزال - للتجار دور محوري كبير ومؤثّر للغاية في الكويت بدأت تباشيره في الفترة التي سبقت تفجّر النفط في أراضي البلاد ومياهها، بحيث مثّلوا المورد الرئيس لاقتصاد الكويت عبر ما يدفعونه من ضرائب ورسوم ساهمت في تلبية احتياجات البلاد من السلع الأساسية والخدمات الرئيسة، وعبر ما ينهضون به من مسؤوليات تجاه أبناء الكويت، الأمر الذي عضد قوّتهم وأعطاهم ثقلً سياسيًا ساهم في تحقيق جلّ أهدافهم في فترات متعاقبة. وقد أظهر تجار الكويت حسًا وطنيًا تجاه بلدهم أكثر من مرة؛ وذلك عندما هبّوا لنجدة أبنائه حين حلّت بهم نكبات عدة، نذكر منها: وباء الطاعون، والهيلك (المجاعة)، والطبعة (غرق السفن)، والرجيبة (المطر الغزير والريح القوية)، فأطعموا الجائع، وأسكنوا المشرد، وأعطوا المحتاج حتى زالت الغمّة، وبعد ذلك تنازلوا عن أموالهم التي قدّموها للمواطنين المعسرين ديونًا عقب الأزمة التي حلّت بمنظومة الملاحة في الكويت جراء الحرب العالمية الأولى، إلى غير ذلك من المواقف10. وقام التجار بدور كبير في تثقيف أهل البلاد وتعليمهم من خلال افتتاحهم المدارس، مثل: مدرسة المباركية 1911، والأحمدية 1921، وعبر تبنّيهم فكرة افتتاح مدارس في الكويت وتبرّعهم لإنشائها، ثم إلزامهم أنفسهم بدفع ضريبة المعرفة المقدرة ب 1 في المئة للإنفاق على هذه المدارس، ثم تبنّيهم لاحقًا جهد إنشاء الصحف والمكتبات. وهكذا أصبحت طبقة التجار منغرسة في البنى الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بها داخل المجتمع الكويتي لأجيال متعاقبة11.
تجار الكويت: الدور السيايس
كان من الطبيعي أن يؤثّر الاحتكاك المباشر بين تجار الكويت والشعوب التي كانوا يسافرون إليها في تشكيل فكرهم، وتوسيع مداركهم في مجال المشاركة في الحكم والديمقراطية؛ إذ تعددت أسفارهم وتنوعت تعاملاتهم مع الكيانات السياسية المجاورة، سواء من داخل إقليم الخليج العربي (العراق، والبحرين) أو من خارجه (الهند)، الأمر الذي أوصلهم إلى قناعة بأنّ إدارة الدولة تحتاج إلى الرأي الجماعي، لا الأوحد الذي يمثّله الحاكم، فشكّلوا طبقة واعية قادرة على تفعيل العمل الشعبي، وتنوير الجماهير بحقّها في المشاركة في اتخاذ القرار السياسي وتنفيذه12، مما أنتج عدة تجارب انعكست ثمارها على المجتمع، فأثمرت في النهاية إعلان الدستور عام 1962، وتأسيس مجلس الأمة عام 1963 اللذيْن لا يزال أثرهما ووجودهما إلى الآن. ولم يكن الدافع وراء إصرار التجار وكفاحهم المستمر لنقل هذه التجارب وتأسيس هذه المجالس دافعًا ذاتيًا لتحقيق منفعة شخصية، بل كان دافعًا وطنيا مبعثه حب الوطن وابتغاء مصلحته ومصلحة أبنائه، معتمدين في هذا كلّه على علاقتهم الطيبة والمتأصلة بالأسرة الحاكمة ونزعتها الوطنية وحرصها أيضًا على الوطن وأبنائه، واعتمادها الدائم على أسلوب الشورى، وأخذ الرأي واحترامه والعمل به، إن كان ملائمًا في مواقف عدة شهدتها العقود الطويلة السابقة. وقد تبنّى مفهوم الفكر التحرري آنذاك أبناء التجار الكبار الذين صحبوا آباءهم في رحلاتهم التجارية إلى الخارج، أو سافروا فرادى لتلقّي العلم خارج الكويت؛ فاكتسبوا لغةً وثقافة جديدتين ساهمتا في تشكيلهم وقتئذ ما يشبه حركة المعارضة، مستندين إلى ما يقدّمه آباؤهم من دعم مادي كبير لخزينة الدولة، وخدمات جليلة من شأنها تيسير الأمور الحياتية والمعيشية لسكان البلاد، مما جنّبهم الصدام بشكل أو بآخر مع الأسرة الحاكمة، وفرض استقرارًا واضحًا في أشد اللحظات وأقسى الأوضاع التي عصفت بالكويت. وهكذا رسّخ الكويتيون مبدأ الشورى، وأسسوا لنظام حكم ديمقراطي في دولة حديثة النشأة والتكوين. وبمرور الوقت أخذوا يطورون نهج استخدام الديمقراطية، مستفيدين مما اكتسبوه من تجارب وحصّلوه من معارف عبر التجار وطلاب العلم، لكن الدور الأكبر والأكثر فاعلية كان للتجار الذين سافروا وعايشوا واختلطوا وخبروا ونقلوا ما رأوه نافعًا وصالحًا وملائمًا لطبيعة الكويت وأهلها من تجارب ديمقراطية كانت موجودة في الدول المجاورة. ولم تكن مهمتهم في عملية النقل هذه بالسهلة؛ بحيث مروا بمراحل عدة من الشد والجذب مع السلطة الحاكمة في البلاد. وبمرور الوقت تعاظم دور التجار في المجتمع الكويتي، وأصبحوا وسيطًا فاعلً بين جميع فئاته، وبرز دورهم المساند للشيوخ في إدارة البلاد وفقًا للمبادئ المتعارف عليها13. وقد تمخض جهد التجار عن التوصل إلى عدة تجارب نيابية (مجالس) خلال عقدين من الزمن تقريبًا (1921 - 1939) وهي الفترة المحددة لهذه الدراسة - بدءًا من عام 1921 (مجلس الشورى) مرورًا بعام 1932 (المجلس البلدي)، و 1938 - 1939 (المجلسان التشريعي الأول والثاني)، لا يمكن وصفها قطعًا بالناجحة أو الفاشلة، إذ تأرجحت بين هذا وذاك، تبعًا لعوامل ومقاييس عدة صعّبت الحكم عليها.
العلاقة بين تجار الكويت وحكامها
كانت تصرفات التجار المشبعة بروح المسؤولية تجاه الوطن وأبنائه محل تقدير الأسرة الحاكمة في الكويت، الأمر الذي انعكس على العلاقات بين الطرفين، وإن شابها بعض التوتر جراء تضارب المصالح بينهما؛ فكم مرة وقف التجار داعمين ومعضدين حكم أسرة آل الصباح في الكويت وقت الأزمات، وكم مرة أيضًا استجاب شيوخ الكويت لمطالب التجار إرضاء لهم وتقديرًا لمكانتهم ودورهم في خدمة البلاد. ونظرًا للمكانة الاجتماعية الكبرى والنفوذ السياسي الكبير للتجار المتمثل بالوصول إلى ما يشبه الشراكة في الحكم وإدارة شؤون البلاد، وصل الأمر بالبعض إلى توصيف هذه العلاقة المميزة بينهم وبين الشيوخ بالحكم المشترك14. وقد مثّلت طبقة التجار الداعم الرئيس لشيوخ الكويت ومؤسساتها السياسية والتقليدية البسيطة15، فحرص الحكام على ترسيخ علاقتهم بالتجار من أجل تيسير شؤون الدولة وتسهيل حكمها، وبالقدر ذاته حرص التجار أيضًا على الحفاظ على علاقتهم الطيبة بالحكام، ليؤمّنوا لأنفسهم وضعًا اجتماعيًا واقتصاديًا يضمنون معه الاستقرار والحفاظ على المكانة الرفيعة التي تمكّنهم من المشاركة في الحكم16. ويرجع كثيرون تطور المجتمع الكويتي وتقدّمه إلى علاقة المشاركة بين حكام الكويت وتجارها الذين كان جلّ مطالبهم يصب في الحفاظ على المصالح العامة للمجتمع الكويتي، مما أوجد نوعًا من التحالف أطلق عليه اسم تحالف التجار مع الحكام17. وقد تسبب رحيل آل الجلاهمة وآل خليفة في جعل حكام الكويت أكثر حاجة إلى التجار، على الرغم ممّا منحه هذا الرحيل لهم من حرية في إدارة شؤون البلاد18. وظلت علاقة الطرفين (الشيوخ – التجار) تدور في فلكَ الشد والجذب وفي إطار القرب والبعد تبعًا لعوامل عدة، من أهمها: الأوضاع الداخلية للبلاد، واستقرارها، وأحوال السكان المعيشية، وعلاقات الكويت الخارجية بالكيانات المجاورة، ونشاط التجارة وكسادها، حتى جاء النفط لينقل الكويت من مرحلة إلى مرحلة مغايرة تمامًا، لا تعتمد على التجارة موردًا وحيدًا لاقتصادها، ويصبح النفط هو المورد الأوحد ذو العوائد الوفيرة التي أثمرت مشاريع ضخمة ونهضة كبيرة في مختلف المجالات، أفرزت تركيبة سكانية مغايرة جرّاء هجرة كثير من الأيادي العاملة الأجنبية للبلاد، مما استدعى موقفًا موحدًا لأهل البلاد الأصليين، بحيث قدّموا المواطنة على المنافسة والعصبية، حفاظًا على مقدرات الوطن ومكتسباته التي حُميت بفضل الدستور ومجلس الأمة الباقيين إلى يومنا هذا. ويمكننا استعراض علاقة حكام الكويت وتجارها خلال الفترة التي سبقت الفترة التي تتناولها الدراسة على النحو التالي:
1. منذ اختيار الحاكم الأول الشيخ صباح الأول حتى تولّ الشيخ مبارك الصباح الحكم (1752 - 1896)
يمكن القول إنّ النخب التي قادت عملية تثبيت دعائم الحكم في الكويت عقب اختيار الشيخ صباح الأول بن جابر مباشرة بجانب آل الصباح تمثّلت بالتجار الذين استطاعوا إحداث توازن داخل المجتمع الكويتي عبر مراحل عدة، في الوقت الذي حرص فيه شيوخ الكويت الأوائل على المحافظة على الوضع الاقتصادي القوي القائم في الأساس على التجارة التي كانت تمثّل الركن الأعظم وقتئذ.
وفي عهد الشيخ عبد الله الأول بن صباح الحاكم الثاني للكويت زادت العلاقات متانةً وصلابة مع التجار، فعرف عنه أنّه لا يبتّ في أمرٍ قبل مشاورة جماعته، ولا يخالفهم في ما يرون أنّه صواب، وكان يستشير دائمًا أهل الخبرة من الكويتيين ويعدّل قراراته عقب استشارتهم. وإكرامًا لتجار الكويت ألغى الحاكم الثالث الشيخ جابر بن عبد الله ضريبة على تجار المحالّ مرجعًا ذلك إلى ضرورة منحهم حقوقهم19. وفي أول صدامٍ بين تجار الكويت وحكامها، أعلن التجار رفضهم الرسوم الجمركية التي فرضها حاكم الكويت الرابع الشيخ صباح بن جابر على البضائع الواردة من الخارج، وطالبوه بإلغائها، مستندين إلى قوّتهم وتأثيرهم الكبير في مجريات الأمور في البلاد20. واستمرت الأمور على المنوال نفسه في عهد الحاكمين الخامس والسادس الشيخ عبد الله الثاني والشيخ محمد الأول، حيث ظل التجار متمتعين بمكانة كبرى ومحافظين على امتيازاتهم المتوارثة.
2. فترة حكم الشيخ مبارك الصباح وجابر المبارك وسالم المبارك (1896 - 1921)
تمتع التجار في الفترة التي واكبت تأسيس الدولة والفترة التي أعقبتها حتى وصول الشيخ مبارك الصباح إلى الحكم عام 1896 بنفوذ قوي ومنزلة رفيعة، وكان لهم دور كبير ومؤثر في حكم البلاد، أو لنَقُل في المشاركة في حكمها، عبر ما يمكن تسميته بالممارسة السياسية المدعومة تجاريًا التي تحصنت واحتمت في ظل نظام حاكم تولى عبء حمايتها ورعاية مصالحها21. لكن الطريقة التي وصل بها الشيخ مبارك إلى الحكم أحدثت بوادر صدام مع التجار الذين اعتادوا أسلوب الشورى والحكم المشترك طوال قرن ونصف تقريبًا، وهو ما تمثّل بالمعارضة التي وجهها له يوسف الإبراهيم التي وصلت إلى محاولات عزله وإطاحته من سدة الحكم، وإن كان البعض عزا هذا إلى علاقات النسب والمصاهرة التي جمعت يوسف بالأخوين محمد وجراح22. لكن بعد أن استقرت له الأمور في حكم البلاد، وفهمًا منه لقيمة التجار وإدراكًا للدور الكبير المؤثّر الذي يقومون به في اقتصاد الكويت، ترك لهم الشيخ مبارك الحرية كاملة في ممارسة أنشطتهم لينطلق نحو الحكم المطلق للبلاد23. وكثيرًا ما كان الشيخ مبارك يتوسط لإنهاء الخلافات وحل المشكلات التي كانت تنشب بين التجار بين الحين والآخر، حرصًا منه على استقرار الأمور في البلاد، واستمرار الدعم الذي كانوا يقدمونه له وللكويت في شتى المجالات24. وربما يكون احتياج مبارك إلى الأموال بعد اكتشافه خلوّ خزينة البلاد عند سيطرته على الحكم فيها25، قد دفعه لهذا التوجه. ومع مرور الوقت واستتباب الأمور للشيخ مبارك، وانفراده بالسلطة والقرار، ودخوله معركتَي "الصريف" و"هدية"، ثم لجوئه لاحقًا لزيادة الضرائب على التجار الذين استشعروا الخطر المحدق بهم وبالتجارة في الكويت بصورة عامة، حدث صدام غير مسبوق جراء سخطهم وغضبهم، الأمر الذي دفع بعضهم لمغادرة الكويت والهجرة إلى البحرين. لكن التاريخ يذكر للشيخ مبارك في هذا الموقف أنّه
سافر إليهم داعيًا إياهم للعودة إلى الكويت، وواعدًا بتلبية مطالبهم كافة26، مما يؤكد إدراكه أنّ التجارة والتجار ركيزتان أساسيتان من ركائز دعم حكمه واستقراره شخصيًا27. ومع انتهاء عهد الشيخ مبارك عام 1915 وتولي ابنه الشيخ جابر تحسنت العلاقة مع التجار تحسنًا طفيفًا. ويرجع ذلك إلى قصر فترة حكمه التي قاربت السنتين، وإلى نزوعه هو الآخر إلى الانفراد بالحكم والقرار وتجاهله في كثير من الأحيان مبدأي الشورى والحكم المشترك، مثلما كانت الأمور في عهد والده الشيخ مبارك28. وكان الشيخ سالم خلفًا لجابر عام 1917. واستمر الخلاف قائمًا مع التجار على الرغم من محاولاته إرضاءَهم قناعةً منه بقوتهم الفاعلة في المجتمع29. لكن تضارب المصالح والتوجهات ورفض التجار وعدم رضاهم عن دخول الكويت في معارك انتهت بهزيمتها وخسارتها الرجال والمال والعتاد، كمعركتي "حمض" و"الجهراء" في عهد الشيخ سالم الذي حمّلوه مسؤولية إقحام الكويت فيهما لاستئثاره وانفراده بالقرار، وعدم رغبته في السير على مبدأي الشورى والمشاركة اللذين كان من الممكن أن يجنبا الكويت ويلات هذَين المعركتين وخسائرهما الكبيرة30. بيد أنّ إدراك الشيخ سالم واقتناعه المستمر بالقيمة الكبيرة للتجار والقوة الكبرى التي يتمتعون بها في المجتمع، جعلاه يحرص لاحقًا على إرضائهم ودعمه تجارتهم الخارجية في أثناء الحرب العالمية الأولى، على الرغم من تعارض ذلك مع المصالح البريطانية التي طالبت بوضع نقاط رقابة على المناطق الحدودية، للقضاء على عمليات التهريب. لكنّه، بعد استشارة التجار، رفض هذه المطالب، مما جعله يصطدم بالبريطانيين من أجل إرضاء التجار الذين طالبوه لاحقًا بأخذ تعويضات من البريطانيين عقب الخسائر الكبيرة التي تعرضوا لها جراء الحصار الاقتصادي. وهو ما تمّ بالفعل31.
التجار والتجارب الديمقراطية يف الكويت خلال الفترة (1921 - 1939)
شهدت الفترة التي أعقبت وفاة الشيخ سالم المبارك وتولية الشيخ أحمد الجابر تحركات حثيثة من التجار، استهدفت العودة للمشاركة في الحكم، مثلما كانت عليه الحال في الفترة التي حكم فيها مبارك وجابر وسالم الكويت32. وقد أعلن التجار في هذه الأثناء موقفهم صراحةً تجاه سياسة الحاكم الذي سيتولى مقاليد الحكم في البلاد، بحيث أكدوا رفضهم التام أيّ محاولة تستهدف الحكم المطلق المنفرد، وأكدوا ضرورة العودة للشورى، وأبدوا رغبة علنية في أن يكون لهم دور في الحكم، وأن يؤخذ برأيهم في جميع الأمور المتعلقة بالدولة. وشهدت هذه الفترة تطورات إقليمية في غاية الخطورة، تمثّلت ببداية الخلافات الحدودية بين الكويت والعراق ونجد، وما انتهت إليه من جور وغبن لحقا بالكويت جراء النتائج التي خرج بها مؤتمر العقير 1922، كما قام الخلاف الاقتصادي بين الكويت وابن
سعود بدور كبير في تقويض قدرات الكويت الاقتصادية؛ إذ انعكست مشاكل المسابلة وقضايا الجمارك بين الطرفين على الوضع الداخلي للكويت التي كانت تحيا في هذا الوقت على التجارة، بعد أن أثّرت تجارب استزراع اللؤلؤ الاصطناعي فيها، علمًا أنّ النفط لم يظهر بعد في هذه الأثناء. وظهر التأثير السياسي القوي للتجار جليًا في أثناء اشتداد الأزمة التجارية مع ابن سعود الذي طالب بوجود وكيل تجاري له في الكويت، وعودة التجارة المشتركة، مقابل الاستحواذ على جميع عوائد جمارك السلع المصدرة برًا للسعودية، بحيث وقف تجار الكويت لهذه المطالب بالمرصاد33. وقد أثمر جهد هؤلاء التجار نتائج جيدة، تمثّلت بعدة مجالس نيابية شاب طريقة تشكيلها، وأسلوب أدائها، وما تمخّض عنها من قرارات، ملاحظات كثيرة، كان لهم يدٌ فيها في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى دفعوا لها دفعًا، فلم يستطيعوا مواجهتها، ومن ثم تقويمها، يمكننا عرضها على النحو التالي:
1. مجلس الشورى (1921)
يُعدّ إنشاء هذا المجلس علامة بارزة وفارقة في تاريخ المسار الديمقراطي في الكويت، فهو يعدّ التجسيد الأول لمحاولات عدة استهدفت تأسيس كيان نيابي استشاري داخل البلاد؛ إذ منذ نشأة الكويت حتى هذا التاريخ، لم يسبق لأي هيئة أو مجلس شورى أن أنشئ، وكان يكتفى فقط بالاجتماعات الدورية للتباحث والتشاور في أيّ مستجدات تخص شؤون السكان والبلاد، وتستدعي اتخاذ قرارات أو إجراءات، وذلك حتى وصول الشيخ مبارك الصباح (1896 - 1915) إلى سدة الحكم، ومن بعده تولّ ولداه جابر (1915 - 1917) وسالم (1917 - 1921)؛ بحيث قلّت، إن لم تكن انعدمت، مجالس الشورى هذه، وكان الثلاثة يأخذون القرار منفردين، مما أحدث فجوة كبيرة بينهم وبين وجهاء البلد، زاد من حجمها تورط الكويت في نزاعات مسلحة مع بعض القوى المجاورة على رأسها "معركة الجهراء" مع آل سعود التي خسرت فيها الكويت الكثير من رجالها وعتادها ومالها، فاتخذها الناس مبررًا لطلبهم المشاركة في الحكم عن طريق الشورى عقب وفاة الشيخ سالم34، بحيث اجتمع وجهاء البلد وتجاره في شباط / فبراير 1921، وأبلغوا آل الصباح أنّه يجب أن يكون لهم دور في اختيار الحاكم، منعًا لحدوث أي خلاف بين ذرية الشيخ مبارك مستقبلً على الإمارة، وأنّهم لا يرتضون بوجود حاكم لا يقبل بوجود مجلس استشاري36. وانعقد هذا الاجتماع في منزل التاجر الكبير ناصر البدر، بحضور التجار: محمد عبد المحسن الشملان، ومبارك محمد بورسلي، وجاسم محمد بوقماز، وغيرهم من كبار تجار الكويت آنذاك37. وقد استهدف الكويتيون من هذه الخطوة التخلص من الفردية والقبلية، والاعتماد على قواعد الحكم الإسلامي التي تنادي بالشورى39.
وانحصرت دائرة الاختيار في الشيخ أحمد الجابر (الابن الأكبر للشيخ جابر المبارك الحاكم الثامن للكويت)، والشيخ عبد الله السالم الصباح (الابن الأكبر للشيخ سالم المبارك الحاكم التاسع والأسبق)، والشيخ حمد المبارك (من أبناء الشيخ مبارك). وتمخض اجتماع التجار والوجهاء عن وضع وثيقة تاريخية تعدّ الأولى من نوعها في تاريخ الكويت الحديث والمعاصر، سميت الميثاق40، طالب التجار فيها بضرورة المشاركة في إدارة شؤون البلاد، واختاروا مجموعة من الأشخاص على رأسهم الشيخ يوسف بن عيسى القناعي لمقابلة الحاكم ومطالبته بإقامة مجلس للشورى يتولى الأمير رئاسته41. وفور الاتفاق على اختياره وافق الشيخ أحمد الجابر على عريضة تقدّم بها عدد من التجار، هم: محمد بن شملان، ومبارك محمد بورسلي، وجاسم بن محمد بن أحمد، وسالم بن علي بوقماز، وناصر بن إبراهيم، وعبد الرحمن بن حسين العسعوسي، وصالح بن أحمد النهام، وعبد الله بن زايد. ورد محتواها على النحو التالي: بسم الله نحن الواضعون أسماءنا بهذه الوثيقة، قد اتفقنا واتخذنا على عهد الله وميثاقه بإجراء هذه البنود الآتية: أولً: إصلاح بيت الصباح، كي لا يجري بينهم خلاف في تعيين الحاكم. ثانيًا: المرشحون لهذا الأمر هم: الشيخ أحمد الجابر، الشيخ حمد المبارك، والشيخ عبد الله السالم. ثالثًا: إذا اتفق رأي الجماعة على تعيين شخص من الثلاثة، يرفع الأمر إلى الحكومة للتصديق عليه. رابعًا: المعين المذكور يكون بصفته رئيس مجلس الشورى42. خامسًا: ينتخب من آل صباح والأهالي عدد معلوم لإدارة شئون البلاد، على أساس العدل والإنصاف43. وعملً بالمادة الخامسة من الميثاق، تم تشكيل أول مجلس استشاري في تاريخ الكويت في آب/ أغسطس 1921، سمي بمجلس الشورى، ضم اثني عشر عضوًا؛ بحيث قسمت الكويت إلى دائرتين انتخابيتين، هما قبلة وشرق. ومثّل كل دائرة 6 أعضاء، شريطة أن يكونوا من وجهاء البلد والتجار44. وجاء الاثنا عشر عضوًا على النحو التالي: حمد عبد الله الصقر، أحمد الفهد الخالد، يوسف عيسى القناعي، عبد الرحمن خلف النقيب، مشعان الخضير الخالد، أحمد صالح الحميضي، مرزوق الداوود البدر، شملان علي السيف الرومي، هلال فجحان المطيري، إبراهيم المضف، خليفة شاهين الغانم، عبد العزيز أحمد الرشيد45. ومن المهم الإشارة إلى أنّ جميع الأسماء السابقة من طبقة التجار ذات النفوذ الاجتماعي الكبير والقوة الاقتصادية الهائلة والخلفية السياسية الجيدة46، باستثناء اسم واحد فقط هو الأديب والمؤرخ عبد العزيز الرشيد، ما يؤكد الدور الكبير الذي قام به التجار في مرحلة بدايات الحراك النيابي في الكويت.
وقد خلا تشكيل المجلس من أيّ فرد من أسرة آل الصباح، واختير العضو حمد عبد الله الصقر رئيسًا، وفي ذلك مخالفة للمادتين الرابعة والخامسة من الميثاق الذي أنشئ المجلس على أساسه48، لكن الشيخ أحمد ربما يكون تعمّد هذا تقديرًا لتجار الكويت ووجهائها، وتكريمًا لهم، ومحاولة منه لمنحهم مساحة أكبر من الحرية عند اختيار رئيس المجلس. وتمّ بالفعل التصديق على اختيار الشيخ أحمد الجابر الذي أقسم يمين الإخلاص في العمل، ودوّن للشعب ميثاقًا خطيًا نصَّ فيه على ما يلي: بسم الله هذا ما اتفق عليه حاكم الكويت الشيخ أحمد الجابر وجماعته: أولً: أن تكون جميع الأحكام بين الرعية في المعاملات والجنايات على حكم الشرع الشريف. ثانيًا: إذا ادعى المحكوم عليه أنّ الحكم مخالف للشرع، تكتب قضية المدعي والمدعى عليه وحكم القاضي فيها، وترفع لعلماء الإسلام، فما اتفقوا عليه فهو الحكم المتبع. ثالثًا: إذا رضي الخصمان على أي شخص أن يصلح بينهما، فالصلح خير لأنه في المسائل المقررة شرعا. رابعًا: المشاورة في الأمور الداخلية والخارجية التي لها علاقة بالبلد من جلب مصلحة أو دفع مفسدة أو حسن نظام. خامسًا: كل من عنده رأي فيه صلاح ديني ودنيوي للوطن وأهله يعرضه على الحاكم ويشاور فيه جماعته، فإن رأوه حسنا ينفذ49. لم يرفض الشيخ أحمد الجابر الفكرة، ووعد بتنفيذها إعمالً لمبدأ الشورى في الحكم الذي يقضي بأخذ رأي التجار والوجهاء قبل القضاء في أيّ أمر يخص البلاد والرعية سواء أكان كبيرًا أم صغيرًا. واهتم المجلس فور تشكيله بالبدء على الفور في إصلاح القضاء. واتفق على أن تنتخب طائفة من آل الصباح وأعيان الكويت لإصلاح البلاد، وإدارة شؤونها، ومراقبة الأحكام الشرعية التي يصدرها القضاء50. ويعزو البعض تشكيل هذا المجلس إلى تأثير التيار القومي العربي الذي امتد إلى دول الخليج والجزيرة العربية، والذي قامت على إثره حركات إصلاحية جنينية، كمجلس الشورى هذا51. وكان عمر هذا المجلس قصيرًا جدًا، حتى إنّه ما كاد يحكم حتى أزهقت روحه، وألحد قبره، على حد تعبير أحد مؤرخي الكويت المرموقين52. واستمر المجلس في عمله طوال شهرين، تباحث خلالهما في كثير من القضايا المهمة والحيوية للدولة، على رأسها القضاء، لكن شاب أداءه الكثير من أوجه القصور التي تمثلت بكثرة الخلافات بين أعضائه وبين أفراد الأسرة الحاكمة، والخلافات بين الأعضاء
أنفسهم، وعدم احترامهم قاعدة الأغلبية، وكثرة الغياب عن حضور الجلسات، مما أفقده قوّته، وأفقد قراراته صدقيتها، وانعدمت الجدوى منه، فحلّ تلقائيًا بمباركة الشيخ أحمد الجابر الذي انتقد انشغال أعضاء المجلس بتجارتهم وأعمالهم الخاصة. ويشير بعض المصادر إلى الدور البارز للمعتمد السياسي البريطاني في إذكاء نار الخلاف والفرقة بين أعضائه53. وتبقى مسألة عدم وجود مادة القانون اللازمة، أو كما تسمى في لغة القانون اللائحة التنظيمية للمجلس، أحد أهم أسباب سقوطه54. كما عاب هذا المجلس طريقة تشكيله التي قامت على الاختيار وليس الانتخاب، وحتى الاختيار لم يتمّ وفقًا لقاعدة الأكفأ، بل كان يتم على أساس الوجاهة والثروة55، فعادت الأمور إلى سابق عهدها في شكل العلاقة بين الحاكم والتجار والوجهاء التي قامت على أخذ الرأي والمشورة وديًا دون صوغ نيابي رسمي. وعلى الرغم من قصر مدة عمل المجلس، وما شاب أداءه من قصور، فهو بمنزلة اللبنة الأولى وحجر الأساس لباقي المجالس النيابية التالية في دولة الكويت؛ إذ إنّه ساهم في تحديد أطر العلاقة بين الحكام والمحكومين، بحيث نُظمت وصيغت رسميًا، معلنةً لأول مرة عن المشاركة الشعبية الرسمية في الحكم في دولة الكويت56. وبالنظر إلى هذه التجربة الرائدة على الرغم من قصرها، فإنّنا نلحظ جليًا دور التجار عامةً والمثقفين منهم بخاصة فيها، بحيث أصرّوا على أن يكون لهم دور في مسيرة الحكم في الكويت، مؤكدين أنّه قد آن الأوان لفترة تغييبهم عن هذه المسألة أن تنتهي، وأن تكون لهم كلمة مسموعة ونافذة في تسيير أمور البلاد، وهو ما تمثّل بتدخّلهم الواضح في عملية اختيار شخص الحاكم من بين مجموعة مفترضة. وهي المسألة التي كانت حكرًا قبل ذلك على كبار رجال الأسرة الحاكمة، ولا يحق لأيّ جهة أو أي شخص كائنًا من كان أن يدلي بدلوه في عملية الاختيار هذه، إن كان من خارج الأسرة57. وقد أكدت تجربة مجلس الشورى استمرار محاولات التجار الحفاظ على موقع متميز داخل التركيبة السياسية بعد أن ضمنوا وجودهم القوي والمؤثر داخل التركيبة الاجتماعية58. وهكذا، فإنّه يمكننا أن نصف هذه التجربة بأنّها تجربة فرض التجار أنفسهم على واقع الحياة السياسية في الكويت، عبر اختيار الحاكم في الحكم ومعاونته بل مشاركته، الأمر الذي عزز دور التجار في الدولة وسلطتهم، وزاد من تطلعاتهم نحو مساحة وقدر أكبر من المشاركة في الحياة السياسية في البلاد، مع تأكيد عدم وصولهم إلى درجة التنظيم السياسي المحكم.
2. المجلس البلدي (1932)
على الرغم من أنّ هذا المجلس لا يعدّ مجلسًا نيابيًا بالمعنى المتعارف عليه قانونًا، رأينا ضرورة ملحّة للإشارة إليه في سياق هذه الدراسة؛ بحيث يعدّ نظام انتخاب أعضائه بمنزلة أول نظام انتخابي تم تطبيقه في الكويت، وتمّت محاكاته بعد ذلك في أثناء عمليات اختيار أعضاء المجالس التخصصية التي تلته.
وقد ولدت فكرة إنشاء هذا المجلس في الكويت على يد الشيخ يوسف بن عيسى القناعي، بعد أن شاهدها في البحرين، فعرضها على تجار الكويت الذين أبدوا حماسًا شديدًا لها، وقرروا تبنّيها وعرضها على الشيخ أحمد الجابر الذي لم يمانع، ووافق على الفور عليها، كما عرضها على الشيخ عبد الله السالم الصباح الذي اقتنع بها أيضًا59. وقد جاء إنشاء هذا المجلس تجسيدًا للمطالب الشعبية بالاستمرار في التمثيل الشعبي والمشاركة في حكم البلاد، على الرغم من فشل تجربة مجلس الشورى، فجاءت المطالب على مستوى أقل60. وتم تأسيس إدارة البلدية عام 1930، وأعقب ذلك صدور أول قانون للبلدية في 1931 حدد شروط عضوية المجلس البلدي وسلطاته، ونص في مادته الأولى على أن يتألف المجلس البلدي من اثني عشر عضوًا، إضافةً إلى الرئيس الذي اشترطت المادة الثانية منه أن يكون من آل الصباح، ويختاره ويعيّنه الحاكم، وحددت المادة الثالثة الشروط الواجب توافرها فيمن يحق له الانتخاب، كما حدد القانون مهام المجلس البلدي واختصاصاته61. كما اشترط القانون ضرورة إجراء انتخابات الأعضاء والرئيس كل سنتين، وأن يجتمع أعضاؤه أسبوعيًا62. وجرت انتخابات المجلس البلدي عام 1932. وهي أول انتخابات يشارك فيها الكويتيون أو نخبة مختارة منهم إن صح التعبير، وسيطر التجار بالطبع عليه، ونال عضويته من بينهم كلٌ من: يوسف بن عيسى القناعي، مشعان الخضير الخالد، سليمان خالد العدساني، السيد على السيد سليمان. محمد أحمد الغانم، نصف يوسف النصف، زيد سيد محمود، أحمد معرفي، حمد الداود المرزوق. مرزوق الداوود البدر، مشاري حسن البدر، يوسف الصالح الحميضي63. وترأّس الشيخ عبد الله الجابر الصباح هذا المجلس، وجاء اختياره من بين أفراد الأسرة الحاكمة ليكون لمقررات البلدية وأحكامها حرمتها المصونة عند العموم، وانتخب الأعضاء من بينهم سليمان العدساني ليكون مديرًا للبلدية64. وقد تكررت انتخابات المجلس البلدي في الأعوام 1934 و 1936 و 1938 حتى قيام المجلس التشريعي. وشهد المجلس الثالث أزمة في عام 1937، حين قدّم خمسة من أعضائه استقالاتهم تضامنًا مع أعضاء مجلس المعارف الذين تم حلّ مجلسهم إثر خلافهم مع الحكومة، وهم خليفة شاهين الغانم، ومشعان الخضير، ومشاري حسن البدر، وسليمان العدساني، والسيد علي السيد سليمان. وفي عام 1938 تدخّلت السلطة الحاكمة في انتخابات المجلس الرابع، بحيث منعت هؤلاء الخمسة المستقيلين من الترشح للعضوية65. وكان هذا المجلس أشبه بمجلس وزراء مصغر يشرف على أداء الجهات الرسمية الأخرى في البلاد، ويراقب أعمالها، ويوجهها66.
وقد عابه كون حق الانتخاب فيه مقيدًا ومشروطًا، بحيث اقتصر على التجار والوجهاء. فكان الانتخاب انتخابًا جزئيًا يراعى فيه المركز الاجتماعي للمرشح أكثر من كفاءته وصلاحيته للعضوية67.
3. مجلس المعارف (1936)
يعدّ هذا المجلس امتدادًا لسلسلة المجالس القائم تشكيلها على الانتخاب كسابقه المجلس البلدي، وعلى الرغم من كونه أيضًا بعيدًا عن المجال النيابي، فبإمكاننا عدّه بمنزلة خطوة تمهيدية، عبر آلية انتخاب أعضائه المجلسين التشريعيين التاليين له. وقد بدأت المطالبة بإنشاء مجلس للمعارف بعد الحراك الثقافي الذي ساد الوطن العربي عامة ومنطقة الخليج العربي، وشبه الجزيرة العربية بخاصة، مع تنامي أعداد الدارسين في الخارج، وأعداد المدارس في الداخل، ما استلزم وجود مجلس لرعاية التعليم في الكويت، وتنميته، والارتقاء به. وكعادتهم، قام التجار بدور بارز في الدعاية له والمطالبة به. فتمّت الدعوة لانتخاب أعضاء هذا المجلس بعد موافقة الشيخ أحمد الجابر على إنشائه، وجرت الانتخابات عام 1936، حيث تمت دعوة خمسين شخصًا من تجار الكويت ووجهائها للمشاركة في عملية انتخاب اثني عشر عضوًا وردت أسماؤهم كما يلي: عبد الله حمد الصقر، يوسف بن عيسى القناعي، خليفة بن شاهين الغانم، سليمان خالد العدساني، مشعان الخضير الخالد، السيد علي السيد سليمان، مشاري حسن البدر، محمد أحمد الغانم، نصف يوسف النصف، أحمد خالد المشاري، سلطان إبراهيم الكليب، يوسف عبد الوهاب العدساني. وقد ترأّس هذا المجلس فور تأسيسه الشيخ عبد الله الجابر الصباح، وانتخب الشيخ يوسف بن عيسى القناعي مديرًا فخريًا له، وعيّ السيد عبد الملك صالح المبيض سكرتيرًا له وأمينًا لصندوقه، واتخذ من المدرسة المباركية مقرًا له68. وبعد أن باشر المجلس أعماله نشب خلاف بينه وبين السلطة الحاكمة، قامت على إثره بحلّه وتعيين مجلس آخر بديلً له69. وعاب عملية انتخاب أعضائه قصر حق المشاركة على من يختارون من التجار والوجهاء، وقلة أعدادهم، إضافةً إلى أنّ بعض المرشحين شارك في عملية فرز الأصوات وإعلان النتيجة، ويظهر جليًا من قائمة أعضائه انتسابهم إلى فئة التجار المستحوذة آنذاك على عضوية المجالس كافة، وجمع أغلبهم بين عضويته وعضوية المجلس البلدي القائم آنذاك.
4. المجلس التشريعي الأول (1938)
يعدّ المجلس التشريعي العلامة الأبرز في مسار الحركة الديمقراطية في تاريخ دولة الكويت الحديث والمعاصر، بحيث قام الكويتيون بانتخاب ما يشبه البرلمان لأول مرة في تاريخهم. ودفعهم لهذا تجاربهم المتواصلة منذ قرابة القرنين، القائمة على الشورى والاختيار، وساعدهم أيضًا كثرة أسفارهم إلى الخارج، سواء للتجارة أو الدراسة، فخلال هذه الفترة التي سبقت انتصاف القرن العشرين بسنوات ليست بالكثيرة، تضاعف وعي الكويتيين، وازدادت معه رغبتهم في محاكاة التجارب الرائدة في مصر والعراق والبحرين والهند، التي قامت في الأساس ضد المستعمر واستهدفت الاستقلال أولً، ثم الاستفادة من خيرات هذه البلاد الطبيعية والبشرية وثرواتها. كما مثّلت الصحف والمجلات التي كانت تأتي إلى الكويت عنصرًا فاعلً في هذا التوجّه، والنزوع نحو تأسيس حياة نيابية برلمانية سليمة70. وتبعًا لكل
الدولة أي جهد لحل مشكلة المياه71.
وانهيار تجارة اللؤلؤ، عنصرين داعمين للتحرك نحو الإصلاح72.
المشاركة السياسية73. وعقدت هذه الكتلة اجتماعات سرية، كان يصل عدد الحاضرين فيها إلى مائتين74.
اللازمة للإشراف على تنظيم شؤون الإمارة وعمليات الإصلاح75.
عبر وفدٍ شكّلته للقائه تدعوه فيه إلى البدء فورًا بإصلاحات في جميع مرافق الدولة76.
التي شملت ما يلي: فتح المدارس على نطاق واسع، لمنح الكويتيين فرص التعليم كباقي الدول العربية.
تنظيم أحوال الكويت الاقتصادية ونفقاتها ودخلها، وتحسين أحوالها في مناحي الحياة كافة. صدّ أبواب الكويت في وجه اللاجئين الأجانب الذين لا تربطهم أيّ علاقات معها. مع الدول العربية المجاورة بهذا الخصوص. ذلك تشكّل ما يشبه المعارضة داخل الكويت من التجار والوجهاء وأبنائهم الذين ساهم في دفعهم أكثر لتنفيذ مطالبهم الخلافات السابقة التي هيمنت على مجلس الشورى والمجلس البلدي ومجلس المعارف، والصدام بين أعضائها والأسرة الحاكمة، حتى تم حلّ بعضها، وما شاب طريقة اختيار أعضائها من تفضيل وانتقاء لبعض الأشخاص دون غيرهم، وأخيرًا تردّي الأوضاع في البلاد المتمثل بسوء الخدمات وضعفها، بخاصة في قطاعات القضاء والصحة والتعليم، وفساد الإدارة، وارتفاع قيمة الضرائب والرسوم بأشكالها المختلفة، وعدم بذل
ومثّل الانهيار الاقتصادي الذي حلّ بالكويت جراء الحصار الاقتصادي الذي فرضته المملكة العربية السعودية على تجارتها،
جراء كلّ هذا تحرّك التجار كعادتهم، وكوّنوا جمعية سرية أطلقوا عليها اسم الكتلة الوطنية، بهدف المطالبة بالإصلاح وضرورة
وقد طالبت هذه الكتلة بقيام مجلس تشريعي على أساس انتخابات حرة ونزيهة، شريطة أن يتمتع هذا المجلس بجميع الصلاحيات
وكما كان متوقعًا، حدث صدام بين الكتلة والمسؤولين في الدولة شابه العنف، ما حدا ببريطانيا التي كانت تتمتع بحق حماية الكويت وقتئذ وفقًا لاتفاقية كانون الثاني/ يناير 1899، أن تتدخل بإبداء الرأي والنصح للحاكم بضرورة وقف الصدام العنيف، وعدم قمع هذه الحركة بالقوة77. علمًا بأنّ الكتلة الوطنية كان لها اتصال مباشر حينئذ مع الوكيل السياسي البريطاني في الكويت الكابتن دي جوري Gaury De عبر اللقاءات المشتركة المتعددة. وفي 28 حزيران/ يونيو 1938 أشهرت الكتلة نفسها، ورفعت كتابًا للشيخ أحمد الجابر،
كما طالبه الوفد بالعودة إلى نظام الشورى، وتأسيس مجلس تشريعي عبر الانتخاب لا التعيين. ونشرت الكتلة بيانًا فيه كلّ مطالبها
إقامة مستشفى على نفقة الحكومة، حتى لا يلجأ السكان إلى مستشفى الإرسالية الأميركية ذات الأهداف والتوجهات الخاصة.
السماح غير المشروط بزيارة الكويت، وعدم منع أيّ عربي من ذلك مهما كانت الأحوال، واتخاذ الإجراءات اللازمة لإزالة سوء التفاهم
تواصل حاكم البلاد مع كل طبقات شعبه، وسماع شكاواهم، وتوجيه شؤونهم على أساس مقبول. رغبة شعب الكويت في التعاون مع العراق لتحقيق أهداف المشروعات الإصلاحية وتحسينها، على أساس علمي وتجاري وثقافي78. يبدو أنّ أصحاب هذه المطالب، على الرغم من أهميتها، لم يتنبهوا إلى خطورة عواقب استخدام وسائل الإعلام الخارجية لنشر مطالبهم فيما بعد79. وأرسلت الكتلة الوطنية، أو الحركة الإصلاحية، عضوين من أعضائها هما سليمان العدساني وعبد الله حمد الصقر برسالة للشيخ مفادها ضرورة تشكيل مجلس تشريعي. فلم يرفض، واستجاب لطلبهم. وعقب موافقة الحاكم على تشكيل المجلس، تمّ تشكيل لجنة من ثلاثة أشخاص هم أحمد الحميضي، ويوسف العيسي، وأحمد الثنيان لعمل قوائم بأسماء الناخبين ضمّت 320 ناخبًا من أصل 65000 شخص، لدعوتهم للمشاركة في اختيار 14 مرشحًا. فقام بالترشح 20 شخصًا، نال منهم العضوية كلٌ من: عبد الله حمد الصقر، محمد ثنيان الغانم الذي استقال لاحقًا وحل بدلً منه محمد بن شاهين الغانم، يوسف بن عيسى القناعي، علي السيد سليمان، مشعان الخضير الخالد، حمد الداوود المرزوق، سليمان خالد العدساني، عبد اللطيف محمد الغانم، يوسف صالح الحميضي، مشاري حسن البدر، سلطان إبراهيم الكليب، صالح عثمان الراشد، يوسف مرزوق الداود، خالد عبد اللطيف الحمد80. واختير الشيخ عبد الله السالم الصباح رئيسًا للمجلس الذي قام فور تشكيله بصوغ مشروع دستور بأغلبية الأعضاء في تموز/ يوليو 1938، حدد فيه اختصاصاته. لكن صدامًا لاح في الأفق بعد أن رأى الشيخ أحمد الجابر في هذا الدستور تقويضًا لصلاحياته وانتقاصًا من سلطاته، وأنّه لا حاجة للكويت إليه، مع موافقته على الفكرة في أساسها، ورغبته في أن تسير هذه الأمور تدريجيًا. فوجّه المجلس رسالة له جاء فيها أنّه: "في الظروف التي توليتم فيها الحكم، قطعتم أيضا على أنفسكم أن تجعلوا بينكم وبين الأمة الشورى، ومضت الأيام، ولم تر الأمة تحقيقا لما وعدتم، ولعل هذه اللحظات الفاصلة، فإما إلى الخير، وأنت على رأس الأمة، يحيط بك الإجلال ويحفّك التقدير والحب من كل حدب وصوب، وإما إلى ضده، وها نحن تهيّأنا لكل أمر متوقع كتلة واحدة"81. فوافق الشيخ على مشروع الدستور، وصدق عليه بتاريخ 9 تموز/ يوليو 1938. وتضمّن الدستور خمس مواد مأخوذة من الدستور المصري الصادر عام 1923. وصيغ المشروع على النحو التالي: بسم الله الرحمن الرحيم نحن حاكم الكويت بناء على ما قرره مجلس الأمة التشريعي، صادقنا على هذا القانون في صلاحية مجلس الأمة، وأمرنا بوضعه موضع التنفيذ المادة الأولى: الأمة مصدر السلطات، ممثلة في هيئة نوابها المنتخبين.
المادة الثانية: على المجلس التشريعي أن يشرع القوانين الآتية:
الخاصة، فليس للمجلس حق التدخل فيها. قانون القضاء: المراد به الأحكام الشرعية والعرفية، بحيث يهيأ لها نظام يكفل تحقيق العدالة بين الناس. قانون الأمن العام: المراد به صيانة الأمن في داخل البلاد وخارجها إلى أقصى الحدود. قانون المعارف: المراد به قانون للمعارف، تنهج فيه نهج البلاد الراقية. قانون الصحة: المراد به سنّ قانون صحي يقي البلاد وأهلها أخطار الأوبئة، أيًا كان نوعها.
داخليًا وخارجيًا.
لصيانة الأمن في البلاد. كل قانون آخر تقتضي مصلحة البلاد تشريعه.
يستجد من هذا القبيل لا يعتبر شرعيا، إلا بموافقة المجلس وإشرافه عليه.
تشكل هيئة مستقلة لهذا الغرض. المادة الخامسة: رئيس مجلس الأمة التشريعي هو الذي يمثل السلطة التنفيذية في البلاد82.
الوطنية، والرغبة في الإصلاح، والنهوض بالبلاد، والاستفادة الحقة من مواردها.
الإنجازات؛ إذ تم افتتاح ما لا يقل عن عشر دوائر حكومية جديدة، منها دوائر المالية، والشرطة، والأمن، والجوازات. ويمكن إيجاز أهم إنجازات المجلس في ما يلي: قانون الميزانية: أي تنظيم جميع واردات البلاد ومصروفاتها وتوجيهها بصورة عادلة، إلا ما كان من أملاك الصباح
قانون العمران: يشمل تعبيد الطرق خارج المدينة، وبناء السجون، وحفر الآبار، وكل ما من شأنه تعمير البلاد
قانون الطوارئ: المراد به سنّ قانون في البلاد لحدوث أمر مفاجئ يخوّل السلطة حق تنفيذ جميع الأحكام المقتضية
المادة الثالثة: مجلس الأمة التشريعي مرجع لجميع المعاهدات والامتيازات الداخلية والخارجية والاتفاقيات، وكل ما
المادة الرابعة: بما أن البلاد ليس فيها محكمة استئناف، فإن مهام المحكمة المذكورة تناط بمجلس الأمة التشريعي حتى
على الرغم من كثرة نقائصه وإغفاله الكثير من المواد الأساسية والمبادئ، عُدّ هذا الدستور إنجازًا كبيرًا في حينه، إذ إنّه اصطبغ بروح
وشكّل المجلس عدة لجان منها لجنة الشؤون السياسية، واللجنة المالية، ولجنة المعارف. وشهدت الدورة الأولى عددًا من
انتخاب أعضاء غرفة التجارة، وإعداد مشروع لقانون الجنسية الكويتية. ӵ ӵ محاربة الرشوة والفساد.
المؤقتة لحساب دائرة المعارف، لتوسيع نطاق عملها. إلغاء الاحتكارات المفروضة على بعض الأنشطة والمهن. ӵ ӵ إصلاح دائرة الأمن. ӵ ӵ إصلاح النظام الإداري. ӵ ӵ إصلاح دائرة الجمارك.
للإشراف على تنظيم جباية الضرائب على الإيرادات وطرق صرفها. ӵ ӵ إلغاء نظام السخرة. ӵ ӵ خفض الإيجارات84.
والطلب إلى مصر إرسال قاضٍ ذي خبرة ليرأس هذه المحكمة، وتحديد مكان رسمي للتقاضي بدلً من بيت الحاكم85. ӵ ӵ وقف الهجرة الأجنبية، وإصلاح دائرة الجوازات86. وبعد فترة ليست بالطويلة، اصطدم المجلس بمجموعة كبيرة من التجار والمحافظين، بسبب طريقة أدائه، وطريقة اختيار ناخبيه، واقتصارها على فئات معينة، بحيث لم يتعدّ عدد الناخبين 150 ناخبًا87. واصطدم المجلس أيضًا ببريطانيا، بسبب محاولته (المجلس) التدخّل في اتفاقيات النفط وعمل شركة النفط بما يهدد مصالحها88. كما حدث صدام آخر مع بريطانيا التي عدّت الاتفاقيات المعقودة بينها وبين حاكم الكويت تخضع لمسؤولية إدارة الشؤون الخارجية التي تقوم بها نيابةً عن الكويت، بحسب بنود اتفاقية كانون الثاني/ يناير 1899، كما نبّه المقيم السياسي البريطاني في الخليج الشيخ أحمد وضع الأنظمة، وسن القوانين، وإصدار القرارات التي من أهمها الوثيقة الدستورية، واللائحة الداخلية للمجلس، وقانون
توسيع نطاق صلاحيات مجلس المعارف من حيث زيادة جلب المدرسين من الخارج، ومدرسات لفتح الصفوف الابتدائية لتعليم الفتيات، كما دعم المجلس إرسال البعثات التعليمية للخارج، ورصد المجلس التشريعي نصف واردات النقل والتنزيل
إصلاح دائرة المالية، بحيث خوّلت المادة الثانية من الدستور المجلس التشريعي حق الإشراف على تنظيم الميزانية العامة وصرفها وفقًا لأغراض البلد ومرافقه، فأصبح للكويت ميزانية مستقلة عن ميزانية الحاكم، لإنشاء مجلس لدائرة المالية
إصلاح النظام القضائي، وتمثّل ذلك بفصل القضاة الفاسدين وتعيين قاضييَن رسميين بدلً من واحد، ومضاعفة راتب القاضي الشرعي، وتحديد رسوم ثابتة لرفع الدعاوى، وتشكيل محكمة صغرى ذات طبيعة خاصة، وإنشاء محكمة استئناف مستقلة،
الجابر إلى رفضه مشاركة المجلس التشريعي في الشؤون الخارجية. أضف إلى هذا ما تنامى إلى مسامع بريطانيا عن رفض أعضاء المجلس التشريعي وجود مقيم بريطاني في الكويت. ودبّت الخلافات بين أعضائه، مما استدعى إخراج بعضهم من المجلس، بل إبعاده عن الكويت، كخالد الزيد الخالد الذي تسبب في خلاف حاد بين المجلس والشيخ أحمد الجابر. كما ساهم توجّه المجلس نحو العراق، ونحو طلب الاتحاد معه، في زيادة الهوة بينه وبين الأسرة الحاكمة التي أخذت في الاتساع أكثر جراء الصدام المستمر وغير المنقطع بين الطرفين89. أدى ذلك إلى اشتعال فتيل الأحداث؛ فكانت المواجهة العنيفة بين أعضاء المجلس ومؤيديه وبين رجال الأسرة الحاكمة، ما أوقع بعض حالات الوفاة والإصابة، وهروب البعض إلى العراق خوفًا من السجن، فأعلن الشيخ أحمد الجابر حلّ المجلس في 21 كانون الأول/ ديسمبر 193890. بقي أن نشير إلى أنّ قانون إدارة الحكم الذي وضعه هذا المجلس والذي لم يفعّل بطبيعة الحال، يمكن عدّه بمنزلة أول دستور للكويت91.
5. المجلس التشريعي الثاني (1939–1938)
عقب حلّ المجلس التشريعي الأول بأقل من أسبوع، تم دعوة نحو مئة مواطن للاجتماع للتباحث في كيفية إجراء انتخابات جديدة لتشكيل مجلس تشريعي ثانٍ. ثم تمّ عقد اجتماع آخر بحضور أعضاء المجلس السابق، تم فيه إقرار الاستمرار في اعتماد وثيقة الدستور السابقة، مع زيادة عدد أعضاء المجلس المزمع تشكيله إلى نحو عشرين عضوًا عن طريق إجراء انتخابات، تمّت الدعوة إليها في 27 كانون الأول/ ديسمبر 1938، بمشاركة نحو 400 ناخب، لانتخاب 20 عضوًا. وفاز بعضوية المجلس اثنا عشر عضوًا من المجلس السابق، وثمانية أعضاء جدد، وردت أسماؤهم على النحو التالي: سليمان خالد العدساني، يوسف بن عيسى القناعي، خالد عبد اللطيف الحمد، محمد شاهين الغانم، عبد الله حمد الصقر، عبد اللطيف محمد ثنيان الغانم، أحمد الخميس، علي البنوان، صالح عثمان الراشد، مشاري هلال المطيري، نصف اليوسف النصف، حمد الداود المرزوق، مشعان الخضير الخالد، سلطان إبراهيم الكليب، مشاري الحسن البدر، علي العبد الوهاب المطوع، محمد أحمد الغانم، يوسف عبد الوهاب العدساني، على السيد سليمان الرفاعي، يوسف صالح الحميضي. وتمّ الاتفاق على اختيار الشيخ عبد الله السالم الصباح رئيسًا للمجلس الذي اجتمع أعضاؤه في 2 كانون الثاني/ يناير 1939، لاستعراض مسودة الدستور وإقرارها، بعد أن أدخل عليها تعديلً يتيح للحاكم حق حل المجلس التشريعي متى تسبّب في نشوب فتنة استعصى حلّها وديًا، على أن تشمل الإدارة القاضية بالحل إجراء انتخابات جديدة خلال أسبوع من تاريخه، ورفض الحاكم هذه
المسودة، وقدّم بديلا لها. فدبّ الخلاف بين الطرفين. وعلى إثره أصدر الحاكم في 7 آذار/ مارس 1939 أمرًا بحل المجلس الذي لم يبدأ عمله بعد. وهكذا تحوّل المجلس من مجلس تشريعي تنفيذي إلى مجلس استشاري.
التجار والديمقراطية يف الكويت: خاتمة تحليلية
يمكننا أن نحلل الدور الذي قام به التجار في المسار الديمقراطي في الكويت عبر النقاط التالية:
عشر، وليست وليدة القرن العشرين كما يظن الكثير.
ظهر من نزعات تميل للحكم الفردي خلال عهود بعض الحكام.
وتوسيع مداركهم نحو الديمقراطية.
البلاد وأهلها.
ولا جاهًا، مبتغين نصرة البلاد ورفعة العباد فقط.
حياته، وليس ماله فقط، ثمنًا لإنجاح هذه التجارب.
ما سواها.
المجالس نفعًا كبيرا تمثَّل لاحقًا بإصدار دستور 1962 وتأسيس مجلس الأمة 1963.
بالتجارة جميعها مناهضة للاحتكار، ومضادة لرفع الأسعار، ومستهدفة مصلحة المواطن في المقام الأول.
والأمن والقضاء، وغيرها من قطاعات الحياة. الديمقراطية في الكويت قديمة قدم الكويت نفسها، وظهرت مواكبة لاعتلاء أسرة آل الصباح الحكم منتصف القرن الثامن
كان للأسرة الحاكمة "آل الصباح" دور كبير في ترسيخ الديمقراطية عبر اعتماد مبدأ الشورى أساسًا للحكم، على الرغم ممّا
قامت المعارف التي اكتسبها تجار الكويت عبر أسفارهم إلى مصر والهند والعراق والبحرين بدور كبير في تشكيل توجهاتهم،
قام التجار بدور رئيس وفاعل في نقل التجارب الديمقراطية من الخارج إلى الكويت، وتعديلها، وتطويعها لتلائم طبيعة
قام تجار الكويت بأدوار وطنية متعددة وتحملوا عبء دعم الوطن وأهله وحكامه في أكثر من موقف دون أن ينشدوا منصبًا دعم التجار إنشاء المجالس النيابية في الكويت دعمًا ماديًا وأدبيًا بل وجسديًا، عبر ما قدّموه في سبيل تأسيسها، ودفع بعضهم تقارب التجار والحكام خلال هذه المسيرة أكثر مما تباعدوا، بحيث جمعهم حب الوطن وإعلاء مصلحته وتغليبها على
على الرغم من الفشل الذي آلت إليه هذه التجارب، فهو يعدّ فشلا ظاهريا وطبيعيًا، بحيث جنت الكويت من وراء هذا أبانت القوانين التي خرجت من هذه المجالس، بخاصة المجلس التشريعي الأول، عن استهداف التجار مصلحة الوطن ووضعه فوق كلّ اعتبار، فلم يخرج قانون واحد يرسخ قبضتهم أو يقوي شكيمتهم، بل على العكس جاءت القوانين المتعلقة
أظهرت هذه القوانين أيضًا حسًا نهضويًا وتنمويًا لدى التجار الذين رعوها، وتمثّل ذلك بالتوجه نحو الارتقاء بالتعليم والصحة
اللاجئين الأجانب من غير العرب إلى البلاد.
إلى حلّها الواحد تلو الآخر، إلا أنّهم لم يستكينوا، واستمروا في إنشائها فور حلّ أحدها.
خطوات متدرجة، تحاشت فرض الديمقراطية بصورة مفاجئة وصادمة للكويتيين حكامًا وشعبًا.
استشارية وتشريعية، انتهت إلى قيام مجلس الأمة الحالي منذ ما يفوق الخمسين عامًا. ساهم ضعف الوعي الشعبي ضمن عوامل كثيرة أخرى في إفشال هذه التجارب السياسية.
إفشال جميع التجارب السياسية التي تناولتها الدراسة.
علاقة دستورية تربط بين هذه المؤسسات والحكام، أو تشكيلها.
تجاه جميع المجالس التي سعوا إلى تشكيلها متتالية.
على التأثير في الحراك السياسي في الدولة والمشاركة فيه. ظهر الحس القومي العروبي جليًا في مطالبة التجار برفع جميع القيود على دخول العرب إلى الكويت، والحدّ من ظاهرة تدفق يحسب للتجار إصرارهم ومثابرتهم، على الرغم من المعوقات التي كانت تعترض طريق عمل هذه المجالس التي كانت تصل
مثّل التطور في طريقة تشكيل هذه المجالس، بدءًا من الاختيار، مرورًا بالانتخاب المقيد، وصولً إلى الانتخاب الموسع، دليل دامغا على استيعاب التجار مفهوم الديمقراطية، وتماشيهم مع ما يطرأ عليها من تغيرات، وما يصاحبها من مستجدات، في
على الرغم ممّا شاب طريقة اختيار أعضاء هذه المجالس من مآخذ ثم انتخابهم، وما اعترى طريقة أدائها من ملاحظات، فهي تعدّ تجارب رائدة وضعت اللبنة الأولية التي استندت إليها التجارب اللاحقة، وعبّدت الطريق لما جاء بعدها من مجالس
ظلت مسألة توزيع السلطات نقطة خلاف جوهرية بين الحكام والإصلاحيين المتمثلين بالتجار، مما ساهم دون شك في
لم تنجح محاولات الإصلاحيين عبر هذه السنوات، وعبر ما شكّلوه من مجالس استشارية، وما سنّته من تشريعات، في صوغ
مثّلت الطريقة التي طالب بها التجار للمشاركة في الحكم عقب تولي الشيخ أحمد الجابر الحكم، وما صاحبها من مطالب، بداية الصراع معه، بحيث استشعر رغبتهم في تقليص سلطاته، وتجريده من صلاحياته، الأمر الذي جعله يتخذ موقفًا حذرًا أبان أداء أعضاء هذه المجالس عن قلة النضج والذكاء السياسي وانعدام الخبرة في إدارة أعمال هذه المؤسسات وتسييرها. ارتبط الحراك الاجتماعي في الكويت عبر عقود متوالية منذ إنشاء الدولة حتى يومنا هذا، ارتباطًا كبيرًا بالتجار ومدى قدرتهم
المراجع
العربية
أبو حاكمة، أحمد مصطفى. تاريخ الكويت الحديث (1750 - 1965 م). الكويت: ذات السلاسل، 1984. الجاسم، محمد عبد القادر. الكويت مثلث الديمقراطية. الكويت: دار قرطاس للنشر، 1992. الجاسم، نجاة عبد القادر. التطور السياسي والاقتصادي للكويت بين الحربين (1914 - 1939). الكويت: مطابع الوطن، 1997. جمال، عبد المحسن يوسف. المعارضة السياسية في الكويت. الكويت: دار قرطاس، 2004. حسين، عبد العزيز. محاضرات عن المجتمع العربي بالكويت. الكويت: دار قرطاس، 1994. الحيدر، فيصل أحمد. وثائق الحركة الديمقراطية السياسية في الكويت من 1921 م حتى 1992 م. الكويت: ذات السلاسل، 1995. خزعل، حسين خلف الشيخ. تاريخ الكويت السياسي. بيروت: دار الهلال، د. ت.
الخميس، ماضي. كويت 1938 م شرارة الديمقراطية. الكويت: دار الحدث، 2006.
ديكسون، هارولد. الكويت وجاراتها. الكويت: دار صحارى، 1990.
ديين، أحمد. الديمقراطية في الكويت: مسارها، واقعها، تحدياتها، آفاقها. الكويت: دار قرطاس، 2005. الرشيد، عبد العزيز. تاريخ الكويت. بيروت: دار الحياة، 1971.
الرميحي، محمد. الجذور الاجتماعية للديمقراطية في مجتمعات الخليج العربي المعاصرة. الكويت: دار كاظمة، 1984. زحلان، روزماري سعيد. نشأة الحياة النيابية في الكويت، ترجمة: مركز البحوث والدراسات الكويتية. الكويت: مركز البحوث والدراسات، 1999.
الزيدي، مفيد. التيارات الفكرية في الخليج العربي 1938 - 1971 م. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000. السعدون، عادل. موسوعة الأوائل الكويتية. الكويت: عادل السعدون، 2009.
سلوت، ب. ج. مبارك الكبير مؤسس الكويت الحديثة (1896 - 1915 م). ترجمة السيد عيسوي أيوب. مراجعة عبد الله يوسف الغنيم. الكويت: مركز البحوث والدراسات الكويتية، 2008.
الشايع، عبد العزيز. أصداء الذاكرة. الكويت: ذات السلاسل للطباعة والنشر والتوزيع، 2012. الشملان، سيف مرزوق. تاريخ الكويت. الكويت: ذات السلاسل، 1986.
الطبطبائي، عادل. مجموعة الوثائق الدستورية الكويتية 1921 - 1962 م. الكويت: جامعة الكويت، 2000. العتيبي، فيحان محمد. تطور الحياة النيابية في الكويت. الكويت: ذات السلاسل، 2010. العدساني، خالد سليمان. نصف عام للحكم النيابي في الكويت. الكويت: مطابع فهد المرزوق، 1978. العمر، عبد الله عمر. إرهاصات الديمقراطية في الكويت. الكويت: دار قرطاس، 1994.
الكويتية، 2000.
قلعجي، قدري. النظام السياسي والاقتصادي في دولة الكويت. بيروت: دار الكاتب العربي، 1975.
القناعي، يوسف عيسى. صفحات من تاريخ الكويت. الكويت: ذات السلاسل، 1988.
الكويت: دار سعاد الصباح، 1993.
للتاريخ: الكويت والديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. الكويت: الديوان الأميري، 1995.
لوريمر، ج. ج. الكويت في دليل الخليج. جمع وتنسيق وتعليق خالد سعود الزيد. قطر: مكتبة الربيعان، 1981.
مال الله، حسين عيسى. القضاء في الكويت نشأته وتطوره. الكويت: د. ن، 2006.
مسعود، ضاهر. المشرق العربي المعاصر من البداوة إلى الدولة الحديثة. بيروت: معهد الإنماء العربي، 1986.
مسيرة الحياة الديمقراطية في دولة الكويت. الكويت: مجلس الأمة، 2011.
النجار، غانم. مدخل للتطور السياسي في الكويت. الكويت: دار قرطاس، 2000.
العربية، 2008.
. صراع القبيلة والديمقراطية: حالة الكويت. بيروت: دار الساقي، 1996.
المجلة العربية للعلوم الإنسانية. العدد 106. السنة 27 (ربيع 2009).
هلال، رضا. الصراع على الكويت مسألة الأمن والثروة. بيروت: دار الجيل، 1991.
الصباح، 1993.
الأجنبية
قاسم، جمال زكريا. نشأة الجمارك الكويتية ودورها في تدعيم سيادة الكويت على منافذها. الكويت: مركز البحوث والدراسات الكويت من الإمارة إلى الدولة: دراسة في نشأة دولة الكويت وتطور مركزها القانوني وعلاقاتها الدولية. أحمد الرشيدي (محرر.) النقيب، خلدون حسن. المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية من منظور مختلف. بيروت: مركز دراسات الوحدة الهاجري، عبد الله محمد. "تطور العلاقة التاريخية بين آل الصباح والتجار في الكويت منذ النشأة حتى عهد الشيخ عبد الله السالم." هنتنجتون، صامويل. الموجة الثالثة التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين. ترجمة عبد الوهاب علوب. الكويت: دار سعاد
• Casey, Michael. The History of Kuwait. London: Green Wood Press, 2007.
• Crystal, Jill. Kuwait: The Transformation of an Oil State. Oxford: Westview Press, 1992.
• Hewins, Ralph. A Golden Dream: The Miracle of Kuwait. London: W. H. Allen, 1963.
• Ismael, Jacqueline. Kuwait: Social Change in Historical Perspective. New York: Syracuse University Press, 1982.
• Mansfield, Peter. Kuwait: Vanguard of the Gulf. London: Hutchinson, 1990.
• Rush, Adel. Records of Kuwait 1899 - 19 61. vol. 2. Internal Affairs 1921 - 1950. London: Archive Editions, 1989.
• Zahlan, Rosemarie. The Making of the Modern Gulf States. UK: Ithaca Press, 1998.