العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الرحلات الفرنسية إلى الجنوب المغربي خلال القرن 19 الواقع والتمثلات

الرحلات الفرنسية إلى الجنوب المغربي خلال القرن 19 الواقع والتمثلات

French Expeditions to the Moroccan South during the 19th Century Fact and Representation

محمد أيتجمال

Mohamed Aitjamal

الملخّص

كان احتلال فرنسا للجزائر والسنغال عاملً عجل بإرسال الجواسيس والمكتشفين إلى الجنوب المغربي بهدف البحث عن سبل ربط الاتصال المباشر بين المستعمرتين؛ فنظمت الحكومة الفرنسية رحلات لهذا الغرض، وشجعت الرحالين على تدوين ملاحظاتهم ونشرها. مثّلت العوامل الطبيعية والبشرية عائقًا جعل اختراق المجال عسرًا، انضافت إليها التمثلات الخاطئة حول المنطقة، فكان ذلك من النواقص الكبيرة لهذه النصوص، جعلت الكثير من الدارسن يتحفظون على مضامينها، إذ كان من الصعب عزل ذات الرحالة عن الشيء الموصوف ما دام أنه يعبر انطلاقًا من رؤية عصره وثقافة موطنه. هكذا كانت هذه الكتابات تكريسًا لصورة نمطية متكررة، تؤطرها عدة مرجعيات عميقة في التاريخ الأوروبي، وهو ما تحاول الدراسة تفنيده وعرضه.

Abstract

France's occupation of Algeria and Senegal created a frontier which was ideal for exploration by the country's travelers and spies on the southern rim of the Maghreb. The country aimed to find a direct means of communication between its two colonial outposts. The French government organized expeditions to this end, encouraging travelers to record and publish their observations. Natural and human barriers, however, prevented a fuller understanding of the area. This was reflected as a major shortcoming of the texts in questions, and many students are today cautious of their contents. Separating the objective reality they are supposed to reflect from the author's subjectivity is difficult; the works often better express the perspective of the period more than of the place they describe. Inevitably, the works end up rehearsing entrenched European stereotypes. This study aims to reexamine this body of texts in a new light.

الكلمات المفتاحية:
  • الرحلات الفرنسية
  • الجنوب المغربي
  • القرن التاسع عشر
  • التمثلات
Keywords:
  • French expeditions
  • Moroccan south, 19th Century
  • Representations

الوقائع والتمثلات

French Expeditions to the Moroccan South during the 19 th Century

Fact and Representation

مقدمة

بعد أن استكملت فرنسا احتلال الجزائر ووطّدت سلطتها بالسنغال، أصبحت النخبة الحاكمة تفكر في وسيلة لربط المستعمرتين1، والتي كانت تستلزم، بالضرورة، المرور بأراضي موريتانيا وجنوب المغرب؛ ما كان يستدعي اكتشاف تلك المناطق التي كان الفرنسيون يجهلونها، ولا يعرفون ما تخبئه من مخاطر وأهوال2؛ فقد جاء في رسالة وجهها البارون روجي الذي كان يشغل منصب رئيس الجمعية الجغرافية لباريس ورئيس لجنة الجزائر والمستعمرات بالبرلمان الفرنسي، إلى وزير البحرية الأميرال فيرمنهاك بتاريخ 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 1848؛ "إن القيام برحلة استكشافية لمعرفة وسيلة الربط البري بين الجزائر والسنغال ستكون له أهمية كبيرة للتجارة والعلوم والسياسة"3. ولتحقيق هذه الغاية نظمت فرنسا مجموعة من الرحلات إلى الجنوب المغربي؛ بهدف تفعيل مخططها الاستعماري، فمعرفة دقائق المجال ستمكن لا محالة من الوقوف على نقط القوة والضعف عند هذا "المتوحش والمتخلف"، بحسب التعبير الاستعماري الشائع، والذي "سيصبح يومًا ما جزءًا من الإمبراطورية الفرنسية، فرنسا الديمقراطية التي يمكنها أن تقوده بخطى ثابتة نحو التطور"4. فهذه لدريت دولشاريير تعيب على الذين قاموا باحتلال الجزائر كونَهم لم يستطيعوا "معاينة الصدع الذي يجب تعميقه من أجل تفكيك هذه الكتلة"5. لهذا؛ يجب على الرحالة "أن لا يكتفي فقط بأداء أدوار المسافر والطبوغرافي والفوتوغرافي والجمّاع (collectionneur)، فقبل كل شيء هو يتطلع إلى خدمة بلده، ومن خلال الأحلام المرتقبة كرحالة يرى ظل علم بلاده يرفرف أينما حل"6. تحوّلت محاولات التعرف والاستكشاف إلى "بحث مؤسساتي مؤيد ومؤازر بكل أنواع المساعدة من طرف أجهزة السلطة والحكام العامين للجزائر والسنغال، وأصبح العلم، حتى في مرحلته الاستكشافية الوصفية، أداة فعالة للغزو، ويعكس أطماع فرنسا الاستعمارية"7.

الجنوب المغريب "الغامض" قبلة للرحالين الفرنسيين ما بين 1850 و 1887

وجد الرحالون الفرنسيون الجنوب المغربي مناطق مختلفة عن فرنسا وعن باقي جهات المغرب؛ فالمعطيات الطبيعية والاجتماعية على نقيض ما تعوّدوا عليه، ونجاح الرحلات يُعَدُّ أمرًا عظيمًا وإنجازًا باهرًا، وهو ما يفسر الحوافز المالية المغرية، والأوسمة التي كانت تُمنح لمن استطاع إنهاء رحلته بسلام. وخاصة إذا استحضرنا أسماء الرحالين الذين فشلوا في مسعاهم، كفشل الضابط الماجور سپيتسبورو Spietsburo عند سواحل سوس، وهي المحاولة التي عرفت آنذاك بمغامرة Tourmaline8. والمصير نفسه كان من نصيب محاولة دوسيغونزاك Segonzac De عندما أراد الوصول إلى وادي نون، "حيث قامت جماعة من الشلوح بأسره"9 بحسب تعبير رولاند لوبيل.

  1. Robert Cornevin & Léopold Panet, "Métis Sénégalais premier explorateur moderne du Sahara occidental," La Grande Encyclopédie du Maroc (Berganno: Grouppo Walkover, 1968), p. 142 ; Maurice Barbier, Voyages et exploitations au Sahara occidental au XIX° siècle (Paris: Editions l'Harmattan, 1985), p. 126 ; Guy Midiohouan Ossito, "Un Auteur africain francophone de XIX° siècle face à la conquête coloniale, Léopold Panet et la relation d'un voyage du Sénégal à Soueira (Mogador)," Revue de l'université d'Abomey-Calavi (2002), p. 52.
  2. محمدو بن محمذن، المجتمع البيضاني في القرن التاسع عشر: قراءة في الرحلات الاستكشافية الفرنسية، سلسلة بحوث ودراسات 8 (الرباط: منشورات معهد الدراسات الأفريقية، 2001)، ص 102.
  3. Léopold Panet, Première exploration du Sahara occidental, relation d'un voyage du Sénégal au Maroc 1850 (Paris: Le Livre Africain, 1968), p. 12.
  4. Étienne Eugen, "L'institut Marocain," Renseignements Coloniaux , no. 8 (1904), p. 194.
  5. Jacques Ladreit de la Charriere, "Les études berbères au Maroc et leur intérêt africain," Renseignement Coloniaux (1924), p. 35.
  6. Roland Lebel, Les Voyageurs Français du Maroc, l'exotisme Marocain dans la littérature de voyage (Paris: E. Larose, 1936).
  7. الهادي الهروي، القبيلة الإقطاع والمخزن: مقارنة سوسيولوجية للمجتمع المغربي الحديث 1844  /  1934 (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2004)، ص 26  -  27.
  8. محمد الدهان، "الرحلة الإتنوغرافية الاستعمارية بالمغرب، نموذج 'أسفار المغرب' للمؤلف الماركيز ديسوكنزاك"، في: محمد حمام، الرحلة بين الشرق والغرب، سلسلة ندوات ومناظرات 110 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2003)، ص 315.
  9. Lebel, p. 224.

مثّلت العوامل الطبيعية والبشرية عائقًا زاد من صعوبة القيام بالرحلات، وهو الأمر الذي جعل لويس جونتي يكتب: "غالبًا ما تصادف المسافر في الصحراء أمورٌ غير منتظرة [...] فقبل اثنتي عشرة سنة فقط من الآن، كان السفر من مراكش أو موغادور حتى وادي درعة مليئًا بالأخطار، فلم يكن تحقيقه إلاّ تحت غطاء من التنكر"10، إذ كانت الصحراء متاهة لمن لم يألفها، هي موت بطيء وسريع لمن يغامر في عبورها، فالماء نادر إن لم يكن منعدمًا في أطراف واسعة منها، والمناخ قاسٍ تصل الحرارة إلى درجات يصعب تحملها. فضلً عن صعوبة التنقل وانعدام الأمن ومعرفة مسارات القوافل في أرض تتشابه رمالها الممتدة التي لا يحدها بصر. هذا إضافة إلى الزوابع الرملية التي تزيد من صعوبة التنقل، والجفاف وتبخر المياه التي يحملها معهم الرحالون، فالصحراء، كما كتب ديشان؛ "تفترس من لا تعرفه"11. هذا، من دون أن نغفل الأمراض والأعطاب الناجمة عن وعورة التضاريس وتطرف المناخ، "فالجفاف والحمّى كانتا معرقِلتين أكثر من الحيوانات المفترسة"12. عديدة هي العوامل السوسيوثقافية التي جعلت اختراق هذا المجال عسيرًا، فمنها ما هو مرتبط بالرحالين أنفسهم، والتي تتمثل في جهلهم بالمنطقة، مكتفين بما كانت تروّجه كتب الأدب الغرائبي بفرنسا وعموم أوروبا؛ "فأغلب هؤلاء الرحالين، ومن بعدهم الباحثون المهتمون، لم يأتوا إلى الجنوب المغربي من دون معلومات سابقة؛ فهم يقومون بأبحاثهم ويوجهونها انطلاقًا مما يتوفرون عليه من كتب تناولت هذه المنطقة؛ ما أثّر في قيمة معلوماتهم [...] فالنسق الدلالي المرتبط بها يصبح موجهًا لما سيكتبونه أو يحكونه مستقبل "13. ينضاف إلى ذلك جهل جل المستكشفين بلسان السكان المحليين من الحسانية والأمازيغية واللغة العربية الفصحى؛ ما مثل حاجزًا دون تفاهمهم مع "البيضان" أو الأمازيغ. ولتجاوز هذه الصعاب عملت الإدارة الفرنسية على تمكين الرحالين من تعلم اللغة العربية قبل سفرهم، والاطلاع على التقاليد المحلية وبعض مبادئ الدين الإسلامي. كما أنها جندت رحالين ينحدرون من السنغال ومن المنطقة، وهي معتقدة بذلك أنها توفر سبل إنجاح رحالات استكشافها، باعتبار أنهم متعودون على المناخ، وعاداتهم قريبة من العادات التي سيصادفونها، ومن أبرز هؤلاء ليوپولد پاني وابن المقداد وأبو السرور. ولتجاوز هذه العوائق؛ لجأ الرحالة إلى التخفي أو طلب حماية أحد الصلحاء أو الأعيان، وهو الأمر الذي وضّحه كايي في نصه الرِّحلي؛ إذ أوضح أن "من يطمح إلى النجاح في مهمته يجب أن يكون مسلمًا أو متنكرًا في هيئة مسلم، أو أن يستخدم جيشًا صغيرًا مجهزًا جيدًا أو مزودًا بالهدايا"14. وتبقى فكرة الرحالة ميشيل فيوشونج Vieuchange Michel فريدة؛ إذ قطع المسافة بين مراكش والسمارة متخفيًا في زيّ امرأة أمازيغية. وعلى الرغم من امتداد المغرب على مشارف أوروبا، فإنه ظل إلى بداية القرن العشرين غير معروف بما فيه الكفاية، مع تعدد الكتابات الفرنسية حول مغرب ما قبل القرن التاسع عشر15. فدراسة أحوال سكانه عرفت الكثير من النواقص، ما "استدعى التفكير في تلوين

  1. Louis Gentil, Voyages des explorations dans l'Atlas Marocain (Paris: Publication du Comité de L'Afrique Française, 1924), p. 59.
  2. Hubert Deschamps, L'Europe découvre l'Afrique Occidentale (Paris: Berger Levrault, 1974), p. 249.
  3. Ibid., p. 249.
  4. Ahmed Joumani, Oued Noun- sud de Maroc- Mythes et réalités (Paris: Editions l'Harmattan, 2006), p. 79.
  5. René Caillié, Le Voyage de René Caillié à Tombouctou et à travers l'Afrique 1824  -  18 28 (Paris: Publié par Jaques Boulenger, Plon, 1932), p. 142.
  6. هناك كتابات أوروبية عديدة حول مغرب ما قبل القرن التاسع عشر، نذكر منها على سبيل المثال: Morsy Magali, La Relation de Thomas Pellou: Une lecture du Maroc au 18 ème siècle (Paris: édition recherche sur les civilisations, 1983); Dominique Busnot, Histoire du règne de Moulay Ismael, roi de Maroc , 2 ème éd. (Rouen: G. Behourt, 1973); Germain Mouette, Relation de la captivité du Sr Mouette dans les royaumes de Fès et de Maroc (Paris: Jean Cochart, 1983).

البقع البيضاء الموجودة في خريطة المغرب والتي تجعل العجائبي يغلق التخيلات"16، بحسب قول لوبيل، وهذا ما جعل روبير مونطاني يصرح بدوره ب "أن عدم كفاية المصادر التاريخية للقرن التاسع عشر تستلزم القيام بأبحاث مباشرة، فالوثائق التي تسمح لنا بمعرفة تاريخ الجنوب المغربي قليلة، فكتابات المؤرخين أكنسوس وأحمد الناصري توضح لنا فقط المظاهر التي توافق الحياة بالإمبراطورية الشريفة [...] وبسبب النصوص غير المكتملة والتي عن طريقها يمكننا معرفة سياسة المخزن في الجنوب المغربي خلال هذا القرن، فإن معلوماتنا تبقى بذلك ناقصة"17. وهو الأمر الذي جعل الرحالين الذين زاروا المغرب يصرحون بأن المغرب بالنسبة إليهم ما زال "كتابًا مغلقًا، لم يقرأه أحد إلى الآن"18. وبحق، يمثّل المغرب حالة مفارقة في تاريخ الاستكشافات الأوروبية، فعلى الرغم من أنه لا يبعد عن أوروبا إلا بمسافة تقل عن 15 كلم، وهي طول مضيق جبل طارق الذي يفصل إسبانيا عن المغرب، فإن الرحلات الأوروبية ظلت مدةً طويلةً صعبة التحقيق، إلى درجة أنه مع بداية القرن العشرين لم تعد أية دولة مستعصية أمام المد الاستكشافي حتى الأشدّ بعدًا وانغلاقًا. فهذا جيرارد رولفس يقول: "إن انغلاق المغرب كان أشدّ سوءًا من انغلاق الصين التي هي على الأقل تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع الدول المسيحية، فالمغرب يبقى مغلقًا بإحكام"19. جعلت هذه الحقيقة التساؤل عن أسباب هذا الجهل أمرًا مشروعًا، في وقت تحقق اختراق أميركا وآسيا وقلب أفريقيا. وإذا كان هذا يقال عن المغرب القريب من أوروبا فإن الجزء الجنوبي منه كان التسلل إليه ضربًا من ضروب المستحيل، على الرغم من أن "الصحراء مثّلت منذ عقود سحيقة مجال اهتمام العديد من الإمبراطوريات [...] إذ ما انفكت فرنسا وإسبانيا تبديان اهتمامًا بالمنطقة [...] فأرسلت لهذا الغرض مبعوثين لها"20. فهل يجب إرجاع ذلك، كما فعل ديشان، إلى الطبيعة المتمثلة في الصحراء والساحل الذي يعدُّ حاجزًا طبيعيًا، أم إلى المناخ والحمّى والإسهال، أم إلى الإنسان المعادي للمسيحيين، أم إلى التجزئة والاضطرابات السياسية؟21. كانت معرفة المغرب عامة، وجنوبه على الخصوص، مقتصرة على ما ورد في كتاب ليون الأفريقي وصف أفريقيا، وعلى شهادات الأسرى الأوروبيين الذين تم افتكاكهم أو الذين توسطوا في ذلك، إضافة إلى تقارير السفراء. فكانت "رواياتهم تعج بالغرائبية، وقد وجدت إقبالً كبيرًا في وسط كان يُقبِل على قراءة هذه الأخبار بنهم"22، وكانت تغذي فضوله للتعرف إلى عوالم مخالفة بالضرورة لواقعه المتحول، الآخذ حتمًا في التخلي عن روحه والارتماء في أحضان التحولات التي أفرزتها الثورة الصناعية. وهكذا قدم المغرب عامة والصحراء على الخصوص في أحيان كثيرة "كآخر معقل للجمال، وأحيانًا كمتحف للحضارة الإسلامية"23. أو "مجالً للوحشية والهمجية "24، هو "عالم معزول منغلق، كامل وخصوصي [...] إننا لا يمكننا مقاومة أحاسيس مقيتة ومحزنة"25.

  1. Lebel, p. 224.
  2. Robert Montagne, Les Berbères et le Makhzen dans le sud du Maroc , Collection Archives (Casablanca: Afrique ouest, 1989), p. 127.
  3. Khaled Lazaare, "Le Maroc dans les récits de voyages allemands du XIX ème siècle," in: Mohammad Hammam, Al Rihla entre l'orient et l'occident (Rabat: F.L.S.H, 2003), p. 115.
  4. Gérard Rohlfs, Voyages et explorations au Sahara (1861  -  1864) , Jacques Debetz (trad.), (Paris: Karthala, 2001), p. 315.
  5. حسن الطالب، "صور الساكنة في القرن التاسع عشر من خلال نماذج من الرحلات الغربية"، في: رحال بوبريك (مشرف)، الصحراء الأطلنتية: الإنسان والمجال (الرباط: منشورات وكالة تنمية أقاليم الجنوب، 2007)، ص 135.
  6. Hubert Deschamps, Histoire des explorations , que sais–je ? no. 150 (Paris: Presses universitaire de France, 1969), p. 73.
  7. Jacques Ladreit de la Charrière, "Dans le sud et l'ouest du Maroc," Renseignement coloniaux , no. 4 (1924), p. 172.
  8. Ibid.
  9. Daniel Rivet, "Exotisme et 'pénétration scientifique', l'effort de la découverte de Maroc par les français au début du XX° siècle," in: Jean­- Claude Vatin (ed.), Connaissance du Maghreb: Sciences Sociales et Colonisation (Paris: CNRS, 1984), p. 5.
  10. Eugen, p. 194.

إن هذه العلاقة الملتبسة يمكن البحث عن تفسير لها في العلاقات التاريخية بين البلدين، وهو الاستنتاج نفسه الذي توصل إليه بعض المؤرخين الفرنسيين، فدوكاس، على سبيل المثال، كتب: "فكما هو معروف، كان تاريخ العلاقات المغربية الفرنسية، مشحونًا بالعنف مدة قرون في تطويع وعي هؤلاء ضد أولئك، وإثارة الخوف والكراهية وعدم الفهم، فضلً عن خلق ميثات، وتكثير الصراعات والمعارضات وتفاقم الضغائن. هذه العلاقات بدأت منذ الحروب الصليبية حتى ظهور حركات التحرر من الاستعمار الحديث"26. إلا أن التحولات التي عرفتها المنطقة خلال القرن التاسع عشر، والتي دشنتها فرنسا باحتلال الجزائر سنة 1830، وما أعقب ذلك من أحداث كانت باكورتها هزيمة المغرب في معركة "إسلي" في سنة 1844، والتي أظهرت هشاشة المغرب؛ إذ رجّحت ميزان القوة بين المغرب وفرنسا لمصلحة الدولة الأوروبية، وكانت دافعًا إلى تطاول دول أوروبية أخرى عليه. وهكذا صار يترسخ في فرنسا تصور جديد حول المغرب الذي لم يعد "دولة متوحشة ودولة العجائب والإثارة والخوارق كما هو شان الشرق"27، بل غدا بلدًا "يمكن أن يصبح في يوم ما جزءًا من الإمبراطورية الفرنسية، فرنسا الديمقراطية التي يمكنها أن تقوده بخطى ثابتة نحو التطور"28. لهذا حاولت فرنسا تنفيذ مخططها في مرحلتين؛ الأولى مهدت للثانية، ووفرت لها أسس النجاح، فقد كانت تروم تحقيق تغلغل بطيء ضمانًا لنجاعته وفاعليته. ويمكن اختزال هذه السيرورة فيما يلي: فترة استكشاف المغرب، ودراسته دراسة علمية كفيلة بجعل ساسة فرنسا يتعرفون إلى الأرض التي يجب أن يتقدموا فيها29. فترة السيادة الفعلية، بحيث كان على فرنسا، كما قال توماسي، "أن تبادر إلى التعرف إلى ساحة المعركة، حيث تنتظرها مصائر تزداد مجدًا كلما كانت أقل دموية، وانتصارات تزداد رسوخًا كلما تم الحصول عليها بأسلحة أكثر سلمية [...] إن العلم هو أحد هذه الأسلحة، وأول سلاح ينبغي توظيفه؛ لأنه هو الذي سيعمل على تعبيد الأرضية التي ينبغي الزحف إليها"30. ومن هذا المنطلق كان الرحالون في البداية "منفردين وكشافين بالمعنى الدقيق للكلمة، متجسسين ملتقطين جميع المعلومات التي قد يستغلها ذات يوم جيش يروم الغزو"31. هكذا ستشكل الرحلات مصدرًا مهمًّا للمعلومات التي سوف يستغلها المستعمر في وضع مخططاته الإستراتيجية الحربية منها والمدنية، وما يدعم ذلك ما جاء في تقديم كتاب التعرف إلى المغرب. "إن كتاب شارل دوفوكو كان يُدرس للضباط الفرنسيين العاملين بالمغرب"32، فليس هناك فرق بين البحث العلمي والعمل السياسي والعسكري. والاكتشاف أداة من أدوات الغزو33.

النص الرِّحلي ومحاذير اعتمده يف كتابة تاريخ المغرب خلال القرن التاسع عر

إن من النواقص الكبيرة للنص الرحلي والتي جعلت الكثير من الدارسين يتحفظون في التسليم بمضامينه، هو صعوبة عزل ذات الرحالة عن الشيء الموصوف، ما دام الرحالة يعبر انطلاقًا من رؤية عصره وقيم موطنه وثقافته، ويؤكد ذلك عمر أفا بقوله: "فالرصيد

  1. Guy Dugas, "Contribution à l'état des recherches imagologiques au Maghreb," Échanges, no. 3 (1979), p. 333.
  2. Rivet, p. 5.
  3. Eugen, p. 194.
  4. Raymond Thomassy, Le Maroc relation de la France avec cet empire , 2 nde éd. (Paris: F.D.DOT, 1859), p. 92.
  5. Ibid., p. 13.
  6. جرمان عياش، دراسات في تاريخ المغرب (الدار البيضاء: الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1982)، ص 15.
  7. Charles de Foucauld, Reconnaissance au Maroc: 1883  -  18 84 (Paris: Librairie Coloniale, 1988), p. 5.
  8. أحمد الأزمي، "رحلة دوفوكو إلى المغرب (1883  -  1884)"، في: حمام، ص 208.

المعرفي للرحلة يختزن ضمنيًا ثقافة المؤلف، وتنعكس هذه الثقافة على كل الشهادات التي أدلى بها خلال رحلته، لذلك فأثناء قراءة الرحلة، يكون من الضروري إقامة جدلية بين أطراف الخطاب لمعرفة مضامين الشهادات الواردة فيها، وذلك باستبطان ثقافة الرحالة التي تعدُّ الرحلة مصدرًا لها"34. ويزداد الأمر تعقيدًا عندما يتعلق الأمر برحالين أجانب مختلفي الثقافة والديانة عن موطن الرحلة، وهو ما يتضح جليًا عند جردنا لبعض الأحكام التي وردت في بعض النصوص الرحلية الفرنسية إلى جنوب المغرب في القرن التاسع عشر، وخاصّةً إذا ما سلمنا بأن جلهم جاء في أوضاع خاصة ولتحقيق غاية قصوى هي تيسير احتلال البلاد، وبديهي أن يكون الرحالة معبرًا انطلاقًا من هذه الخلفية، ما دامت "الرحلات الجميلة لا قلب لها"35، بحسب تعبير إلياس كانيتي، فجاءت أحكام الرحالين في هذه الفترة غنية بالأحكام، ومعبرة عن الإحساس بالتفوق مقابل تخلف هذه المجتمعات (موضوع الرحلات) وخرافيتها؛ "فهذا الزنجي المتوحش والمتخلف قادر على أن تصدر منه كل الأفعال الدنيئة [...]، محكوم عليه أن يعيش في بلده الأصلي في توحش وتخلف [...]، لكن غياب أية فكرة عن التقدم، وأي إحساس أخلاقي لا يسمح له بإدراك القيمة التي لا تعد لقوة العمل [...]، وقوانينهم ليست إلا انفعالات عنيفة [...]، يعيشون المغامرات يوميًا، غير مكترثين للغد"36، فزنوج جنوب المغرب "ليست لهم أية ديانة، ويكادون لا يميزون يمناهم من يسراهم "37، فهم متوحشون ينقصهم الفهم، متخلفون وجهلة وكسالى ومكبوتون وقدريون، ويمثّل مرافق ليوپولد پاني نموذجًا مُعبًّا عنهم "ففي هذا الزنجي تتمثل كل العقد المعروفة وغير المعروفة"38. هذا الخلفية هي التي جعلت كلود ليوزو يكتب: "إن الشرق هو التقاء بين العجائية والسخرية"39، وهي التي أوحت إلى برونو بأن الشرق "جنة جهنمية"40، وإلى شفريلون بأن الشرق " يمثّل حالة للاغتراب والجنون وبنية متلاحمة "41. من هذا المنطلق يصبح الاختلاف حاجزًا أمام رصد مضامين أكثر موضوعية وأكثر اتزانًا داخل النص الرحلي. لقد أقر تودروف بصعوبة معطى الاختلاف، "الذي ينفي كل صوت ثالث، إذ ليس من السهل تقبل الآخر ككائن تام الاكتفاء، تعدّه خيرًا وشرًا بحسب الحالات"42. زد على ذلك أن الرحالة يكتب عن الآخر انطلاقًا من وضع مقارنات بينه وبين المجال موطن الرحلة، وبين قيم وطنه والقيم السائدة في مكان الرحلة، وهو الأمر الذي جعل ألان روسيو يخلص إلى إنه "منذ ثلاثمئة سنة، أو أربعمئة سنة، وسكان أوروبا يغرقون الأجزاء الأخرى من العالم بكتاباتهم، وينشرون من دون انقطاع مجامع جديدة لرحلاتهم وعلاقاتهم، لكنني اكتشفت أننا لا نعرف أُناسًا غير الأوروبيين"43. إنه "من المؤكد أن 'الإنسانية' في كل الأمكنة والأزمنة قد انتهت عند حدود القبيلة، أو المجموعة اللغوية، وأحيانًا في حدود القرية"44.

  1. عمر أفا، "الرحلة مصدر الكتابة التاريخية: طنجة من خلال رحلة أحمد بن طوير الجنة الشنقيطي في القرن 19 "، في: المرجع نفسه، ص 83.
  2. إلياس كانيتي، أصوات مراكش، ترجمة: حسونة المصباحي (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1988)، ص 15.
  3. Armand Dubarry, Voyage au Dahomey (Paris: Maurice Dreyfous Editeurs, 1897), p. 133.
  4. Panet, p. 57.
  5. Ibid., p. 181.
  6. Claude Liauzu, Race et civilisation: l'autre dans la culture occidentale (Paris: Syros-alternatives, 1992), p. 266.
  7. Etienne Bruno, "Ecriture, saints, désert, monothéisme et imaginaire: le Maghreb, dans l'imaginaire français," Revue de l'Occident musulman et de la Méditerranée , vol. 37 , no. 37 (1984), p. 133.
  8. André Chevrillon, Un crépuscule d'islam: Fès en 1905 (Paris: Hachette, 1906), p. 77.
  9. Tzvetan Todorov, Nous et les autres: La réflexion française sur la diversité Humaine (Paris: Seuil, 1989), p. 36.
  10. Alain Ruscio, Le Credo de l'homme blanc; regards coloniaux français XIX°-XX° siècles (Paris: édition complexe, 1995), p. 11.
  11. Ibid., p. 12.

ما دام "قارئ الرحلة لا يطلع على العالم الذي ينقله إليه المسافر صاحب الرحلة فحسب، بل يتعرف إلى أفكار وتصورات ورؤى لذلك الذي يحدثه عن موضوع رحلته، وينقل إليه مشاهدات من البلد أو البلاد الذي ينقل إليها"45. هذا الأمر جعل الحجومري يكتب إن الرحلات الفرنسية إلى المغرب إلى جانب الكتابات الأخرى المسماة استعمارية "لم تعمل إلا على إماطته اللثام والكشف عن صورة كانت خفية، وميتا Myte مكونًا من عناصر مختلفة، تكون انطلاقًا من الآداب المرتبطة بالشرق والحضارة العربية والإفريقية. نكتشف، إذًا، هذا الاحتقار اتجاه العرب الذي عمل التوسع الاستعماري على تكثيفه، والذي تكون في اللاوعي الجماعي للمجتمع الفرنسي منذ قرون، إنه حقد الحروب الصليبية"46. نجد في الكتابات الأوروبية عامة والفرنسية خاصة تكريسًا لصورة نمطية متكررة، تعبر بجلاء عن مكنونات هذا الآخر اتجاه المغاربة "إن ما طبع صورة المغربي في ذهنية الرحالة الأوروبي طوال قرون عدة هو النفور، فهو لم يتحدث عن هذا الإنسان بموضوعية إلا قليلً [...]، أثّر الوضع المكاني (بلاد البربر) بكل حمولاته الدلالية في العقلية الأوروبية منذ القدم، فكان قرب مناطق المغرب أو بعدها عن أوروبا يحدد درجة تحضرها. فكلما كانت المناطق أبعد كان التخلف والتوحش أكثر [...]، لقد جعل هذا من حضارة المغربي حضارة 'التكرار' و'النسخ' مقابل حضارة الأوروبي المبنية على أساس 'الإبداع' و'الاختراع' و'التنوع' و'التجديد' و'الابتكار' و'التخلف' و'التقدم"'47. لم يكن ينظر إلى المغربي عمومًا إلاّ من خلال مسبّقات دينية واجتماعية ترسبت في المتخيل الجماعي للأوروبيين منذ زمن طويل، فهو كما كتب عبد السلام حيمر: "محارب شرس، مرعب يتزوج بأربع زوجات، يسرق ويزني، ويمارس اللواط، متعصب، وتعصبه بادٍ في فرضه الحجاب على المرأة بوصفها حريمًا، وفي اتباعه نمطَ عيش خشنًا، يستبعد بعض مباهج الحياة كالخمر ولحم الخنزير [...] إضافة إلى كونه طماعًا متهافتًا على المال"48. إنه في جملة واحدة "حيوان يستحق الإبادة أو في ألطف الحالات يحتاج إلى ترويض الأوروبي له "49. وبما أن هناك إقرارًا بمحدودية واقعية هذه الصورة بوصفها تنطلق من دوافع معلومة، وتهدف إلى تحقيق مقاصد معروفة، فإنها قلما تكون صادقة أمينة. في تعبيرها عن طبيعة البلد ونفسية ساكنيه، بل كثيرًا ما تختلط الحقائق فيها بمزاعم لا أصل لها، أو تأويلات مبالغ فيها، فتخرج بذلك عن حدود الواقع، وتصير في جملتها من خلق الآداب المختلفة"50. وهذا لسبب بسيط؛ لكون "ما من صورة إلاّ وترتبط بوعي كيفما كان حجمها [...] ولكونها تمثل واقعًا ثقافيًا أجنبيًا يكشف عبره الفرد أو الجماعة المكونة له [...] عن الفضاء الأيديولوجي الذي يتموضع داخله"51. لذلك لم يكن الكاتب الأوروبي والرحالة على الخصوص في كثير من الأحوال، بحسب تعبير عبد النبي ذاكر، "قارئًا للواقع المغربي، بقدر ما كان قارئًا لنصوص سابقيه ومعاصريه [...]؛ الشيء الذي ضيق حدود الواقعي في فضاء الرحلة الأوروبية إلى أبعد حد"52. وبهذا فغالبًا ما يختلط في النص الرحلي المتخيل بالحقائق. إن المعلومات الخاطئة عن شعب ما تعرف انتشارًا كبيرًا عند الأمم البعيدة، وإن جهلهم بحقائق الأمور، يجعلهم يعتمدون في معرفتهم المشوشة على ما ينقل إليهم "ما دامت الأخطاء تنتقل بطريقة أسرع وأفضل مما تنتقل الحقائق"53. وهو ما جعل الكثير من النصوص الرحلية عرضة لسهام النقد.

  1. عبد السلام حيمر، المغرب الإسلام والحداثة، سلسلة شرفات 15 (الدار البيضاء: منشورات الزمن، 2005)، ص 9.
  2. Abdeljalil Lahjomri, Le Maroc des heures française (Rabat: édition Marsam et Stouki, 1999), p. 18.
  3. عبد النبي ذاكر، المغرب وأوروبا: نظرات متقاطعة، ط 2 (أكادير: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2007)، ص 219.
  4. حيمر، ص 134.
  5. ذاكر، ص 219.
  6. محمد غنيمي هلال، الأدب المقارن، ط 5 (بيروت: دار العودة ودار الثقافة، د. ت.)، ص 422.
  7. سعيد علوش، عنف المتخيل (الدار البيضاء: المؤسسة الحديثة للنشر والتوزيع، 1986)، ص 137.
  8. ذاكر، ص 220.
  9. كلود بيشوا وأندريه روسو ميشيل، الأدب المقارن، ترجمة رجاء عبد المنعم حبر (الكويت: مكتبة دار العروبة، 1980)، ص 87.

مرجعيات تمثل الفرنسيين للمغرب والمغاربة خلال القرن التاسع عر

إن الإقرار بكثرة مزالق النصوص الغيرية والرحلية على الخصوص، يستدعي التنقيب عن المرجعيات الموجهة لهذا الفكر الذي كان سائدًا خلال هذه الفترة، والذي ألهب خيال الرحالين وشجعهم على المغامرة واختراق مجالات كانت مغمورة قبلهم أو شبه معلومة عندهم، ويمكن إرجاع ذلك إلى المرتكزات الآتية: المرجعية الأولى: ترسُّخ الأفكار الرومانية والمسيحية أدى إلى "تقسيم الجنس البشري إلى مؤمن وغير مؤمن (أي غير مسيحي)، وهو ما يعني إلزامية انتزاع الشعوب من 'توحشها' لأن غير المسيحي هو بالطبيعة شرير"54، ما جعل كثيرًا من الأوروبيين يوقنون بأن مجتمعات القارة العجوز تمثل أوج الرقي والنهاية المعقولة للتاريخ البشري، وهذا ما يكرس الجزم في الاعتقاد بمقولات كانت شائعة؛ ككون الصُّفْر يعيشون في الماضي، والسود في الحاضر، والبيض في المستقبل55. وبهذا؛ فإن أفريقيا، كما كتب شلاي "لم تعرف بعدُ الرقيَّ، وما زالت في مرحلة الطفولة، كسكانها الذين يعيشون ليومهم [...]، وأوروبا هي وحدها القادرة على إحداث مستقبل فيها لا يعرف التطور فيه انقطاعًا"56. إن هذا ما يفسر ذلك الحضور القوي للوجود الروماني في المغرب في مخيلة هؤلاء الرحالين، وهو أمر كان شائعًا عند منظّري هذه الفترة، وهو ما جعل جاك جاك فومو يتذمر بقوله: "لقد احتل هؤلاء الرومان طفولتنا"57. إن هذا الفكرة وجدت استمراريتها إلى يومنا هذا، ووجدت مروجين لها58. كانت روما بالفعل نموذجًا حضاريًا في نظر منظّري الاستعمار الفرنسي، فلم يستسيغوا "غلطة" المغاربة في رفضهم الاحتلال الروماني، لقد طلب المارشال روندان Randon من فريدريك لاكروا Lacroix. F "دراسة النظام الاستعماري الذي تبناه الرومان بأفريقيا، وعلى الخصوص كيف تمكنوا من تنظيم هذا البلد، وكيف كانت نظمهم الفلاحية والعقارية، والإدارية، والقانونية، والسياسة، والدينية، والعسكرية [...] وكيف كانت النتائج الاقتصادية للهيمنة الرومانية على المنطقة، ودور التأثير الروماني على السكان، وما هي أسباب أفوله؟59 من هنا، كان مصدر تلك النظرة التحقيرية الانتقاصية ذات البعد الاستعماري، والتي حاولت أن تعتمد مرجعية تاريخية تهدف إضفاء المشروعية على الاستعمار، فلم "يكن الرحالة في حاجة إلى خلق ما يهمه من الغرائبي لوجود عدد لا يحصى من الميثات التي مرت بأيدي عدد من الكتاب، والتي ما زالت صالحة للاستعمال"60. وهو ما تُرجم عمليًا عندما وجدوا أوضاع المغرب ملائمة لتكريس هذه النظرة لتبرير واقعيتها. لقد حاولوا، بحسب تعبير الحجومري، "أن يعطوا هذه الحضارة طلقة الرحمة التي تبقيها تحت السيطرة الدائمة، وتضمن تفوقًا ضروريًا للغرب لتغذية طموحاته السياسية"61. المرجعية الثانية: نربطها بالعلاقة بين الغرب والشرق، وهي تمثل علاقة تضاد، سواء على المستوى الواقعي أو الوجداني، فدائمًا ما تقام المقابلة والمقارنة انطلاقًا من ملاحظة الذات في مواجهة الآخر، وبهذا مثل الشرق للغرب: التخلف/ التقدم، والجمود/ التغيير، والخرافة/ العقل.

  1. سمير بوزويتة، مكر الصورة: المغرب في الكتابات الفرنسية 1832  -  12 19 (الدار البيضاء: منشورات أفريقيا الشرق، 2006)، ص 14.
  2. Louis Mallert, L'exotisme indochinois dans la littérature française depuis 1860 (Paris: Larousse, 1934), p. 80.
  3. Félicien Challaye, Le Congo Français (Paris: Cahiers de la quinzaine série, 1906), p. 17.
  4. Jacques Femaux , Le Maghreb fantasmatique souvenirs de Rome et présence français au Maghreb: essai d'investigation, connaissance du Maghreb (Paris: L. N. R.E, 1984), p. 30.
  5. Ibid., p. 31.
  6. Frédéric La croix, "La Colonisation et administration, Romains dans l'Afrique septentrionale," Revue Africaine , no. 41 (1863), pp. 364  -  366.
  7. ذاكر، ص 206.
  8. Lahjomri, p. 19.

لذلك فإن "الشرق حضارة جامدة في الوقت الذي تتحرك فيه حضارتنا، إن الإنسان هنا خاضع للقدرية، والمؤسسات الثابتة، والتقنية التقليدية من دون سبق إلى الابتكار [...] هذا الشرق أرض للهروب، وموضوع متكرر للأدب"62. كما كتب جان روبيرت هنري. أصبحت هاتان المرجعيتان محفزتين للمدّ الاستعماري، وكوّنتا أساس الفكر الغازي بغية تحقيق فكرة "الإمبراطورية الفرنسية الأفريقية" التي في إمكانها تحقيق نتائج مثيلة لتلك التي حققتها الإمبراطورية الرومانية بشمال أفريقيا. لهذا، كان بديهيًا أن ينظر إلى المغرب من هذه الزاوية التحقيرية، وأن لفرنسا رسالة مجيدة تتمثل في تطوير هذا "الشعب المتوحش". لقد لخص ذلك فيكتور پيكي بقوله: "أقحم الفرنسيون المجتمع المغربي ضمن المجتمعات السفلى، فعلى الرغم من إشادتهم بالعنصر البربري، فقد عدّوا العنصر العربي أكثر تحضرًا منه؛ إذ وصفوا الأول بالميل الغريزي إلى الشغب والفوضى والنهب والسلب"63. كان ترويج صورة المغرب البدائي والمتخلف يهدف إلى تحقيق غايتين أساسيتين؛ أولهما دفع الرأي العام الفرنسي إلى الانخراط في المشروع الاستعماري، بوصفه رسالة سامية تهدف إلى اقتسام الرقي الحضاري الذي حققته فرنسا مع هذا الشعب المتخلف، وثانيهما جعل المغاربة يدركون تخلفهم مقارنة بهذه الدولة التي حققت انتصارات عسكرية مشينة بفضل تقدمها، وذلك بغية تهيئتهم "لتقبل الاستعمار الفرنسي، انطلاقًا من اقتناعهم بهذه الصورة"64. والاعتقاد بصحتها والتطلع إلى تجاوزها ما دام "الإنسان البربري (كما كتب ميشو بلير) قابلً للتطور والتكييف مع الأوضاع الجديدة وأكثر استعدادًا لبدء 'حياة جديدة' وخاصة بعد أن بدا للدولة الفرنسية مدى هشاشة صناعة الدولة المغربية، التي ظلت إلى عهد قريب عالَمًا مجهولً ومهيب الجانب، والتي خلقت ما يسمى بالأسطورة البربرية التي مجدت كل أخلاق البربري وتقاليده وعاداته على غرار العربي الذي اتُّهم بالخيانة والكسل"65. انعكس هذا على كتابات هؤلاء الرحالين الذين قدموا "كل ما قد يستفيد منه الجيش والإدارة الفرنسية، بغية استعمار المغرب، فاهتموا بشتى الجوانب من وصف للبلاد ودراسة للعقليات، وتحليل للخصائص الإثنية لسكانه، ومعرفة معتقداتهم وتقاليدهم"66.

خاتمة

كان من نتائج تطور الرأسمالية في أوروبا خلال القرن التاسع عشر؛ ظهور الحركة الإمبريالية، والتي كان من مظاهرها دخول دولها الصناعية في سباق محموم للسيطرة على الأسواق الخارجية؛ لتصريف الفائض من البضائع المصنعة ومن رؤوس الأموال، وتلبية حاجات معاملها المتزايدة من المعادن ومصادر الطاقة والمنتجات الفلاحية. لذلك قامت هذه الدول بتشجيع الرحالين والمغامرين لاستكشاف الأصقاع الأخرى تمهيدًا لإحكام سيطرتها على هذه البلدان واستغلالها اقتصاديًا وسياسيًا. مثّل احتلال فرنسا للجزائر والسنغال عاملً عجّل بإرسالها الجواسيس والمكتشفين إلى الجنوب المغربي بهدف البحث عن سبل ربط الاتصال المباشر بين مستعمرتيها، والقضاء نهائيًا على الوساطة التجارية التي كانت تقوم بها قبائل المنطقة، وكذلك للوقوف على المؤهلات الطبيعية لهذا المجال.

  1. Jean-Robert Henry, Le Maghreb dans l'imaginaire français: la colonie- le désert, l'exil , Collection Maghreb Contemporain (Tunis: Edisud, 1985), p. 6.
  2. Victor Piquet, Le peuple Marocain: Le bloc berbère (Paris: Emile Larose, 1925), pp. 115  -  116.
  3. محمد وقيدي، العلوم الإنسانية والأيدولوجيا (المحمدية: منشورات عكاظ، مطبعة فضالة، 1988)، ص 117.
  4. Édouard Michaux-Bellaire, Fès et les tribus berbères en 1910 , Archives Berbères, 1920 , p. 6.
  5. Ibid., p. 402.

حاول الكثير من الرحالين في فترات مختلفة اختراق شرنقة قبائل المنطقة، منهم من نجح في ذلك ومنهم من فشل، فقام من نجح بكتابة تقارير عن رحلته، محاولًاستعادة ملاحظاته وانطباعاته، فجاءت معبرة عن العقلية الأوروبية السائدة في هذا الوقت، فكانت الأحكام التي حفلت بها متكررة؛ تميل نحو التنقيص من شأن أهل المنطقة مقابل إظهار رقيّ أهل صاحب الرحلة، على نحو ظاهر أو مضمر. وبهذا، لا تعدو هذه الرحلات أن تكون وجهًا معيّنًا من الحقيقة. وعمومًا، لم تجتمع الأوضاع لتعطي صورة أمينة وكاملة عن المنطقة. وما دامت الكتابة نوعًا من الانسياب اللغوي الذي يختلط فيه الذاتي والموضوعي؛ فإن الاعتماد عليها مصدرًا من مصادر الكتابة التاريخية يستدعي جملة من الإجراءات الاحترازية؛ أولها استحضار الخلفية الاستعمارية الموجِّهة لهذه الرحلات، والتي نجدها مكشوفة بجلاء في هذه النصوص، ما جعل النظرة الدونية للظواهر الملاحظة تطغى على كلام الراوي الذي ينسى المهمة التي أوكلت إليه، والمتمثلة في جمع أكبر قدر من المعلومات المختلفة في حياد مأمول فيه أن يكون تامًّا. لهذا، نعتقد أنه من اللازم ضبط السياق العام الذي تمت فيه هذه الرحلات، مع التدقيق في حياة أصحابها ومقاصدها، واعتماد ما ورد فيها باحتراز كبير، يستدعي تفكيك نصوص هذه الرحلات، والعمل على مقابلتها بنصوص من الشاكلة عينِها، أو بكتابات محلية للتحكم في مضامينها حتى يتم تفادي أحكام القيمة التي قد تستهوي دارسها.

المراجع

العربية

ودراسات 8. الرباط: منشورات معهد الدراسات الأفريقية، 2001.

بوبريك، رحال (مشرف). الصحراء الأطلنتية: الإنسان والمجال. الرباط: منشورات وكالة تنمية أقاليم الجنوب، 2007.

بيشوا، كلود وأندريه روسو ميشيل. الأدب المقارن. ترجمة رجاء عبد المنعم حبر. الكويت: مكتبة دار العروبة، 1980.

حيمر، عبد السلام. المغرب الإسلام والحداثة. سلسلة شرفات 15. الدار البيضاء: منشورات الزمن، 2005.

ذاكر، عبد النبي. المغرب وأوروبا: نظرات متقاطعة. ط 2. أكادير: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2007.

علوش، سعيد. عنف المتخيل. الدار البيضاء: المؤسسة الحديثة للنشر والتوزيع، 1986.

كانيتي، إلياس. أصوات مراكش. ترجمة: حسونة المصباحي. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1988.

الشرق، 2004.

هلال، محمد غنيمي. الأدب المقارن. ط 5. بيروت: دار العودة ودار الثقافة، د. ت.

وقيدي، محمد. العلوم الإنسانية والأيدولوجيا. المحمدية: منشورات عكاظ، مطبعة فضالة، 1988.

الأجنبية

بن محمذن، محمدو. المجتمع البيضاني في القرن التاسع عشر: قراءة في الرحلات الاستكشافية الفرنسية. سلسلة بحوث بوزويتة، سمير. مكر الصورة: المغرب في الكتابات الفرنسية 1832  -  1912. الدار البيضاء: منشورات أفريقيا الشرق، 2006.

حمام، محمد. الرحلة بين الشرق والغرب. سلسلة ندوات ومناظرات 110. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2003. الهروي، الهادي. القبيلة الإقطاع والمخزن: مقارنة سوسيولوجية للمجتمع المغربي الحديث 1844  /  1934. الدار البيضاء: أفريقيا

• Barbier, Maurice. Voyages et exploitations au Sahara occidental au XIX° siècle. Paris: Editions l'Harmattan, 1985.

• Bruno, Etienne. "Ecriture, saints, désert, monothéisme et imaginaire: le Maghreb, dans l'imaginaire français."

Revue de l'Occident musulman et de la Méditerranée. vol. 37. no. 37 (1984).

• Busnot, Dominique. Histoire du règne de Moulay Ismael, roi de Maroc. 2 ème éd. Rouen: G. Behourt, 1973.

• Caillié, René. Le Voyage de René Caillié à Tombouctou et à travers l'Afrique 1824  -  1828. Paris: Publié par Jaques

Boulenger, Plon, 1932.

• Challaye, Félicien. Le Congo Français. Paris: Cahiers de la quinzaine série, 1906.

• Chevrillon, André. Un crépuscule d'islam: Fès en 1905. Paris: Hachette, 1906.

• Cornevin, Robert & Léopold Panet. "Métis Sénégalais premier explorateur moderne du Sahara occidental." La

Grande Encyclopédie du Maroc. Berganno: Grouppo Walkover, 1968.

• De Foucauld, Charles. Reconnaissance au Maroc: 1883  -  1884. Paris: Librairie Coloniale, 1988.

• De la Charrière, Jacques Ladreit. "Dans le sud et l'ouest du Maroc." Renseignement coloniaux. no. 4 (1912).

• _________. "Les études berbères au Maroc et leur intérêt africain." Renseignement Coloniaux (1924).

• Deschamps, Hubert. Histoire des explorations. que sais–je? no. 150. Paris: Presses universitaire de France, 1969.

• ________. L'Europe découvre l'Afrique Occidentale. Paris: Berger Levrault, 1974.

• Dubarry, Armand. Voyage au Dahomey. Paris: Maurice Dreyfous Editeurs, 1897.

• Dugas, Guy. "Contribution à l'état des recherches imagologiques au Maghreb." Échanges. no. 3 (1979).

• Eugen, Étienne. "L'institut Marocain." Renseignements Coloniaux. no. 8 (1904).

• Fermaux , Jacques. Le Maghreb fantasmatique souvenirs de Rome et présence français au Maghreb: Essai

d'investigation, connaissance du Maghreb. Paris: L.N.R.E, 1984.

• Gentil, Louis. Voyages des explorations dans l'Atlas Marocain. Paris: Publication du Comité de L'Afrique

Française, 1924.

• Hammam, Mohammad. Al Rihla entre l'orient et l'occident. Rabat: F.L.S.H, 2003.

• Henry, Jean-Robert. Le Maghreb dans l'imaginaire français: la colonie- le désert, l'exil. Collection Maghreb

Contemporain. Tunis: Edisud, 1985.

• Joumani, Ahmed. Oued Noun- sud de Maroc- Mythes et réalités. Paris: Editions l'Harmattan, 2006.

• La croix, Frédéric. "La Colonisation et administration, Romains dans l'Afrique septentrionale." Revue Africaine.

no. 41 (1863).

• Lahjomri, Abdeljalil. Le Maroc des heures française. Rabat: édition Marsam et Stouki, 1999.

• Lebel, Roland. Les Voyageurs Français du Maroc, l'exotisme Marocain dans la littérature de voyage. Paris:

E.Larose, 1936.

• Liauzu, Claude. Race et civilisation: l'autre dans la culture occidentale. Paris: Syros-alternatives, 1992.

• Magali, Morsy. La Relation de Thomas Pellou: Une lecture du Maroc au 18 ème siècle. Paris: édition recherche sur

les civilisations, 1983.

• Mallert, Louis. L'exotisme indochinois dans la littérature française depuis 1860. Paris: Larousse, 1934.

• Midiohouan Ossito, Guy. "Un Auteur africain francophone de XIX° siècle face à la conquête coloniale, Léopold

Panet et la relation d'un voyage du Sénégal à Soueira (Mogador)." Revue de l'université d'Abomey- Calavi (2002).

• Montagne, Robert. Les Berbères et le Makhzen dans le sud du Maroc. Collection Archives. Casablanca: Afrique

ouest, 1989.

• Mouette, Germain. Relation de la captivité du Sr Mouette dans les royaumes de Fès et de Maroc. Paris: Jean

Cochart, 1983.

• Panet, Léopold. Première exploration du Sahara occidental, relation d'un voyage du Sénégal au Maroc 1850.

Paris: Le Livre Africain, 1968.

• Piquet, Victor. Le peuple Marocain: Le bloc berbère. Paris: Emile Larose, 1925.

• Rohlfs, Gérard. Voyages et explorations au Sahara (1861  -  1864). Jacques Debetz (tard.). Paris: Karthala, 2001.

• Ruscio, Alain. Le Credo de l'homme blanc; regards coloniaux français XIX°-XX° siècles. Paris: édition complexe,

• Thomassy, Raymond. Le Maroc relation de la France avec cet empire. 2 nde éd. Paris: F.D.DOT, 1859.

• Todorov, Tzvetan. Nous et les autres: La réflexion française sur la diversité Humaine. Paris: Seuil, 1989.

• Vatin, Jean­-Claude (ed.). Connaissance du Maghreb: Sciences Sociales et Colonisation. Paris: CNRS, 1984.