العودة إلى تفاصيل المؤلَّف نثر مكافحة التمرد

نثر مكافحة التمرد

The Prose of Counter-Insurgency

ثائر ديب

Ranajit Guha

الملخّص

يحلل راناجيت غُهَا في دراسته الشهيرة هذه، التأريخَ الذي تناول حركات التمرد الفلاحية في الهند المستعمَرة. وأطروحته الأساسية في هذا التحليل هي أنَّ المؤرخين الذين درسوا هذه الحركات لم يأخذوا في الحسبان وعيَ الفلاحين الخاص، ولذلك وصفوا تمرداتهم بأنها هبّات عفوية أو اكتفوا بدراسة خلفيتها الاقتصادية والاجتماعية. يأخذ غُها على هؤلاء المؤرّخين أنّهم ينظرون إلى التمرد على أنّه خارجيّ بالنسبة إلى وعي الفلاحين. وهو يرى أنّ هذه المشكلة لا تعود إلى استخدام المؤرخين غير النقدي للمصادر الرسمية فحسب، بل إلى إسقاطهم وعيهم الخاص على الموضوع الذي يتفحصونه أيضًا. هكذا يجد غُهَا أنّ ثمّة بقعة عمياء تسم ضروب الخطاب التاريخي المختلفة التي يدعوها بالأولي والثانوي والثالثي. ولا يقلّ استجلاؤه هذه البقعة العمياء ونقدها عن تهيئة الأرضية لمنهجية جديدة في التأريخ، منهجية تعيد الاعتبار لوعي التابع، بما في ذلك تديّنه، وتترك له أن يتكلم ويفعل بوصفه ذات تاريخه.

Abstract

In this renowned article, Ranajit Guha analyzes the historiography of peasant uprisings under the British Raj in India. His key thesis is that historians who have studied these movements did not take into account the peasants' own consciousness, and therefore described their insurrections as spontaneous affairs or were content with just studying the economic and social background of the uprisings. This was due, in his view, not just due to historians' uncritical use of official sources, but also to their projection of their own consciousness onto the subject they are investigating. Guha finds that there is a blind spot that marks the different kinds of historical discourse, which he terms primary, secondary, and tertiary. His exposure and critique of this blind spot lays the ground for a new method of historiography which rehabilitates the consciousness of the subaltern, including his religiosity, and allows him to speak and act as a subject in his own history.

الكلمات المفتاحية:
  • تأريخ
  • خطاب (أولي وثانوي وثالثي)
  • وعي
  • تمرد
  • تديّن
Keywords:
  • Historiography
  • Discourse
  • Consciousness
  • Peasant Uprisings
  • Religiosity

I

حين كان فلاحٌ ينتفضُ متمردًا في أيّ زمان أو مكان في ظلّ الرَّاج1، كان يفعل ذلك بالضرورة وصراحةً في خَرْقٍ لسلسلةٍ من السّنن التي تحدّد وجودَه ذاته، بوصفه عضوًا في ذلك المجتمع المستعمَر الذي لا يزال شبه إقطاعي إلى حدٍّ بعيد، إذ كانت تبعيّته تجسّدها بنية الملكية، ويُمَأْسِسُها القانون، ويقدّسها الدّين، ويسوّغها - بل يحبّبها - التراث. أن يتمرد؛ كان يعني، بالفعل، أن يدمّر كثيرًا من هذه العلامات المألوفة التي تعلَّمَ قراءتها والتلاعب بها، بغية استخلاص معنىً من العالم القاسي الذي يحيط به والتعايش معه. وكانت المخاطرة ب "قلب الأمور رأسًا على عقب" في تلك الأوضاع من الشدّة إلى درجة أنّه كان يصعب أن ينخرط في مثل هذا المشروع من دون تروٍّ أو تفكير. ما من شيء في مصادر الأدلّة التاريخية الرئيسة يفيد عكس ذلك. وهذا يكذّب الأسطورة التي طالما ردّدتها الكتابات الغافلة والانطباعية التي تناولت الموضوع، ومفادها أنَّ تمرّدات الفلاحين عفويةٌ تمامًا وغير مُتَعمَّدَة. فالحقيقة خلاف ذلك تمامًا، ومن الصعب إيراد أيّ انتفاضة على قَدْرٍ من الأهميّة لم تسبقها إمّا ضروبٌ من التعبئة القتالية، حين تكون الوسائل الأخرى قد جُرِّبَت وتبيّ أنّها لا تفي بالمراد، وإمّا تداولٌ جدّي بين المشاركين للتأمّل في سلبيات اللجوء إلى السلاح وإيجابياته. ففي مناسبات يختلف بعضها عن بعض أشدّ الاختلاف في السياق والطابع وقوام المشاركين، مثل انتفاضة رانجبور dhing Rangpur ضد ديبي سينها في عام 1783، وهبّة باراسات bidroha Barasat بقيادة تيتو مير في عام 1831، وعصيان سانتال hool Santal في عام 1855، و"تمرّد النيلة" ' mutiny blue ' في عام 1860، جرّب الأنصار في كلّ حالة من هذه الحالات تقديم العرائض أو إرسال الوفود أو سوى ذلك من وسائل الالتماس قبل إعلانهم الحرب فعليًّا على مضطهديهم2. كما بدأت هبّات كول (1832) وسانتال وموندا (1899  -  1900)، فضلً عن انتفاضة رانجبور وتمردات الفلاحين في الله آباد وغازيبور خلال عصيان السيبوي3(1857 – 1858) - كي نذكر مثالين فحسب من بين أمثلة كثيرة في تلك السلسلة الشهيرة - بمشاورات منظّمة ومطوّلة في بعض الأحيان بين ممثلي الجماهير الفلاحية المحليّة4. والحال أنّنا لا نكاد نجد أيّ مثال على فلاحين يتعثّون بالعصيان تعثًّا أو ينجرفون إليه انجرافًا، سواء أكانوا من قرويي السهول المحترسين الدنيويين أم كانوا من أديفاس5 المرتفعات ذوي المزاج الانفجاري. كانوا يخاطرون بالكثير ولم يندفعوا إلى ذلك إلا بوصفه سبيلً مدروسًا، وإن يكن يائسًا، للخروج من شرطٍ للوجود لا يطاق. كان التمرد، بعبارة أخرى، مسعىً واعيًا من طرف الجماهير القروية وله دوافعه.

  1. الرّاج هو الحكم البريطاني في الهند (المترجم.)
  2. الأمثلة أكثر بكثير من أن نستطيع ذكرها جميعًا. ثمّة بعض من هذه الأمثلة؛ حول انتفاضة رانجبور، في: 9 – 48 , 7 – 46. pp , MDS؛ وحول انتفاضة باراسات في: BC 54222: Metcalfe & Blunt to Court of Directors (10 April 1832), paras 14 – 15 ; وحول عصيان سانتال، في: W.W. Hunter, Annals of Rural Bengal, 7 th edition (London: 1897), pp. 237 – 8 , and JP , 4 October 1855: 'The Thacoor's Perwannah'. وحول تمرد النيلة، في: C.E. Buckland, Bengal Under the Lieutenant-Governors , vol. I (Calcutta: 1901), p. 192.
  3. السيبوي، أو السباهية، هم الهنود المجنّدون في الجيش الإنكليزي (المترجم.)
  4. انظر، مثلً: MDS , pp. 579 – 80 ; Freedom Struggle in Uttar Pradesh , vol. IV (Lucknow: 1959), pp. 284 – 5 , 549.
  5. الأديفاس Adivasis اسم جامع يُطلق على كثير من شعوب الهند الأصلية. وهو اسم مشتق من الكلمة الهندية "أدي" التي تعني من أزمنة قديمة أو من البدء وكلمة "فاسي" وتعني ساكن أو مقيم، وقد سُكَّ هذا الاسم في ثلاثينيات القرن العشرين (المترجم.)

لكنَّ هذا الوعي لم يحظ، كما يبدو، إلا بأقلّ الاهتمام في الأدبيات التي تناولت الموضوع. واكتفى التأريخ بالتعامل مع الفلاح المتمرّد بوصفه شخصًا تجريبيًّا فحسب أو عضوًا في طبقة، لا بوصفه كيانًا ذا إرادة وعقل يدخلان في تكوين تلك الممارسة المسمّاة بالتمرّد. واصطبغ هذا الإغفال في معظم السرديات باستعارات أدبية شبّهت تمردات الفلاحين بالظواهر الطبيعية: فهي تنفجر مثل العواصف الرعدية، وتموج كالزلازل، وتنتشر كحرائق الغابات، وتُعدي كالأوبئة. بمعنى آخر، عندما يتبدّل حال تلك الكتلة التي يضُرب المثل ببلاهتها فلا بدّ من تفسير ذلك على أساس التاريخ الطبيعيّ. وحتى حين يُدْفَع هذا التأريخ إلى حدّ تقديم تفسير على أساس إنسانيّ، فإنه يقوم بذلك مفترضًا تماهي الطبيعة والثقافة الذي هو علامة مميّزة لحالةٍ جدّ متدنيّة من الحضارة، تمثّل لها "تلك التفجرات الدوريّة للجريمة والفوضى التي تخضع لها جميع القبائل الهمجيّة"، كما يقول أول مؤرّخ لتمرد شوار6. وهنا يُلتمَس التفسير بتعدادِ أسبابٍ - مثل عوامل الحرمان السياسي والاقتصادي التي لا ترتبط مطلقًا بوعي الفلاحين أو تفعل ذلك على نحو سلبيّ - تقدح زناد التمرد كنوع من الفعل المنعكس، أي كنوع من الارتكاس الغريزي شبه الغافل حيال هذا الضرب أو ذاك من ضروب المعاناة الجسدية (كالجوع أو التعذيب أو السخرة... إلخ) أو كردّة فعل سلبية حيال مبادرة يقوم بها عدوهم المتفوّق. وفي الحالتين يُحتسب التمرد على أنّه خارجيّبالنسبة إلى وعي الفلاحين ويُوضَع سببٌبديلً وهميًّا عن العقل، أو عن منطق ذلك الوعي.

II

كيف أُصيب التأريخ بهذه اللطخة العمياء ولم يعثر لها قطّ على دواء؟ للإجابة عن هذا السؤال يمكن أن نبدأ بإلقاء نظرة مدققة إلى عناصره المكوِّنة، ونستكشف تلك الشقوق والدروز والالتحامات - علائم الترقيع - التي تخبرنا عن المادة التي صُنِع منها وطريقة تسرّبها إلى نسيج الكتابة. يتألف متن الكتابات التاريخية عن تمرّد الفلاحين في الهند المستعمَرة من ثلاثة أنواع من الخطاب. ويمكن وصف هذه الأنواع بأنّها أولية وثانوية وثالثية وفقًا لترتيب ظهورها زمنيًا ونسَبها. فأحدها يختلف عن الاثنين الآخرين بدرجة رسميّته و/أو تماهيه المُعتَف به (كمقابل للفعليّ و/أو الضمني) مع وجهة نظر رسميّة، ومدى بعده عن الحدث الذي يشير إليه، ونسبة مكونات الانقسام والتكامل في سرده. لنبدأ بالخطاب من النوع الأوليّ، وهو يكاد أن يكون رسمي الطابع من دون استثناء، على أن نأخذ كلمة "رسمي" بمعناها الواسع. وهذا يعني أنّه لم ينشأ مع البيروقراطية والعسكر والشرطة وغيرها من مستخدمي الحكومة المباشرين، بل أيضًا مع أولئك الموجودين في القطاع غير الرسمي المرتبطين بالرّاج على نحو تعا شيّ، مثل المزارعين والمبشّين والتجَّار والتقنيين وسواهم بين البيض، وملاك الأرض والمرابين وغيرهم بين المحليين. وهو رسميّ أيضًا بقدر ما كان المقصود منه هو الاستخدام الإداريّ في المقام الأول؛ أي من أجل معلومات الحكومة، وفعلها، وتقرير سياستها. وحتى حين يشتمل على أقوال صادرة عن "الطرف الآخر"، مثل المتمردين أو حلفائهم، كما يحصل كثيرًا على سبيل النقل المباشر أو غير المباشر في متن المراسلات الرسمية أو على صورة "مرفقات" طيّ هذه الأخيرة، فإنَّ ذلك لم يكن يتم إلا كجزء من جدال تفرضه الاعتبارات الإدارية. بمعنى آخر، كائنًا ما كان الشكل المحدد لتلك المراسلات – وثمّة منوّعات مذهلة منها في الحقيقة كالرسائل ذات المقدمات، والبرقيّات، والرسائل الرسمية، وبيانات الخلاصات النهائية، والتقارير، والأحكام، والتصريحات - فإنّ إنتاجها وتوزيعها كانا متوقفين، بالضرورة، على أسباب تخصّ الدولة.

  1. J.C. Price, The Chuar Rebellion of 1799 , p. cl. The edition of the work used in this essay is the one printed in: A. Mitra (ed.), District Handbooks: Midnapur (Alipore, 1953), appendix IV.

من السمات المميّزة الأخرى لهذا النوع من الخطاب فوريّته. وهي تُستمَدّ من شرطين اثنين: أوّلهما هو أنَّ أقوال هذه الفئة إمّا تُكتَب مع الحدث أو بعده مباشرةً، وثانيهما هو أنَّ من يقوم به هم المشاركون المعنيون، حيث يُعرَّف "المعنيّ" لهذا الغرض بالمعنى الواسع الذي يشير إلى شخص معاصر للحدث ومنخرط فيه إمّا بالفعل أو على نحو غير مباشر كمشاهد. وهذا يستبعد بالطبع ذلك النوع من الكتابات الارتجاعية التي تفصل فيها فجوة كبيرة بين الحدث وتذكّره، كما في بعض المذكّرات، لكنها تترك لتوثيقٍ ضخمٍ - يُعرَف لدى أهل الحرفة باسم "المصادر الأوّلية" - أن يكلّم المؤرّخ بصوت السَّلَف ويجعله يشعر بأنّه قريب من موضوعه. العيّنتان الواردتان أدناه من الأمثلة الحسنة على هذا النمط. وتتعلق أولاهما بهبّة باراسات عام 1831، والثانية بعصيان سانتال عام 1855. النص 17إلى نائب القائد العام للجيش سيدي، نظرًا إلى تلقي الحكومة معلومات موثوقة بأنَّ مجموعة من المتمردين المتعصّبينيرتكبون الآن أوقح الفظائع وأشدّها استهتارًا بحق السكّانفي منطقة تيبي التابعة لقضاء باراسيت، وأنّها جابهت القوة القصوى التي استطاعت السلطة المدنيّة المحليّة جمعها لاعتقال أفرادها وطردتها. وقد وجّهني فخامة نائب الرئيس في المجلس كي أطلب إليك أن تنقل على نحوٍ عاجل إلى القائد العام لفرقة الرئاسة، أوامر الحكومة بتوجيه كتيبة كاملة من المشاة المحليين من باراكبور فورًا مع مدفعين من مدافع الستة باوندات مزوّدين بما هو ضروري من رجال المدفعية من دم دم، على أن يكون الجميع بقيادة ضابط ميداني صاحب عزم وقرار، فيلتقوا في باراسيت حيث ينضم إليهم 1 حوِلدار و 12 خيّالً من فوج الفرسان الثالث الخفيف، يشكلون الآن مرافقة فخامة نائب الرئيس. ثانيًا، سوف يلتقي الحاكم بالضابط قائد الكتيبة في باراسيت ويزوّده بالمعلومات اللازمة لتوجيهه في ما يتعلّق بوضع المتمردين؛ ولكن من دون أن تكون له أيّ سلطة للتدخّل في العمليات العسكرية التي يراها قائد الكتيبة ملائمة لدحر أولئك الماضين في تحدّي سلطة الدولة والإخلال بالأمن العامأو اعتقالهم أو حتى تدميرهم إذا ما قاوموا. ثالثًا، تقرر ألّ يطول أمد المهمّة بحيث تتطلب من الإمداد بالذخيرة ما يزيد على ما يمكن حمله في جعبةٍ وعربتَيْ سلاح، أو بحيث تنشأ أيّ صعوبات ناجمة عن الحمل. وفي حال حدوث ما يعاكس ذلك، سوف يُقدَّم كلّ دعم مطلوب. رابعًا، سيتم توجيه الحاكم لتقديم كلّ مساعدات تتعلق بالمؤن وغيرها من متطلبات القوات. قاعة المجلس أنا والكاتب المساعد العاشر من نوفمبر 1831 (التاريخ ذاته) الكولونيل وليام كيسمِنت أمانة سرّ القسم العسكري

  1. BC 54222: JC , 22 November 1831: 'Extract from the Proceedings of the Honorable the Vice President in Council in the Military Department under date the 10 th November 1831 '. Emphasis added.

النص 28من: حضرة و. سي. تايلور. إلى: حضرة ف. إس. مودج. التاريخ: 7 يوليو 1855 عزيزي مودج، هناك حشد ضخم من السونتال9، 4000 أو 5000 رجل في مكان يبعد نحو 8 أميال، وقيل لي إنهم مسلحون جيدًا بالأقواس والسهام والرماح والحراب وما إلى ذلك، ونيّتهم مهاجمة جميع من يقعون عليهم من الأوروبيين ونهبهم وقتلهم. والسبب في ذلك كلّه هو أنّ واحدًا من آلهتهم يُفترض أن يتجسّد ويظهر في مكان قريب، وفي نيّته أن يحكم كملك جميع ذلك الجزء من الهند، وأمرَ السونتال بأن يجتمعوا ويقتلوا جميع الأوروبيين والمحليين المتنفذّين هناك. وبما أنّ هذه أقرب نقطة إلى الحشد فإنني أقدّر أن تتعرّض للهجوم أولوأعتقد أنّه من الأفضل أن تبلغ السلطات في بِرهامبور وتطلب عونًا عسكريًا لأنّ التعرّض للقتل ليس بالأمر الحسن وبقدر ما يمكنني أن أرىفإنَّ الأمر خطير. سريكوند محسوبكم والكاتب المساعد السابع من يوليو 1855 التوقيع/ و. سي. تايلور لا شيء يمكن أن يكون أكثر فوريّةً من هذين النصيّن. وهما، إذ كُتبا فور إدراك من كانوا يخشون هذين الحدثين أشدّ الخشية أنَّهما تمردان، من بين أولى السجلات التي لدينا عنهما في مجموعات مكتبة مكتب الهند10 ومحفوظات ولاية البنغال الغربية. وكما تُظهر الأدلّة المتعلّقة بهبّة عام 183111، فإنّه لم يأت العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر حتى أدركت السلطات في كلكتا الطبيعة الحقيقية للعنف، الذي أبلغتْ به من منطقة باراسات بوصفه تمرّدًا دمويًا يقوده تيتو مير ورجاله. تحدد لنا رسالة الكولونيل كيسمِنت اللحظة التي دخل فيها قائد الفلاحين المحليين الذي كان مجهولً إلى ذلك الحين قوائم المناهضين للرّاج، ودخل بذلك التاريخ. كذلك يشير تاريخ الوثيقة الأخرى إلى بداية، هي بداية عصيان سانتال. ففي ذلك اليوم على وجه التحديد، السابع من يوليو عام 1855، جاء اغتيال ماهيش قائد الشرطة بعد مواجهة بين عناصر شرطته وفلاحين احتشدوا في باغناديهي وفجروا الانتفاضة. كان التقرير صارخًا بما يكفي ليُسجَّل في ذلك الإخطار الذي كتبه على عجَل وبجزع واضح في سريكوند مستخدَم أوروبي في السكك

  1. JP , 19 July 1855: Enclosure to letter from the Magistrate of Murshidabad, dated 11 July 1855. Emphasis added.
  2. السكان الأصليون لجبال راجماهال في البنغال (المترجم.)
  3. مكتب الهند Office India، إدارة حكومية بريطانية تأسست عام 1858، للإشراف على إدارة مقاطعات الهند البريطانية التي كانت تشكل معظم ما يعرف اليوم بدول بنغلادش وبورما والهند وباكستان، إضافة إلى عدن وأراضٍ أخرى حول المحيط الهندي (المترجم.)
  4. Thus, BC 54222: JC , 3 April 1832: Alexander to Barwell, 28 November 1831.

الحديدية للهند الشرقية إلى زميلٍ له وإلى السركار12. مرةً أخرى، تنقل هذه الكلمات بكلّ الفوريّة الممكنة الأثر الذي تتركه ثورة فلاحين على أعدائها في ساعاتها الأولى الداميّة.

III

لا نجد أثرًا لهذه الفوريّة في المستوى التالي من مستويات الخطاب: الخطاب الثانوي. وهذا الأخير يعتمد على الخطاب الأولي بوصفه مادتهلكنّه يعمل على تحويلها في الوقت ذاته. وللمقارنة بين هذين النمطين؛ يمكن النظر إلى النمط الأول على أنّه تأريخٌ في حالته الخام الأولية أو على أنّه جنين لا يزال عليه أن يفصح عن نفسه في عضويّة لها أطرافها المميزة، وإلى النمط الثاني على أنّه المُنْتَج المُعَالَج، المشغول بحسب الأصول وإن يكن خطابًا لا يزال في مرحلة الطفولة. من الواضح تمامًا أنَّ هذ الفارق من صنع الزمن. وبحسب التسلسل الزمني لهذا المتن المحدَّد، فإنَّ الخطاب الثانوي يلي الخطاب الأولي بمسافة وينفتح على أفقٍ يحوّل حادثًا إلى تاريخ، لا في تصوّر من هم خارجه بل في تصور المشاركين أيضًا. وهذا ما دفع مارك ثورنهيل، حاكم ماثورا في صيف 1857، حين أطلق تمرّد حرّاس الخزنة تمردات فلاحية في طول المنطقة وعرضها، إلى التأمّل في الحالة المتبدلة لسرده الذي صوّرَ فيه نفسه على أنّه البطل. ففي تقديمه مذكراته الشهيرة، مغامرات حاكم وتجاربه الشخصية خلال اندلاع التمرد الهندي وتطوره وإخماده (لندن: 1884)، بعد سبعة وعشرين عامًا على الحادث، يقول ثورنهيل: "بعد إخماد التمرّد الهندي، شرعت بكتابة رواية مغامراتي... وحين اكتمل سردي كان اهتمام الجمهور بالموضوع قد نفد. ومرّت سنوات كثيرة، وبرز اهتمامٌ من نوعٍ آخر. وغدت حوادث ذلك الوقت تاريخًا، ولعلّ حكايتي أن تكون مساهمةً في هذا التاريخ... وهذا ما جعلني أقرر نشر سردي...". وبقطع الخطاب عن معاصرته، يُستعَاد بوصفه عنصرًا من الماضي ويُصنَّف على أنّه تاريخ. وهذا التغيّ، الزمني والتصنيفيّ، يضعه عند تقاطع الاستعمار والتأريخ، مانحًا إيّاه طابعًا مزدوجًا مرتبطًا في آنٍ معًا بنظام القوة وطريقة تمثيله الخاصة. تأليف هذا الخطاب هو بحدّ ذاته شاهد على هذا التقاطع. وثورنهيل ليس بأيّ حال من الأحوال المدير الوحيد الذي غدا مؤرّخًا. إذ كان في الواقع واحدًا من بين كثير من المسؤوليين، المدنيين والعسكريين، الذين كتبوا استعاديًا عن الاضطرابات الشعبية التي شهدها الريف الهندي في أثناء الرّاج. وتندرج أقوالهم، إذا ما أُخِذَت ككل، في صنفين: هناك أولً تلك التي ارتكزت إلى تجربة الكتّاب كمشاركين. وهي ضروب من المذكرات على هذا النحو أو ذاك، كُتِبَت إمّا على مسافة زمنية معتبرة بعد الحوادث التي تُسَْد أو بصورة تكاد تكون متزامنة معها لكنها قُصِدَ لها، بخلاف الخطاب الأوليّ، أن تُقدَّم لجمهور القرّاء. أمّا الصنف الثاني، وهذا فارق مهمّ، فيبيّ كيف تدبّر العقل الاستعماري خدمة كليو (آلهة التاريخ) ومكافحة التمرّد في آنٍ معًا، على الرغم من صعوبة ترك الحياد المزعوم للأولى بعيدًا عن التأثّر بحميّة الثانية؛ الأمر الذي سرعان ما سنعود إليه. وأدبيات التمرّد الهندي زاخرة بآثار الصنفين، إذ تُعنى هذه الأدبيات بعنف الفلاحين (ولا سيما في مناطق الهند الشمالية الغربية والوسطى) بقدر ما تُعنى بعنف السيبوي. وتضاهي الروايات التي كُتبَت بعد الحدث بوقت طويل، مثل رواية ثورنهيل، روايات قريبة من الحدث ومعاصرة له، مثل رواية دنلوب13، ورواية إدواردز14، كي نشير إلى اثنتين فقط من متن ضخم قُصِدَ منه أن يرضي أذواق جمهور ليس لديه ما يكفي من قصص الرعب والمجد.

  1. الحكومة الاستعمارية (المترجم.)
  2. Robert Henry Wallace Dunlop, Service and Adventure with Khakee Ressallah; or Meerut Volunteer Horse during the Mutinies of 1857 – 1858 (London: 1858).
  3. William Edwards, Adventures during the Indian Rebellion in Rohilcund, Futtehghur, and Oudh (London: 1858).

صنف الكتابات الآخر المؤهَّل لعدِّه خطابًا ثانويًا هو أيضًا أعمال المديرين. فهؤلاء أيضًا غالبًا ما كانوا يخاطبون جمهورًا من القرّاء غير رسميّ، لكن بموضوعات لا ترتبط بتجربتهم ذلك الارتباط المباشر. وتشتمل أعمالهم بعضًا من الروايات عن انتفاضات الفلاحين هي الأوسع استخدامًا والأرفع تقديرًا كُتِبَت إمّا على شكل دراسات عن أحداث معيّنة، مثل دراسة جاميني موهان غوش عن اضطرابات الزهّاد والفقراء ودراسة ج. ك. برايس عن تمرد شوار، أو على شكل أقوال مضمّنة في تواريخ أشمل مثل قصة وليم ولسون هنتر عن عصيان السانتال في حوليّات الريف البنغالي. وإلى جانب هذا، ثمة أيضًا تلك المساهمات المميّزة التي قدّمتها بعض أفضل العقول في الخدمة المدنية للفصول التاريخية من ال District Gazetteers15. ويشكّل كلّ ذلك معًا متنًا أساسيًا من الكتابة التي تتمتع بسلطة واسعة لدى جميع دارسي هذا الموضوع ولا يكاد يوجد تأريخٌ على المستوى التالي، أي على المستوى الثالثي، من مستويات الخطاب إلا ويعتمد على هذا المتن ويقوم عليه. يعود قَدْرٌ كبير من هيبة هذا الجنس من الكتابة إلى ما يكتنفه من هالة التجرّد وعدم التحيّز. فبإبقاء هؤلاء الكتّاب سردَهم خارج حدود الالتزام الشخصيّ، كان بمقدورهم أن يضفوا عليه، ولو بصورة ضمنيّة، مظهر الصدق. لا شكّ أنّهم كموظّفين كانوا حملة إرادة الدولة، لكن كتابتهم عن ماضٍ لا يظهرون فيه هم أنفسهم كموظفين، جعلت أقوالهم تؤخَذ على أنّها أصدق وأقلّ تحيّزًا من نظرائهم الذين أدّى قيام رواياتهم على الذكريات، إلى اصطباغها بالضرورة بتدخّلهم في الاضطرابات التي شهدها الريف بوصفهم من عناصر الرّاج. ويُعتقَد، في المقابل، أنَّ الأولين قاربوا الحوادث التي يسردونها من الخارج. كما يُفترَض أنّهم كمراقبين منفصلين سريريًّا عن موضع التشخيص وموضوعه قد وجدوا لخطابهم ركنًا في مجال الحياد التام – مجال التاريخ - حيث يتربّع الماضي المطلق وضمير الغائب.

IV

ما مدى صحّة زعم الحيادية هذا؟ للإجابة عن هذا السؤال ربما وجب علينا ألّ نأخذ أيّ انحياز في هذا الصنف من الأعمال التاريخية على أنّه مسلّمة، فقط لأنها في الأصل لكتّاب ملتزمين بالاستعمار. فعدُّ ذلك بدهيًّا يعني أن ننكر على التأريخ إمكان إقراره بنواقصه، وأن نحبط تاليًا ما تقصد إليه محاولتنا هذه. وكما يجب أن يتضح مما يلي، فإنَّ رفض مؤرّخي التمرد الفلاحي إثبات ما يبدو على أنّه جليّ؛ هو على وجه الدقّة ما يبقيهم واقعين في شراك ما هو جليّ. ولهذا يجب أن يبدأ النقد لا بالإشارة إلى تحيّز بل بتفحّص مكوّنات الخطاب، حامل كلّ أيديولوجيا، بحثًا عن الطريقة التي ضُفِرَت بها تلك المكوّنات لتصف أيّ صورة محددة من صور الماضي. ما ناقشناه إلى الآن من مكوّنات هذين النمطين من الخطاب ومنوّعاتهما هو ما سندعوه بالشذرات. وبما أنّها مصنوعة من المادة اللغوية ذاتها، أي من خيوط من الكلمات ذات الأطوال المتباينة، فإنّها تقع في نوعين يمكن تسميتهما، بحسب الوظيفة التي يؤدّيها كلٌّ منهما، بالتأشيريّ والتفسيريّ. وثمّة فارق كبير، ينسب إليهما، في نصٍّ معيّ، دور الإخبار والتفسير على التوالي. لكن هذا لا يعني انفصالهما؛ فهما، على العكس، غالبًا ما ينطوي أحدهما على الآخر لا كأمرٍ واقع فحسب وإنّما كضرورةٍ أيضًا.

  1. ال Gazetteer District هي دليل مفهرس جغرافي واقتصادي واجتماعي وثقافي شامل لشبه القارة الهندية وضع خلال استعمارها، وخصوصًا خلال القرن التاسع عشر، وإن يكن كثير منه قد روجع وحُرِّر لاحقًا (المترجم.)

يمكن أن نرى في النصيّن 1 و 2 كيف يعمل هذا التداخل. ففي كليهما يشير الخط الطباعي العادي إلى الشذرات التأشيرية، في حين يشير الخطّ الطباعي العريض إلى الشذرات التفسيرية. وعدم اتباع أيّ من هاتين الرسالتين نمطًا محددًا من هذين النمطين هو أمرٌ يجعل النمطين يتداخلان، ويُسند أحدهما الآخر في إضفاء المعنى على الوثيقتين، كما يسبغ في سياق ذلك شيئًا من الالتباس على بعض الخيوط؛ سرعان ما يتبدد حتمًا بهذه الطريقة من التمثيل الطباعي. لكنَّ فاصل انقسام الوظائف التقريبي بين الصنفين يبرز حتى في هذه الترسيمة: الوظيفة التأشيرية (أي الإخبارية) التي تشير إلى أفعال المتمردين وخصومهم الفعليّة والمتوقَّعة، والوظيفة التفسيرية التي تعلّق على تلك الأفعال بغية فهم (أو تفسير) لدلالتها. يتماشى الاختلاف بين الاثنين مع ذاك الاختلاف الذي بين المكوّنات الأساسية لأيّ خطاب تاريخي، والتي سوف ندعوها، بحسب مصطلحات رولان بارت، ب الوظائفوالمؤشّات16. والأولى هي شذرات تشكّل التسلسل الخطي للسرّد. وهي متّصلة، تعمل في علاقة تماسك بمعنى الانطواء المتبادل إحداهما على الأخرى، وانضيافها إلى خيوط تتطاول باطّراد، وتتضافر لتُنتِج القول الكلّ. أمّا الثانية فيمكن عدُّها على هذا الأساس حاصل تسلسلات صغيرة يمكن أن نخصّ كلًّ منها، سواء أكان مهمًا أم لا، بأسماء من خلال عملية ميتالغوية تستخدم مصطلحات قد تنتمي إلى النص محلّ البحث أو لا تنتمي إليه. وهذا هو النحو الذي اتّبعه بريمون، مقتفيًا أثر بروب، في تسمية وظائف حكايةٍ شعبيةٍ ب الخداع، الغدر، الصراع، التعاقد... إلخ، وتسمية تلك الوظائف التافهة، مثل تقديم سيجارة في قصّةٍ عن جيمس بوند أشار إليها بارت ب التقديم، القبول، الإشعالوالتدخين. ولعلّ بمقدورنا أن نستلهم هذا الإجراء في تعريف القول التاريخي بأنّه خطاب ذو اسم يندرج تحته عدد من التسلسلات المسمّاة. وبذلك يكون ممكنًا أن نتكلّم على سرد افتراضي ندعوه "تمرّد تيتو مير" مؤلَّف من عدد من التسلسلات من بينها النص 1 المذكور أعلاه. دعونا نطلق على هذه الوثيقة اسمًا، مثل قرارات مجلس كلكتا. (بدائل مثل اندلاع العنفأو استدعاء الجيشتنفع أيضًا ويمكن تحليلها على أسس تتماشى مع الأسس التي ستلي، وإن لم تتطابق معها). يمكن قراءة الرسالة الموسومة قرارات مجلس كلكتا (ج) في نصّنا على أنّها اجتماع مجموعتين من التسلسلات هما الإنذار (أ) والتدخّل (ب)، تتألف كلاهما منهما من قسمين: حيث تتألف المجموعة الأولى من اندلاع التمرد (أَ) وتلقّي المعلومات (ا) وتتألف المجموعة الثانية من قرار استدعاء الجيش (بَ) وإصدار الأمر (بً)، حيث يُمثَّل، بدوره، واحد من المكوِّنين في كلّ زوجٍ بسلسلتين أخريين مرتبطتين: (أَ) بالأعمال الوحشية المرتكبة (أ 1) وتحدي السلطة (أ 2)، و (بً) ب توجيه المشاة (ب 1) ودعم المدفعية (ب 2) وتعاون الحاكم (ب 3). بعبارة أخرى، تمكن كتابة السرّد الوارد بصورة معادلات من ثلاث خطوات على النحو التالي: ج = (أ + ب)...................................... Ι = (أَ +ا)ً + (ب + بً..............................) ΙΙ = (أ 1 + أ 2) + ا + ب + (ب 1 + ب 2 + ب 3......) ΙΙΙ

  1. لا بدّ أن يكون الدَّين الذي أدين به لرولان بارت، في شأن كثير من المصطلحات والإجراءات التحليلية المستخدمة في هذا المقطع تحديدًا وفي كامل المقالة عمومًا، واضحًا أشدّ الوضوح لكلّ من اطّلع على "التحليل البنيّوي للسرد" و"الصراع مع الملاك"، في عمله: Image-Music-Text (Glasgow: 1977), pp. 79 – 141 وعلى "الخطاب التاريخي"، في: M. Lane (ed.), Structuralism: A Reader (London: 1970), pp. 145 – 55 , الأمر الذي يعفيني من الإحالة المرجعية المفصّلة حين لا أقتبس مباشرةً من هذه الأدبيات.

يجب أن يكون واضحًا من هذا الترتيب أنه لا يمكن التعبير عن كلّ عناصر الخطوة II في تسلسلات أصغر من المرتبة نفسها. ولذلك نكون في الخطوة III مع سلسلة تتراكب شذراتها المستمدة من مستويات الخطاب المختلفة لتشكل بنية تكاد تكون خشنة النحت وغير متكافئة. وبقدر ما تكون وحداتٌ وظيفية متدنية المرتبة مثل هذه الوحدات هي ما يشكّل العناصر التركيبية17 المتعالقة في سرد، فإنّ مساره لا يمكن أن يكون ذلك المسار السلس. ولا بدّ أن تكون الفجوات بين الأجزاء مهلهلة الارتباط مترعةً بانعدام اليقين بالضرورة، وب "لحظات خطر"، لتنتهي كلّ سلسلة صغيرة بافتتاح احتمالات بديلة، لا تلتقط السلسلة التالية وهي تواصل القصة سوى واحد منها. "يشعل دوبونت، شريك بوند المستقبلي، ولاعته لكن بوند يأبى أن يشعل سيجارته منها؛ ومعنى هذا التفريع هو أنّ بوند يخشى غريزيًّا من وجود لغم ما"18. وما يدعوه بارت على هذا النحو "تفريعًا" في القَصّ، له ما يوازيه في الخطاب التاريخي أيضًا. يقوّض ارتكاب الأعمال الوحشية المزعوم (أ 1)، في تلك الرسالة الرسمية العائدة إلى عام 1831، اعتقادَ إمكان الانتشار السلمي لمذهب تيتو الجديد الذي كان معروفًا أصلً لدى السلطات، لكنّها تجاهلته إلى الآن، ما دامت لم تترتب عليه أي عواقب أو آثار. والتعبير تحدي السلطة (أ 2) الذي يشير إلى مجابهة "القوة القصوى التي استطاعت السلطة المدنيّة المحليّة جمعها" وطردها، له طرفه الآخر، وإن يكن طرفًا غير معبّ عنه؛ هو الجهد الذي بذله تيتو لإقناع الحكومة من خلال العرائض والوفود بتدارك مظالم المتدينيّ أمثاله، وهلمّ جرًّا. هكذا تشتمل كلّ وحدة من هذه الوحدات الوظيفية الأوليّة على عقدة سردية غير مجسّدة تمامًا في تطور فعليّ، أو على نقطةٍ صفريّة يؤكّد السرد من خلالها توتره. ولأنّ التاريخ، بوصفه التمثيل الكلامي الذي يمثّل به الإنسان ماضيه، مترع بالمخاطر بطبيعته، ومترع حقًّا باحتمال وجود خيارات شديدة التباين، فإنَّ هذا على وجه التحديد ما يجعله دائم الإثارة. الخطاب التاريخي هو رواية العالم المثيرة الأقدم.

V

هكذا يُظْهِرُ التحليلُ التسلسلي سردًا هو عبارة عن سلسلة من الوحدات الوظيفية التي لا تربطها تلك الروابط الوثيقة. فهذه الوحدات متفارقة الأداء، وتركّز على الجانب التحليلي للخطاب لا على جانبه التركيبي. ولذلك فهي لا تقوى، بحدّ ذاتها، على أن تولّد معناها. وكما أنَّ معنى كلمة (ككلمة "رجل" مثلً) لا يُمثَّل على نحوٍ مجزَّأ في كلِّ حرف من حروفها (ر، ج، ل) التي تؤلّف صورتها الكتابية، وكما أنَّ معنى عبارة (كعبارة "كان ياما كان") لا يوجد في كلماتها المكوِّنة إذ نأخذها على نحوٍ منفصل، كذلك لا تخبرنا الشذرات المفردة في خطاب بما يدلّ عليه. ذلك أنَّ المعنى في كلّ حالة من هذه الحالات هو نتاج عملية تكامل تتمّم عملية الإفصاح المتسلسل. وكما يقول بِنفِنيست، فإنَّ "التفارق" في أيّ لغة "هو ما يكشف لنا قوامها الشكلي وتكامل وحداتها الدالّة"19.

  1. من المعروف أنّ معنى العلامة اللغوية عند فرديناند دو سوسور يتحدد من خلال بعدين: أولهما هو البعد الأفقي التركيبي (موقع العلامة في تركيب الجملة وعلاقتها بغيرها من العلامات والوحدات النحوية والقواعدية التي تحكم بنية هذه الجملة)، وثانيهما هو البعد الشاقولي الاستبدالي أو الانتقائي (الذي لا توجد مكوناته فعليًا في التركيب اللغوي مع أنَّ هذا البعد القائم على الاستبدال الانتقائي يحكم دلالة العلامة ووضوحها). ولأنَّ البعد الأفقي التركيبي يقوم على المجاورة والاندماج والتداخل فقد أسماه جاكوبسون بعدًا كنائيًا، لأن الكناية تقوم على هذه الأسس نفسها كما هو الحال في علاقة السبب بالنتيجة ودلالة الجزء على الكلّ وما إلى ذلك. وفي المقابل، يعمل البعد العمودي من خلال الغياب، حيث يعتمد "حضور" أي علامة أو انتقاءها على "تغييب" واستبعادٍ لما كان يمكن أن يحل محلها مكانيًا ونحويًا (مبدأ المرادفة والتضاد)؛ بمعنى أنّ البعد العمودي يقوم عمومًا على مبدأ التماثل والمشابهة؛ ما يسمح بتسميته بالبعد الاستعاري لأن الاستعارة تقوم على المشابهة والقياس والتماثل (المترجم).
  2. Barthes, Image-Music-Text , p. 102.
  3. Émile Benveniste, Problémes de linguistique générale, I (Paris: 1966), p. 126. وأحسب أنَّ الأصل الفرنسي لهذه الجملة: " la dissociation nous livre la constitution formelle; l'intégration nous livre des unités signifiantes ," قد نُقل على نحو مختلف بعض الشيء وغير ناجح، في اعتقادي، في الترجمة الإنكليزية لعمل بنفنيست: Problems in General Linguistics (Florida: 1971), p. 107.

يصحّ هذا أيضًا على لغة التاريخ. فما يُجري عملية التكامل في خطاب التاريخ هو الصنف الآخر من وحدات السرد الأساسية، أي المؤشّات. وهي ملازم للوظائفضروري ولا غنىً عنه، وتتميّز من هذه الأخيرة في نواحٍ مهمة: "المؤشّات وحدات دلالية حقًّا نظرًا إلى الطبيعة الشاقولية التي تَسِمُ علاقاتها: فهي بخلاف 'الوظائف'... تشير إلى مدلول، وليس إلى 'عملية'. وإقرار المؤشّات 'أرفع مستوىً'... إقرارٌ انتقائي. أمّا إقرار الوظائف فهو، بخلاف ذلك، إقرار 'إضافيّ' على الدوام، إقرارٌ تركيبي. هكذا تبدي الوظائفوالمؤشراتعن تمايزٍ كلاسيكي آخر، حيث تنطوي الوظائف على علاقات كنائيّة، والمؤشّات على علاقات استعاريّة؛ وتُشَاكِل الأولى وظيفيّة الفعل، في حين تشاكل الأخرى وظيفيّة الكينونة"20. يعود إمكان تدخّل المؤشّات الشاقولي في خطاب إلى تصدّع خطيّته بعمليةٍ تشبه الرَّنَح الجزئي، تعتري سلوك كثير من اللغات الطبيعية. ويرى بالي الذي درس هذه الظاهرة بكثير من التفصيل، أنَّ واحدًا من شروط وقوعها المتعددة في اللغة الفرنسية هو "حين انفصال أجزاء العلامة الواحدة" بحيث يُشَظّى التعبير " pardonné a elle " مأخوذًا في صيغة النفي ويُعاد جمعه على النحو

.21" elle ne nous a jamais plus pardonné "

يمكن بالمثل إعادة كتابة التعبير البنغالي المستقبلي البسيط " she jabe " بإدخال أدوات الاستفهام أو النفي بين الكلمتين لنكون

". She na hoy na jabe و"" she ki jabe على التوالي إزاء"

ثمّة في السرد التاريخي أيضًا عملية "تمديد وتوسيع" تجري على تركيب هذا السرد، وتساعد العناصر الاستبدالية على أن تتسرّب وتعيد تكوين أجزائه المنفصلة في كلٍّ ذي معنى. وعلى هذا النحو بالضبط يقوم تنسيق المحورين الكنائي والاستعاري في قول من الأقوال، ويتحقق التفاعل الضروري بين الوظائف والمؤشرات. لكن هذه الوحدات لا تتوزع وفق حصص متساوية في جميع النصوص: إذ يقع نوع من الوحدات في بعض النصوص أكثر مما يقع نوع آخر. وخلاصة القول: إنَّ خطابًا ما يمكن أن يكون إمّا كنائيًا على نحو غالب أو استعاريًا على نحوٍ غالب، تبعًا لما إذا كان العدد الأكبر من مكوّناته كنائيًّا أو استعاريًّا22. والنصّ1 هو من النمط الأول. ويمكن أن نلاحظ نسق علاقاته الكنائية الهائل والمنيع في الخطوة III من التحليل المتسلسل الوارد آنفًا. لدينا هنا أخيرًا الإقرار التام لرؤية بلهاء إلى التاريخ بوصفه شيئًا بغيضًا إثر آخر: انتفاضة -معلومات-قرار- أمر. لكن نظرةً عن كثب إلى النصّ يمكن أن تكشف عن صدوعٍ سمحت ل "تعليق" بأن يشقّ طريقه عبر درع "الواقعة" المصفّح. والتعابير المكتوبة بخطٍ عريض هي شاهد على هذا التدخل الاستبدالي، بل وعلى حجمه. وتؤدي المؤشّات دور الصِّفاتأو النعوتبخلاف الأفعال التي تؤدي دور الوظائف، إذا ما قسنا السرد على الجملة23. وإذ يعمل كلّ ذلك معًا على نحو حميم لا تعود الرسالة الرسمية تسجيلً فحسْب للمجريات، ويُنْقَشُ فيها معنىً أو تأويل يُبْ ز أبطالها لا بوصفهم فلاحين بل بوصفهم " متمرّدين "، لا بوصفهم مسلمين بل بوصفهم " متعصبين "؛ ويُبْ ز فعلهم لا بوصفه مقاومة لطغيان النخبة الريفيّة بل بوصفه " أوقح الفظائع وأشدّها استهتارًا بحق السكّان "؛ ويُبْ ز مشروعهم لا بوصفه ثورة على نظام الزميندار بل بوصفه " تحدّيًا لسلطة الدولة "، لا بوصفه بحثًا عن نظامٍ بديل لا تخرق فيه أمنَ الريف فوضى ملّك الأرض ونظامهم شبه الإقطاعي الذي يجري التغاضي عنه رسميًا بل بوصفه " إخلالً بالأمن العام ".

  1. Barthes, Image-Music-Text , p. 93.
  2. Charles Bally, Linguistique Générale et Linguistique Francaise (Berne: 1965), p. 144.
  3. Roland Barthes, Elements of Semiology (London: 1967), p. 60.
  4. Barthes, Image-Music-Text , p. 128.

إذا كان تدخلّ المؤشّات "يُحِلّ معنىً معيّنًا محلّ النّسخ المباشر للحوادث المروي عنها "24 في نصّ مشحون بهذا القدر من الكناية كالنصّ الذي ناقشناه أعلاه، فلا بد أن نكون على ثقة بأنّه يفعل ذلك بقدر أكبر في الخطابات التي تغلب فيها الاستعارة. وهذا واضح في النص 2 حيث يفوق عنصرُ التعليق، الذي كتبناه بخط عريض، عنصر الإخبار، بكثير. وإذا ما مثّلنا هذا الأخير بصورة سلسلة مؤلّف من ثلاث حلقات وظيفية -  هي حشد السانتال المسلّح، ووجوب إنذار السلطات بذلك، وطلب الدعم العسكري - لرأينا كيف تمّ فصل الحلقة الأولى بإقحام كتلة كبيرة من المادة التفسيرية، وكيف تمّ تغليف الحلقتين الأخريين بالتعليق وخُتِمَ عليهما به. وما يُلهم هذا الأخير هو الخوف من أنّ سريكوند هي " أقرب نقطة إلى الحشد... <وسوف> تتعرّض للهجوم أولً" وبالطبع فإنَّ " التعرّض للقتل ليس بالأمر الحسن ". ولكن لاحظوا أنّ هذا الخوف يبرر نفسه سياسيًا، أي باتهام السانتال بأنَّ " نيّتهم مهاجمة... ونهب... وقتل جميع الأوروبيين والمحليين المتنفّذين " بحيث يمكن " واحدًا من آلهتهم " متجسّدًا في هيئة البشر " أن يحكم كملك جميع ذلك الجزء من الهند ". ليست هذه الوثيقة، إذًا، بالحياديّة في موقفها من الحوادث التي شهدتها، ويصعب أن ننتظر منها شهادة نزيهة إذا ما وُضِعت موضع "الدليل" أمام محكمة التاريخ. وعلى العكس، فهي صوت الاستعمار الملتزم. وقد حسمت خيارها مسبقًا بين احتمال إقامة السانتال حكمًا ذاتيًا في دامين إي كوه وبين استمرار الرّاج البريطاني، ورأت في ما هو خير ممكن لواحد من هذين الاحتمالين أمرًا مفزعًا وكارثيًّا – " أمرًا خطيرًا " - بالنسبة إلى الاحتمال الآخر. بعبارة أخرى، تُدخلنا المؤشرات في هذا الخطاب – كما في الخطاب الذي ناقشناه آنفًا - إلى سنّة محددة مقامة على نحوٍ يكون فيه لكلّ علامة من علاماتها ضدّها، أو نقيض رسالتها، في سنّة أخرى. وكي نستعير تمثيلً ثنائيًا شهيرًا من ماو تسي تونغ25، فإنَّ وصف أي عنصر في واحدة من السنّتين بأنّه "مريع!" يعني وصف العنصر الذي يوافقه في السنّة الأخرى بأنّه "ممتاز!" والعكس بالعكس. وكي نمثّل صدام السنّتين هذا بيانيًا، يمكن أن نضع مؤشّ ات النصيّن 1 و 2 المكتوبة أدناه بخط عريض في مصفوفة ندعوها " مريع " (تمشيًّا مع الصفة المميزة لوحدات هذا الفئة)، وذلك على نحو يُشير إلى اقترانها بالمفردات الضمنية، غير المُعبَّ عنها صراحةً (المكتوبة بخط عادي) في مصفوفة مقابلة ندعوها " ممتاز ". مريع ممتاز متمردونفلاحون متعصبون مسلمون متشددون أوقح الفظائع وأشدّها استهتارًا بحق السكّان مقاومة الاضطهاد تحدي سلطة الدولة تمرد على الزميندار إخلال بالأمن العام نضال من أجل نظام أفضل نيّة هجوم ونهب وقتل نيّة معاقبة المضطهِدين واحد من آلهتهم يريد أن يحكم كملك حكم ذاتي

  1. Ibid., p. 119.
  2. Selected Works of Mao Tse-tung , vol. I (Peking: 1967), pp. 26 – 27.

ما ينجم عن هذا التفاعل بين هاتين المصفوفتين اللتين تنطوي إحداهما على الأخرى على الرغم من تعاكسهما؛ هو أنّ نصّينا ليسا سجلًّ لملاحظات لم يمسّها التحيّز وإطلاق الأحكام والآراء، بل ينمّان، على العكس من ذلك، على تورّط تام. ذلك أنّه إذا ما أُخِذَت التعابير الموجودة في العمود الأيسر مجتمعةً على أنّها تمثّل التمرّد - السنّة التي تشتمل على جميع دوال الممارسة التابعة التي "تقلب الأمور رأسًا على عقب" والوعي الذي يمليها - فلا بدّ أن يؤخَذ العمود الآخر على أنّه يمثّل عكس ذلك، أي مكافحة التمرّد. والتضاد بين الاثنين هو تضاد لا يقبل الاختزال وليس فيه ما يدع مجالً للحياد. وبذلك لا يكون لهاتين الوثيقتين من معنى إلا على أساس سنّة من التهدئة التي كانت في ظل الرّاج مركّبًا من التدخل القمعي للدولة وأعوانها، النخبة المحلية، بالسلاح والكلمات. وهاتان الوثيقتان اللتان تمثلّان النمط الأولي من أنماط الخطاب في تأريخ التمردات الفلاحية هما عيّنتان من عيّنات النثر المكافح للتمرّد.

VI

إلى أيّ مدى يساهم الخطاب الثانوي أيضًا في هذا الالتزام؟ هل يمكن أن يصدر عنه أيّ نثر آخر غير ذلك النثر المكافح للتمرّد؟ تبقى سرديات هذا الصنف التي يظهر كتّابها بين أبطال الحدث محلّ شكّ بالطبع وبحكم تعريفها ذاته، إذ لا بدَّ من الاعتراف بأنّ حضور ضمير المتكلّم فيها هو علامة على تورطها. لكنَّ السؤال هو ما إذا كان غياب الموضوعيّة على هذا الصعيد يعوّضه الاستخدام المتّسق للماضي المطلق في مثل هذه الكتابات. ذلك أنَّ التلفظ التاريخي، كما يلاحظ بنفنيست، يعترف بثلاثة منوّعات للزمن الماضي: الماضي المطلق، والماضي غير التامّ، والماضي التامّ، أمّا الزمن الحاضر فمقصىً تمامًا بالطبع26. وما يلبّي هذا الشرط بالفعل هو ذكريات تفصلها فجوة واسعة عن الحوادث المعنيّة. ولذلك فإنَّ ما يجب الكشف عنه هو مدى تصحيح قوة الماضي الانحيازَ الناجم عن غياب ضمير الغائب. تقدّم لنا ذكريات مارك ثورنهيل عن التمرّد الهندينصًّا يتطلّع فيه الكاتب وراءً إلى سلسلة من الحوادث التي عاشها منذ سبعة وعشرين عامًا. ذلك أنَّ "أحداث ذلك الماضي أصبحت تاريخًا" وهو ينوي، كما يقول في المقتطف الذي اقتبسناه آنفًا، أن يساهم "في هذا التاريخ" ويقدّم ما عرّفناه بأنّه نوع محدَّد من الخطاب الثانوي. ولعلَّ أفضل طريقة لالتقاط الفارق الذي تنقشه في هذا الخطاب تلك الفترة الفاصلة؛ هي بمقارنته ببعض عيّنات الخطاب الأولي التي لدينا حول الموضوع ذاته للكاتب ذاته. ثمة اثنتان من هاته العيّنات تمكن قراءتها كتسجيل لإدراكه ما جرى في محطة ماثورا سادار والريف المحيط بين 14 أيار/ مايو، و 3 حزيران/ يونيو 185727. هاتان الرسالتان اللتان كتبهما وهو يضع قبّعة حاكم المنطقة ووجههما إلى رؤسائه – الأولى في 5 حزيران/ يونيو 1857، أي خلال ثمان وأربعين ساعة من تاريخ انتهاء الفترة التي نناقشها، والثانية في 10 آب/ أغسطس 1858، حين كانت الأحداث لا تزال حيّة في الذاكرة كماضٍ بالغ القرب – تتساوقان في المدى مع مدى السرد الذي يغطي الأسابيع الثلاثة ذاتها، في الصفحات التسعين الأولى من كتابه الذي ألّفه بعد ثلاثة عقود، مرتديًا قبّعة المؤرّخ. للرسالتين كلتيهما طابعٌ كنائيّ غالب. ولأنهما طالعتان من داخل التجربة المعنيّة ذاتها فهما مقتضبتان بالضرورة، وتخبران القارئ بتتابع لاهث عن بعض مجريات ذلك الصيف الاستثنائي. هكذا يتّخذ التركيب مظهر الوقائعيّة؛ فلا يكاد يبقى أيّ متّسع

  1. Benveniste, op. cit., p. 239.
  2. Freedom Struggle in Uttar Pradesh , vol. V, pp. 685 – 692.

للتعليق. لكن التفحّص الدقيق كفيلٌ بأن يرينا هنا أيضًا أنَّ تلاحم الوحدات الوظيفية أقل صلابة مما يبدو عليه للوهلة الأولى. فثمّة مؤشّات مُدخلة في تلك الوحدات تنمّ على ضروب القلق لدى القيّم المحليّ على القانون والنظام ("الوضع في المنطقة عمومًا هو وضع خروج تام عن السيطرة "؛ " القانون معطَّل)، وعلى مخاوفه ("شائعات مفزعة عن اقتراب جيش المتمرّدين")، وعلى استهجانه الأخلاقي أفعال القرويين المسلحين ("الاضطرابات في المنطقة... تزداد... على نحوٍ شنيع ")، وعلى تقديره، في المقابل، للمتعاونين المحليين المعادين للمتمردين (" استقبلَنا آل سيث بحفاوة بالغة "). مؤشراتٌ كهذه هي وَحْمَات أيديولوجيّة تظهر بارزةً في قَدرٍ كبير من مواد هذا النمط المتعلقة بتمردات الفلاحين. وإذا ما أُخِذَت ككلّ، مع بعض الخصائص النصّية ذات الصلة - مثل أسلوب المخاطبة الفجّ في هذه الوثائق الذي يكشف عمّا ولّده التمرّد من الصدمة والرعب - فإنّها تتهم جميع مثل هذه الأدلّة "الموضوعيّة" المزعومة على قتالية الجماهير الفلاحية بأنّها مصطبغة في أساسها بنظرة خصومهم المتحيّزة والمتحزّبة. وإذا ما كان المؤرّخون قد فشلوا في التقاط هذه الأمارات الدالّة التي تَسِمُ قوام صنعتهم، فتلك واقعة لا بدّ من تفسيرها بالإشارة إلى قدرة الإبصار لدى تأريخٍ استعماري، لا بالإشارة المحبِّذة إلى موضوعية مزعومة تتّسم بها "مصادرهم الرئيسة". ليس ثمة ما هو فوريّ أو فجّ في شأن الخطاب الثانوي الموافق؛ فهو ينطوي، على العكس من ذلك، على منظورات متنوعة تمنحه عمقًا في الزمن كما تمنحه معناه الذي ينبع من هذا التحديد الزمني. قارن مثلً سرد الأحداث في النسختين لأيّ يوم محدد، وليكن 14 أيار/ مايو 1857 في بداية أسابيعنا الثلاثة. ما كُتب في رسالة ثورنهيل يوم 10 آب/ أغسطس 1858 في فقرة قصيرة من سبع وخمسين كلمة، يمكن تقديمه على نحوٍ كامل في أربع شذرات بليغة، من دون أن يضيع من الرسالة أيّ شيء مهم: اقتراب المتمردين؛ تلقي المعلومات من جورجاون؛ تأكيد الأوروبيين في شمال المنطقة للمعلومات؛ إرسال النساء وغير المقاتلين إلى أغرا. ولأنّ الرواية تبدأ بهذا المدخل، لأغراض عملية بحتة، فإنّه لا وجود لمقدمة تعمل كسياقٍ لها؛ الأمر الذي يجعل هذا الإقلاع الفوري، كما لاحظنا، مفاجئًا تمامًا. أمّا في الكتاب فنجد تلك الفورية ذاتها وقد زُوِّدَت بخلفية تغطي أربعة أشهر ونصف الشهر على مدى ثلاث صفحات (ص 1  -  3). يُكرَّس هذا الوقت كلّه وتلك المساحة كلّها لتغطية بعض التفاصيل المنتقاة بعناية من حياة الكاتب وتجربته في الفترة التي سبقت التمرّد. وهي تفاصيل دالّة حقًّا. ذلك أنّها مؤشّات تُعِدُّ القاريء لما سيأتي، وتساعده على فهممجريات 14 أيار/ مايو وما يليها، حين تدخل هذه الأخيرة السردَ على مراحل متعاقبة. هكذا كان سريان شائعة الشاباتي28 الغامض في كانون الثاني والقلق الصامت إنّما المعبِّ حيال شقيق السارد الذي هو موظّف رفيع، بعد برقية وصلت أغرا في 12 أيار/ مايو، ونقلت أخبار انتفاضة ميروت التي لا تزال غير مؤكدة، بشيرًا بالتطورات التي جرت بعد يومين في مراكز منطقته. لدينا أيضًا تلك التوافه حول "دخله الكبير وسُلطته الواسعة"، ومنزله وخيوله وخدمه و"خزانة ممتلئة بأطباق الفضة موجودة في الصالة [...] ومخزن كبير لشالات الكشمير واللآلئ والألماس" تشير جميعها، في المقابل، إلى المحرقة التي سرعان ما تطيح بسلطته وتحوّل خدمه إلى متمردين، ومنزله

  1. شاعت في تلك الفترة قصة غريبة وردت من الشمال الغربي، محمولة على رمز غامض بصورة الخبز المفلطح الذي يأكله الشعب، مصنوعًا من الطحين والماء، ويدعى في لغتهم باسم الشاباتي. كلُّ ما عُر فَ عن الأمر هو أنّ رسولً ظهر، وأعطى الفطيرة زعيم إحدى القرى، وطلب منه أن يرسلها إلى القرية التالية وهكذا؛ بحيث انتقلت بهذه الطريقة من مكان إلى آخر. نظرت الغالبية إلى الأمر على أنه إشارة إنذار وتحضير، بغية إعلام الشعب بأن شيئًا خطيرًا على وشك الوقوع، وحثّهم على الاستعداد له. ثمة من رجالات السلطة من رأى أنَ الشاباتي هو رمز قوت الشعب، وأنّ نقله وتداوله قُصِدَ منه التحذير والتأثير في الشعب بالإشارة إلى أنّ وسيلة بقائهم سوف تؤخذ منهم، وإعلامهم، إذًا، بأن يجتمعوا معًا يدًا واحدة. وثمة آخرون سخروا من فكرة إشارة الإنذار هذه، ولم يروا في الأمر أكثر من خرافة من الخرافات الشائعة في البلد. وقيل إنّ من المعهود بالنسبة إلى الهندوسي الذي يتفشّ المرض في أسرته أن يبدأ بنقل الشاباتي على هذا النحو لقناعته بأنه يزيل المرض. واعتقد آخرون أنّ الغرض من تداول الشاباتي هو أمر آخر، وأنّ فيها مسحوق عظام، وأنّ الإنكليز قد لجأوا إلى هذه الطريقة الإضافية في تلويث الشعب وتدنيسه. غير أنّ هذه الحركة، مهما تكن قصتها الحقيقية، كان لها أثر لا شكَّ فيه وهو الإبقاء على إثارة الشعب في النواحي التي عبرها الخبز (المترجم).

إلى خراب، وممتلكاته إلى أسلاب لناهبيها من فقراء المدينة والريف. وبتوقّع الأحداث المسرودة على هذا النحو، ولو ضمنيًا فحسب، يدمّر الخطاب الثانوي إنتروبيّة الأول الذي هو مادته الخام. وبذلك لن يكون في القصّة أيّ شيء يمكن القول إنّه غير متوقَّع نهائيًا. هذا الأثر هو من عمل ما يُدعى "مبدلّات التنظيم"29 التي تساعد الكاتب في فرض زمنيةٍ خاصةٍ به على زمنية موضوعه، أي أنّها تساعده في "أن ينزع التسلسل الزمني في الخيط التاريخي ويستعيد، ولو عن طريق التذكّر والحنين فحسب، زمنًا معقدًا، متغيًّا، وغير خَطيّ... يضفر التسلسل الزمني للموضوع مع التسلسل الزمني للفعل اللغوي الذي يُخبر عنه". ولا يقوم هذا "الضَّفْر" في مثالنا الحالي على مجرد الجَمْعِ بين سياقٍ تذكّري والسلسلة القصيرة التي وردت في تلك الفقرة الصغيرة من رسالة ثورنهيل. ذلك أنَّ المبدلّات تخرق التركيب مرتين لتحشر في الصدع، في المرتين، لحظةً من زمن الكتابة معلّقةً بين قطبي "انتظار"، الأمر الذي يتيح لعب الاستطرادات والتعليقات الجانبية والكتابة بين أقواس والتعرّج في مسار الحكاية بما يزيد من عمقها. هكذا يتأمّل ثورنهيل، وهو ينتظر الأخبار عن تحركات المتمرّدين، هدأة أوائل العشيّة في محطة سادار وينحرف عن روايته ليخبرنا في انتهاك لناموس التأريخ الخاص باستخدام زمن الفعل والضمير أنّ "المشهد كان بسيطًا ومفعمًا بطمأنينة الحياة الشرقية. وغالبًا ما كان يعاود ذاكرتي في الأزمنة التي تلت". كما نجده، ثانيةً، بينما ينتظر حافلةً كي تأخذ الذين تجمّعوا في قاعة استقباله ممن سيتم إجلاؤهم، ينسحب من تلك الليلة المحددة ليعلق ببضع كلمات: "كانت قاعةً جميلة، يغمرها الضوء، وتملؤها الأزهار بهجةً. كانت تلك آخر مرّة أراها فيها، وبقيت مطبوعة في ذاكرتي على ذلك النحو". إلى أيّ مدى يساهم عمل تلك المبدلّات في تصحيح التحيّز الناجم عن تدخل الكاتب بصيغة المتكلّم؟ ليس كثيرًا على ما يبدو. ذلك أنَّ كلّ مؤشّ يُحْشَ في السرد يمثّل اختيارًا مضبوطًا بين طرفي تقابل استبدالي. بين سلطة رئيس المنطقة وتحدّي الجموع المسلحة لهذه السلطة، بين خنوع خدمه المعتاد وتأكيدهم احترام أنفسهم كمتمردين، بين رموز ثروته (مثل الذهب والخيول والأقمشة والمنزل) واستيلاء الحشود التابعة عليها أو تخريبها، لا يكفّ الكاتب الذي لا يكاد يختلف عن المدير الذي كانه قبل سبعة وعشرين عامًا، عن اختيار الأطراف الأولى. ولا يفعل الحنين غير أنّه يجعل الاختيار أشدّ بلاغةً، متذكّرًا ما يُعدُّ "ممتازًا"، مثل أمسية هادئة أو غرفة أنيقة، في تشديدٍ على ما يقابل الجوانب "المريعة" للعنف الشعبيّ الموجَّه ضد الرّاج. من الواضح تمامًا أنَّ ثمّة منطقًا في هذا الاختيار، وهو يتجلّ بنقض سلسلة من المقابلات التي تجتمع مع إشارات أخرى من رتبتها لتشكّل سنّة التمرّد. هكذا يمتثل نسق اختيار المؤرّخ، المتطابق مع نسق اختيار الحاكم، لسنّة مضادة، سنّة مكافحة التمرد.

VII

إذا كان ما يحدثه أثر الحياد الناجم عن الماضي المطلق يفشل على هذا النحو في أن يطغى على ذاتيّة البطل بوصفه ساردًا في هذا الجنس المحدد من الخطاب الثانوي، فما هو حال توازن زمن الفعل والضمير في نوع الكتابة الآخر ضمن الصنف ذاته؟ يمكن أن نرى لغتين مميّزتين تفعلان فعلهما هنا، وتتوافقان كلتاهما مع موقف الاستعمار على الرغم من اختلافهما في الإفصاح عن ذلك. يمثّل كتاب ج. ك. برايس تمرّد شوار 1799 النوع الأشدّ فجاجة على هذا الصعيد. ولم يكتبه صاحبه الذي كان موظفًا

  1. نجد عرض رومان جاكوبسون لهذا المفهوم الأساس في: Roman, Selected Writings, 2: Word and Language (The Hague and Paris: 1971), pp. 130 – 47. يطور بارت فكرة مبدلّات التنظيم Shifters Organization في مقالته: "Historical Discourse", pp. 146 – 8. وجميع المقتطفات في هذه الفقرة مأخوذة من تلك المقالة ما لم يُشَ إلى خلاف ذلك.

معنيًا بالتسويات المالية في ميدنابور، إلا عام 1874، بعد مرور سنوات طويلة على الحدث، متوخّيًا له بوضوح أن يكون رواية تاريخية من دون أي غاية إدارية محددة. وقد وجهه إلى "القارئ العادي" وإلى أي "محصّل مستقبليّ في ميدنابور"، آملً مشاركتهما "ذلك الاهتمام البالغ الذي شعرت به وأنا أقرأ سجلات ميدنابور القديمة"30. لكن يبدو أنَّ "البهجة التي... عيشت في الانكباب على هذه الأوراق" أنتجت نصًّا لا يكاد يمكن تمييزه من الخطاب الأولي الذي استخدمه كمصدر له. فهذا الأخير واضحٌ، أولً، بحضوره المادي المحض. فحوالى الخمس من نصف الكتاب الذي يُعنى تحديدًا بحوادث عام 1799 مؤلَّف من اقتباسات مباشرة من تلك السجلات ومن جزء كبير آخر من المقتطفات المعدّلة تعديلً طفيفًا. لكن الأهمّ بالنسبة إلينا هو ما نملكه من دليل على مماهاة الكاتب عواطفه مع عواطف تلك الجماعة الصغيرة من البيض التي كانت تحصد العاصفة التي أحدثها تغيّ هدّام عنيف بذرت بذوره حكومة الشركة31 في الركن الشمالي الغربي من البنغال. وحده خوف الموظفين المحاصرين في محطة ميدنابور عام 1799 تحول بعد خمسة وسبعين عامًا إلى تلك الكراهية الإباديّة المميّزة لنوع من الكتابة البريطانية التالية للتمرد الهندي. يقول برايس معيًّا أبناء جلدته: "إن إعراض السلطات، مدنيّة وعسكرية، عن المبادرة شخصيًا إلى المساعدة في قمع الاضطرابات لافتٌ تمامًا". ثم يقول متبجحًا: "في أيام المدافع هذه يكفي نصف دستة من الأوروبيين كي يضاهوا عشرين ضعفًا من عدد الأوروبيين الذين كانوا في شوار. من المؤكَّد أنّه مع رداءة أسلحة تلك الأيام ما كان يمكن أن أنتظر من الأوروبيين أن يزجّوا أنفسهم في المخاطر من دون جدوى، لكن كان يجب أن أنتظر من موظفي المحطة الأوروبيين أن يخاطروا في بعض الحالات على الأقل ويواجهوا الهجوم بأنفسهم ويصدّوا المعتدين. وأنا أستغرب أنّه ما من موظف أوروبي، مدني أو عسكري، ربما باستثناء الملازم جِلْ، امتلك ذلك الإحساس بالحماسة المتهللة الذي يمتلكه معظم شباب اليوم في ميادين الرياضة، أو في أيّ مسعى يحيق به عامل من عوامل الخطر. أعتقد أن معظمنا، لو عاش في عام 1799، لعددنا اصطياد غازٍ من غزاة شوار الذين تفوح منهم رائحة الدم والأسلاب؛ رياضةً أفضل من اصطياد أكبر دبّ يمكن أن تنجبه أدغال ميدنابور"32. من الواضح تمامًا أنَّ انفصال الكاتب عن موضوعه، والفارق بين زمن الحدث وزمن سرده؛ لم يفعلا هنا إلا القليل في إلهام الكاتب الموضوعية. وجليٌّ أنَّ هواه من المرتبة ذاتها التي لهوى الجندي البريطاني الذي كتب عشية نهب دلهي في عام 1857: "إنني على ثقة بأنَّ الأمر الذي سيُعطَى حين نهاجم دلهي هو [...] 'اقتلوهم جميعًا؛ بلا رحمة"'33. فلا خلاف في هذا المثال بين موقف المؤرّخ من المتمردين وموقف الدولة: موقف الصيّاد من طريدته. وعدّ المرء متمردًا على هذا النحو ليس مسألة فهم أو تفسير بل مسألة إبادة، وخطاب التاريخ، بدل أن يكون حياديًا، يعمل مباشرةً على استثارة العنف الرسمي. كان هناك، في المقابل، كتّاب آخرون عملوا ضمن النوع ذاته، واشتهروا بأنهم عبّوا عن أنفسهم بلغة أقلّ دموية. ولعل أفضل من يمثّل هؤلاء؛ و. و. هنتر، وعمله الذي يتناول عصيان السانتال في عام 1855، حوليات الريف البنغالي. وهذا نصّ بارز من نواحٍ عديدة. وقد كُتِب بعد مرور عقد على التمرّد الهندي و 12 عامًا على العصيان34، ولا يحمل أيّ قدر من تلك النبرة الانتقامية

  1. Price, op. cit., p. clx.
  2. المقصود، بالطبع، شركة الهند الشرقية البريطانية بدورها الاقتصادي والسياسي والثقافي الذي أدّتْه في الهند، وبات أشهر من أن يُعرَّف (المترجم)
  3. Ibid.
  4. Reginald C. Wilberforce, An Unrecorded Chapter of the Indian Mutiny, 2 nd edition (London: 1894), pp. 76 – 77.
  5. يبدو من هامشٍ في هذا العمل أنَّ أجزاءً منه كُتبت في عام 1866. ويحمل الإهداء تاريخ 4 آذار/ مارس 1868. وجميع إحالاتنا إلى هذا العمل في الاقتباس وسواه هي إلى الفصل IV من الطبعة السابعة (لندن، 1897)، ما لم يُشَ إلى خلاف ذلك.

أو العنصرية الشائعة في كمّ كبير من الأدبيات الإنكلو-هندية لتلك الفترة. وهو لا يكتفي بأخذ أعداء الراج في الحسبان، بل يبدي احترامًا لهم على الرغم من مسحهم الراج من ثلاث مناطق شرقية في غضون أسابيع، وصمودهم فيها خمسة أشهر أمام القوة المشتركة للجيش الاستعماري ومرافقه الجديدة؛ السكك الحديدية و"التلغراف الكهربائي". وهو واحدٌ من أولى التجارب الحديثة في تأريخ التمردات الفلاحية الهندية، يضع الانتفاضة في سياق ثقافي واقتصادي اجتماعي، ويحلل أسبابها، ويعتمد على السجلات المحلية والروايات المعاصرة في إيجاده الأدلة على تقدمها وقمعها في النهاية. ويبدو، وفق المظاهر كلها، أننا هنا أمام مثال كلاسيكي على انحلال تحيّز الكاتب ورأيه بفعل الزمن الماضي وضمير الغائب. ولعلّ الخطاب التاريخي قد تحقق هنا وبلغ ذلك المثل الأعلى من "أسلوب السرد... المتجرد عما هو شخصيّ... المُصمَّم لمحو حضور المتكلّم"35. لكن مظهر الموضوعية هذا، مظهر غياب أيّ تحيّز يمكن إثباته وجلاؤه، لا علاقة له ب "وقائع تتحدث عن ذاتها" في حالٍ من الكناية الصرفة التي لا يشوبها أيّ تعليق. ذلك أنّ النصّ، على عكس ذلك، يعجّ بالتعليق. وربما كان علينا أن نقارنه بشيء مثل المقالة المعاصرة له تقريبًا، والتي نُشَِت في (1856 Calcutta Review)، حول الموضوع ذاته أو حتى بتاريخ العصيان الذي كتبه ك. ك. داتا بعد إخماده بوقت طويل، كي ندرك مدى خلوّه من تفاصيل ما حدث بالفعل36. والحالُ أنَّ سرد الحدث يشغل في الكتاب نحو 7 في المئة من الفصل الذي يُبنى على نحو متصاعد باتجاه هذه الذروة، ونحو أقلّ من 50 في المئة من الكلام المكرّس لهذا الموضوع على وجه التحديد في الفصل ذاته. فالتركيب تقطعه مرّة بعد مرّة ضروب من الرَّنَح الجزئي وتفسيرات تتخلله لتجمع الشذرات في كلّ ذي معنى وذي طابع استعاريّ غالب. والعاقبة الأوثق صلة بغرضنا هنا بين عواقب هذه العملية؛ هي الطريقة التي توزّع بها العناصر الاستبدالية المتعالقة على طول محور من الاستمرار التاريخي بين "قبل" و"بعد"، فتطيله بوضعه في سياق، وتوسّعه بحيث يشكّل منظورًا. هكذا ينتهي تمثيل التمرّد إلى إقحام لحظته بين ماضيه ومستقبله، بحيث تندمج قيم هذا وذاك في الحدث وتمنحه معناه الخاص.

VIII

لنلتفت بدايةً إلى السياق، فنحو ثلثي الفصل الذي يبلغ ذروته في تاريخ العصيان مستغر قٌ في روايةٍ افتتاحية عمّا يمكن أن ندعوه التاريخ الطبيعي لأبطاله. ومثل مقالة في الإثنوغرافيا، يتناول هذا الجزء الصفات الجسدية للسانتال في منطقة بربوم، ولغتهم وتقاليدهم وأساطيرهم وديانتهم وشعائرهم وموطنهم وبيئتهم وممارستهم الصيد والزراعة، وتنظيمهم الاجتماعي وحكمهم الجماعي. ثمة تفاصيل كثيرة تشير إلى الصراع القادم بوصفه صراعَ نقائض، كالذي بين همجي المرتفعات النبيل ومستغلّ السهول الحقراء؛ فالإشارة إلى كرامته الشخصية ("لا يذلّ نفسه كهنود الريف"، ونساء السانتال "يجهلن ما لدى الأنثى الهندية من تضاؤل الأنفَة"... إلخ) تنطوي على نقيض هو حطّ المرابين الهنود من شأنه وصولً إلى الاسترقاق، وتنطوي الإشارة إلى أمانته ("فهو بخلاف الهندي لا يفكر البتّة بجني المال من غريب، ويتجنّب جميع ضروب التجارة والأعمال، ويسيئه أن يضطر إلى بيع الحليب والفاكهة التي تنتجها زوجته")، على نقيضٍ هو جشع التجار الغرباء والملّك واحتيالهم؛ ما أدّى في النهاية إلى العصيان، وتنطوي الإشارة

  1. Barthes, Image-Music-Text , p. 112.
  2. Anon, 'The Sonthal Rebellion', Calcutta Review (1856), pp. 223 – 264 ; K.K. Datta, "The Santal Insurrection of 1855 – 1857 , " in: Anti-British Plots and Movements before 1857 (Meerut: 1970), pp. 43 – 152.

إلى تحفّظه ("يعيش السانتال أبعد ما يمكنهم عن الهنود")، على نقيضٍ هو اقتحام الديكو37 حياته وأرضه، وما تلا ذلك من محرقة حتميّة. لا تعطي هذه المؤشّات العصيان بُعدًا أخلاقيًا وقيمَ حربٍ عادلةٍ فحسب، بل تعطيه عمقًا في الزمن أيضًا. ويتحقق هذا الأمر الأخير بفعل واسمات زمنية تعاقبية في النص: ماضٍ خيالي تشير إليه أساطير الخلق (التي يجري تملّكها من أجل مشروع أمر به الثاكور39)، وماضٍ واقعي لكنه بعيد (ملائم لتمرّد غارقٍ في التقاليد)؛ تشير إليه نثرات من ما قبل التاريخ في الشعيرة والخطبة في الطقس الذي يمارسه السانتال ل "تطهير الموتى"، ويُذكَر، مثلً، بوصفه أثرًا ل "ذكرى باهتة من الزمن السحيق أيام كانوا يقطنون قرب أنهار عظيمة"، ولغتهم بوصفها "ذلك السجل المعنوي الذي حُفر عليه ماضي أمّة بأعمق مما هو محفور على ألواح النحاس أو منقوش على الصخور". مع اقتراب الكاتب من الحدث مزيدًا من الاقتراب، يزوّده بماضٍ حديث العهد يكاد يغطي فترة ستين سنة من "الإدارة المباشرة" في المنطقة. وهنا تمتزج الجوانب الأخلاقية والزمنيّة للسرد على هيئة تناقض لا سبيل إلى تسويته. ثمة من جهة أولى، بحسب هنتر، سلسلة من الإجراءات الناجعة قامت بها الحكومة – التسوية العشريّة40 التي ساهمت في توسيع المنطقة المزروعة ودفعت السانتال، منذ عام 1792، إلى تأجير أنفسهم كعمال زارعيين؛ التسييج، في عام 1832، بأعمدة من الطوب، حيث أمكن احتلال أراضٍ بكر وغابات من دون خشية أذى القبائل المعادية؛ تطور "المشروع الإنكليزي" في البنغال على هيئة مصانع النيلة التي "وفّر لها المهاجرون السانتال عمالها المياومين"؛ وأخيرًا وليس آخرًا، استيعابهم بالآلاف في فرق إنشاء السكك الحديدية عبر المنطقة في عام 1854.- أمّا من الجهة الأخرى فثمّة مجموعتان من العوامل التي تضافرت لتنقض جميع الخير الناجم عن الحكم الاستعماري، أعني استغلال السانتال واضطهادهم لدى ملّك الأرض والمرابين والتجار الهنود الجشعين والمحتالين، وفشل الإدارة المحلية وشرطتها ومحاكمها في حماية السونتال أو تدارك المظالم التي عانوها.

IX

يخدم هذا التشديد على التناقض، غرضًا تفسيريًا واضحًا لدى الكاتب؛ فهو يمكّنه من أن يجعل سبب الانتفاضة فشل الراج في أن يعلي كعب الجوانب التحسينية على جوانب الخلل والعيوب المتواصلة في ممارسته السلطة. هكذا تلُاءَم رواية الحدث مباشرةً مع الهدف المذكور في بداية الفصل؛ وهو إثارة اهتمام رجل الدولة أيضًا وليس الباحث الذي يدرس "هذه الأعراق المتقادمة" فحسب. وقد كتب هنتر هناك في إشارة ملطّفة إلى صنّاع السياسة البريطانية في الهند: "سوف يكتشف رجل الدولة الهندي أنَّ أبناء الغابة هؤلاء [...] يَعْنُون لمفاعيل الإصلاح ذاتها التي يعنو لها بقية البشر، وأنَّ توسّع المشروع الإنكليزي في البنغال مستقبلً يتوقف إلى حدّ بعيد على قدرتهم على التحضر". وهذا الانشغال ب "الإصلاح" (وهو التعبير المختصر عن تسريع تحوّل الفلاحين القبليين إلى عمال

  1. الديكو Diku، تعبير له معنى تحقيري أطلقه السانتال على مجموعة من المستغلين، مثل المرابين والراجات وملاك الأرض وخدمهم. وقد يُستخدم بمعنى عام أكثر حيادية ليشير إلى أي أجنبي ليس من السكان المحليين (المترجم.) 38 انظر الملحق (المترجم).
  2. التسوية العشرية Settlement Decennial The، اتفاق مر بمراحل متعددة وانتهى في عام 1793 إلى ما دُعي بالتسوية الدائمة Settlement Permanent The، بين شركة الهند الشرقية وملّك الأرض البنغال؛ يقضي بتثبيت ريع الأرض والحيلولة دون ارتفاعه؛ الأمر الذي كانت له عواقبه بعيدة المدى في الطرائق الزراعية والإنتاج والوقائع الاجتماعية والسياسية (المترجم).

مأجورين وتسخيرهم في مشاريع استعمارية ترمي إلى استغلال الموارد الهندية) هو ما يفسّ مزيج التشدد و"التفهّم" في موقف هنتر من التمرّد. فهو كإمبريالي ليبرالي، كان يعدّه تهديدًا لاستقرار الراج، ونقدًا مفيدًا لإدارته البعيدة أشدّ البعد عن الكمال في آنٍ معًا. وفي حين أنحى باللائمة على حكومة تلك الأيام لعدم إعلانها الأحكام العرفية بالسرعة الكافية لقطع دابر العصيان في بدايته، كان مهتمًا بأن يتمايز عن أبناء جلدته ممن أرادو معاقبة جماعة السانتال برمتها على جرائم المتمردين منهم، وترحيل سكان المناطق المعنية بأكملهم إلى ما وراء البحار. وهو كإمبريالي حقيقي بعيد النظر، كان يتطلع قدُمًا إلى ذلك اليوم الذي تبدي فيه القبيلة، مثل كثير من الشعوب الأصلية في شبه القارة، "قدرتها على التحضّ" بأن تكون موردًا لا ينضب للقوة العاملة الرخيصة. هذه الرؤيا منقوشة في المنظور الذي ينتهي إليه السرد؛ فهو يلقي اللوم في اندلاع العصيان على تلك "الإدارة الرخيصة والذرائعية" التي لم تلتفت قطّ إلى شكاوى السانتال، وركّزت على جمع الضرائب فحسب، ويواصل فيعدّد المنافع الوهمية "للنظام المُحْكَم الذي أُدْخِل بعد التمرد"؛ بغية إبقاء سلطة المرابين على المستدينين ضمن حدود القانون، وردع استخدام المكاييل والمقاييس الزائفة في تجارة التجزئة، وضمان حقّ العمال الذين يعملون لردّ الدَّيْن في اختيار تحررهم بالفرار أو تغيير أرباب العمل. لكن "المشروع الإنكليزي"، من جديد، وليس الإصلاح الإداري، هو الذي ساهم تلك المساهمة الجذرية في رفاه القبيلة. فالسكّة الحديدية "غيّت تمامًا علاقة العمل برأس المال" وأطاحت ذلك "السبب الطبيعي للعبودية؛ أي غياب مخصصات لأجور العمال الأحرار". كذلك قُدِّرَ للحاجة إلى العمل الزراعي في مناطق زراعة الشاي في أسّام "أن تدفع أوضاع السانتال إلى مزيد من التحسّن" شأنها شأن الدافع إلى التعاقد مع عمال غير مهرة في موريشيوس والكاريبي. هكذا انتعش الفلاح القبليّ، بفضل تطور سوق عمل شاسع في شبه القارّة وما وراء البحار ضمن الإمبراطورية البريطانية. وفي مزارع الشاي في أسّام "حصل جميع أفراد عائلة الفلاح على عمل، وأصبح كل طفل جديد مصدرًا للثروة لا لزيادة الفقر"، في حين كان العمال غير المهرة يعودون من أفريقيا أو جزر الإنديز الغربية "عند انتهاء عقودهم بمدخرات يصل متوسطها إلى 20 جنيهًا إسترلينيًا، وهو مبلغ يمكّن السانتال من أن يغدو صاحب ملكية معتبرة في قريته". كان كثير من هذه التحسينات المزعومة، كما نعلم الآن بعد مرور قرن، نتاج تفكير رغبوي محض أو عابر لم يُثِ أيّ اهتمام. وقد استمر الربا والعمل لردّ الدين طوال الحكم البريطاني حتى استقلال الهند، وكان غياب التنافس بين رأس المال البريطاني ورأس المال المحلي يحدّ من حرية سوق العمل إلى درجة خطرة. وغدا تشغيل العوائل القبلية في مزارع الشاي مصدرًا لاستغلال عمل النساء والأطفال الأناني والنفعي. وأطاحت مزايا الترقي والتعاقد المخالفاتِ في عملية التوظيف، وتلاعب مورّدي العمال بعاملي التبعية الاقتصادية والتمايز الاجتماعي المتعارضين، ولم يساعد نظام التعاقد في التحرير من عمل السخرة بقدر ما ساعد في تطور ضرب جديد من ضروبها. لكن هذه الرؤيا التي لم تتجسّد قطّ تعطي فكرة عن طابع هذا النمط من الخطاب، ويكاد المنظور الذي ألهمته أن يكون في الحقيقة شهادة إيمان بالاستعمار. ثمة احتواء للعصيان في مسيرة نجاح الرّاج واحتواء لمشروع الفلاحين القبليين الرامي إلى تحرير أنفسهم من النير المثلث؛ السركاري والسهوكاري والزمينداري41، في "المشروع الإنكليزي": البنية التحتية للإمبراطورية. ومن هنا تكرار الهدف المذكور في بداية الرواية حوالى نهايتها مع قول الكاتب إنّه كتب "جزئيًا على الأقل من أجل ذلك التثقيف الذي يوفّره تاريخهم]السانتال[الحديث في شأن الطريقة الصحيحة للتعامل مع الأعراق الأصلية". وكان قمع التمردات الفلاحية المحلية جزءًا من هذه الطريقة، لكنه أُدمج الآن في إستراتيجية أوسع مصمَّمة لمعالجة المشكلات الاقتصادية التي تعانيها الحكومة البريطانية

  1. الحكومة الاستعمارية والمرابين والإقطاع (المترجم.)

في الهند، بوصفها عنصرًا من عناصر المشكلات العالمية للسياسات الإمبريالية. يقول هنتر في ختام الفصل: "هذه هي المشكلات التي سيُدعى رجال الدولة الهنود إلى حلّها خلال الخمسين سنة القادمة؛ فأسلافهم أعطوا الحضارة للهند، ومن واجبهم أن يجعلوا تلك الحضارة نافعةً للمحليين وآمنةً بالنسبة إلينا في آنٍ معًا". بعبارة أخرى؛ لقد أُسْنِدَ لهذا التأريخ دور في عملية سياسية تضمن أمن الراج من خلال تضافر القوة التي تسحق التمرّد حال حدوثه والإصلاح الذي يُجهض هذا التمرد، بانتزاع الفلاحين القبليين من قواعدهم الريفية ونشرهم كقوى عاملة رخيصة، يستغلها رأس المال البريطاني في الهند والخارج. هكذا نجد نثر مكافحة التمرد العدواني والمهتاج صراحةً، والذي كان وليد قلق الأيام الاستعمارية الأولى، وقد عكف في هذا النوع من الكتابة التاريخية على تبني لغةٍ إمبرياليةٍ ناضجة وواثقة، لغة صارمة لكنها حميدة، وسلطوية لكنها متفهّمة.

X

كيف يمكن حتى هذا النمط من الخطاب الثانوي الأشدّ ليبرالية أن يكون عاجزًا على هذا النحو عن التخلّص من سنّة مكافحة التمرد؟ فعلى الرغم من جميع المزايا التي يتمتع بها إذ يكتب بضمير الغائب ويتناول ماضيًا مميزًا، فإنَّ المسؤول الذي بات مؤرّخًا لا يزال بعيدًا من عدم التحيّز، حين يتعلّق الأمر بالمصالح الرسمية. وما يبديه من تعاطف مع معاناة الفلاحين، ومن تفهّم لما دفعهم إلى التمرد؛ لا يمنعه، ساعة التأزّم والحسم، من الوقوف في صفّ القانون والنظام، وتبرير نقل حملة مكافحة العصيان من أيدي المدنيين إلى أيدي العسكريين، بهدف سحقه تمامًا وسريعًا. وكما أشرنا أعلاه، فإنَّ انحيازه إلى ما أسفر عنه التمرّد يضاهيه التزامه أهداف النظام ومصالحه. وبهذا ينتهي خطاب التاريخ إلى امتصاص مشاغل السياسة وأغراضها فلا يكاد يمكن التمييز بينه وبينها. يكشف التأريخ، بألفته هذه مع السياسة، عن طابعه بوصفه شكلً من أشكال المعرفة الاستعمارية. وهذا يعني أنّه ينهل مباشرةً من تلك المعرفة التي استخدمتها البورجوازية في فترة صعودها لتفسير العالم؛ بغية التسيّد عليه وتأسيس هيمنتها على المجتمعات الغربية، لكنها تحولت إلى أداة قمع قومي ما إن راح يتحقق لها ما أرادت. هكذا قُيِّض للعلوم السياسية التي كانت قد وضعت للدول القومية الأوروبية التعريف الأمثل للمواطنة، أن تُستخدَم في الهند المستعمَرة لإقامة مؤسسات وقوانين مصممة خصيصًا لتوليد مواطَنة مُخفَّفة ومن الدرجة الثانية. أمّا الاقتصاد السياسي الذي تطوّر في أوروبا بوصفه نقدًا للإقطاعية، فراح يعزز في الهند إقطاعية جديدة. وكذلك تكيّف التأريخ مع علاقات القوة في ظلّ الرّاج وراح يُسخَّر أكثر فأكثر لخدمة الدولة. تقف هذه الصلة وقدر كبير من موهبة تدعيمها وراء صوغ الكتابة التاريخية عن مواضيع المرحلة الاستعمارية في خطاب له سنّته الرفيعة. وإذ عملت هذه الكتابة التاريخية في إطارِ تأكيدٍ متعدد الجوانب للحكم البريطاني في شبه القارّة، اضطلعت بوظيفة تمثيل الماضي القريب لشعوب تلك المنطقة بوصفه "عمل بريطانيا في الهند". ولأنّها خطاب قوة هي نفسها راحت تعرض كل لحظة من لحظاتها بوصفها انتصارًا، أي بوصفها الثمرة الأفضل لعدد من إمكانات النظام المتضاربة في أي وقت محدد. ولذلك تبرز الاستمرارية، في الشكل الناضج لهذه الكتابة التاريخية، كما في حولياتهنتر، كواحد من جوانبها الضرورية والرئيسة. وبخلاف الخطاب الأولي، فإنّ هذه الكتابة التاريخية لا تحتمل أن تكون مختزلة ومن دون نتيجة. ولا يشكّل الحدث محتواها الوحيد، بل هو الحدّ الأوسط بين بداية تعمل كسياق للنص، ونهاية هي في الوقت ذاته منظور مرتبط بالسلسلة التالية. والعنصر الوحيد الثابت في هذه التسلسل المتواصل هو الإمبراطورية والسياسات اللازمة لحمايتها وإدامتها.

هذه هي السنّة التي يعمل هنتر ضمنها فيكتب تاريخ صراع شعبي على نحو لا تكون الذات الفعلية فيه هي الشعب، بل "العرق الحاكم" المتمأسس في الرّاج، وذلك على الرغم من نيّته الحسنة التي أعلن عنها بكلّ جدّية في الإهداء ("هذه الصفحات [...] لا تقول سوى القليل في ما يخصّ العرق الحاكم. ما يشغلني هو الشعب"). ومثل أي سرد آخر من هذا النوع، فإنّ رواية هنتر عن العصيان كُتبَت أيضًا كي تحتفي بالاستمراريّة: استمرارية السلطة البريطانية في الهند. فقد تطرّق إلى حكاية تمرّد السانتال كي يدعم فكرة النفوذ البريطاني في الهند. وليس الكلام على الأسباب والإصلاحات أكثر من مقتضىً بنيوي من مقتضيات هذا الاستمرار، يزوّده بالسياق والمنظور على التوالي. وهذا ما يعمل ببراعة على تسجيل الحدث بوصفه معطى أو معلومة في قصة حياة الإمبراطورية، لكنه لا يقوم بأي شيء من شأنه أن يلقي الضوء على ذلك الوعي المُسمَّى التمرّد. ليس للمتمرّد أيّ مكان في هذا التاريخ بوصفه ذات التمرّد.

XI

ليس في الخطاب الثالثي من شيء يتدارك هذا الغياب. إنّه، وقد ابتعد في الزمن أشد الابتعاد من الحوادث التي يتّخذها موضوعًا له، لا يني ينظر إليها بضمير الغائب. وهو في أغلب الحالات عمل الكتّاب غير الموظّفين أو الموظفين السابقين الذين لم يعد ثمة واجب مهني أو قيد يضطرهم إلى أن يمثّلوا موقف الحكومة. وإذا ما حدث أن عبّ عن وجهة نظر رسمية بأي حال من الأحوال، فليس ذلك إلا لأنَّ الكاتب اختار ذلك بإرادته، وليس لأنَّ ولاءً أو إخلاصًا ما نابعَيْ من انخراطه الإداري، فرضا عليه أن يفعل ذلك. وثمة في الواقع بعض الأعمال التاريخية تبدي مثل هذا الميل بالفعل، وتعجز عن الكلام بغير صوت حُماة القانون والنظام، وهي بذلك تشكّل مثالً على خطاب ثالثيّ تدهور إلى ما يميّز الخطاب الأوليّ من حالة التماهي الفجّ مع النظام. لكن هناك لغات أخرى مختلفة إلى حدّ بعيد ضمن هذا الجنس تتراوح من الليبرالية إلى اليسار. ويتّسم هذا الأخير بأهمية خاصة لأنه قد يكون المنوَّع الأكثر نفوذًا ووفرةً بين منوّعات الخطاب الثالثي الكثيرة. ونحن ندين له ببعضٍ من أفضل الدراسات حول تمرّد الفلاحين الهنود؛ إذ يتزايد ظهور مثل هذه الدراسات دليلً على تنامي الاهتمام الأكاديمي بالموضوع، وعلى صلة حركات الماضي التابعة بالتوترات المعاصرة في هذا الجزء من العالم. وتتميّز هذه الأدبيات بما تبذله من جهد للقطع مع سنّة مكافحة التمرّد. وهي تتبنى وجهة نظر المتمرّد وتعدّ "ممتازًا" ما يعدّه الطرف الآخر "مريعًا" لديه، والعكس بالعكس. وهي لا تترك مجالً للشك في أنّها ترغب في أن يفوز المتمردون لا أعداؤهم. وبخلاف ما نجده في الخطاب الثانوي من النمط الإمبريالي الليبرالي، فإنّ إدراك الأخطاء المرتكبة بحقّ الفلاحين يفضي مباشرةً إلى دعم كفاحهم المسلح طلبًا لإصلاح الضرر. لكنّ هذين النمطين، على الرغم من اختلاف أحدهما الشديد عن الآخر وتعارضه معه في التوجه الأيديولوجي، يبقى بينهما الكثير مما هو مشترك. خذوا، مثلً، تلك المساهمة البارزة التي ساهم بها البحث الراديكالي، عمل سوبراكاش راي Bharater Krishak-Bidroha O Ganatantrik Samgram42، وقارنوا روايتها عن انتفاضة السانتال في عام 1855 مع رواية هنتر. يتصادى النصّان أحدهما مع الآخر بوصفهما سردين. ولأنّ عمل راي هو العمل اللاحق؛ فقد أفاد تمامًا من الأبحاث الأحدث عهدًا، مثل بحث داتّا، وكان أكثر اطلّاعًا. لكن كثيرًا مما يقوله عن اندلاع العصيان وتطوره مستمد – بل مقتبس مباشرةً، في الحقيقة - من

  1. Vol. I (Calcutta: 1966), chapter 13.

حولياتهنتر43. ويعتمد الكاتبان كلاهما على المقالة في Calcutta Review) 1856 (في كثير من أدلتهما. ولذلك لا يختلف سوى القليل في وصف هذا الحدث المحدد بين النمطين الثانوي والثالثي من أنماط الخطاب. ليس هناك أيضًا كبير تمايز بين الاثنين في ما يتعلق بإعجابهما بشجاعة المتمردين واشمئزازهما من عمليات الإبادة التي ارتكبتها قوات مكافحة التمرد. والحال أنَّ راي يسهب، بصدد هذين الأمرين، في استنساخ شهادة هنتر التي جمعها مباشرةً من ضباط شاركوا في الحملة، ومفادها أنّ السانتال "لا يعرفون معنى الاستسلام"، أمّا بالنسبة إلى الجيش "فلم يكن الأمر أمر حرب... بل أمر إعدام"44. والتعاطف الواضح مع أعداء الراج في الخطاب الثالثي الراديكالي يضاهي تمامًا ذلك التعاطف الذي نجده في الخطاب الثانوي الاستعماري. والحال أنَّ العصيان كان، بالنسبة إلى كليهما، كفاحًا عادلً لا نزاع فيه، وهذا تقويم مستمد من توافقهما على العوامل التي أدت إلى نشوبه. وقد ذُكرت جميع تلك العوامل بالقدر ذاته من الإبراز في كلا الروايتين: فجور ملّك الأرض، وابتزاز المرابين، وغشّ التجار، وارتشاء الشرطة، واستهتار المسؤولين، وانحياز القانون. واعتمد المؤرخان كلاهما على الأدلة الواردة حول هذا الموضوع في مقالة Calcutta Review، ويتكل راي على هنتر أشدّ الاتكال من جديد في قدر كبير من معلوماته عن مديونية السانتال وعبودية الدين، وعن ظلم المرابين وملّك الأرض وتغاضي الإدارة عن كلّ ذلك؛ الأمر الذي تشهد عليه المقتطفات المقتبسة بتصرف من عمل الأخير45. لكنَّ الكاتبين كليهما يستخدمان السببيّة لتطوير منظورين مختلفين تمام الاختلاف؛ فبيان الأسباب يؤدي في رواية هنتر الدور ذاته الذي يؤديه في أي سردية أخرى من سرديات النمط الثانوي؛ دور الجانب الأساس من جوانب خطاب مكافحة التمرد. وتنتمي حولياتهنتر بهذا الصدد إلى تقليد في التأريخ الاستعماري تمثّل له، في ما يتعلّق بهذا الحدث المحدد، تلك المقالة العنصرية والثأرية؛ "تمرّد السانتال". فهناك يعمد الموظّف المطّلع إنما المتشدد إلى عزو الانتفاضة، مثل هنتر، إلى احتيال البانيا46 وصفقات المهاجاني47واستبداد الزميندار وعجز الساركاري. وبالروحية ذاتها تقريبًا، يفسّ عمل ثورنهيل، مغامرات حاكم وتجاربه الشخصية، انتفاضات الريف في فترة التمرّد الهندي في أتار براديش بانهيار العلاقات الزراعية التقليدية من جرّاء مجيء الحكم البريطاني. أمّا أومالي فيجد جذر انتفاضة بابنا عام 1873 في الإيجارات المفرطة التي يفرضها ملّك الأرض، ويجد جذر العصيان الذي شهدته ديكان أيام اضطرابات عام 1875 في استغلال مرابين غرباء لفلاحي الكُنبي في منطقتي بونا وأحمدناجار48. ويمكن أن نضيف إلى هذه القائمة كثيرًا من الحوادث والنصوص الأخرى. وخير تمثيل للروح الموجودة في هذا كلّه هو في المقتطف التالي من نشرة قرارات وزارة العدل في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1831 بخصوص العصيان الذي قاده تيتو مير: "إنَّ الطبيعة الخطرة للاضطرابات الحاصلة مؤخرًا في منطقة باراسيت تجعلها موضوعًا فائق الأهمية، يوجب استقصاء السببالذي أدى إلى حدوثها استقصاءً كاملً، بحيث يمكن فهم الدوافع التي حفزت المتمردين فهمًا صحيحًا واتخاذ الإجراءات اللازمة للحيلولة دون تكرار اضطرابات مماثلة"49. هذا المقتطف

  1. For these, see ibid., pp. 323 , 325 , 327 , 328.
  2. Ibid., p. 337 ; Hunter, op. cit., pp. 247 – 249.
  3. Ray, op. cit., pp. 316 – 319.
  4. البانيا طائفة مهنية من التجار والصيارفة والمرابين وتجار القمح أو التوابل (المترجم.)
  5. المهاجاني هم الصيارفة والتجار (المترجم.)
  6. Anon, pp. 238 – 241 ; Thornhill, pp. 33 – 35 ; L.S.S. O'Malley, Bengal Gazetteers: Pabna (Calcutta: 1923), p. 25 ; Report of the Commission Appointed in India to Inquire into the Causes of the Riots which took place in the year 1875 in the Poona and Ahmednagar Districts of the Bombay Presidency (London: 1878), passim.
  7. BC 54222: JC , 22 November 1831 (no. 91). Emphasis added.

يلخص الأمر. ومعرفة السبب الذي يقف وراء ظاهرة هي خطوة باتجاه السيطرة عليها. و استقصاء سبب اضطرابات الريف وفهمههو عون للإجراءات "اللازمة للحيلولة دون تكرار اضطرابات مماثلة". ومن أجل هذه الغاية، نصح مراسل Calcutta Review) 1856 (بإنزال "الجزاء المناسب"، أي "بوجوب محاصرتهم]السانتال[وملاحقتهم في كلّ مكان [...] ووجوب إرغامهم، بالقوة، إذا لزم الأمر، على العودة إلى دامين إي كوه، وإلى الريف المتروك في بهاجلبور وبربوم، لإعادة بناء القرى المدمّرة، واستصلاح الحقول المهجورة وزراعتها، وشقّ الطرقات، وتقديم الخدمات العامة؛ والقيام بذلك تحت المراقبة والحراسة [...] ووجوب استمرار هذا الحال إلى أنّ يهدأوا تمامًا ويعودوا إلى الطاعة"50. وكان البديل الألطف الذي طرحه هنتر، كما رأينا، مزيجًا من الأحكام العرفية لإخمادِ تمردٍ جارٍ، وإجراءات تعقب ذلك يتخذها "المشروع الإنكليزي" بغية استيعاب الفلاحين المنفلتين (كما اقترح مواطنه)، كقوة عمل رخيصة في الزراعة والأشغال العامة لفائدة الديكو ومهندسي السكك الحديدية والطرق، الذين سبق أن حملوا السلاح ضدهم. لكنَّ هاتين الوصفتين الراميتين إلى "جعل [...] التمرّد مستحيلً من خلال ترقية السانتال"51 – بل جميع الحلول الاستعمارية التي جرى التوصّل إليها بالتفسير السببي للانتفاضات الفلاحية - تبقى، على الرغم من اختلاف النبرة، حَبًّا في طاحونِ تأريخٍ التزم احتواءهم في مصير الإمبراطورية البريطانية المتعالي.

XII

في رواية راي تعمل السببية على دفع العصيان إلى نوع آخر مختلف من المصير. لكن هذه الرواية تخطو الخطوات ذاتها التي تخطوها رواية هنتر (السياق-الحدث- المنظور مرتبةً على طول مُتَّصِلٍ تاريخي) كي تتنهي إلى هناك. وثمة بعض التوازيات الواضحة في الطريقة التي يكتسب بها الحدث سياقًا في العملين. كلاهما يبدآن من ما قبل التاريخ (الذي يتناوله راي باقتضاب يفوق اقتضاب هنتر) ويردفان ذلك بمسح للماضي الأقرب منذ عام 1790، حين احتكت القبيلة لأول مرّة بالنظام. فهناك يكمن سبب العصيان بالنسبة إلى كليهما، لكن مع اختلاف. إذ يرى هنتر أنّ الاضطرابات نشأت في موضع محلي مريض ضمن جسد سليم: فشلُ إدارةِ منطقةٍ في العمل بمقتضى مثُل الراج الناشئة بوصف هذه الإدارة راعية الفلاحين وحاميتهم من طغيان العناصر الشريرة الموجودة ضمن المجتمع المحلي ذاته. أمّا راي فيرى أنّ حضور القوة البريطانية في الهند هو ما دفع السانتال إلى التمرد، ذلك أنّ أعداءهم من ملّك الأرض والمرابين يدينون بسلطتهم بل وبوجودهم إلى الترتيبات الجديدة في ملكية الأرض التي أدخلتها الحكومة الاستعمارية والتطور المتسارع لاقتصاد مالي بتأثير منها. ولذلك كان الانتفاض نقدًا لا للإدارة المحلية فحسب بل للاستعمار ذاته أيضًا. ويستخدم راي في الحقيقة أدلة هنتر كي يصل إلى استنتاج مختلف جدًا، بل مناقض بالفعل: "يثبت هنتر أنّ المسؤولية في بؤس السانتال الفاقع تقع على عاتق النظام الإداري الإنكليزي ككل ومعه الزميندار والمهاجان. ذلك أنّ النظام الإداري الإنكليزي هو من أوجد الزميندار والمهاجان من أجل تلبية حاجته في الاستغلال والحكم، وساعدهم بصورة مباشرة وغير مباشرة بتقديمه الحماية والرعاية"52. ومع هذا التحديد للاستعمار، أي للرّاج كنظام في كلّيته (لا في أي خلل محليّ من ضروب خلله)، بوصفه السبب الرئيس للتمرّد، تكتسب حصيلته قيّمًا مختلفة جذريًا في النصيّن. ففي حين أنَّ هنتر صريح في تفضيله انتصار النظام، نجد أنَّ راي صريح بالقدر ذاته في تفضيله المتمردين. ويتماشى مع كلّ تفضيل من هذين التفضيلين منظور يتعارض بشدة مع المنظور الآخر. فتوطيد الحكم البريطاني

  1. Anon, pp. 263 – 264.
  2. Ibid., p. 263.
  3. Ray, p. 318.

على أساس إصلاح الإدارة هو ما سيَحُول بالنسبة إلى هنتر دون إثارة ثورات فلاحية تنجم عن فشل الإدارة في حماية الأديفاس من المستغلين المحليين، ويحوّلهم بدلً من ذلك إلى قوة عمل وافرة ومتنقلة يستخدمها ملّك الأرض الهنود و"المشروع الإنكليزي" على نحو يسير ومربح. أمّا راي فينظر إلى الحدث بوصفه "طليعة التمرد الكبير" في عام 1857، وحلقة أساسية في صراع طويل للشعب الهندي عمومًا والفلاحين والعمال خصوصًا، ضد المضطهِدين الأجانب والمحليين. يقول راي إنّ عصيان السانتال المسلح أشار إلى سبيل يسلكه الشعب الهندي. "وذلك السبيل المحدد تطور، بفضل التمرد الكبير في عام 1857، إلى مسارٍ واسعٍ لكفاح الهند من أجل الحرية. وهو مسار يمتد إلى القرن العشرين. والفلاحون الهنود ماضون في هذا المسار"53. وإذ يضع الكاتبُ العصيان على هذا النحو ضمن منظور كفاح الجماهير الريفية المتواصل، فإنّه يستند إلى تقليد راسخ في التأريخ الراديكالي كما يبيّ، مثلً، المقتطف التالي من كرّاس حظي بقراءة واسعة في أوساط اليسار السياسي منذ نحو ثلاثين عامًا: "هدأ ضجيج معارك العصيان الفعلية. لكن أصداءها ظلّت تتردد عبر السنين، وتعلو أكثر فأكثر بانضمام مزيد من الفلاحين إلى الكفاح. ذلك البوق الذي دعا السانتال إلى المعركة [...] كان لا بدّ أن يُسمَع في أجزاء أخرى من البلاد وقت إضراب النيلة في عام 1860، وانتفاضة بابنا وبوجرا في عام 1872، وهبّة فلاحي الماراثا في بونا وأحمدناجار في 1875  -  1876. وكان لا بدّ أن يمتزج في النهاية مع مطالبة الفلاحين في أرجاء البلاد باجتثاث ظلم الزميندار والمرابين [...] المجد للسانتال الخالدين الذين [...] أناروا الطريق إلى المعركة! ومنذ ذلك الحين وراية النضال تنتقل من يد إلى يد في طول الهند وعرضها"54. توضح الكلمات الختامية في مقالة كتبها واحدٌ من خبراء الحركة الفلاحية ونشرها الباششِمبانغا براديشيك كريشاك سَبها55عشيّة ذكرى مرور قرن على تمرد السانتال، قوة المثل التي يبديها مثل هذا التفكير الاستيعابي في تاريخ التمرّد الفلاحي: "امتدت ألسنة اللهب التي أطلقها فلاحو تمرد السانتال الشهداء منذ مئة عام إلى مناطق كثيرة في جميع أرجاء الهند. وأمكنت رؤية تلك الألسنة مضطرمةً في تمرّد مزارعي النيلة في البنغال (1860)، وفي انتفاضة رعيّة بابنا وبوجرا (1872)، وانتفاضة فلاحي الماراثا في ديكان (1875  -  1876). هذه النار ذاتها أُضرمت مرّة بعد مرّة في سياق تمردات فلاحي الموبلاه في مالابار. وهي لم تنطفيء بعد، ولا تزال تتقد في قلوب الفلاحين الهنود"56. من الواضح تمامًا أنّ غرض هذا الخطاب الثالثي هو استعادة تاريخ التمرّد من ذلك المتّصِل المصمّم لاحتواء كلّ ثورة فلاحية في "عمل بريطانيا في الهند" وإعطائه موقعًا على طول المحور البديل الخاص بكفاح طويل من أجل الحرية والاشتراكية. لكن هذا الفعل، شأنه شأن التأريخ الاستعماري، يرقى لأن يكون فعل تملّك يقصي المتمرد بوصفه ذات تاريخه الواعية ويدمج هذا الأخير بوصفه عنصر عارضًا في تاريخٍ آخر له ذات أخرى. وكما أنّ الرّاج وليس المتمرد هو الذات الفعلية للخطاب الثانوي، وكما أنَّ البورجوازية الهندية وليس المتمرد هي الذات الفعلية للخطاب الثالثي، في الجنس الذي يتناول تاريخ الصراع من أجل الحرية؛ نجد أنَّ تجريدًا يُدعى "العامل والفلاح"، وهو مثال وليس الشخصية التاريخية الواقعية المتمردة، قد أُحِلَّ محل هذه الأخيرة في ذلك النمط من الأدبيات التي ناقشناها أعلاه.

  1. Ibid., p. 340.
  2. L. Natarajan, Peasant Uprisings in India, 1850 – 1900 (Bombay: 1953), pp. 31 – 32.
  3. الجناح الفلاحي في الحزب الشيوعي الهندي (الماركسي)، (المترجم.)
  4. Abdulla Rasul, Saontal Bidroher Amar Kahini (Calcutta: 1954), p. 24.

لا يعني هذا بالطبع أننا ننكر الأهمية السياسية لمثل هذا التملّك. ذلك أنَّ ما من صراع على السلطة تخوضه الطبقات الصاعدة تاريخيًا في أيّ حقبة إلا ويشتمل على محاولة للفوز بتراث، ومن طبيعة الأشياء أن تطالب الحركات الثورية في الهند، من بين ما تطالب به، بأن يكون تمرّد السانتال في عام 1855 جزءًا من إرثها. لكن مثل هذا التملك، مهما بلغ من نبل سببه وأداته، يُفضي إلى توسّط وعي المؤرّخ وعيَ المتمرّد؛ أي توسط وعيٍ ماضٍ وعيًا مشروطًا بالحاضر. والتشوّه الذي ينجم حتمًا وبالضرورة عن هذه العملية؛ هو من صنع تلك الفجوة بين زمن الحدث وزمن الخطاب التي تبعد التمثيل اللفظي للماضي عن الدقّة في أحسن الحالات. ولأنَّ الخطاب، في هذه الحالة المحددة، هو خطاب عن خواص العقل – عن المواقف والمعتقدات والأفكار... إلخ وليس عن العناصر الخارجية التي يسهل تحديدها ووصفها - فإن مهمة التمثيل تغدو أشدّ تعقيدًا من المعتاد. ليس بيد التأريخ حيلة يزيل بها مثل هذا التشوّه برمته، لأنّ هذا الأخير جزء جوهري منه. لكنه يستطيع أن يعترف بأنَّ هذا التشوّه معطىً يحدد شكل التجربة ذاتها، وأن يكفّ عن زعم أنّه قادر على أن يفهم وعيًا ماضيًا تمام الفهمويعيد تكوينه. عندها، عندها فحسب، يمكن أن تتقلص المسافة بين هذا الأخير وتصوّر المؤرّخ له بما يكفي لبلوغ تقارب وثيق، هو أحسن ما يمكن المرء أن يأمله. فالفجوة على ما هي عليه اليوم بالغة الاتساع إلى درجة أنَّ الخطأ في الأدبيات الموجودة التي تتناول هذا الأمر تجاوز بكثير قابلية الحدّ منها. ويكفي إلقاء نظرة سريعة إلى بعض الخطابات التي تتناول تمرد عام 1855 كي نتأكد من ذلك.

XIII

كان التديّن، بحسب جميع الروايات، أساسيًا في العصيان. وجرى التعبير عن تصور السلطة الذي ألهمه بكلمات وأفعال ذوات طابع دينيّ صريح؛ التقوى وكثير من ما تمّ التعبير عنه بكلمات وأفعال ذوات اعتبارات دينية صريحة. لا نقصد هنا أنَّ السلطة كانت محتوىً غُلِّف بشكلٍ من خارجه يُدعى الدين، بل نقصد أنَّهما كانا مترابطين على نحو لا انفصال فيه، كترابط المدلول والدال الخاص به في لغة ذلك العنف الشامل. ومن هنا كانت نسبة الهبّة إلى أمر سماوي وليس إلى أيّ ظلم بعينه، وإلى أداء الشعائر سواء قبل الانتفاضة (مثل طقوس الاستعطاف درءًا لقيامة الحيّتين البدائيتين لاج ولاجيني، وتوزيع التِل سندور57... إلخ) أم خلالها (مثل تقديس الربّة دورغا، والاستحمام في نهر الغانج... إلخ)، وإلى ولادة أسطورة وحاملها المميّز، وانتشارها، والإشاعة (عن ظهور "ملاك الإبادة" مجسّدًا في هيئة جاموس، وولادة بطل جبّار لامرأة عذراء... إلخ)58. والأدلة واضحة ووافرة حول هذا الأمر، وما لدينا من أقوال الأبطال القادة وأتباعهم يلحّ بالفعل على هذا الجانب من جوانب الصراع، كما هو واضح حتى في المقتطفات القليلة من المادة الأصلية المستنسخة أدناه (في الملحق). باختصار، لا يمكن الكلام على التمرّد في هذه الحالة إلا بوصفه وعيًا دينيًا؛ وبوصفه تعبيرًا شاملً عن اغتراب ذاتي (كي نستعير المصطلح الذي عبّ به ماركس عن جوهر التديّن)؛ يجعل المتمردين ينظرون إلى مشروعهم على أنّه محمول على إرادة غير إرادتهم: "كانو وسيدو مانجي لا يقاتلان. الثاكور سوف يقاتل بنفسه"59. ما مدى صدق الخطاب التاريخي في تمثيل هذا الأمر؟ لقد جرى تعريفه في المراسلات الرسمية في حينه على أنّه حالة "تعصب". كانت قد مرّت على انطلاق التمرّد أشهر ثلاثة ولا يزال يزداد قوةً عندما كتب ج. ر. وارد، المفوض الخاص وواحد من أهم المديرين

  1. زيت الزنجفر ومسحوقه (المترجم.)
  2. الأمثلة أكثر بكثير من أن يمكن إيرادها في مقالة من هذا الحجم، ويمكن القارئَ أن يجد بعض العينات في: Mare Hapram Ko Reak Katha , chapter 79 , in: A. Mitra (ed.), District Handbooks: Bankura (Calcutta: 1953).
  3. الملحق: المقتطف 2.

في منطقة بربوم، إلى مديره في كلكتا بشيء من اليأس: "لا يسعني أن أرد التمرّد في بربوم إلى أيّ شيء سوى التعصب ". واللغة التي يستخدمها في وصف الظاهرة هي لغة نمطية في الارتكاس المصدوم والمتغطرس ثقافيًا، الذي عادةً ما أبداه استعمار القرن التاسع عشر حيال أيّ حركة راديكالية تستلهم عقيدة غير مسيحية بين السكان الخاضعين: "سيق هؤلاء السانتال للالتحاق بالتمرّد بفعل معتقد يعود بوضوح إلى إخوانهم في بهاجلبور، مفاده أنّ إلهًا قديرًا وكائنًا ملهمًا ظهر كمخلّص لطائفتهم، وتحوّل جهلهموخرافتهم بيسر إلى جنون ديني لا يوقفه أيّ شيء"60. ونجد اللغة ذاتها في مقالة Calcutta Review أيضًا. هناك يُعرّف السانتاليّ بأنّه "متديّن بشدّة" ويُعرَّف تمرده بأنه موازٍ لمناسبات تاريخية أخرى "سيطرت فيها روح الخرافة الدينية المتعصبة لتعزز وتدفع قدُمًا نزاعًا مهيّئًا أصلً للانفجار وقائمًا على أسس أخرى"61. لكن الكاتب يحرف هذا التعريف ليجعله مختلفًا كثيرًا عن ذاك المذكور آنفًا. فهناك كان وارد العاجز عن الإحاطة بالأمور، المذعور من انفجار العصيان، وقد أثارته عفوية "جنون ديني لا يوقفه أيّ شيء". وفي المقابل، إنَّ المقالة المكتوبة بعد استعادة النظام ثقته بنفسه - بفضل حملة التفتيش والحرق في مناطق الاضطراب - تفسّ التديّن بأنه ليس إلا خدعة دعائية استخدمها القادة لرفع معنويات المتمردين. وعلى سبيل المثال، تقول المقالة، في إشارة إلى ما انتشر من الشائعات الخلاصية: "لا شكّ أنَّ هذه السخافات كلّها قد سُخِّرَتللحفاظ على شجاعة جموع الرعاع "62. ما من شيء يمكن أن يكون أكثر نخبوية من هذا. إذ يُنظَر إلى المتمردين هنا على أنهم "رعاع" فاقدو العقل والإرادة، يمكن زعماءهم أن يتلاعبوا بهم بكلّ يسر. لكنَّ نخبويةً كهذه ليست سمة من سمات التأريخ الاستعماري وحده؛ فالخطاب الثالثي من النوع الراديكالي يبدي، هو أيضًا، مثل هذا الازدراء لوعي جماهير الفلاحين السياسي حين يتوسطه التديّن. دعونا نلتفت إلى رواية راي ونأخذ مثالً على ذلك؛ فهو يقتبس الأسطر التالية من مقالة Calcutta Review في ترجمةٍ غير سديدة نوعًا ما لكنها لا تزال مفهومة: "كان سيدو وكانو جالسين ليلً في منزلهما، يبتّان في أمور كثيرة... سقطت قصاصة ورق على رأس سيدو، وظهر الثاكور [إله] فجأة وسط ذهول سيدو وكانو؛ كان أشبه برجل أبيض على الرغم من ارتدائه الزيّ المحلي؛ كانت لديه عشرة أصابع في كلّ كفّ من كفّيه؛ وكان يحمل كتابًا أبيض، وكتب فيه؛ وقدّم الكتاب ومعه 20 صفحة [...] إلى الأخوين؛ ثم ارتفع واختفى. سقطت قصاصة ورق أخرى على رأس سيدو، وبعدها أتى رجلان [...] أَوْميَا لهما عن فحوى أمر الثاكور، ثمّ اختفيا هما أيضًا. لكن ظهور الثاكور الجليل لم يقتصر على مرة واحدة؛ ففي كل يوم من أيام الأسبوع على مدى فترة قصيرة كان يعلن عن حضوره لرسوليه المقرّبين [...] على صفحات الكتاب الفضية، وعلى قصاصات الورق البيضاء، كان ثمة كلمات مكتوبة؛ وقد فكّ السانتال المتعلّمون، القادرون على القراءة والتفسير، مغاليق هذه الكلمات لاحقًا؛ لكن معناها كان قد بُيِّ للقائدين أصلً بما فيه الكفاية"63. هذه بالفعل روايةٌ موثوقة، على الرغم من بعض التغيير الطفيف في التفاصيل (وهو أمر لا مناص منه في الفلكلور الحيّ)، عن الرؤى التي يعتقد اثنان من قادة السانتال أنّهم رأوها. وهذا ما تؤكده أقوالهم المستنسخة جزئيًا في الملحق (المقتطفان 3 و 4). وهي، بالمناسبة، لم تكن تصريحات عامة بقصد التأثير على أتباعهما. وبخلاف "ب روَنّة الثاكور" أو "أمر الثاكور" (الملحق: المقتطف 2) الذي قُصِدَ منه تعريف السلطات بوجهات نظرهما قبل الانتفاضة، كانت هذه كلمات الأسرى المحكوم عليهم بالإعدام. ونظرًا إلى كونها تخاطب محققين معادين في معسكرات، لم يكن لها كبير نفع كدعاية. ولأنَّ من نطقوا بها كانوا رجال قبيلة لم يتعلموا الكذب

  1. JP , 8 November 1855: Ward to Government of Bengal, 13 October 1855. Emphasis added.
  2. Anon, p. 243. Emphasis added.
  3. Ibid., p. 246. Emphasis added.
  4. Ibid., pp. 243 – 244. Ray, pp. 321 – 322.

بعد64، بحسب ما تقول جميع الروايات، فقد كانت تمثّل بالنسبة إلى قائليها الحقّ ولا شيء إلا الحقّ. لكن هذا ليس مما يحسبه لهم راي. وما يبدو تلميحًا فقط في Calcutta Review يُرفَع إلى مصاف دعاية محكمة في ملاحظاته التمهيدية على المقطع المقتبس سابقًا. هكذا: "كان سيدو وكانو يعلمان أنّ الشعار (دواني) الأبعد أثرًا لدى السانتال المتخلفينهو الشعار الديني. ولذلك، كي يحثّا السانتال على الكفاح نشرا كلمةً عن أمر الإله بشنّ مثل ذلك الكفاح. وقصتهما المخترعة (كالبيتا) تجري على النحو التالي "65. لا يختلف هنا سوى القليل عمّا قاله الكاتب الاستعماري عن تخلف فلاحي السانتال المزعوم، ومؤامرات قادتهم الذين يتلاعبون بهم، واستخدام الدين وسيلةً لهذا التلاعب. بل إنَّ راي يتفوّق في كلّ من هذين الأمرين، وهو الأشد صراحةً بكثير بين الكاتبين في نسبته الكذب الفادح والخداع الواضح إلى قادة التمرّد، من دون أي دليل على الإطلاق. لكن الاختلاق صفته وحده؛ صفته التي تشهد على فشل راديكالية ضحلة في إرساء مفهوم العقلية المتمرّدة إلا على أساس علمانية خالصة لا يشوبها شيء. وإذ يعجز راي عن فهم التديّن بوصفه الوجهة الأساس لوعي الفلاحين في الهند الاستعمارية، يخجل من الاعتراف بتوسط هذا التديّن فكرة الفلاح عن السلطة، وبكلّ ما ينتج عن ذلك من تناقضات. ولذلك يجد نفسه مجبرًا على تبرير ضروب الالتباس في سياسات المتمردين بنسبته وعيًا دنيويًا إلى قادة التمرّد ووعيًا أخرويًا إلى أتباعهم، جاعلً من هؤلاء الأتباع سذّجًا أبرياء يقعون ضحية دهاة مسلّحين بجميعِ أحابيلِ سياسيٍّ هندي حديث؛ يتطلع إلى اجتذاب أصوات الريف. وتمكن رؤية ما ينتهي إليه هذا بالمؤرخ في عمل راي اللاحق الذي يسقط فيه أطروحته على أُلجولان (تمرد) بيرسا موندا66. يقول: كي ينشر بيرسا عقيدته الدينية هذه اعتمد وسيلة جديدة (كوشَل)، تمامًا كما فعل سيدو، القائد السانتالي، عشية تمرّد السانتال في عام 1885. كان بيرسا يعلم أنَّ الكول شعب شديد التخلّفومثقل بالخرافات الدينية نتيجة الدعاية التبشيرية الهندوبراهماتية والمسيحية بين ظهرانيهم على مدى فترة طويلة. ولذلك لم يكن ممكنًا تفادي مسألة الدين إذا ما أريد تحرير شعب الكول من تلك المؤثرات الدينية الخبيثة واجتذابهم إلى سبيل التمرّد. الأحرى أنه كان من الضروري، للتغلّب على تلك المؤثرات الشريرة للديانتين الهندوسية والمسيحية، أن ينشر بيرسا معتقده الديني الجديد بينهم باسم إلههم ذاته، وأن يُدخل قواعد جديدة. ولهذه الغاية، كان لا بد من اللجوء إلى الكذب، إذا اقتضت الضرورة، لمصلحة الشعب. أذاعبيرسا أنّه تلقى ديانته الجديدة هذه من سينغ بونغا نفسه، كبير آلهة الموندا67. هكذا يكون المؤرّخ الراديكالي مقودًا بمنطق عدم فهمه، كي ينسب الكذب المتعمَّد إلى واحد من أعظم متمرّدينا. فأيديولوجية ذلك الأُلجولان العظيم ليست بالنسبة إليه سوى اختلاق محض. وهو ليس وحيدًا في إساءته قراءة الوعي المتمرّد؛ فها هو باسكي يردد كلماته بصورة تكاد تكون حرفيّة، إذ يصف ادعاء قائد السانتال دعم الإله للتمرّد بأنه دعاية ترمي إلى "حثّ السانتال على أن يهبّوا إلى الثورة"68. ولهذه الصيغ نقيضها في كتابات أخرى من النوع ذاته، تحلّ معضلة التفكير الديني بين متمردي السانتال

  1. وهذا مقبول عمومًا. انظر، مثلً، ملاحظة شيرويل في شأن أنَّ الحقّ "مقدّس" لدى السانتال، "ما يجعلهم يشكلون في هذا الصدد مثالً وضاءً لجيرانهم الأحياء، البنغال." Sherwill, Geographical and Statistical Report of the District Bhaugulpoor (Calcutta: 1854), p. 32.
  2. Ray, p. 321. Emphasis added.
  3. كان تمرد بيرسا موندا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مزيجًا من حركة دينية وحركة سياسية (المترجم.)
  4. Ray, Bharater Baiplabik Samgramer Itihas , vol. I (Calcutta: 1970), p. 95. Emphasis added. والعبارة التي شددتها في هذا المقطع المقتبس هي في الأصل البنغالي على النحو: " Eijanyo prayojane jatir svarthey mithyar asroy grahan karitey hoibey."
  5. Dhirendranath Baskay, Saontal Ganasamgramer Itihas (Calcutta: 1976), p. 66.

بتجاهل الأمر برمته. والقارئ الذي يتخذ مقالات ناتاراجان ورسول مصدرًا وحيدًا لمعلوماته حول تمرّد عام 1855 لن يكاد يشك بوجود أيّ تديّن مطلقًا في ذلك الحدث العظيم. فهو لا يُمثَّل هناك إلا في جوانبه العلمانية حصريًا. ولا يقتصر هذا الموقف بالطبع على الكتّاب الذين تناولناهم في هذه المقالة. ذلك أنَّ المزيج ذاته، من قصر النظر والرفض الصريح لرؤية الدليل الموجود، يَسِمُ قدرًا كبيرًا آخر من الأدبيات المتوافرة حول هذا الموضوع.

XIV

ما الذي يجعل الخطاب الثالثي، حتى في مُنوَّع ه الراديكالي، راغبًا على هذا النحو عن تفهّم العنصر الدينيّ في وعي المتمرّد؟ السبب هو أنه لا يزال أسير الإطار المفهوميّ (البراديغم) الذي ألهم الخطاب من النمطين الأولي والثانوي، ذلك الخطاب المعاكس أيديولوجيًا، لأنه استعماري. وهو ينبع، في كلا الحالين، من رفض الاعتراف بالمتمرّد بوصفه ذات تاريخه الخاص. ذلك أنّه ما إن يُستوعَب تمردٌ فلاحيّ في مجرى الرّاجأو الأمّة أو الشعبحتى يسهل على المؤرّخ أن يتخلّ عن مسؤوليته في سبر الوعي الخاص بذلك التمرّد ويرضى بأن ينسب إليه وعيًا متعاليًا. وهذا يعني، عمليًّا، إنكار أن يكون لجمهور المتمردين أنفسهم إرادة، وتصويرهم على أنهم ليسوا إلا أدوات تعمل بإرادة أخرى. هكذا يُرى التمرّد في التأريخ الاستعماري على أنه الإفصاح عن عفويةٍ محض؛ تحرّضت ضد إرادة الدولة المجسّدة في الرّاج. وإذا ما نُسِبَ أيّ وعي إلى المتمردين، فإنه يُحصر ببعض قادتهم الذين غالبًا ما يكونون بعض أفراد أو مجموعات صغيرة من الملّك. وكذلك في التأريخ البورجوازي القومي، فإنّ وعيًا نخبويًا هو الذي يُقرَأ في جميع الحركات الفلاحية على أنّه قوّتها المحركة. وهذا ما أدّى إلى حال من التشويه الغريب كذاك الذي في وصف تمرّد النيلة في عام 1860 بأنه "أول حركة جماهيرية لا عنفيّة"69، وتوصيف جميع ضروب الكفاح الشعبي في الريف الهندي عمومًا خلال ال 125 عامًا الأولى من الحكم البريطاني بأنها البشير الروحيّ للمؤتمر الوطني الهندي. على هذا النحو ذاته تقريبًا، فاتت أيضًا خصوصيةُ وعي المتمرّد التأريخَ الراديكالي. ذلك لأنه ارتكز إلى مفهومٍ عن الثورات الفلاحية يرى فيها سلسلة أحداث مرتبة على طول خطّ مباشر من النَّسب – أي بوصفها إرثًا، كما تُدعى غالبًا - تتمتع مكوناته كلّها بالأصالة ذاتها ويكرر بعضها بعضًا في التزامها مثُلَ الحرية والمساواة والأخوة السامية. وفي هذه النظرة اللا تاريخية إلى تاريخ التمرّد، تُستوعَب جميع لحظات الوعي في اللحظة الأقصى والأرفع للسلسلة، أي في وعيٍ مثاليٍفي حقيقة الأمر. إنّ تأريخًا مكرّسًا لمثل هذا المسعى (حتى لو جرى القيام بذلك، للأسف، باسم الماركسية) هو تأريخ غير مُعَدّ بما يكفي للاضطلاع بالتناقضات التي هي في الحقيقة المادة التي صُنع منها التاريخ. ولأنّه افتُضَ ب المثالأن يكون علماني الطابع تمامًا، فإنَّ أنصاره يميلون إلى أن يشيحوا بوجوههم ما إن يواجهوا أدلةً على التديّن، كأن لا وجود له، أو لأن يفسروا ذلك على أنّه احتيال ذكيّ لكنه حسن النيّة؛ خدع به قادة مستنيرون أتباعهم المغفلين، وكل ذلك، طبعًا، "لمصلحة الشعب"! وعلى هذا النحو، فإنَّ المادة الغنية للأساطير والشعائر والشائعات وآمال العصر الذهبي ومخاوف نهاية العالم الوشيكة، تلك المادة التي تنمّ برمتها على اغتراب المتمرد الذاتي، تُهْدَر على مذبح هذا الخطاب المجرد والعقيم؛ الذي لا يقوى على إضاءة ذلك التضافر بين الطائفية والكفاح الذي يُعدّ سمة بالغة الأهمية في تاريخ ريفنا. ذلك أنَّ التباس مثل هذه الظاهرة -  كما رُصِدَ في حركة التِبهاغا في ديناجبور، حيث كان فلاحون مسلمون وافدون إلى كيسان سَبها <الجبهة الفلاحية في الحزب الشيوعي> "ينقشون في بعض الأحيان مطرقة أو منجلً على علم الرابطة الإسلامية"، ومولويون

  1. Jogesh Chandra Bagal (ed.), Peasant Revolution in Bengal (Calcutta: 1953), p. 5.

يافعون "يرتلون آيات من القرآن" في اجتماعات القرية وهم "يدينون نظام الجوتيداري وممارسات فرض أسعار عالية للفائدة"70 - هو أبعد من متناوله. ولا تثير لديه سرعة تحول الصراع الطبقي في ريفنا إلى فتنة طائفية والعكس بالعكس أكثر من أسف منمّق أو ارتباك بسيط، بعيدًا من أيّ تفسير فعليّ. لكن العنصر الديني ليس العنصر الوحيد الذي يخفق هذا التأريخ في الإحاطة به بين عناصر الوعي المتمرّد. فخصوصية العصيان الريفي تتجلّ في كثير من التناقضات الأخرى. وهذه أيضًا تفوت هذا التاريخ. فالمؤرّخ، إذ يعميه وهج وعيٍ تام ونقيّ، لا يعود يرى شيئًا، على سبيل المثال، سوى تماسك السلوك المتمرّد، ويفشل في ملاحظة آخره، أعني الخيانة. وهو إذ يلتزم التزامًا ثابتًا فكرة التمرّد بوصفه حركة عامة، يستخفّ بقوة الكوابح التي تفرضها عليه المحلّية والمناطقية. ونظرًا إلى اقتناعه بأنّ التعبئة لانتفاضةٍ ريفية تنبع حصريًا من سلطةٍ نخبويةٍ شاملة، فإنّه يميل إلى الاستهانة بعمل كثير من السلطات الأخرى ضمن العلاقات البدائية لمجتمع ريفي. ولأنّ الخطاب الثالثي، حتى في نوعه الراديكالي، حبيس التجريدات الفارغة، فإنه لم ينأَ بنفسه عن نثر مكافحة التمرّد إلى الآن إلا عاطفيًا. ولا يزال أمامه طريق طويل قبل أن يمكنه إثبات أنّ المتمرّد يستطيع الاعتماد على أدائه في استعادة مكانه في التاريخ.

  1. Sunil Sen, Agrarian Struggle in Bengal, 1946 – 1947 (New Delhi: 1972), p. 49.

ملحق

مقتطف 1

أتيتُ للنهب... أعلن سيدو وكالو]كانهو[إنهما من الراجات و]قالا[إنهما سينهبان البلد بأكمله ويأخذان ممتلكاته؛ وقالا ايضًا إنَّ أحدًا لا يستطيع إيقافنا لأن هذا أمر تاكور. وعلى هذا الأساس وقفنا جميعًا معهما.

. JP , 19 July 1855: Balai Majhi ' s Statement , 14 July 1855 المصدر:

مقتطف 2

نزل ثاكور في منزل سيدو مانجي، كانو مانجي، بيروب وشاند، في بوجنوديهي في بيرجُنّاه كونجيالا. الثاكور يتحدث شخصيًّا معهم، نزل من السماء، وهو يتحدث مع كانور وسيدو، الأسياد والعسكر البيض سوف يقاتلون. كانو وسيدو مانجي لا يقاتلان. الثاكور سوف يقاتل بنفسه. لذلك أنتم أيها الأسياد والعسكر تقاتلون الثاكور نفسه والغانج الأم سوف تأتي]لمساعدة[الثاكور. ستهطل نار من السماء. إذا كنت راضيًا بالثاكور عليك أن تمضي إلى ضفة الغانج الأخرى. أمر الثاكور السانتال بدفع آنّة واحدة مقابل ثور الفلاحة وآنّتين مقابل جاموس الفلاحة. بدأ عهد الحقّ. العدالة الحقّة ستُقَام. من لا يقول الحق لا مكان له على الأرض. ارتكب المهاجون <المرابون> ذنبًا عظيمًا. وفعل الأسياد ووكلاؤهم كلّ ما هو سيئ، وبذلك ارتكب الأسياد ذنبًا عظيمًا. أولئك الذين ينقلون الأخبار للحاكم وأولئك الذين يستقصون له الأمور، يأخذون 70 أو 80 روبية، والأسياد أذنبوا في هذا الشيء وما فيه من ظلم شديد. وقد أمرني الثاكور في هذا الشأن بأن أقول إنَّ البلاد ليست الأسياد... ملاحظة: في حال كنتم موافقين أيها الأسياد، عليكم البقاء على الضفة الأخرى من الغانج، وإذا لم تكونوا موافقين لا يمكنكم البقاء على تلك الضفة، سوف أمطر نارًا وسوف يُقتل جميع الأسياد بيد الإله نفسه، وإذا ما حاربتم أيها الأسياد بالبنادق فلن يُصيب الرصاص السانتال، وسوف يعطي الثاكور ما تملكون من فيلة وأحصنة للسانتال عن طيب خاطر... إذا حاربتم مع السانتال سيصبح اليومان كيوم واحد والليلتان كليلة واحدة. هذا ما أمر به الثاكور.

. JP , 4 October 1855: ' The Thacoor ' s Perwannah ', dated 10 Saon 1262 المصدر:

مقتطف 3

ثمّ اجتمع المانجيون والبورجونيتيون على شرفتي وتشاورنا على مدى شهرين، "إنَّ بونتيت وموهيش دَت لا يصغيان لشكاوينا وإنَّ أحدًا لا يتصرف كأب وأم لنا" ثمّ هبط إله من السماء في هيئة عجلة العربة وقال لي "اقتل بونتيت والداروغاه والماهاجون وعندها سوف تنال العدل وأبًا وأمًّا"؛ عندها عاد الثاكور إلى السماء؛ بعد ذلك جاء رجلان يشبهان البنغال إلى شرفتي: كلٌّ منهما له ستة أصابع سقطت نصف قصاصة ورق على رأسي قبل مجيء الثاكور وسقط

  1. عملة هندية تعادل 1  /  16 من الروبية (المترجم.)

النصف الآخر بعد ذلك. لم أستطع قراءتها لكن شاند وسيهيري ودومي قرأوها، قالوا إنّ "الثاكور كتب إليك أن تقاتل المهاجون وعندها سوف تنال العدل".

. JP , 8 November 1855 , ' Examination of Sedoo Sonthal late Thacoor المصدر':

مقتطف 4

في بيزاك نزل الإله في منزلي أرسلت أمرًا إلى السيد بورا في كلكتا... كتبت أنّ الثاكور أتى إلى منزلي وتحدث إليّ وأخبر جميع السانتال بأن يكونوا تحت قيادتي، وأن عليّ أنّ أدفع جميع العائدات للحكومة، وألا أظلم أحدًا، وأنّ الزميندارية والمهاجانات يرتكبون ظلمًا كبيرًا بأخذهم 20 بايس عن كلّ واحد، وأنَّ عليّ أن أبعدهم عن السانتال وأن أقاتلهم إن لم يبتعدوا.

كان إشوار رجلً أبيض لا يرتدي سوى دوتي وشودر. جلس على الأرض مثل سيد وكتب على هذه القطعة صغيرة من الورق. أعطاني 4 أوراق لكنه قدم لي بعد ذلك 16 ورقة أخرى. للثاكور 5 أصابع في كل كفّ. لم أكن أراه في النهار، كنت أراه في الليل فحسب. ثم اجتمع السونتال في منزلي لرؤية الثاكور.

[في ماهيشبور] تقدمت القوات ودار القتال... بعدها رأينا رجالنا يتساقطون فاستدرنا كلانا إليهم مرتين ودفعناهم بعيدًا مرة، ثم صليت... ومن ثمّ انهمر رصاص كثير وجُرحت أنا وسيدو. كان الثاكور قد قال "سوف يخرج الماء من البنادق" لكن قواتي ارتكبت بعض الجرائم ولذلك لم تتحقق نبوءات الثاكور وقُتل نحو 80 شخصًا من السانتال.

جميع الأوراق البيضاء سقطت من السماء والكتاب الذي فيه جميع الصفحات بيضاء كذلك سقط من السماء.

. JP , 20 December 1855 , ' Examination of Kanoo Sonthal المصدر':

المراجع

• Bagal, Jogesh Chandra (ed.). Peasant Revolution in Bengal. Calcutta: 1953.

• Bally, Charles. Linguistique Générale et Linguistique Francaise. Berne: 1965.

• Barthes, Roland. Elements of Semiology. London: 1967.

• Benveniste, Émile. Problémes de linguistique générale. I. Paris: 1966.

• Dunlop, Robert Henry Wallace. Service and Adventure with Khakee Ressallah; or Meerut Volunteer Horse during

the Mutinies of 1857 – 58. London: 1858.

• Edwards, William. Adventures during the Indian Rebellion in Rohilcund, Futtehghur, and Oudh. London: 1858.

• Lane, M. (ed.). Structuralism: A Reader. London: 1970.

• Natarajan, L. Peasant Uprisings in India, 1850 – 1900. Bombay: 1953.

• O'Malley, L.S.S. Bengal Gazetteers: Pabna. Calcutta: 1923.

• Rasul, Abdulla. Saontal Bidroher Amar Kahini. Calcutta: 1954.

• Roman. Selected Writings, 2: Word and Language. The Hague and Paris: 1971.

• Sen, Sunil. Agrarian Struggle in Bengal, 1946 – 47. New Delhi: 1972.

• Wilberforce, Reginald C. An Unrecorded Chapter of the Indian Mutiny. 2 nd edition. London: 1894.