اقتسام العالم: بمناسبة مرور مئة سنة على اتفاقية سايكس بيكو
Dividing the World: Centenary of Sykes-Picot
الملخّص
دأبت الدول القوية، في إطار حركات التوسع ومن منطلق الشعور بالقوة، في السعي لتقسيم العالم واقتسامه؛ أي تقسيم العالم إلى مناطق خصبة ومناطق فقرة، ومناطق خاضعة ومناطق يمكن إخضاعها. كما سعت في إطار توازن القوى والمنافسة والصراع بينها لاقتسام العالم الضعيف وإخضاعه للاستغلال، والهيمنة على المجالات الحيوية، والتحكم في الأسواق. انطلاقًا من هذا الموضوع وفي إطار الذكرى المئوية لاتفاقية سايكس بيكو، نظّم برنامج التاريخ بمعهد الدوحة للدراسات العليا بالتعاون مع مجلة أسطور ندوةً علميةً خُصصت لموضوع "اقتسام العالم، بمناسبة مئة سنة على اتفاقية سايكس بيكو"، وذلك يومَي 26 -27 كانون الأول/ ديسمبر 2016، في الدوحة - قطر. شارك فيها عدد من المؤرخين والباحثين العرب. وقد قاربت الندوة الموضوع من زوايا مختلفة تهمّ، على نحوٍ خاصّ، الفاعلين في تقسيم العالم في القرن العشرين، وتستحضر السياق التاريخي لاتفاقيات سايكس بيكو، رابطةً بين ما قبل الاتفاقية وما بعدها. وقد ألحّ العديد من المساهمين على أنّ اقتسام العالم كان ظاهرةً تضرب بجذورها في القِدم.
Abstract
Whether it comes as the result of expansionist movements or as an exercise of might, powerful states have persistently divided up the world. This division marks the world into segmented opposites: fertile regions and poor regions; subjugated regions and regions which could be potentially subjugated. These divisions resulted from the competition of various powers, seeking to portion the world into markets they could exploit or living spaces. Marking 100 years since one of the most disastrous divisions of the modern period, the Sykes-Picot Agreement, the Doha Institute in cooperation with Ostour organized an academic symposium: “Dividing up the World: The Centenary of Sykes-Picot.” The meeting was held on 26 - 27 December 2016 in Doha, Qatar, with the participation of Arab historians and scholars.
- تقسيم العالم
- سايكس بيكو
- توازن القوى
- Dividing the World
- Centenary of Sykes-Picot
- Balance of power
Ostour Sem inar
اقتسام العامل
بمناسبة مرور مئة سنة عىل اتفاقية سايكس بيكو
Dividing the World: Centenary of Sykes-Picot
مقدمة
دأبت الدول القوية، في إطار حركات التوسع ومن منطلق الشعور بالقوة، في السعي لتقسيم العالم واقتسامه؛ أي تقسيم العالم لمناطق خصبة ومناطق فقيرة، ومناطق خاضعة ومناطق يمكن إخضاعها. كما سعت في إطار توازن القوى والمنافسة والصراع بينها لاقتسام العالم الضعيف وإخضاعه للاستغلال، والهيمنة على المجالات الحيوية، والتحكم في الأسواق. ولعل من أقدم المعاهدات التي أبرمت من أجل اقتسام المجال معاهدة روما وقرطاج عامُ509 قبل الميلاد؛ إذ سعت هذه المعاهدة لتحديد مجالات التحرك بالنسبة إلى قرطاج وروما في الحوض الغربي للمتوسط، وتلتها معاهدات مختلفة لعلّ أشهرها معاهدة طورديسياس Tordesillas التي كانت تسعى لاقتسام العالم بين البرتغال وإسبانيا. فتمّ توقيع هذه المعاهدة في 7 حزيران/ يونيو 1494، برعاية البابا، وتمّت من خلال هذه المعاهدة تسوية النزاعات في الأراضي المكتشفة حديثًا من جهة كريستوف كولومبوس وغيره من المستكشفين في أواخر القرن الخامس عشر، والتي أصبحت معروفةً وأصبح حاكمَا إسبانيا، فرديناند وإيزابيلا، يطلبان من البابا التدخل لفائدتهما، وهو ما جعل الكنيسة تسعى لعقْد اتفاق بين الطرفين يسمح باقتسام العالم بينهما من خلال هذه المعاهدة. ولم تتوقف محاولات التقسيم عند هذا الحدّ، بل نرى عديد المعاهدات التي أبرمتها الدول الغربية في ما بينها لاقتسام العالم، أو لوضع سلطتها على بعض المناطق؛ مثل اتفاق عام 1580 بين الإسبان والعثمانيين، ومؤتمر برلين عام 1878. وقد جمع هذا المؤتمر بين الدول الأوروبية القوية والإمبراطورية العثمانية التي أصبحت تُعرف ب "الرجل المريض"، وأفضى المؤتمر إلى إعادة توزيع الأراضي بين الدول الأوروبية الشرقية، وهو ما سمح باستقلال بعض الدول عن الإمبراطورية العثمانية؛ مثل الجبل الأسود، وصربيا، ورومانيا. وتواصلت عمليات التقسيم بين الدول الكبرى، وكان من أبرزها الصراع الألماني – الفرنسي - الإيطالي حول تونس، وهو صراع اشتهر بمقولة بسمارك للسفير الفرنسي ببرلين في 4 كانون الثاني/ يناير 1879 " إنّ الإجاصة التونسية قد أينعت وحان لكم أن تقطفوها ". وهو موقف تقسيمي لا شكّ فيه. كما تمّ إمضاء اتفاقات أخرى في ظل التنافس من أجل السيطرة على الأراضي التي لم تخضع بعدُ للاستعمار؛ كاتفاق عام 1904 المعروف بالاتفاق الودّي بين بريطانيا وفرنسا من أجل اقتسام المجال الأفريقي. وتواصل المدّ الاستعماري باقتسام العالم غير الأوروبي، وبخاصة العالم العربي، من خلال اتفاقية سايكس - بيكو التي يمرّ على إمضائها اليوم قرنٌ من الزمن. وقد أدّت هذه الاتفاقية التي ظلت سرّيةً حتى عام 1917 إلى تقسيم منطقة الهلال الخصيب، فتحصلت فرنسا على الجزء الغربي، وبريطانيا على أجزاء مختلفة من المنطقة نفسها، وتمّ إخضاعها للانتداب الفرنسي والبريطاني. ولعل فكرة التقسيم لا تزال حاضرةً إلى يوم الناس هذا على نحوٍ معلن أو غير معلن؛ مثل الصراعات القائمة اليوم، وهي صراعات تُخفي رغبات في تقسيم العالم على أُسسٍ مصلحيه جديدة بين الدول القوية. ففي إطار الذكرى المئوية لاتفاقية سايكس - بيكو، يُمكن المؤرِّخ أن ينظر في جملة من المحطات التاريخية، وأن يراجع عديد المصطلحات والمفاهيم، وأن يستكشف هذه المحطات التي كانت فيها فكرة اقتسام مجالِ الآخر من سمات العصر. وهذا ما تحاول أوراق "ندوة أسطور" أن تقدّمه في عددها الحالي.
1Abdelwahed Mokni | عبد الواحد المكني
اتفاقية سايكس - بيكو أيار/ مايو 1916: الفاعلون وخلفياتهم:
مقاربة بروزوبوغرافية
المقدمة
نعيش في السنوات الأخيرة، في إطار الجدل المنهجي حول تطوير الكتابة التاريخية وعودة الحدث، أو لنقل، العودة إلى الحدث إن أردنا تسمية الأشياء بمسمياتها؛ لأن الحدث لا يعود البتّة، لكن المؤرخ والباحث عامة يؤوب إليه في ضوء مكتشفات جديدة في المصادر أو المناهج التأويلية. وإذا أردنا التدقيق؛ لا بدّ من التشديد على أنّ هذه الاتفاقية لم تمثل حدثًا بقدر ما كانت أشبه بمسار كامل من المخططات والتوافقات، انطلق منذ اشتداد أزمة "الرجل المريض"، وتبلور منذ اندلاع الحرب العالمية الأولى وتشكّل الأحلاف. في تعريفها المبسّط، كانت اتفاقية سايكس-بيكو مخططًا سريًّا انبثق في 16 أيار/ مايو 1916، بعد جولات من التفاوض والتخطيط في القاهرة ولندن باريس وسان بطرسبورغ، أساسًا بين مارك سايكس ممثل بريطانيا، وفرنسوا جورج بيكو ممثّل فرنسا، وبمساهمة مندوب روسيا سرغاي سازانوف، لاقتسام غنيمة الحرب. وعلى الرغم من أنّ مؤتمرات سان ريمو ولوسافر ولوزان توفّقت في الاستجابة إلى حيّز كبير من مخططات سايكس وبيكو فإنّ الاتفاقية التي تضمنت 12 بندًا لم تطبق بحذافيرها؛ بسبب تضارب المصالح الفرنسية الإنكليزية وتعهدات بريطانيا مع الشريف حسين والزعماء العرب، وكذلك المسار المفاجئ في روسيا، والذي أدّى - من جملة ما أدّى - إلى كشف فحوى المعاهدة، وإخراجها من السر إلى العلن في أواخر شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 1917. ولئن لم يكتب للاتفاقية أن تطبق بحذافيرها، فإنّ ما عاناه سكان المنطقة من ويلات واحتلال وانقسامات وحروب مزقت الشرق الأوسط إلى الآن، هو من نتاج هذه الاتفاقية التي نُسجت خيوطها في مرحلة المدّ الاستعماري، واقتسام التركة العثمانية وتهيئة الأوضاع؛ لإنجاح مشروع الاستيطان الصهيوني في فلسطين. توثبت القوتان الأساسيتان إلى جانب روسيا للسيطرة على المضايق والخلجان والبحار المحيطة بالشرق الأوسط (البحر الأحمر، السويس، الخليج، الساحل السوري)، كما كانت السيطرة على سكك الحديد والموانئ والطرقات الكبرى وحتى البترول، من الهواجس المعلنة والمخفية للاتفاقية، إلى جانب الرغبة في توثيق السيطرة الثقافية، وحماية الأقليات والمذاهب الدينية، وهو أمر اشتركت فيه روسيا القيصرية مع فرنسا وبريطانيا. تقدّم الكتابات العربية (التي كانت متأثرة بالطرح القومي) هذه الاتفاقية على أساس أنها "خيانة وغدر" للعرب وثورتهم، وأنّها "ضربة قاصمة" للثورة العربية التي تم إعلانها في شهر حزيران/ يونيو 1916، وركّزت قراءات أخرى على الترابط الوثيق بين اتفاقية سايكس-بيكو ووعد بلفور المعْلن في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، والذي فسح المجال أمام التغلغل الصهيوني في فلسطين، وهي أحكام انطباعية وأخلاقية وليست استنتاجات معمّقة.
لا مناص في مثل هذه الحالات من الاستنجاد بالمقاربة الإستراتيجية والجغراسياسية، لأن اتفاقية سايكس-بيكو ارتبطت بالحرب وغنائمها في مناخ تضاربت فيه مطامح القوى الاستعمارية. تخيّنا في مقاربتنا أن نسلط الأضواء على الفاعلين المؤثرين والرجالات الذين أمسكوا بزمام القرار والتخطيط ثم التنفيذ، في مشروع التقسيم الذي تطلب تطبيقُ أركانه الأساسية أكثر من عقد، عاشت فيه منطقة الشرق الأوسط، وخاصة سورية الكبرى والعراق والحجاز والخليج، موجة من الانتفاضات والتقلّبات والانكسارات والخيبة. لم تكن مجموعة الفاعلين والرجالات المدروسة في مجهر هذا البحث آلات تنفيذ وحسب، فقد كانت جماعات بشرية مرتبطة بخلفيات وسياسات لأمم ودول وقوميات تمثّلها من دون شك، لكنها كانت أيضًا مجموعات من الأفراد التي لها خصوصياتها النفسية والثقافية. فقد أجمع أغلب التقارير على أنّ مارك سايكس بقدر ما كان ملمًّا بالمسألة الغربية والشرقية؛ كان ميّالً إلى التسطيح والتبسيط، ولا يجيد فرز الاختلافات. لقد تخيّ عملنا تقديم مقاربة "سيرية-جماعوية" أو "بروزوبوغرافية" تأخذ في الاعتبار إشكاليتين أساسيتين: الأولى: هي مستوى التكوين والثقافة والحدس السياسي، والقدرة على الإمساك بزمام التفاوض، والتخطيط والتخطيط المضاد عند مجموعة الفاعلين أو البناة الأساسيين للاتفاقية، ولكل من شارك في تفاصيلها على نحو مباشر. الثانية: تأخذ في الاعتبار موقع الفاعلين في الاتفاقية، إلى جانب الفاعلين المعاكسين والمضادين الذين حاولوا من جهتهم معارضتها بصورة شاملة وحثيثة وواضحة، أو بصورة جزئية وأقل فاعلية، أو إسقاطها أو تعديلها. ومن هذا المنطلق تنفذ الورقة إلى الفاعلين وخلفياتهم السياسية والثقافية، ولا تشمل فقط سايكس وبيكو، وإدوارد غراي، وبول كامبون، واللورد كيتشنر، وهنري مكماهون، وويلسون، وكلايتون، وغورو. بل تشمل أيضًا مجموعة الفاعلين المضادين والموازين، ووسطاء الصلح، على غرار زعماء الجمعيات العربية بالشام والعراق ومصر، والشريف حسين وأبنائه، وغيرهم من المتضررين أو الغانمين من مشروع التقسيم.
يف "البروزوبوغرافيا" أو السير الجمعية للفاعلين التاريخيين: اتفاقية سايكس-بيكو نموذجًا
البروزوبوغرافيا prosopographie La هي اشتقاق لفظي من الأصل اللغوي اليوناني Prosôpon، أي وصف الشخصية وملامحها وأدائها. وفي تعريفها المبسط: هي جرد وتعريف وتصنيف لمجموعة من الأفراد المنتمين إلى وسط معيّ ومنسجم أو المساهمين في حدث مشترك. وفي مداها المعمّق تُعرف البروزوبوغرافيا سِيًَا جماعية للأفراد، أو مجموعة من "البيوغرافيات" تُنجز بالمنهاج نفسه، في شكل جذاذات تعريفية مفصلة، يقع فيها استقصاء أوضاع النشأة والتكوين ونمط التفكير لمجموعة من الفاعلين المنتمين إلى جيل واحد عادة، وذلك بقصد استجلاء الخصائص الجماعية العامة ونقاط التشابه، وخاصة الإلمام بخصائص الفئات المهيمنة والصانعة للقرار2. ولئن كانت البيوغرافيا ترجمة فردية ومفصلة لشخصية منفردة، فالبروزوبوغرافيا هي جملة من "سير الحياة" (البيوغرافيات) الجماعية، غايتها إقامة المقارنة، واستجلاء التشابه والتمايز، بقصد فهم الحدث وسياقه.
وللبروزوبوغرافيا جملة من القواعد المنهجية، منها: إنجاز الجذاذات الفردية. ويكون ذلك باعتماد المعطيات الأرشيفية الأصلية والخاصة بالمترجم له، ومحاولة استقصاء الشوارد من خلال الملفات الأصلية، كوثائق الولادة ودفاتر المدرسة وتقارير الدوائر الاستعلامية حول الشخص. وهو ما يعني ضرورة عدم الاكتفاء بالتعريفات الشائعة للفرد، والتي نجدها في القواميس والموسوعات؛ لأنها تختزل الواقع أو تجمّله أو، في المقابل، تسقط في التشويه والتحامل. ولذلك لا بدّ من الاحتياط مثلً في التعامل مع المذكرات التي يكتبها الفاعلون عن أنفسهم؛ لما تكتنزه من غربلة وانتخاب للوقائع، والتأنّ في الأخذ من المصادر الضديدة للشخصيات المدروسة؛ لأنها أيضًا تجانب الصواب والموضوعية. ويفترض الأمر في هذه الحالة أن يكون الحدس "الأرشيفستيكي" للمؤرخ الباحث ثاقبًا حتى يقترب من كتابة موضوعية وناجعة. تكون البروزوبوغرافيا بالضرورة مستندة إلى التقنية الإعلامية، وعلوم البرمجة التطبيقية فيها ولا يمكن أن تتحقق النجاعة المرجوة إلا باعتماد قاعدة بيانات3. ولا بدّ للمؤرخ الذي يستند إلى البروزوبوغرافيا أن يكون ملمًّا بآليات التحليل "الجينيالوجي" (الأنساب والألقاب والمراتب العائلية)، وفاهمًا لخصائص القرابة والمصاهرة، والتحالف في العيّنة المدروسة، أي في المجتمع والبيئة التي عاشت فيها الشخصيات المترجم لها. ولا تشمل البروزوبوغرافيا حقبة تاريخية دون أخرى، على الرغم من تواتر هذا الجنس من الأبحاث حول تاريخ الأزمنة الحديثة والمعاصرة؛ بسبب وفرة الوثائق. غير أنّ "الفترة الوسيطة" بواسطة الحوليات والمصنفات التاريخية، و"الفترة القديمة" بواسطة المنقوشات والأيقونات والمسكوكات، أصبحت تنال محظوظيتها أيضًا من الأبحاث البروزوبوغرافية. وتعدُّ البروزوبوغرافيا - وهذا الأهم - من العلوم والأدوات الساندة لعلم التاريخ، وهي أساسًا أداة تحليلية داعمة للمقاربة التأريخية، وتمكّن الباحث من كشف مصدر القرار وموقع الفاعلين النافذين. إنّ الخيار البروزوبوغرافي ارتبط بخيار أهمّ، هو "الخيار البيوغرافي"4، والذي عاد بقوة في السنوات الأخيرة، وحلّ محلّ ما يعرف ب "الوهْم البيوغرافي"، ويندرج ذلك في سياق العودة إلى الحدث والفرد والسياسة. ارتبطت البيوغرافيات بتاريخ الفرد، فلفّها النسيان مثلما لفّ التاريخ الحدثي والسياسي، وظلت طوال قرن تقريبًا بمنزلة الابن اللقيط للعلوم التاريخية، وقد ساهمت مدرسة الأنال5، وبحوث "الأمد الطويل"، في استنقاص شأن البيوغرفيا وتهميشها. تكاثر إقبال المؤرخين في السنوات الأخيرة على كتابة "بيوغرافيات" الرجال العظام، ربما بسبب وجود طلب ثقافي واجتماعي، ولكن أيضًا بسبب تجدد القناعات المنهجية، وعودة الاهتمام بالحدث منذ سقوط جدار برلين وما أعقبه من أحداث متسارعة، غيّت النظرة إلى ما يعرف ب "الحتمية الاجتماعية". ساهم التحاق المؤرخين المحترفين بالركب في إضفاء أبعاد إشكالية على البيوغرافيات، فأصبحت السيرة وسيلة لا غاية. وسيلة لكشف محيط الشخص ونمط الذهنيات والسلوكيات في عصره، ثم لتعميق الجدل المعرفي في العلوم التاريخية خاصة، والإنسانيات
عامة. وهو ما شرّع كتابة بيوغرافيات جماعية وإنجاز قواميس بيوغرافية عامة، تحاول النفاذ إلى كتابة تاريخ إشكالي، بعيدًا من التوصيف الملحمي أو الصحفي المعهود. انعطفت الأبحاث في الإنسانيات والاجتماعيات، وخاصة في علم التاريخ بعد حقبات طويلة من تهميش الفرد ومن ثمّ البيوغرافيا من جديد، نحو الفرد ومكانته ومسافة فعله، وارتبطت البيوغرافيا بالبروزوبوغرافيا. وفي حالة اتفاقية سايكس-بيكو وما رافقها من مخاض ومشاورات، فإنّ المقاربة البروزوبوغرافية يبررها انتماء "عيّنة" الفاعلين، والفاعلين المضادين إلى وسط واحد، وهو قربهم من دائرة التنفّذ، وتمكّنهم من اتخاذ القرار السياسي والإستراتيجي والحربي، والنفاذ أيضًا إلى ما هو اقتصادي واجتماعي وثقافي في حياة الفاعلين المدروسين، أو ما يعبّ عنه ب"السوسيوغرافيا" sociographie La. وعلى الرغم من صعوبة الإتيان على كل الوثائق الأرشيفية الخاصة بمختلف الفاعلين المترجم لهم، فإننا سعينا قدر الإمكان لأن نسائل الأرشيفات ونستقصي ما فيها وما انجلى، وذلك لمزيد تكشف المؤسسة السياسية التي كانت وراء اتفاقية سايكس.-بيكو
الفاعلون الغربيون: تراتب الأدوار وتشابه المصائر
مارك سايكس (16 آذار/ مارس 1879 - 16 شباط/ فبراير 1919)
ترك مارك سايكس، فضلً عمّا ألّفه من كتب، أرشيفًا مهمًّا جُمع في سلسلة خاصة في جامعة برينمور، وهو أرشيف مرقمن، يغطّي مراحل حياة مارك سايكس كافة، وقد أودع أكبر أجزائه ريتشارد سايكس بين عامي 1975 و 1980، وقد ضمّت السلسلة الأرشيفية أقسامًا متعددة، أبرزها: ӵ ӵ مراسلات مارك سايكس. ӵ ӵ الخطب ومقتطفات الصحف. ӵ ӵ الشؤون السياسية. ӵ ӵ التصرف المالي. ӵ ӵ متفرقات صور ووثائق عائلية. ولعلّ القسم الأشدّ أهمية هو المتعلق بآراء سايكس وتدويناته حول الشرق الأدنى، وبخاصة حول سورية الطبيعية والقدس وبلاد الرافدين والوثائق المتعلقة باتفاقية التقسيم الشهيرة، والتي أنجزت في أيار/ مايو 1916. ومن أهم الوثائق تلك الخرائط العديدة المرفقة بالألوان والخطوط والتعليقات. وهي تترجم عن حالة "المخاض" التي رافقت "حرب الخرائط" بين بريطانيا وفرنسا، خلال السنتين الأوليَيْ من الحرب الكبرى6. وتحتوي الوثائق أيضًا على كل المراسلات التي كانت تدور بين مارك سايكس وقادة المنظمة الصهيونية العالمية، وخاصة حاييم ويزمان، والأدوار التي لعبها سايكس لإفراد القدس بنظام خاص، تمهيدًا لإعلان وعد بلفور، ثم تطبيقه7.
عند إمضاء الاتفاقية كان سايكس يبلغ من العمر 37 سنة، وهو ما يدل على ذكائه وسرعة ارتقائه سلّم الخطط الدبلوماسية المجيدة، ولكنه قبل ذلك كان عسكريًا، وحصل على رتبة عقيد في الجيش البريطاني وكان مغرمًا بالترحال، ومن المختصين بشؤون الشرق الأوسط عامة، والخلافة العثمانية، وسورية وفلسطين بالأخص. ومن وحي هذه التجربة كتب حتى في الأدب التاريخي عن "الخليفة والخلافة في الإسلام" و"اليهود"8. عاش في بيئة أرستقراطية؛ إذ نال مرتبة "بارون"، ولكنه لم ينعم بطفولة رائقة فقد تأثّر بحادثة طلاق والده لأمّه التي غيّت مذهبها الديني، واقتدى بها الطفل سايكس في اعتناق الكاثوليكية، في بلد ذي غالبية أنغليكانية. وقد غنم سايكس من رحلات والده نحو بلاد الشرق، وخصوصًا الدولة العثمانية والهند ومصر وكردستان؛ ما أنشأ فيه ذلك الافتتان بسحر "الشرق". وقد كان سايكس يحذق نصيبًا من اللغة التركية والعربية. انطلقت مسيرة مارك سايكس في الجندية عام 1897، ثم في جامعة كامبريدج. وقد متّ تكوينه الميداني العسكري في جنوب أفريقيا، خلال حرب مناصرة المستعمرين الإنكليز ضد الهولنديين، بتكوين نظري وعلمي، تُوِّج فيما بعد بإصدار مجموعة كتب عن الشرق الأوسط، وعن رحلاته العسكرية إلى تلك الأصقاع. وقد كان مارك سايكس منذ شبابه عضوًا في حزب المحافظين، ومن مناصري التيّار الاستعماري التوسعي، وكان إلى جانب ذلك من المتعاطفين مع الحركة الصهيونية، وأدّى دورًا مهمًّا في استصدار وعد بلفور الشهير. وقد توفي عن سن الأربعين خلال مؤتمر السلم في 1919 بباريس، من جرّاء الحمّى الإسبانية9. وخلال الحرب الكبرى وبعد اضطلاعه بمهمَّات عسكرية في كردستان، أُلحقَ بديوان الحربية، وكُلِّف بالتفاوض سريًا باسم بريطانيا مع الدبلوماسية الفرنسية، من أجل تقسيم منطقة الشرق الأوسط، وإنهاء النفوذ العثماني فيها. كان البارون مارك سايكس عند خوضه المفاوضات، وتكليفه بتلك المهمة الحساسة والسرية عضوًا في البرلمان البريطاني ومندوبًا لشؤون الشرق الأدنى؛ أي أنّه كان شخصية لامعة اجتماعيًا وسياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا، على الرغم من صغر سنه. وعند خضوعه للمساءلة في الخارجية البريطانية حول مشروع التقسيم وجدواه كان قد نجح في إقناع بارونات الدبلوماسية البريطانيين بتعمقه في فهم الشرق وشؤون العرب والأتراك والمسلمين. فعلاوة على التظاهر بحذق اللغة، كان قد استعمل عدة أوراق ضاغطة حولته إلى موقع الفاعل القوي والماسك بدفّات المسألة. فقد دافع عن ضرورة جعل فرنسا حاجزًا بين الإنكليز والروس في مناطق الأناضول حتى يقع تجنب التجاور مع روسيا القيصرية، ذلك "الخصم الودود"، وتشديده على وجود النفط في كركوك وهو ما يمثل منعرجًا ومستقبلً للبحرية البريطانية التي استغنت سنة 1914 عن استعمال الفحم الحجري، وعوضت عنه بالطاقة النفطية. كما كانت ورقته الأساسية للضغط وقلب المعادلة هي ضرورة العمل على تحييد القدس، واستثناء فلسطين بجعلها تحت رعاية دولية؛ لأنها قبلة جميع الأديان. وما كانت تلك غاياته الأساسية، بل كانت علاقته بالدوائر الصهيونية هي التي حفزته إلى المساهمة مع حاييم ويزمان في الإعداد الذكي، لإعلان وعد بلفور إثر إنجاز التقسيم المشهور في أيار/ مايو 1916.
فرنسوا بيكو (21 كانون الأول/ ديسمبر 1870 – 20 حزيران/ يونيو 1951)
كان والده جورج بيكو مؤرخًا وكاتبًا للسير البيوغرافية، علاوة على امتهانه المحاماة، لكن الابن لم يتبع مسيرة الأب. فقد التحق مبكرًا بوزارة الخارجية، وتأثر كثيرًا عام 1898 بالأزمة الفرنسية الإنكليزية، إثر معركة "فاشودا" في السودان. ويبدو أن هذا الحدث كان فارقًا في مسار حياته. فقد حوّله إلى دبلوماسي بارع، ومفاوض صلب بل متصلّب، بحسب أغلب البيوغرافيين والمؤرخين. وَلج بيكو عالم السياسة من حقل المحاماة، فقد كان مجازًا في الحقوق، وانتظم في سلك المحاماة بباريس عام 1893، ثم ما لبث أن التحق بالشؤون الدبلوماسية عام 1895 بصفة "ملحق بالسفارة". وانتقل للعمل في الدنمارك والصين، ثم عيّ قبيل الحرب العالمية الثانية قنصلً للدولة الفرنسية ببيروت. وهناك خبر شؤون لبنان والساحل السوري. وقد خبر الشأن العربي والإسلامي لأقطار الهلال الخصيب، وكان من أنصار التوسع الاستعماري الفرنسي ومن المدافعين الأشاوس عن بقاء سورية الكبرى "كاملة" تحت النفوذ الفرنسي وبلا شريك intégrale Syrie la، والتمسك بالمكانة الخاصة للبنان الكبير10. وقد تسلق الهرم الدبلوماسي بتعيينه سفيرًا لفرنسا في الأرجنتين، غير أنّ شهرته تأتت من دوره الأساسي في صياغة معاهدة أيار/ مايو 1916، وخاصة المفاوضات الطويلة والمتكررة التي أجراها في لندن مع مارك سايكس11. ومقارنة بشخصية مارك سايكس؛ تبدو شخصية فرنسوا بيكو أشدّ غموضًا والتباسًا، ويبدو أنه كان يعاني - مثل أغلب الساسة الفرنسيين المنتمين إلى اليمين الاستعماري - جرحًا غائرًا، وعقدة الهزيمة الألمانية عام 1871. ولم يخرج أداؤه السياسي عن عقلية الثأر لهزيمة "الألزاس-لوران". فقد انتمى عضويًا إلى الحزب "الكولونيالي"، وهو حزب ضم برلمانيين وأعيانًا من اليمين الفرنسي، همُّهم الوحيد هو الضغط السياسي لانتصار السياسة الاستعمارية لفرنسا. كان بيكو من أشد المدافعين عن بسط النفوذ الفرنسي في الشرق الأوسط، ومتحمسًا لمناصرة مارونيي لبنان، لكنه كان خلال المفاوضات السرية يتحرك وفق إستراتيجية التحالف الودادي cordiale entente ' l مع إنكلترا وروسيا لعزل ألمانيا وإنهاكها12.
سرغاي سازانوف (1860 - 1927)
سرغاي ديمتروف سازانوف دبلوماسي روسي شغل منصب وزير الخارجية لروسيا القيصرية في عام 1910 وهو الاسم الثالث الذي اقترن بسايكس وبيكو، لكن سرعان ما خفت ذكره؛ بسبب انهيار النظام القيصري وصعود البلاشفة الذين قاموا بإشاعة الاتفاقية، وفضحوا فحواها. ولا شكّ أن سقوط حكم القيصر أدّى إلى تغيير كبير في مشروع التقسيم من حيث إنّ روسيا كانت تتأهب للانقضاض على جزء كبير من الأراضي التركية وجزء من أرمينيا الغربية، وطرابزون، وأرضروم، ومقاطعة كردستان، وصولً إلى البحار الساخنة، والسيطرة على مضايق الدردنيل والبوسفور. وينحدر سازانوف من وسط عائلي مرفّه، واشتهرت عائلته بأملاكها الكبيرة، وبعد إتمام دراسته بمعهد إلكسندر، التحق بوزارة الخارجية عام 1883، في مناخ اتسم آنذاك بهزّة سياسية كبيرة في روسيا، وخاصةً إثر تنظيم مجازر "البوغروم" لليهود الروس. وقد ارتقى سازانوف في الخطط، فسُمّي سفيرًا في لندن ثم واشنطن والفاتيكان. وفي 26 حزيران/ يونيو 1909 كُلّفَ بمنصب مساعد وزير الخارجية
الروسية، ثم أصبح وزيرًا للخارجية في أيلول/ سبتمبر 1910. وقد أنهى حياته معارضًا للثورة البلشفية ضمن ما يعرف ب "الجيش الأبيض"، وظلَّ مقيمًا بباريس إلى أن توفي فيها عام 1927. وقد اشتهر سازانوف بحسن إدارته لملف العلاقات القيصرية مع ألمانيا خلال معاهدة "بوتسدام"، لكنه اشتهر أيضًا بحرصه على حماية مصالح "الموسكوف" في سورية ولبنان وفلسطين، وخاصة حماية أتباع المذهب الأرثوذوكسي والمدارس والبعثات التبشيرية والثقافية الروسية في المنطقة13. وقد أزيح من مهمّاته في تموز/ يوليو 1916، بعد أن ساهم في مخاض مفاوضات التقسيم الشهيرة، وخاصة الجلسة الشهيرة التي انعقدت بين سايكس وبيكو في 16 أيار/ مايو 1916 بإشرافه. وقد انكبّ في مذكراته على كتابة تأريخ ثأري ضد الثورة البلشيفية، متحسًّا على نصيب روسيا من الغنيمة التركية لو أكملت حربها وأنهتها وفق الإستراتيجية القيصرية، ولم يهتم في مذكراته بمعاهدة أيار/ مايو 1916 إلا لمامًا، بسب خيبة الأمل التي أبعدته عن دائرة السلطة وأبقته شريدًا في المنفى.
إدوارد غراي (1862 – 1933)
من خريجي جامعة أكسفورد (معهد باليول)، وانتمى إلى الحزب الليبرالي، وانتُخِبَ في البرلمان البريطاني في دورتين نيابيتين، وقد كان من مهندسي سياسة الوفاق الثلاثي مع فرنسا وروسيا لإخراج إنكلترا من عزلتها. وقد شغل منصب وزارة الخارجية من عام 1905 حتى كانون الأول/ ديسمبر 191614. لم تكن شهرته مرتبطة مباشرة باتفاقية سايك-بيكو بقدر ما ارتبطت بالأزمة البلقانية، ومن قبلها بمؤتمر الجزيرة الخضراء في عام 1906. غير أن المفاوضات السرية وإبرام اتفاقية سايكس-بيكو، تمّت في فترة تولّيه وزارة الخارجية، وكانت روح الاتفاقية منسجمة مع فلسفته الدبلوماسية القائمة على توثيق عُرى التحالف مع فرنسا وروسيا لعزل ألمانيا. وقد اشتهر غراي بقوله المأثور عشية الحرب العالمية الأولى: "ستنطفئ الأضواء في جميع أنحاء أوروبا، لن نراها تضاء مرة أخرى طوال حياتنا".
بول كامبون (1843 – 1924)
هو في الأساس دبلوماسي15. ولد بباريس في عام 1843، وبعد إتمام دراسته، التحق بسلك المحاماة، ثم التحق سريعًا بالإدارة. وعُيِّ في عام 1870 مديرًا لديوان جول فيري، واشتغل كاتبًا عامًّا في ولايتي نيس ومرسيليا، ثم عُيِّ محافظًا. وفي عام 1882 عُيِّ في تونس برتبة وزير مقيم، ثم عيّ مقيمًا عامًّا في عام 1882. وهو المهندس الأول لنظام الحماية الفرنسية لتونس التي غادرها بعد أن أمضى اتفاقية "المرسى" في حزيران/ يونيو 1883. وركّز كامل الجهاز الاستعماري الفرنسي من إدارة وجيش ومؤسسات قضائية. وقد
انتقل سفيرًا إلى مدريد في عام 1886. ثم عُيّ في المنصب ذاته في إسطنبول عاصمة الدولة العثمانية، وقد مكث فيها سبع سنوات، كانت كافية للاطلاع على شؤون بلاد المشرق والولايات العثمانية، وخصوصًا أن فرنسا - مثلها مثل إنكلترا وباقي القوى العظمى - كانت تتهيأ لاقتسام تركة "الرجل المريض". التحق في عام 1900 بلندن بالرتبة عينها، أي سفيرًا، وظل مدة طويلة، أي إلى عام 1920 (تاريخ حصوله على التقاعد)، وقد توفي في باريس في 20 أيار/ مايو 1924. تمرّس بول كامبون في شؤون الاستعمار من خلال تجربة تونس، وخبَر مسائل الشرق والولايات العربية العثمانية في تونس وإسطنبول خلال أكثر من 12 عامًا، ثم كان توليه سفارة فرنسا في لندن طوال عشرين عامًا، وخاصة خلال الحرب الكبرى، وما أعقبها من مؤتمرات واتفاقيات. فقد كان من أبرز الفاعلين في مسائل الاستعمار والعلاقة بين فرنسا وإنكلترا خلال تهيئة اتفاقية سايكس بيكو وإمضائها، والشروع في إنجاز أوّل أطوارها. ينتمي بول كامبون إلى مدرسة الجمهورية الثالثة، وكان متأثرًا بجول فيري الذي عمل معه في محافظة "السان"، وكان مثلَه الأعلى، وهو أحد منظّري الحركة الاستعمارية الفرنسية في أفريقيا والتونكان16. والواضح أن كامبو - علاوة على الخبرة الدبلوماسية والإدارية - كان من دعاة الثّأر لهزيمة الألزاس-لوران، عبر التوسّع الاستعماري لمراكمة قوة إضافية للثأر من ألمانيا، وهو ما يتماشى أيضًا مع أصوله الطبقية البرجوازية والليبرالية17. يُشهد لبول كامبون أنه كان رجل إيجاد الحلول أو ما يعرف بالوفاق الدبلوماسي، وقد كانت قمّة نجاحه عند المساهمة في إرجاع العلاقات الفرنسية مع إنكلترا إلى مداها الطبيعي عام 1904، بعد مرحلة النفور. تأتّ ما يعرف ب "أزمة فاشودا" incident Fashoda The بالسودان عام 1898، كما أدّى دورًا مهمًّا في ما يعرف بسياسة "الوفاق الودادي" عام 1907 بين روسيا وإنكلترا وفرنسا18.
الجنرال أللنبي (1861 – 1936)
إدموند هنري هاينمان أللنبي هو في الأساس عسكري. واشتهر بدوره في الحرب العالمية الأولى، إذ عُيَِّ على رأس الجيوش الإنكليزية بمصر19؛ بغية السيطرة على فلسطين وسورية في عامَيْ1917 و 1918. نشأ أللنبي في عائلة ثرية ومحافظة دينيًا، وكانت مسيرته متعثرة نسبيًا في البداية؛ فقد التحق بمعهد "هايلايبوري". وبعد فشله في نيل خطة إدارية مرموقة التحق عام 1881 بالكلية العسكرية الملكية في "ساندهيرست"، ثم التحق بعد ذلك بكلية الأركان في "كامبرلي" بإنكلترا، وبعدها عاد إلى جنوب أفريقيا التي خبَر فيها الحرب ميدانيًا لمدة ثلاث سنوات (من 1899 إلى 1902). وقد ارتقى بعد هذه التجربة سريعًا في سلّم العسكرية البريطانية، فعيّ رئيس أركان جيش الخيالة. وخلال الحرب الكبرى عُيَّ على الجبهة الغربية في
أوروبا، ثم التحق في خريف عام 1917 بجبهة المشرق، عوضًا عن "موراي". وكانت الغاية للويد جورج مزيدًا من الصبغة الهجومية والتوسعية. وقد اختير أللنبي لهذه المهمة، وخاصة دخول القدس قبل احتفالات أعياد الميلاد لعام 1918. وقد شرع أللنبي في تجهيز الجيوش وتدعيمها بالعتاد والعدد، وقد نجح في الفوز بمعركة غزة وبئر السبع، وتمكن من غزو القدس في 11 كانون الأول/ ديسمبر 191720. ظل من هناك يعد للهجوم على بلاد الشام الذي نجح فيه في تشرين الأول/ أكتوبر 1918، بعد حصوله على المدد البشري من الهند وجنوب أفريقيا وأستراليا. كما اختار منذ البداية دعم لورنس لتقوية جبهة القبائل لتدمير خطوط سكة حديد الحجاز - دمشق، ومن أجل قطع الطريق أمام الإمداد اللوجستي والبشري للجيوش العثمانية. وكان الجنرال أللنبي صاحب القرار الفصل في الحد من صلاحيات الأمير فيصل؛ إذ لم يغفر له تبكيره بدخول دمشق قبل الجيوش الإنكليزية، كما أنه أمره بعدم اتخاذ قرارات منفردة؛ لأنه ليس إلا ضابطًا تحت إمرته، إلى أن تنتهي الحرب ويتقرر مصير المنطقة على طاولة المفاوضات. وهو ما يدل على دور أللنبي الحاسم في تطبيق مقررات سايكس– بيكو الأساسية.
الجنرال غورو (1867 – 1964)
هو هنري جوزيف أوجين غورو21. من أسرة باريسية، وقد تبوأ منصب المندوب السامي للانتداب الفرنسي على لبنان وسورية، واشتهر بكونه من تولى إعلان دولة لبنان الكبير في عام 1920، بعد فصله عن سورية بموجب اتفاقية سايكس.- بيكو التحق بعد التحصيل الأساسي بالمدرسة العسكرية الشهيرة سان سير Cyr - Saint، والتي تخرج فيها برتبة ضابط في 1888. وهو عسكري محنّك، ومن أنصار اليد الغليظة في السياسة، بواسطة الحروب المتواصلة. وهو رجل ميدان قضى أغلب مسيرته الحربية في أفريقيا (1894 – 1914)، وخاصةً في النيجر وصحراء المغرب، ثم تحول إلى الشرق برتبة مفوض سامٍ للبنان وسورية في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 1919. وقائد حيوش المشرق22 بين عامَيْ1919 و 1923. كان منحازًا إلى مسيحيي لبنان، وقام في البداية بمفاوضات مع فيصل وزعماء الحركة القومية لدمشق لدخول المدينة من دون عنف؛ تطبيقًا لاتفاقية سايكس، وسرعان ما راهن على الحل العسكري بعد إنذاره الشهير للحكومة العربية بدمشق في 14 تموز/ يوليو 1920، وهو تاريخ يرمز إلى العيد الوطني والثورة الفرنسية، ويطلب فيه القبول بالانتداب الفرنسي على سورية وتسريح الجيش السوري، ووضع اليد على محطات سكك الحديد في رياق وحمص وحلب وحماة، وهو ما رفضه أغلب قادة الحركة العربية بالشام. وكانت معركة خان ميسلون في 24 تموز/ يوليو 1920 التي انتصر فيها، وتمكن من غزو دمشق واحتلالها في 25 تموز/ يوليو. ويتضح أن الجنرال غورو، إلى جانب ميوله الاستعمارية وحماسته لمسيحيي لبنان؛ كان عسكريًا صرفًا23، لا يأبه كثيرًا بالشأن الدبلوماسي، أو سياسة المراحل. وعلى كل حال؛ فإن الاتفاقية صاغها السياسيون ونفّذ ما أتيح تنفيذه عسكريون على غرار أللنبي وغورو.
شخصيات أخرى أو: يف غموض الأدوار
على غرار الجنرال كلايتون وماكماهون ووينستون واللورد كرزون24، كانت هذه الشخصيات قد ساهمت في القيام بأدوارها العسكرية والدبلوماسية، وكانت تتحرك وفق الإستراتيجية البريطانية في المنطقة التي تقودها التوجهات الآتية: توثيق عرى التحالف مع فرنسا لتحقيق الانتصار في الحرب وخاصة في جبهة الشرق. حشد أكبر عد ممكن من الأطراف والقوى ضد الأتراك لإنهاء نفوذهم بالشرق الأوسط. تجنب إغضاب الشريف حسين وأبنائه، ومحاولة تمكينهم من نفوذ يضمن سيطرتهم على القبائل العربية وعلى زعماء الحركة القومية. ӵ ӵ إرضاء المطامع الصهيونة في فلسطين.
مثال حالة الضابط لورنس (1888 – 1935)
وتظل حالة ضابط المخابرت البريطانية لورنس25 من أعسر حالات التصنيف. فهو في البداية مغامر وباحث في الآثار، افتتُن بالحضارة العربية في بلاد الرافدين، وتعلّم لغة العرب، وخبر طباعهم، وكان خبيرًا في تفجير الألغام، وعينًا للإنكليز على جيوش الشريف حسين، وخاصة الجيش الشمالي بقيادة الأمير فيصل، وكانت مهمته الأساسية تخريب سكة حديد الحجاز، وشلّ حركتها لقطع الإمدادات عن الجيوش والحاميات التركية26. ويبدو أنه كان متقطعًا بين ولائه للسياسة البريطانية وقناعته بضرورة تمكين العرب من دولة مستقلة جزاء لثورتهم طويلة الأمد، وتمّدنا الاستقصاءات البيوغرافية ببعض الإيضاحات والتفاصيل المهمة، ومن أبرزها رفضه قبول التوسيم من الملك جورج الخامس27تضامنًا مع العرب ومع الشريف حسين وابنه فيصل. لقد أقر لورنس مرارًا بأنه: "لم يكن يعلم بصفة رسمية ولا ودية بمواثيق سايكس – بيكو". وأكّد في الصدد ذاته أنه كان يحدس أن كل العهود التي أعطيت للعرب، ستظل حبرًا على ورق، وغير قابلة للتطبيق، ومع ذلك يقرر: "بوصفي مستشارًا ومستأمنًا فقد حاربت إلى جانب العرب وكلي أمل بتحقيق الانتصار النهائي وإعلان الدولة الموعودة"28. ولم نجد في المصادر ما يدل على قبول لورنس أو حماسته لتنفيذ عهود سايكس–بيكو، بل لاح من مواقفه أنه كان مناهضًا للنفوذ الفرنسي والأطماع الصهيونية معًا29. وتعطينا محاولتنا البروزوبوغرافية جملة من الاستنتاجات؛ أبرزها: انتماء الفاعلين إلى وسط منسجم نسبيًا؛ فقد ارتبط أغلبهم باتفاقية سايكس-بيكو بصفة مباشرة وصريحة في سن النضج والكهولة (معدل 54 سنة)، مع تميّز واضح لمارك سايكس الذي مثل استثناءً؛ إذ كان سنه لا يتعدى السابعة والثلاثين في عام 1916.
التحصيل العلمي والعسكري المحترم وتنوع المؤهلات النظرية والتطبيقية.
ظهرانيهم أو من خلال التقارير الاستعلاماتية وملاحظات الرحالة والأنثروبولوجيين. اختلاط الخبرة العسكرية بالحدس الدبلوماسي والسياسي عند معظم الفاعلين. معرفة دقيقة بمعطيات التاريخ والحضارة، وخاصّة بالمعطيات الخرائطية والجغرافية من تضاريس ومناخ.
للاستثمار المالي والصناعي ونهب المواد الأولية من المستعمرات30.
"الألزاس-لورين" يطمحون إلى إحياء أمجاد فرنسا.
الفاعلون المضادون: محاولات التصدي والمقاومة
المعارضة لفحوى الاتفاقيات في بلاد المشرق بالعجز أو التواطؤ أو اللامبالاة.
للزعماء العرب في ساحة البرج ببيروت في 6 أيار/ مايو، أي قبل 10 أيام من إمضاء الاتفاقية.
هدفهم المعلن آنذاك هو مقاومة الثورة البيضاء المضادة.
نصنّف الفاعلين المضادين إلى قسمين: معرفة دقيقة بشأن المشرق وبلاد العرب وطباعهم ولغتهم ونمط تدينهم، ومسافة ردود أفعالهم، سواء من المعايشة الميدانية بين
الانتماء إلى الأيديولوجية الاستعمارية التي كانت ممارسة سياسية، وتحولت بعد مؤتمر برلين الثاني في عام 1878 إلى منظومة قناعات كاملة تخترق أحزاب اليمين واليسار على حد سواء، وتخترق الفكر الإمبراطوري، كما الجمهوري والليبرالي، كما الاشتركي في إنكلترا وفرنسا خاصة. ولم تكن هذه المنظومة تراهن على التوسع الترابي والمجالي فقط، بل كانت تبحث أيضًا عن فتح أسواق جديدة
التقاء مصالح بين مدرسة "الهند الاستعمارية" عند البريطانيين وبين ما يعرف بأنصار الثأر من الفرنسيين الذين ظلوا تحت وجع
ليس من السهل القول بوجود "فاعلين مضادين" لاتفاقيات سايكس- بيكو، ولكن ليس من السهل أيضًا نعت جميع القوى
وإن وجب تخيّ مجموعة المعارضين فهم فقط الساسة الأتراك والماسكون بالسلطة من جماعة الاتحاد والترقي، ولا سيّما الثلاثي طلعت وأنور، وجمال بصفة خاصة، غير أن معارضة حكومة الثلاثي للاتفاقية كان في إطار الرغبة في مواصلة إحكام القبضة على بلاد العرب، وليس من باب معارضة المشروع الاستعماري الذي لم تتفطن إليه الاستعلامات العثمانية إلا بعد أن أذاع سره البلاشفة. وعند نظم خيوط الاتفاقية، وعندما كان سايكس وبيكو يهيئان لاستكمال مشروع التقسيم في عام 1916، كان جمال باشا قد نصب المشانق
ولا يمكن أيضًا أن نعدّ البلاشفة في روسيا، والذين كشفوا أمر الاتفاقية من الفاعلين المضادين بالمعنى الحقيقي والكامل؛ لأن همّهم كان كشف بطلان السياسة القيصرية ودخول حرب "إمبريالية" خاطئة، ولم تكن لديهم إسترتيجية معاكسة، وخصوصًا أن
ساهمت عملية فضح الاتفاقية في خريف عام 1917 في بلورة المواقف من مشروع التقسيم الاستعماري في المنطقة. ويمكن أن
الأول: هو السلطة الشريفية لفيصل ولأبنائه، والتي راهنت على حسن نيّات الإنكليز، ثم على الشق المناصر منهم لقيام "كيان عربي". وهؤلاء كانت معارضتهم للاتفاقية مرتبطة بمكانتهم وطموحاتهم بوصفهم عائلة نبيلة، تطمح إلى نيل الحكم بعد تحريكها الثورة ضد الأتراك. لذلك اقتصرت ردّات الفعل على التصدّي السياسي من ناحية، وعدم التفريط في بلورة كيان الدولة الشريفية الموعودة.
الثاني: يضم المقاومين الفعليين لتطبيق الاتفاقية والمتصدّين للمشروع الاستعماري "الإنكلوفرنسي" أو الصهيوني. وهؤلاء فيهم الساسة، وفيهم الأبطال العسكريون الميدانيون.
الريف حسين (1854 – 1931)
الشريف حسين الهاشمي من مواليد عاصمة الخلافة العثمانية إسطنبول في عام 1270 ه / 1854 م. وكان والده الشريف عليٌّ حينها منفيًا فيها، وهو أمر يختزل علاقة الريبة بين الأتراك العثمانيين وبين العائلة الشريفية في الحجاز. نشأ الحسين في الأستانة، فتعلّم التركية، ونال تحصيلً أوليًا من القرآن، ثم رجع إلى مكة، حيث واصل تحصيله الديني والعلمي. وقد عاش شبابه في وقع الهيمنة التركية، وهو ما بوّأه فيما بعد لقيادة الثورة العربية ضد الأتراك العثمانيين بداية من حزيران/ يونيو 1916. وقد حاول الاستقلال بإمارة مكة، لكن آل سعود تمكنوا من طرده منها في عام 1924. واستقر في قبرص. وكان شبه منفيٍّ إلى أن توفاه الأجل في عام 1350 ه / 1931 م، عن عمُر يناهز السابعة والسبعين، فدفن في القدس تنفيذًا لوصيته. كان الشريف حسين يراهن كثيرًا على التحالف مع بريطانيا، وخاصة على حسن نيّاتها السياسية. وقد بدأت الاتصالات منذ 1914 بين الأمير عبد الله بن الشريف حسين واللورد كيتشنر31. وقد نال وعودًا بالاعتراف باستقلاله على رأس دولة عربية في ما يعرف ببروتوكول دمشق في عام 1915، وهو مراسلاته مع السير هنري مكماهون قبل الشروع في إعلان الثورة ضد الأتراك. ولاحت له تلك الوعود ثابتة غير أنها لم تكن إلا وعودًا هلامية فضفاضة. وقد نال الشريف حسين ثقة الزعماء السياسيين في الشام ومصر وحصل على دعمهم، فكان رمزًا من رموز "حلم" تكوين الدولة العربية المستقلة بعد أربعة قرون من السيطرة العثمانية. لا تزال الآراء مختلفة حول حقيقة مواقف الشريف حسين؛ أكانت هي الرغبة الموضوعية في تحقيق حلم الدولة العربية المستقلة أم تحقيق حلمه الأُسَي؟ فقد كانت معارضته لسايكس -بيكو بديهية، لكنها لم تكن حثيثة وفعّالة على ما يبدو. وهو ما جعل غالبية المهتمين يسارعون بنعته بالضعف حينًا، والتواطؤ مع الإنكليز حينًا آخر. وهي أحكام ارتبطت بالسياقات السياسية والأيديولوجية أشدّ من ارتباطها بسياقات الفهم التاريخي والتأويلي. لقد نجحت جيوش الشريف حسين التي بلغت زهاء 70 ألف محارب أغلبهم من القبائل، بعد أن انضم إليها المتطوعون من الشام وفلسطين. وكانت نجاحات الشريف وأبنائه مرموقة في تدمير خطوط سكة حديد الحجاز، والسيطرة على ميناء العقبة خلال تشرين الأول/ أكتوبر 1917، والمساهمة في طرد القوات التركية من بلاد الشام والساحل السوري اللبناني، ثم إعلان قيام الحكومة العربية في دمشق. علم الشريف حسين بفحوى اتفاقية سايكس-بيكو في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، وتلقّى رسالة في الغرض من جمال باشا في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 191732. ومن أبرز ما جاء فيها:
"إننا اليوم نعيش أشدّ الصفحات غموضًا وشكوكًا في تاريخ الإسلام [...] وهنالك زاوية واحدة يمكن منها تبرير ثورتكم لمصلحة العرب، وذلك إمكان تأسيس حكومة عربية مستقلة ستضمن بهيبتها استقلال الإسلام وكرامته ورفعته. ولكن أي نوع من الاستقلال يمكنكم أن تتصوروا العربية تقوم بعد تدويل فلسطين33. لقد أعلنت ذلك حكومات الحلفاء بصراحة وبصورة رسمية، مع وضع سورية تحت السيطرة الفرنسية تمامًا، وجعل العراق بأسره جزءًا من الممتلكات البريطانية؟ وكيف ستتمكن حكومة كهذه من تقرير مصير الإسلام؟ لعلكم لم تفكروا في هذه النتائج في البداية. ولكنني آمل أن يظهر لكم مشهد الاحتلال البريطاني لفلسطين. هذه الحقيقة عارية [...]". ويحاول بعض المؤرخين إنصاف الشريف حسين بالقول إنه لم يعلم بكامل فحوى اتفاقية سايكس - بيكو؛ لأن جمال باشا ألمح إلى بعض أجزائها فقط. ولقد عاب زعماء القومية العربية فيما بعد تمادي الشريف حسين في موالاة البريطانيين، حتى بعد أن كشف البلاشفة أمر الاتفاق السري، وبعد أن حاول الأتراك جذبه إلى صفوفهم. والواقع أن الشريف كان آنذاك في حالة اللاعودة، وخصوصًا أن لورنس كان يقود الجيوش والإمداد بالعتاد والأزياء والأموال من المكتب العربي الإنكليزي بمصر.
فيصل بن الريف حسين (1883 – 1933)
هو فيصل بن حسين بن علي الهاشمي، من أشراف مكة. ولد في الطائف، ونهل من تربية البادية وقيمها في التعليم القرآني والفروسية على عادة أجواد العرب. وكان إلى جانب العربية يحذق مثل والده وإخوته اللغة التركية التي تعلمها والده في الأستانة، ثم متّ بها معارفه لما تحول في عام 1896 ليقيم بإسطنبول مع أبيه الشريف حسين في شبه إقامة جبرية. وقد دعّم زاده اللغوي ببعض الإنكليزية والفرنسية، وقد آب إلى مكة في عام 1909، بعد تعيين والده شريفًا عليها. واضطلع بدور التأطير العسكري لردع القبائل المتمردة ضد الأتراك وضد سلطة الشريف حسين، ثم انتُخِب في مجلس "المبعوثان" نائبًا عن جدّه. وقد كانت هذه التجربة "البرلمانية" سببًا في تمكّنه من ناصية الشأن السياسي واختلاطه بنابهي الأتراك والعرب من أصحاب النفوذ السياسي عشية الحرب الكبرى. ولم يكن فيصل بمعزل عن توجهات والده الإستراتيجية. فقد كان يثق في الإنكليز، وربطته بلورنس علاقة متينة، وكان من رموز الثورة العسكرية على الأتراك. فقد حقق انتصاراته، وطرد الحاميات التركية من مكة والمدينة والطائف وجدة وينبع، ثم العقبة. ونجح بفضل لورنس في استعمال المتفجرات لتلغيم جسور سكة الحديد ومحطات القطار. ودخل دمشق في مظهر المظفّر بالنصر34. وبُويع زعيمًا للحكم العربي في سورية، لكنه كان ضحية لاتفاق سايكس - بيكو؛ أولً لأنه خسر الحكم على سورية، وثانيًا لأنه اتهم بخذلان الحركة العربية. لقد دام حكم فيصل في سورية 18 شهرًا أعلن فيها قيام حكومة عربية في دمشق رأسها علي رضا الركابي، وقام بتعيين جميل المدفعي حاكمًا لعمّان، وعلي جودت الأيوبي حاكمًا لحلب، وشكري الأيوبي حاكمًا عسكريًا لبيروت وكان ذلك دون رضا الإنكليز، وقد أثار حفيظة الفرنسيين خاصة.
العملة النقدية خلال العهد الفيصلي بسورية
وأُسست لبنات الدولة باستصدار العملة، وإحداث دواوين للبريد، وإدارة للمعارف والأوقاف والعدلية35. وفي 8 آذار/ مارس 1918 أُعلنَ الأمير فيصل ملكًا من قبل المؤتمر السوري العام وحصل على مبايعة شعبية36. وقد أجاد خلال العهد السوري أداء دور الحاكم ودور الدبلوماسي، فقد شارك في مؤتمر السلم بباريس وتمكن من عرض أفكار والده أمام المؤتمر في 6 شباط/ فبراير 1919 مبينًا أنه جاء ممثلً "لوالدي الذي قاد الثورة العربية ضد الترك تلبية منه لرغبة بريطانيا وفرنسا لأطالب بأن تكون الشعوب الناطقة بالعربية في آسيا من خط الإسكندرونة ديار بكر حتى المحيط الهندي جنوبًا، معترفًا باستقلالها وسيادتها بضمان من عصبة الأمم". كان فيصل يرفض رفضًا باتًا أن يحكم بلدًا لا يطلّ على البحر، لذلك كان رافضًا لتسوية سايكس-بيكو بداهة، وكان متحمّسًا للثأر لمقتل الزعماء العرب. فهو الذي صدع بالقول المأثور "طاب الموت يا عرب" في أيار/ مايو 1916، بعد إعدام الزعماء القوميين في ساحة المرجة، لكنه هو أيضًا من ترك سورية بعد معركة ميسلون وفرّ بحرًا. يعاب على فيصل عدم صموده، وقبوله بإنذار الجنرال غورو المهين، ومسارعته بالتسليم، ومغادرته سورية. وهو أمر فيه خلاف ووجهات نظر متباينة بين من يرى الأمر رجحان عقل وواقعية سياسية، حتى لا تتم استباحة أملاك السوريين وأعراضهم من جيش مسلّح بالطائرات والدبابات، وبين من يعدّه خيانة ولهثًا وراء الحكم (بعد توليه عرش العراق في عام 1921)، وتبعية للاستعمار الإنكليزي. وقد توفي في رحلة علاج بسويسرا في عام 1933 في أوضاع غامضة نسبيًا، ودُفن في بغداد.
يوسف العظمة (1884 – 1920)
من مواليد مدينة دمشق عام 1884. وقد نشأ في أسرة عريقة من بكوات الشام وأعيانه. وقد درس في مدرسة الرشدية، ثم التحق في سن الثالثة عشرة بالمدرسة الإعدادية العسكرية، ثم التحق بإسطنبول بالمدرسة الحربية العسكرية ليتخرج برتبة ملازم في سن العشرين، ثم تدرّج في الرتب العسكرية، ليصبح رقيبًا في عام 1907، ونال في أواخر عام 1909 شرف الالتحاق بألمانيا ضمن بعثة دراسية. ودامت رحلته التعليمية العسكرية مدة عامين، ليعود ويعين ملحقًا عسكريًا في القاهرة التي كانت آنذاك ملجأ النخبة الشامية واللبنانية المعارضة للهينة التركية وللمركزية وسياسة التتريك. اكتسب يوسف العظمة دُربة ومهارة إثر مشاركته في حرب البلقان في 1912 خلال التحاقه بقوات أنور باشا في الدردنيل، وكان يحسن التركية ونصيبًا من الألمانية. ثم التحق بعد هزيمة الأتراك وخروجهم من الشام بالجيش العربي بقيادة فيصل. عُيَّ برتبة ضابط في بيروت ومتّ هناك معرفته باستعمال نظام "الشيفرة" في الرسائل. ثم انتقل في عام 1919 إلى دمشق، وعُيَّ قائدًا لأركان الجيش، ثم سُميَ وزيرًا للحرية في أيار/ مايو 1920. فقام بتأسيس نواة جيش عصري ضمّ زهاء عشرة آلاف جندي. وعلى الرغم من قصر المدة التي أشرف فيها على الوزارة، فقد سعى إلى غرس عقيدة قومية عربية في الجيش الناشئ37. وهناك خلاف في تقييم موقف يوسف العظمة من الاجتياح الفرنسي لسورية تطبيقًا لروح معاهدة سايكس - بيكو؛ فهناك من يعيب على
الشرف؛ فقد استبسل واستشهد ورفض الانصياع لإنذار الجنرال غورو، والذي نصّ على ضرورة: وضع السكة الحديدية تحت تصرّف الفرنسيين على نحو مطلق. ӵ ӵ التعامل بالعملة التي فرضتها فرنسا. ӵ ӵ حلّ الجيش العربي وإلغاء التجنيد الإجباري. ӵ ӵ قبول الانتداب الفرنسي.
الرمزية رفضًا مبدئيًا عربيًا لاتفاقيات سايكس - بيكو الشهيرة.
عبد الرحمن الشهبندر (1879 - 1940)
الجامعة عينِها في بيروت، كما كان ناشطًا سياسيًا وخطيبًا للجمعية العلمية العربية38.
العثماني في بلاد الشام، وهو ما جلب له التتبعات والمنفى الاختياري في العراق ومصر والهند.
جيوش فيصل على قاعدة "التحالف من أجل الاستقلال". يوسف العظمة قلة الواقعية وروح الهواية، وخصوصًا أنه كان يفتقر إلى الذخيرة والسلاح، وهناك من يعده أيقونة للنضال والدفاع عن
وقد انساق يوسف العظمة مع الموقف الشعبي والقومي الرافض للاحتلال الفرنسي، وخاض معركة ميسلون39 على الرغم من تفاوت القوتين في العدة والعدد (ثلاثة آلاف جندي عربي في مواجهة 9 آلاف جندي مسلحين بالمدافع والدبابات ومخفورين جويًا بعشر طائرات)، وسقط شهيدًا في موقعة خان ميسلون الشهيرة في 24 تموز/ يوليو 1920. وعُدَّت وفاة هذا القائد العسكري من الناحية
من رجال السياسة الذين طبعوا تاريخ سورية الوطني، فقد كان بمنزلة العقل المخطط للثورة السورية الكبرى في منتصف العشرينيات. عد التعليم الكلاسيكي سافر إلى لبنان لدراسة الطب في الجامعة الأميركية في بيروت عام 1902. عمل أستاذًا وطبيبًا لطلّب
عاد إلى دمشق عام 1908. وكان من النخبة الإصلاحية التي طالبت باللامركزية في الإطار العثماني، ثم أصبح مناهضًا للحكم
وإلى جانب مهارته العلمية والسياسية ولع بالصحافة في مصر، وتولّ رئاسة تحرير جريدة الكوكبالقريبة من الإنكليز. وفي هذا الصدد كان الشهبندر من ضمن النخبة الشامية التي أحسنت الظن بالإنكليز على أساس التحالف ضد الأتراك، وإعانة العرب تقنيًا وعسكريًا للمضي في الاستقلال. وقد ساند السياسة الإنكليزية في مطلع الحرب، وساند ثورة الشريف حسين، ودعا إلى التطوع ضمن
وسطع نجم الشهبندر سياسيًا مع قدوم لجنة "كينغ–كراين" الأميركية عام 1919، والتي جابت أنحاء سورية الكبرى لاستطلاع رأي مختلف الأطراف، والحساسيات الدينية والإثنية في مصير المنطقة، ومستقبل نظام الحكم. وقد كان الشهبندر صاحب كاريزما وقدرة على الزعامة والتأثير. وهو ما أهله للانضمام في أيار/ مايو 1920 إلى حكومة هاشم الأتاسي، متقلدًا منصب وزارة الخارجية السورية. وقد كان من المناهضين الحركيين لمطامع الاحتلال ولاتفاقية سايكس–بيكو. وبعد استقراره بمصر عاد إلى دمشق عام 1922؛ ليتزعم الحركة الاستقلالية المناهضة للانتداب الفرنسي. وقد تمّت محاكمته40 ونفيه عدة مرات، وأسّس عام 1924 حزب الشعب
السوري الذي كان يطالب باستقلال سورية، وإسقاط الانتداب ومختلف المعاهدات الاستعمارية، وإقامة جمهورية سورية منتخبة. وكان الشهبندر من محركي الانتفاضات الوطنية في النصف الأول من العشرينيات، وخاصة عام 1925 بالشام وجنوب سورية (دير الزور). وأقام تحالفًا وثيقًا مع إبراهيم هنانو قائد المقاومة بالساحل السوري، ومع فوزي القاوقجي محرك الانتفاضة ضد الفرنسيين في حماة، ومع سلطان الأطرش زعيم المقاومة بجبل الدروز. وإثر تراجع الحراك الثوري عام 1926 غادر الشهبندر سورية فارًا من بطش الفرنسيين ومن الأحكام الصادرة ضده غيابيًا. ولم يعد إليها إلا في عام 1937، متزعمًا جبهة معارضة بروتوكول 1936 للمطالبة بالاستقلال التام لسورية، وإسقاط مخلفات اتفاقية سايكس.-بيكو وبعد إلغاء حكم الإعدام، عاد عبد الرحمن الشهبندر إلى دمشق في 11 أيار/ مايو 1937، واستقبِلَ بصفة جماهيرية، وقام بعدة جولات خطابية. وقد اغتيلَ عبد الرحمن الشهبندر في تشرين الأول/ أكتوبر 1940، بتهمة المس بالمقدسات، وهي حجة واهية استعملها خصومه. وكان الشهبندر من الفئة المستنيرة الحداثية التي ناهضت الاستعمار عامة وسايكس-بيكو بعقلية علمانية تفصل بين الدين والسياسة. وهو سلاح واجه به الأمير فيصل عندما برّر قبول الأمور الواقع من خلال شرعية أصوله المنتمية لآل البيت. فعارضه بأنه ابن البلد، ومن ثمّ فقد كان يضع الشرعية الوطنية سابقة على الشرعية الدينية والسلّالية41. وليس من السهل أن يقع تصنيف هذه الشخصية ضمن الفاعلين المضادين؛ لأن مسار الشهبندر لم يكن فريدًا؛ إذ تشابهت أدواره مع لفيف مهم من النخبة السورية التي انتمت إلى جيل صدمة سايكس-بيكو وميسلون، وهو أمر واجهنا أيضًا في تخيّ شخصية إبراهيم هنانو.
إبراهيم هنانو (1869 – 1935)
من مواليد محافظة حلب عام 1869. وهو من عائلة ميسورة ذات أصول كردية، لكن ولاءه كان للعروبة. وقد قاوم اتفاقيات سايكس-بيكو، وكان من رموز مقاومة الاحتلال الفرنسي بسورية. درس بمسقط رأسه في "كفر تخاريم" ثم بحلب، ومنها تحوّل إلى إسطنبول لدراسة الحقوق. وقد دخل سلك القضاء في إسطنبول وأرضروم، ثم عاد للعمل في منطقة حلب برتبة قاضي تحقيق. وقد تولى عدة مسؤوليات محلية في حلب ونواحيها، ثم انتُخب نائبًا عنها في المؤتمر السوري العام بدمشق خلال العهد الفيصلي (1919 – 1920)، وكان مناهضًا صريحًا للنيّات الاحتلالية الفرنسية بسورية، والتي انبنت على قاعدة اتفاقيات سايكس-بيكو42. وبعد معركة ميسلون برز هنانو بتزعم المقاومة في جبال إدلب وسمعان وحلب43 عام 1920 و 1921. وكان من المبكّرين بالمقاومة العسكرية الميدانية للاحتلال الفرنسي، وانتهج تكتيك حرب الجبال والهجومات السريعة والخاطفة لمناوشة الفرنسيين وزعزعة
استقرارهم. وقد عرض عليه الزعيم البلشفي لينين المساعدة لإضرام سلسة من الانتفاضات ضد الفرنسيين والإنكليز. وبعد إخماد الانتفاضات السورية انتهج هنانو مسلك المقاومة السياسية الحزبية وأصبح زعيمًا للكتلة الوطنية السورية.
شخصيات أخرى
هناك عدة شخصيات على غرار جميل المدفعي، وعلي جودت الأيوبي، وياسين الهاشمي، وجعفر العسكري، وساطع الحصري، وصالح العلي، كانت ضد الاتفاقيات وتصدّت لها. لكن يصعب تصنيفها ضمن الفاعلين الأساسيين المضادين للاتفاقية بسبب تغير المواقف بسرعة، أو بسبب الضبابية والغموض، أو بسبب حداثة السن، زمن انعقاد اتفاقية أمين الحسيني الذي حارب ضمن القوات العربية. وبرز دوره فيما بعد ضمن سجل المقاومة الفلسطينية للاستيطان الصهيوني، ومن أمثلة الحالات صعبة التصنيف بسبب غموضها، ما يلي:
عزيز علي المصري (1880 – 1965)
وهو عسكري وسياسي من أصل شركسي مصري، ويلقبه البعض بالعربي؛ بسبب ميولاته القومية ودوره في حركة التحرير العربية سياسيًا وعسكريًا. بعد التحصيل الابتدائي والثانوي في القاهرة التحق بالكلية العسكرية في إسطنبول، وتخرّج فيها برتبة ضابط أركان، وخاض عدة حروب ومعارك في اليمن وطرابلس والمغرب. وكان مشهودًا له بالكفاءة الحربية44، وانضمّ مبكرًا إلى جمعية الاتحاد والترقي، وشاركها انقلابها العسكري عام 1908، ثم انحاز كليًا إلى العروبة وفكرة الاستقلال، فانتظم في صلب الجمعية القحطانية، وكان من أبرز مؤسسيها والفاعلين فيها. وقد مر أيضًا بتجربة الانتماء إلى جمعية العهد السرية، واشتهر بمساندته للشريف حسين والثورة العربية، لكنه سرعان ما اختلف معه ومع الأمير فيصل؛ بسبب عدم ثقة عزيز المصري في وعود الإنكليز. وكان قد علم بالاتفاقات السرية التي عقدت بين الفرنسيين والإنكليز لاقتسام بلاد الشام والعراق. وحاول أن يتحالف من جديد مع الأتراك العثمانيين ومع الضابط التركي فخري باشا قائد الجيش العثماني في الحجاز، وخسر بذلك ثقة الشريف حسين. ولم ينل رضا الأتراك فيصعب بذلك تصنيفه ضمن الفاعلين المضادين للاتفاقية بسبب تذبذب بعض مواقفه وغموضها وتغيير التحالفات بسرعة. تعطينا محاولتنا البروزوبوغرافية حول الفاعلين المضادين جملة من الاستنتاجات؛ من أبرزها: عدم انتماء الفاعلين إلى فضاء منسجم جغرافيًا وثقافيًا، فنخب الحجاز كانت تفتقر إلى الخبرة السياسية. وفي المقابل، كانت نخبة الهلال الخصيب تفتقر إلى التوازن بين المطامح السياسية والمؤهلات الموضوعية لتحقيقه. وجود نوع من القطيعة بين التحصيل العسكري والخبرة السياسية. فالفاعلون هم إما عسكر أو ساسة وهي نقيصة كبرى، أدت إلى ضعف ردّات الفعل وعدم تكشّف الخطر الاستعماري الأنكلوفرنسي والصهيوني في أوانه. اختلاف أنماط الفعل، فقد قام الساسة بعمليات التصدي للاتفاقيات، وقام العسكروين بمحاولات المقاومة الميدانية، لكنها كانت من دون فاعلية كبرى، بسبب تفاوت موازين القوى.
عدم تجانس الأصول والطباع والأداء بين الحجازيين والسوريين والعراقيين. وقد لاح خاصة عند تكوين الحكومة العربية في دمشق، والصراع الخفي على مواطن النفوذ. عدم انسجام الأيديولوجيات وتقطّعها بين الولاء القبلي والقطري والقومي، ووضوح الفارق بين أداء الضباط المتكونين في جمعية العهد والعربية الفتاة، وبين الساسة المنتمين إلى حزب اللامركزية الإداري، وبين الأيديولوجيا الهاشمية التي تمزج بين العروبة والإسلام و"الشريفية".
خاتمة
يساورنا الاعتقاد أنّ هذا التقصّ "السيّري الجماعي"، والذي انتهى إلى تحليل بروزوبوغرافي حول فهم عملية الفعل وردّة الفعل على اتفاقية سايكس - بيكو الشهيرة. ومن ثمّ تقديم عناصر تأريخية لمزيد من الفهم والتفسير والتأويل، وهي مهمة المؤرخ الأساسية اليوم. إذ ليس من واجبه أن يقوم بعملية التبرير أو التشهير. لقد انحصر التركيز كثيرًا في الأدبيات التاريخية كما المذكرات على اتفاقية سايكس-بيكو، وعلى الخرائط والتقسيم. والحال أن الاتفاقية هي نتاج منظومة استعمارية ارتبطت بنهم تقسيم العالم بعامة، وتركة الإمبراطورية العثمانية بخاصة، كما كانت متأثرة بإستراتيجية إفراد فلسطين بوضع خاص لتيسير عملية الاستيطان. ومن ثمّ بلورة وعد بلفور، وتحقيق حلم إنشاء كيان الدولة الصهيونية. لا تزال لعبة الخرائط التي دارت بالأمس في المكاتب المغلقة تشعل لظى الحرب في الشرق الأوسط. وما واقع سورية والعراق اليوم والشرق الأوسط المفتتالمتشنج المنفجر، إلا تواصل لتلك التسوية التي أريد بها ظاهريًا إحلال السلم، وهي في باطنها إيقاد لنار الحرب من قناة السويس حتى خليج البصرة.
الحكيم، حسن. عبد الرحمن الشهبندر: حياته وجهاده. بيروت: الدار المتحدة للنشر، 1985.
الحكيم، يوسف. سوريا والعهد الفيصلي. بيروت: دار النهار، 1986.
الزركلي، خير الدين. الأعلام. بيروت: دار العلم للملايين، 1992.
صفوة، فتحي. الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية. ج 1. بيروت: دار الساقي، 2000.
________. الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية. ج 3. ط 2. بيروت: دار الساقي، 1998.
العمري، صبحي. ميسلون نهاية عهد: أوراق الثورة العربية. قبرص/ لندن: دار رياض الريس للنشر، 1991.
قاسمية، خيرية. الحكومة العربية بدمشق. دمشق: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1982.
مذكرات رستم حيدر. تحقيق فتحي صفوة. بيروت: الدار العربية للموسوعات، 1988.
مذكرات عبد الرحمن الشهبندر. دمشق: دار الإرشاد، 1967.
الموسى، سليمان. الثورة العربية الكبرى: وثائق وأسانيد. عمّان: دائرة الثقافة والفنون، 1966.
________. لورنس والعرب: وجهة نظر عربية. عمّان: وزارة الثقافة، 1992.
الحكيم، دعد. رسائل عبد الرحمن الشهبندر 1879 – 1940: تاريخ أمة في حياة رجل. دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 2002. قوصرة، فايز. الثورة العربية في الشّمال السوري ثورة إبراهيم هنانو. دمشق: وزارة الثقافة الهيئة العامة السورية للكتاب، 2008. ________. الحركة العربية: سيرة المرحلة الأولى للنهضة العربية الحديثة 1908 – 1924. ط 4. عمّان: دار ورد للنشر والتوزيع، 2013.
• Ageron, Charles-Robert. France coloniale ou parti colonial? Paris: PUF, 1978.
• Arnaud, Claude. "Le retour de la biographie: d'un tabou à l'autre." Le débat. no. 54 (1989).
• Autand, Françoise. Prosopographie et genèse de l'État moderne, actes de la table-ronde C.N.R.S et E.N.S.J.F.
Paris: Rue d'Ulm, 1986.
• Baumont, Maurice. Gloires et tragédies de la Troisième République. Paris: Hachette, 1956.
• Bourdieu, Pierre. "L'illusion biographique." Actes de la recherche en sciences sociales. no. 62 - 63 (juin 1986).
• Cloarec, Vincent. "L'Entente cordiale et la question syrienne, 1904 - 1918." Relations internationale. no. 93
(printemps 1998).
• Comte, Gilbert. L'Empire triomphant: 1871 – 1936. tome 1:Afrique occidentale et équatoriale. Paris, Denoël, 1990.
• d'Andurain, Julie. "La Méditerranée orientale durant la Grande Guerre, nouvel enjeu entre la France et la
Grande-Bretagne." Cahiers de la Méditerranée. vol. 81 (2010).
• ".Le général Gouraud, parcours d'un colonial (1867 - 1946)." Outre-mers. tome 98. no. 370 (1 er
semestre 2011).
• Dallin, Alexander. Russian diplomacy and Eastern Europe, 1914 - 1917. New York: King's Crown Press, 1963.
• Dib, Boutros (dir). Histoire du Liban. Paris: Éditions Philippe Rey, 2006.
• Dosse, François. Le Pari biographique. Paris: La découverte, 2005.
• Khdduri, Majid. Arab Contemporaries: The Role of Personalities in Politics. Baltimore: Johns Hopkins
Université Press, 1973.
• Laurens, Henry. La Question de Palestine, Tome Premier 1799 - 1922 , L'invention de la Terre sainte. Paris: Fayard, 1999.
•. Le Grand Jeu: Orient arabe et rivalités internationales. Paris: Armand Colin, 1991.
• Laures, Michel. T.E Lawrence avant l'Arabie 1888 - 1914. Paris: L'Harmattan, 2002.
• Lawrence, Thomas Edward. Les Sept piliers de la sagesse. Paris: Payot, 2002.
• Levi, Giovanni. "les usages de la biographie." Annale ESC. vol. 44 , no. 6 (1989).
• Mahjoub, Ali. L'établissement du protectorat Français en Tunisie. Tunis: Publications de l'universite de Tunis, 1977.
• Millet, Hélène (ed.). "Informatique et prosopographie." Actes de la table-ronde. Annales de démographie
historique. Paris: 1986.
• Mohamed–Gaillard, Sarah & Maria Romo-Navarette (dir). Des Français d'outre-mer. Paris: Presses
universitaires de la Sorbonne, 2005.
• Nicault, Catherine. Une Histoire de Jerusalem 1850 - 1967. Paris: CNRS Editions, 2008.
• Robbins, Keith. Sir Edward Grey: A Biography of Lord Grey of Fallodon. London: LCassell, 1971.
• The Papers of Sir Mark Sykes, 1879 - 1919. An introduction to the online edition, accessed on 18 / 4 / 2017 , at:
http://www.britishonlinearchives.co.uk/ 9781851171507.php
45محمد جمل باروت Mohammed Jamal Barout |
من اتفاقات سايكس -ى بيكو إل معاهدة لوزان:
عقد التحولات وآثاره البنيوية في نشوء الدولة يف المرق العربي
مقدمة
تُعدّ المرحلة الفاصلة بين توقيع اتفاقات سايكس - بيكو السرية (أيار/ مايو 1916) إبان الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918)،
حول اقتسام المشرق العربي قبل انهيار الدولة العثمانية، مرورًا بتوقيع معاهدة سيفر (1920)، وحتى توقيع معاهدة لوزان (24 تموز/ يوليو 1923)، مرحلةً حاسمة في التحول العالمي من نظام الإمبراطوريات في العالم إلى نظام الدول الذي يستوحي في شكله الأساس القومي الأوروبي للدولة أو شكل الدولة - الأمّة Nation - Etat الأوروبي، التي مثّلت الوحدة الأساسية للنظام الدولي الذي أرسته معاهدة وستفاليا (1648) بعد حرب الثلاثين عامًا (1618 - 1648).
انهارت في هذه المرحلة ثلاث إمبراطوريات متعددة القوميات؛ هي الإمبراطورية العثمانية، والإمبراطورية النمساوية – المجرية،
والإمبراطورية الروسية - القيصرية. وفي الوقت الذي تمكنت فيه الثورة البلشفية من تحويل الإمبراطورية الروسية القيصرية إلى إمبراطورية سوفياتية شيوعية، فإن الإمبراطوريتين النمساوية – المجرية والعثمانية اللتين كانتا قد دخلتا في مرحلة احتضار قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى تفككتا إلى نظام الدول.
مثّل انهيار هذه الإمبراطوريات الكبرى الجامعة أساس وجهة النظر التي ترى في حقبة انهيار الإمبراطوريات الثلاث" نهاية
العصر الوسيط النهائية، وميلاد عصر جديد" يقوم على نظام الدولة - الأمّة. لقد كان كل منها مركزًا لكرسي رسالي إمبراطوري ديني كوني؛ فكانت إمبراطورية آل هابسبورغ وريثة السيادة الكونية للكنيسة الرسولية الكاثوليكية التي شكلت معالم أوروبا العصر الوسيط، وإمبراطورية آل رومانوف في روسيا وآل عثمان وريثتي الإمبراطورية اليونانية - الرومانية الشرقية القديمة، من زاوية انتماء روسيا القيصرية إلى كنيسة القسطنطينية البيزنطية، إضافة إلى وراثة الإمبراطورية العثمانية مركز العالم الإسلامي، وتكريس السلطان - الخليفة في مرحلة السلطان عبد الحميد الثاني (1876 - 1909) خليفةً للمسلمين في العالم يضاهي منصب البابا بالنسبة إلى الكاثوليك.
وبهذا المعنى، يمكن فهم انهيار هذه الإمبراطوريات التي ترى كل منها نفسها مركز دين رسالي عالمي بصفتها "خاتمة نهائية
للعصور الوسطى الأوروبية" على حد تعبير جورج قرم. فالمواجهة بين الإمبراطورية والدولة في الإمبراطورية الرومانية المقدسة في الغرب التي كان من ثمارها معاهدة وستفاليا، وانبثاق نموذج الدولة الحديثة ذات السيادة، ونشوء أساس نظام دولي جديد تشكل الدولة - الأمّة وحدته الأساسية، ستجد تتمتها النهائية في تعميم الصراع بين الدول القومية الأوروبية والإمبراطوريات كلها. وفي هذه العملية، مثلت نتائج الحرب العالمية الأولى ما يمكن فهمه بنهاية المواجهة بين الإمبراطوريات والأمم، والتي انتهت بتفكك الإمبراطوريات لمصلحة نظام الدول - الأمم، لكن لتتحول الدول الأوروبية القومية "الديمقراطية" المنتصرة في الحرب على الإمبراطوريات "الاستبدادية" والخانقة لشعوبها في مرحلة هيمنة "عصر القوميات" على روح العصر إلى نوع من دول قومية إمبراطورية أو استعمارية46.
اتفاقات 1914 - 1915 الممهدة لاتفاقات سايكس - بيكو وما بعدها
تصور الأدبيات التاريخية المشرقية العربية عمومًا، بما فيها كثير من الأدبيات التاريخية المحترفة، المناطقَ العربية في الدولة
العثمانية والدولة العثمانية نفسها على أنها ضحية لاتفاقات سايكس - بيكو، غافلةً عما مهدت له الاتفاقات العثمانية - الأوروبية نفسها من هذا المصير. وهو ما يثير السؤال: ما الذي سبق سايكس - بيكو؟ وكيف مهدت الدولة العثمانية نفسها لها؟
لن يمكن فهم اتفاقات سايكس - بيكو بمعزل عما سبقها من اتفاقات قريبة جدًا من الناحية الزمنية لها، وهي اتفاقات
1913 - 1914 العثمانية – الأوروبية. وفي هذا السياق، كانت اتفاقات سايكس - بيكو مجرد حلقة، لكنها حلقة مفصلية في تقرير مصير المناطق العربية العثمانية، وإن تعرضت لتعديلات وتغييرات بعضها جوهري على مستوى نطاق التقسيم، ويجب وضعها في سياق تاريخي أعم نسبيًا هو سياق سنوات التحول أو عقد التحولات ما قبل إبرام معاهدة لوزان.
كي نفهم "سنوات التحول" تلك المحصورة بين اتفاقات سايكس- بيكو (1916) ومعاهدة لوزان (1923) في آسيا التركية والعربية
العثمانيتين، لا بد من التوقف عند ما سبقها من اتفاقات 1914 - 1915 العثمانية مع كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وقبلها إيطاليا. لقد وضعت اتفاقات 1914 - 1915 العثمانية أسس اقتسام آسيا العثمانية، وحل المسألة الشرقية، وما فعلته اتفاقات سايكس – بيكو لم يكن في وجه من أبرز الوجوه سوى تكريس لمناطق النفوذ تلك التي اشتملت عليها الاتفاقات العثمانية - الأوروبية قبل الحرب. فحوّلت منطقة النفوذ الألمانية فيها بعد دخول الدولة العثمانية الحرب (آب/ أغسطس - تشرين الأول/ أكتوبر) إلى جانب ألمانيا إلى كل من فرنسا وبريطانيا، على أساس التخلص من الدولة العثمانية نفسها وليس في إطارها، بما يمكّننا من وصف الفترة 1914 - 1923 بعقد التحولات الجيوسياسية الكبرى. وهو ما يتطلب التوقف عند المفاصل الأساسية فيها من ناحية آثارها. ونكثف هذه التطورات بما يلي: أولً: اندلاع الحربين البلقانيتين الأولى والثانية (1913 و 1914)، وانفصال البلقان العثماني عن الدولة العثمانية في دول مستقلة.
كانت عملية تأكّل ممتلكات الدولة العثمانية في البلقان قد بدأت منذ الثورة اليونانية (1821)، واضطرار الدولة العثمانية إلى الاعتراف باستقلالها بموجب معاهدة (أدرنة) في العام 1829، وحتى استقلال بلغاريا التام (1908) بصفة رسمية، وضم النمسا في العام نفسه بصورة رسمية للبوسنة والهرسك وأوكلت لها معاهدة برلين (1878) حق إدارتها تحت السيادة الاسمية للسلطان العثماني. ولكنّ وتائر هذه العملية لم تتسارع إلا بعد استقلال دول البلقان واعتراف مؤتمر لندن (كانون الأول/ ديسمبر 1912) باستقلال آخر دولة منها وهي ألبانيا47، ثمّ مع اندلاع الحربين البلقانيتين قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى. ونتج من هاتين الحربين تحول شعار "البلقان للبلقانيين" إلى حقيقة سياسية ملموسة في قيام دول مستقلة تحتذي نموذج الدولة - الأمّة. وهو ما حوّل بؤرة التنافس الأوروبي حول المسألة الشرقية من البلقان إلى آسيا الأناضولية والعربية العثمانيتين التي حلّت مكان البلقان أو "تركيا الأوروبية" بؤرة للتنافس الدولي، بعد أن كان قد تقرر اقتسام أفريقيا العثمانية بموجب الاتفاق الفرنسي - البريطاني (1904)(مصر البريطانية مقابل مراكش الفرنسية). وتحول إلى اتفاق مع إيطاليا يعطيها طرابلس الغرب، ثمّ بين إيطاليا وروسيا حول المضائق، وهو ما سيتمثل باحتلال إيطاليا لطرابلس وبنغازي، وتوقيع معاهدة "أوشي" مع الدولة العثمانية (1912). كانت أول معاهدة سرية تعقدها الدولة العثمانية مع دولة أوروبية تستولي على أرض تابعة لها، وستشكل سابقة لاتفاقات 1913 - 1914 العثمانية اللاحقة مع الدول الأوروبية، قبل توقيع فرنسا وبريطانيا وروسيا لاتفاقات سايكس – بيكو (1915 - 1916).
كانت حربا البلقان (وإن كانت الأولى منها ضد الدولة العثمانية لتكريس الاستقلال الدولي عنها، بينما نشبت الثانية بين الدول
البلقانية نفسها حول الأراضي، ودخلت فيها الدولة العثمانية لمحاولة استرداد بعض الأراضي التي خسرتها) قد أنجزتا عملية فك تركيا الأوروبية عن الدولة العثمانية نهائيًا. وهو الاسم الذي كان يطلقه الأوروبيون على منطقة البلقان إلى أن جاء الجغرافي الألماني أ. زيون وأطلق عليها اسم "شبه جزيرة البلقان" (1809)48. لكن كانت "الغنائم البلقانية تافهة جدًا" على حد تعبير تايلور، بينما بدت تلك المعروضة في "آسيا هائلةً وعظيمة"؛ أي في آسيا التركية التي تبقت في حوزة الدولة العثمانية مع جيب أوروبي صغير من "تركيا الأوروبية". ومن هنا غدت منطقة البلقان بعد استقلالها عن الدولة العثمانية والإمبراطورية النمساوية - المجرية "مسرحًا ثانويًا للعمليات الحربية خلال سنوات الحرب الأربع"، وتحولً تجاه الدفع نحو تركيا الأسيوية الأناضولية والعربية.
خسرت الدولة العثمانية بنتائج الحرب البلقانية "أراضي يبلغ مجموع مساحتها 167312 كم 2، و 6282000 نسمة، أو ما يعادل 33
لواء تشتمل على 158 قضاء". وهو ما يزيد على ربع من تبقى من سكانها وما يزيد على 10 في المئة من أراضيها. وإضافة إلى الخسائر السابقة في أوروبا كانت هذه الأقاليم هي "الأكثر تقدمًا في الزراعة والصناعة والتجارة في الإمبراطورية، وتتمتع بمستويات معيشة أعلى من المعدّل الوسطي للإمبراطورية" وكان ذلك يعني خسارتها "جميع ولاياتها الأوروبية فيما عدا تراقيا ".
وعلى مستوى العلاقات التركية - العربية العثمانية، غدت الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب البلقانية الأولى "عبارة عن أتراك الغرب
وعرب الشرق"، يضاف إليها نسبة كبيرة من الأرمن. بمعنى أن نسبة السكان العرب والأرمن قد زادت في ما تبقى من الأراضي العثمانية بعد الحربين البلقانيتين بالنسبة إلى السكان الأتراك. وهو ما سيكون له أبلغ الأثر في اندلاع المشكلتين العربية والأرمنية، يضاف إليها المشكلة الكردية البازغة في آسيا العثمانية التي برزت بقوة خلال سنوات التحول تلك، ولا سيما في كردستان العراق وفي الجزء الجنوبي الشرقي من الأناضول.
ويعود بروز هذه المسائل في عصر التحول من الإمبراطوريات إلى نظام الدول، ومن الإمبراطوريات إلى عصر القوميات المتأخرة في
العالم العثماني الآسيوي العثماني الأناضولي - العربي، إلى أن آسيا الأناضولية وآسيا الشامية الشمالية العليا كانتا تضارعان في كثير من الوجوه ما دعي ب "فسيفسائية" البلقان؛ من ناحية التعقد الإثني واللغوي والمذهبي لاجتماعها، فكانت تضم شعوبًا وجماعات كبيرة في المناطق التركية والمتجاورة التي يقطنها الأتراك والعرب والأكراد واليونانيون والسريان والآشوريون.
ثانيًا: مع تحول بؤرة الصراع حول حل "المشكلة الشرقية" من "البلقان" إلى آسيا الأناضولية والعربية العثمانيتين، ارتفعت وتيرة
التزاحم الأوروبي حول اقتسامها في مناطق نفوذ اقتصادية - سياسية. وتمثلت الحقيقة السياسية هنا بأن الدولة العثمانية نفسها كانت طرفًا مباشرًا في اقتسام ما تبقى من أراضيها العثمانية بين الدول الأوروبية المتنافسة، مواصلةً نهج الاتفاقيات السرية الذي عبرت عنه اتفاقية أوشي بينها وبين إيطاليا. وهو ما يعني أن اقتسام اتفاقات سايكس - بيكو "السرية" لآسيا العثمانية قد سبقه عقد تلك الاتفاقات بين الدولة العثمانية وكل من روسيا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا عليها بصورة" سرية" أيضًا، واعتراف الدولة العثمانية بمناطق نفوذ اقتصادي - سياسي لكل منها. ثمّ أبرمت اتفاقات أخرى بين كل واحدة من هذه الدول المذكورة والدول الأخرى من جهة ثانية. ووقعت هذه الاتفاقات في زمن قياسي يراوح بين أربعة أشهر وأقل من سنة، بما يعبر عن تسارع وتائر التزاحم الأوروبي على اقتسام النفوذ في ما تبقى من أراضي "الرجل المريض".
ثالثًا: لن يكون ممكنًا فهم اتفاقات 1913 - 1914 "السرية" واتفاقات سايكس – بيكو "السرية"، بمعزل عن فهم الاتفاق
الإنكلو - فرنسي (1904) والاتفاقات العثمانية - الأوروبية اللاحقة التي تلته حتى الحربين البلقانيتين. كان الاتفاق الإنكلو - فرنسي تقاسمًا لمناطق السيطرة والنفوذ؛ إذ اعترفت فيه فرنسا لبريطانيا بموقع ممتاز ومصالح خاصة في مصر، مقابل اعتراف إنكلترا بموقع فرنسا ومصالحها الممتازة بمراكش. وقد دخلت إيطاليا في لعبة التقاسم، وعبر سلسلة اتفاقات سرية ما بين إيطاليا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا وبين إيطاليا وروسيا، حصلت إيطاليا على الاعتراف بحقها بطرابلس الغرب من بريطانيا مقابل مصر، ومن فرنسا مقابل مراكش، ومن روسيا مقابل المضائق. وفي الأخير احتلت إيطاليا طرابلس الغرب وبني غازي وضمتهما إليها في شباط/ فبراير 1912، ونظمت الملاحق السرية لمعاهدة أوشي الموقعة بين الحكومتين الإيطالية والعثمانية تنازل الدولة العثمانية عن سيادتها على ولايتي طرابلس وبنغازي للمملكة الإيطالية فالجزر الاثنتي عشرة "الإيجية" التي كانت تؤلفها "ولاية جزائر بحر سفيد" بمعنى "ولاية جزائر البحر الأبيض"، ووقعت معها الحكومة العثمانية معاهدة أوشي (1912) لاجئة فيها إلى ملاحق سرية بين الدولتين نصت على تنازل الحكومة العثمانية لإيطاليا عن طرابلس وبني غازي لإيطاليا، بدعوى أنها لا تستطيع الدفاع عنهما، وأنها أعطت الاختيار التام لهما مقابل ذكر اسم السلطان في خطب الجمع والأعياد؛ فكانت هذه المعاهدة أول معاهدة سرية تبرمها الدولة العثمانية مع دولة أوروبية لتنظيم التنازل عن سيادتها.
وعلى خلاف اتفاقات سايكس – بيكو التي فضحها البلاشفة بعد "ثورة أكتوبر 1917 "، ظلت هذه الاتفاقات سرية إلى أن كشف
عنها المؤرخ التركي يوسف حكمت بابور في العام 1951. وفي ما يخص القسمين العربي والتركي من آسيا العثمانية، فإن الاتفاقات العثمانية - البريطانية بين (26 آذار/ مارس 1914 و 29 يوليو/ تموز 1936) تضمنت تنازل الدولة العثمانية عن "حقوقها ومطالبها" في قطر والبحرين والكويت مع بقاء الكويت تحت السيادة الاسمية للدولة العثمانية لكن من دون أي تدخل لها في شؤونها، مع اعتراف الدولة العثمانية بالاتفاقات الثنائية السابقة بين بريطانيا وشيخ الكويت، واتفاقية المحميات وحضرموت وكذلك إبرام اتفاق سري آخر مفصل تناولت أحكامه الملاحة في شط العرب عبر لجان بريطانية - عثمانية، وامتياز الملاحة في نهري الفرات ودجلة، وامتيازات السكك الحديدية بالأناضول، وعن رهن تمديد السكك الحديدية.
وقد كثف ساطع الحصري خلاصة هذه الاتفاقات السرية باعتراف الدولة العثمانية بقيام أربع مناطق؛ منطقة بريطانية ومقفلة في
وجه الألمان، في غرب بحيرة بكشهري بولاية إزمير، ومنطقة ألمانية مقفلة أمام البريطانيين بين البحيرة المذكورة وحدود ولاية الموصل شرقًا، وكذلك قيام منطقة مشتركة تكون فيها لبريطانيا الأولوية في الري والملاحة النهرية في بلاد ما بين النهرين، كما تكون فيها لألمانيا أولوية في السكك الحديدية، ومنطقة بريطانية مقفلة في وجه الألمان وهي منطقة شط العرب والخليج. وكان لكل اتفاق عثماني مع كل من هذه الدول ما يوازيه من اتفاقات ثنائية بين تلك الدولة ودول أخرى على مسمع ومرأى من الحكومة العثمانية. ومن هنا وضعت اتفاقات 1914 - 1915 أسس اقتسام آسيا العثمانية، لكن اتفاقات سايكس – بيكو (1916) ومن ثمّ قرارات مؤتمر سان ريمو (نيسان/ أبريل 1920) ونصوص معاهدة سيفر الخاصة بمصير ممتلكات الدولة العثمانية (10 آب/ أغسطس 1920) حددت اقتسامها السياسي المباشر. أقرت الحرب العالمية الأولى واتفاقاتها بطبيعة الحال ما كان مقررًا لكل من فرنسا وبريطانيا، غير أنها أبطلت ما كان مقررًا لألمانيا وقسمتها ما بين فرنسا وإنكلترا، "ولذلك يمكن القول إن أسس اقتسام البلاد العربية المذكورة كانت قد تقررت قبل الحرب العالمية الأولى، تحت علم الحكومة العثمانية نفسها".
من اتفاقات سايكس -ى بيكو إل اتفاقات سايكس - بيكو المعدّلة:
مؤتمر سان ريمو
عبّ التحول من اقتسام آسيا العثمانية في مناطق نفوذ بموجب الاتفاقات العثمانية السرية مع كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا
وروسيا في العامين 1913 و 1914 إلى اقتسامها "السياسي" المباشر في اتفاقات سايكس – بيكو السرية بدورها بين كل من فرنسا وبريطانيا وروسيا، عن هذا التحول الأوروبي في حل المسألة الشرقية من البلقان إلى تركيا العثمانية الآسيوية. وجاءت تعديلاتها في مؤتمر سان ريمو (نيسان/ أبريل 1920) فيما يمكن تسميته باتفاقات سايكس – بيكو المعدلة؛ نتيجة للصراعات الفرنسية - البريطانية لتكرس الاقتسام الإنكلو - فرنسي للمشرق العربي أو لبلاد الشام "التاريخية".
وبنتائج هذا المؤتمر أطلق البريطانيون يد القوات الفرنسية في القضاء على حكومة المملكة السورية العربية بعد معركة ميسلون
في 24 تموز/ يوليو 1920، ومن ثمّ الاحتلال الفرنسي العسكري المباشر لسورية في تموز/ يوليو 1920. وجاءت أحكام معاهدة سيفر (آب/ أغسطس 1920) لترسم وحدات التنظيم الجيوسياسي الجديد للأراضي العثمانية، إلى أن حطمت الحركة الكمالية بنودها الأناضولية، وأرغمت الحلفاء على توقيع معاهدة لوزان التي كرست نظام الدول في الأراضي العثمانية السابقة.
مثلت اتفاقات سايكس - بيكو (1916) تعبيرًا مباشرًا عن تحول حل المسألة الشرقية، على أساس اقتسام آسيا العثمانية في مناطق
نفوذ، إلى اقتسامها السياسي المباشر بعد نهاية الحرب. وسجلت هذه الاتفاقات تحولً في اتفاقيات 1914 - 1915 الأوروبية التي ترجمت الاتفاقيات العثمانية - الأوروبية السرية الموازية لها بتحويل مناطق النفوذ الألمانية التي نصت عليها إلى كل من فرنسا وبريطانيا. كما سجلت نوعًا من إدخال لاعب دولي جديد إليها هو إيطاليا في ما يمكن عدّه ملحقًا غير مباشر لاتفاقات سايكس – بيكو. وهو ما تمثّل بتعديل اتفاقية لندن البريطانية - الإيطالية (1915) المكملة على المستوى الثنائي البريطاني- الإيطالي لاتفاقيات 1914 - 1915 في اتفاقية سان جان دي موريين Maurienne de Jean. St (نيسان/ أبريل 1917) بين كل من إيطاليا وفرنسا وبريطانيا، والتي أعطت إيطاليا الحق في ألبانيا وأراضي البلقان فضلً عن نصيب معقول في الأراضي العثمانية بعد تقسيمها، ولا سيما إزمير التي كانت تقطنها أغلبية يونانية، وبعض المناطق الأناضولية الأخرى مقابل انخراطها في الحرب. وما كان مبهمًا من "حقوق" إيطاليا في اتفاقية لندن (1915) في أراضي آسيا العثمانية جرى تحديده في اتفاقية سان جرمان دي موريين، واعترفت فيه فرنسا وبريطانيا لإيطاليا بالحصول على أجزاء واسعة من أراضي آسيا العثمانية في الجنوب الغربي من الأناضول، ولا سيما ولاية إزمير والقسم الأكبر من ولاية قونية مقابل موافقتها على اتفاقات سايكس - بيكو. وبرزت هنا في ألوان خريطة الاقتسام "المنطقة الخضراء" كمنطقة إيطالية، إلى جانب "المنطقة الزرقاء" (الفرنسية) وتشتمل على الساحل السوري، من صور إلى طوروس، بما في ذلك جبل لبنان، ثمّ تنحرف شمالً شرقًا لتضم مجرى الفرات الأعلى وقرابة نصف كردستان وأرمينيا إضافة إلى ديار بكر وخربوت وكيليكيا، و"المنطقة الحمراء" (البريطانية) وتشتمل على بلاد الرافدين السفلى حتى النواحي العليا من بغداد، إضافة إلى بعض المناطق المحاذية لإيران، فضلً عن منطقة الخليج، و"المنطقة السمراء" ضمن حدود فلسطين التاريخية كمنطقة مدولة، ومنطقة (أ) التي تشتمل على ولايات دمشق وحلب والموصل، ومنطقة (ب) التي تقع بين فلسطين والحدود المصرية وصولً إلى خليج العقبة، اللتان كان يفترض بهما أن تكونا من نصيب دولة عربية، مع بقاء المنطقة الأولى تحت "النفوذ الفرنسي" والمنطقة (ب) تحت "النفوذ البريطاني".
بين اتفاقات سايكس - بيكو الفرنسية - البريطانية السرية وملحقها غير المباشر في اتفاق سان جان دي موريين مع إيطاليا، ثمّ
اتفاقيات سان ريمو (نيسان/ أبريل 1920) التي يمكن وصفها باتفاقية سايكس - بيكو المعدلة بعد الاتفاق الفرنسي - البريطاني الجديد بين لويد جورج وكليمنصو على تعديل اقتسام بلاد الشام والعراق في ضوء بروز مشكلة الاستحواذ على نفط الموصل، وإدخال اليونان في حصة التقاسم وحتى معاهدة سيفر (آب/ أغسطس 1920)، جرت أكبر عملية إعادة تقسيم جيوسياسي شامل للأراضي العثمانية بين الدول الأوروبية المنتصرة في الحرب وفق الاتفاقات السرية السابقة والمعدلة، وقرقعة القوى الدولية على الأرض، ولا سيما منها فرنسا وبريطانيا وبدرجة ثانية إيطاليا التي أقدمت على احتلال أضاليا، ثمّ أدخلت اليونان في عمليات السيطرة على الأرض في إزمير وهو ما كان يعني تخلي الفرنسيين والبريطانيين عن وعدهم لإيطاليا بإزمير. وكان الحلفاء في تقسيمهم لما تبقى من الإمبراطورية العثمانية قد استرشدوا ب "أن يعدوا أرضًا يونانيةً كل ما يمت بصلة لليونان في تركيا وأوروبا، سواء من جهة اللغة أو الجنس، ويضموها على هذا الأساس إلى بلاد اليونان". ولم يجدوا صعوبة في أن يضموا إلى اليونان تساليا ومقدونيا وتراقية الشرقية لكن المعضلة تمثلت بإزمير، فسمحت فرنسا وإنكلترا لليونان بإنزال قواتها في إزمير (15 نيسان/ أبريل 1919)، قاطعين الطريق على الإيطاليين الذين كانوا يتطلعون إلى السيطرة عليها.
كان مؤتمر سان ريمو قد توصل في 25 نيسان/ أبريل 1920 إلى تسوية القضايا العامة الناتجة من انهيار الدولة العثمانية. وكان
قد وقع قبله بقليل اتفاقية تقاسم المصالح النفطية التي عرفت باتفاقية لونغ - بيرانجيه التي حددت بدقة مصالح كل من فرنسا وبريطانيا في نفط روسيا ورومانيا، ولا سيما في نفط العراق، وحصلت فيها فرنسا على حصة تبلغ نسبة 25 في المئة من نفط الموصل، ليتم تعديل اتفاقات سايكس - بيكو. وكان ما شمله هذا التعديل، بسبب النفط هو اعتراف فرنسا لبريطانيا بالموصل في اتفاق لويد جورج - كليمنصو وتوقيع اتفاق بريطاني - فرنسي يستبدل القوات البريطانية في سورية بقوات فرنسية، مهد لتقويض فرنسا للحكومة العربية بدمشق، واحتلالها المباشر للمنطقة المخصصة للدولة العربية في اتفاقات سايكس - بيكو السابقة. وهو ما شكل منطقتين انتدابيتين فرنسية على سورية وبريطانية على العراق (وفلسطين)، وضعت أساس تحول الحدود بينهما إلى خطوط سياسية بين الانتداب البريطاني على العراق والانتداب الفرنسي على سورية. وهذا الأمر أثار استياء الولايات المتحدة؛ بسبب عدم مراعاة مصالحها بأن تكون لها حصة في النفط. وفي النهاية، جاءت اتفاقية سان ريمو مغطية كل قضايا انحلال الدولة العثمانية، فأبقت على السلطان العثماني خليفة في القسطنطينية تهدئةً لمشاعر مسلمي الهند، وكرست احتلال الحلفاء لتركيا الأوروبية ومنطقة المضائق، وقررت إنشاء دولة أرمنية على البحر الأسود، وتخلت بموجبها تركيا عن سورية وفلسطين والعراق وشبه الجزيرة العربية وجزر بحر إيجة.
معاهدة سيفر وموقعها يف معاهدات ما بعد الحرب
وُضعت معاهدة سيفر بموجب تسوية الصراع على نفط الموصل بناء على مقررات سان ريمو، وأُرغم السلطان بقوة المدافع على
توقيعها في 10 آب/ أغسطس 1920. وتضمنت موادها تنظيمًا دوليًا جديدًا شاملً للأراضي من المحيط الأطلسي حتى الخليج العربي، مكرسة في العديد من موادها المكاسب الأوروبية الاستعمارية السابقة ما قبل الحرب. وفي خصوص الأراضي العثمانية التركية الآسيوية بما فيها الأراضي العثمانية العربية في المشرق العربي، فقد نصت المعاهدة على احتمال قيام دولة كردية بعد نحو ستة شهور من طلب الأهالي ذلك، وإقامة دولة أرمنية مستقلة في شرقي الأناضول، ودولة سورية ودولة عراقية، ودولة حجازية تكون عاصمتها مكة. هذا فضلً عن إعطاء كامل منطقة "التراث" بصفة نهائية إلى اليونان باستثناء منطقة إزمير التي وضعت لمدة خمس سنوات تحت الإدارة اليونانية، بينما أعطيت إيطاليا إضافة إلى جزيرتي رودس وكاستلوريزو Castellorizo التي تمثل الجزء الشمالي من أضاليا الغنية بمناجم الفحم، وتدويل المضائق (الدردنيل والبوسفور). وقد نصت المعاهدة على قيام قوة منتدبة بتنظيم دول سورية ولبنان والعراق، أمّا فلسطين فلم تنص المعاهدة على قيام دولة تنظمها قوة منتدبة، بل عهد بإدارة فلسطين إلى قوة منتدبة تعمل على إنشاء "وطن قومي لليهود".
أمّا على صعيد العلاقة بين معاهدة سيفر ومعاهدات السلام الأخرى، فلقد كانت معاهدة سيفر العثمانية جزءًا من معاهدات أقرها
مؤتمر السلام بباريس (افتتح جلساته في 18 كانون الثاني/ يناير 1919)، والذي أسفر عن معاهدات سميت بمعاهدات السلام، وتمثّل أثرها بتغيير خريطة أوروبا وآسيا العثمانية السابقة، وصدرت في سياق فرض معاهدة فرساي (28 حزيران/ يونيو 1919) على ألمانيا، ومعاهدة سان جرمان أن لاي (19 أيلول/ سبتمبر 1919) على النمسا، ومعاهدة نوييّ على بلغاريا (27 تشرين الثاني/ نوفمبر 1919)، ومعاهدة تريانون (4 حزيران/ يونيو 1919) على المجر. ووفق إدمون رباط لم تثر الشروط التي أملاها المؤتمر على ألمانيا وتحرير المناطق السلافية من الوصاية النمساوية – المجرية "اختلافات عميقة بين الحلفاء"، بل تمثلت الإشكالات فيما يخص اقتسام تركة الرجل المريض أو أراضي الدولة العثمانية. لكنّ ما يقوله رباط لا ينطبق على معاهدة تريانون (4 حزيران/ يونيو 1920) الخاصة بتقسيم هنغاريا (المجر) التي كانت تشكّل مع النمسا الإمبراطورية النمساوية - المجرية؛ إذ سلخت المعاهدة عنها ولاية سلوفاكيا التي ضمت إلى تشيكوسلوفاكيا، وولاية ترانسلفانيا التي فتحها الرومان عقب الهدنة، وولاية كرواتيا التي أضحت جزءًا من مملكة يوغوسلافيا التي صارت مؤلفة من الصربيين والكرواتيين والسلوفينيين بوصفهم ينتمون إلى أرومة إثنية لغوية واحدة. وبذلك نتج من الاتفاقية "تقطيع أوصال مملكة هنغاريا"، بينما تقلصت النمسا في المعاهدة معها إلى جمهورية صغيرة ممنوع عليها الاتحاد مع ألمانيا من دون موافقة عصبة الأمم، وحتى ألمانيا خسرت إقليمي يوبن EUPEN وملميدي لمصلحة بلجيكا.
من معاهدة سيفر إلى معاهدة لوزان: الحركتان الكملية والفيصلية العربية
خلال فترة تسوية الصراعات الإنكلو - فرنسية حول تعديل الاتفاقات السرية لسايكس - بيكو، وتكريس ما يمكن تسميته
باتفاقية سايكس - بيكو المعدلة، ووضع بلاد الشام والعراق تحت الانتدابين الفرنسي والبريطاني، حدث تطوران تاريخيان كبيران في الدولة العثمانية التي غدت فعليا دولة تركية - عربية:
الأول: تمثّل باندلاع الحركتين التحريريتين التركية (الكمالية)، والعربية (الشريفية الفيصلية) ومركزها دمشق عاصمة "الحكومة
العربية" التي أعلنها القوميون العرب في أواخر العام 1918. وعلى الرغم من الصراع بين الحركتين القوميتين التركية والعربية ما قبل الحرب، فلقد تحالف بعض قوى الحركة العربية وقوى الحركة الكمالية البازغة بعد فرض قرارات الانتداب في مؤتمر سان ريمو، على أساس مواجهة ما قرره الأوروبيون لتنظيم المنطقة. وتجلى ذلك في اندلاع ثورة الشمال بسورية التي استثمرها الكماليون لتحطيم معاهدة سيفر فيما يخص أراضي الأناضول.
الثاني: تمثل بالتطبيق الإنكلو - فرنسي وفق ما أطلقنا عليه اتفاقية سايكس - بيكو المعدلة لاقتسام العراق وبلاد الشام قبل إقرار
مجلس الحلفاء للانتدابات وتوزيعه لها. وقد نتج منه انسحاب البريطانيين من المنطقة المخصصة للفرنسيين في سورية الطبيعية بعد تعديل الاتفاقات، كما تخلى الفرنسيون عن مبدأ "سورية الكاملة" لهم، وتوقيع اتفاقيات مع حكومة المجلس الوطني الكبير الكمالية المنبثقة بالتخلي عن المناطق السورية الشمالية لتركيا الواقعة وفق اتفاقات سايكس - بيكو واتفاقات سايكس - بيكو المعدلة فيما عرف باتفاقية أنقرة الأولى أو اتفاقية فرانكلان - بويون (1921) التي وضعت أول أساس لتعيين الحدود السورية - التركية، وكان من أبرز نتائجها توقف ثورات الشمال والشمال الغربي في سورية ضد فرنسا نتيجة توقف الدعم الكمالي لها. وهكذا كانت عمليات التنظيم الجيوسياسي الجديد تجري في الميدان بفعل موازين القوى العسكرية الجديدة.
ما قلب معاهدة سيفر كان هو الحركة القومية التركية (الكمالية) التي استثمرت الحركة العربية وثورات الشمال السوري بكفاءة
سياسيًا لتحقيق أهدافها القومية. وفي حين تمكنت هذه الحركة من تحطيم معاهدة سيفر على الأرض فيما يتعلق بالأراضي العثمانية بالأناضول، فإن الحركة العربية التي تحالف قسم كبير منها معها لم تتمكن من ذلك؛ فطبقت مقررات سان ريمو على العراق وبلاد الشام، واحتلت فرنسا سورية ولبنان، بينما فرض البريطانيون انتدابهم على فلسطين والعراق وأسسوا إمارة شرق الأردن. وبرز منذ ذلك الوقت بوضوح التناقض في السياسة البريطانية بين وعدين؛ أولهما للعرب بتشكيل دولة مستقلة في آسيا العربية، وثانيهما الوعد القومي لليهود بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين، كما برز تراجع فرنسا عن مبدأ "سورية الكاملة".
أرغمت الحركة الكمالية الحلفاء على إبرام معاهدة جديدة هي معاهدة لوزان (24 تموز/ يوليو 1923)، بينما تكرست أوضاع
الحلفاء في المشرق العربي كما نصت عليها اتفاقية سيفر. وبذلك حدث التعديل الأساسي لاتفاقية لوزان فيما يخص ما نصت عليه اتفاقية سيفر في الأراضي التركية العثمانية الآسيوية التي سيطرت عليها بحكم الأمر الواقع الحركة القومية التحررية الكمالية.
وقد علق رشيد رضا على تحطيم المعاهدة وعقد مؤتمر لوزان بأن "كان الوفد التركي في لوزان أدهى الوفود وأحزمها"، "وداس في
لوزان كل ما كان من عظمة هذه الدول وجبروتها وكبريائها في فرسايل"، بينما أخضعت هذه المعاهدة المشرق العربي إلى تلك الدول وفق ما نصت عليه معاهدة سيفر.
تألفت المعاهدة من 143 مادة، وكان من أبرز موادها الاعتراف بتركيا دولة مستقلة اعتمدت بوتيرة فورية سريعة مبدأ الدولة -
الأمّة في تشكيل بنائها الجديد، وتعيين الحدود بينها وبين بلغاريا واليونان، وتنازل الدولة العثمانية عن الممتلكات العثمانية السابقة في البلاد العربية. وخرجت تركيا من معاهدة لوزان بدولة قومية مستقلة معترف بها دوليًا، وتم رسم حدود الدولة التركية مع سورية وفق ما ثبتته اتفاقية فرانكلان - بويون (1921) بتخلي فرنسا عن كيليكيا إلى الأتراك، مع بقاء مشكلة الموصل عالقة، بينما وقعت دول العراق وسورية ولبنان إضافة إلى فلسطين وإمارة شرق الأردن التي أحدثها البريطانيون، قبل المعاهدة بثلاث سنوات ونيّف قانونيًا أي بموجب القانون الدولي، تحت نظام الانتداب المطبق فعليًا قبل معاهدة لوزان. ونشأت الدول المشرقية العربية الحديثة على هذا الأساس. وأمّا نصيب من عارضها فكان القضاء على كيانه؛ وهكذا تقررت نهاية المملكة العربية بالحجاز، وسمح لابن سعود بالاستيلاء عليها.
كان من أبرز الحقائق الجيوستراتيجية - السياسية أن كرست معاهدة لوزان تحطيم مشاريع الدولة الأرمنية في الأناضول والدولة
الكردية المحتملة والإدارة اليونانية لإزمير. كما خسرت سورية الفرنسية التي أقرتها معاهدة سيفر أراضيها الشمالية العليا في كيليكيا، والتي كانت جزءًا من شمالي بلاد الشام التاريخية لمصلحة الجمهورية التركية، وفق ترسيم الحدود السورية - التركية على أساس اتفاقية فرانكلان - بويون (21 تشرين الأول/ أكتوبر 1921)، وقدرت مساحة هذه الأراضي التي خسرتها سورية بنحو 18 ألف كم 2. وتخلى العالم كله عن الأرمن، وكان أبرز المتخلين فرنسا والسوفيات. تخلى السوفيات عن الأرمن نهائيًا باعترافهم في اتفاقية
الصداقة والتعاون مع تركيا في 16 آذار/ مارس 1921 بتبعية المناطق التي احتلها الكماليون في أرمينيا إلى حكومة المجلس الوطني الكبير. وكان عدم اعتراف موسكو بهذا الواقع هو الذي أخّر إبرام مصطفى كمال لها.
كانت تسويات الأرض على الميدان قد تحققت بقرقعة السلاح قبل توقيع معاهدة لوزان، وحتى إبان جلسات المداولات حول
أحكامها. من الخلاصات الأساسية أن مشروع احتمال قيام دولة كردية ومشروع الدولة الأرمنية والإدارة اليونانية لإزمير قد تحطمت قبل ذلك، ومبدأ ضمان حقوق الأقليات الذي ترافق مع اتفاقية لتبادل السكان كان جزءًا من أحكام صدقت على ما وقع سابقًا من تبادل فعلي، وأمّا حقوق الأقليات فكانت قد ديست بالتطهير العرقي والمذابح والطرد المتبادل للسكان.
لوزان ونظام الدول يف المرق العربي
أنهت معاهدة لوزان فصول المسألة الشرقية بتصفية الدولة العثمانية قانونيًا، والاعتراف بدولة قومية تركية مستقلة ذات
سيادة كاملة، بينما اعترف باستقلال دول عربية في بلاد الشام والعراق على أن توضع تحت نظام الانتداب، في صيغة غامضة تنوس بين الاستعمار المباشر أو نصف المباشر وتعزيز قيام دول مستقلة بعد فترة معيّنة في هذه المناطق العثمانية السابقة. وبذلك أرست تحول آسيا الأناضولية والمشرقية العربية من العثمانية (الإمبراطورية) إلى القومية عبر نظام الدول؛ إذ شكلت لوزان أساس نظام الدول التي ستغدو مستقلة لاحقًا، وهو ما جعل بعضهم، مثل وجيه كوثراني، يعدّها بمنزلة معاهدة وستفاليا المشرقية – الآسيوية.
لقد حددت معاهدة لوزان التطور الجيوسياسي لنظام الدول في الشرق الأدنى برمته خلال العقود التالية؛ إذ حافظ الشرق الأدنى
الذي نعرفه اليوم على طابع التنظيم الدولي الإقليمي له الذي تلا الحرب العالمية الأولى، مثل أوروبا قبل العام 1989 التي حافظت على وجه "يالطا المحلية".
تتمثّل نقطة التشابه بين لوزان ووستفاليا بدرجة أساسية بتعميم نظام الدولة مكان نظام الإمبراطورية، بينما ما قام بالفعل هو
محاكاة لشكل نظام الدول، وليس نظام الدولة القومية من حيث الترابط بين الدولة والأمّة. لكنّ هذه الدول التي نظمتها لوزان أساسًا حاولت بفعل منطق الدولة القومية، والذي هو منطق الحفاظ على مصالحها الكيانية، أن تتقومن وسط صراع بين كيانيتها والدعوات القومية العربية الوحدوية والإسلامية التي تنفي عنها الشرعية الكيانية. وبرزت قوة المنطق الكياني الخاص للدول المنشأة في أن لوزان تحكم بنيويًا بكيانيتها المستقلة، باستثناء فصل الوحدة السورية - المصرية الاندماجية (1958 - 1961) التي فسخت بعد نحو ثلاث سنوات من قيامها.
لقد تطورت الدول العربية المشرقية التي اعترف لوزان باستقلالها لكن عبر وضعها تحت نظام الانتداب إلى دول مستقلة، بينما
تطور الوطن القومي اليهودي برعاية الانتداب البريطاني بموجب صك الانتداب مؤسسيًا إلى دولة. وزرعت الحقائق التي تكرست قبل لوزان وصادقت عليها لوزان أساس المشكلة الكردية. وورثت سورية الانتدابية ثمّ المستقلة في هذا السياق تطورات المشكلة الكردية التي نشأت عن قيام الجمهورية التركية، ونشوء مشكلة الحدود السورية - التركية التي لم تسوّ حتى اليوم بين سورية وتركيا.
وكان من أبرز تطبيقات ما نتج من لوزان على مستوى بنية العلاقة بين السكان والدول الجديدة المنشأة هو قوانين الجنسية نسبة
إلى الدول في العراق وسورية ولبنان وفلسطين، وتعيينات الحدود ومحاولة ترسيمها. وهو ما يعكس منطق الدولة الحديثة المستعار من نموذج الدولة الأوروبية. وما زالت هذه التعيينات الفرنسية - الإنكليزية للحدود أساس الخلاف ومحاولة تسوية الصراعات بين الدول، وبين بعضها ودولة إسرائيل التي أعلنت في العام 1948 دولة مستقلة، ونتج منها توسع إسرائيل في المنطقة المخصصة للدولة العربية وسيطرتها عليها، وتهجير الفلسطينيين من وطنهم ثمّ توسعها الترابي بعد حزيران/ يونيو 1967.
إن دراسة تطورات نظام الدول في العراق وبلاد الشام ما بعد لوزان يخرج عن نطاق قضايا الورقة، غير أن أبرز نتيجة هي
أن هذا النظام قد تكوّن ثمّ تمأسس وأخذ صيغته القانونية الدولية والإقليمية خلال سنوات التحول السبع العاصفة من اتفاقات سايكس - بيكو إلى معاهدة لوزان. وما يزال نظام لوزان بصفته بنية يحكم العلاقة بين وحدات نظام الدول في منطقة المشرق العربي، وإن كانت البنية المؤسسية القانونية الدستورية قد تعرضت لتغيرات بنيوية شديدة، تتميز ببروز حركة التحول الجديدة من نظام الدول البسيطة التي أنشأتها لوزان قانونيًا إلى نظام الدول المركبة أو الاتحادية في الظاهر التي لا تعدو أن تكون نظامًا اتحاديًّا طوائفيًّا للطائفية السياسية.
يبدو أن منطقة المشرق العربي الواسع، بما في ذلك شبه الجزيرة العربية، مرشحة وفق مؤشرات معيّنة للانجراف فيها، بما في
ذلك إعادة إنتاج مناطق نفوذ الدول التي تُعدّ خارجية بالنسبة إلى المنطقة العربية؛ مثل تركيا وإسرائيل ويضاف إليها إيران بصفتها دولً قومية مؤسسية قوية وأكثر تماسكًا بالنسبة إلى دول العراق وبلاد الشام. وبهذا المعنى لما تزل هذه المنطقة داخل نظام لوزان من ناحية نظام الدول وما بعده أيضًا، ليس على مستوى عملية التنظيم الجارية لوحدات هذه الدول في وحدات مركبة من الناحية القانونية الدستورية فحسب، بل واحتمال نشوء دول جديدة أيضًا؛ ذلك أن نظام لوزان قد نتج منه تغيرات بنيوية سياسية وفكرية وإثنية وهوياتية واجتماعية عميقة لم تتوقف قط عن التحول والتطور. إن قسمًا كبيرًا من إشكاليات التغير البنيوي تلك يرتد إلى سني التحول السبع العاصفة تلك، وهي التي من شأن فهمها تعميق فهمنا لما يحدث في سني التحول الجديدة الجارية.
الأرناؤوط، محمد. البلقان: من الشرق إلى الاستشراق. الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية، 2014.
أوزتونا، يلماز. موسوعة تاريخ الإمبراطورية العثمانية السياسي والعسكري والحضاري 1231 - 22 19. ترجمة عدنان محمود سلمان ومراجعة محمود الأنصار. مج 3. بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2010.
إينالجيك، خليل ودونالد كواترت (محرران). التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للدولة العثمانية. ترجمة قاسم عبده قاسم. مج 2. بيروت: دار المدار الإسلامي، 2007.
باروت، محمد جمال. التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية، أسئلة وإشكاليات التحول من البدْونة إلى العمران الحضري. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013.
بيكودو، نادين. عشر سنوات هزت الشرق الأوسط. ترجمة عبد الهادي عباس. دمشق: دار الأنصار، 1996.
تايلور، أ. ج. ب. الصراع على سيادة أوروبا 1848 - 1918، ترجمة فاضل جتكر. أبوظبي/ بيروت: كلمة والمركز الثقافي العربي، 2009. حسين، فاضل. محاضرات عن مؤتمر لوزان وآثاره في البلاد العربية. القاهرة: معهد الدراسات العربية العالية، 1985.
الحصري، ساطع. البلاد العربية والدولة العثمانية. بيروت: دار العلم للملايين، 1960.
خدوري، مجيد. قضية الإسكندرونة. دمشق: مطبوعات المكتبة الكبرى للتأليف والنشر، 1953.
خوري، فيليب. سورية والانتداب الفرنسي: سياسة القومية العربية، 1920 - 1945. ترجمة مؤسسة الأبحاث العربية. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1997.
دروزة، محمد عزة. تركيا الحديثة. بيروت: مطبعة الكشاف، 1946.
رباط، إدمون. التكوين التاريخي للبنان السياسي والدستوري. ترجمة حسن قبيسي. مراجعة جورج كتورة. ج 1. بيروت: منشورات الجامعة اللبنانية، 2002.
الصمد، رياض. تطور الأحداث الدولية في القرن العشرين. بيروت: المؤسسة الجامعية للنشر، 1999.
العيطة، أحمد عدنان. أزمة الإسكندرونة وعصبة الأمم. دمشق: دار الأهالي، 2000.
فشر، ه. أ. ل. تاريخ أوروبا في العصر الحديث (1789 - 1950). تعريب أحمد نجيب هاشم ووديع الضبع. ط 9. القاهرة: دار المعارف، 1993.
قرم، جورج. أوروبا والمشرق العربي، من البلقنة إلى اللبننة، تاريخ حداثة غير منجزة. بيروت: دار الطليعة، 1990.
كرد علي، محمد. "البلقان وحربها المشؤومة"، مج 8، ج 2. مجلة المقتبس، العدد 85 (1 / 2 / 1914).
مجموعة مؤلفين. الحوار العربي - التركي بين الماضي والحاضر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010.
التكوين، 2004.
الدسوقي. القاهرة: دار العالم الثالث، 2007.
رضا، محمد رشيد. "أحوال العالم الإسلامي، مؤتمر الصلح بين الترك وأوروبا في لوزان". المنار. مج 24، ج 2 (16 شباط/ فبراير 1922). يرغن، دانييل. الجائزة: ملحمة البحث عن النفط والمال والسلطة من بابل إلى بوش. ترجمة حسام الدين خضور. دمشق: دار ييلافيتش، تشارلز وبربارا ييلافيتش. تفكيك أوروبا العثمانية، إنشاء دول البلقان القومية، 1804 - 1920. ترجمة عاصم
• Jabry, Irfan. La question d' Alexandrette dans le cadre du Mandat. Lyon: Paquet, 1940.
فتحي ليسيرFethi Lissir | (((
رهان النفط يف مسار سايكس - بيكو (1916 - 1920)
مقدمة
هل شكّل النفط المعيار الأساسي لتقسيمات سايكس - بيكو كما زعمت الكاتبة والأكاديمية راشيل هافرلوك؟ وهل كانت
المسألة النفطية حاضرة فعلً عند الذين رسموا خارطة سايكس - بيكو عام 1916 كما انتهى إلى ذلك الباحث عصام سخيني في خاتمة كتابه صراع المصالح النفطية وتأثيره في نشوء القضية الفلسطينية من بدايات القرن العشرين؟
وهل كان من بين الأهداف الإستراتيجية الجيوسياسية البريطانية، قبل نشوب الحرب العالمية الأولى؛ تأمين مراقبة الثروات
النفطية (بل وضع اليد عليها إذا أردنا الدّقة) في ممتلكات الإمبراطورية العثمانية المشرقيّة، وخاصة أن تأمين التزوّد بالنفط قد أصبح بعد اندلاع الحرب في قلب المشاغل العسكرية كما أكّد ذلك الكاتب فريدريك وليم إنغادال Engdalh William بكل وضوح وقوّة في كتابه النفط: حرب قرن؟
كان في الإمكان أن نسترسل في طرح المزيد من الأسئلة وعرض المزيد من الشواهد لتأكيد أهمية معالجة ما مدى حقيقة
الاعتبارات النفطيّة (ولا سيما بعد تحول النفط أثناء الحرب العالمية الأولى إلى مادة إستراتيجيّة)، في صياغة اتفاقية سايكس – بيكو، وخاصة خلال تعديلها بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وما انجلت عنه تلك النهاية من تبدلّات مهمة نالت المنطقة العربية كما المشهد السياسي الأوروبي بل الدولي برمّته.
الحق أن هذه المسألة جديرة بالتّوقف عندها من خلال مساءلات واستفهامات جديدة، على الرغم من أن هذا الموضوع لا يعدّ
جديدًا كما هو معروف؛ إذ شكّل مادة غزيرة لعديد البحوث والدراسات في عديد اللّغات؛ سعت جميعها، بنسب مختلفة ومتفاوتة من الطرافة والإضافة، إلى تبئير دور النّفط في تشكيل خريطة المشرق والخليج العربيين المعاصرة، وما سبق ذلك وما تلاه من تنافس وصراعات دولية حول مصادر الطاقة، وتداعيات كل ذلك على الوضع الجيوسياسي الإقليمي والدولي حتى يوم الناس هذا.
لقد تمّت مقاربة هذا الموضوع من أكثر من زاوية ومنظور، كما تم تناولها من أكثر من منهج وحقل اختصاص. ثم إن قراءتها
وكتابتها قد تنوّعت، واختلفت التأويلات في شأنها، وهذا ما يدخل في نافلة القول. بيد أن الأمر الثّابت اليوم هو أن المسألة النفطية كانت ماثلة في أذهان من رسموا خريطة سايكس – بيكو، وخاصة (مع التشديد هنا على كلمة خاصّة) خلال إعادة ترسيم حدود تلك الخريطة المذكورة إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى بطلب ملحّ من بريطانيا.
تقوم الإشكالية التي تخيّنا مباشرتها في ورقتنا هذه على محاولة رصد رهان النفط في مسار سايكس - بيكو بما عرفه من تعرّجات
بين 1916 - 1920، أي منذ توقيع الاتفاقية السريّة (أيار/ مايو 1916) وحتى مؤتمر سان - ريمو (نيسان/ أبريل 1920) الذي كرّس على أرض الواقع بنود الاتفاقية بعد التعديلات التي أدخلت عليها؛ وهي اتفاقية طرفاها قوّتان عظيمتان (بريطانيا وفرنسا بعد خروج الطرف الثالث في الاتفاقية أي الإمبراطورية الروسيّة) انتصرتا في الحرب، وكانت تشقهما تناقضات وصراعات؛ منها الخفي المضمر ومنها الصريح المعلن.
سنحاول في إطار الإشكالية التي حدّدنا معالمها العامة أعلاه الإجابة عن طائفة من الأسئلة؛ منها:
هل كان هاجس النّفط حاضرًا خلال صياغة بنود اتفاقية سايكس – بيكو؟ وكذا عند التوقيع عليها في أيار/ مايو 1916؟
لماذا قبلت بريطانيا في العام 1916 أن تكون منطقة الموصل الغنيّة بالنّفط في بلاد الرّافدين العليا ضمن حصّة فرنسا؟
ما أهم الدوافع التي حملت بريطانيا على تغيير موقفها من اتفاقية ساكس - بيكو وجعلت، من ثَمّ، لويد جورج يطالب بتعديل
بنودها (بعد أن هدّد بإسقاطها) بما يخدم المصالح البريطانية في المنطقة العربية؟
لماذا قبل جورج كليمنصو بالتنازل عن الموصل لفائدة بريطانيا، وقبل أيضًا بتدويل فلسطين في موقف أحادي الجانب، لم يستشر
فيه لا حكومته ولا حتى وزير خارجيته ستيفان بيشون؟
كيف قاربت الإيستريوغرافيا الفرنسية أسباب تخلي فرنسا عن الموصل، وملابسات تلك العملية، وكيف فسّها المؤرخون في
علاقة بالتوازنات الأوروبية والدولية بعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى؟
صراع المصالح يف الرق الأوسط والخليج قبل سايكس – بيكو: نهاية
القرن التاسع عر -ى نهاية الحرب العالمية الأول
1. قبل حدث النّفط كانت مدارات الصّاع والتنافس اقتصادية وإستراتيجية
ليس مطلوبًا منا في إطار هذا الباب المحدّد الهدف؛ التفصيل في مسألة تنافس القوى الاستعمارية الغربية حول نفط الشرق
الأوسط والخليج العربي، إذ سنقصر همّنا هنا - لاعتبارات منهجيّة - على ما له علاقة بأطماع القوى المتنافسة التي كانت تتأهب آنذاك (نهاية القرن التاسع عشر - مطلع القرن العشرين) للانقضاض على أشلاء "الرجل المريض"، واقتسامها في ما بينها وما رافق ذلك التنافس من احتقان ألقى بظلاله الكثيفة على العلاقات الدولية.
انطلق التنافس الاستعماري الأوروبي على المنطقة مع الفترة الحديثة أي مع حركة الاكتشافات الجغرافية؛ إذ تسرّب البرتغاليون
إلى منطقة الخليج بقوتهم البحرية، وسيطروا عليها ضمن سعيهم لاحتكار تجارة الشّق وتأمين الأسواق لمنتجاتهم.
تصدى العثمانيون للبرتغاليين في حركات توسّعهم خاصّة خلال الفترتين 1552 - 1554، و 1557 - 1581. ثم كان الحضور الهولندي
في المنطقة؛ إذ بعث الهولنديون عام 1602 شركة الهند الشرقية الهولندية، وتمكّنوا من تأسيس مرافئ لهم ومراكز في جميع أنحاء المحيط الهندي والمناطق الساحلية لبلاد فارس وشبه الجزيرة العربية. واصطدم الهولنديون بالإنكليز الذين كانوا يخشون أيضًا منافسة فرنسا لهم في المنطقة، وإمكان تهديد مستعمراتهم في الهند (بعد حملة نابليون على مصر عام 1898)، وخاصّة بعد تأسيس الفرنسييّ شركة الهند الشرقية الفرنسيّة؛ ما جعلهم يردّون على الفعل ويرغمون الفرنسيين لاحقًا (عام 1904) على الاعتراف بسيادتهم على منطقة الخليج. وبذلك انحسر النّفوذ الفرنسي عن تلك المنطقة، ليتفرّغ الإنكليز بعد ذلك لمواجهة المدّ الأميركي الذي بدأ على هيئة إرساليات بشرية طبيّة، قبل أن يتخذ شكل صراع مع بريطانيا بعد سعي الولايات المتحدة الأميركية لضمان نصيبها من نفط المنطقة وعقدت اتفاقيات مع عدد من أمراء العرب.
أما خلال القرن التاسع عشر فقد احتدّ التّنافس بين أهم القوى الأوروبية على المنطقة، ولا سيما بين ألمانيا وبريطانيا العظمى من
ناحية، وبين روسيا وبريطانيا من ناحية أخرى.
كانت بريطانيا تخشى التّطلعات الألمانية لمنطقة السواحل الشرقية لبلدان الخليج في نهاية القرن التاسع عشر، وفي الوقت الذي
كانت روسيا تسعى هي أيضًا للوصول إلى الخليج وبعض المضائق (الدردنيل والبوسفور) حصل تقارب بين ألمانيا والإمبراطورية العثمانية. وكانت ألمانيا قد خططت لبناء خط حديدي يمتدّ من بحر الشمال إلى الكويت؛ وهو الخط الذي اشتهر باسم سكّة برلين - بغداد. وكان الهدف منه دعم النّفوذ الألماني في الولايات العربية العثمانية وتعزيزه وتسويق المنتوجات الألمانية ومحاولة إضعاف النّفوذ الإنكليزي في الهند والخليج. وهذا ما اضطرّ بريطانيا إلى ردّة الفعل، والعمل من أجل إحباط ذلك المشروع.
اهتمت روسيا القيصرية من جهتها بمدّ نفوذها في المنطقة والتسرّب إلى البحار الدافئة وتعاونت مع فرنسا في هذا الخصوص؛
بهدف إضعاف السيطرة البريطانية على المنطقة. ولكن هذه السياسة توقفت بعد هزيمة روسيا أمام اليابان عام 1902، وتوقيعها معاهدة مع بريطانيا عام 1907؛ اعترفت بموجبها بمنطقة الخليج منطقة نفوذ بريطاني.
أما بريطانيا فقد كانت ترى وجودها في الخليج العربي والشرق الأوسط عمومًا مسألة قومية حيويّة؛ بحيث اغتدى توطيد نفوذها
في المنطقة جزءًا من إستراتيجيتها؛ كي تظل دولة عظمى على الركح السياسي العالمي. كما تضمنت إستراتيجيتها المذكورة منع قيام دولة أوروبيّة منافسة لها اقتصاديًا وسياسيًا. وهذا ما سنبحث فيه في العنصر التالي. ولكن علينا قبل ذلك أن نشدّد هنا على أن الهدف الرئيس لبريطانيا خلال تمركزها الخليجي في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين؛ كان توفير الأمن العسكري للهند "جوهرة بريطانيا في الشرق الأوسط" قبل المصالح التجارية وحقول النّفط.
2. فريق "المائدة المستديرة Table Round The": المفهوم الجديد للإمبراطورية
البريطانية
في حدود العام 1890، شكّلت نخبة بريطانية رفيعة المستوى من خرّيجي أكسفورد وكامبريدج مختبرًا شبيهًا بما يعرف اليوم ب
Tank Think، سيصبح لاحقًا الشبكة السياسية الأشدّ تأثيرًا، مدّة قرن أو يزيد.
ولئن أنكرت تلك المجموعة، بصفة قطعية، وجود مثل هذا الهيكل؛ فإن الذين انكبّوا على البحث فيه قد وقعوا على بعض آثاره
وأفكاره وأدبياته في الأوساط التي أسست الجريدة الجديدة المسمّاة المائدة المستديرة أو Table Round التي ظهرت عام 1910.
كانت هذه المجموعة تعتقد راسخ الاعتقاد أن نظامًا "إمبرياليًا دوليًا جديدًا أشدّ دقّة ونجاعة، أمر ضروري من أجل توسعة
هيمنة الثقافة الإنكلوسكسونية في قادم السنوات". وكانت هذه المجموعة التي يطلق عليها أحيانًا مجموعة "المائدة المستديرة" في الأصل والمنشأ مجموعة صريحة في عدائها لألمانيا وفي تعصّبها للإمبراطورية البريطانية. كتب فليب كر Kerr Philippe (اللورد لوثيان Lothian Lord) وكان شخصية مؤثرة آنذاك في "المائدة المستديرة" في آب/ أغسطس 1911، ما يلي:
"هناك الآن قاعدتان للأخلاق الدولية، البريطانية أو الإنكلوسكسونية، والقارية أو الألمانية. ولا يمكن هاتين القاعدتين
الأخلاقيتين أن توجدا معًا. وإذا لم يكن للإمبراطورية البريطانية ما يكفي من القوّة كي ترجّح في الواقع المبادلات السلمية بين الأمم، فإن المعايير الرجعية للبيروقراطية الألمانية ستنتصر، ومن ثمّ استحالة الإمبراطورية البريطانية نفسها إلى ضحية سطو مسلّح على غرار حادثة أغادير [...]، مسألة وقت ليس إلا. اللّهم إلا إذا كان الشعب البريطاني من القوة بحيث يمنع غرماءه المتأخرين من مهاجمته أملً في الانتصار عليه. يجب على هؤلاء القبول بالمعايير السياسية للقوى السياسية العنيفة".
كانت مجموعة "المائدة المستديرة" تنادي ببعث كومنولث للأمم nations of Commonwealth بدلً من الاحتلال العسكري
المكلف بمستعمرات الإمبراطورية البريطانية. هكذا يصبح في الإمكان تمكين الأمم الأعضاء من استقلالات وهمية؛ ما يجعل بريطانيا العظمى تقلّل إلى حدّ بعيد من التكاليف الباهظة للاحتلالات العسكرية البعيدة من الهند إلى مصر، ثم باتجاه أفريقيا والشرق الأوسط، فضلً عن ذلك. ولقد تم استعمال مصطلح "إمبراطورية لا شكلية" أو "غير رسمية" informel Empire أحيانًا لتوصيف هذا التحوّل. ولم تلبث هذه المجموعة التي كانت تدافع عن فكرة "إمبراطورية بريطانية متجدّدة" أن تطورت واتسعت، إذا تحلّقت حول
جريدة التايم Time الشهيرة والمتنفذة شخصيات مرموقة شأن اللورد ألبيرت غري Grey Albert Lord سكرتير الشؤون الخارجية، والمؤرخ أرنولد توينبي Toynbee Arnold الذي كان في الآن نفسه عضوًا في المخابرات البريطانية، وهالفورد ج. ماكندر Halford Makinder. J من مدرسة لندن للاقتصاديات Economics of School London، والذي كان رائد اختصاص علمي جديد هو الجيوبوليتيك Géopolitique La. هكذا كان مختبر الأفكار هذا أو خلية التفكير التي تشكّلت في أروقة فرساي عام 1919؛ النواة الأولى لما سيسمّى لاحقًا المعهد
الملكي للشؤون الخارجية Affairs International of Institute Royal والذي سيسمّى أيضًا شاثام هاوس House Chatham. ما يهمنا هنا في ما نحن بصدده هو أن هذه المجموعة قد ضبطت خطة محكمة ضمن ما يسمى "لعبة كبرى" Jeu grand Un مؤداها السير ببريطانيا نحو إمبراطورية لما بعد الحرب، تتألف من رابطة أمم شكلتها بريطانيا العظمى وهيمنت عليها.
لقد تمثل الهدف الأكبر لمجموعة "المائدة المستديرة" في ربط الممتلكات الاستعمارية الإنكليزية المترامية الأطراف من أفريقيا
الجنوبية الغنية بمناجم الذهب والألماس، إلى شمال مصر بمعبره المائي المركزي عبر قناة السويس، وأبعد من ذلك خلال بلاد الرّافدين والكويت وفارس حتى الهند، ناحية الشرق.
وهنا تتأكد الإشارة إلى أن فكرة فلسطين يهيمن عليها اليهود، وتكون تابعة لبريطانيا تأمينًا لبقائها وديمومتها "وسط محيط
عربي معاد [كذا]"، كانت من بين مكونات مفهوم مجموعة "المائدة المستديرة" المنادية بإمبراطورية متجددة.
إن قوة عظمى قادرة على الهيمنة على المجالات الشاسعة التي سبق ذكرها؛ ستكون في مكنتها مراقبة الموارد الأولية الإستراتيجية
الأثمن، من الذهب إلى النفط الذي سيفرض نفسه ابتداءً من عام 1919 أهمّ مصدر طاقة في العهد الصناعي المعاصر.
في هذا الإطار العام، وضمن هذه الإحداثيات يمكن تنزيل السياسة البريطانية السرية قبل الحرب، والتي لن يكون من بين
ضحاياها العرب والإمبراطورية العثمانية فحسب، بل كذلك أقرب حلفائهم في الحرب أي فرنسا.
3 ي. النفط ف الإستراتيجية البريطانية قبل الحرب العالمية الأولى
تكثف الاهتمام البريطاني بالمسألة النفطية في إيران والخليج العربي والمناطق العربية الخاضعة للنفوذ العثماني وعلى رأسها العراق
قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى. ففي 28 أيار/ مايو 1901 تمّ التوقيع على أول اتفاقية نفطية بين ايران والشركات البريطانية (وهي المسماة امتياز دراسي Darcy).
ثم انخرطت بريطانيا في تنافس مع ألمانيا للحصول على امتياز للنفط في الدولة العثمانية، ودعمت وليم كوكس دارسي William
Darcy. K في مفاوضاته مع السلطة العثمانية.
وكان مجيء الاتحاديين إلى الحكم في الدولة العثمانية عام 1908 في مصلحة البريطانيين؛ إذ أظهرت حكومة الاتحاد والترقي
ميلً إلى بريطانيا؛ ما سمح لها بالحصول على مركز مفضّل في مجال المنافسة.
وفي سنة 1910 تأسس البنك الوطني التركي برأسمال بريطاني، وجرت مفاوضات بعد ذلك بين البنك الألماني والبنك الوطني التركي؛
توّجت في العام نفسه بإنشاء شركة بريطانية في لندن باسم "شركة الامتيازات الأفريقية والشرقية المحدودة". وفي أيلول/ سبتمبر 1912 تغيّ اسم الشركة ليصبح "شركة النفط التركية" (C. P. T Compagny Petroleum Turkish The). ولقد عُدَّ تأسيس شركة النفط التركية بين بريطانيا وألمانيا تأكيدًا لمصالح بريطانيا، وضمانًا لها في المقام الأول. ذلك أن بريطانيا التي استشعرت الخطر الألماني في المنطقة قد جنحت إلى مباشرة مفاوضات، وعقد معاهدات مع ألمانيا، بوصفها أنجع وسيلة لتأمين مصالحها من ناحية، وتجنب مواجهة غير مأمونة العواقب مع ألمانيا من ناحية أخرى.
وبعد فرض بريطانيا هيمنتها على شركة النفط التركية، اتجهت همّتها إلى توسيع امتياز شركة النفط الإنكليزية - الفارسية (امتياز
دارسي آنف الذكر) ليشمل العراق. ووجدت بريطانيا ذريعة لذلك خلال ترسيم الحدود بين الإمبراطورية العثمانية وفارس في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 1913، إذ تم ضمّ منطقة صغيرة (800 ميل) كانت مشمولة بامتياز دارسي إلى الأراضي العثمانية (وهي الأراضي التي ستعرف لاحقًا باسم الأراضي المحمولة TerritoriesTansFerried) بموجب برتوكول تعيين الحدود بحق مدّ أنابيب النفط حتى الأراضي المحمولة.
لقد سعت بريطانيا - دائمًا وفق إستراتيجيتها الرّامية للحدّ من النفوذ الألماني - إلى محاولة إدخال شركة النفط الإنكليزية - الفارسية
في شركة النّفط التركية، وكان لها ذلك في 19 آذار/ مارس 1914؛ إذ انتزعت اعترافًا من الحكومة التركية ينصّ على أن القسم الجنوبي من العراق أصبح مجالً حيويًا لشركة النّفط الإنكليزية – الفارسية وعلى الموافقة، في الآن نفسه، على مدّ خطّ حديدي بين الكوت ومندلي لنقل النفط المستخرج من تلك المنطقة.
وفي 2 حزيران/ يونيو 1914 منح الصدر الأعظم التركي امتيازًا شمل ولايتي الموصل وبغداد إلى شركة النفط التركية. وسبق للحكومة
التركية أن حازت منذ 20 أيار/ مايو 2014 شركة النفط الإنكليزية الفارسية (الشركة البريطانية التي تأسست في الإمارة البحرية في 14 نيسان/ أبريل 1909).
اتفاقية سايكس- بيكو (أيار/ مايو 1916): النفط الحاضر بالغياب
1. الحرب العالمية الأولى تحوّل النفط إلى مادة إستراتيجية
لقد ساهمت الحرب العالمية الأولى في تأكيد الأهمية المتعاظمة للنفط حال كونه مادّةً إستراتيجية مستقبلية؛ ذلك أن الحرب
العظمى قد كشفت النّقاب عن أن النفط أصبح الوقود الرئيس للشاحنات والدبابات والطائرات والبواخر والغواصات في تلك الحرب الميكانيكية mécanique Guerre La الجديدة.
وقد أبانت خريطة أهم مسارح الحرب العالمية الأولى عن مدى الأهمية العظمى لجهد تأمين عمليات التزوّد بالنفط ضمن
الاهتمامات والمشاغل العسكرية.
ولقد ازداد الحراك العسكري أثناء الحرب وتضخّم بفضل النّفط. فقد كان الهدف من الحملة الألمانية على رومانيا تحت إمرة
المارشال فون ماكنسن Kensen Mac Von تركيز مصادر إنتاج النفط والأنابيب النّاقلة له، والتي كانت موزّعة قبل ذلك بين الإنكليز والهولنديين والفرنسيين والرومانيين، وذلك في كنف اتحاد نفطي واحد دُعي ب "النّجمة الرّومانية" Romana Stena.
ومما يجدر ذكره هنا؛ أن رومانيا شكّلت أثناء الحرب مصدر التزوّد الوحيد المضمون لجميع القوّات الجويّة والدبابات والمصفّحات
والغوّاصات الألمانية.
أما الحملة البريطانية على الدردنيل والتي انتهت بهزيمة قاسية في شبه جزيرة غاليبولي عام 1915، فقد كان الهدف من ورائها
تأمين التزوّد بالنّفط القادم من الحقول النّفطية الرّوسية في منطقة باكو Bakou من أجل دعم الجهد الحربي الفرنسي – الإنكليزي. وكان السلطان العثماني قد أقرّ إثر دخول الإمبراطورية الحرب حظرًا على السفن الناقلة للنفط الرّوسي التي كانت تعبر الدردنيل.
وفي العام 1918 كانت حقول النّفط الرّوسية الغنيّة بمنطقة باكو؛ موضوعَ جهدٍ، ومساعٍ سياسية وعسكرية مكثّفة من لدن ألمانيا
وكذا بريطانيا التي عمدت إلى احتلالها من باب الإجراء الوقائي، وذلك طوال أسابيع حرجة، قاطعة بذلك على الجنرال الألماني Staff النفاذ إلى مصادر نفطية حيوية. وكان حصار باكو هذا قد وجّه ضربة قاصمة وحاسمة إلى ألمانيا التي سارعت بعد أسابيع من تلك الحادثة بطلب الصلح. حصل هذا بعد أشهر قليلة فقط من فترة ساد فيها الاعتقاد أن ألمانيا متّجهة نحو نصر على الحلفاء. وهكذا تأكّد أن النّفط بات في قلب العملية الجيوإستراتيجية، بحيث ما عادت أية قوّة عالمية عظمى تشكُّ، غداة انتهاء الحرب، في الأهمية البالغة للتزوّد بالنّفط ضمانًا لأمنها العسكري والاقتصادي. وللتدليل على هذه الأهمية التي بات يكتسيها النّفط نذكر أن 40 في المئة من الأسطول البحري البريطاني أصبح يستخدم النّفط، وكان معدّل استهلاك الهجوم النهائي الإنكلو-فرانكو–أميركي على الجبهة الغربية 12000 برميل في اليوم الواحد.
ومما جاء على لسان اللورد كيرزون وزير الشؤون الخارجية البريطاني تأكيدًا للدور الحيوي الذي بات يلعبه النفط في تحديد مصير
الحرب قوله: "يتّجه الحلفاء نحو النصّر على بحر من النّفط [...] لقد أصبح النفط ومشتقاته في بداية الحرب من بين الوسائل التي يؤمّن الحلفاء بواسطتها حسن سير الحرب والانتصار فيها. من دون نفط كيف كان في مقدورهم تأمين حركة الأساطيل ونقل الجيوش أو صناعة مختلف أنواع المتفجّرات؟".
والنتيجة، إذًا، واضحة: إن النّفط الذي انتقل إنتاجه العالمي من 40 مليون طن قبل الحرب إلى 100 مليون طن بعدها، قد
تحوّل إلى مادة إستراتيجية وازنة في الاقتصاديات العالمية والعلاقات الدولية.
وما نريد الخلوص إليه هنا من كل هذا؛ أن بريطانيا كانت واعية جدًّا برِهان النّفط هذا قبل الحرب. ومصداق ذلك ما خطّطت
له مجموعة "المائدة المستديرة" قبل الحرب وأثناءها وبعدها، وكان بعضٌ من ذلك في اتفاقية سايكس – بيكو.
2 ي. النفط المسكوت عنه ف اتفاقيات سايكس - بيكو؟
لم يرد في البنود الاثني عشر المؤلفة للاتفاقية الإنكليزية الفرنسية الرّوسية، التي ستُعرف لاحقًا باتفاقية سايكس – بيكو ذكر
للنفط لا تصريحًا ولا تلميحًا. ومن المعروف أن الاتفاقية المذكورة الموقعة بين فرنسا وبريطانيا وروسيا في 9 أيار/ مايو 1916، قد خصّت بريطانيا بنفوذ مباشر على القسم الجنوبي من العراق الذي يمتدّ من شمال بغداد حتى مصبّ دجلة والفرات، وأطلق على هذه المنطقة اسم المنطقة الحمراء، كما حصلت بريطانيا على نفوذ مباشر في ميناءَيْ حيفا وعكا في فلسطين.
أما النّفوذ الفرنسي المباشر فقد شمل سورية الساحلية، إضافة إلى منطقتي أضنه وكيليكيا التركيتين. وسميت هذه المنطقة
بالمنطقة الزرقاء. هذا وقد حصلت فرنسا على نفوذ غير مباشر داخل سورية، إضافة إلى منطقة الموصل شمال العراق وسميت هذه المنطقة بالمنطقة "أ".
والسؤال هنا: هل قبول بريطانيا بتمركز فرنسا في ولاية الموصل كان مرادفًا لتنازلها عن نفط هذه الولاية العراقية؟ نفط يضمنه لها
امتياز أيلول/ سبتمبر 1912 الذي مكنتها منه الدولة العثمانية كما مرّ بنا؟
هذه المسألة في حاجة إلى شيء من التدقيق؛ ذلك أن أغلب الباحثين يغفلون عن الإشارة إلى أن اتفاقية سايكس – بيكو قد
تضمّنت ملحقًا avenant يسمح للبريطانيين بالحفاظ على حقوقهم المتصلة بالامتيازات النفطية، حيث حقول النفط وآباره، وذلك وفقًا للامتياز المذكور.
ويذكر الباحث فيليب تريستاني Tristani Philippe في أطروحته حول شركة النفط العراقية أن أوساطًا بريطانية متنفذة في مجال
المال والأعمال، ومن بينها من هم في مجال النّفط، قد أعربت عن خشيتها من خسارة امتيازاتها وتضرّر مصالحها بعد الكشف عن فحوى الاتفاقية؛ الأمر الذي اضطرّ من هم في أعلى هرم السلطة السياسية إلى العمل على طمأنتهم.
وكان وزير الشؤون الخارجية البريطاني السير أدوارد غري Gray Edward قد بعث بمذكرة إضافية إلى بول كامبون السفير
الفرنسي في لندن، تعهد فيها ضمان البريطانيين مصالح الفرنسيين في المناطق التي آلت إليهم، مثلما على الفرنسيين العمل على ضمان امتيازات البريطانيين ومصالحهم في المناطق التي تندرج ضمن حدود حصّتهم.
وقد أكدت الحكومة الفرنسية لاحقًا، أي عام 1918 تحديدًا، مباشرة بعد انتهاء الحرب، عندما طلب البرلمان الفرنسي إيضاحات
بخصوص تنازل فرنسا عن ولاية الموصل أن اتفاقية سايكس – بيكو لا تعطي فرنسا أي حق في نفط الموصل.
هذا في ما يخصّ النّفط في الاتفاقية السريّة المسماة سايكس – بيكو. أما الاتفاقية أو التّعهد السرّي الآخر الذي سيشتهر باسم
"وعد بلفور" فإن هاجس النّفط فيه كان حاضرًا، وإن كان مسكوتًا عنه هو الآخر عند خلية التفكير لنخبة جريدة التايم، كما أوضحنا ذلك خلال التعرّض لأمّهات أفكار هذه المجموعة من أجل "مفهوم جديد للإمبراطورية".
كان بلفور صاحب الوعد الشهير من بين المساندين لهذه الفكرة. كتب وليام إنغدال في كتابه النفط، حرب قرن: "من
المهمّ الإشارة إلى أن التموقع الجغرافي للوطن اليهودي الجديد الذي كانت بريطانيا العظمى عرّابه يوجد في إحدى المناطق الأكثر إستراتيجية، على طول الجادّة الرئيسة للإمبراطورية البريطانية التي اتسعت عام 1914، وكانت أيضًا منطقة حساسة على طريق الهند. ولكن كذلك على علاقة بالمنطقة النفطية العربية الجديدة التي تمّ افتكاكها أخيرًا من تركيا العثمانية. إن تركيز أقلية يهودية في فلسطين تحت حماية بريطانية سيتيح للندن، وفق بلفور ورجال سياسة آخرين من العاصمة البريطانية إمكانات إستراتيجية ذات أهمية بالغة". ويختم إنغدال بقوله: "إن أقل ما يقال في هذا أنه مناورة صفيقة من لدن بلفور وبطانته ".
وحاصل الأمر أن ما انتهت إليه الباحثة راشيل هافرلوك في مقالها سابق الذكر في مجلة فورين أفيرز لا يعدّ من باب التهويمات
أو شطحات الخيال، وخاصة حين قالت إن تقسيمات سايكس - بيكو والتعديلات التي أدخلت عليها لاحقًا لم تكن عشوائية كما كان يقال وكما كان شائعًا، وإن ترسيم الحدود أملاه معيار النفط لتحديد العراق دولةً منتجة، والأردن وسورية دولتي عبور، وفلسطين ولبنان دولتي تصدير.
النّفط وراء تعديل اتفاقية سايكس – بيكو عام 1918
شغل السؤال حول أسباب تنازل بريطانيا عن ولاية الموصل المؤرخين ردحًا من الزّمن، وذهب حامد حميد كاظم في دراسته المعنونة
"النفط العربي وتأثيره في العلاقات البريطانية الأميركية " إلى أن "بريطانيا كانت تفكر في أن تستخدم فرنسا حاجزًا بينها وبين روسيا ". أما الباحث والكاتب وليام إنغدال فقد انتهى إلى أن ضعف بريطانيا النسبي النّاجم عن الحملة الكارثية على غاليبولي عام 1915، اضطرّ بريطانيا إلى التخلي عن الامتيازات النفطية للموصل لفائدة فرنسا، كما اعترفت في الآن نفسه بالمطالب الترابية السابقة لحليفتها في المشرق. ولكن خسارة بريطانيا العظمى لهذه الثروات النفطية لم تكن في الحقيقة إلا انسحابًا تكتيكيًا، ينبغي تنزيله ضمن مدار مخططاتها على المدى البعيد التي كانت تهدف إلى الهيمنة على مخزون النفط العالمي والاستئثار به. ولقد بيّنا في عنصر سابق كيف أن هذه الاعتبارات أصبحت في حاجة إلى المراجعة تأسيسًا على ما جاء في ملحق الاتفاقية المذكورة.
1. تبدّل موقف الجانب البريطاني من لاتفاقية
بعد عقد اتفاقية سايكس – بيكو؛ جرت أحداث مهمة في المنطقة العربية (الولايات العربية في الإمبراطورية العثمانية)، وفي سير
الحرب العالمية نفسها (الثورة العربية الكبرى بتحريض من بريطانيا، وكان من بين أطوارها احتلال فلسطين في مطلع عام 1917، بمساعدة الجيوش البريطانية، وإصدار وعد بلفور في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، ودخول الولايات المتحدة الأميركية الحرب، وخروج روسيا منها).
ولكن الأمر المهم لما نحن بصدده هو المسألة النفطية التي ستصبح مسألة مركزية عام 1918 وما بعده، أي عام الحسم في هذه
الحرب، إلى درجة أن الفرنسيين عدّوا في مطلع عام 1919 قضية النفط باتت واحدة من أهم القضايا الاقتصادية التي يجب بحثها في مؤتمر الصلح، وأنها أصبحت ذات أهمية قصوى "للدفاع القومي الفرنسي أو في تأمين الرخاء العام".
في هذا السياق تنزل مؤتمر الحلفاء حول النفط الذي انعقد في لندن بين 16 و 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 1918. خلال هذا المؤتمر
تأكد الفرنسيون من النيّات البريطانية الحقيقية وأطماعهم المتصلة بوضع اليد على حقول النّفط خارج مجال الولايات المتحدة الأميركية، ومراقبة الطرق المائية والبرّية التي تتيح توجيه الإمدادات النفطية.
كان هذا خلال لقاء مطوّل بين ولتر لونغ Long Walter الوزير البريطاني المكلف بالمستعمرات والنفط، وهنري بيرنجيه Henry
Béranger المسؤول عن المندوبية العامة للنفط والمحروقات في فرنسا.
ويبدو أن القلق بشأن نيّات بريطانيا حول الموصل بصفة خاصة، وما تمّ الاتفاق عليه خلال اتفاقية سيكس – بيكو بصفة عامة؛
قد بدأ يساور الفرنسيين منذ نهاية حرب تشرين الأول/ أكتوبر – مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر 1918، حين قام الإنكليز بعد التوقيع على هدنة مودروس مع الدولة العثمانية في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1918 بالتمركز في الموصل، ابتداء من 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1918، وتدشين حملة إعلامية قوية لفائدة بريطانيا (أي على حساب فرنسا)، الهدف منها إقصاء فرنسا عن تلك الولاية. وبالموازاة مع ذلك؛ منعت السلطات البريطانية في تلك الفترة نفسها كلً من قنصل فرنسا في البصرة وقائد المهمة العسكرية في بلاد الرّافدين من التحوّل إلى الموصل؛ قصد توزيع إعانات للسكان المدنيين باسم الدولة الفرنسية، الأمر الذي أقلق وزارة الخارجية الفرنسية من نيّات البريطانيين في ما يتّصل باحترام توقيعهم [كذا]. ونقرأ ضمن مذكّرة موجّهة من وزير الخارجية الفرنسي إلى السفير الفرنسي بالمملكة المتحدة بتاريخ 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 1918 ما يلي: "إن الرّفض الذي جوبه به السيدان Sicard و Roux للتحول إلى المنطقة المعترف لنا بها في الاتفاقية التي مهرتها الحكومة البريطانية بتوقيعها؛ يشكّل إعلانا مباشرًا عن النيّات البريطانية في التملّص من التزاماتها.
إن خلفيات تغيير الموقف البريطاني من اتفاقية سايكس – بيكو، وخاصة منذ مطلع عام 1918، والتداعيات النّاجمة عن ذلك
ميدانيًا وسياسيًا ودبلوماسيًا يمكن أن تشكل موضوع بحث مستقل. لذا، سنكتفي هنا فقط بالتذكير في هذا السياق المخصوص بأن بريطانيا قد برعت في تقديم الوعود العرقوبيّة المتضاربة ونكث العهود وفق عادةٍ أو قاعدة دبلوماسية مفادها: "يمكن إعطاء ما يحلو من الوعود، فالوضع يتغيّ في ما بعد".
لقد عدّت بريطانيا على لسان رئيس وزرائها لويد جورج، والحرب لم تضع أوزارها بعد، اتفاقية سايكس – بيكو باتت لاغية؛ لأن
أحد أطرافها، أي روسيا، قد أعلن عدم التزامه بها. وقد جاء هذا "التطور" في الموقف البريطاني، والذي عدّه الفرنسيون "انقلابًا" حينًا، و"تنكرًا" حينًا آخر، في فترة احتدّت فيها شقّة الخلاف أي تصادم المصالح في البلاد العربية بين بريطانيا وفرنسا وازدادت وضوحًا.
وقد ذهب جورج أنطونيوس في كتابه المعروف يقظة العربإلى أن تطبيق البريطانيين بنود الاتفاقية كما وقعت عام 1916
يعارض المصالح البريطانية من ناحيتين مهمتين:
لأنها جعلت لفرنسا ولاية الموصل وآبار النفط الغزيرة فيها.
لأنها وضعت فلسطين تحت نوع من الإدارة الدولية التي تحول بين بريطانيا وبين سيطرتها عليها كما كان يحرص على ذلك لويد جورج. وفي المقابل؛ كانت فرنسا متمسّكة بقوّة بالاتفاقية، بوصفها الوثيقة الوحيدة التي تثبت اعتراف بريطانيا العظمى على نحو علنيّ
ومحدّد بحصّة فرنسا في تركة "الرجل المريض"، ومن هنا جاء إصرارها على إنفاذ تلك الاتفاقية إنفاذًا كاملً.
ومن الطريف اللافت هنا والدّال في الآن عينه أنه تم التوقيع على الاتفاقية من قبل جورج بيكو بالحبر الأسود، أما مارك سايكس
فقد أمضى عليها بقلم الرصاص.
ولحلحلة هذا الوضع الذي لم يكن في مصلحة الطرفين وخاصّة الطرف الفرنسي؛ قرّر جورج كليمنصو بعد دخول الهدنة
Armistice ' l حيز الإنفاذ أن يعالج مسألة تقسيم المنطقة العربية مع لويد جورج مباشرة ومن دون شهود.
هكذا، إذ ا، تحول كليمنصو إلى إنكلترا في تشرين الثاني/ نوفمبر 1918، وكان له لقاء على انفراد بلويد جورج يوم 1 كانون الأول/ ديسمبر في
مقرّ السفارة الفرنسية في لندن. وقد وصف موريس هانكي سكرتير الحكومة البريطانية في جريدته بتاريخ 11 كانون الأول/ ديسمبر 1920 جانبًا مما دار بين الرّجلين في خلوتهما كالآتي: "عندما صارا وحيدين قال كليمنصو: 'حسنًا ماذا علينا أن نناقش؟' أجاب لويد جورج: 'بلاد الرافدين وفلسطين'. فطلب كليمنصو من مخاطبه قائلً: 'قل، ماذا تريد؟'، قال لويد: 'أريد الموصل'، فقال كليمنصو: 'ستكون لك'، قبل أن يضيف: 'وهل هناك أمر آخر؟'، فردّ لويد جورج: ' بلى، أريد القدس أيضًا'، قال كليمنصو: 'ستكون لك'، ثم أردف: 'ولكن بيشون (ستيفان بيشون وزير الخارجية الفرنسية) سيخلق مصاعب بالنّسبة إلى الموصل".
وقد علّق موريس هانكي على تلك المحادثة الثنائية بالقول: "لم تترك تلك المقابلة أي أثر أو مذكرة [...] ولكن على الرغم من
الضغوط الكبيرة التي مورست على كليمنصو فإن الرجل ظلّ على موقفه لا تلين له قناة، ولم يتراجع قطّ في كلامه. ويمكنني لموقعي المتميّز أن أؤكد أن لويد جورج لم يترك له الفرصة لذلك [...] هكذا يصنع التاريخ".
بيد أن المفاوض الفرنسي قايض تنازله المذكور وفق الشروط التالية:
يجب أن تكون لفرنسا حصّة من نفط الموصل (وهو ما لم يكن من حقها سابقًا.)
ضرورة تعهد بريطانيا بدعمها الكامل لفرنسا على قاعدة اتفاق 1916 (من دون الموصل)، وكذا في وجه الاعتراضات الأميركية المتعلقة
بمطالبها القاريّة في مواجهة ألمانيا.
ضرورة وضع دمشق وحلب كما الإسكندرونة وبيروت تحت الانتداب الفرنسي إذا تمّ الاتفاق على مثل ذلك النّظام (أي الانتداب)
على المنطقتين المشار إليهما في اتفاقية أيار/ مايو 1916.
اتخذ جورج كليمنصو تلك القرارات الخطيرة بالتنازل عن الموصل والعدول عن تدويل فلسطين، حتّى من دون إعلام وزير الخارجية
ستيفان بيشون وسفير فرنسا في لندن بول كامبون. ولم تعلم وزارة الخارجية بالتخلّ الفرنسي عن الموصل إلا في مطلع شباط/ فبراير 1919 في أثناء محادثة بين مارك سايكس وجان غو Gout Jean نائب مدير قسم آسيا في وزارة الخارجية الفرنسية.
والغريب هنا أن ردّات فعل ستيفان بيشون وبول كامبون لم تكن سلبية إزاء القرار الذي اتخذه جورج كليمنصو بصفة أحادية
الجانب. ولم تصدر عن مجلس الوزراء والبرلمان ردّات أفعال رافضة أو مندّدة واكتفى ستيفان بيشون بالقول إن لفرنسا حقوقًا في اتفاقية سايكس – بيكو.
2 ي. محددات تنازل جورج كليمنصو عن الموصل ف الإيستريوغرافيا الفرنسية
الولاية في صدور انتقادات وأحكام قاسية جدًا على كليمنصو من معاصريه كما من الأجيال التالية.
التركية، وكذا تأكيد حقوق فرنسا المعترف بها في سورية ولبنان.
مصالح، وكذلك الأعداء السياسيين للحكومة ذات الأغلبية الراديكالية أو الراديكالية الاشتراكية.
وناحية أخرى كانت الصحافة شديدة على كليمنصو بسبب "تفريطه في نفط الموصل".
بأقلام ريمون بونكاريه أو الجنرال دوفيو.
ولا سيما في فرنسا.
الاعتراف بسورية محمية فرنسية وليست فقط منطقة نفوذ فرنسي، وضرورة حصول فرنسا على حصة من نفط الموصل.
لقد تسببت مبادرة جورج كليمنصو أحادية الجانب في "التفويت" في الموصل لفائدة بريطانيا نظير 25 في المئة من إنتاج النّفط في هذه تراوحت المواقف بين من عدّ هذا التنازل أو التخلي "هفوة" شأن موريس مرسييه الكاتب العام للمنشأة الفرنسية للنفط، وبين من
ذهب إلى أن ما أتاه الرّجل الذي كان مسكونًا بهاجس أمن فرنسا قد جاء نتيجة طلب بريطاني ضاغط حول مسألة مهمّة، لا شك في ذلك ولكنها كانت تبدو ثانوية في نظره، نظرًا إلى أن ما أقدم عليه من تنازل، من شأنه أن يتيح تقاربًا في الرؤى بين فرنسا وبريطانيا، وهو ما كان يعدّه أمرًا أساسيًا. هذا فضلً عن كون هذا التنازل كان سيسهل قبول بريطانيا بحصول فرنسا على حصّة ألمانيا في شركة النفط لقد أثار قرار كليمنصو عليه غضب أوساط وازنة ومؤثرة في فرنسا وتنديدها، شأن القوميين الفرنسيين المنادين بحضور فرنسي في
"سورية الكبرى"، وكذلك المناهضين لبريطانيا antibritanniques Les المساندين ل "الورقة الأميركية"، هذا فضلً عن الصناعيين الفرنسيين في مجال النّفط ورجال الأعمال شركاء المنافسين الأجانب لمجموعة Shell Dutch Royal، واللبراليين عن اقتناع أو عن إن غضب هذه الفئات المؤثرة لا يمكن إلا أن ينتج حكمًا سلبيًا على العمل المنجز من لدن كليمنصو وحكومته، هذا من ناحية، وستنظر القوى القومية لاحقًا إلى هذا "التفريط" على أنه "الخطأ الأصلي" الذي ستترتب عليه كل الإخفاقات التي ستعرفها السياسة
الفرنسية في سورية ولبنان، ولم يفتها تأكيد أنها (أي الاتفاقات) قد تمّت على يد رجل سياسي يساري "رجل ذي قابلية لكل التنازلات (كليمنصو) وهو يستجمع في شخصه بمهارة مبدأ التنازل ومنطق الهزيمة". وعادة ما نجد هذا الضرب من الاتهامات وهي تتكرّر ويرجّح أن بواعث التخلي الفرنسيّ عن الموصل والملابسات التي حفّت بذلك القرار ما تزال إلى اليوم موضوع محاورات أيستريوغرافية، وسنقتصر هنا على بعض النماذج، من دون التفصيل مكتفين من الفيض بالغيض كما يقال. عرض المؤرّخ الفرنسي المعروف جان
باتيست ديروزيل في البيوغرافيا السميكة التي كرّسها لجورج كليمنصو إلى تنازل الرّجل عن الموصل، وردّ ذلك إلى أمرين اثنين: أما جورج هنري سوتو فقد ألمع في كتابه الذهب والدمإلى المسألة، من دون أن يبحث في خلفيات قرار كليمنصو بالتنازل عن
الموصل، مكتفيًا بالقول إن ذلك القرار جاء نتيجة اتفاق شفوي بين كليمنصو ولويد جورج. وانتهى سوتو إلى أن قرار كليمنصو كان تخلّيًا فرنسيًا إذا ما تمّ الرجوع إلى بنود اتفاقية سايكس – بيكو ووعد بلفور، إذ تنازلت فرنسا عن بلاد الرّافدين الشمالية وعن تدويل فلسطين، لقاء إقرار تركيز الحماية الفرنسيّة في لبنان وسورية، والمشاركة الفرنسية في الانتفاع بنفط بلاد الرّافدين.
ومن جهتها ردّت الباحثة سهيلة ماملي قدري في أطروحتها حول الدول التي ظهرت في المنطقة الآسيويّة للإمبراطورية العثمانية بعد
الحرب العالمية الأولى، تنازل كليمنصو عن الموصل إلى رغبته في الحصول على حصّة من نفط العراق كما بيّنت، تأسيسًا على وثائق أرشيفية لوزارة الخارجية الفرنسية أن القبول الفرنسي كان مشروطًا بثلاث مسائل. أولى هذه المسائل المشاركة الفرنسية في نفط الموصل، وثانيها ضمان المساندة البريطانية للاعتراضات الأميركية المتعلقة برفض تقسيم الإمبراطورية العثمانية. أما ثالث تلك المسائل فتتعلّق بالمدن؛ دمشق وحلب والإسكندرونة وبيروت ونواحيها التي يجب أن تكون ضمن مناطق الانتداب الفرنسي. ولكن سهيلة قدري أضافت شرطًا آخر لم يتضمنه متنها، وإنما هامش من هوامش الصفحة 221 (الهامش 491)، وأشارت فيه إلى أن بريطانيا التزمت بالوقوف إلى جانب فرنسا في مفاوضاتها مع ألمانيا بخصوص منطقة الروهر Ruhr، وذلك خلال مؤتمر الصلح في باريس.
أما إدوارد بيتر فتزجيرالد فقد فسّ، في مقال جيّد التوثيق، السبب الرئيس لتنازل كليمنصو عن الموصل؛ بأنه كناية "عن مقابل
من أجل بناء تعاون فرانكو- بريطاني هدفه اقتسام المصادر النفطية في مختلف مناطق أوروبا الشرقية والشرق الأوسط. مناطق كانت فرنسا تطمح إلى المشاركة في استغلال ثرواتها". هكذا، إذًا، نجح هنري بيرنجيه Beranger Henry في إقناع كليمنصو بالتنازل عن مجال ترابي غير مجدٍ، من أجل "واقع مبشّ بمشاركة مثمرة في استغلال النّفط"، وتبنّى هنري لورنس الرواية البريطانية في تفسير موقف كليمنصو مشدّدًا على خوف كليمنصو من الكلفة المرتفعة للسيطرة على مجال ترابي كبير في المشرق العربي. ومما قاله في هذا المعنى: "إن جورج كليمنصو يريد إرضاء مجموعة الضغط الكولونيالية ولكن بالاقتصار على سورية النافعة utile Syrie La. إن اتساعا ترابيًا كبيرًا يقتضي تكاليف باهظة من أجل إدارته، وهي تكاليف لا تقاس بالمردود الضعيف الذي يمكن أن تحصل عليه فرنسا. إنه التنازل عن مطلب سورية الشمالية (نقول اليوم سورية الكبرى").
بيد أن لورنس استدرك قائلً في فقرة أخرى من مقاله: "إن آراء كليمنصو تبدو غير مقنعة تمامًا".
نختم هذه الشواهد بهذه الإشارة المهمّة التي دوّنها جان مارتي Martet Jean السكرتير الخاص السابق لجورج كليمنصو في كتابه
صمت كليمنصو (صدر عام 1929)، والذي جاء فيه أن الرجل أكّد له "أن التفريط في الموصل كان في موازنة كيليكيا، وأن البريطانيين فضّلوا الأولى على الثانية.
ӵ بماذا يمكن الخروج بعد هذا العرض القصير لأهم ما ساقه باحثون انكبّوا على هذه المسألة بكثير من الاستقصاء والاهتمام والتحرّي؟ الثابت لدينا، وهذا ما يمكن أن نقرّه في شيء من الاطمئنان؛ أن المشغل الأساسي والهمّ المركزي لجورج كليمنصو كان، من دون
أدنى ريب، تسوية المسألة الألمانية والأمن القومي المستقبلي لفرنسا على حدودها الشرقية مع عدوّ هزمها عام 1870، وافتكّ أجزاء ترابية منها (الألزاس لورين) وسبّب لها خسائر جسيمة خلال حرب 1914 - 1918، وظلّ يمثّل خطرًا دائمًا عليها.
ونحن نرى أن ما خلص إليه روبرتو نيبرغ Nayberg Roberto في ختام دراسته حول السياسة النفطية الفرنسية بعد الحرب العالمية
الأولى، وأن أهم ما يمكن الخروج به من هذه المسألة أن هاجس كليمنصو الأساسي كان "المسألة الأوروبية"، وما عدا ذلك كان محض تهويمات وتخاريف وبناءات ذهنية بعديّة ومساع من قبل الدبلوماسيين الفرنسيين الذين أمضّتهم بنود الاتفاقية وأرمضتهم فحاولوا التخفيف من وقع الكارثة البادية للعيان كما ذكر روبرتو نيبرغ.
خاتمة
تبين لنا من خلال محاولتنا رصد مسألة النفط في مسار الاتفاقيات السرّية – هذه المادة الإستراتيجية التي تعاظمت أهميتها أثناء
الحرب وبعد انتهائها – أن هذا المصدر الطاقي كان حاضرًا بالغياب كما ذكرنا، أو أنه شكل العنصر المهم المسكوت عنه، في اتفاقية سايكس - بيكو، وفي الخلفيات التي حكمت على بريطانيا بالتراجع عن تدويل فلسطين؛ لتفرض عليها نوعًا من الحماية. كل هذا ضمن إستراتيجية واضحة المقاصد محكمة التفاصيل خططت لها أدمغة نخبة بريطانية في إطار خليّة تفكير كانت مهووسة بمستقبل الإمبراطورية البريطانية، جعلت وكدها الترتيب لنظام عالمي جديد يُبقي بريطانيا في صدارة الدول العظمى على الرغم من صعود قوى جديدة منافسة لها.
ولقد كشفت "السياسة السرّية" المتوخاة من لدن بريطانيا آنذاك؛ أن المحرك الرئيس لها هو مصلحة بريطانيا أولً وأخيرًا. والدليل
على ذلك أنها لم تنقلب فقط على العرب، بل أيضًا على حليفتها فرنسا، وظهر ذلك في تهديدها بإلغاء اتفاقية سايكس - بيكو أو تعديلها لمصلحتها. وهذا ما تمّ بالفعل عام 1918 (وتكرّس في اتفاقية سان- ريمو عام 1920) بتنازل فرنسا عن ولاية الموصل وقبولها بالحماية البريطانية على فلسطين.
لقد كانت بريطانيا مصرّة على إنفاذ تلك السياسة إصرارًا شديدًا، حتى إن البريطانيين هدّدوا باندلاع حرب عالمية أخرى، والعهدة
هنا على الكاتب جيمس بر Barr James في كتابه خط الرمال (2011)، إذا لم يتم التفاوض بشأن النّفط، إذ كان من الأمور الحيويّة بالنسبة إليهم ضمان مصادر إمدادات النفط.
ويكاد الاتفاق ينعقد عند المؤرخين والباحثين على أن ما انجلت عنه الحرب العالمية الأولى ومجمل التطورات التي رافقت نهاية
هذا الحدث الكبير؛ قد كرّست رجحان كفة بريطانيا وسياستها الإستراتيجية في المنطقة العربية. وآية ذلك أن أهم الدول التي نازعتها النّفوذ في المنطقة لم تلبث أن غادرت حلبة النّزاع الواحدة تلو الأخرى: روسيا على إثر نجاح الثورة البلشفية عام 1917 وانهيار النّظام القيصري، وألمانيا بسبب هزيمتها في الحرب. أما فرنسا فقد سلّمت صاغرة بالسّيادة البريطانية على منطقة الخليج العربي وبادرت بإغلاق سفارتها في مسقط عام 1920.
هكذا تضافرت كل العوامل، فضلً عن اضمحلال السلطنة العثمانية؛ على أن تتحول المنطقة إلى مجال نفوذ بريطاني.
أنطونيوس، جورج. يقظة العرب، تاريخ حركة العرب القومية، ط 8. بيروت: دار العلم للملايين، 1987. إيلوت، دولنت. "حرب النفط: بريطانيا في إيران 1919 ". تعريب سارة عادل. مجلة هيستوري توداي. مج 31. العدد 9 (أيلول/ سبتمبر 1981). سخيني، عصام. صراع النفط وتأثيره على القضية الفلسطينية في بدايات القرن العشرين. بيروت/ عمّان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2013.
كاظم، حامد حميد. "النفط العربي وتأثيره في العلاقات البريطانية- العربية خلال القرن العشرين". مجلة مداد الآداب. مج 1 (2013).
• Fitzgerald, Edward Peter. "Fran's middle eastern ambitions: The Sykes-Picot negociations, and the oil fields of
• Haverlock, Rachel. "Pipelines with Sand: The Middle East after Sykes_Picot." Foreign Affairs (May 2016).
• Nouschi, André. "Pétrole et diplomatie (1919 - 1945), La politique énergétique française au XX siècle." Annales
• Tristani, Philippe. "L' IraqPetroleumCompagny de 1948 à 1975: Stratégie et déclin d'un Consortium pétrolier
occidental pour le contrôle des ressources pétrolières en Irak et au Moyen-Orient". Thèse de doctorat en histoire.
• Engdahl, William. Pétrole, une guerre d'un siècle. Paris: Jean-Cyrille Godefroy, 2015.
Mosul 1915 – 1918." The Journal of Modern History. no. 66 (1994).
• Lawrens, Henry. "Comment l'empire Ottoman fut dépecé." Le Monde Diplomatique (Avril 2003).
des Mines (1998).
• Soutou, Georges–Henri. L'or et le sang. Paris: Fayord, 1989.
Paris: Sorbonne. 2014.
عبد الرحيم بنحادة Abdelrahim Benhadda |
العثمنيون: لاستعمر وتقسيم العامل
جرى تقسيم العالم بين القوات الكبرى منذ زمن بعيد. فلم يكن التقسيم وليد المرحلة المعاصرة من تاريخ العالم، أي ابتداءً من
ظهور الحركة الإمبريالية في القرن التاسع عشر، بل كان ظاهرةً قديمةً عرفتها الإمبراطوريات القديمة، وعرفها العالم في مطلع العصور الحديثة عندما قُسم العالم بين القوتين الاستعماريتين المتنافستين. واستمر هذا المنطق في عالم المتوسط بين الدولة العثمانية وإمبراطورية الهابسبورغ. وسواء خلال العصور القديمة أو الحديثة، جرى هذا التقسيم وفق الرغبة في تحقيق توازنات عالمية مفتقدة. وقد ساهمت الدولة العثمانية في تقسيم العالم قبل أن تتحول إلى موضوعٍ للتقسيم. فهل كانت الدولة العثمانية قوّةً استعماريةً؟ وكيف ساهمت في وضع خريطة العالم؟ وإلى أي حدّ ساهمت في اللعبة الاستعمارية وتقسيم العالم؟ أسئلة ترددت كثيرًا، وسارت الإجابات عنها في اتجاهات مختلفة. في هذه الورقة، سأحاول أن أساهم في الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال ثلاث لحظات، تُخصص أولاها للبحث الإيتمولوجي للكلمات
في اللغات العربية والتركية والغربية. وتستغرق اللحظة الثانية بحثَ مدى مواءمةِ المفاهيم للسلوك العثماني عبر التاريخ، من خلال نماذج تغطي المجالات التي سادت فيها الدولة العثمانية. وتخصص اللحظة الثالثة للدولة العثمانية، بوصفها "فاعلً" في تقسيم العالم و"موضوعًا" له.
اللحظة الأولى: يف معنى لاستعمر
سنقف عند الكلمات التي تعني الاستعمار؛ سواء كان ذلك في القواميس الأجنبية، أو العربية، أو التركية العثمانية. ومن بين
هذه الكلمات كلمة "استعمار"، و"احتلال"، و"استيطان"، و"استملاك" في اللغة العثمانية. إضافةً إلى كلمة Colonisation و Occupation في بعض اللغات الأوروبية.
1. يف اللغة العربية
عندما نعود إلى لسان العرب، لا نعثر على كلمة "استعمار" بالمعنى المتعارف عليه الآن. فالكلمة بهذا المعنى، إنما دخلت متأخرة
إلى القواميس العربية، وربما تزامنت مع بداية الحركة الاستعمارية في القرن التاسع عشر. وقد وردت كلمة "استعمار" في لسان العرب في سياق آخر، إذ يقول ابن منظور مستندًا إلى سيبويه: "أعمره المكان واستعمره فيه جعله يعمره وفي التنزيل الحكيم ﴿هُوَ أَنشأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: 61) أي أذن لكم في عمارتها واستخراج قومكم منها وجعلكم عمارها". وواضح أنّ القواميس الحديثة عندما استعملت كلمة "استعمار" للدلالة على "الاحتلال بالقهر والإخضاع السياسي والاقتصادي" استلهمت هذا المعنى. ويورد ابن منظور عندما كان بصدد شرح جذر الفعل "عمر" جذرًا يفيد الاستئراض، أو ما كان بعضهم يريده بالاستعمار في جانبه الإيجابي. يقول ابن منظور: "أعمرته الدار [...] أي جعلتها له يسكنها مدة عُمره، فإذا مات عادت إِليَّ، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية فأبطل ذلك". وثمّة معنى آخر قد يتقاطع مع المفهوم الذي يريد أن يعطيه بعضهم للاستعمار، وذلك عندما يتحدث ابن منظور عن "إعمار الأرض"، أي جعلها مأهولةً وعامرةً، و"عمارة الخراب"، وهو ما يدل على أنّ المعنى دخيل على اللغة العربية.
أمّا كلمة "احتلال"، فهي تعني - بحسب ابن منظور - النزول بالمكان. ولم تأت الكلمة بمعنى دخول البلاد والاستيلاء عليها كما
يرد ذلك في القواميس الحديثة التي تربط بين النزول والاستيلاء بالقهر.
وأمّا كلمة "استيطان"، فهي مشتقة من الجذر "و، ط، ن". و"وطن"، بالمعنى السياسي، كلمةٌ مستحدثة في اللغة العربية. وتعني
كلمة "وطن" في الاستخدام القديم، بحسب ابن منظور "محل ميلاد المرء أو محلّ سكنه". واستخدمت هذه الكلمة لدلالات عاطفية في سياق الشوق والحنين إلى الوطن، وبهذا المعنى ظهرت عند ابن عسكر، مثلً، في دوحة الناشر، ولم يكن لها أيّ مدلول سياسي. ونعتقد أنّ دخول الكلمة بمعناها السياسي ارتبط بالقرن التاسع عشر، وأنّ أوّل ظهور لها بهذا المعنى كان في كتابات السفراء العثمانيين الذين زاروا أوروبا في بداية القرن التاسع عشر. وأمّا كلمة "الاستيطان"، فهي واردة في لسان العرب، إذ يقول ابن منظور: "أَوْطَنْتُ الأرضَ، ووطَّنْتُها تَوطِينًا واسْتَوْطَنْتُها، أي اتَّخذتها وطَنًا "، وهي بهذا المعنى لا تدلّ على الاتخاذ بالقهر، أو على الأقل لا يرد في المعني ما يفيد الاتخاذ بالقوة. غير أنّ الكلمة اتخذت هذا المعنى مع الممارسات الصهيونية في أرض فلسطين. ولم ينعت الحضور العثماني بالاستيطان في النصوص العربية التي سبقت القرن العشرين.
من خلال استعراض معاني هذه الكلمات كما وردت في القواميس العربية القديمة، نتبيّ أنّها لا تدلّ على معنى الاستعمار على
نحو ما هو متعارف عليه. فهذه الكلمة بالمعنى الحديث، لا ترد إلّ في القواميس العربية الحديثة.
2. يف اللغة التركية العثمنية
الاستعمار في اللغة هو "إعمار منطقة معينة أو الرغبة في إعمارها". أمّا "الاستعمار" بالمعنى التاريخي للكلمة، فهو "استملاك"؛
أيْ إنشاء مستعمرة. ف "الاستملاك" يطلق بوصفه مرادفًا للاستعمار. ولكن ما دلالة كلمة "استملاك" في اللغة العثمانية؟
الاستملاك هو قرار إجرائي لامتلاك بضاعة معينة، يُتخذ لمصلحة الشعب من قبل الأشخاص الاعتباريين الذين يملكون الحق
العامّ (الولاية، والبلدية، وغير ذلك)، من خلال إعطاء مقابل لصاحب البضاعة وأخذ هذه البضاعة؛ ومن ثمّ جعْل هذه البضاعة في أيدي العامة للاستفادة منها. والكلمة بهذا المعنى لا تخالف نظيرتها في الأصل العربي الذي يعني بحسب القواميس العربية "حرمان مالك من ملكية أرضه وانتزاعها منه". ويحتوي القاموس العثماني كلمةً أخرى تفيد الاحتلال تتمثل في كلمة "إشغال "، وهي كلمة تعني "إدارة أو حكم فئة لفئة أخرى معيّنة بالسلاح". ويشير شمس الدين سامي إلى أنها الترجمة التركية للتعبير الفرنسي militaire Occupation، أي إنّها تدلّ، بحسب قاموس تركي، على معنى ال "استيلاء".
وأمّا كلمة ال "احتلال" فلا تساير المعنى العربي للكلمة الذي توقّفنا عنده سابقًا. فهي تطلق في اللغة التركية الحديثة على
"الحركة الشعبية الواسعة التي تستخدم أسلوب الجبر والقوة والإكراه لتغيير الوضع السياسي أو الاقتصادي، أو تغيير نظام الحكم للدولة، عن طريق الامتناع عن تنفيذ القوانين والقواعد الحقوقية للدولة". إنها تعني العصيان والفساد والفتنة، ومعناها مرادف لكلمة Devrim بالتركية الحديثة أي "الثورة". ومن ثمّ، ليس لكلمة İhtilal التركية الدلالة المعنوية نفسها لنظيرتها في اللغة العربية. ولا شك في أنّ الكلمة أخذت من الكلمة العربية "اختلال"، إذ تعني الحركة الشعبية، أو التمرد، اختلالً في الموازين.
3. يف القواميس الغربية
في البداية، لا بدّ من تأكيد أنّ قاموس Robert Petit Le، المعتمَد عادةً في الرجوع إلى أصول الكلمات الفرنسية، كان دائمًا يبرر
كلمة Colonisation ويعدّها "تثمينًا لاستغلال أراضٍ أصبحت مستعمرات". فالكلمة تعني احتلالَ مجالٍ جغرافي، لكنه احتلال من أجل "تطويره ثرواته واستغلالها". وقد ظل هذا المعنى هو المحدد، على الرغم من التطورات التاريخية التي عرفتها فرنسا إلى حدود سنة 2008 عندما احتدم النقاش بين جمعيات مناهضة للعنصرية والساهرين على تجديد القاموس، فكان قرار مراجعة الكلمة بعد أربعين سنةً، إذ أورد الساهرون على القاموس اقتباسًا من الشاعر المرتنيكي إيمي سيزير Césaire Aimé جرى فيه الربط بين الاستعمار والتشيؤ chosification la. أمّا كلمة Occupation - في القاموس نفسه – فهي تعني "احتلال مكان بطريقة غير قانونية [...] يكون بواسطة قوّة أجنبية وغزو عسكري لبلد والتحكم فيه بالقوة".
وفي القواميس المتخصصة، نجد إجماعًا بينها على أنّ الاستعمار يعنى "السيطرة السياسية على سكان العالم بهدف استغلاله
اقتصاديًا". ويضيف جيرار بوناسن وجورج لابيكا أنّ الاستعمار يكون بهدف "إقامة إمبراطورية في الخارج وذلك في إطار تقاسم العالم بين بعض البلدان الرأسمالية". وقد اندرج الاستعمار ضمن الإمبريالية بالمعنى اللينيني للكلمة؛ وذلك في فترة اكتمال تقاسم العالم في أواخر القرن التاسع عشر. ولعل أهمّ ما يميز الاستعمار هو التبعية لمركز معيّ، وهي تبعيّة تحرم السكان المستعمَرين من الاستقلالية في تنظيمهم السياسي ومن سيادتهم السياسية؛ وذلك بإلحاقهم إداريًا بصفة مباشرة أو غير مباشرة.
ويميز معجم الأثنولوجيا والأنثروبولوجيا بين شكلين أوليين من الاستعمار. فالشكل الأول ذو نمط إمبراطوري يقوم على
أساس التوسع المستمر لأراضي الإمبراطورية بفتوحات ينجم عنها اندماج المحليين على نحوٍ منتظم. أمّا الشكل الثاني من الاستعمار، فهو ذو طبيعة اقتصادية يقوم على أساس إنشاء مساحة متقطعة تضمّ محطات تهدف إلى تأمين الطرق التجارية؛ مثلما هو الأمر بالنسبة إلى الإمبراطورية البرتغالية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، أو الإمبراطورية البريطانية قبل القرن التاسع عشر.
ويميز جورج هاردي بين شكلين كبيرين للاستعمار؛ فالأول هو التجذير، والثاني هو الإحاطة. ويتمّ النوع الأول عبر أربعة أنماط
معروفة في التاريخ؛ أوّلها "الإبدال"، وفيه يجري الدفع بالسكان المحليين إلى التهجير وفسح المجال أمام الاحتلال. وأمّا ثانيها، فهو ينطبق على التجربة الإسبانية التي زاوجت بين التبشير والاستعمار، وعملت على استغلال اليد العاملة، وعلى تهميش عدّة مناطق اقتصاديًا؛ كاستعمار الإسبان لجزر الفلبين مثلً. وأمّا ثالثها، فهو يعتمد تهميش الأصليين وتعويضهم بساكنة مستقدمة من مجالات أخرى كما هي الحال بالنسبة إلى الاستعمار الإسباني في أميركا اللاتينية. ويعتمد هذا النمط الإبادة شرطًا ضروريًا لتحقيق المشاريع الاستعمارية. وأمّا رابع هذه الأنماط، فهو يتعلق بحالة استعمار حاسمة، غير أنها كانت مضطرة إلى التكيف مع بيئة ذات أغلبية محلية. وبخصوص استعمار الإحاطة، فإنّه قد انتشر في مناطق ذات خصائص متباينة، وهو نوعٌ من الاستعمار له تجليان؛ أحدهما يتعلق
بالإدارة المباشرة التي تميز الاستعمار الفرنسي الذي يعمل بدقة على إخضاع السلطات السياسية المحلية للسلطة الاستعمارية، والآخر يتعلق بالإدارة غير المباشرة التي يعتمدها الاستعمار البريطاني أي ممارسة السلطة على السلطات التقليدية وليس على الشعوب مباشرةً. إذا كانت هذه هي المعاني المتعلّقة بالاستعمار، فإنّه يجدر بنا أن نتساءل عن مدى مواءمة هذه التعريفات للتوسع العثماني في
القرنين الخامس عشر والسادس عشر.
اللحظة الثانية: هل يمثل العثمنيون قوةً استعمرية استنادًا إىل
معاني كلمة "استعمر" يف القواميس؟
لا بدّ في البداية من تأكيد أنّ العثمانيين لم يستعملوا كلمة ال "احتلال" في وصف العمليات التي قاموا بها من أجل السيطرة
على مجالات معينة، بل إنهم لم يستعملوا حتى كلمة ال "استملاك" التي تعني الاستعمار إلا في مرات محدودة جدًا؛ مثلما هي الحال عندما توجه الديوان العثماني إلى السلطان المغربي مولاي إسماعيل (1672 - 1727)، مهدّدًا إيّاه باستملاك العثمانيين للأراضي المغربية ردًا على تحرشات السلطان المغربي بإيالة الجزائر التابعة للدولة العثمانية. وهنا، ينبغي استحضار السياق الذي تمّ فيه استخدام هذه الكلمة؛ فهو سياق يتميز بالتوتر بين الدولة العثمانية والمغرب، خاصةً عندما حاول السلطان مولاي إسماعيل العلوي السيطرة على مناطق تابعة للسيادة العثمانية تقع على الحدود بين المغرب والإيالة الجزائرية التابعة للدولة العثمانية.
وعندما كان العثمانيون يتوجهون بجيوشهم إلى إخضاع مناطق بعينها، كانوا يستعملون في كل مرة كلمة "فتح" المتداولة
على نحوٍ واسع في النصوص الإسلامية، وهي كلمة تعنى الدخول السلمي لأراضٍ معيّنة. وفي استعمال كلمة ال "فتح" في النصوص الإسلامية نجد تمييزًا بين الفتح عنوةً والفتح صلحًا. بيد أنّ هذا التمييز لا يبدو واضحًا في النصوص العثمانية.
أمّا كلمة "غزو" (أو "جهاد" المستعملة أيضًا في النصوص العثمانية)، فهي تعني التوجه بحملة حربية على مجموعة بشرية،
ويظهر أنّ الفعل كان مقدسًا، ويعود تقديسه إلى عهد الرسول الذي كان يستخدم السرايا والغزوات التي كان مجتمع المدينة يقوم بها تحت قيادته (غزوة بدر، وغزوة أحد، وغزوة الخندق... إلخ). وبعد ذلك أصبح هذا الاستعمال أكثر شيوعًا، ولا سيما في تشبيه الجنود الذين حاولوا بسط النفوذ على الأناضول وما وراء النهر وآسيا الوسطى والهند، وغيرها من الأماكن النائية. وفي البدايات الأولى للدولة العثمانية أصبح اسم الفاعل ال "غازي" لقبَ تشريفٍ. فقد كتب أورخان بن عثمان يقول: "أنا السلطان بن سلطان الغزاة والغازي ابن الغازي سيد الحدود والآفاق"، وهي العبارات والألقاب نفسها التي ترددت في رسائل السلاطين العثمانيين؛ من أمثال سليمان القانوني، ومراد الثالث، بل حرص كل السلاطين العثمانيين - بمن فيهم سلاطين الأزمة - على حمل هذا اللقب، واستمر هذا التقليد إلى نهاية الدولة العثمانية. غير أنّ ما يثير الانتباه هو إصرار مصطفى كمال أتاتورك على حمل هذا اللقب حتى بعد إطاحة الخلافة العثمانية. ولعل هذا الإصرار يدخل في باب الربط بين ممارسة الغزو والهوية التركية. وقد دخلت هذه الكلمة القاموس الفرنسي بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830 باسم "رزية" Razzia، وهي كلمة تعني "غارة هجومية أو غزوة أو سريّة من أجل السلب والنهب وأسر العبيد".
وقد استعمل العثمانيون كلمة "فتح" للدلالة على السيطرة على المجالات التي كانت إسلاميةً، أو السيطرة على بعض المجالات
التي كانت تكتسي طبيعةً خاصةً؛ كما هو الشأن بالنسبة إلى القسطنطينية. وهم لا يختلفون في ذلك عن بقية النصوص الإسلامية. بيد أنّ السلاطين العثمانيين لم يُسند إلى أيّ سلطان منهم لقب "الفاتح"، باستثناء السلطان محمد الثاني فاتح القسطنطينية، بل إنّهم فضّلوا إسناد لقب "الغازي".
ما يمكن أن نستخلصه من هذا الاستهلال هو أنّ الدولة العثمانية لم تستعمل في وثائقها ما يفيد الاحتلال. ومع ذلك، وبناءً
على الممارسات التاريخية، يمكن أن نتفحص أمر المواءمة بين التعريفات الواردة آنفًا وسلوكيات الدولة العثمانية من خلال مستويات ثلاثة، هي:
المستوى الأول: هو مستوى التحكم الكلّ في البلاد والعباد، ولعل أحسن مثال يبين ذلك هو طبيعة الوجود العثماني في البلقان
وفي البلاد الأوروبية. ويمكن أن نميز بين مرحلتين في تعامل العثمانيين مع الأراضي التي فتحوها في أوروبا. فالمرحلة الأولى هي السابقة لعهد السلطان سليمان القانوني والفشل في أخذ فيينا سنة 1529. وقد تميزت هذه المرحلة بإخضاع السكان عن طريق القوة، واستملاك الأراضي، واستبدال سكان بآخرين. فعندما دخلت الجيوش العثمانية إلى سلانيك، زمن مراد الثاني سنة 1430، أراد ترسيخ أقدام العثمانيين، فقام بإسكان العديد من العشائر التركمانية بها. وهو ما يدفع إلى القول إنّ الدولة العثمانية طبّقت كل ما يتعلق بالشكل الأول من الاستعمار بحسب توصيف هاردي. أمّا المرحلة الثانية، فهي مرحلة لاحقة بسنة 1529؛ وهي قبول الدولة العثمانية بتبعية أمراء المناطق التي دخلوها. وقد ساهم هذا الأسلوب في التخفيف من مشاعر العداء وتوفير التبعات المالية والأمنية، والتقليل من تكلفة الحضور في هذه المجالات.
على الرغم من كل ذلك، لم يسعَ العثمانيون للتحكم كلّيًا، ولم يعملوا على فرض أيديولوجيتهم في الأراضي التابعة لهم - في
المرحلة الأولى أو الثانية - بل سعوا للحفاظ على عادات وتقاليد هذا المجال. ويمكن القول إنّ الدولة العثمانية استفادت من الخبرات البلقانية في مجال تدبير الحكم. ومن أبرز الدلائل على ذلك أنّ عددًا من الوزراء والصدور العظام كانوا من البلقان، بخاصة من الألبان. ويكفي أن نضرب مثالً دالً على ذلك متمثلً بمحمد صوقللى باشا الذي تولى الصدارة العظمى زمن ثلاثة من السلاطين العثمانيين، في وقتٍ تمسّك فيه أفراد عائلته بديانتهم المسيحية، بل كان أحد إخوته يترقى في هرم الكنيسة الأرثوذكسية. ومثل هذا الأمر لم يتّبعه الاستعمار الأوروبي بكلّ أشكاله؛ ذلك أنّه لم يستفد من النخب، بل عمل على تسخير بعضهم للعمالة، من دون تحقيق اندماج لهذه النخب.
كانت البلقان تُعدّ بمنزلة خزّانٍ بشري اعتمده العثمانيون في بناء نظام عسكري خاص بهم. وقد اعتمد العثمانيون على الصبية
المسيحيين في بناء جيش الإنكشارية. غير أنّ الانضمام إلى هذا الجيش بمختلف فِرقه لم يقف عند حدّ العمل داخل هذا النظام، إذ نجد عددًا من هؤلاء يترقون في سلك الوظائف السامية، فقد كانت نظام الإنكشارية "مشتلً" لتكوين البيروقراطية العثمانية.
المستوى الثاني: يرتبط هذا المستوى بطبيعة الوجود العثماني في البلاد العربية في المشرق، فهو تحكّم جزئي يستند إلى طبيعة
العلاقة بين الدولة العثمانية، بوصفها دولة إسلامية جاءت في إطار حركية التاريخ الإسلامي والتطورات الدولية التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط خلال هذه المرحلة. وقد عدَّ العثمانيون دخولهم إلى البلاد العربية "حقًّا سياسيًّا طبيعيًّا".
غير أنّ الحضور العثماني في البلاد العربية المشرقية لم يكن نمطًا واحدًا، بل اكتسى أشكالً مختلفةً. وفي هذا الباب، لا بدّ أن
نسجل أنّ الوجود العثماني عرف بعض التفاوت بين مصر وبقية البلاد العربية المشرقية الأخرى.
وفي ما يتعلق بمصر، سلك العثمانيون منذ البداية حضورًا رمزيًا. فعندما غادر سليم الأول مصر، ترك على رأسها واليًا مملوكيًا،
بل كانت الإدارة العثمانية في مصر مملوكيةً. وعندما نراجع قائمة الولاة الذين حكموا في مصر، خلال الدولة العثمانية، يتراءى لنا أنّ معظمهم كانوا من أهل البلد. إضافةً إلى ذلك، كان النظام العثماني في مصر شديد الانضباط، يسعى لضمان توازن بين المماليك والعثمانيين. وقد استطاع هذا النظام أن يثبت فعاليته، واستمر فترةً تزيد على ثلاثة قرون.
بناءً على ذلك، يمكن القول إنّ مصر، كانت تحظى بحكم شبه ذاتي. ومن أبرز الدلائل على ذلك أنّ العثمانيين حافظوا على
المؤسسات المملوكية. ومن ثمّة، سعت الدولة المركزية للعمل على التغيير السريع للولاة، وهو ما يترجم في القائمة الطويلة لولاة مصر التي بلغ عددها 129 واليًا (بمعدل 26 شهرًا بالنسبة إلى كلّ والٍ). وحتى تتمكن الإدارة العثمانية من ضبط الأمور في الإيالة المصرية، كانت، توفد، بين الفينة والأخرى، صدورًا عظامًا، بعد انتهاء مهماتهم، لإدارة هذه الإيالة؛ كما هو الشأن عندما بعث السلطان سليمان القانوني إبراهيم باشا سنة 1525، أو مثلما حدث مع سليمان باشا الخادم.
أمّا البلاد العربية الأخرى، كبلاد الشام مثلً، فقد سلك فيها العثمانيون سلوكًا يزاوج بين الطريقة المعتمدة في مصر والطريقة
المعتمدة في البلقان. لم يشرع العثمانيون في سياسة الاجتثاث والترحيل إلا في زمن التمردات والانتفاضات التي عرفتها بلاد الشام. فقد استغلت الإدارة العثمانية ثورة المعنيين، إذ استنفرت السلطات المركزية العثمانية ولاة طرابلس وصيدا، ومتسلمي دمشق وحلب، وفويفودات (أمراء ألوية) كلس في شمالي حلب وحماة وحمص التركمانية، وكل عساكر ولايتَي طرابلس الشام وحلب، وأمرتهم بتطهير جبال صيدا - بيروت من شرّ ابن معن وفساده، وأتباعه الأشقياء، في إشارة إلى سلوك سياسة التطهير العرقي التي دأبت فيها بعض القوات الاستعمارية في مناطق أخرى من العالم. وتشير نصوص تاريخية أخرى إلى أنّ الدولة العثمانية سعت لاستقدام التركمان من الأناضول وإسكانهم في المجالات الشامية في حمص وحماة. وقد عملت هذه العناصر التركمانية على الوقوف في وجه كل التحركات العربية الهادفة إلى التخلص من الوجود العثماني في المنطقة. ويرى بعض الباحثين أنّ ذلك يندرج في إطار سياسة سكانية فاشلة للدولة العثمانية، وهو ما يعني أنّ الدولة العثمانية سلكت سياسةً استعماريةً، غير أنها سياسة فاشلة تبيّ، من دون أدنى شكّ، أنّ الدولة العثمانية لم يكن لها تصور استعماري، على الرغم من الممارسات التي تنسجم مع منطق الدولة الاستعمارية.
المستوى الثالث: يتعلق هذا المستوى بطبيعة الوجود العثماني في البلاد المغاربية الذي اكتسى طابعًا خاصًا فرضه، في ما يبدو،
البعد عن المركز. لقد كان الحضور البشري التركي العثماني في المنطقة محدودًا جدًا، تمثّل في عدد من القراصنة الذين امتهنوا القرصنة في السواحل. والملاحظ أنّ عدد القراصنة لم يتزايد مع الحضور العثماني في الشمال الأفريقي، بل إنّه ارتبط، أساسًا، بانسحاب القوتين المتصارعتين في البحر الأبيض المتوسط. وقد يتراءى أنّ الدولة العثمانية إنما سلكت في الشمال الأفريقي ما يسميه هاردي "استعمار الإحاطة".
اللحظة الثالثة: العثمنيون فاعلً يف تقسيم العالم وموضوعًا له
مرّت الدولة العثمانية بمرحلتين في علاقتها بتقسيم العالم. وفي المرحلة الأولى، كانت "فاعلً إيجابيًا" في التقسيم، غير أنها
سرعان ما تحولت إلى "فاعل سلبي"، حتى لا نقول إنّها تحولت إلى "مفعول به" في التقسيمات التي عرفها العالم في ما بعد.
1. العثمنيون فاعلً إيجابيًا
منذ وصول العثمانيين إلى القسطنطينية، أصبح للدولة العثمانية حضور كبير في الساحة الدولية، وأصبحت كل الأحداث في العالم
تتأثر بالمواقف العثمانية، إلى درجة أفضت بخليل إينالسيك إلى القول إنّه إلى حدود سنة 1596 لم تكن ثمّة من مسألة دولية إلا كانت الدولة العثمانية حاضرةً فيها.
فمنذ العقد الثاني من القرن السادس عشر، أصبح للدولة العثمانية حضور في العالم المتوسطي، ورفض العثمانيون التقسيم
الكلاسيكي للعالم، وسارعوا إلى فرض أنفسهم كقوة يُحسب لها حساب في هذا العالم، ودخلوا في مواجهات مع إمبراطورية الهابسبورغ الإسبانية من أجل اقتسام العالم القديم. وقد قدّم العثمانيون أنفسهم في هذا الصراع ورثةً للإمبراطورية البيزنطية وخلفاءَ للمسلمين. ومن ثمّ، أصبح لهم حضور مكثّف في السياسة الدولية، وأصبحوا عنصرًا فاعلً في الأحداث الدولية في العالم المتوسطي. وفي ما يلي، سنذكر أمثلةً تبيّ هذا الحضور المكثف على مستوى الخريطة السياسية الدولية، وتبيّ أنّ الدولة العثمانية كانت فاعلً في تقسيم العالم أيضًا.
المثال الأول: اتفاقية أماسيا بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية، وهي اتفاقية أنهت سنوات من الصراع الإيراني العثماني.
ويبدو من خلال سلسلة النزاعات بين الدولة الصفوية والعثمانيين أنّ ما كان يقضّ مضجع الدولة العثمانية هو الوضع في الأناضول. فقد كان سليمان القانوني يرى أنّ إهمال الأناضول يُعَدّ السبب الرئيس في تجديد الخطر الصفوي. ومن ثمة، سعى لسَنّ تنظيم إداري صارم في الأناضول وتوجيه ضربة قاصمة إلى الدولة الصفوية، عبر توجيه حملتين كبيرتين. وكانت الحملة الأولى في سنة 1534، وقد تمكّن على إثرها من أخذ بغداد. وكانت الثانية سنة 1548، وقد تمكن فيها من أخذ تبريز، لكنّه أُجبر في ما بعد على التخلي عنها. وقد حقق سليمان القانوني ما كان يطمح إليه وإنْ لم يستطع إحكام السيطرة على تبريز. ووجد الطرفان العثماني والصفوي أنّهما مضطرّان إلى عقد اتفاقية تُنهي صفحةً من صفحات الصراع. ويظهر جليًا في الاتفاقية بينهما أنّ الدولة العثمانية قامت بتقسيم منطقة كردستان بينها وبين الدولة الصفوية. وهكذا استطاعت أن تضمن استقرار الأناضول، وتحول دون تجدد ثورات كردية به. وقد كانت اتفاقية أماسيا المرجع الأساسي في كل الاتفاقيات التي ستعقد في ما بعد بين إيران والدولة العثمانية؛ سواء كان ذلك في معاهدة قصر شيرين التي وُقعت سنة 1636 أو معاهدة أرضروم الثانية سنة 1847. ويُعدّ غموض هذه الاتفاقيات أحد الأسباب التي دعت إلى تجدد الصراع بين إيران والدولة العثمانية، وهو الغموض التي ساهمت فيه القوات الاستعمارية بعد أن دخلت إلى المنطقة واستغلته لأغراض استعمارية بحتة.
المثال الثاني: يتعلق هذا المثال بما أعقب معركة حلق الوادي من مفاوضات بين الإمبراطوريات، وقد بدت فيها بوضوح القدرة
التفاوضية للدولة العثمانية في رسم خريطة متوسطية جديدة. وفي هذا السياق، عُدَّت حملة تونس من أكثر الحملات تكلفةً في القرن السادس عشر، ولم تكن الإمبراطورية العثمانية – التي عرفت ثورة عارمةً في الأثمان- تستطيع أن تتحمل عبء حرب استنزافية، بل يمكن القول إنّ الأزمة النقدية الخانقة هي التي أدت إلى موجات احتجاجٍ داخلي هزّ دعائم الإمبراطورية التركية. ومن بين هذه الاحتجاجات الثورية ما اصطلح على تسميتها "ثورة الجلالين" في الأناضول. ومن ثمة، كان العثمانيون- إضافةً إلى ما تُمليه الجبهة الشرقية - مضطرين إلى وقف الحروب مع إمبراطورية الهابسبورغ، والتوجه نحو عقد سلام، والانسحاب من عالم المتوسط. شرع الطرفان في التفاوض من أجل عقد السلام، وتبين أنّ الدولة العثمانية - لأسباب ترتبط بصراع تيارات سياسية داخل الدولة
العثمانية - كانت تحظى بقدرة تفاوضية كبيرة جعلت الإسبان يقبلون بالشروط التي كانت تُفرض من المفاوضين الأتراك. وقد حاول العثمانيون فرْض شروط توهموا أنّ إسبانيا لن تقبل بها، ومن بينها شرطُ دفعِ الملك الإسباني فليب الثاني الخراج للدولة العثمانية.
ولم يركن العثمانيون إلى الهدوء والهدنة بعد توقيع معاهدة الصلح التي فاوض في شأنها السفير الإسباني في إسطنبول، بل عملوا
على استغلال ضمّ إسبانيا إلى البرتغال سنة 1580، ودعموا الأمير البرتغالي دون أنطونيو. وليس ذلك من أجل استعادة عرشه، ولكن بغية تأجيج الصراع في أوروبا، وهو يمكن أن يشغل إسبانيا عن التوسع.
يؤشِّ هذا التوجه الجديد للدولة العثمانية، في نهاية القرن السادس عشر، إلى انتقالها من أسلوب المواجهات الحربية إلى العمل
الديبلوماسي. ونعتقد أنّ العثمانيين تفطنوا إلى أنّ الأداة الديبلوماسية بإمكانها أن تعوّض السفن الحربية، إذ يلُاحظ أنه في وقت رفَض فيه الباب العالي الاستجابة لمطالب باشا الجزائر بالهجوم على وهران، لم يتوانَ عن الدفع في اتجاه توطيد العلاقات مع إنكلترا. خلال هذه المرحلة كانت الدولة العثمانية، بوصفها فاعلً في التقسيم، هي التي تفرض شروطها في المعاهدات والاتفاقيات. وفي
هذا الباب، لا بدّ من تأكيد ما يلي:
أولً، قلة المعاهدات والاتفاقيات. فمن خلال جردٍ للمعاهدات التي وقّعتها الدولة العثمانية خلال تاريخها في الفترة 1299 - 1923،
يبدو أنّ عدد المعاهدات التي وقّعها العثمانيون قبل القرن السابع عشر لا يتجاوز 15 في المئة من كلّ المعاهدات. وهو ما يعنى أنّ الدولة العثمانية كان يمكنها فرْض الأمر الواقع قبل نهاية القرن السادس عشر، وأنّها لم تكن في حاجة إلى التفاوض من أجل ذلك.
ثانيًا، إنّ مفاوضات المعاهدات التي وقعتها قبل زيتفا توروك Torok - Zsitva كانت تجرى في إسطنبول. وتُعَدّ المفاوضات التي
أفرزت هذه المعاهدة خرقًا لتقليدٍ سار عليه العثمانيون منذ نشأة دولتهم. فقد جرت المفاوضات في مجال محايد. وكانت هذه المعاهدة بدايةً لسلسلة من المعاهدات التي وقعت خارج المجال العثماني، تخلّت بموجبها الدولة عن مجالات ترابية كانت تابعةً لها.
2. العثمنيون موضوعًا للتقسيم
في هذا المحور سوف أتوقف عند ثلاث محطات أساسية تبيّ التدرج في التحول من "الفاعل" في التقسيم إلى "موضوع" له؛
وذلك من خلال استعراض أربع محطات توضح التحول التدريجي من سياسة الفاعل في التقسيم إلى موضوعٍ للتقسيم.
المحطة الأولى: في نهاية القرن السابع عشر، ومع توقيع معاهدة كارلوفيتس تحديدًا، وقع تحول كبير في العلاقات مع أوروبا. لقد
أدركت الدولة العثمانية غداة المحاولة الثانية لأخذ فيينا، سنة 1683، أنها لم تعُد تلك القوة الجبارة التي بإمكانها أن تحصل على ما تريد. عندما وصلت جيوش سليمان في الحصار الأول على فيينا سنة 1529 وبدت استحالة أخذ المدينة، تراجع الجيش العثماني بهدوء. ويمكن القول إنّ الهزيمة لم تكن نهائيةً. أمّا في الحصار الثاني، فقد كانت الهزيمة بيّنةً واضحةً، من دون إبهام ولا غموض. وتمكن النمساويون، بعد ذلك، من جني ثمار الهزيمة؛ بإجبار العثمانيين على توقيع معاهدة كارلوفيتس في كانون الثاني/ يناير 1699. فماذا كان يعني توقيع هذه المعاهدة؟
إنها لا تشكّل منعطفًا حاسمًا في تاريخ الصراع بين الإمبراطورية العثمانية وإمبراطورية الهابسبورغ فحسب، بل في تاريخ العلاقات
بين أوروبا والإسلام أيضًا. لقد كانت هذه المعاهدة عنوانًا لانهيار القوة الإسلامية في مواجهة أوروبا. وتحت أنظارها، بدأت أوروبا الشرقية تتوسع بحريًا - وكان ذلك على حساب مجالات حيوية إسلامية - وبدأت القوة العثمانية التي كانت في ما مضى قويةً تتراجع أمام القوة الأوروبية المتفوقة في تقنيات الحرب والبحر.
والأكثر أهميةً من ذلك، أنّ معاهدة كارلوفيتس فتحت شهية الأمم الأوروبية التي سعت للتحالف في ما بينها لأخذ الثأر من
العثمانيين. فتحالفَ الروس مع النمساويين والبولونيين والبنادقة. وقد استطاع هؤلاء اقتطاع أجزاء ترابية مهمة من الإمبراطورية العثمانية. وعندما اقتطعت البلدان الأوروبية أجزاءً من التراب العثماني، انفتحت الحدود للحملات وللتأثيرات الأجنبية أيضًا. ومنذ ذلك الحين، دخل الروس طرفًا قويًّا في النزاع، وكان همّهم في كل حملاتهم، خلال نهاية القرن السابع عشر، هو الحصول على مدخل في البحر الأسود، وهو أمر تحقق لهم بعد سنة 1790. لقد كان الاحتلال أهمّ عاقبة لمعاهدة كارلوفيتس، وجاء ضمن سلسلة المعاهدات التي شرعت في توقيعها الدولة العثمانية، والتي سجلت فيها التراجع العثماني. ومع مطلع القرن الثامن عشر، كان كل شيء قد آل إلى النهاية.
المحطة الثانية: لم تكن معاهدة كوجك قينارجة سوى مقدمة ثانية لكي تتحول الدولة العثمانية من "فاعل" في التقسيم إلى
موضوع للتقسيم. وإلى حدود نهاية القرن الثامن عشر لم تكن موضوعًا للتقسيم، بل كانت تعمل على التصدي للتغلغل الأوروبي بأساليب مختلفة راوحت بين العسكري والديبلوماسي. وعندما لم تستطع وقف المدّ الأوروبي وتلقّت أكبر نكسة لها في القرن الثامن عشر سنة 1769 أمام القوات الروسية، انبطحت أمام الشروط الروسية بقبولها توقيع معاهدة كوجك قينارجة سنة 1774، وهو ما شكّل ضربةً قاصمةً للدولة العثمانية و"نجاحًا لم يُحقَّق له مثيلٌ من قبلُ" بالنسبة إلى روسيا. ولا تُعدّ معاهدة 1774 بمنزلة نقطة تحوّل جوهري في العلاقات الروسية – العثمانية فحسب، بل في العلاقات بين أوروبا والدولة العثمانية أيضًا. وبعد هذه المعاهدة، أصبحت الدولة العثمانية موضوعًا للتقسيم، ولم تعد تشارك حتى في المؤتمرات التي خُصصت لذلك، ولنا في مؤتمر برلين الذي عُقد سنة 1878 مثال دالّ على ذلك.
المحطة الثالثة: بعد أكثر من مئة سنة، لم يعد خافيًا أنّ الدولة العثمانية أصبحت- على نحوٍ واضح - موضوعًا للتقسيم. وخلال
المئوية الفاصلة بين معاهدة كوجك قينارجة ومؤتمر برلين، عرفت الدولة العثمانية جملةً من الأحداث جعلتها تتكرس موضوعًا للتقسيم. فقد فقدت الدولة العثمانية القرم. ويُعدّ فقدانه بمنزلة بداية ضياع أراضٍ إسلامية كانت للدولة العثمانية السيطرة عليها منذ أمد بعيد. كما تعرضت الدولة العثمانية لاحتلال قلبها النابض مصر عندما توجّه نابليون بجيوشه إلى القاهرة سنة 1798. وبدأت الحركات القومية في البلقان تترسخ وتظاهر بوجودها في العقدين الأولين من القرن التاسع عشر، كما بدأ تكريس تعبير رجل أوروبا المريض. وقد عُقدت عدة مؤتمرات بين الأوروبيين خصّصت لمعالجة القضية العثمانية وتقسيم ممتلكاتها في غياب ممّثل عنها في بعض الأحيان، أو من خلال دعوتها إلى مؤتمر شكلي للتوقيع، بعد أن يكون كلّ شيء جاهزًا. وبدا هذا الوضع واضحًا في مؤتمر برلين سنة 1878. فقد استدعيت الدولة العثمانية لحضور هذا المؤتمر لتعترف باستقلال بلغاريا والصرب والجبل الأسود، وتقبل بإلحاق البوسنة والهرسك بالنمسا. وأثناء هذا المؤتمر، هددت الدولة العثمانية بفقدان إسطنبول. ومن دون أدنى شكّ، أبرز مؤتمر برلين أنّ الدولة العثمانية غدَت موضوعًا للتقسيم، وتكرس هذا الواقع عبر مؤتمرات ومعاهدات أخرى تُوِّجت ب "المسلسل" الذي بدأ باتفاقيات سايكس – بيكو، وانتهى بمعاهد لوزان.
حاولنا أن نبرز من خلال هذه الورقة قضيتين متلازمتين، كما يلي:
القضية الأولى: تتعلق بمسألة المصطلح وعدم استعمال العثمانيين لمصطلحات تفيد التوسع والاستعمار، على عكس ما كان
سائدًا في دول أخرى حرص مؤرخوها المعاصرون للأحداث على استعمال ألفاظ تنضح من القاموس الاستعماري. فإسبانيا مثلً، استعمل مؤرخوها في القرن السادس عشر كلمات من بينها "كونكيستا"، في حين غابت نظائر مثل هذه الكلمات في القواميس التركية والعربية، بيد أنّ هذا لا يعني غياب "السلوك الاستعماري" عند العثمانيين الذي حاولنا أن نبينه من خلال علاقة الدولة العثمانية بالمجالات التابعة لها.
القضية الثانية: إنّ فعل الدولة العثمانية في تقسيم العالم قد مرّ عبر مراحل مختلفة. فمن الدولة الفاعلة في التقسيم إيجابيًا
خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، إلى الدولة الفاعلة سلبيًّا وموضوعًا له، ابتداءً من نهاية القرن الثامن عشر، على أنّ هذا الانتقال من "الفاعل الإيجابي" إلى "الفاعل السلبي" مرّ على نحوٍ متدرج. وقد أظهرت المعاهدات التي وقّعتها الدولة العثمانية هذه المراحل إظهارًا جليًّا. فمن القوة التي تفرض شروط المعاهدات والاتفاقيات ولا ترضى التفاوضَ خارج رقعتها الجغرافية، إلى الدولة التي تقبل الشروط وتُفرَض عليها في معاهدات لا يقتصر جانب الإذلال فيها على اقتطاع المجالات الترابية، بل يتعداها إلى التدخل في رسم سياستها الداخلية، ثمّ إلى الدولة التي تغيب عن المؤتمرات، أو حتى من خلال تصديق معاهدات وتوقيعها - في حال حضورها - كما هو الشأن في مؤتمر برلين والمؤتمرات التي أعقبته.
أبو حسين، عبد الرحيم. لبنان والإمارة الدرزية في العهد العثماني: وثائق دفاتر المهمة 1546 - 11 17. بيروت: دار النهار للنشر، 2005. بن سوسان، جيرار وجورج لابيكا. معجم الماركسية النقدي. بيروت: دار الفارابي، 2003.
بنحادة، عبد الرحيم. العثمانيون: المؤسسات والاقتصاد والثقافة. الرباط: دار اتصالات سبو، 2008.
. المغرب والباب العالي من منتصف القرن السادس عشر إلى نهاية القرن الثامن عشر. تونس: مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، 1998.
بونيت، بيار وآخرون. معجم الأثنولوجيا والأنثروبولوجيا. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2011.
الشفشاوني، ابن عسكر. دوحة الناشر لمحاسن من كان بالمغرب من مشايخ القرن العاشر. تحقيق محمد حجي. الرباط: مطبوعات دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، 1976.
العريض، وليد. تاريخ الدولة العثمانية: التاريخ السياسي والإداري ودراسات تاريخية. عمّان: دار الفكر، 2012.
محمود، سيد محمد السيد. تاريخ الدولة العثمانية: النشأة والازدهار. القاهرة: مكتبة الآداب، 2007.
• Barkan, Lutfi Omer. "The Price Revolution of the Sixteenth Century: A Turning Point in the Economic History
• Braudel, Fernand. La Méditerranée et le monde méditerranéen à l'époque de Philippe II. Paris: Armand Colin, 1984.
• Hess, Andrew. The Forgotten Frontier: A History of the sixteenth century Ibero African Frontier. Chicago:
• Inalcik, Halil. The Ottoman Empire: Classical age 1300 - 16 00. London: Weidenfeld and Nicholson, 1973.
• Pakalin, Mehmet Zeki. Osmanli Tarihi Deyimleri ve Terimleri Sozlugu. Istanbul: Milli Egtim Basmevi, 1993.
of the near East." International Journal of Middle East. vol. 6. no. 1 (January 1975).
• Dogan, Mehmet. Buyuk Turkce Sozlugu. 7 th ed. Ankara: Rehber Yayınları, 1990.
University of Chicago Press, 1978.
• Lewis, Bernard. Le langage politique de l'Islam. Odette Guitard (trans.). Paris: Gallimard, 1989.
• Mantran, Robert. Histoire de l'empire ottoman. Paris: Fayard, 1989.
• Parlatır, Ismail. Osmanli Türkçesi Sozlugu. Ankara: Yargı Yayınları, 2012.
محجوب الزويري Mahjoob Zweiri |
تقرير بنرمان: صناعة الأسطورة يف تاريخ العرب الحديث
مقدمة
تبرز معاهدة سايكس – بيكو، بوصفها المعاهدة التي أظهرت قدرًا من التنسيق والتوافق بين القوى الكبرى آنذاك، المتمثلة بكلٍّ
من بريطانيا العظمى وفرنسا وروسيا حول مستقبل منطقة المشرق العربي ما بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية. غير أنّ ثمة مسارًا آخر تبدو فيه محاولة للتأريخ اعتمادًا على الأسطورة المفردة الفاعلة والمؤثرة بوصفها عاملً مؤثرًا. اختارت هذه الأسطورة مسارًا يربط بين جزء من الوقائع وبين الأسطورة التي جرى تصنيعها، لتقع ضمن تسلسل الأحداث وتتحول إلى جزء من الوقائع التي يُستنَد إليها في كتابة تاريخ العرب الحديث وتحولاته في القرن العشرين. ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل إنّ تلك الخلاصات المعتمدة على الأسطورة أصبحت جزءًا من مكونات الوعي العربي حتى في التاريخ المعاصر.
بدأ الحديث في نهاية الأربعينيات من القرن العشرين عن مؤتمر عقدته الحكومة البريطانية وتقرير خرج به هذا المؤتمر يُنسَب إلى
رئيس الوزراء البريطاني آنذاك هنري كامبل بنرمان Bannerman Compbell Henry، وهو "تقرير بنرمان". ووفق الرواية التي كان يُروَّج لها، دعا رئيس وزراء بريطانيا آنذاك بنرمان إلى مؤتمر لدراسة مستقبل التأثير والنفوذ ببريطانيا العظمى والدول الاستعمارية الفاعلة؛ مثل فرنسا وهولندا وبلجيكا. وأراد بنرمان، الذي كان ينتمي إلى حزب المحافظين ويترأس حكومةً تمثّل الحزب البريطاني، من متخصصين في السياسة والعلاقات الدولية وغيرها من العلوم الاجتماعية، أن يدرسوا ويتعرفوا، ومن ثمّ أن يُقدّموا إلى الحكومة ما يَعُدّونه مصادر أخطارٍ يمكن أن تُضعِف النفوذ البريطاني، بوصفها قوى كبرى مُتمددةً جغرافيًا وتُهدِّد مستقبلها في ذلك الوقت. ويشكل هذا التقرير وفق تلك المصادر مقدمةً بالغة الأهمية لمعاهدة سايكس - بيكو وكل ما قامت به بريطانيا ضد العرب، خصوصًا في موضوع القضية الفلسطينية. تفترض هذه الدراسة أنّ التقرير، وما طُرِح بشأنه، لم يكن إلاّ أسطورةً تمّ تصنيعها وتغذيتها استنادًا إلى بعض التطورات التاريخية
والتصورات التي تطورت بشأن تلك التطورات، كما انتعش تصنيع مثل هذه الأسطورة بالاستفادة من مناخ الهزيمة الذي كان يسيطر على المجتمعات العربية بعد احتلال فلسطين في عام 1948. وتسعى الدراسة لفهم أسباب صناعة الأسطورة في تاريخ العرب الحديث عبر التحقق من وجود تقرير بنرمان. فهل كانت بريطانيا تحتاج إلى مثل هذا التقرير؟ ثمّ لماذا تمّ إخفاؤه، على هذا النحو، في ضوء ما كُشف عنه بشأن مراسلات الحسين – مكماهون، أو حتى اتفاقية سايكس - بيكو؟ وما أهمية وجود الأسطورة في سياق تاريخ العرب الحديث؟
أولً: بريطانيا والمرق العربي من القرن التاسع عر إىل القرن العرين
تعزز النفوذ البريطاني في المشرق العربي ابتداءً من أوائل القرن التاسع عشر، وقد ظهر ذلك جليًا عبر التنسيق مع فرنسا وروسيا،
للضغط على الدولة العثمانية، من أجل إجراء إصلاحات ظاهرها احترام حقوق غير المسلمين الذين يعيشون في أراضي الدولة العثمانية، وباطنها حالة من العداء لهذه الدولة التي تتقاطع مصالحها مع مصالح بريطانيا في بقاع متعددة، منها مصر حيث الطريق إلى المستعمرات البريطانية في الهند، وشمال الخليج العربي حيث العراق والكويت، وقد كانت الدولة العثمانية ترى أنّهما بوابة العبور إلى سواحل شرق الجزيرة العربية.
لقد تميز الانتقال في السياسة البريطانية بين القرنيَن التاسع عشر والعشرين نحو المشرق بتبلور إستراتيجيتين أو سياستيْ حدّدتا
ملامح التحرك البريطاني في المشرق العربي حتى أواخر عقد الستينيات من القرن العشرين. وتتمثل هاتان السياستان بتحويل الخليج العربي إلى "بحيرة بريطانية"، وفي تعريف الدولة العثمانية بوصفها "رجل أوروبا المريض ".
عانت منطقة الخليج العربي مع مطلع القرن التاسع عشر وبطرفيها المُطِّليْ على شرق الجزيرة العربية أو على فارس، وهو اسم
إيران في تلك الفترة، حالةً أقرب إلى فراغ القوى السياسية الخارجية، إذ كانت بريطانيا تركز آنذاك على مستعمراتها في الهند ومصالحها عبر البحار القريبة منها.
وتشير المصادر التاريخية إلى أنّ نقاشًا كان يجري في لندن بين كلٍّ من وزارة المستعمرات ووزارة الخارجية والمتنفذين اقتصاديًا
حول ضرورة التوجه إلى شمال مضيق هرمز، وصولً إلى داخل الخليج العربي؛ لإحكام القبضة على الدولة العثمانية. يُضاف إلى ذلك الحديث عن تهديدات مقبلة من منطقة شمال مضيق هرمز كانت تتعرض لها التجارة البريطانية، وخصوصًا من القواسم الذين كان لديهم أسطول بحري متكامل مكّنهم من الوصول إلى مضيق هرمز والسيطرة عليه. وقد تمثلت تلك السيطرة بفرض ضرائب على السفن التي تمرّ في هذه المنطقة بما فيها البريطانية.
رفضت بريطانيا دفع الضرائب ووصفت القواسم بالقراصنة. وعُدّ هذا الوصف بمنزلة خطوة تمهيدية لشن حرب عليهم، وهو
ما نفذته بريطانيا في عام 1820، حيث تمكنت بَحريتها من تدمير موانئ رأس الخيمة مقرّ القوة البحرية للقواسم. وعملت القوى في بريطانيا العظمى تحت تأثير هذه العوامل على بلورة موقف، وسياسة أفضت – فعلً – إلى العمل على تحويل منطقة الخليج العربي إلى بحيرة بريطانية، وهو ما عنى، بطبيعة الحال، تحويلها إلى منطقة مصالح بريطانية، بحيث تتفرد هي دون غيرها بالدفاع عنها أمام الأخطار المتوقعة.
وفي هذا السياق سعت بريطانيا إلى فرض نفوذها عبر توقيع المعاهدة العامة للسلام مع الشيوخ العرب في شرق الجزيرة العربية،
وقد بدأت مع آل خليفة في عام 1820، كما أسست أول منصب سياسي يتعلق بمتابعة التطورات في المنطقة تحت اسم الوكيل السياسي، وجعلت مقره في بوشهر جنوب فارس/ إيران. وتوسعت بريطانيا في فرض حضورها في منطقة الخليج بعد سيطرتها على ممتلكات شركة الهند الشرقية في عام 1857، إذ فرضت سيطرةً سياسيةً وعسكريةً في منطقة الخليج العربية تصاعدت بشكل مطرد حتى أوائل القرن العشرين بتجلّ التنفيذ البريطاني لإستراتيجية تحويل منطقة الخليج إلى بحيرة بريطانية.
وبالتزامن مع تزايد النفوذ البريطاني في منطقة الخليج العربي، كانت الدولة العثمانية تواجه ضغوط الدول الأوروبية، إضافةً إلى
الهزائم العسكرية التي لحقتها في أوروبا، فضلً عن خروج مصر من عباءتها في عام 1801، إلى أن فرضت بريطانيا سيطرةً عسكريةً مباشرةً على مصر عام 1882. ودفعت تلك الهزائم والتراجعات قيصر روسيا نيكولاي الأول إلى إطلاق لقب رجل أوروبا المريض على الدولة العثمانية في عام 1853، داعيًا بريطانيا إلى التعاون مع روسيا لتقاسم أملاك هذه الدولة.
بدأت بريطانيا بلورة سياسة توسع في منطقة المشرق العربي، مراوحةً بين تحويل الخليج إلى بحيرة بريطانية وتقاسم أملاك رجل
أوروبا المريض، وهي سياسة تنطلق من واقع جديد خلقته تطورات القرن التاسع عشر، تمثّل بتوسع بريطانيا الجغرافي بعيدًا عن أوروبا وتعاظم المنافسة السياسية مع لاعبين مثل فرنسا وروسيا. لقد بدأت بريطانيا القرن العشرين برؤية وتحالفات أعانتها في تأمين وجودها في جنوب إيران بموجب اتفاق 1907 بين روسيا وبريطانيا. كما أنها استطاعت أن توفر حضورًا صاخبًا في المشرق العربي، وخصوصًا في العراق وشرق الأردن وفلسطين بموجب اتفاقية سايكس - بيكو التي توافقت فيها مع فرنسا وروسيا، وأبقتها في إطار السرية حتى أماط الروس عنها اللثام.
كشفت التطورات التاريخية لمنطقة الشرق الأوسط أنّ بريطانيا كانت تعمل وفق رؤية لتأمين مصالحها في إطار التنافس الاستعماري
مع فرنسا على نحوٍ خاص، لكنّ جملة السياسات البريطانية كانت تخضع لطبيعة اللاعبين ومدى قدرة بريطانيا في التعامل معهم وتبديد مخاوفهم من وجودها. واستطاعت بريطانيا أن تضع تصورًا وتسوقه للعرب آنذاك، وهو أنّ تحقيق أحلامهم بالاستقلال وبناء الدولة القومية قابل للتحقق من خلال التعاون مع بريطانيا التي تشارك العرب حقهم في بناء الدولة القومية العربية. ونجحت بريطانيا في تسويق هذا التصور حتى أوائل القرن العشرين، حيث تبدد الحلم العربي بعد أن تبين التضليل البريطاني في مراسلات الحسين - مكماهون، وبعد أن أُميط اللثام عن اتفاقية سايكس - بيكو ووعد بلفور الذي أعطى اليهودَ حقَّ إقامة وطن قومي لهم في فلسطين.
وبموجب تلك الأحداث، تشكلت لبريطانيا في منطق المشرق صورة القوة المُتآمرة على العرب وطموحهم. ولم يقف الأمر عند
العرب، بل وصل إلى فارس/ إيران حيث تعمق لدى الإيرانيين في الفترة نفسها أنّ أصل التآمر عليهم، وأصل كل ضرر لحق بهم، إنما مصدره بريطانيا. لقد تحوّل هذا التصور إلى مثل رائجٍ في المجتمع هو: "إين كار إنكليسها"، وترجمته: "هذه أعمال الإنكليز"، في إشارة إلى بريطانيا.
يظهر في إطار هذا التصور الذي كان آخذًا في التشكل في المشرق، أهمية موضوع هذه الورقة، وهو تقرير بنرمان الذي بدأ
الحديث عنه في المحافل العربية السياسية والأكاديمية في منتصف القرن العشرين، وأخذ حيزًا لافتًا للانتباه في النقاش الدائر في تلك المحافل حول سياسة بريطانيا نحو العرب في النصف الأول من القرن العشرين.
ثانيًا: من هو هنري كامبل بنرمان؟
وُلِد هنري كامبل بنرمان في منطقة كيلفندسايد Kelvinside بالقرب من مدينة غلاسكو في أسكتلندا عام 1836. ويظهر جليًا أنه
كان ينتمي إلى أسرة ذات حضور في العمل السياسي، فقد كان والده عمدةً لمدينة غلاسكو ونبيلً، ذا لقب "سير " Sir. تلقى تعليمه الأساسي وفق نظام التعليم البريطاني المعروف بالفيكتوري، حيث التركيز على المعارف والعمل في مجالات الخدمة الحكومية، ثمّ تلقى تعليمه الجامعي في جامعة غلاسكو، وفي كلية ترنيتي Trinity في كامبريدج.
قام بنرمان خلال دراسته الجامعية بجولة مع ابنة عمه في أوروبا، ويبدو أنّ تلك الزيارة تركت أثرًا في بنائه الفكري والسياسي.
وقد كان يحرص على قضاء ستة أسابيع خلال الصيف في أوروبا التي يبدو أنه كان مفتونًا بها. كان معجبًا بالتجربة الفرنسية والثقافة الأوروبية بوجهٍعام. وشكّل إتقانه للغة الفرنسية، وكذلك تمكنه من الألمانية والإيطالية، أدوات مهمةً للقراءة والاطلاع على ما يجمع بريطانيا مع أوروبا. وفي هذا السياق يظهر جليًا إعجابه بالانتماء البريطاني إلى القارة الأوروبية.
تشير المعلومات الواردة بشأن بنرمان إلى أنه بدأ العمل السياسي في مطلع الثلاثينيات من عمره، فقد انتُخِب في مجلس العموم
عن منطقة سترلنغ بورغاس Burghs Stirling في عام 1860، وأ عيد انتخابه عن تلك المنطقة حتى عام 1906. ويميز تجربة بنرمان في المشهد السياسي البريطاني اتجاهه الليبرالي وغير المنفصل عن تفكيره في بريطانيا، بوصفها إمبراطوريةً تقود وتؤثّر.
أمضى هنري بنرمان نحو عقد من حياته السياسية عضوًا في مجلس العموم، وقد تسلّم أول منصب حكومي وزيرًا للمالية في عام
1871 في إدارة Office War. وشغل المنصب نفسه حتى عام 1884، وانتقل إلى مسؤولية الوزير لشؤون آيرلندا، غير أنه لم يستمر في هذا المنصب إلا سبعة أشهر. وتسلّم بنرمان وزارة الدولة للحرب في أواخر القرن التاسع عشر (في عام 1886 تحديدًا)، وبقيَ يشغل هذا المنصب حتى عام 1895.
لم ينجح بنرمان في الوصول إلى منصب رئيس مجلس العموم بسبب تخلي حزبه عنه. ولكنه تمكن في عام 1899 من الحصول
على هذا المنصب نتيجة عدم التوافق بين رئيس مجلس اللوردات ورئيس مجلس العموم. وبشغله هذا المنصب، أصبح أقرب إلى قيادة الحزب ومنصب رئيس الوزراء.
يبدو أنّ المشهد السياسي البريطاني - والحديث هنا عن الأحزاب السياسية المتمثلة بالليبراليين - كان يعاني من انقسامات حادة
مع بداية القرن العشرين. كما أنّ مستويات التنسيق بين مجلس اللوردات والعموم كانت متدنيةً، وهو أمرٌ يعني عدم تمكّن أيّ حزب من السيطرة على الحكومة بأغلبية كبيرة.
في ظل هذه الأوضاع تمكّن بنرمان، في عام 1905، من تشكيل حكومة أغلبية من خلال ائتلاف مجموعة من أعضاء الحزب
الأصلي، وكان بذلك أول شخصية تستخدم رسميًا اسم "رئيس الوزراء" في بريطانيا. تشكلت هذه الحكومة بعد حكومة بلفور Balfour الذي كان ينتمي إلى الحزب ذاته. وتمكن بنرمان من تحقيق فوز في الانتخابات العامة في عام 1906، واستمر رئيسًا للوزارة حتى توفي في 22 نيسان/ أبريل 1908، في بيت الإقامة الرسمي لرئيس الوزراء. وإنّ ما يلفت الانتباه في فترة تولّ بنرمان رئاسة الحكومة البريطانية هو تركيزه على القضايا الاجتماعية المتعلقة بالخدمات؛ كالتعليم، والصحة، وتحسين أوضاع الجيش، وكذلك تطوير الجوانب التشريعية في العمل السياسي بوجهٍ عام.
ثالثًا: تقرير بنرمان وصناعة الأسطورة يف التاريخ العربي الحديث
سمعت أول مرة عن تقرير بنرمان في سياق دراستي في أواخر عام 1989 لمادة دراسية في قسم التاريخ في الجامعة الأردنية حول
الدولة العثمانية. وكان ذلك في إطار تناول أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ولا سيما الدور البريطاني، حينها شرحت لنا أستاذتنا أهمية الوثائق، وأنّ بعضها يبقى طيّ الكتمان فترات طويلةً من الزمن. في ذلك السياق، تمّ الحديث عن تقرير جديد كُشف عنه اللثام في الأربعينيات من القرن العشرين. ووفق ما علمنا، لا يعني ذلك أنه في متناول الجميع. وقد أخبرتنا أستاذتنا عن محتوى هذا التقرير المتمثّل بأنّ رئيس بريطانيا قد دعا علماء السياسة والاقتصاد والتاريخ وعلماء الاجتماع، وطلب منهم معرفة مصادر الخطر على الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس، وبعد بضعة شهور رجعت هذه الفرق الأكاديمية التي تمّ تكليفها بتقييم تلك الأخطار، ولم يكن ما هو مهمّ إلا ما عاد به الفريق الذي عمل على المنطقة المحيطة بالبحر المتوسط، والذي وصف في تقريره الوضع القائم آنذاك. فقد تحدّث عن أمّة واحدة تجمعها لغة واحدة ويدين غالبية أهلها بدين واحد، وهي تقع في موقع جغرافي يُطلّ على أهم المسطحات المائية. وبعد هذا الوصف جاءت التوصية من ذلك الفريق بتقسيم المنطقة، وتعزيز ذلك التقسيم؛ من خلال وضع جسم سياسي لا يلتقي مع محيط هذه المنطقة، والمقصود هنا ما أصبح بعد ذلك إسرائيل. ذلك ما تعلمته خلال مرحلة البكالوريوس، ومنذ ذلك التاريخ، أي بعد نحو 30 عامًا، لم يتغير الحديث عن هذا التقرير ولا محتواه.
في هذا السياق، يشير المؤرخ محمد الأرناؤوط إلى أنه قرأ تقرير بنرمان ضمن قراءات متعددة لفهم ما حدث في عام 1948، وإلى
أنّ هذا التقرير كان ضمن المنهاج الدراسي السوري. وكان يشير إلى مؤتمر نتج منه تقرير خلاصته أنّ الحاضرين في ذلك المؤتمر "خلصوا إلى الكشف عن أهمية المنطقة العربية وعن خطورة وحدتها السياسية، ولذلك رأوا من الضروري زرع جسم غريب في قلبه (في فلسطين) يمنع وحدتها في المستقبل".
ثمة ما يلفت الانتباه في الإخراج النهائي لخبر ذلك المؤتمر وأسطورة ذلك التقرير المرتبط بالعرب وهويتهم السياسية والثقافية؛
ذلك أنّه ثمّة ربط - ربما لم يكن مقصودًا - بين فكرة المؤتمر ووجود التقرير. فالمتتبع لتاريخ بريطانيا الحديث يجد أنّ ثمة مؤتمرًا دوريًا كانت تعقده الإمبراطورية البريطانية، في سياق تنظيم المناطق التي تخضع لها ومتابعتها. فقد جرت العادة على تنظيم المؤتمر الإمبراطوري Conference Imperial The الذي كان شبه دوري، في الفترة 1878 - 1937، يحضره ممثلو بريطانيا العظمى في تلك المناطق، إضافةً إلى السياسيين البريطانيين الذي يقيمون في لندن. وقد عُقد المؤتمر مرةً واحدةً في كندا. وفي مع مطلع القرن العشرين عُقد المؤتمر في عام 1902، ومن ثمّ في عام 1907 ضمن رئاسة الوزراء القصيرة نسبيًا لهنري بنرمان. وقد حضر المؤتمر ممثّلون عن كندا، وأستراليا، ونيوزلندا، وكاب كولوني، وناتال، ونيوفاوندلاند. وتشير إحدى الدراسات لأجندة المؤتمرين إلى الارتباط بينهما، وكأنّ المؤتمر الذي عُقد في عام 1902 كان بمنزلة مؤتمر تحضيري للمؤتمر الذي عُقد في عام 1907.
استنادًا إلى ما يذكره جب ريتشارد Richard Jebb في ما جمعه من أوراق ونقاشات المؤتمر، يظهر جليًا نقاش أوضاع المناطق التي
شملتها بريطانيا العظمى آنذاك. وتركز النقاشات على التحديات التي تواجهها كل منطقة بالنظر إلى جوارها، وكذلك تأثيرات القوى الاستعمارية الأخرى آنذاك، مثل فرنسا وألمانيا وروسيا، على أوضاع تلك المستعمرات البريطانية.
كانت بريطانيا خلال هذه الفترة قد ضمنت سيطرتها العسكرية على مصر، كما أنها عمدت إلى توقيع معاهدات السلام في منطقة
الخليج العربية، إضافةً إلى تنسيقها الكبير مع كل من روسيا وفرنسا. وقد تركز التنسيق مع روسيا حول مستقبل فارس/ إيران التي ظهر فيها أول بئر للنفط في عام 1908، وكذلك حول آسيا الوسطى، كما عملت بريطانيا مع كلّ من روسيا وفرنسا على البدائل المتاحة آنذاك للتعامل مع أملاك رجل أوروبا المريض.
يبرز الحديث عن التقرير الذي يعود تاريخه إلى عام 1907 في سياق الحديث عن المؤتمر الاستعماري. ويبدأ الحديث عمّا يُنسَب
إلى هنري بنرمان من نقاش داخل بريطانيا بقيادة حكومة المحافظين التي كانت تُسمى "حكومة الليبراليين"، حول ضرورة محافظة الدولة القوية الأوروبية على مكتسباتها وإدارة علاقاتها بطريقة تكفل لها المحافظة على تلك المكتسبات أطول فترة ممكنة. وتشير المصادر الموجودة، ومعظمها بالعربية، إلى أنّ التقرير كان سريًا من حيث تركيزه على دعوة الأكاديميين في مجالات السياسة والتاريخ والاجتماع والاقتصاد حتى يدلوا بدلوهم من جهة، وحتى يقوموا بالبحث في السؤال الأصلي الذي كان مؤتمر بنرمان يسعى للإجابة عنه ويعطوا توصياتهم، وهو سؤال يركز على المناطق التي يمكن أن تهدد المصالح البريطانية والأوروبية وتحُدّ من قوتها وحضورها كقوى إمبراطورية واستعمارية، وعلى الكيفية التي يمكن بها التعامل مع تلك المناطق أو القوى. ويبدو هذا التنسيق، من خلال الحديث عن تقرير بنرمان، كأنه كان يجري بصمت مطلق، بعيدًا حتى عن القوى الأوروبية الأخرى.
لا يظهر للتقرير الذي يتمّ الحديث عنه بشكل خاص في الكتابات العربية أثرٌ في المصادر الإنكليزية حتى لحظة إنجاز هذه
الورقة، وتشير جميع المعلومات الأولية إلى أنّ رئيس الوزراء هنري بنرمان دعا أكاديميين ومؤرخين وعلماء في الاقتصاد والعلوم السياسية، وطلب إليهم البحث في إطالة عُمر الإمبراطورية البريطانية، والأخطار التي تهددها، وكيفية مواجهة تلك الأخطار. ووفق المعلومات المتوافرة باللغة العربية، فإنّ تلك الفرق البحثية عادة ما كانت تعرض على رئيس الوزراء نتيجة عملها واستقصائها، وتتحدث عن العرب بوصفهم الأمّة التي تربطها عوامل الدين واللغة والعادات والقيم المشتركة. كما أنها أمّة تسيطر على منافذ بحرية إستراتيجية مهمّة. ووفق ما نُشِ بالعربية، فإن هذه الأمة مصدر تهديد. أمّا سبيل الحدّ من هذا التهديد، فهي فصل شرقها عن غربها بخلق جسمٍ غريب، عُرِف لاحقًا ب "إسرائيل".
يبدو ما تمّ تداوله من معلومات عن التقرير مكررًا، ولا يتناول إلا موضوع القضية الفلسطينية والتصور عن العرب كأمّة. وأثناء التدقيق
أكثر في السياق الزمني وبداية الحديث عنه، لا بدّ من النظر إلى شخصيات أو نخبٍ ساهمت في نشر خبر التقرير - الأسطورة والإبقاء عليه. تطرح أسئلة كثيرة، ولا يبدو أنّ العثور على إجاباتها أمرٌ يسير. والسؤال الأول هو: لماذا هذا التكتم الشديد على التقرير إذا ما أخذنا
في الحسبان العامل الزمني الذي يتجاوز القرن، وإذا ما أخذنا في الحسبان أيضًا أنّ كثيرًا من الملفات والوثائق التي تُعدّ أكثر أهميةً قد تمّ الكشف عنها؛ من قبيل مراسلات الحسين - مكماهون ووعد بلفور؟ أمّا السؤال الثاني، فهو متعلّق بعدم تطرق قائمة طويلة من المصادر الأولية والوثائق الصادرة باللغة الإنكليزية لمثل هذا التقرير.
تُشير المعلومات المتوافرة باللغة العربية إلى أنّ أحد رموز التيار القومي الناصري، وهو أنيس صايغ، قد تولى في عام 1966 مسؤولية
إدارة مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأنّه تبين له أنّ هناك حديثًا كثيرًا عن هذا التقرير، من دون وجود النص الأصلي له، أو حتى ما يشير إلى مكان وجوده. فدفعه هذا الأمر، كما دفع كاتب هذه المقالة إلى التحقيق في المكتبات ودور التوثيق البريطانية للعثور على "طرف خيط" يفضي به إلى النص الأصلي للتقرير. لكنّ كل ذلك الجهد لم يؤدّ إلى النتيجة المرجوة.
دفع هذا التحدي أنيس صايغ إلى العودة إلى بيروت والبحث عن جذور الأسطورة المتداولة في العالم العربي. وفي ذلك الوقت أخذه
جهده إلى أول شخص تحدث حول ذلك التقرير ونشره، وهو محامٍ فلسطيني يُسمّى أنطون سليم كنعان، وقد كان يعيش في القاهرة. كانت نتيجة تلك الزيارة مفاجئة من العيار الثقيل لصايغ الذي اكتشف عدم وجود أساس للتقرير. غير أنّ ذلك، لم يكن المفاجأة الوحيدة لصايغ، بل ما تبعها من معلومات أخبره بها أنطون كنعان، الذي كان قد أشار إلى تقرير بنرمان، أول مرة، في محاضرة له بعنوان "فلسطين والقانون"، ألقاها عام 1949، في جامعتَي فلورينو وباريس، ثمّ في بحث نشره في عام 1957. أطلع كنعان أنيس صايغ على ما عدّه أصل التقرير، وهو رواية سمعها من مسافر هندي رافقه في رحلة إلى لندن حيث كان أنطون كنعان ذاهبًا لدراسة القانون. وخلال الرحلة تجاذب المسافران أطراف الحديث الذي أخذهما إلى ما تفعله بريطانيا من تآمر ضد العرب، وكيف أنها منحت فلسطين لإسرائيل بموجب وعد بلفور في عام 1917. حينها، أخبره المسافر الهندي أنه سمع عن مؤتمر نظمته بريطانيا في الهند عام 1907، وتمّ فيه مناقشة مصير المنطقة العربية وعمل كل ما يلزم لضمان عدم تحقق وحدتها. مرةً أخرى، شكّلت هذه المعلومات العمود الفقري لكل ما تمّ نشره حول التقرير ومعظمه باللغة العربية.
قادت هذه المعلومات أنيس صايغ إلى منْع نشر أي كتاب يعتمد على تلك الأسطورة في مركز الأبحاث الذي كان يرأسه. ثمّ تبع
ذلك في عام 2006 حين أوضح في مذكراته هذه التفاصيل، مُعبرًا عن يقينه بعدم وجود مثل هذا التقرير، وربما كان الأهم دعوته إلى الاهتمام بالتحقيق والتدقيق حول ما ينشر بشأن القضية الفلسطينية.
لم تكن تلك كل "الحكاية" حول ما تحدث عنه أنطون كنعان. ففي عام 1987، نشر المؤرخ أوجين روغان Rogan Eugene
المتخصص بتاريخ الشرق الأوسط والعرب الحديث في جامعة أكسفورد توضيحًا ضمّنه اعتذارًا عمّا صدر منه من تشكيك في ما قاله ونشره أنطون كنعان بشأن تقرير بنرمان. وفي هذا التوضيح، يقر كنعان أنه لم يرَ التقرير رغم الجهد الكبير الذي بذله في البحث عنه في بريطانيا. وربما كان الأهم - إضافةً إلى ما قيل - أنّ كنعان سمع عن التقرير من مفكر يثق به هو علي الحمامي، وهو مفكر جزائري وُلِد في عام 1902، واستقر به المقام في الإسكندرية حتى توفي في عام 1947. هذا يعني أنّ ما سمعه أنطوان كنعان كان قبل عام 1947، وهو التوقيت ذاته الذي ذكره حول ما سمعه من المسافر الهندي الذي رافقه في رحلته إلى لندن.
ما نشره أنيس صايغ ربما أسدل الستارة، ولو لفترة، في ما يتعلّق بهذا التقرير وأهميته بالنسبة إلى أنيس صايغ ومن هم مقتنعون
بمدرسته، لكنّ ذلك لا يعني عدم طرح التساؤلات حول ترويج مثل هذه الأسطورة واستعمالها من قبل إعلاميين وسياسيين، والإبقاء على التفسير المؤامراتي لما حدث للعرب بوجهٍعامٍ في القرن العشرين، ولا سيما موضوع إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. يعزز استمرار هذا الأمر المتعلق بالإبقاء على الأسطورة ما نشره روغان الذي "أبقى الباب مفتوحًا". لكنّ ذلك لا يعني القبول بذلك، ولا سيما مع عدم وجود وثيقة مادية محسوسة على الرغم من مرور كل هذه السنوات.
ما يسمى تقرير بنرمان يبدو أسطورة جرى تصنيعها بالنظر إلى أنه يتعلق بفترة عصيبة من تاريخ العرب الحديث، وكذلك تاريخ
العلاقة الشائكة بين بريطانيا والعرب بوصفها الأولى المسؤولة المباشرة عن أهمّ فصول القضية الفلسطينية وإنشاء إسرائيل، ولا يمكن فهم ذلك إلا بتفكيك المشهد السياسي والثقافي العربي وقت انتشار مثل هذه الأسطورة وبعد انتشارها أيضًا.
الأمر اللافت للانتباه هو احتمالية وجود ارتباط تمّ تخيله بين المؤتمر الاستعماري الذي كان يُعقد على نحوٍ شبه دوري، وعقده
مرةً واحدةً خلال تولّ هنري بنرمان رئاسة الحكومة البريطانية في عام 1907، وبين ما يسمى تقرير بنرمان. ولا يبدو مثل هذا الربط دقيقًا بالنظر إلى أنّ محاضر جلسات هذا المؤتمر ونتائجه لا يرد فيها أيّ إشارة إلى العرب، ولا حتى إلى فلسطين.
رابعًا: ما الحاجة إلى الأسطورة يف التاريخ العربي الحديث؟
بدا واضحًا، بالنظر إلى التطورات التي مرت بها مجتمعات الشرق - ولا سيما العربية منها - منذ أوائل القرن العشرين، أنّ سمة
الإقصاء والتهميش غلبت على تلك المجتمعات. وقد ساهمت بذلك حالة الضعف السياسي التي ورثتها المجتمعات العربية من الدولة العثمانية، وعدم قدرة هذه الدول بعد الفترة العثمانية على تسيير شؤونها من دون الاعتماد على قوى خارجية متنفذة مثل القوى الأوروبية التي كان بعضها ينافس بعضها الآخر على النفوذ في المنطقة. كما أنّ الرؤية السياسية العامة بالنسبة إلى هذه القوى كانت واضحةً، وقد سبقت الإشارة إليها؛ وهي تقاسم أملاك الدولة العثمانية. وبما أنّ العرب هم المادة الأصلية سكانيًا وثقافيًا في المشرق الذي أوشك آنذاك أن يخرج من العباءة العثمانية في أوائل القرن العشرين، فقد كانوا أوائل المتأثرين برؤية المقبلين من خارج المنطقة وسياساتهم التي أرِيد منها تحقيق تلك الرؤية. وفي هذا السياق، كانت البيئة مساندةً من حيث وجود طرفين؛ أحدهما في موقع اقتدار وقدرة على الحركة والاختيار، وآخر مرتبك من حيث الرؤية وخياراته شبه المحدودة. بطبيعة الحال، لا ينفي هذا أنّ الدولة القومية العربية كانت هي الفكرة التي سعى العرب - ومنهم الشريف الحسين بن علي - لجعلها أصل النقاش السياسي مع بريطانيا التي كانت لها أجندتها الواضحة، والتي كانت تتعارض مع ما كانت النخبة السياسية العربية والثقافية تسعى للوصول إليه.
يمكن رؤية أصل الأسطورة في التاريخ الحديث في الهزائم والفشل في تحقيق أيّ أمرٍ كان العرب يرغبون في تحقيقه، وقد
اشتملت هذه الهزائم المتكررة وغياب البديل على نوع من المسؤولية التي ينبغي أن يتحملها طرف ما، وهو ما يعني نجاة أطراف أخرى كانت في وسط المشهد ولها علاقة بإدارته.
ثمّة عامل آخر قد يساعد على تفسير الحاجة إلى الأسطورة في تاريخ العرب الحديث، وهو عامل مرتبط بمدى الضرر السياسي
والثقافي والاقتصادي الذي أصاب العرب كأمّة، ذلك أنّ معظم الترتيبات التي جرت في المنطقة؛ سواء كانت من قبل فرنسا أو بريطانيا ثمّ الولايات المتحدة الأميركية، والتي تمّت على حساب المصالح العربية؛ سواء كانت في ما يتعلق بالأرض أو بالإمكانات الاقتصادية. وتصدّر تلك الترتيبات منحُ فلسطين كوطن قومي لليهود. جعلت هذه المسألة وما أنتجته من أزمة إنسانية متمثلة بملايين اللاجئين، إضافةً إلى الضغوط الاقتصادية والسياسية التي لم تتوقف، الأسطورة والإيمانَ بها مهربًا يجعل الملايين يشعرون بأنهم لن يستطيعوا فِعلَ شيء ومواجهة هذا الاستهداف الذي فشل في مواجهته مَن كانوا قبلهم. ومن هنا، يُعدّ تكرار الفشل وعدم القدرة على تغيير الواقع عاملً مهمًا وحاسمًا في إدامة الأسطورة وتطوير طرق تقديمها حتى تؤديَ خدمةً في المجتمع يستفيد منه نفرٌ من الناس.
أدّت التطورات السياسية في منتصف القرن العشرين واحتلال فلسطين إلى تعزيز القناعة بأنّ مدى الاستهداف على غاية من
الضراوة حتى أنّه يصعب إيقافه، وأنّ النخب الثقافية والسياسية في حاجة إلى تبرير عدم قدرتها على مواجهة هذا الاستهداف. ومن ثمّ، تأتي الأسطورة المستندة إلى بعض الوقائع لتؤدي دورًا وظيفيًا مهمًا في إبعاد روح المساءلة والمحاسبة. ولا يرتبط هذا الأمر بالعرب فقط، بل يتجاوزهم إلى مجتمعات مجاورة لهم مثل تركيا وإيران.
إنّ الربط بين المؤتمر الإمبريالي الذي كانت تعقده بريطانيا لمتابعة مستعمراتها في الخارج، والذي عُق د في عام 1907، حيث كان
هنري بنرمان رئيسًا لوزراء بريطانيا، وبين فكرة وجود تقرير، لم تكن إلا محاولة لإيجاد مزيد من اليقين بشأن مستوى الاستهداف الذي تعرض له العرب؛ ذلك أنّ جعْلهم موضوعًا لمؤتمر بعينه يُعطي الأسطورة قدرًا كبيرًا من الصدقية والقبول، وهو أمرٌ مطلوب في فترات تاريخية معيّنة، ولا سيما في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، زمن تأسيس إسرائيل وطرد الفلسطينيين، وما رافق ذلك من صدمة الهزيمة ومن ضياعٍ للأرض والكيان السياسي الذي سعى العرب لتأسيسه بين عشية وضحاها. يُضاف إلى ذلك طبيعة ما جرى، واستهداف العرب، والربط بين تمزيق العرب وضياع فلسطين. فكان المطلوب قوله إنه لو بقيَ العرب موحَّدين لما ضاعت فلسطين. ومثل هذه الفرضية تحتاج إلى فحص؛ إذ إنّ العرب، ولا سيما في المشرق، لم يكونوا موحَّدين على النحو الذي تحاول المصادر التاريخية وصفه. وبطبيعة الحال، يرتبط هذا الأمر بالحالة العربية برمتها في أوائل القرن العشرين في ظل تراجع الدول العثمانية المتسارع، وازدياد مستوى التنافس الاستعماري، وتحديدًا على تقاسم المشرق العربي.
على الرغم من السياسات التي أصبحت معلنةً من قِبل بريطانيا منذ سايكس - بيكو ووعد بلفور وغيره، فإنّ الحاجة إلى تقرير
بنرمان بقيت ضرورةً سياسيةً وثقافيةً لكل من حاول المحافظة على تلك الأسطورة وروَّج لها؛ وذلك بالنظر إلى التسلسل الزمني للأحداث. فتقرير بنرمان، وفق المعلومات المتداولة، يعود إلى سنة 1907، في حين تعود سايكس - بيكو إلى سنة 1916، ويعود وعد بلفور إلى سنة 1917، وهذا يعني أنّ التقرير عُدّ حلقةً مؤسِّسةً لمسألة ضياع فلسطين.
لقد ظهر جليًا من خلال تطور الأحداث المتعلقة بالتقرير، وطبيعة الترويج له، أنه مرتبطٌ بتيار ثقافي وسياسي معيّ كان يتصدر
المشهد الثقافي والسياسي العربي في تلك الحقبة الزمنية. ويعني هذا أنّ الإبقاء على مثل هذه الأسطورة وتغذيتها فيه دفاعٌ مباشر عمّن يتصدرون المشهد الثقافي والسياسي. يمكن أن يُعدّ إظهار عامل التخطيط والترتيب المتعلق بالمؤتمر والتقرير وسيلةَ تبريرٍ تدفع باللوم بعيدًا عن تلك النخب الثقافية والسياسية. ولا ينطبق هذا الأمر على مسألة تقرير بنرمان فحسب، بل إنّه ينطبق أيضًا على مواقف سياسية أخرى تتعلق بفشل التنمية السياسية والاقتصادية في الدولة في التاريخ العربي الحديث، ويبُرَّر ذلك بأنه بسبب من إسرائيل التي دفعت تغيير الأولويات العربية من التنمية إلى العسكرة، على الرغم من حالة الانكسار العربي المستمرة أمام إسرائيل.
قد تساعد خصوصية موضوع فلسطين في فهم فلسفة الإبقاء على أسطورة تقرير بنرمان، إذ يمكن أن يعتقد بعضهم أنّ ذلك
قد يُستخدم في تعليم الأجيال العربية مدى الاستهداف الذي يتعرضون له، في محاولةٍ للتعلم منه. ومثل هذا الخيار قد يدفع به مَن يعتقدون فكرةَ العبرة من التاريخ.
بعد أكثر من ستة عقود، من احتلال فلسطين، وبعد ما لحق من تقسيم حقيقي للعرب إلى دول والدول إلى أقوام وملل، يصبح
استخدام أسطورة بنرمان وغيرها أكثر مشروعيةً من قبل المروجين له. ويعكس استخدام الرغبة في النأي بالنفس عن تحمل المسؤولية عمّا تواجه المجتمعات العربية من تحديات جمّة في ميادين السياسة والاقتصاد والتنمية، وهو نأْيٌ ربما نجح بعضهم فيه في الماضي، ويأمل آخرون أن تكون لهم السلامة مع الإبقاء على أسطورة تقرير بنرمان، وربما خلق أساطير أخرى.
روجان، يوجين. "توضيح حول تقرير كامبل بنرمان." المجلة الثقافية. العدد 12 - 13 (1987). صايغ، أنيس. أنيس صايغ عن أنيس صايغ. بيروت: الريس للكتب والنشر، 2006.
عبد الكريم، أحمد عزت. دراسات في التاريخ العربي الحديث. بيروت: دار النهضة العربية، 1970. محمد، أنيس. الدولة العثمانية والشرق العربي. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1984.
• Allin, C.D & Spender J.A. "The life of Sur Henry Campbell Bannerman." The American Political Science
Reviow. vol. 18. no. 4 (1924).
• Busch, Briton Cooper. Britain and the Persian Gulf 1894 - 19 14. California: California University of Press, 1967.
• Friedman, Jonathan. "Myth, History, and Political Identity." Cultural Anthropology. vol. 7. no. 2 (1992).
• Harris, José F. & Cameron Hazlehurst. "Campbell- Bannerman as Prime Minister." History. vol. 55. no. 2 (1970).
• Heehs, Peter. "Myth, History, and Theory." History and Theory. vol. 33. no. 1 (1994).
• Jay Peck, William. "Structure and History in Myth Interpretation." Paideuma: itteilungen zur Kulturkunde. vol. 14 (1968).
• M.I Finle, "Myth, Memory, and History." History and Theory. vol. 4. no. 3 (1965).
• Mugridge, Ian. "Myth-Making and History." The International History Review. vol. 5. no. 3 (1983).
• Myth, Peter. "History and Myth." The Philosophical Quarterly. vol. 6. no. 22 (1956).
• Nutt, Alfred. "History, Tradition, and Historic Myth." Folklore. vol. 13. no. 1 (1902).
• Richard, Jebb. The Imperial Conference. London: Longmans Green, 1911.
• Saunt, Claudio. "Telling Stories: The Political Uses of Myth and History in the Cherokee and Creek Nations."
Journal of American History. vol. 93 (2006).
• Tyler, J. E. "Campbell-Bannerman and the Liberal Imperialists 1906 - 1908." History. New Series. vol. 23. no. 91 (1938).
أحمد إبراهيم أبو شوك Ahmed Ibrahim Abushouk |
معاهدة الحمية البريطانية عىل قطر (1916 -:)1971
المسوغ السيايس والهدف الإستراتيجي
مقدمة
بعد حادث اغتيال ولي عهد النمسا في 28 تموز/ يوليو 1914، اندلعت الحرب العالمية الأولى في أوروبا، وأعلنت المملكة
المتحدة (بريطانيا) دخولها الحرب في 4 آب/ أغسطس 1914، متحالفةً مع فرنسا والإمبراطورية الروسية. كما أعلنت الخلافة العثمانية في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه انضمامها إلى معسكر قوى دول المحور الذي كانت تمثّله آنذاك الإمبراطورية الألمانية، والإمبراطورية النمساوية المجرية، والمملكة البلغارية. وبهذا الإعلان العثماني تعقَّد المشهد السياسي بالنسبة إلى الحلفاء؛ لأنّهم أدركوا أنّ انضمام العثمانيين إلى معسكر دول المحور سيمثّل تحديًا دينيًّا وسياسيًّا لهم في البلاد الإسلامية التي كانت تخضع لنفوذهم الاستعماري. وللسيطرة على هذا التحدي، أصدرت بريطانيا حزمةً من القرارات السياسية، وأبرمت مجموعةً من معاهدات الحماية الثنائية والاتفاقيات السرية، كما اتخذت إجراءاتٍ عسكريةً استباقيةً لإحكام سيطرتها على المشهد السياسي العربي، وتصفية الوجود العثماني بطريقة مدروسة ومنظمة. ومن أهم معاهدات الحماية البريطانية التي فُرضت في بداية الحرب العالمية الأولى معاهدة الحماية المصرية التي يُقرأ نصّها: "يعلن ناظر الخارجيَّة لدى جلالة ملك بريطانيا العظمى أنه بالنظر إلى حالة الحرب التي سبّبها عمل تركيا، قد وُضعت بلاد مصر تحت حماية جلالته، وأصبحت من الآن فصاعدًا من البلاد المشمولة بالحماية البريطانيَّة، وبذلك قد زالت سيادة تركيا على مصر، وستتخذ حكومة جلالته كلّ التدابير اللازمة للدفاع عن مصر وحماية أهلها ومصالحها". وفي أثناء الحرب طُرحت فكرة الحماية البريطانية على حاكم قطر آنذاك، الشيخ عبد الله بن جاسم آل ثاني (1913 - 1949)، وأفضت المفاوضات بين الطرفين إلى صوغ معاهدة الحماية البريطانية على قطر عام 1916، وبموجب ذلك أُلحقت قطر بركب إمارات الساحل المتصالحة والبحرين والكويت، وأمسى الخليج العربي "بحيرة بريطانية" صافيةً من الوجود العثماني، وحلقة وصلٍ مهمة تربط بريطانيا العظمى بممتلكاتها في شبه القارة الهندية وجنوب شرقي آسيا.
وفي ضوء هذه التوطئة، تحاول هذه الورقة البحثية أن تقدّم مقاربةً تحليليةً للمسوغات السياسية والأهداف الإستراتيجية لمعاهدة
الحماية البريطانية على قطر (1916 - 1971). وتفترض أنّ المسوغ الرئيس لتلك المعاهدة كان يتبلور في إتمام تصفية الوجود العثماني في قطر والخليج العربي؛ وأنَّ الهدف الإستراتيجي الأول كان يتجسّد في سيطرة بريطانيا الكاملة على منطقة الخليج العربي ومواردها الاقتصادية، بدليل أنّ حاكم قطر آنذاك وافق على نصوص المعاهدات المبرمة مع شيوخ إمارات الساحل المتصالحة مع بريطانيا، متعهدًا بقوله: ألتزم أنني "لا أقيم علاقات، أو أراسل، أو أستقبل مندوب أيّ دولة أخرى دون موافقة الحكومة البريطانية السامية [...] كما أنني بدون تلك الموافقة لن أمنح أيّ دولةٍ أخرى أو رعاياها أيّ أرضٍ سواءً عن طريق الإيجار، أو البيع، أو نقل الملكية، أو كهديةٍ، أو طريقةٍ أخرى كانت [...] كما أعلن أنني لن أمنح أحدًا حقّ صيد اللؤلؤ، أو أيّ امتيازاتٍ أو احتكاراتٍ أو حقوقٍ لمدّ أسلاكٍ بحرية إلى أيٍّ كان دون موافقة الحكومة البريطانية". وسنناقش هذه المسوغات والأهداف في سياقاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية التي أسهمت في تشكيل المشهد السياسي العام الذي أفضى إلى توقيع اتفاقية الحماية نفسها والنتائج التي تمخّضت عنها. ومن زاويةٍ أخرى تسعى الورقة إلى توضيح أوجه الشبه والاختلاف بين مدلول "الحماية البريطانية"، ومفهوم "الانتداب" والاتفاقيات السرية (سايكس بيكو، ووعد بلفور) التي أسهمت في تصفية النفوذ العثماني في الخليج، واقتسام العالم العربي مناطق نفوذ استعمارية بديلة.
الخلفية التاريخية للإستراتيجية البريطانية يف الخليج
بدأت عملية بسط النفوذ البريطاني في الخليج تأخذ شكلها المؤسسي برعاية شركة الهند الشرقية التي أسّستها مجموعة من
الرأسماليين البريطانيين الذين تربطهم مصالح تجارية بالحكومة البريطانية في نهاية عام 1600. وحاولت حكومة صاحب الجلالة أن تضمن حمايةً للشركة في الخليج، عندما دخلت في صراع مع البرتغاليين الذين كانوا يسيطرون على مقاليد التجارة في الخليج والبحر الأحمر والمحيط الهندي. ما أفضى إلى انسحاب البرتغاليين في النصف الأول من القرن السابع عشر الميلادي، مُفسحًا المجال لشركة الهند الشرقية لاحتكار تجارة الخليج، إلى حين ظهور الهولنديين بوصفهم منافسين جددًا للبريطانيين؛ إلا أنّ الهولنديين لم يصمدوا في وجه النفوذ البريطاني المتصاعد في الخليج. وواجه البريطانيون بعد خروجهم من الخليج التحدي الفرنسي الذي فرضته حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798، لكن بعد هزيمة هذه الحملة عام 1801، عزّزت بريطانيا نفوذها العسكري والتجاري في الخليج، وأحكمت سيطرتها تدريجيًا على المنافذ المؤدية إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي، مؤمّنةً خط سيرها إلى مستعمراتها في شبه القارة الهندية. وفي المدة 1820 - 1916، عقدت الحكومة البريطانية سلسلةً من الاتفاقيات والمعاهدات الثنائية والجماعية مع حُكَّام إمارات الخليج العربية، لتحقيق الأهداف الآتية:
أولً: خلق كينوناتٍ سياسية محلية، متصارعة مع نفسها ومتحالفة مع البريطانيين.
ثانيًا: بسط السيطرة البريطانية في الخليج لتقليص التنافس الإقليمي والدولي.
ثالثًا: الترويج لشعار مكافحة القرصنة، وتجارة الرقيق والأسلحة، بوصفه غطاء سياسيًا وأخلاقيًا لتبرير نشاطاتها التجارية في الخليج. وبناءً على هذه الأهداف، عقدت بريطانيا في كانون الثاني/ يناير 1820 اتفاقياتٍ مبدئيةً مع شيوخ ساحل عُمان (الشارقة،
وعجمان، ورأس الخيمة، ودبي، وأبوظبي، وجزيرة الحمراء، وأم القيوين، ورامس)، بصفة منفردة، ملزمةً إياهم بتسليم سفنهم وأبراجهم الحربية ومدافعهم شرطًا مسبقًا لتولي كلّ واحدٍ منهم مسؤولياته السياسية والإدارية في حكم إمارته، كما حدّدت حركة سفنهم التجارية في الخليج، ومنعتهم من التجارة في الرقيق والأسلحة. وبعد أن أقرَّت تلك المعاهدات الفردية الوجود السياسي لإمارات الخليج العربية، وضعت بريطانيا اتفاقيةً شاملةً لهذه الإمارات، أُطلق عليها اسم "معاهدة السلام العامة ". وفي العام نفسه، أبرمت بريطانيا معاهدةً مماثلةً مع حاكم البحرين، وأخرى مع سلطان مسقط عام 1822، هدف جميع تلك المعاهدات إلى المحافظة على السِلم العام في الخليج؛ لخلق مناخ ملائم لإنعاش التجارة البريطانية مستخدمة شعار مكافحة القرصنة وتجارة الرقيق والأسلحة. ومن جانب آخر، نلحظ أنّ تلك المعاهدات المشار إليها قد فوّضت الحكومة البريطانية بتعيين وكيلٍ عن العرب في المقيمية البريطانية في الخليج (بوشهر)، كما سمحت لممثل الحكومة البريطانية في الخليج، أو من ينوب عنه، بتفتيش سفن حكّام الإمارات العربية ورعاياهم، وفحص سجلاتها الرسمية لمعرفة طبيعة النشاطات التي تمارسها، وإذا أُدينت أيّ سفينة بممارسة التجارة في الرقيق أو الأسلحة أو القرصنة، يحق للسلطات البريطانية حجزها ومصادرتها. وعندما كثرت النزاعات الداخلية بين حكام الإمارات، لجأت بريطانيا إلى إبرام هدنة بحرية لمدة ستة أشهر في موسم صيد اللؤلؤ، وذلك في 21 آذار/ مارس 1825. وبمقتضى هذا الاتفاق تعهّد شيوخ الساحل "بأن يلتزموا بدفع التعويضات الناتجة من خرق رعاياهم هذه الهدنة، وأن يرفعوا شكواهم إلى السلطات البريطانية السياسية أو البحرية في حال وقوع اعتداء على رعاياهم". ثم جدّدت الحكومة البريطانية هذه الهدنة مرتين، صونًا للسلم الذي تعاهد عليه مشايخ الساحل المتصالح، وأخيرًا حوّلتها إلى هدنة سنوية عام 1838، وبموجب ذلك أطلقت على الإمارات المتعاقدة مصطلح "إمارات الساحل المتصالحة" بدلً من "إمارات ساحل القرصان". ودفع نجاح تلك السياسة اللورد هنري جون تمبل Temple John Henry، وزير الخارجية البريطانية آنذاك إلى القول: "إن مهمتنا في الخليج هي وضعه تحت سيطرتنا البحرية بعيدًا عن نفوذ أيّ دولة أخرى يمكن أن تنازعنا هذه السيطرة، ولكن بشرط ألّ تكلّفنا هذه السيطرة نفقاتٍ عالية "، وبعد ذلك أضحت هدنة عام 1838 تجدّد سنويًا، إلى أن حُوّلت هدنة عشرية خلال الفترة 1853 - 1943. وبعد نَفاد هذا القيد الزمني رُفِّعت إلى هدنة دائمة، نصّت مادتها الأولى: "أنه منذ هذا التاريخ 25 رجب 1269 ه الموافق 4 أيار/ مايو 1853 م، وصاعدًا، سيكون هناك وقف كامل للمنازعات في البحر بين رعايانا وأتباعنا، وأن هدنةً بحريةً كاملةً ستستمر بيننا وبين حلفائنا على التوالي إلى الأبد". وبناءً على هذه الهدنة أضحت الحكومة البريطانية مسؤولةً عن تسوية النزاعات التي تنشب بين الإمارات، ولها سلطة فرض العقوبات التي تراها ملائمة على المقوّضين للسلام، كما أنّها التزمت صدّ أي عدوان خارجي يهدد أمن المنطقة وسلامها المستدامَيْ. ويبدو أنّ هذه الخطوة شجّعت شيخ البحرين على أن يوقّع اتفاقيةً ثنائيةً مع الحكومة البريطانية عام 1866، تعهّد بموجبها "بأن يرفع أمر كلّ حالات العدوان التي قد تقع عليه أو على رعاياه إلى المقيم البريطاني، وأن يقبل تحكيمه فيها"، مقابل حصوله على حماية الحكومة البريطانية. وبناءً على هذه الاتفاقية تدخّلت بريطانيا في الصراع الذي نشب بين البحرين وقطر، ووقّعت مع شيخ قطر وزعماء عشائرها المتصارعة مع البحرين معاهدةً عام 1868، مانحةً قطر استقلالها عن البحرين، ومُنَصِّبةً الشيخ محمد بن ثاني حاكمًا عليها.
وفي عقد الثمانينيات من القرن التاسع عشر سعت بريطانيا إلى تحويل معاهدات السلم المشار إليها إلى اتفاقيات مانعة التدخل
الخارجي، بمعنى أنّها جعلت بريطانيا مشرفةً على شؤون إمارات الخليج العربية الخارجية، بما في ذلك صدّ العدوان الخارجي، وإدارة الشؤون التجارية والسياسية في الخليج. وفي ضوء الاتفاقيات والمعاهدات التي عُقدت في المدة 1880 - 1916، تنازل حكّام الإمارات العربية طوعًا أو كرهًا عن القضايا السيادية التالية:
أولً: عدم إقامة أيّ علاقات دبلوماسية أو قنصلية مع أي دولة أجنبية باستثناء بريطانيا.
ثانيًا: عدم عقد أيّ اتفاقيات أو معاهدات مع أيّ دول أجنبيةٍ خلاف بريطانيا.
ثالثًا: عدم التنازل عن أيّ أرض من أراضيهم عن طريق البيع أو الإيجار أو الرهن، أو أيّ وسيلة أخرى لأيّ دولة أجنبية أو غيرها
دون الحصول على موافقة بريطانيا.
رابعًا: عدم منح امتيازات النفط أو المعادن لأيّ حكومة أجنبية أو رعاياها دون موافقة الحكومة البريطانية.
قبل أن توقّع الحكومة البريطانية معاهدة حماية قطر عام 1916 أثناء الحرب العالمية الأولى، لجأت إلى تقليص النفوذ العثماني
في الخليج؛ بحيث عقدت سلسلةً من المفاوضات لمدة عامين (1911 - 1913) مع الأتراك العثمانيين، وأخيرًا توصَّلت إلى اتفاق -"أنجلوعثماني" في 29 تموز/ يوليو 1913، يقضي بترسيم الحدود السياسية للكويت والبحرين وقطر، وإنهاء سيادة العثمانيين في البحرين وقطر، واعترافهم للحكومة البريطانية بحفظ الأمن وتنظيم حركة الملاحة في الخليج، ومقابل ذلك يقرّ البريطانيون بسيادة العثمانيين الرمزية على الكويت، بشرط أن تعترف الحكومة العثمانية بسريان معاهدة الصداقة الإنكليزية-الكويتية لعام 1899 التي تعهّد بموجبها الشيخ مبارك الصباح (1896 - 1916) وورثته وخلفاؤه بعدم قبول وكيل أو ممثّل أيّ دولة أو حكومة في الكويت، أو في أيّ منطقة أخرى ضمن حدود إقليمه دون موافقة الحكومة البريطانية مسبقًا، كما التزموا عدم التنازل عن أيّ جزء من إقليمهم، أو بيعه أو إيجاره أو رهنه، أو إعطائه لغرض استثماري، أو لأيّ غرض آخر إلى حكومة أيّ دولة أو رعاياها، دون أخذ الموافقة المسبقة من الحكومة البريطانية. وبموجب هذا الاتفاق، كما يرى عبد العزيز عبد الغني إبراهيم، أُجبرت الحكومة العثمانية على التنازل "عن كافة ادّعاءاتها في شبه جزيرة قطر، واتفقت الحكومتان العثمانية والبريطانية على أن يؤول الحكم في شبه الجزيرة المذكورة إلى الشيخ جاسم بن ثاني ومن يخلفه". وأعلنت الحكومة البريطانية أنّها لن تسمح لشيخ البحرين بالتدخل في الشؤون الداخلية لقطر، أو الاعتداء على حكمها الذاتي المستقل.
وبهذه الكيفية انتقلت قطر إلى دائرة النفوذ البريطاني التي اتسعت في عهد الشيخ عبد الله بن قاسم (1913 - 1949) الذي كان
يواجه صراعًا أسريًا في السلطة، وتحديًا خارجيًا يقوده عبد العزيز آل سعود الذي كان يدّعي أنّ قطر امتداد لأراضي آبائه وأجداده. لذلك نلحظ أنّ سيطرة آل سعود على إقليم الأحساء عام 1913 مثّلت تحديًا رئيسًا للشيخ عبد الله بن قاسم دفعه إلى طلب الحماية البريطانية؛ لترسيخ قواعد حكمه في قطر. وفي ظل هذه الأوضاع السياسية اندلعت الحرب العالمية الأولى. وأعلنت الدولة العثمانية انضمامها إلى معسكر دول المحور. الأمر الذي حفَّز بريطانيا لإجلاء الحامية العثمانية عن قطر عام 1915، وعقد مؤتمر العقير (معاهدة دارين) مع ابن سعود في 26 كانون الأول/ ديسمبر 1915، معترفةً به حاكمًا مستقلً على نجد والأحساء والقطيف والجبيل وتوابعها، ومؤمّنةً حقّ ورثته في الحكم، كما تعهّد "ابن سعود متقفّيًا أثر آبائه، بأن يتحاشى الاعتداء على أقطار الكويت والبحرين ومشايخ قطر وسواحل عمان التي كانت تحت حماية الحكومة البريطانية، ولها تعهدات مع الحكومة المذكورة بأن لا يتدخل في شؤونها". وفي ضوء هاتين المعاهدتين، برز اتجاه قوي في أوساط الدوائر البريطانية الاستعمارية، يسعى إلى عقد معاهدة ثالثة مع حاكم قطر، متعللً بأنّ الحامية التركية في البدع قد صُفّيت، وأنّ اتفاقية دارين لعام 1915 قد قلّصت تطلعات آل سعود التوسعية في الإقليم. وبناءً على ذلك بدأت المفاوضات بين حاكم قطر والبريطانيين منتصف عام 1915، وأخيرًا انتهت بتوقيع الشيخ عبد الله بن قاسم آل ثاني والسير برسي كوكس المقيم السياسي في الخليج، اتفاقية الحماية البريطانية على قطر في تشرين الثاني/ نوفمبر 1916. وفي الفقرات التالية، نتطرق إلى بنود هذه المعاهدة والنتائج السياسية والاقتصادية التي ترتبت عليها.
معاهدة الحمية البريطانية عىل قطر عام 1916
بدأت المفاوضات بين بريطانيا وقطر بشأن معاهدة الحماية في منتصف عام 1915، وانتهت بالتوقيع الأوَلّي للشيخ عبد الله بن
قاسم آل ثاني عن قطر، والسير بيرسي كوكس Cox Percy المقيم السياسي في الخليج، عن بريطانيا، في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 1916. وبعد ذلك رُفعت المعاهدة إلى هلمسفورد Helmsford. C نائب الملك وحاكم عام الهند الذي صدّق عليها في 23 آذار/ مارس 1918. وتكوّنت المعاهدة من إحدى عشرة مادة، خُصّصت المادة الأولى منها لالتزام الشيخ عبد الله بن قاسم آل ثاني نصوص معاهدات مشايخ إمارات الساحل المتصالحة (أبوظبي، ودبي، والشارقة، والفجيرة، وعجمان، ورأس الخيمة، وأم القيوين) وشيوخ الكويت والبحرين. وتقضي بمنع تجارة الرقيق والسلاح، وأعمال القرصنة، والحفاظ على السلام البحري. وفي المواد الثانية والعاشرة والحادية عشرة تعهّدت بريطانيا بحماية قطر والدفاع عنها بحريًا، مع تقديم كل التسهيلات الممنوحة لمشايخ إمارات الساحل ورعاياهم وسفنهم. وفي المادة الثالثة تعهّد الشيخ بحظر استيراد الأسلحة وبيعها، بشرط أن تزوّده الحكومة البريطانية بالسلاح والذخيرة التي يحتاج إليها لحفظ الأمن والاستقرار في بلاده. وفي المادتين الرابعة والخامسة تعهّد الشيخ ب "ألّ يقيم أيّ علاقات مع أيّ دولة، أو يستقبل أيّ ممثلٍ لأيّ دولة إلا بموافقة الحكومة البريطانية"، كما أنه لا "يمنح أيّ أراضٍ لأيّ دولة سواءً كان ذلك بيعًا أو هبةً أو إجارةً [...] أو أيّ امتيازاتٍ في أراضيه دون موافقة الحكومة البريطانية". أما المواد السادسة والسابعة والثامنة والتاسعة فقد ارتبطت بمصالح بريطانيا الجمركية؛ بمعنى ألّ تتجاوز الرسوم الجمركية التي يفرضها الشيخ عبد الله على رعايا بريطانيا 5 في المئة وأن يسمح لرعايا بريطانيا (الهنود) بالإقامة في قطر لممارسة نشاطاتهم التجارية، ويوافق على تعيين معتمد بريطاني في الدوحة لإدارة شؤون الحكومة البريطانية ومصالحها ورعاياها، وعلى تأسيس مكتب للبريد والبرق في قطر. وقبل أن يوقِّع الشيخ عبد الله مسودة الاتفاق، تحفَّظ على تنفيذ المواد السابعة، والثامنة، والتاسعة، وطالب بتجميد تنفيذها في ذلك الوقت، محتجًا بأنّ أوضاع البلاد لا تسمح بإقامة رعايا بريطانيا (الهنود) داخل أراضيها لمزاولة التجارة وغيرها من النشاطات الاقتصادية، متعلّلً بأنّ إقامة الرعايا البريطانيين ربما تؤثّر سلبيًا في معاش الأهالي ونشاطاتهم التجارية، وأنَّ تعيين معتمد بريطاني في قطر ربما يفسح المجال للحكومة البريطانية بالتدخل في إدارة شؤونه الداخلية، كما أفاد بأنّ البلاد ليست في حاجة إلى خدمات البريد والبرق.
ويبدو أنّ الحكومة البريطانية تفهَّمت تحفظات الشيخ في ذلك الوقت؛ واستجابةً لذلك أصدر السير بيرسي كوكس خطابًا يقضي
بتجميد المواد الثلاث المشار إليها (7، و 8، و 9)، إلى حين أن تسمح الأوضاع الداخلية في قطر. وبناءً على ذلك الاستثناء الظرفي، وقَّع الشيخ عبد الله معاهدة الحماية في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 1916، إلا أنّ أوضاع الحرب العالمية الأولى أرجأت عملية تنفيذها على صعيد الواقع.
نلحظ أنَّ هذه المعاهدة قامت على مرتكز إستراتيجي ثابت، ومتغيرَين؛ يتجسد المرتكز الثابت في تعهد الشيخ عبد الله بعدم
إقامة أيّ علاقات، أو التنازل عن أيّ جزء من أراضيه لأيّ دولة أخرى، أو منح أيّ امتيازات لصيد اللؤلؤ، أو أيّ احتكارات أخرى إلا بموافقة الحكومة البريطانية. ويتمثل المتغير الأول بتعهّد الحكومة البريطانية بحماية قطر بحريًا، والمتغير الثاني في سعيها لتفعيل بنود معاهدة الحماية المجمّدة (7، و 8، و 9) التي تخدم مصالحها السياسية والاقتصادية في الخليج. لذلك مارس المقيم السياسي في الخليج سياسة "العصا والجزرة" مع الشيخ عبد الله، مستغلًالتحديات الداخلية التي أثارها المعارضون لخلافته والده الشيخ قاسم بن محمد آل ثاني، والتهديدات الخارجية التي ارتبطت بادّعاء ابن سعود بأنّ قطر امتداد طبيعي لأراضي آبائه وأجداده. وتجسّد هذا الاستغلال البريطاني في ربط تفعيل المتغير الأول (الحماية) بتنفيذ المتغير الثاني (البنود المجمدة)، علمًا بأنّ العملية المتبادلة تُسهم على المدى البعيد في تحقيق المرتكز الإستراتيجي الذي يعضد سيطرة بريطانيا السياسية والاقتصادية على قطر.
وظهرت بوادر هذه السياسة عندما طلب الشيخ عبد الله بن قاسم من آرثر بريسكوت تريفور Trevor Prescott Arthur المقيم
السياسي في الخليج (1920 - 1924) زيارته في الدوحة للتباحث في بعض القضايا السرية المهمة. وفور وصول تريفور إلى الدوحة في 6 أيار/ مايو 1921، طرح الشيخ عبد الله عليه الأسئلة المحورية التالية:
هل الحكومة البريطانية على استعداد لمساعدته في حالة حدوث إخلال بالأمن، ناتج من التحديات الداخلية أو التهديدات الخارجية
التي أشرنا إليها؟
ӵ هل يمكن أن تمنحه الحكومة البريطانية سلفةً ماليةً إذا طلب ذلك؟
ӵ هل الحكومة البريطانية على استعداد لمدّه ببندقيتين guns للمساعدة في تأمين الأمن الداخلي لقطر؟
فأجابه السير تريفور، بصفة شخصية، قائلً إنّه لا يتوقع أن تزوّد الحكومة البريطانية الشيخ عبد الله بالسلاح اللازم، أو تدافع
عنه بريًا، لكن يمكنها أن تتدخل دبلوماسيًا لمواجهة أيّ تهديدات من آل سعود؛ أي بمعنى آخر، لا يمكن أن تقدّم بريطانيا الحماية الكاملة لقطر إلّ بعد تفعيل بنود الحماية المجمدة. لكن للمحافظة على "شعرة معاوية" مع الشيخ عبد الله، وعده المقيم السياسي بكتابة تقرير إلى حكومة الهند؛ لمزيد من الاستفسار والإيضاح. وبالفعل أرسل تقريرًا إلى حكومة الهند في 13 أيار/ مايو 1921 التي وافقت بدورها على مقترح التدخل الدبلوماسي في حالة حدوث تهديد من آل سعود وصدّقت أيضًا على منح الشيخ عبد الله بندقيتين غير مستخدمتين مع كمية من الذخيرة الفارغة، بشرط أن يكون أداء الشيخ عبد الله بشأن منع الاتجار بالأسلحة في قطر مقنعًا ومطمئنًا لها.
وبالنسبة إلى عدم استقرار الوضع الأمني في قطر آنذاك، لم يُخطر الوكيل السياسي في البحرين الشيخ عبد الله بموقف حكومة
الهند. ويبدو أنّ هذا التجاهل دفع الشيخ عبد الله إلى السفر إلى البحرين في تشرين الثاني/ نوفمبر 1922، حيث التقى بالوكيل السياسي وتباحث معه في موقف الحكومة البريطانية تجاه القرى الثائرة في الساحل القطري التي ربما تحصل على دعم خارجي يعزّز معارضتها الشيخ، ومدى استعداد الحكومة البريطانية للاعتراف بابنه حمد وليًا للعهد. لم يعطِ الوكيل السياسي في البحرين إجابات قاطعة عن التساؤلات التي طرحها الشيخ عبد الله، بل رفع الأمر إلى حكومة الهند التي لم تغيّ من موقفها السابق بشأن التهديدات الخارجية؛ بدليل أنّها أمّنت على مبدأ التعاون الدبلوماسي والتدخل البحري المحدود إذا حدث تهديد للسلام البحري، فضلً عن أنّها رفضت الاعتراف بتعيين الشيخ حمد وليًا للعهد.
لكن موقف حكومة الهند المتحفّظ لم يمنع السير كوكس المندوب السامي في العراق آنذاك، من أن يؤكد في مؤتمر العقير
(2 كانون الأول/ ديسمبر 1922) استقلالية إمارة قطر عن نجد وفقًا للخط الحدودي الذي يمتد بين دوحة سلوى وخور العديد. ولاحقًا نصّت معاهدة جدّة لعام 1927 على أن "يتعهد صاحب الجلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها، بالمحافظة على علاقات الود والسلم مع الكويت والبحرين ومشايخ قطر والساحل العماني الذين لهم معاهدات خاصة مع حكومة صاحب الجلالة البريطانية". وفي شباط/ فبراير 1926، أصدر برايدكس Prideaux. B. F المقيم السياسي في الخليج (1924 - 1927)، خطابًا إلى وزير خارجية
حكومة الهند، موض حًا فيه أنّه قد التقى بالشيخ عبد الله بن قاسم آل ثاني في 9 كانون الثاني/ يناير 1926، وأنَّ الشيخ لا يزال متمسّكًا بتجميد المادة السابعة في اتفاقية الحماية البريطانية على قطر لعام 1916؛ لأنّه يخشى منافسة الهنود في تجارة اللؤلؤ، علمًا بأنّ الشيخ نفسه كان من كبار مصدّري اللؤلؤ إلى الهند آنذاك، ولكن المقيم السياسي أبان للشيخ عبد الله بأنّ التنقيب عن النفط والمعادن في قطر لا يتم إلّ بعد تفعيل المواد المجمدة (7، و 8، و 9) من اتفاقية الحماية. وبعد أسبوعين ونيف من تاريخ ذلك الخطاب، بعث الوكيل السياسي في البحرين برقيةً إلى المقيم السياسي في بوشهر، مخطرًا إياه بوصول السيد جورج مارتن ليز Lees Martin George والفريق الجيولوجي الممثل لشركة النفط الإنكليزية - الفارسية إلى البحرين، بِنيَّة الذهاب إلى قطر لإجراء مسوحات جيولوجية. وفي آذار/ مارس 1926 وصل السيد ليز وبرفقته السيد وليام صن Williamson. F. A الذي كان يعمل في شركة النفط الإنكليزية - الفارسية، وتربطه صداقة بالشيخ عبد الله بن قاسم، إلى قطر، حيث التقيا بالشيخ عبد الله وابنه الشيخ علي. وبعد إجراء المسوحات الاستكشافية الأولية طلبا من الشيخ عبد الله أن يكتب ترخيصًا لشركة النفط الإنكليزية - الفارسية لمتابعة أعمالها الجيولوجية في قطر. وبالفعل أصدر الشيخ عبد الله خطابًا معنونًا إلى السيد ليز والحاج وليام صن في 10 آذار/ مارس 1926، يفيدهما بموافقته على إجراء المسوحات الجيولوجية لمدة ثمانية عشر شهرًا (9 آذار/ مارس 1926 - 9 أيلول/ سبتمبر 1927)، شريطة أن تقدّم الشركة في نهاية الفترة المشار إليها مشروع اتفاقٍ يشمل التنقيب عن النفط في قطر، وإذا لم يوافق الشيخ على المشروع يحقُّ له التفاوض مع أيّ شركة أخرى ترغب في الحصول على امتياز نفط قطر. واستنادًا إلى هذا التفاهم أجرت الشركة بعض المسوحات الجيولوجية التي لم تكن نتائجها مشجعة، الأمر الذي أدى إلى تجميد المفاوضات بين الطرفين.
وفي مطلع الثلاثينيات، حصلت شركة نفط كاليفورنيا الأميركية California of Company Oil Standard على امتياز نفط
البحرين والسعودية، و 50 في المئة من امتياز نفط الكويت. ونتيجةً لذلك، واجهت الحكومة البريطانية انتقادات شديدة في لندن ونيودلهي؛ لأنّها لم تفلح في حماية المصالح البريطانية في الخليج. وإضافةً إلى ذلك، دفعت شركة النفط الإنكليزية - الفارسية إلى تبنّي سياسة ذات طابع "تجميدي"، كما يرى إبراهيم شهداد؛ بمعنى أنّها تميل إلى الاكتفاء بالرخص الاستكشافية المؤقتة والمسوحات الجيولوجية دون اتخاذ خطوات إيجابية تجاه استخراج النفط. ويبدو أنّ هذه الانتقادات شجّعت الحكومة البريطانية على مساندة شركة النفط الإنكليزية - الفارسية، ودعمها سياسيًا وتفاوضيًا للحصول على امتياز نفط إمارة قطر، دون استجابة لانتقادات الشركات الأميركية وعملائها في الخليج. وبناءً على ذلك حرّر مدير شركة النفط الإنكليزية - الفارسية خطابًا إلى المقيم السياسي في الخليج، بتاريخ 10 آذار/ مارس 1932، جاء فيه: "قبل سنوات مضت، تبادلنا الرسائل مع شيخ قطر الذي منحنا ترخيصًا حصريًا للتنقيب في أراضيه"، والآن ترغب الشركة في تجديد ذلك الترخيص. وبناءً على هذا الطلب، وقَّع الشيخ عبد الله بن قاسم وماليس Mylles. C. C الوكيل المفوض للشركة، عقدًا يقضي بتمديد الترخيص لمدة عامين (25 آب/ أغسطس 1932 - 25 آب/ أغسطس 1934)، للبحث عن النفط، والتزمت الشركة أن تدفع 1500 روبيةً شهريًا للشيخ عبد الله حتى نهاية التعاقد، وأثناء هذه الفترة لا يُسمح للشيخ عبد الله بمنح أيّ ترخيص لأيّ شركة بفحص الأرض أو التنقيب عن النفط والمعادن في قطر. وفي نهاية هذه الفترة، إذا استطاعت الشركة أن تقدّم اتفاقًا شاملً ومقنعًا للشيخ، يجوز لها مواصلة عملها في استخراج النفط، وفي حالة عدم الاتفاق، يحقُّ للشيخ عبد الله التعاقد مع أيّ شركة أخرى يراها ملائمة إذا حصل على موافقة الحكومة البريطانية.
ففي هذه الفترة الحرجة، ظهرت الشركة الشرقية العامة مرةً أخرى في المشهد التفاوضي؛ بحيث اتصل حسين يتيم بالشيخ
عبد الله بن قاسم في حزيران/ يونيو 1932، وطلب منه منح الشركة امتياز التنقيب عن النفط في قطر، إلا أنّ الشيخ عبد الله رفض الطلب، بحُكم العقد الذي وقّعه مع شركة النفط الإنكليزية - الفارسية. وفي نهاية عام 1933 أرسل حسين يتيم خطابًا آخر إلى صالح المانع عن طريق عبد الله الفردان يطلب منه التوسط بالشيخ عبد الله لمنح امتياز نفط قطر للشركة الشرقية العامة التي ستدفع 10 في المئة زيادةً على العرض المقدّم من شركة النفط الإنكليزية - الفارسية، إلا أنّ الشيخ عبد الله لم يستجب لطلبه؛ لأنّ فترة تعاقده مع شركة النفط الإنكليزية - الفارسية لم تنته بعد.
وفي شباط/ فبراير 1934 أرسل حاجي بن قاسم بن حاجي كاتب شركة الأحساء للنفط، خطابًا للشيخ عبد الله يفيد بأنّ شركة
الأحساء للنفط ستقدّم له عرضًا أفضل من العرض المقدّم من شركة النفط الإنكليزية - الفارسية. ويبدو أنّ هذه المحاولات المتكررة التي كانت تقف وراءها الشركات الأميركية العاملة في الخليج أثارت شكوك شركة النفط الإنكليزية - الفارسية، والمقيم السياسي في الخليج في أنّ الشيخ عبد الله له اتصالات بتلك الشركات الأميركية عن طريق العملاء المستفيدين منها، وكذلك الملك عبد العزيز بن سعود الذي كانت له أطماع توسعية في قطر.
وبناءً على هذه التكهنات، عقد الكولونيل فولي Fowle المقيم السياسي في الخليج، جلسة نقاش مع الشيخ عبد الله في قصره
في الريان في 11 آذار/ مارس 1934، حضرها الكولونيل لوش Loch الوكيل السياسي في البحرين، والشيخ علي بن عبد الله، والشيخ حمد بن عبد الله، وصالح المانع، بحيث ابتدر المقيم السياسي الحوار بسؤال عن طبيعة العلاقة بين الشيخ عبد الله وشركة النفط الإنكليزية - الفارسية، فأجابه الشيخ عبد الله بأنّه لم يكن راضيًا عن عرض التنقيب الذي قدّمته الشركة، وأنّ عقدها الاستكشافي سينقضي بعد ثلاثة أشهر. وبعد ذلك ربما يبحث الشيخ عبد الله عن أيّ شركةٍ تقدّم له عرضًا أفضل.
بيد أنّ المقيم السياسي أكّد مساندة الحكومة البريطانية لشركة النفط الإنكليزية - الفارسية، وأوضح للشيخ أنّ الحكومة البريطانية
لا توافق على الترخيص لأيّ شركة غير بريطانية للتنقيب عن النفط في قطر. فاحتج الشيخ عبد الله على هذا التقييد، وتساءل مستنكرًا: لماذا وافقت الحكومة البريطانية لشركات غير بريطانية على العمل في البحرين والمملكة العربية السعودية؟ وأيّد هذا الموقف ابنه الشيخ حمد الذي وصف امتيازات التنقيب بالعقود التجارية التي ينبغي أن تلبي تطلعات القطريين الاستثمارية في المقام الأول، وليس من الإنصاف أن تجبر الحكومة البريطانية الشيخ عبد الله على أن يتعاقد مع أيّ شركة لا تفي بهذه التطلعات.
ثم تدخّل الشيخ عبد الله قائلً: "إذا لم تتقدم شركة النفط الإنكليزية - الفارسية بعرض مُرْضٍ بحسب الاتفاق المبرم مع ممثلها
[...] وإذا لم تسمح لي الحكومة البريطانية بالتعاقد مع شركاتٍ أخرى، سأترك النفط في مكانه دون منحه لأي شركة". كما أبان الشيخ في حواره مع المقيم السياسي في الخليج أنّ إصرار الحكومة البريطانية على منح امتياز التنقيب عن النفط لشركة النفط الإنكليزية - الفارسية سيجعله أقل اطمئنانًا؛ لأنّ الحكومة البريطانية متحيزة للشركة، ويصعب أن تكون محايدةً إذا طُلب منها أن تفصل في أيّ نزاع ربما ينشأ بين الطرفين، لكن في نهاية الاجتماع أبدى الشيخ عبد الله نوعًا من المرونة والموافقة الأولية على التعاقد مع شركة النفط الإنكليزية - الفارسية، إذا قدّم ممثلها عرضًا أفضل. وبناءً على ذلك، وعد المقيم السياسي الشيخ عبد الله بمناقشة هذا الأمر مع حكومة الهند، بعد عودته من نيودلهي في 31 آذار/ مارس 1934.
وفي 23 آذار/ مارس 1934، أجاز المؤتمر الذي عقدته وزارة الخارجية البريطانية في لندن الحدود السياسية بين السعودية وقطر
التي حددتها المعاهدة الأنجلو - عثمانية عام 1913. وبموجب ذلك تمَّ إخطار المملكة العربية السعودية وشركة نفط كاليفورنيا Standard California of Company Oil العاملة في السعودية، وتأكيدًا لذلك أرسل الكولونيل فولي خطابًا للشيخ عبد الله جاء فيه:
"بالإشارة إلى المفاوضات الدائرة بينكم، والسيد مايلز التابع للشركة الإنكليزية - الفارسية، أرى من الواجب عليَّ أن أبيّ لكم أنه
من مصلحتكم منح الامتياز للشركة الإنكليزية - الفارسية التي لا يخفى عليكم أنّ لديها موارد كثيرةً وخبرةً واسعةً في مسائل النفط، ومن كل الوجوه لها كفاية تامة للقيام بالامتياز. وقد يتقدم آخرون بطلب امتيازٍ منكم لبيعه لفريق ثالث، وليس للقيام بالعمل بأنفسهم، ونتيجةً لذلك، قد لا تكون في صالحكم أو صالح رعاياكم، ولقد أوعزتُ إلى حكومة صاحب الجلالة بأن تعيد التأكيد لكم ما كنت قد أبلغتكم به أثناء اجتماعنا في 12 آذار/ مارس 1934 م؛ وهو أن حكومة صاحب الجلالة، عملً بالحقوق المخوّلة لها بمقتضى المادة الخامسة من معاهدتها معكم، لا يمكن أن توافق على أيّ امتيازٍ تمنحونه لأيّ شركة، ما لم يكن لبريطانيا أسهمٌ فيها".
واضح من نص هذا الخطاب أنّ المقيم السياسي في الخليج استخدم المادة الإستراتيجية في معاهدة الحماية لعام 1916 التي
تمنع الشيخ عبد الله من منح امتيازات النفط لأيّ شركة دون موافقة الحكومة البريطانية. فاحتج الشيخ على هذا التقييد، لكن دون جدوى؛ لأنّ الحكومة البريطانية كانت مصمّمةً على إبعاد الشركات الأميركية عن نفط قطر. وأصدق شاهد على ذلك الخطابات التي كانت متبادلةً بين المسؤولين البريطانيين، والتي ركّزت على أهمية قطر في الخريطة النفطية. وحثّت مسؤوليها في الخليج على عدم تجاهل أيّ خطوة تمكّن شركة النفط الإنكليزية - الفارسية من الحصول على امتياز نفط قطر.
وأثناء سير المفاوضات مع شركة النفط الإنكليزية - الفارسية، تلقّى الشيخ عبد الله بن قاسم تهديداتٍ غير مباشرة من ابن سعود؛
مفادها أنّ الحدود السياسية بين البلدين لم تكن معتمدة، ولذلك يجب إيقاف عمليات التنقيب في الأراضي المجاورة للمملكة العربية السعودية. دفعت هذه التهديدات الشيخ عبد الله إلى طلب الحماية البريطانية الشاملة برًا وبحرًا وجوًا. فوافقت حكومة صاحب الجلالة، بشرط أن يوافق الشيخ على تفعيل المواد (7، و 8، و 9) المجمّدة في معاهدة 1916، ويمنح شركة النفط الإنكليزية - الفارسية امتياز التنقيب عن النفط في قطر. وبناءً على ذلك، وقَّع الشيخ عبد الله مع مندوب شركة النفط الإنكليزية - الفارسية عقد اتفاقٍ جديد في 17 أيار/ مايو 1935، يقضي بمنح الشركة امتياز التنقيب عن النفط واستخراجه في قطر. وبعد أسبوع من ذلك التاريخ (أي 24 أيار/ مايو 1935) وافقت الحكومة البريطانية على تجديد معاهدة الحماية الشاملة لقطر ضد أيّ اعتداءٍ بري، أو بحري، أو جوي. كما اعترفت بالشيخ حمد بن عبد الله وليّ عهد لوالده. لكنّها أرجأت تأسيس مكتب للبريد والبرق، وتعيين وكيل سياسي في الدوحة لاعتراض الشيخ عبد الله.
وبعد تنازل الشيخ عبد الله لابنه الشيخ علي عام 1949، الذي وافق على تعيين جون ويلتون Wilton John أول وكيل سياسي
بريطاني في قطر، ليشرف على تصدير أول شحن للنفط من حقل دخان، ويدير أيضًا مصالح الإمبراطورية العظمى ورعاياها في قطر. وفي الإطار نفسه، وافق الشيخ علي بن عبد الله على إنشاء مكتب للبريد والبرق، يُسهم في تيسير الاتصالات الداخلية والخارجية المرتبطة باستثمارات النفط والعمليات المصاحبة لها.
وبهذه الكيفية حصلت شركة النفط الإنكليزية - الفارسية على امتياز مدته 75 عامًا، يمنحها حقّ التنقيب عن النفط، واستثماره
في منطقة مساحتها 4000 ميل مربع، مقابل 400 ألف روبية تُدفع مقدمًا للشيخ عبد الله، وإيجار سنوي قدره 150 ألف روبية يصل إلى 300 ألف روبية بعد مضيّ خمسة أعوام، ومبلغ قدره ثلاث روبيات عن كلّ طن من النفط يتم إنتاجه، وروبية وثلاث آنات عن طن الإسفلت والقار المعدني (الأوزوكيرايت)، وآنتان عن كل ألف قدم مكعب من الغاز الطبيعي. وتضمنت المفاوضات الاتفاق على أنّ الرعايا الأجانب المشمولين بالحماية البريطانية يخضعون لمحاكم مشتركة، وأنّ معاهدة الحماية عام 1916 يمكن تحويلها لتطبّق على خلفاء الشيخ وورثته. وضُمِّنت هذه البنود بصفة تفصيلية في الاتفاق الذي وضعه الشيخ عبد الله بن قاسم وتشارلز كلارك مايلز ممثل شركة النفط الإنكليزية - الفارسية، في 17 أيار/ مايو 1935.
السياسة الخارجية ومعاهدة الحمية لعام 1916
ارتبطت السياسة الخارجية لقطر في فترة الحماية البريطانية (1916 - 1971) بالمتغير الثاني الذي يهدف إلى تفعيل بنود معاهدة
الحماية المجمدة (7، و 8، و 9) التي وُضعت لخدمة مصالح بريطانيا السياسية والاقتصادية في قطر. ونتيجةً لرفض الشيخ عبد الله تعيين وكيل سياسي بريطاني في الدوحة، ظلت علاقات قطر الخارجية تُدار عن طريق الوكيل السياسي البريطاني في البحرين. وبعد تقاعد الشيخ عبد الله عام 1949، وافق ابنه الشيخ علي على تعيين جون ويلتون وكيلً سياسيًا بريطانيًا في الدوحة، وتمثّلت مهماته الرئيسة بإدارة الشؤون الخارجية والمصالح البريطانية في قطر. كما أشرف على المنازعات القضائية المتعلقة بالأوروبيين والهنود المقيمين في قطر. ولتسهيل مهماته الوظيفية، وافق الشيخ علي بن عبد الله على تأسيس مكتب للبريد والبرق، وفرعٍ لبنك الشرق في الدوحة لتسهيل المعاملات المالية. وفور وصوله إلى الدوحة، أسس ويلتون مقرًا لتنفيذ مهماته الإدارية والدبلوماسية، وفي الوقت نفسه تمَّ تعيين فيليب بلانت Plant Philip مستشارًا إداريًا لحاكم قطر، مع مجموعة من الخبراء والفنيين البريطانيين الذين شغلوا إدارات العديد من المرافق الحكومية الحيوية، مثل: الشرطة، والكهرباء والمياه، والأشغال العامة، والبريد والبرق، والصحة، والتعليم. وأصبح لهؤلاء الموظفين البريطانيين، تدريجيًا، نفوذ مؤثر في إدارة دواوين الحكومة، وتصريف شؤون الدولة الداخلية، إلى درجة أهّلتهم للنظر في تقسيم عائدات النفط، بنسبة 1 إلى 4، بين مخصصات الشيخ عبد الله وأفراد أسرته، ومصروفات الدولة وشؤون الحكم. ويبدو أنّ تدخّل ويلتون والذين خلفوه على المنصب ذاته، في إدارة الشؤون الداخلية، لم يكن نابعًا من اجتهادات شخصية، بل كان متوائمًا مع توجيهات وزارة الخارجية البريطانية التي يشير أحد تقاريرها إلى أنّ "مصالح حكومة جلالة ملك بريطانيا في قطر لا تتعلق بالشؤون الخارجية وحدها، بل تهتم بسائر المسائل الداخلية؛ لأنه لا يوجد خط فاصل بين العلاقات الخارجية والشؤون الداخلية". ولذلك جاء التطبيق الإداري ماسًا سيادة الدولة المرتبطة بتنظيم علاقاتها الخارجية، وإدارة شؤونها الداخلية المتعلقة بنظم الخدمة الديوانية وتصريف الشؤون الخدمية التي تحتاج إلى كوادر مؤهلة. ولم تكن قطر نشازًا في هذا الشأن، بل إنّ واقعها كان مشابهًا بقية دول الخليج التي خضعت للحماية البريطانية.
خاتمة
تؤكد المقدمات التي استندت إليها معاهدة الحماية لعام 1916 والنتائج التي تجسدت على أرض الواقع، أنَّ الحكومة البريطانية
استطاعت أن تستثمر مناخ الحرب العالمية الأولى بكفاية سياسية عالية؛ لتصفية النفوذ العثماني في الخليج ووادي النيل (مصر، والسودان)، وإحكام سيطرتها السياسية والاقتصادية في مناطق نفوذها في الشرق الأوسط. وبدأت هذه السياسة القائمة على الإقصاء والتمكين، بإعلان الحماية على مصر عام 1914، عندما عزل وزير الخارجية البريطانية الخديوي عباس حلمي باشا، وعين الأمير حسين كامل باشا سلطانًا على مصر، تحت حماية الإمبراطورية البريطانية. وبموجب ذلك أُسقطت السيادة العثمانية على مصر، وأضحت حكومة صاحب الجلالة مكلفةً باتخاذ "التدابير اللازمة للدفاع عن مصر وحماية أهلها ومصالحها". أما عام 1916 فقد كان عامًا مفصليًا في الإقليم، حيث أعلن الشريف حسين الثورة في الحجاز ضد العثمانيين. وشنَّت بريطانيا الحرب على السلطان علي دينار في دارفور. وبعد هزيمته ضمّت الإقليم إلى إدارة الحكم الإنكليزية - المصرية في السودان. كما أنّها شاركت في صوغ معاهدة سايكس بيكو السرية التي قسمت منطقة الهلال الخصيب وبلاد الشام بين بريطانيا وفرنسا. وفي السياق نفسه، تمَّ توقيع معاهدة الحماية البريطانية على قطر التي مثّلت خاتمة المعاهدات التي مهرها أمراء إمارات الخليج العربية مع الإمبراطورية العظمى آنذاك. أما تنفيذ المعاهدة فقد ارتبط بهدفٍ إستراتيجي ثابت، كما أشرنا من قبل، يرمي إلى استثمار موارد قطر الطبيعية لمصلحة بريطانيا. ولتحقيق هذا الهدف الإستراتيجي الثابت استطاع ممثلو الحكومة البريطانية في الخليج تحريك المتغير الأول (الحماية) والمتغير الثاني (البنود المجمدة في المعاهدة 7، و 8، و 9) بجدارة بحسب معطيات الواقع السياسي الإقليمي، ووفقًا لتطلعات لندن ونيودلهي الإستراتيجية في المنطقة.
إبراهيم، عبد العزيز عبد الغني. قطر الحديثة: قراءة في وثائق سنوات نشأة إمارة آل ثاني، 1840 - 1916. لندن: دار الساقي، 2013. سنو، عبد الرؤوف. "اتفاقيات بريطانيا ومعاهداتها مع إمارات الخليج العربية (1798 - 1961)". مجلة تاريخ العرب والعالم. الحلقات الشلق، أحمد زكريا. فصول في تاريخ قطر السياسي. الدوحة: مطابع الدوحة الحديثة المحدودة، 1999.
شهداد، إبراهيم محمد إبراهيم. تطور العلاقات بين شركات النفط ودول الخليج منذ عقود الامتياز الأولى حتى 1973 م. الدوحة: مطابع قطر الوطنية، 1985.
• A Collection of Treaties, Engagements and Sanads." IOR/L/PS/ 20 /G 3 / 12.
• "Arabian Policy toward Bin Saud." IOR/L/PS/ 10 / 390 / 1.
• Bahrain: General Treaty of the Cessation of Plunder and Percy. Microfilmed Document. IOR, NEG 31087.
• File 82 / 27 III (F 84) APOC: Qatar Oil [ 198 r] (397 / 638). British Library: India Office Records and Private
Papers. IOR/R/ 15 / 1 / 628. Qatar Digital Library. accessed on 17 September 2016 , at: http://bit.ly/ 2 n 9 lJsb
• Letter from Deputy Manager of the Anglo-Persian Oil Company (Abadan) to the Political Resident in the Gulf.
10 th March 1926. IOR/ 15 / 1 / 619.
• Letter from Political Agent in Bahrain to Sir H.V. Biscoe, Political Resident in the Persian Gulf. 4 th June 1932.
IOR/R/ 15 / 1 / 666.
• Letter from Political Resident in the Persian Gulf to His Majesty's Secretary of State for Colonies. 11 th June 1932.
IOR/R/ 15 / 1 / 666.
• Letter from Sheikh Abdullah bin Qasim to Mr. G.M. Lees and Hajj Williamson. 10 th March 1926. IOR/ 15 / 1 / 619.
• Letter from the Resident Director of the Anglo-Persian Oil Company to the Political Resident in the Gulf,
Bushire. 9 th April 1926. IOR/ 15 / 1 / 619.
• Lorimer, J.G. Gazetteer of the Persian Gulf, Oman and Central Arabia. vol. I, part IA. Shannon: Irish University Press, 1970.
• Oil concession granted by the Shaikh of Qatar to the Anglo-Persian Oil Company. 17 May 1935. IOR/L/PS/ 18 /B 444.
• Telegraph from the Political Agent in Bahrain to the Political Resident in the Gulf, Bushire. 22 February 1926.
IOR/R/ 15 / 1 / 626.
• Text of Treaty, date November 3 , and ratified on March 23 , 1918 , Between His Majesty's Government and Sheikh
Abdullah-bin Jasim-bin-Thani of al-Katar. IOR/L/PS/ 18 /B 429.
• Trucial State: General Treaty of the Cessation of Plunder and Percy. Microfilmed Document. IOR, NEG 31087.
• Tuson, Penelope. Records of Qatar, Primary Documents, 1821 - 19 60. London: Archive Editions, 1991.
عصام نصار Issam Nassar |
التاريخ والقومية: إشكالية كتابة تاريخ للهوية الفلسطينية
لقد أصبحت الكتابة التاريخية في عصر القوميات القاعدة الأساسية التي تدّعي عبرها الحركات القومية والدول شرعيتها
التاريخية. وبالنظر إلى أنّ دراسة التاريخ كانت عاملً أساسيًا في فهم نشوء الحركات القومية، فإنّها أصبحت أيضًا إشكاليةً؛ لكونها تبرر القومية وتختلق نصًّا تاريخيًّا لها يُمجدها ويجعلها جوهر الحراك التاريخي وهدفه النهائي؛ على نحوٍ يذكرنا بوصف هيغل للدولة القومية، بوصفها نهاية التاريخ أو مرحلة تحقيق العقل/ الروح لوعيها الذاتي. فالأمّة والحركة القومية في الخطاب التاريخي القومي هي "المسيح المنتظر" الذي يعطي للتاريخ معناه وهدفه. وهي، على غرار "المسيح المنتظر" لدى والتر بنيامين، تظهر ما هو مهمّ تاريخيًا في سياق الزمن المسيحاني، وما هو غير مهمّ؛ ومن ثمّ فإنّ المطلوب إسقاطه من النص التاريخي.
وإذا كانت الكتابة التاريخية قد أمست جزءًا مهمًا من مشروع الأمّة ذاته عبر تزوديها له بمشروعيته التاريخية، فإنّ ذلك لا يعني
أنّ التاريخ القومي هو بالضرورة التاريخ (الحقيقي) للأمّة، بقدر ما يعني أنّ الأمم في حاجة إلى اختراع وتجبير وخلق لتواريخها الخاصة التي تظهرها مثل جسد تاريخي ذي جذور تعود إلى بداية التاريخ المكتوب، بدلً من أن تكون كيانات حديثة الولادة ضمن أوضاع تاريخية محددة كثيرًا ما تتسم بصدفيتها. فالأمّة والدولة القومية ليست إلا تطورًا حديثًا يرتبط، أساسًا، بالمرحلة الرأسمالية وبنشأة الطباعة السلعية، كما ذكر بندكت أندرسن. وهي بذلك جسد لم يكن معروفًا في المراحل التاريخية التي سبقت القرنين الماضيين على أحسن تقدير. وهذا يعني أنّ مسألة دراسة تكوّن هوية قومية محددة وتطورها ليست بالأمر الذي لا يتعدى البحث عن الجذور التاريخية للأمّة، بقدر ما هي تمرين أكاديمي (في التيليولوجيا التاريخية). فهي عملية تبدأ من نهاية مفترضة مستندة إلى بحث لا ينتقي إلّ الأحداث التاريخية التي ستقوده إلى هذه النهاية المفترضة للتاريخ. لذا، ليس من الغريب أن نجد أمامنا عددًا من النصوص السردية المختلفة لتطور كل أمّة. وعلى الرغم من اتفاق المؤرخين على النهاية، فإنّهم قلّما يتفقون على ما سبقها. فكل سرد تاريخي للأمّة يستند إلى ما اختاره المؤرخ كنقطة بداية، وكأحداث يجب إدراجها في السياق. وبطبيعة الحال، لا يمكن افتراض أنّنا إزاء مسألة تتعلق باختيار واعٍ من جانب المؤرخ بقدر ما نحن أمام عملية تتشابك فيها المصالح مع الأيديولوجيا، ومع بنية المعرفة والمخيلة التاريخية التي تؤثر في المؤرخ ذاته.
تُشكّل دراسة تاريخ الهوية القومية الفلسطينية - بما هي هوية لم يُتح لها المجال لتحقيق ذاتها عبر دولتها القومية - مثالً ساطعًا
دالًّ على تعدّد السردية التاريخية؛ نتيجةً لتعدد المخيلات التاريخية التي تؤثّر في كتابة هذا التاريخ. ونتيجةً للخصوصية الفلسطينية، فإنّ النتائج المترتبة على مثل هذه التعددية السردية عظيمة؛ ذلك أنّ الفلسطينيين يشكلون جماعةً وطنية - قوميةً كثيرًا ما يُنظر إلى وجودها بعين الريبة والتشكيك. ومثل هذا التشكيك ليس على علاقة بالنفي الصهيوني- أو حتى بالتجاهل العام - لوجود الفلسطينيين كجماعة قومية فحسب، بل هو أيضًا نتيجة لتاريخ تناقضات الخطاب الفلسطيني نفسه والتناقضات التي أنتجته. فهذا الخطاب برز عبر تطورات تاريخية لم تكن تدفع، في أغلب الأحيان، في اتجاه بروزه كتيار قومي خاص. ويشير تاريخ بروز الخطاب الفلسطيني إلى أنّ تحديات وتناقضات مختلفةً ومتناقضةً، في آنٍ واحدٍ، أدّت إلى خلقه، وإلى تشكيل حالة من عدم الوضوح الفلسطيني حول طبيعة هذا الخطاب وماهيته. وعلى سبيل المثال لا الحصر، لنأخذ الخطاب الفلسطيني في الستينيات؛ فهو - كما تشير الأدلة النصية – قد كان، أساسًا، خطابًا عروبيَّ النزعة، مستندًا إلى إيمانه بوجود أمّة عربية واحدة، لكننا نجد أنّ هذا الخطاب نفسه، في سياق تصديه للخطاب الصهيوني المرتكز على فكرة عدم وجود فلسطينيين، وعلى أنّهم جزء من بقية العرب الذين عليهم استيعابهم، كان عليه الدفاع عن خصوصيته عبر تأكيد رفض التشابهية العربية التي يطرحها الخطاب الصهيوني، والتي لا تختلف جذريًا - في جوهرها - عن الموقف العروبي السابق ذكره.
على كلّ حال، نحن الآن نعيش مرحلةً تجاوز فيها الخطاب الفلسطيني - ومعه الخطابات العربية الأخرى - مأزق الستينيات.
فخلافًا لأوضاع الستينيات، تشير الأوضاع السياسية الراهنة إلى فشل الخطاب القومي العربي لمصلحة "الدولة القطرية العربية"؛ إذ أصبحت الهويات العربية المختلفة أمرًا مقبولً حتى لدى أشدّ دعاة القومية العربية حماسةً. وكذلك الأمر على المستوى الفلسطيني؛ فنحن الآن نعيش مرحلةً سياسيةً فيها قبول عامّ بفكرة مفادها أنّ الفلسطينيين شعبٌ. فالخصوصية الفلسطينية اليوم هي تقريبًا محطّ إجماع واعتراف دولي، وحتى إسرائيلي. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ هذه التطورات سياسيةٌ أساسًا، كما أنّها ترتبط بتطورات سياسية محددة. فالإقرار بوجود هوية جماعية فلسطينية لا يعني الاتفاق على كيفية بروزها، أو على تاريخها، أو تطورها، أو فحواها، أو حدود شموليتها.
إنّ دراسة كتابة تاريخ الهوية الفلسطينية وتحليلها هي، اليوم، مسألة ذات أهمية قصوى بالنسبة إلى الفلسطينيين أنفسهم،
وليس ذلك لأنها ضرورية في العملية التفاوضية، بل لأنها ترتبط بكيفية رؤيتهم لمستقبلهم ولذاتهم ولحدودهم كجماعة سياسية وطنية؛ عبر قراءتهم لماضيهم ورؤيتهم له. فالأفكار والمخيلات التاريخية ليست مجرد أوهامٍ، كما أنها ليست بالضرورة صورًا عن الواقع، بل هي، أساسًا، طرق معرفية لفهم الواقع والتعامل معه. فالفكرة عندما تصبح هوية - فرديةً كانت أو جماعيةً – تصبح ال "نظارة" التي يرى الفرد العالم من خلالها. وهي كما يقول علي حرب "تمسي حاجزًا يتمترس وراءه صاحبها أو المؤمن بها [...] على نحو أصولي، أو شمولي أو عنصري أو فاشي".
والمتمعّن في ما كتبه دارسو تاريخ فلسطين، يجد أنّ مسألة الهوية الوطنية - القومية لم تُدرس على نحوٍ كافٍ من قبل أغلبية
الباحثين. وفي الوقت ذاته، تدلّ الدراسات القليلة التي تشير إلى هذا الموضوع، في أحسن الأحوال، على خلاف الباحثين في تاريخ الفلسطينيين ونشأتهم، بوصفهم شعبًا. كما أنها تدل، في أسوأ الأحوال، على عدم وضوحٍ وضبابيةٍ بحثيةٍ. فهناك العديد من الاتجاهات المختلفة في النظر إلى الهوية الفلسطينية التي تراوح ما بين النفي التامّ لوجودها، أو الإصرار على وجودٍ تاريخي طويل يعود إلى جذور كنعانية لهذه الهوية. وما بين طرفَ هذين النقيضين نجد مؤرخين إسرائيليين يرون أنّ الهوية الفلسطينية ردّة فعل على الوجود الصهيوني، وذات نشأة حديثة ترجع إلى أعوام الستينيات. فالمؤرخ الإسرائيلي باروخ كمرلنغ قد ذكر في دراسته المشتركة مع الباحث جول ميغدال أنّه "لولا الضغط الذي مورس على عرب فلسطين من قبل الحركة الصهيونية، لكان مفهوم الشعب الفلسطيني ذاته لم يتطور". بمعنى آخر، فإنّ الحركة الصهيونية - بحسب هذه النظرة - لم تنجح في تأسيس جماعة قومية واحدة فحسب، بل نجحت في تأسيس قوميّتين، وإن كانت الثانية بكيفية غير مقصودة. وعلى غرار كمرلنغ وميغدال، هناك مؤرخون فلسطينيون أيضًا يرون في نشأة الهوية الفلسطينية عمليةً تاريخيةً حديثةً تعود إلى مرحلة الانتداب البريطاني والهجرة الصهيونية إلى فلسطين. وفي كلتا الحالتين يستند الباحثون إلى دراسة تطور المؤسسة السياسية أو الحركة الوطنية الفلسطينية، من دون الأخذ في الحسبان الكيفية التي رأى فيها الفلسطينيون أنفسهم خلال كلّ هذه المراحل المختلفة من بروزهم؛ بوصفهم شعبًا مستقلً عن جيرانه من الشعوب الأخرى.
نقطة انطلاق هذه الملاحظات هي القناعة التامة بأنّ الأمم ليست كيانات أزليةً لانهائيةً كما يصورها المفكرون القوميون، بل
إنّ الأمّة (أو الشعب)، كجماعة هي – أساسًا - جسدٌ سياسي متخيل يتمّ إنتاجها في ظروف زمكانية محددة. وليست عملية إنتاج الأمّة - المخيلة مسألةً اقتصاديةً سياسية فحسب، بل هي، إلى حدّ بعيد، عملية ثقافية بلاغية. وبهذا المعني، فإنّ كتابة تاريخها يجب ألّ تستند إلى التطورات السياسية التي تنتج الأمّة/ الشعب فحسب، بل ينبغي أن تستند، أيضًا، إلى الخطاب الذي يتمّ من خلاله إنتاج الأمّة وصياغتها، وإلى التاريخ الذي يتمّ توظيفه في عملية الإنتاج. بهذا المعنى، فإنّ دراسة بروز الفلسطينيين بوصفهم شعبًا - بحسب رأيي - يجب ألّ يُنظر إليها من خلال تطور مؤسساتهم السياسية فقط. فإضافةً إلى ذلك، ينبغي النظر إليها عبر دراسة نمط الخطاب والمخيلة الفلسطينية والمؤثرات التاريخية التي أدّت دورًا في صياغة الوعي الفلسطيني والولاء الفلسطيني للجماعة، والكيفية التي تمّت فيها تحديد حدود هذه الجماعة.
أدرك أنّ تحديد النقاش بالوعي والخطاب له أبعاد خطِرة. فكثيرون يرون وعي الفلسطينيين لفلسطينيتهم على أنّه "وعي زائف"
Consciousness False، وهذه هي إحدى الإشكاليات السياسية التي تعترض، أحيانًا، طريق دراسة تطور الهوية الفلسطينية وبروزها تاريخيًا. لكنها مسألة لا يجوز إهمالها إنْ كنّا جدّيين - بالمعنى الأكاديمي - في نيتنا لدراسة الهوية تاريخيًا. وهي أيضًا نقطة مهمّة إذا ما أخذنا في الحسبان أهمية الوعي وأثره في الواقع، وأثر الواقع في الوعي. فالوعي الذاتي لا يرتبط بكيفية تخيّل الذات فحسب، بل إنّه يرتبط أيضًا بكيفية تصور الآخرين وتصويرهم لنا، وبكيفية تعاملنا معهم وتعاملهم معنا.
من الصعوبات التي تواجه دارسي تاريخ الهوية الفلسطينية مسألة تشابك التاريخ الفلسطيني الحديث وتطور الهوية الوطنية
مع تاريخ هويات إقليمية أخرى وتطورها؛ بما في ذلك مسألة استثناء الفلسطينيين من هذه الهويات الأخرى من قِبل أصحابها من الجماعات الوطنية - القومية الأخرى، والتي تحمل عن ذاتها تصورات تاريخيةً ونصوصًا تاريخيةً تفسّ تطورها التاريخي. وهذا تحديدًا ما يجعل دراسة الهوية الفلسطينية، استنادًا إلى نصوصها الخاصة، مسألةً صعبةً. ومرجع ذلك أنّ النص الفلسطيني نفسه لم يتكون على نحوٍ مستقل، بل إنّه نص يضطر إلى الاعتماد على نصوص تاريخية تخص شعوب المنطقة الأخرى والاستعانة بها. وهذه النصوص غالبًا ما نجد أنها تستند إلى القضايا التاريخية نفسها التي يستند، أو يحاول أن يستند، إليها النص التاريخي الفلسطيني ورؤية الفلسطينيين لذاتهم ولتاريخهم. فعلى سبيل المثال لا الحصر، هل يمكن لأحد أن يدّعيَ أنّ مرحلة النهضة العربية في نهاية القرن التاسع عشر، أو مرحلة بروز الفكر القومي العربي على المستوى السياسي خلال الحرب العالمية الأولى، ملكٌ للتاريخ اللبناني أو التاريخ الفلسطيني فقط؟ وهل يمكن القول إنّ التاريخَ اليهودي في فلسطين أمرٌ مرتبط بالتاريخ الإسرائيلي، وليس جزءًا من تاريخ الفلسطينيين أنفسهم؟ ألا نجد صدى هذه القضايا التاريخية في العديد من النصوص التاريخية لعدّة جماعات في منطقتنا؟ إنّ هذا التشابك، في أغلب الأحيان، والتعارض في الكثير من الأحيان، ما بين النص التاريخي الفلسطيني والنصوص التاريخية الأخرى، يُعدّان من الإشكاليات الرئيسة التي تواجه دارسي التاريخ الفلسطيني والهوية الفلسطينية اليوم. هذه الهوية التي كثيرًا ما يُفسّ تطورها استنادًا إلى المعاني المنتجة في النصوص الأخرى، وهي التي كثيرًا ما تتجاهل الفلسطيني ذاته. بهذا المعنى، فإنّ المؤرخ الفلسطيني، يجد أنّ عليه في أغلب الأحيان مسؤولية استرجاع تلك الأجزاء من الذاكرة الفلسطينية التي تمّ استعمارها من قبل الخطابات التاريخية المنافسة. وتحديد التاريخ الحديث للفلسطينيين، وكيفية فصله عن مرادفه الإسرائيلي وعن الإطار الأوسع للتاريخ العربي، أو عن تاريخ الأقطار المجاورة لفلسطين، إشكاليةٌ كبرى تواجه الدارسين عمومًا. وإذا كان عدم استقلال التاريخ الفلسطيني يشكّل أزمةً للدارسين، فإنّ الحاجة المستمرة إلى تحاشي محاولات خلقِ نصٍّ فلسطيني مستقل تمامًا تشكّل أزمةً على المستوى نفسه؛ وذلك لأنّ تمايز هوية الفلسطينيين الوطنية عن هويات جيرانهم المختلفة لا يعني أنّ فهْم هويتهم وتمايزها أمرٌ ممكن خارج إطار سلسلةٍ من تواريخ، هي ليست تاريخهم بالمعنى المحض للكلمة. فخصوصية النكبة الفلسطينية عام 1948، مثلً، مسألة تربط النص الفلسطيني بمرادفه الإسرائيلي؛ سواء رضي الطرفان بذلك أو لم يرضيَا. وبناءً على ذلك، فإنّ أزمة فهْم الهوية الفلسطينية تكمن في ضرورة فهم صعوبة أن يكون الفلسطينيون جزءًا من أيّ هوية من هويات الشعوب الوطنية المجاورة.
قد تكون مثل هذه الأزمة (عدم إدراك الترابط بين التاريخ الفلسطيني والتواريخ المنافسة) هي ما أدى ببعضهم إلى عدّ الهوية
الفلسطينية هويةً حديثة الولادة، وذات جذور لا تعود إلّ إلى بداية كتابة تاريخ وطني فلسطيني خاص، وإلى بداية النشاط السياسي الوطني الحديث منذ الستينيات. وتشير مثل هذه الرؤية إلى إشكالية أخرى تواجه الدارسين، كثيرًا ما تفضي بهم إلى تبسيط الأمور؛ وذلك عبر الاقتصار على البحث في التاريخ السياسي للمنطقة، والنظر إلى تطور الهوية الفلسطينية من خلاله. وهذا الأمر بحسب رأيي، يعطي انطباعات مشوهةً عن السرد التاريخي الفلسطيني، وعن الأصول المعقدة التشعب للهوية الفلسطينية. فاعتماد الآثار - المهمّة من دون شك - للتيارات الفكرية المهيمنة في الشرق الأوسط؛ مثل القومية العربية أو الإسلامية، أو الاقتصار على النظر إلى فرض التقسيمات الغربية على المنطقة، أو إلى أثر الحركة الصهيونية في مسألة تطور بروز الهوية الفلسطينية وشكلها، قد يشير إلى قضايا مهمّة لكنه لا يستغرق الموضوعَ كلَّه. وجميع العوامل المذكورة آنفًا ذات أثر عامّ في عملية إنتاج الهوية الفلسطينية، لكنها لا تفسر مسألة الأدلة والإشارات العديدة التي تقترح على الباحث أنّ عددًا من مثقفي المدن في فلسطين - أو المشرق العربي عمومًا - قد بدؤوا يتخيّلون فلسطين كوحدة سياسية متميزة، منذ فترات تسبق التقسيم الاستعماري والاستيطان اليهودي المكثف بسنوات، وإن لم يكن مثل هذا التخيل مصحوبًا بوعي قومي فلسطيني خاص. فالكاتب نجيب عازوري طرح، في عام 1908، فكرة توسيع سنجق القدس ليشمل فلسطين الشمالية، معللً ذلك بأنه ضروري لتطور أرض فلسطين. ولا يتطابق مثل هذا التصور لحدود فلسطين مع حدودها الانتدابية لاحقًا فحسب، بل يتطابق أيضًا مع الحدود التي رسمها المؤتمر العربي الفلسطيني الأول المنعقد في القدس في 3 شباط/ فبراير 1919. ففي برقية الاحتجاج التي أرسلها المؤتمر إلى مؤتمر السلم العامّ، كتب المؤتمرون أنهم يمثلون "جميع سكان فلسطين المؤلفة من مناطق القدس ونابلس وعكا العربية من مسلمين ومسيحيين". كما تتحدث مذكرة الاحتجاج المرسلة من الجمعية الإسلامية المسيحية في يافا، أيضًا، إلى الجنرال اللنبي في عام 1918 باسم "العربي الفلسطيني".
إنّ مجرد بروز فكرة أرض فلسطين ذات حدود معرّفة وشبيهة بالحدود التي اعتمدها الانتداب البريطاني لاحقًا، يدل على أنّ
فكرة تمايز فلسطين عمّا يجاورها كانت متداولةً في بعض الأوساط. وهذه الفكرة مقبولة من بعض المؤرخين الذين يرون أنّ التخيل الفلسطيني لحدود الجماعة القومية، هو، نتاج لاحقٌ لأوضاع برزت في القرن التاسع عشر، لكنهم لا يتفقون على التفاصيل. فهناك من يقول (رشيد الخالدي على سبيل المثال) إنّ موقع مدينة القدس المركزي في المخيلة الشعبية للسكان المسلمين والمسيحيين واليهود، على حدّ سواء، قد جعل منها رمزًا لكل الأماكن الأخرى في فلسطين، وحوّل زيارتها إلى جزء مهمّ من التعريف الديني لسكان فلسطين. وكثيرًا ما يشير أصحاب هذا الموقف، أيضًا، إلى أهمية موقع القدس الإداري في حياة سكان المنطقة ابتداءً من القرن الماضي، حتى اليوم. فالقدس كانت العاصمة الإدارية والسياسية لكل المناطق القريبة، وتحديدًا في مرحلة ما بعد عام 1874، حين أصبحت عاصمةً لسنجق مستقل يحمل اسمها ويرسل مندوبين عنه إلى البرلمان العثماني. وفي المرحلة اللاحقة أدّت دورًا مهمًّا كمركز ثقافي وفكري وصحافي للعديد من مدن فلسطين.
في الجانب الآخر، نجد أنّ هناك مؤرخين يرون أن تكوّن اقتصاديات، وعلاقات تجارية خاصة بالمنطقة مصحوبًا ببروز مراكز
تجارية مدينية مهمّة، تجذب القرى والبلدان المحيطة نحوها، هو العامل الرئيس الذي مهّد لتطور وعي سياسي بخصوصية فلسطينية. وضمن هؤلاء نجد أنّ بشارة دوماني الذي يصُرّ على أنّ نابلس قد كانت المركز التجاري المهمّ في القرن التاسع عشر، وصاحبة العلاقة الرئيسة بالتجارة الداخلية المرتبطة بالمدن السورية المختلفة، وتحديدًا دمشق. وبحسب دوماني، فإنّ هذا الأمر هو الذي جعل منطقة جبل نابلس المركز الحقيقي لفلسطين. وفي المقابل، يفيدنا ألكسندر شولش بتصور مختلف عن دوماني؛ فهو يزودنا بالإحصائيات التي تدلّ على أنّ مرفأ يافا كان نافذةً لفلسطين على العالم، فمنه صدّرت فلسطين إلى أوروبا عدّة بضائع واستوردت منها بضائعها المختلفة، مقترحًا بذلك دورًا مركزيًا مهمًّا ليافا في بلورة معنى مستقل لفلسطين. ومن جهة أخرى، ثمّة من يشير إلى أهمية الوعي الأوروبي بالنسبة إلى المنطقة عمومًا - وفلسطين بوصفها أرضًا مقدسة خصوصًا – على غرار ما عبّ عنه الرحالة والمبشرون وعلماء الآثار وعلماء الدين الأوروبيون في القرن التاسع عشر، في تبلور بدايات إدراك محلّ بخصوصية فلسطين ووحدتها الجغرافية، وإنْ لم يتمّ تحديد حدودها تحديدًا واضحًا ودقيقًا.
كلّ هذه المواقف التاريخية لا ترى، بالضرورة، أنّ وعيًا فلسطينيًا قد كان سائدًا لدى عموم سكان فلسطين، بقدر ما تشير إلى
مقدمات مادية لِمَا آلت إليه الأمور في النهاية. بل إنّ هناك شبهَ إجماعٍ على أنّ وعيَ السكان لم يكن دومًا إقليميَّ النزعة، بقدر ما كان متعدد الانتماءات والولاءات. فالهوية العثمانية والعربية، والهويات القبلية والدينية المختلفة، تعايشت كلّها معًا بالنسبة إلى أعيان المدن وسكان الأرياف - الذين حملوا هويات محليةً أساسًا - في أواخر العهد العثماني. إلا أنّ مثل هذه التعددية لم تعكس حالة تناقض بالضرورة. فالولاء للعثمانيين لم يَعْنِ عدم الافتخار بالتراث العربي، أو عدم الدفاع عن فلسطين في وجه الأطماع الأجنبية. وسيبقى هذا التعايش في الولاءات ملازمًا للخطاب الفلسطيني، وسيصبح لاحقًا جزءًا من سمات الهوية الفلسطينية.
ربما يكون مكمن الأزمة الرئيس لدى الباحثين الفلسطينيين؛ ذلك أنّ تاريخ الوعي الفلسطيني للذات لم يتميز بكونه متصاعدًا
زمنيًا Chronological، بقدر ما تميّز بالمراوحة ما بين عددٍ من الانتماءات والولاءات التاريخية. فأحيانًا يجد الباحث في الحدث نفسه دلالةً على خصوصية فلسطينية، وفي الوقت ذاته، إصرارًا على انتماء قومي أوسع من حدود فلسطين. وهذه التعددية جليّةٌ في الفترة الانتدابية، كما هي جلية في فترة الخمسينات والستينيات. فعلى سبيل المثال، نجد أنّ المؤتمر الذي عُقد في القدس عام 1919 يسمّي نفسه "المؤتمر العربي الفلسطيني"، ونجد أنّ المذكرة المرسلة من المؤتمر تشير إلى ضرورة استقلال فلسطين والحفاظ على وحدتها، مؤكدةً في الوقت ذاته أنّ فلسطين جزء من أجزاء سوريا العربية. والأمر نفسه كذلك في الخمسينيات والستينيات. فإذا ما نظرنا إلى برنامج إحدى الحركات الفلسطينية السياسية - حركة القوميين العرب – وقارنّا إيّاه بعضويتها وطبيعة نشاطها، فسنجد أنّ النشاط الفلسطيني، المعني أساسًا بتحرير فلسطين من الحركة الصهيونية، قد عبّ عن ذاته بلغة القومية العربية.
أخذت الهجرة اليهودية إلى فلسطين في أداء الدور الأكبر، إلى جانب التقسيم الاستعماري للمنطقة المستند إلى اتفاقية سايكس - بيكو،
في تحولات الخطاب القومي الفلسطيني الذي بدأ يأخذ، نتيجةً لذلك، منحى جديدًا، وبدأت تظهر له سمات جديدة. فنظرًا إلى طبيعة الاستيطان اليهودي الذي كان يهدف، أساسًا، إلى بناء مستعمرات زراعية، فإنّ التصادم الفلسطيني مع المشروع الصهيوني ابتدأ في الأرياف، وليس في المدن، وهو ما أنتج أحد أهمّ مكونات الهوية الفلسطينية لاحقًا وإحدى إشكالياتها في الوقت نفسه. فالهوية التي بدأت معالمها في التشكل آنذاك ستحمل سمات الحركة الفلاحية أساسًا، على الرغم من ولائها السياسي والديني للقدس؛ أي المدينة. وهذه الميزة الفلاحية ستبقى جزءًا أساسيًا من تمثيل الفلسطينيين لذاتهم عبر تبنّي رموز ريفية فلاحية لاحقًا؛ مثل الدبكة والملابس الفلاحية والكوفية. وفي الوقت ذاته، ستكون لتغيّب المدينة عن أداء الدور الأكبر في صياغة الوعي المحلي أبعادٌ ليست بسيطةً؛ بشأن عدم تعميم الوعي وبقائه منافسًا لعدد آخر من التصورات القومية. وعلى الرغم من ذلك، لم تجد الأسبقية الفلاحية في الإحساس بالتمايز والخصوصية تعبيراتها السياسية في الريف، إلى حدٍّ ما، أثناء مرحلة الانتداب البريطاني، بل في المدينة، ولا سيما عبر المقالات المختلفة التي بدأت تظهر في الصحف المحلية، وفي الخطاب السياسي والحزب الصاعد.
لقد شنّت الصحف الفلسطينية المختلفة؛ مثل الكرمل، وفلسطين، والمنادي- من دون استثناءات - الحملةَ تلو الأخرى على
الحركة الصهيونية ومشروعها في فلسطين، مطالبةً ببقاء فلسطين لأهلها واستقلالها السياسي. فهذا نجيب نصار - أهمّ الصحافيين الفلسطينيين وصاحب جريدة الكرملالحيفاوية - يدعو عرب بلاد الشام، في عام 1919، إلى مساندة أهل فلسطين، واصفًا إياهم بأنهم "الفلسطينيون". ويشير نص نصار إلى إدراكٍ لحدود الجماعة الفلسطينية آنذاك، كما أنّه يشير إلى وعي لتمايز هذه الجماعة عن الجماعة الأخرى المجاورة التي هي بقية سكان سوريا الطبيعية. هذا الوعي نجده أكثر تجذرًا في مرحلة ما بعد وعد بلفور عام 1917، ونجد أنّه بدأ يأخذ طابعًا سياسيًا خلال مرحلة الانتداب البريطاني عمومًا. فالحزب الوطني العربي مثلً، يعلن في بيانه التأسيسي عام 1923 أنّ هدفه هو "الاحتفاظ بفلسطين لأهلها" و"إنشاء حكومة دستورية فيها".
سيزيد تطور الأحداث في بقية الفترة البريطانية الخطابَ الفلسطيني حدةً حول خصوصية فلسطين، وإن كان تأكيد عروبتها
جزءًا أساسيًا من هذا الخطاب. فعلى الرغم من ارتباط التمايز الفلسطيني بظروف تاريخية تسبق الاستيطان اليهودي المكثف، فإنّ هذا التمايز لم يُصَغ بوصفه وعيًا، ولم يبدأ في التشكل إلا عبر العلاقة بالاستيطان أساسًا. وهذه العلاقة التي تمزج ما بين الرفض الفلاحي للاستيطان والصياغة السياسية لهذا الرفض، عبر مؤسسات مدينية، هي ما يمثّل نقطة البداية العملية لرؤية الفلسطينيين لذاتهم، بوصفهم شعبًا. فبروز المشروع الصهيوني إلى العلن، والدعم البريطاني له عبر وعد بلفور، أدَّيَا إلى تسريع وتيرة تطور الشخصية السياسية الفلسطينية المميزة. أمّا هدف هذه الشخصية التي بدأت في التعبير عن ذاتها عبر جمعيات ومنظمات – سواء أطلقت على هذه الذات صفة "العربية" أو "السورية" أو "الإسلامية" أو "المسيحية" – فهو الدفاع عن فلسطين في وجه الخطر الصهيوني. ومع بداية عقد المؤتمرات الفلسطينية المختلفة كردٍّ على الأطماع الصهيونية، وبدْء المطالبة - بوضوح - بحق تقرير المصير لفلسطين، يكون تخيّل الجماعة الفلسطينية قد بدأ يأخذ منحى عمليًا سيزداد تطورًا، وسيأخذ طابعًا أكثر رسميةً في مرحلة ما بعد عام 1922، بعد تثبيت الانتداب رسميًا، ومعه تثبيت حدود فلسطين السياسية. وسيتطور لاحقًا ليصبح تخيلً مشتركًا تشارك فيه أغلبية سكان فلسطين الانتدابية حتى عام 1948.
لم يتمكن هذا التطور من الاستمرار إلى حدّ خلق دولته الوطنية، كما هي الحال عند جيران فلسطين العرب، بل إنه مرّ بمرحلة
انقطاع حادّ نتجت من أحداث 1948 التي سمّاها الفلسطينيون "النكبة". وقد أدّت النكبة - وهي من دون شكّ الحدث الفاجع على عدد من المستويات سواء كانت عائليةً أو شخصيةً أو وطنية - إلى مسألتين مهمّتين: الأولى هي تفكك الإطار الاجتماعي لجزء مهمّ من سكان فلسطين، وتحوّلهم إلى لاجئين. والثانية اختفاء المراكز المدنية لحياة الفلسطينيين الباقين في فلسطين، وتحوّلهم من سكان مدن إلى جماعات تعيش على هامش المدن. وقد شكّل هذان الحدثان محطة انتقال نوعية في طبيعة الخطاب الفلسطيني واستمراريته. ففي وقت شكّل فيه الحدث الأول محفزًا مهمًّا لبروز الفلسطينيين كجماعة متميزة عبر تجربة عامة خاصة بهم هي النكبة والاقتلاع، فإنّ الثاني شكّل نهايةً لتطور المخيلة الفلسطينية الجماعية التي كانت صياغتها تتمّ في المدن. والمسألتان مرتبطتان جوهريًا، لكنّ الأولى هي ما ساعد على بروز النمط الجديد من الانتماء الفلسطيني، وهي بذلك بالغة الأهمية. فاختفاء الانتماءات المحلية عبر تجربة الاقتلاع، سارع في تثبيت خصوصية فلسطينية يمكن القول إنّها قومية. فكما يقول هومي بابا: "تأتي الأمّة لتملأ الفراغ الناتج من اقتلاع الجماعات القبلية والحمائلية واختفاء الولاء المحلي". والأمّة، بحسب تعبيره، هي "تحول معنى البيت والانتماء، فهي تخلق حالةً من الولاء المحلي الجديد، وتستبدل العائلة وتحل محلّ القرية". وهذه المحلية الجديدة هي حالة ثقافية، أساسًا، أكثر ارتباطًا بالزمن من التاريخ. فهي تمثّل نوعًا من الحياة أو نمطًا من المعيشة، ورؤيةً للذات، يمكن أن تكون أكثر تطورًا من التجمع، وأكثر رمزيةً من المجتمع، وأكبر معنى من البلاد، وأكثر شاعريةً من الدولة. وعلى الرغم من الجوهر الأيديولوجي لهذه الحالة الثقافية، فإنّها تبدو أكثر أسطوريةً من أيّ أيديولوجية أخرى. وهذه النزعة المحلية الجديدة تتيح مجالً للتعددية على نحوٍ غير ممكن في أيّ حزب، وتجعل من موضوعها المواطن؛ من دون أن تجعل منه مركزها. إنّ القومية تزوّدنا بمحلية أكثر جماعيةً من أيّ موضوع آخر. وجميع هذه الصفات معًا وربطها بالزمن لا يعني نفيَ تاريخيتها. فلكل صفة تاريخها الخاص بها. لكنّ الهدف العامّ، في هذا السياق، هو النظر إلى الأمّة، أو الشعب، من خلال منظور سردي، وليس من منظور اجتماعي.
بهذا المعنى، أدّى اقتلاع الفلسطينيين إلى حالة من الخصوصية لديهم، وخلَق حالةً من المحلية الجديدة. لهذا، فإنّ النكبة
تشكّل ضمن إطار الخطاب الجماعي الفلسطيني قفزةً بلاغيةً أكثر منها بدايةً أو نهايةً في حدّ ذاتها. فالهوية التي بدت واضحةَ المعالم قبل عام 1948، وكان يتمّ صقلها والتعبير عنها عبر المثقفين من أعيان المدن، انتهت مع انتهاء المدن. فاقتلاع ما يزيد على أربعمئة تجمّع سكاني فلسطيني، أدّى إلى فقدان الصبغة المحلية القديمة واستبدالها بنوع جديد من الانتماء هو الانتماء إلى اللجوء كتجربة فلسطينية خاصة ومتميزة. لكنْ من المهم ملاحظة أنّ هذه التجربة والنقلة الخطابية التي صاحبتها لم تؤثّر بالطريقة نفسها في كلّ عرب فلسطين آنذاك. فهي قد أبقت على الفلسطيني بوصفه "آخر"، لكن بالنسبة إلى جماعات جديدة، هذه المرة، متمثّلة بالشعوب العربية المجاورة. وهذا الشعور عمّق، عبر استثناء اللاجئ، كلّ الهويات الأخرى التي كانت تتشكل من حوله، وهو استثناء لم يشمل سكان شرقي فلسطين – فضلً عن اللاجئين منهم - بالطريقة نفسها. فالهوية الفلسطينية ظلّت "أضعف ما يكون في الأردن والضفة الغربية، حيث تأخرت إلى ما بعد حلول الحكم الإسرائيلي محل الحكم الأردني". وبهذا، فإنّ نمط الهوية الجديدة قد أخذ وقتًا أطول ليتطور في الضفة الغربية، وجاء - أساسًا - إثر أوضاع مختلفة منها النشاط السياسي الفلسطيني المقبل من الخارج، إضافةً إلى سياسات الاحتلال منذ عام 1967 التي أفرزت ابتعادًا في المسافة الاجتماعية - الاقتصادية عن الأردن. بمعنى آخر، إنّ تطور الوعي الذاتي الفلسطيني في الضفة الغربية هو نتاج لاحق – قياسًا بالشتات – لأحداث وتطورات خاصة لم يشترك فيها سكان المخيمات في الخارج. فلا ننسى أنّ سكان ما أصبح يُعرف بالضفة الغربية لم يتأثروا بالنكبة مثلما تأثّر بها أولئك الذين طُردوا من ديارهم عام 1948، وقد نشأ تمييز في مناطق الضفة ما بين المواطن الأصلي واللاجئ منذ بداية اللجوء.
إنّ طبيعة الهوية الجماعية الفلسطينية التي برزت آنذاك، وسيطرت على الخطاب الفلسطيني المعاصر، قد استندت أساسًا إلى
تجربة المخيم. لكنّ هزيمة منظمة التحرير العسكرية في الشتات، وبخاصة في لبنان عام 1982، وانتقال مركز الصراع ضد الاحتلال الإسرائيلي إلى الداخل الفلسطيني - أولً غزة والضفة الغربية ومن ثمّ إلى المناطق التي احتلت عام 1948 - قد عزّز الانتماء الفلسطيني في الداخل على حساب المخيمات في الخارج، وبخاصة في لبنان، وأعطى أبعادًا جديدةً لطبيعة خطاب الهوية المرتكزة على إنهاء الاحتلال وبرنامج إقامة دولة أكثر من ارتكازها على قضايا عودة اللاجئين كما كان سابقًا. وقد خلق قيام سلطة فلسطينية، على إثر اتفاق أوسلو ما بين إسرائيل ومنظمة التحرير وما تلاه من إنهاءٍ عمليٍّ للمنظمة كممثل الفلسطينيين بكل أماكن وجودهم، مركزيةً فلسطينيةً تأخذ من مواطني الضفة والقطاع كموضوعها الرئيس. وهذا ينبئ بإشكاليات بحثية جديدة حول الهوية الفلسطينية، هي الآن معرفة قانونيًا إلى حدّ بعيد بطريقة لا يسعنا إلا أن نسميها استعمارًا للخطاب الفلسطيني التاريخي. فاختزال الفلسطيني وتحويله إلى مجموعة محلية واحدة يُجرّد أولئك الذين شكّلوا - أو عرفوا - ماهية التجربة الفلسطينية من فلسطينيتهم ومعناها، ويعيدهم مرةً أخرى إلى كونهم لاجئين. وبهذا المعنى، فإنّ في ذلك إشارةً إلى أنّ من عايش النكبة هو الآن، بجدية، أمام نكبة من نوع جديد تتمثل بإمكانية سقوط هذه المحلية التي هي هويته الفلسطينية، والتي تطورت استنادًا إلى تجربته الخاصة في الشتات في مرحلة ما بعد النكبة.
العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014.
حرب، علي. "أطروحات في الفكرة والهوية". أبواب. العدد 6 (1995).
الدراسات الفلسطينية، 1998.
الاشتراكية في العالم العربي، 1995.
كامل العسلي. عمان: الجامعة الأردنية، 1988.
مركز الكتب الأردني، 1989.
وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية 1918 - 39 19. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1998.
أندرسن، بندكت. الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها. ترجمة ثائر ديب. تقديم عزمي بشارة. الدوحة: المركز البديري، موسى. "الفلسطينيون بين الهوية القومية والهوية الدينية". مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 21 (شتاء 1995).
الحوت، بيان نويهض. القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين، 1917 - 1948. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1981. دوماني، بشارة. إعادة اكتشاف فلسطين: أهالي جبل نابلس 1700 - 1900. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1998.
سويد، محمود. التجربة النضالية الفلسطينية: حوار شامل مع جورج حبش. سلسلة مرجعيات فلسطينية 3. بيروت: مؤسسة الشريف، ماهر. البحث عن كيان: دراسة في الفكر السياسي الفلسطيني 1908 - 1993. نيقوسيا: مركز الأبحاث والدراسات شولش، ألكسندر. تحولات جذرية في فلسطين 1856 - 1882: دراسات حول التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. ترجمة محافظة، علي. الفكر السياسي في فلسطين: من نهاية الحكم العثماني حتى نهاية الانتداب البريطاني 1918 - 1948. عمان:
• Benjamin, Walter. Illuminations (Theses on the Philosophy of History). New York: Schocken Books, 1968.
• Bhabha, Homi K. The Location of Culture. London: Routledge, 1994.
• Hegel, G. W. F. Phenomenology of Spirit. A. V. Miller (trans.). Oxford: Oxford University Press, 1977.
• Khalidi, Rashid. Palestinian Identity: The Construction of Modern National Consciousness. New York:
Columbia University Press, 1997.
• Kimmerling, Baruch & Joel S. Migdal. The Palestinian People: A History. Cambridge: Harvard University
Press, 2003.
• Nassar, Issam. European Portrayals of Jerusalem: Religious Fascinations and Colonialist Imaginations. New
York: Edwin Mellen Press, 2006.
• Raad, Bassem. Hidden Histories: Palestine and the Eastern Mediterranean. London: Pluto Press, 2010.
محمد مزين Mohamed Mezzine |
الرصاعات حول تقسيم المتوسط:
المرجعيات والمناهج يف أواخر القرون الوسطى وبداية العصر الحديث
مقدمة
لعل ما يثير الانتباه اليوم وراء الأخبار المطّردة عن هذا النزاع أو ذاك هي رغبة الدول العظمى، وفي أحيانٍ أخرى الدول الصغرى،
في اقتسام العالم إلى مناطق نفوذ، أو أسواق أو مجالاتٍ سياسيةٍ خاصة. ومن المناطق التي كانت محطَّ الأنظار؛ منطقة الشرق الأوسط وبلدان البحر الأبيض المتوسط عامة. وقد مثَّل تقسيم سايكس بيكو الذي مرَّ على تفعيله اليوم مئة سنة، أحد التقسيمات التي لا تزال إلى اليوم تلقي بظلالها على الأوضاع في الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط. وقد ذهب بعض المؤرخين إلى أن تقسيم سايكس بيكو ما هو إلا نتيجة فكرٍ سياسيٍ استعماريٍ أوروبي؛ لاقتسام بقايا الإمبراطورية العثمانية، والاستيلاء على البحر الأبيض المتوسط، من منطلق مرجعياتٍ حضاريةٍ غربية، وأن الفكر والمرجعية وراء تقسيم العالم، ليسا وليدَي بداية القرن العشرين، بل إن جذوره تعود إلى القرون الوسطى. وهذا هو الدافع وراء مساهمتنا في نقاشات هذه الندوة التي تعالج مسألة اقتسام العالم، وقد اخترنا أن نركز بحثنا على المرجعيات التي اعتُمدت لتقسيم البحر الأبيض المتوسط في أواخر القرون الوسطى وبداية العصر الحديث.
لماذا المتوسط؟
تُعدُّ المنطقة المتوسطية، بعمقها الشرقي بالذات، إحدى بؤر التوتر التي تشهد سباق الدول العظمى وصراعاتها منذ زمن؛ وذلك
لاجتماع عدة أسباب، أبرزها: أن هذه المنطقة الواسعة التي تطل على البحر المتوسط من جهاته الأربع هي مهد الديانات السماوية الثلاث، والحضارات الكبرى، ومجال اقتصادي وتجاري قديم، تسابقت إليه الدول المتعاقبة، وتجاورت فيه الحضارات، وتقابلت فيه الأديان. أدى كلّ ذلك إلى تراكم التاريخ والتجارب الحضارية الكبرى التي انتقلت فيما بعد إلى باقي جهات العالم. وفيه كذلك جرَّبت الدول والحضارات، بالقوة أو بالسلم، سياستها في تقسيم العالم. لذلك جاء اختيارنا للبحر الأبيض المتوسط، نموذجًا لدراسة تاريخ سباق الحضارات والدول لاقتسام العالم.
وغايتنا من هذا العرض هي أن نسائل المتوسط عن التجربة التي عاشها في القرون الوسطى وبداية العصر الحديث، والتي نعدّها
مرحلةً أساسيةً في صنع وضع المتوسط الحالي، حيث فرضت الدول التي تعاقبت على المنطقة سياسة تقسيمٍ ممنهجة، متسترةً وراء أيديولوجياتٍ واتفاقياتٍ مختلفة، خالقةً وضعًا لن يتغير إلا مع التوسعات الإمبريالية في القرن التاسع عشر.
فهل يمكن أن يكون لما عرفه المتوسط، خلال تلك الفترة، أثرٌ في ما يعرفه اليوم من صراعات؟ ذلك هو السؤال الذي سنعتمده
خطًا موصِلً لهذا البحث.
المنهج الذي سنسلكه
بسبب طول المرحلة؛ سنحاول استعراض التطورات التي عرفها المتوسط من دون الدخول في تفاصيل الأحداث الكثيرة والمتلاحقة
التي عرفتها المنطقة خلال تلك الفترة، لأن غايتنا هي محاولة فهم اقتسام العالم المتوسطي انطلاقًا من تطوره العميق، واعتمادًا على الخطوط العريضة لذلك الواقع على المدى البعيد.
وتأتي محاولتنا امتدادًا لمحاولات المؤرخين الذين سلكوا هذا المنهج لتفسير تاريخ المتوسط، ومنهم: هنري بيرين، وفرناند
بروديل، وكذلك عبد الله العروي. إذ فسّ كلّ واحد منهم تاريخ المتوسط بناءً على تتّبع تطوره على المدى البعيد؛ أي بالاعتماد على تتبع تاريخ الحضارات التي تؤثر في عمق التاريخ، وتتأثر بتطوراته البطيئة.
ركّز فرناند بروديل في جلِّ كتبه على تلك الفترة التي ازدهر فيها المتوسط، وخصوصًا في كتابه البحر الأبيض المتوسط والعالم
المتوسطي في عهد فيليب الثاني؛ لقناعته بمركزية الحضارة المتوسطية في تلك الفترة بالذات في تطور العالم. أما هنري بيرين فأكد دور المدن الإيطالية؛ جنوة والبندقية وفلورنسا، في تقسيم المتوسط بناءً على التجارة. في حين ركَّز عبد الله العروي على دور الديانات، وخاصةً الحروب الصليبية في تقسيم المتوسط.
بناءً على ما سبق؛ سنحاول التركيز، بالأساس، على الثوابت في التاريخ المتوسطي؛ كالحضارة والدين والتجارة، وعلى دورها في تغذية
الصراعات بين الأمم والدول لاقتسام المنطقة، ليس فقط خلال الفترة التي تهمّنا، بل عبر التقلّبات والأحداث التي عرفها المتوسط خلال التاريخ الوسيط الأعلى؛ وذلك لأن الصراعات السياسية التي قسّمت المتوسط اعتمدت مرجعياتٍ متنوعة، تركت تراكماتٍ حضاريةً لا يمكن فهم ما وقع في العصر الوسيط وبداية الحديث إلا من خلال استعراض التطور التاريخي الذي هيّأ لذلك الوضع.
وفي الخلاصة نقول: اعتمدت الدول والإمبراطوريات التي تقاسمت المتوسط مرجعياتٍ متعددةً ومتنوعةً، أهمها وأبرزها: المرجعيات
الحضارية، والمرجعيات الدينية، والمرجعيات التجارية، إذ ينسجم اعتماد هذه المرجعيات مع الظرفية التاريخية.
المرجعيات الحضارية لتقسيم المجال المتوسطي
إذا تصفحنا كتب التاريخ، وأوّلنا محتواها، فإننا سنصل إلى استنتاجٍ رئيسٍ يفرض علينا الانطلاق منه، يتلخص في أن أقدم
مرجعيةٍ للتقسيم الذي عرفه المتوسط وأعمقها هي مرجعية الحضارات العالمية التي لا تزال تُسيِّ العالم إلى اليوم، وهي الحضارة الغربية (المسيحية) وارثة الحضارة الرومانية، والحضارة الإغريقية ووارثتها الأرثوذكسية، ثم الحضارة الإسلامية.
وتولّدت من كل حضارةٍ فروع تتمسك بالأصول، وتتفاعل مع الظرفيات التاريخية، إذ استغرق بناء التقسيم المبني على المرجعية
الحضارية قرونًا طويلة، فتلاقحت الحضارات وتداخلت، وأغنى بعضها بعضًا، وانبثق عن كل واحدةٍ حضاراتٌ جديدة. فقد انبثقت عن الحضارة الإغريقية، مثلً، حضارة الإمبراطورية البيزنطية الأرثوذكسية التي ثبّتت إرث الإغريق، وأغنته بحمولة الحضارة المسيحية. كما انبثق عن الحضارة الرومانية العالم اللاتيني، ودعمتها الديانة المسيحية كذلك. وانبثقت عن الإسلام الدولة الإسلامية التي تنوعت تكويناتها وأشكالها بين الشرق والغرب والجنوب. لذلك نلحظ أن تلك الحضارات قد ساهمت في تقسيم المتوسط بطريقةٍ أو بأخرى.
شهد المتوسط محاولاتٍ متعددةً ومختلفةً لتقسيمه والسيطرة عليه؛ مثل المحاولة الفينيقية واليهودية، قبل أن تسيطر عليه
الحضارة الرومانية، ولا تزال تلك المحاولات، على الرغم من قدمها، تؤثر اليوم في السياسات المتوسطية للدول.
1. المرجعية اليهودية وتقسيم المتوسط
على الرغم من أن الحضارة اليهودية لم تسيطر على مجالٍ متوسطي واسع وواضح؛ فإنها شكلت حضارةً دينية، ساهمت- حال
كونها مرجعية - في الصراعات الأولى حول تقسيم المتوسط، ولا تزال إلى اليوم تشارك بشراسةٍ في اقتسامه، على الرغم من أن الحضارة المسيحية الرومانية التي جاءت بعدها حاولت طمسها.
إذ شارك اليهود مند البداية في السباق إلى تقسيم المجال المتوسطي، بعد أن أدّى تشريدهم في التاريخ القديم والقرون الأولى
بعد المسيح، إلى انتشارهم على ضفاف المتوسط، من دون أن يكون ذلك الانتشار منتظمًا ومسترسلً.
واستقر يهود الشتات في مدينة الإسكندرية وروما، حيث كانت لهم تجمعات قوية ومنظمة، كما أقاموا في عددٍ من مدن المتوسط
الشمالية كأوستيا وجنوة وبولونيا ورافين ونابولي وتارنتا، واستقروا أيضًا في بلاد الغول في مرسيليا وآرل وناربون، وفي اليونان في أثينا والبيري وباتراس وغيرها. أما أشهر المدن التي استقر فيها اليهود، في الضفة الجنوبية للمتوسط فهي سيرين وقرطاجنة، كما استقرت مجموعات منهم في باقي شمال أفريقيا.
والدليل على أن الديانة اليهودية قد قسّمت العالم المتوسطي لمصلحتها؛ أن ثمّة علاقة ربطت يهود الشتات بعضهم ببعض في
الغالب، وحافظت على شبكةٍ سمحت لهم بتقسيم المتوسط الشرقي لمصلحتهم.
2. المرجعية الرومانية وتقسيم المتوسط
داهمت الحضارة الرومانية الناشئة مند ظهورها سيطرة اليهود على المجالات المتوسطية؛ لأن اليهود رفضوا التعامل مع الدولة
الرومانية كشريكٍ رسمي. وفي النتيجة، استطاعت الحضارة الرومانية، بجيوشها الكبيرة والقوية، وسياستها التوسعية المسترسلة، أن تفرض تقسيم العالم المعروف آنذاك، اعتمادًا على مرجعيةٍ حضاريةٍ جديدة، وإن بقي المجال اليهودي الروحي حيًا بعد التقسيم عُدَّ المتوسط بحرًا رومانيًا، وروما مركز هذا العالم اللاتيني القديم.
للعيان في مختلف أنحاء المتوسط، فانتشر الحرف اللاتيني، والهندسة الرومانية، وأساليب التفكير والاعتقاد.
الشكل (1)
مجالات اكتساح الشتات اليهودي ما بين 70 و 500 بعد الميلاد
Les crises. fr ; des images pour comprendre , 12 juin 2014 ; O. Burruyer
الروماني للمجال المتوسطي، لكنّ الاكتساح السياسي والأيديولوجي الروماني فرض تقسيمًا سياسيًا وجغرافيًا جديدًا للمتوسط، حتى تُعدُّ سيطرة الرومان على المتوسط أوّل سيطرةٍ لما يسمى اليوم "الحضارة الغربية"، والتي حملتها المسيحية، وتبنّتها البلدان
الأوروبية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، ثم طغت الحضارة الغربية وارثةً للحضارة الناتجة من سيطرة الرومان خلال قرون.
انتشرت الحضارة الرومانية، بعد أن ضايقت سابقتها الإغريقية، ثم قسّمت المنطقة إلى ولاياتٍ لا تزال آثارها إلى اليوم باديةً
الشكل (2)
العالم كما قسمه الرومان، خلال القرن الأول بعد الميلاد
Le blog du cours d ' histoire - géo ; Madame Lassal
لكن سرعان ما تغلبت عليها الحضارة المسيحية، وخاصةً الكاثوليكية، انطلاقًا من القرون الأولى بعد المسيح، وفي مرحلةٍ تالية،
اكتسحت المتوسط الغربي، تاركةً المتوسط الشرقي لحضارة الأرثوذكس البيزنطيين.
يحدُّ هذا المجال من الشمال العالمَ البروتستانتيَّ الذي اعتمد مرجعية الحضارة الرومانية ثم الغربية، والذي فرض نفسه على
مجالٍ واسعٍ يقف عند المحيط الأطلسي ونهرَيِ الراين والدانوب؛ إذ يشهد على امتدادها تلك الكنائس المنتصبة التي تحكمها، حتى سماها جورج دوبي ب "أوروبا الكاتدرائيات".
ثم يبقى السؤال مطروحًا، ما إذا كانت الحروب الصليبية السند الحقيقي الديني لتغلّب الحضارة الغربية على الحضارات الأخرى
في المتوسط. وكيفما كان الجواب، فالواضح أنه في أواخر تلك المرحلة اتسعت رقعة احتلال المسيحيين بضمها للأندلس، لتتسع رقعة استطاعت أن تجمع تحت قسمتها كلَّ الضفة الشمالية والغربية للمتوسط الغربي، مقابلةً أمامها الحضارة الإسلامية.
3. الحضارة الإسلامية وتقسيم المتوسط
يزيد على أربعة قرون، حتى أواسط القرن الخامس عشر.
الشكل (3)
تقسيم المتوسط خلال القرن الخامس عشر: تقسيم التجار
Carte Hachette , Multimedia ; Le commerce à travers les siècles et les villes ; A Peyrefitte.
البلاد المسيحية يومًا بعد يوم، حتى أصبحت أيبيريا قسمًا مهمًا من مملكة شارل الخامس في بداية القرن السادس عشر، حيث عرفت الحضارة الإسلامية أوجهَا طوال القرون الوسطى، إذ سيطرت على المتوسط وقسّمته لمصلحتها، فكان المجال الشرقي
والجنوبي تابعًا لها. وبذلك تكون قد فرضت تقسيمًا جديدًا للمتوسط؛ إذ زاحمت الحضارة الرومانية والبيزنطية خلال فترةٍ طويلةٍ من القرن الثامن الميلادي حتى القرن الحادي عشر، قبل أن يفرض عليها التقسيم المسيحي الذي اكتسح المتوسط، وفرض حضارته ما وقد تمكنت الحضارة الإسلامية من أن تؤسّس لثقافةٍ وعلومٍ وعاداتٍ وتقاليدَ خاصةٍ بها، إذ استفادت من الإرث الإغريقي
والروماني، وطوّرته.
لقد شيّد التقسيم اعتمادًا على المرجعية الحضارية الذي فرضه الإسلام على المتوسط على مبدأ الفصل بين بلاد الإسلام وبلاد
الكفر في البداية، ثم سرعان ما تطوّرت مقاربته في التعامل مع الآخر لتتخذ أوجهًا جديدة، أساسها المصلحة العامة والبحث عن حلفاء، مكملةً للمرجعية الدينية، وسيظهر ذلك أكثر في المراحل التاريخية التالية.
مرحلة تحول المرجعيات وبوادر السياسات الجديدة لتقسيم المتوسط
عرف البحر المتوسط مع بداية العصر الحديث، أحسن مثالٍ على تسابق الدول لاقتسام مجاله، بناءً على فكرٍ جديد، ومقاربةٍ
ومرجعياتٍ جديدة، وإن ذلك لم يبرز بصفةٍ جليةٍ إلا بعد أواسط القرن السادس عشر الميلادي، متجاوزةً المرجعيات الدينية والحضارية التي كانت قد اعتمدتها في القرون الوسطى، إذ غيّت جلُّ دول المتوسط سياستها، وجعلت المصلحة الاقتصادية من أولويات سياستها قبل الدين. وقد أدى ذلك إلى وضعٍ جديدٍ في اقتسام المنطقة المتوسطية، وهو ما يظهر في الشكل (3).
يظهر من هذه الخريطة أن مجموعةً من الدول كانت تتقاسم البحر المتوسط في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي؛ الدول
الإسلامية والدول المسيحية. ففي الشرق بدأت الدولة العثمانية في فرض سلطتها على الأناضول وعلى شرق أوروبا. وفي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سيطرت دولة المماليك، والدولة الحفصية، والدولة العبد الوادية، والدولة المرينية. وفي شمال المتوسط سيطرت الدول المسيحية، كمملكة قشتالة، ومملكة الأركون، ومملكة فرنسا، ثم المملكات البابوية. وفي أرجاء المتوسط كافّة احتلت المدن الإيطالية، وخصوصًا مملكة جنوة ومملكة البندقية مواقعَ إستراتيجيةً مكّنتها من مراقبة البحر المتوسط بأكمله.
لقد استطاعت هذه المدن أن توطّد قدمها في مناحٍ عدةٍ من المتوسط، فكانت تسيّ شبكةً تتحكم في خيوط التجارة والسياسة،
إذ تجعل من المتعاملين معها ممثلين لها، معتمدةً على منهجٍ دقيق، لا يعتمد القوة ولا الاستعمار المباشر الذي يكون ثمنه غاليًا، بل التفاهم والمصلحة المشتركة.
الواقع أن هذا التقسيم لم يعد ينبني على المرجعيتين الحضارية أو الدينية وحدهما، بل أصبح يعتمد المصلحة السياسية، وخصوصًا
التجارية، فلم تبق المدن الإيطالية وحدها التي تعتمد المصلحة الاقتصادية للتحكم في مجال المتوسط، بل إنّ كل الدول المنبثقة عن الثقافات الدينية مثل الدويلات الأيبيرية، والأركون وقشتالة من جهة، والدول الإسلامية من جهةٍ ثانية، تنظّم تحالفاتٍ لا تأخذ في عين الاعتبار الانتماء الديني والحضاري، بقدر ما تعتمد المصلحة السياسية والتجارية.
لكن بوادر هذا الفكر الجديد في التعامل مع التوسع لم تعمَّ كل البلاد المتوسطية، ذلك أنّ هناك عددًا من الدول لم تزل تتحكم
في سياستها المرجعية الدينية، على الرغم من أن تجّارها اكتسحوا العالم المتوسطي، بل تجاوزوه إلى العالم الجديد. وأحسن نموذج عن حول اقتسام العالم عام 1494.
ممتلكاتهم في العالم الجديد.
تقسيم المتوسط والمرجعيات الجديدة: العصر الحديث
واقتصادية، وأصبح البحث عن أسواقٍ جديدةٍ هو المحرك الأساسي لسياسة الدول.
الصراع هي ثوابت تسجل مراحل جديدةً لاقتسام العالم المتوسط:
ӵ ӵ 1453 دخول العثمانيين إلى القسطنطينية.
ӵ ӵ 1571 معركة ليبانتا.
ӵ ӵ 1578 معركة وادي المخازن.
هذه الدول دولة إسبانيا، بعد عام 1492، ودولة البرتغال، اللتان لم تخرجا بعد من صيرورة حروب الاسترداد والحروب الصليبية، بل كان الصراع بينهما حول تقسيم العالم قد احتدم، واضطر البابا سيلفيستر السادس إلى إصدار قرار تورديسيلاس Tordesillas المشهور والواقع أن قرار البابا هذا جاء ليرسّخ قانونيًا وضعًا كان قد شرع في بنائه مند احتلال البرتغال مدينة سبتة عام 1415، أي قبل سقوط
الأندلس في يد المسيحيين، وأيضًا جاء هذا القرار مباشرةً بعد سقوط غرناطة عام 1492، صابغًا الاحتلال التجاري البرتغالي والإسباني بصبغة دينية. لكن المناطق التي احتلتها الدولتان في المتوسط محدودةٌ نسبيًا، ففيها بقايا الاحتلال القديم؛ سبتة عام 1415، ومليلية عام
1465، لأن اكتشاف العالم الجديد نقل الصراع من المتوسط إلى المحيط الأطلسي، ومع ذلك حاول البرتغاليون وبعدهم الإسبان، توسيع مناطق احتلالهم حتى بعد ذلك، فاحتلوا وهران وتونس (حلق الوادي) في القرن السادس عشر، لكن تحوُّل الطرق التجارية التقليدية الآتية من الصحراء وضعفها أقنع الأيبيريين بالتوجه إلى العالم الجديد، فاعتمدوا في استيلائهم على المناطق الأميركية على الدين وعلى الربح. لكنهم في الواقع لم يخرجوا عن الصراع العالمي حول المتوسط، بل بقيت سلطتهم قويةً يدعمها الذهب الآتي من يلاحظ المتتبع لتطور العلاقات بين دول المتوسط في أواخر القرن الخامس عشر وبداية السادس عشر، أن المرجعيات التي بدأت
تعتمدها دول المتوسط للبحث عن مناطق احتلال أو نفوذ قد تطورت أكثر؛ إذ بدأت تتحكم في تقسيم المتوسط مرجعيات سياسية فاحتدم الصراع وحاولت كل دولة أن تستولي على أغنى المناطق وأكثرها إفادةً لتأمين تجارتها وتطويرها، ولعل أشهر تواريخ هذا فالتاريخ الأول (1453) يسجّل معركة قوية ختمت فترةً طويلةً من الصراع، حاول فيها الأتراك دخول القسطنطينية. وفي تلك
السنة استطاعوا أخيرًا دخول المدينة التي كانت عاصمة المسيحيين الأرثوذكس، وقد مكّنهم ذلك من الاستيلاء على ممتلكات الدول البيزنطية، وارثة الإمبراطورية الرومانية، المطلة على البحر المتوسط في أقل من قرن ما بين 1453 و 1541 بما فيها البلقان، حتى وصلوا إلى أبواب فيينا النمساوية.
كما أن الأتراك أعطوا انطلاقةً جديدةً للتقسيم الجديد للمتوسط، حيث سيسترجع الإسلام مجالاتٍ واسعةً في الضفة الشمالية
والضفة الجنوبية، فكل البلاد المحيطة بالمتوسط الشرقي أصبحت قسمًا من ممتلكات العثمانيين، حتى أصبح البحر المتوسط الشرقي بحرًا داخليًا للإمبراطورية الجديدة. غير أن الدول المسيحية المتضررة قد كوّنت حلفًا مقدسًا واجهت به هذه القوة الإسلامية الجديدة. أما التاريخ الثاني (1571) فيسجّل هذه المعركة التي كان لها صدىً في تاريخ المتوسط، وانتصر فيها أسطول الحلف المقدس (البندقية
والولايات البابوية وإسبانيا) بقيادة دون جوان النمساوي، على الأسطول العثماني. وقد وقعت المعركة في منطقةٍ غنيةٍ برمزيتها وهي خليج كورانت، حيث أوقفت الزحف العثماني على الغرب المتوسطي، أو على الأقل الضفة الشمالية للمتوسط، فاتحةً فترةً جديدةً لاقتسام المجال المتوسطي.
والتاريخ الثالث (1578) هو معركة وادي المخازن، والتي جمعت المسيحيين (الإسبان والبرتغال والنمسا والبابا بقيادة دون
سباستيان البرتغالي) من جهة، والمسلمين (السعديين والعثمانيين) من جهة أخرى. وهي معركة أوقفت الزحف المسيحي الذي كان يسعى للسيطرة على شمال أفريقيا أولً، وثانيًا مكّنت الغرب الإسلامي من إبقاء دوره وسيطًا تجاريًا بين جنوب المتوسط وشماله.
ولهذا، يجب التأكيد، مرةً أخرى، أن مرجعيات الصراعات حول اقتسام المتوسط في أواخر القرون الوسطى وبداية العصر
الحديث، لم تقتصر على سباق الأديان والإمبراطوريات السياسية، بل تعدّته إلى الصراعات الاقتصادية؛ وخصوصًا التجارية، إذ أصبح الاقتصاد هو عصب الحرب والقوة، فالمتحكم في ضفاف المتوسط يتحكم في مياهه، وإذًا، في التجارة التي تدور فيه، وفي الثروات التي تنبثق عنها.
لم تعد الدول الإقليمية، فرنسا وإسبانيا، إلى الواجهة، للتحكم في صيرورة التاريخ المتوسطي، إلا أواخر القرن الخامس عشر، إذ
شرعت في إخضاع جنوة والبندقية إلى المنطق السياسي والعسكري، فقد دخلت السفن الحربية الإسبانية والجيوش الفرنسية في صراعٍ حول المتوسط، ألغت التوازن الهشّ في المتوسط الغربي (مع معاهدة كاتو-كامبريسيس عام 1559). وأتمت ما بدأه الانتقال المتدرج للصراع من المتوسط إلى المحيط الأطلسي.
عندما جاء الإنكليز إلى المتوسط أواخر العقود الأخيرة من القرن السادس عشر، وزاحموا البرتغال والإسبان، وتحايلوا على
العثمانيين وعوضوهم في شبكة التجارة المتوسطية، كان الفكر التوسعي المبني على المرجعيات الجديدة قد تعزز وتقوى.
ماذا يمكن استنتاجه من هذا النقاش السريع لتطور المرجعيات التي اعتمدتها الدول والحضارات التي تعاقبت لاقتسام المتوسط؟
ما يلي:
أصبحت التجارة والربح المحركيْ للسياسات التوسعية.
والدين، وتختبئ في ثنايا ملفاتها مرجعيات مصلحية ومادية.
إن سياسات الدول المتوسطية كانت دائمًا مشدودةً إلى الأرضية الحضارية والتاريخية السميكة والمركّبة للبحر المتوسط، حتى عندما إن أثر هذه التقسيمات التي تعاقبت على المتوسط، خصوصًا المرتبطة بمرجعياتٍ حضاريةٍ ودينيةٍ تبقى متجذرةً في فضائه الجغرافي،
على الرغم من مرور الزمن، وتبدل الأوضاع والسياسات والدول. وإن تلك المرجعيات لا تزال تحرك، ما يُعرف اليوم، منطقة المتوسط بعمقها الشرق أوسطي. ولو لم يبق من التقسيمات الوسطوية إلا شتات بعد مرور ثورات القوميات وبعد الاستعمار، وبعد تقسيمات ما بعد الحرب العالمية الأولى ثم الثانية، فإن منطلقات الدول العظمى في نظرتها لتقسيم العالم اليوم لا تزال تعتمد مرجعيات الحضارة
العروي، عبد الله. تاريخ المغرب: محاولة في التركيب. ترجمة وتحقيق ذوقان قرقوط. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1977.
• Balta, P., Catherine Dana, & Régine Dhoquois-Cohen. La Méditerranée des Juifs, exodes et enracinement.
• Bicheno, Hugh. Crescent and cross, the battle of Lepanto 1571. New York/ London: Phoenix Press, 2005.
• ________. Civilisation matérielle, économie et capitalisme, XVe- XVIIIe siècle. Paris: Armand Colin, 1979.
• ________. La Méditerranée et le monde méditerranéen à l'époque de Philippe II. Paris: Armand Colin, 1966.
• David, Abulafid. The Great Sea: A Human, History of the Mediterranean. Oxford: Oxford University Press,
• Durand, R. Musulmans et Chrétiens en Méditerranée occidentale (Xe – XIIIe siècle) contacts et échanges. Paris:
• Jansen, P. A. Nef & C. Picard. La méditerranée entre pays d'Islam et monde latin (milieu Xe- XIIIe siècle. Paris:
• Picard, Christophe. La mer des califes: Une histoire de la méditerranée musulmane VIIe- XIIe. Paris: Seuil,
• Schroder, Daniel J. Les Juifs du Sud de l'Atlas, in Communautés juives au Sud de l'Anti-Atlas. Casablanca:
Paris: L'Harmattan, 2003.
• Braudel, F. "Histoire et Sciences Sociale: La longue durée." Annales. vol. 13 (1958).
• ________. Ecrits sur l'Histoire. Paris: édition Flammarion, 1985.
• Delumeau, J.L. I. Heullant-Donat, L'Italie au Moyen Age, Ve – XVe siècle. Paris: Hachette, 2005.
• Duby, G. L'Europe des Cathédrales 1140 - 1280. Paris: Flammarion, 1984.
Presse Universitaire de Rennes, 2000.
• Grimal, P. La civilisation romaine. Paris: Flammarion, 2009.
Sedes, 2000.
• Laroui, A. L'Histoire du Maghreb: Un essai de synthèse. Paris: F. Maspero, 1970.
• Laurens, H. L'Orient Arabe. Paris: Armand Colin, 2001.
• Le Brun, François & Jacques Carpentier, Histoire de la Méditerranée. Paris: Seuil, 2001.
• Pirenne, H. Les villes du Moyen Age, essai d'histoire économique et sociale. Bruxelles: Lamertin, 1927.
• ________. Mahomet et Charlemagne. Paris: PUF, 1937.
Croisés des Chemins, 2015.
محمد حاتمي Mohammed Hatmi |
المعرفة في خدمة رأس المال: العلوم لاستعمرية يف فرنسا
تهدف هذا الدراسة إلى استعراض الأسس التي قامت عليها "العلوم الاستعمارية" في فرنسا خلال مرحلة حاسمة من تاريخ
الانتشار الاستعماري الأوروبي، كما ترمي إلى تفكيك بعض الغايات ووسائل العمل والمناهج التي اعتمدها "علماء" آمنوا بأن خلاص الشعوب المستعمرة يكمن أساسًا في خضوعها واندماجها في المنظومة الاستعمارية؛ على أساس أنها الوحيدة القادرة على أن تخرج هذه الشعوب من الهامش، وتلحقها بالكونية، وتدرجها في "حركية التاريخ العالمي". وفيما يهم تخصيصًا منطقتي "شمال أفريقيا الفرنسية" والشرق العربي، فإن اجتهادات العلماء الاستعماريين على اختلاف حقول عملهم، رامت في مجملها إقامة البيّنة على أحقية فرنسا بتقرير مصير المنطقتين، وسعت لتأسيس شرعية أخلاقية وسياسية وإنسية في تسيير أمور ما رأته مجالً حيويًا، يتأكد به سمو "المهمة الحضارية" للجمهورية الثالثة". والمؤكد أن هذه النخبة اعتقدت أن الاستعمار لا يفيد المستعمِر وحده، وأنه أولً وقبل كل شيء مشروع مفيد للمستعمَر، بل والبشرية جمعاء.
تشهد الساحة الفكرية والإعلامية الفرنسية مند عقدين صخبًا معرفيًا مجاله المواضيع المتعددة والمتنوعة التي لها صلة بالاستعمار
والمستعمرات وإرث الماضي القريب/ الحاضر. وهي في واقع الأمر مواضيع لها ارتباط مباشر بما يعرفه المجتمع الفرنسي من مخاض هوياتي زادته حدة الحوادث الطارئة الكبرى التي قلبت الكثير من المفاهيم المؤسسة للشخصية والهوية الفرنسيتين؛ من ذلك انهيار حائط برلين وتوسيع رقعة الاتحاد الأوروبي والحرب في البلقان وحوادث الحادي عشر من سبتمبر، وازدياد عدد المهاجرين المستقرين في البلاد وما تمخض عن استقرارهم طويل المدى وتجنسهم، ما جعل حضورهم وازنًا، وأشد حدة، وأزمة التشغيل، وظاهرة ما يسمى "الإرهاب الإسلامي" التي استهدفت فرنسا أكثر من غيرها من الدول الغربية. وزاد الجدل استعارًا رغبةُ الرئيس نيكولا ساركوزي في تضمين مقررات التعليم في المستويات الابتدائية والثانوية ما يثبت أن الاستعمار كان "نعمة" على المستعمرات، وأن فرنسا قدمت لشعوب أفريقيا وآسيا خدمات جليلة. ومن باب التذكير، فقد عرفت فرنسا قبيل ذلك جدلً سياسيًا وفكريًا واجتماعيًا لا يقل احتدادًا، وقد تعلق بالعبودية وأدوار فرنسا في تجارتها والفوائد التي جنتها من الرق والاتجار بالبشر واستغلالهم.
والواقع أن الاجتهاد في دراسة الظاهرة الاستعمارية لم ينحصر في دوائر المؤرخين وحدهم. فقد استأثرت التيمة باهتمام منتمين
باحثين من تخصصات أخرى، وإن بقدر أقل، كالاقتصاديين والسينمائيين واللغويين، فضلً عن الصحافيين محترفي التحقيق التلفزيوني الذين وباعتراف الجميع، كان لمساهماتهم وقع كبير على الرأي العام الوطني؛ إذ بفضلهم اتسع مجال الجدل، فأنزل من صوامع العلماء لتشارك فيه فئات عريضة من الفرنسيين على اختلاف أصولهم ودياناتهم وانتماءاتهم الأيديولوجية والفكرية. والبيّ أن الاهتمام بالاستعمار بصفته ظاهرة تاريخية في حد ذاتها، وحدّة الحجاج بين تيارات بعضها على أقصى طرفي النقيض، وانخراط الساسة والعسكريين في هذا الجدل من مواقع متنوعة (شاهدون وصانعون للحوادث ومشاركون في صنعها)، مؤشرات تدل على أن الاستعمار ما يزال يسكن اللاوعي الجماعي، وأن المجتمع الفرنسي لم يُصفِّ بعد حساباته كلها مع تركة الاستعمار. ومن نافلة القول إن ارتفاع عدد المنشورات في الموضوع، من أبحاث أكاديمية موثقة وسير ذاتية وتقارير ونشر للوثائق واهتمام الإعلام السمعي والمرئي وغيرها، أمور تمثّل دليلً إضافيًا على استمرارية أزمة الذاكرة في فرنسا، وأن للمؤرخين أدوارًا حيوية يرجى منهم الاضطلاع بها قصد الاستجابة لحاجة جماعية إلى التاريخ.
وعلى الرغم من محاولات المؤرخين التزام الموضوعية تصريحًا وتلميحًا، وإقرارهم منذ البداية بأن كتابة "التاريخ الاستعماري coloniale Histoire " أو "تاريخ الاستعمار colonialisme du Histoire "، أو "تاريخ الظاهرة الاستعمارية fait du Histoire colonial " وعبارات أخرى من القبيل نفسه لكل واحدة حمولاتها ودلالاتها، فإنهم يقرون بصعوبة مهمة المؤرخ وكونها معقدة من حيث التوثيق والتصور والتفاعل والخلاصات.
والواضح أن المؤرخين في تناولهم للقضايا الكبرى والفرعية يستحضرون ما وقع في أفريقيا السوداء وشمال أفريقيا، مع تركيز
خاص على التجربة الجزائرية على طول مدتها، منذ البدايات إلى نهايتها بعد حرب مريرة. وفي المقابل، لا نجد – ولا عند غيرهم من المؤرخين الغربيين - اهتمامًا ملموسًا بما وقع في المشرق العربي. ويمكن للمرء – من دون أن يكون بالضرورة مدفوعًا بسوء نية ولا منحازًا إلى أيديولوجية بعينها - الخلوص إلى أن الإستغرافيا الفرنسية وضعت تراتبية لما تسميه هي نفسها "جرائم" التوسع الإمبريالي بشتى أساليبه المتنوعة، وعلى رأسها الإبادة الجماعية Extermination لشعوب الكرايبي وأميركا الشمالية وأستراليا، ثم الاتجار بالرقيق، والهيمنة باسم "مهمة الرجل الأبيض"، والحرب على حركات المقاومة الوطنية، لنجد في آخر القائمة التجربة السوفياتية. وما يثر الانتباه أن هذه الكتابات تطلق لنفسها العنان في محاكمة الاستعمار وإدانته، وجعل جميع أصناف التحكم الاستعماري في خانة واحدة؛ ما يؤدي في الغالب إلى ضرب من التنميط اللاتاريخاني.
ويحسن التنبيه إلى أن النخب المثقفة في فرنسا، أكثر من نظيراتها في بريطانيا وإسبانيا والبرتغال وهولندا وألمانيا، ترى من
واجبها الأخلاقي والفكري التفكير في الفعل الاستعماري وممارساته وتداعياته طويلة المدى. وهي ترى كذلك أن الاستعمار لا يهم المجتمعات المستعمرة وحدها، وأن الميتروبول بدورها جزء من العملية أساسًا بسبب ارتفاع نسب التأثر بالهامش، وهو ما يبدو جليًا في الشارع العمومي وأماكن العمل ولغة التخاطب والفنون الشعبية وأنواع المأكولات [...] إن المهاجرين القادمين من المستعمرات القديمة حين ينتقلون إلى الضفة الشمالية ويستقرون بفرنسا، لا يتخلون إطلاقًا عن إرثهم الثقافي والفكري بما فيه مخلفات الاستعمار، بل إنهم بفعل قوة الاستقرار والتوالد يعطون مضمونًا "للاختلاف الفرنسي".
ومهما يكن من أمر، فإنه في خضم تفكيك المنظومة الاستعمارية فكرًا وفعلً وتداعيات، وقف كثير من المؤرخين على "المعرفة
الكولونيالية"، ويقصد بها المادة الفكرية التي راكمتها الإدارات الاستعمارية في شتى المواضيع الخاصة بالإنسان المستعمَر ومجاله، والتي ساهمت بقدر كبير وحاسم في التحكم والهيمنة والتوجيه... واستمرارية الاستعمار حتى بعد رحيله وحصول الدول الجديدة على استقلالها.
ظهور "العلوم لاستعمرية": الظروف والمحفزات
يقسّم كثير من المتخصصين في تاريخ الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية علاقة المجتمع الفرنسي بالاستعمار إلى ثلاث مراحل:
فقد نُظر إليها خلال الأولى على أنها ظاهرة طبيعية، وغلبت في الثانية المساءلة والتساؤل، واتسمت الثالثة بالتبرؤ والتناسي trou Le
. وما يهمنا في هذا المقامLa société française au prisme de l ' héritage colonial والإدانة الأخلاقية de mémoire colonial
هي المرحلة الأولى التي استأثرت فيها الدوائر الاستعمارية بالقرارات الخاصة بتوسيع المجال الكولونيالي، مستفيدة من سلبية الرأي العام واستكانة المناهضين لمشروعهم.
والواقع أنه لمدة طويلة، منذ القرن الثامن عشر إلى نهاية خمسينيات القرن العشرين، كان الاستعمار، أي تسيير دولة أوروبية
لأمور ساكنة منطقة تقع في الجنوب، يبدو ممارسة طبيعية لها ما يفسرها ويبررها ويدفع إلى الدفاع عنها فلسفيًا، ومحاربة من يحاربها بكل الوسائل، وإن اقتضى الحال إعلان الحرب. وداخل هذه المدة، ثمة مرحلة كان فيها كل مقاوم للاستعمار يوصف بالإرهابي ونعوت من هذا القبيل.
في الحقيقة، لم يكن يُنظر إلى الاستعمار من منظور التنافي بين الخير والشر، وثنائية الأخلاق واللا أخلاق، ومتناقضة المستغِل
والمستغَل، وإنما بوصفه مقاولة قطباها بالضرورة مستفيدان وإن بدرجات مختلفة، المركز والمستعمرة. ولم تكن غلبة كفة المركز تبدو بالأمر المشين، بل وضعًا مشروعًا بوصفه المستثمر الذي يحق له الاستعلاء بقيمه، وصيانة مكتسباته ميدانيًا من خلال سن القوانين الخاصة، واستعباد الأهالي، وتسخير النخب، والمناورة الدولية والتحالفات غير الطبيعية. وإذا تركنا جانبًا بعض الشخصيات الاستثنائية (جون جوريس Jaurès Jean على سبيل المثال)، فإن غالبية المثقفين والمفكرين وموجهي الرأي العام، لم تكن ترى من واجبها وضع الاستعمار فعلً وفكرًا على محك السؤال، فبالأحرى إدانته أو التقليل من وظيفيته.
هل بالإمكان الحديث عن وجود إجماع في شأن إيجابية الاستعمار؟ في واقع الأمر، كانت الأغلبية مع توسيع آفاق الاقتصاد
الفرنسي؛ لما له من فوائد مباشرة على نمط العيش ومستواه. وفضلً عن هذا العامل الحاسم، رفعت أخرى من درجة الحماس بما جعل الاستعمار مشروعًا مجتمعيًا، منها مساهمة تأسيس إمبراطورية مترامية الأطراف في ترسيخ الانتماء الوطني وشحذه، خاصة أن بلاد "الثورة الفرنسية" كان ترى نفسها مستهدفة من القوى الأوروبية الأخرى، وهو شعور ازداد حدة بعد استكمال الوحدة الألمانية وما ترتب على حرب 1870. وشد من عضد هذا الإحساس اليقين بأن فرنسا تقوم فعلً بخير عميم تستفيد منه الشعوب المستعمَرة بقدر ما، وهو ما يستوجب منها الاعتراف بالجميل لفرنسا من خلال الخضوع والمساهمة في الحروب التي تقوم بها فرنسا لتوسيع رقعة هيمنتها على العالم، والدفاع عن فرنسا نفسها إذا اقتضي الأمر ذلك.
وكان أقصى اليمين وأقصى اليسار وحدهما يعبران عن بعض التحفظ في موضوع ما كانا ينعتانه "المغامرة الاستعمارية". ومن
البديهي أن أسباب الموقفين متناقضة جملة وتفصيلً. فقد كان أقصى اليمين يرى في تشتيت القوى العسكرية وإرسال خيرة الضباط والعسكريين بعيدًا عن فرنسا تهديدًا للأمن الوطني من ناحية الشرق؛ بما يجعل "الخط الأزرق" وبالتحديد منطقة ليفوج Vosges Les مفتوحة أمام الزحف الألماني. أمّا اليسار المتطرف، فكان يرى في "المغامرة" تقوية للدوائر الرأسمالية على حساب العمال والفلاحين، وكان المقصود بهؤلاء بالدرجة الأولى العمال والفلاحين الفرنسيين بطبيعة الحال.
وما يستوجب التذكير به هو وجود مجموعة من المعطيات جعلت الأمر يبدو كذلك. كانت الحضارة الغربية تعطي الانطباع بأنها
أقصى ما يمكن بلوغه من حيث التقدم، وأن هذا التقدم يعطيها الحق في ترشيد مسيرة الشعوب المتخلفة وإدماجها في حركية التاريخ. وطوال القرن التاسع عشر، ازدهرت بعض التقليعات الفكرية - العلمية التي تؤمن بوجود عدة أجناس بشرية، بعضها مؤهل طبيعيًا أكثر من غيره للتقدم وريادة ما عداه. وبناء على دراسات "علمية" وقرائن "علمية دامغة" و"أدلة واضحة"، ورسم خريطة للعالم، ميزت بين مجالات جغرافية متقدمة مؤهلة لاستعمار ما دونها، وأخرى بدائية قابلة للاستعمار. ومن أجل مساعدة الأخيرة، وجب دراستها وفق مناهج خاصة تتأطر في مجملها في خانة "الاستشراق". وحين جعلت الجمهورية الثالثة بدءًا من عام 1895 "المهمة الحضارية" من أولويات أيديولوجية الدولة، انبرت الجمعيات الجغرافية ونصبت نفسها آليات مساعدة للمشروع الاستعماري. لقد رأت أن الواجب الوطني يفرض أن تقوم هي بإقناع الرأي العام بجدوى الاستعمار وفوائده، بل وأكثر من ذلك الدفع بأكبر عدد من المواطنين إلى ركوب مغامرة الاستعمار للاستفادة والإفادة.
بدا واضحًا منذ البدايات أن المشروع الاستعماري في حاجة ماسة إلى تضافر جهد فعاليات متنوعة ومتعددة تساعد السياسي في
اتخاذ القرار، والعسكري في رسم خططه، والاقتصادي في عقلنة استثماره. إنهم جميعًا في حاجة إلى صاحب المعرفة. ومن باب التذكير، وجبت الإشارة إلى أن نابليون اصطحب معه في حملته على مصر فريقًا من العلماء من تخصصات متنوعة، بعضهم جعل نصب عينه دراسة الإنسان المصري وتاريخه وعاداته وتقاليده.
ظهرت العلوم الاستعمارية تخصصًا قائمًا بذاته في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وما لبثت أن فرضت نفسها داخل المجمعات
المتحمسة إلى بناء إمبراطورية استعمارية تضمن في الآن نفسه رفعة فرنسا عسكريًا وسياسيًا داخل القارة العجوز، ومصادر للمواد الخام وأسواقًا للإنتاج الصناعي مما يضمن لرأس المال الفرنسي الازدهار والتنافسية. والواقع أن مؤسسي هذه "العلوم"، انتبهوا منذ البدايات إلى استحالة جعلها مستقلة وموضوعية، وإلى أنه لا مكان لها داخل الجامعات ولا لازمة أن يكون المجتهدون فيها من أصحاب الكراسي الأكاديمية. وخلصوا كذلك إلى أن الأنجع هو الارتباط بالدوائر الاستعمارية؛ فهي وحدها الراغبة والقادرة على تمويل المشاريع التي تهدف إلى تكوين الأطر المؤهلة لشغل الوظائف الإدارية في المستعمرات، وهي المساهمة نفسها في صياغة خطاب يؤصل الفعل الاستعماري.
إنَ موضوع العلوم الاستعمارية هو المجتمعات التي دأبت الأدبيات الأوروبية منذ القرن السادس عشر على توصيفها بالمتوحشة
والمتبربرة والبدائية والمشاعية والبسيطة والتقليدية والمحافظة. إنه إجمالً "الآخر"؛ لذلك انتصرت النظرة "الغيرية" و"الغرائبية" في تلك الأدبيات. وتتأسس هذه القناعات على النظر إلى أوروبا على أنها مركز العالم، ليس فقط جغرافيًا، وإنما أساسًا بالنظر إلى رفعة قيمها ومراتب حضارتها وما تستفزه من حركية للتاريخ لا بد أن تنخرط في ديناميتها الجماعات التي ما تزال خارج التاريخ.
وزاد من قيمة العلوم الاستعمارية التطور الحاصل في "نظريات التطور" التي فرضتها المقاومات المحلية. فبعد القضاء على
المقاومات المحلية، أو بالأحرى إخمادها لفترة، أخذت أشكالً أخرى أكثر تمويها، أهمها التي على مستوى العقليات. وجب آنئذ مراجعة المسلمات الأولية، وإعادة صياغة الخطاب الكولونيالي. لقد زودت نظريات التطور المشروع الاستعماري بأجندة جديدة تقضي بأن فرض الاحتلال لازمة في أول المسلسل، وأن التدبير بشتى الوسائل ضرورة، وأن الإدماج Assimilation مبتغى وطموح يمكن الوصل إليهما في آخر المشوار، وإن اقتضى الأمر زمنًا طويلً. وبناء عليه، فإن الصواب يقتضي احترام خصوصيات المجتمعات المستعمرة، فلا طائل من محو مقوماتها وفرض النموذج الغربي عليها. يمكن، والحال هذه، التقعيد لتنظيمها من داخلها.
والواقع أنه ما لبثت أن ظهرت تناقضات عديدة، خاصة ما له صلة بالوسائل الواجب اعتمادها للوصول إلى الغايات المنشودة.
بات الأهم هو تأمين الحضور وعقلنة التدبير والرفع من مردودية الهيمنة السياسية والاقتصادية. لقد فرض الواقع الجديد الإقلاع عن الاعتقاد بوجود "بشرية واحدة"، لتحل محله أفكار جديدة موضوعها الأساس هو "العقلنة" أو ما نعت علميًا ب "العناصر المكونة للعقلية" mentale Construction، وتفترض بالضرورة التسليم بوجود اختلافات بين "نحن" أي البيض، و"الآخر" أي "الأهالي"، والغاية هي تأخير زمن الإدماج والاندماج. تنبه المستعمر إلى أن مصلحته تكمن بالضبط في استعمال المؤسسات المحلية لترسيخ حضوره وهيمنته، وكذلك لطمأنة الأهالي على إرثها الثقافي وتراتبياتها "الأزلية"، وجب والحال هذه، دراسة المؤسسات الأهلية قصد استعمالها وسائل للتحكم على أنها ذات قيمة في حد ذاتها، وأنها حمالة لما يكفي من المقومات ما يجعلها قادرة على التعايش مع النظم العصرية الخاصة بالأوروبيين. ونجد في هذه الخلاصة المبكرة خيار "الإدارة غير المباشرة"، والاعتماد على النخب المحلية وإطلاق يدها في الأمور التي تضمن التسيير الداخلي، وهو الخيار الذي أبان عن نجاعته زمن الاستعمار، وتأكد بوضوح بعد نهايته.
والمؤكد أن العلوم الاستعمارية فرضت نفسها؛ لأن المستعمر أدرك جادًا أنه في حاجة إلى معرفة الأهالي ليقينه من كونها
معرفة وظيفية تضمن مصالحه وهيمنته. لا شك في أن علماء الميدان اكتشفوا شساعة "العلم" الذي نصبوا أنفسهم مؤسسين له، وأوكل إليهم أمر تأصيله وتوسيع اهتماماته؛ فلم يجدوا بدًا من إخضاعه لمنطق الاستعمار نفسه حين عجزه عن تحقيق الهيمنة الكاملة على مجال ما، فآثروا إخضاعه لمنطق "الانشطار"؛ إذ ابتدعوا علومًا مساعدة من قبيل "التاريخ الاستعماري"، و"الجغرافيا الاستعمارية"، و"التشريع الاستعماري"، و"الاقتصاد الاستعماري"، و"سيكولوجية الأهالي". وجب كذلك تأسيس معاهد "عليا" وأخرى "متخصصة"، جميعها وضعت دفاتر لحملات وأجندات عمل وبرامج بيداغوجية جعلت على رأس أولياتها الدفاع عن المشروع الاستعماري وأنسنته ما أمكن، ليس بصفته فعلً ممنهجًا فقط، وإنما منظومة فكرية أيَضًا.
وكان للمعرفة الكولونيالية الوظيفية أدوارًا ذات غايات معلومة، وتكرست قيمتها بالنظر إلى قيمة ما قدمته من خدمة للسياسات
العامة. وتكمن أهم الأدوار - وهي على قدر من الأهمية - أساسًا في الإقناع بضرورة الاستعمار والتوسع المجالي وإعطائه المرتكزات الفلسفية والعملية التي تكسبه شرعية كاملة، أخلاقية وغيرها. وتستند المهمتان إلى ما هو أهم، ويتمثّل بتحديد أحسن السبل وأنجعها لتدير أمور المستعمرات والتعامل مع أهاليها لضمان تعاونها وانصياعها. إن القائمين على الشأن الاستعماري لم يكونوا مهتمين بالجدل الفلسفي في موضوع موقع هذه العلوم داخل العلوم الإنسانية، وما كان يعنيهم أولً وأخيرًا هو تزويدهم بالمعلومات اللازمة لتحقيق الأغراض الاستعمارية. وقد عبر عن هذه الحقيقة جيل بريفي Brévié Jules من موقعه بصفته حاكمًا عامًا لأفريقيا الغربية (1930 - 1936) في مقولة اختزل فيها الرأي في هذه العلوم: "إن العلوم التي تخدم الاستعمار تؤول دومًا إلى دراسة الإنسان داخل مجال الأهالي، وهي على كل حال علوم الإنسان".
من هم هؤلاء العلمء؟
إنّ المتفحص للإنتاج المعرفي في موضوع الاستعمار والمجتمعات المستعمرة، وهو للتذكير متنوع وغزير ومهم، لا بد أن يخلص
إلى أن عدد الأكاديميين المساهمين فيه قليل، وقليل جدًا. ونعني بالأكاديميين الممتهنين للبحث العلمي المنضبط والمستقل، وهم في الغالب القيمون على التعليم والتكوين والتأطير في الجامعات والمعاهد العليا. إن عدد الأكاديميين داخل هذه القلة محسوب على رؤوس الأصابع، فالغالب بين أصحاب الحنكة هو النأي بأنفسهم عن ميدان تختلط فيه الأوراق، ويفقد فيه الباحث استقلاليته ويتحول إلى تابع لإدارة لا تقبل منه سوى ما هو عملي وإجرائي. لقد أدى هذا الحرص ليس فقط إلى عدم الكتابة في قضايا الاستعمار بل إلى الامتناع عن التفكير فيه، وهو ما نلمسه عند رواد مدرسة الحوليات. ولا يعني هذا أن الجامعات جميعها والجامعيين كلهم ابتعدوا عن الاشتغال لمصلحة ممولّي هذه العلوم. إن العديد من الدراسات التي على أساسها خُطط لبعض البرامج الاستعمارية مولتها جهات متورطة في العمل الاستعماري، وأنجزتها فرق جامعية رأت من واجبها المساهمة في تكريس الهيمنة الاستعمارية.
ومهما يكن، فالغالب هو الحضور القوي لمن ينعتون "باحثي الميدان"، من دبلوماسيين وموظفيه وإداريين استعمارين وضباط
مدنين وعسكريين ورجال دين ومفتشين في التعليم... إلخ.
لم يكن "علماء الميدان" هؤلاء من ذوي التكوين الأكاديمي في العلوم التي اشتغلوا فيها؛ فأغلبهم لم يمر بمدرجات الجامعات، ولا
تلقى أصلً تقعيدًا نظريًا منهجيًا، وكثير منهم من دون شهادات جامعية. ومن قوة إدراكهم لصعوبة ولوج الجامعات قصد التدريس بها أو حتى مجرد الانتماء إليها، انخرطوا في أسلاك الإدارة وأسسوا في مؤسسات لا علاقة لها بالجامعة، ولكنها تشتغل وفق المنطق نفسه، حيث تعطى بها الدروس وتؤطر الأبحاث وينتهي بها المسار الدراسي بالحصول على شهادات معترف بها تخول العمل في الإدارات والديبلوماسية والتدريس...إلخ. ويمكن الجزم بأنهم عصاميون تكونوا ميدانيًا، رفعوا من درجة معرفتهم بالبلاد والعباد من خلال جولاتهم واحتكاكهم بالساكنة ومشاطرتهم لها طعامها ومسراتها وأتراحها، وتمرسوا أولً من خلال كتابة مقالات "عالمة" في مواضيع مركزة دقيقة تطرقت إلى ظواهر اجتماعية وغيرها، وقاموا بنشرها في نشرات متخصصة تمولها في الغالب مؤسسات مالية متورطة هي نفسها في الشأن الاستعماري. وقد شكّل هؤلاء العلماء بالتدريج نخبة متميزة، بل "ناديًا مغلقًا" مندمجًا في المنظومة الاستعمارية، لهم مكانتهم المعترف لهم
بها، وغالبًا ما يستدعون للإدلاء بآرائهم في قضايا إستراتيجية يُتخذ في شأنها قرارات "خطيرة"؛ أي إنه كان لهم نصيب في رسم السياسات القائمة، وكان لرأيهم وزن وقيمة يقر بهما الإداريون، مدنيون وعسكريون على السواء.
ومما لا مراء فيه أن أغلب العاملين في هذا الحقل اندمجوا في ميكانيزما المصلحة الاستعمارية؛ فتحولوا في غالب الأحيان
إلى "استعماريين أكثر من الاستعماريين"، لا تهمهم سوى مصلحة الميتروبول، وإن تطلّب الأمر الدخول في منطق المؤامرة والتآمر والتخريب والحرب والتطاحن الداخلي. ومن بينهم أشخاص ذوو قناعات إنسية ودينية رأوا أن تحقيقها لا يمرّ إلّ عبر الاستعمار. ومن باب التنبيه، إن الاتفاق في الغايات "الكبرى" لا يعني البتة وجود اتفاق مسبق بين علماء الاستعمار حول المناهج وطرق العمل، فبالأحرى في الخلاصات والمقترحات العملية. لقد سجلت اختلافات بين صفوف هذه النخبة، وصل بعضها إلى حد التناقض والتعارض والتنافي الصريح جملة وتفصيلً (مثلً حالة جاك بيرك وروبير مونتاني). وهذه المسألة على قدر من الأهمية؛ فلا يمكن فهم كتابات العديد منهم إلّ بعد الاطلاع على سيرته الذاتية، والإلمام بمساره المهني، وأحيانًا بدرجة تديّنه وميولاته الجنسية وارتباطاتها بالدوائر الاقتصادية.
حقول العلوم لاستعمرية وخطابها ومناهجها
انبنى الخطاب الاستعماري الفرنسي في ظل الجمهورية الثالثة على ثلاثة مرتكزات: "المهمة الحضارية" للتبرير، و"الاستصلاح" valeur en Mise بصفته إطارًا عامًا للاستغلال، ثمّ "السياسة الأهلية" بصفتها وسيلة لتدبير الشأن العام. وقد وضعت العلوم الاستعمارية نفسها في خدمة تحقيق هذه المرتكزات؛ إيمانًا من أصحابها بجدوى وضع المعرفة في خدمة الإدارة؛ ما يعني بالضرورة تطويع المناهج لتكون مطية لأيديولوجية بذاتها، بل لتسند مقاصد إجرائية وميدانية. والواقع أن المعرفة الكولونيالية سطرت لنفسها هدفين متوازيين: الأول هو المساعدة الفعلية على الاستعمار من خلال ضبط الموارد الطبيعية وكل ما يمكنه أن يساعد على استغلالها، وأولها الإنسان؛ والثاني هو إضفاء الشرعية. إنها وفق مقولة الباحثة الفرنسية إيمانويل سيبرد "علوم جديدة [...] تصرّح علانية بأنها في خدمة الاستعمار ومتطرفة في خدمتها إيّاه".
لقد كان صناع السياسة الاستعمارية من ساسة وإداريين ورجال أعمال وعسكريين ومنتمين لقطاعات متنوعة، من ضمنهم
رجال الكنيسة، على بينة من كون الاستعمار لا ينحصر في ما هو تقني محض؛ أي بسط الهيمنة والاستغلال والاستفادة وتحقيق الربح وضمان التعاون من وضع القوي. كانوا يدركون أن الاستعمار يمثّل نقلة حضارية؛ أي إنه "ظاهرة ثقافية" تؤثر حقًا وبقوة في المجتمعات المستعمرة. إن الهيمنة المجالية لا تستقيم ولا تثمر من دون الهيمنة الثقافية، وتمر بالضرورة عبر اللغة واستنساخ المؤسسات، على الأقل من حيث الشكل، والحيلولة دون التأثر بما مصدره قوى عدوة (الشيوعية والنازية والقومية). ومن هذا المنطلق، وجب نشر الثقافة الغربية في صيغتها الفرنسية بالتدريج، ولكن من دون زعزعة البنى التقليدية ولا نفخ للعقليات بما يدوخها. ومن الأمور المثيرة أن العلوم الاستعمارية انبنت هي نفسها على الاعتقاد كون الاستعمار هو الأصل. تمثّل الاستعمار في أعين
العلماء ومثّلوه لقرائهم ومحاوريهم، على أنه ظاهرة طبيعية، أو بالأحرى مسلسل ودينامية طبيعية وتاريخانية، بل ذهبوا إلى حد عدّه حقًا وواجبًا. وقد وجدوا ما يعزز طرحهم في التجارب التاريخية الكبرى، ونقصد بها الإمبراطوريات الكبرى، خاصة التي انطلقت من الضفة الشمالية للحوض المتوسطي، وأهمها إطلاقًا الإغريقية والرومانية. لم يكن صعبًا عليهم إقامة البيّنة على أن كثيرًا من التقنيات "الثورية" الميسرة للاستغلال الذكي للمجال والتسيير الإداري والتنظيم المجالي عرفتها شعوب الجنوب بفضل "العبقرية" اللاتينية والرومانية.
وجب منذ البداية تأصيل ترسانة من الأفكار عُدّت حينئذ من قبيل المسلّمات، أهمها الاعتقاد بوجود "المتوحش الصالح" Le sauvage bon، و"البدائي الكسول" paresseux primitif Le، وكلاهما قابل للاستعمار، بل يقتضي الواجب الإنساني استعماره ليُشبع بالقيم التي تجعله منتجًا ومنضبطًا بقوة القانون. وتأسيسًا عليه، انصب الاهتمام على المجال والإنسان أساسًا؛ لأن "الأهالي" غير قادرين على القيام بذلك، من جهة لأن المعارف الأولية تعوزهم، ومن جهة أخرى لأنهم أصلً لا يرون طائلً من وراء القيام بذلك. إن الرجل الأبيض هو المؤهل الوحيد للقيام بهذه المهمة "النبيلة" لامتلاكه المعارف والقدرات، ولإدراكه أن المعرفة هي مفتاح التقدم. رأى العديد من علماء الاستعمار أن المجتمعات "الأهلية" لا تمثّل محصلة انتظام سياسي، وإنما هي نتاج تفاعل بشري مع مجال
جغرافي خاص ضبط قوانين تجمعها وتكاملها وتنافرها. كما كان للمجتمعات الأهلية وفق هذا التصور أن تنتظم في إطار مجتمعات سياسية، وأقصى ما بلغته هو درجة "جماعات انقسامية" أو "حشود" Foules. وهذان الوصفان يتأرجحان بحسب تخصص الباحثين: يرجّح الإثنوغرافيون الأول، ويفضل القيّمون على علم النفس الاستعماري الثاني. والمثير أن جزءًا كبيرًا من الخطاب التاريخي يتأسس على مسلّمة غياب مجتمع "أهلي"، وعلى تمثّل المجال المستعمَر فضاءً غير مأهول يتحرك داخله بدو رحل وسراق وقطاع طرق (مثلً في فضاء الشرق العربي وشمال أفريقيا والهند الصينية). وما يعطي الطرح صدقيته، بحسب هؤلاء العلماء، هو جهل الساكنة المحلية لمفاهيم جوهرية كالحرية والملكية الخاصة والوحدة والسيادة السياسية. فلا يمكن لجماعة بشرية فوضوية بالسليقة وتعوزها زعامة حقيقية، أن تدعي أنها بلغت مرتبة "المجتمع"، فهي مجرد شتات قابل بالكمونة لأن يرتقي، شريطة أن يتدخل فاعل قوي ومنظم وهادف، وهو بكل يقين المستعمر القادم من الشمال. إن المجال وسكانه يشهد تطورًا، بل ويحقق أحيانًا قفزة نحو الأمام في ظل الحضور الأجنبي القوي، ولكنه لا يلبث أن ينتكس إلى سابق عهده بعد أن يعود ذلك الأجنبي إلى دياره. ولتكريس هذه النظرة، نلحظ أن الخطاب الاستعماري حين حديثه عن مسلسل ترشيد الأهالي، يستعمل عن قصد مصطلحات حمّالة للمعاني العنصرية (الزنوج، والبدو... إلخ)، ومصطلحات جغرافية تروم التفريق والفرز (الشرق العربي، وأفريقيا، وجنوب شرق آسيا)، مستعيضًا بها عن التحليل السوسيولوجي الذي حين لا يمكنه تفاديه يقوم بتقزيمه في مفاهيم نزقة من قبيل "الأهالي" و"الساكنة المستعمرة".
ومهما يكن من أمر، وبصرف النظر عن نجاعة المناهج وصحة المنطلقات والخلاصات، فإن الكتابات الاستعمارية الفرنسية
تتميز بغلبة النظرة الإثنوغرافية والأنثروبولوجية، سواء من حيث الوسائل أو الغايات والأهداف. فحتى ما كتب في التاريخ العام لا يرمي إلى التأصيل، وإنما إلى إبراز مكامن الضعف والخلل في سيرورة التقدم، وامتدادًا لذلك فضائل الوجود الفرنسي على المجتمعات المحلية. فهنالك واقع ما قبل الاستعمار، وآخر مغاير تحقق بفضل الاستعمار وفي ظله. ومن نافلة القول إن الواقعين متعارضان؛ إذ إن المجتمعات المستعمرة أضحت أكثر استقرارًا، وهو ما مكنها من تحقيق التكامل الاجتماعي وتجاوز الولاءات الضيقة، وسمح لها بضرب أشواط ملموسة في مسلسل استحداث المؤسسات العصرية وبناء البنى التحتية، وأنعم على غالبتها بالتعليم العصري وأسباب الصحة العمومية، وتحقيق التكامل الاجتماعي وتوفير المتطلبات الحيوية، فضلً عن تأهيلها للاندماج في السوق العالمية. وهي أمور ما كانت لتتحقق لولا الاستعمار، ومن الصعب تصور استمراريتها من دونه أو ضدًا له.
التاريخ لاستعمري
في تبريره الحاجة إلى المعرفة التاريخية وما لها من أهمية في التقعيد لسيرة ذكية في تدبير المجال وسياسة الأهالي، أوضح جورج
هاردي - وهو من أبرز المنظرين للوجود الفرنسي في شمال أفريقيا - ما يلي: "إن شغف المؤرخين حاضر بالكمونة عند أغلب القيمين على الشأن الميداني والموجودين بكثافة في جميع المجالات. وفي خضم قيامهم بالمهمات المنوطة بهم، لا بد أنهم انتبهوا إلى ضرورة توفرهم على معرفة تاريخية رصينة". والواقع أن كثيرًا ممن انخرطوا في منطق الدراسات الكولونيالية، وجدوا أنفسهم "مؤرخين بالضرورة"، لكيلا نقول "رغمًا عنهم"، وهو ما دفع بأحد المفكرين الفرنسيين وهو بيار سينجرافليون Singaravélon Pierre إلى تسميتهم "مؤرخين من دون تواريخ histoires sans Historiens. ومن دون التبرؤ كليًا من مقولة عدّ المؤرخين الاستعماريين مجرد هواة للتاريخ أو متطاولين عليه، بصفتهم من حيث الأصل ضباطًا وإداريين ورجال كنيسة، يستوجب الإقرار بأنه فعلً حقل لم يعرف "تأطيرًا"، ولم يوفر لنفسه ما يقعد له ولا ما يضبط من ممتهنيه. ومع ذلك مثّل مجالً تمرّس به باحثون اكتسبوا بالتدريج معارف جعلتهم يرتقون إلى درجة عليا في البحث التاريخي، أهّلتهم ليكونوا "جماعة" مدركة لنفسها ولمكانتها داخل البنيان الاستعماري.
يتأسس الخطاب التاريخي الاستعماري على قواعد "متفق عليها"، تنصّب التاريخ الأوروبي في موافق المحور والنموذج والمنتهى، وما
عداه بالضرورة تابع أو بالأحرى محكوم عليه بالتبعية، لا سيما بعد أن أنجز الاستعمار خطوة مهمة وعملاقة قضت بإخراج المجتمعات المستعمرة من عزلتها وانغلاقها، ودمجها في المسارات العالمية لتصبح جزءًا من التاريخ الإنساني/ العالمي. والحال هذه، وجب التعامل بمنطق خاص مع هذه التواريخ "الخاصة" و"المحدودة" و"الذاتية"، ودراستها من داخلها، وفي تفاعل مع ما دونها، لتكون مجتمعة وحدة تؤكد أن الاستعمار هو الذي أخرجها من محدوديتها وذاتيتها وخصوصياتها، لتكون جزءًا من تاريخ أوسع. ومن دون التزحزح كليًا عن "المركزية الأوروبية"، فإنه بحكم التراكمات وتنوع زوايا المقاربة، تم الخلوص إلى أن للمجتمعات المدروسة تاريخها الخاص، وديناميته الذاتية؛ وهو ما جعل الخلاصات تبتعد عن النظرة العنصرية التي طبعت سلوكات بعض الإداريين الذين تعاملوا مع الأهالي وكأنهم "شعوب بلا تاريخ". ووجب كذلك القيام بكثير من الإسقاطات الاعتباطية لإدراك هؤلاء المؤرخين أن المجال المدروس هو في حقيقة الأمر مجال مصطنع؛ لكون الاستعمار هو من رسم له حدودًا مفروضة تستجيب لإكراهات ليست من رحم المجال، بل هي امتدادات لصراعات أوروبية وحسابات مرحلية.
ومن الأمور المثيرة أن الإنتاج الاستعماري في حقل التاريخ اتخذ لنفسه توجهات تختلف - لكيلا نقول تتجاهل - عما كان معتمدًا في
كتابة التاريخ الأوروبي. لا شك في أن مناهج البحث الماركسية أعطت التاريخ الأوروبي الكثير من "إشراقاته" المنهجية والتحليلية والمضامينية؛ فبفضلها تأسس الخطاب المادي في جملته على الطروحات التي جعلت الاقتصاد والمصلحة وصراع الطبقات في قلب محرك التاريخ، فكانت الخلاصات منسجمة والمنطق الطبيعي الذي يقرن الإدماج العضوي للمجتمعات الأوروبية بالتطور المؤسساتي، وهذا الأخير بالتطور التقني. وعلى عكس هذا المنحى المنطقي، أدار العلم الاستعماري ظهره لما عدّه "ترفًا" فكريًا لا يستقيم إلّ في النصف الشمالي للكرة الأرضية، أمّا ما عداها فيُفهم بالمناهج التقليدية التي لا تقر بغير الاستغلال محركًا للتاريخ، والانقسامية مرجعية للتجمع والتآلف.
ومع ذلك، فإنّ ما يميز الإنتاج الاستعماري في حقل التاريخ، هو تجاوزه لعقدة غياب الأرشيف المكتوب، واجتهاداته لوضع خط
ناظم لتطور مجتمعات رآها متنافرة، وما يجمع بينها (الدين، واللغة، والعلم، والمجال) أقل أثرًا مما يفرّقها (العصبية، والصراعات الضيقة، والولاءات المتناقضة). وللتقعيد لهذا الخط الناظم، لم يجد مؤرخو الاستعمار بدًّا من الاستثمار في مصادر مساعدة للتاريخ، ومن أهمها التاريخ الشفاهي والبحث الأركيولوجي والفنون التقليدية والعادات والتقاليد وفنون الطبخ والألبسة، أي كل الروافد المساعدة على فهم العقليات والذهنيات التي تساعد "الحاكم" على حسن التدبير واحتضان التوتر وتصريفه فضلً عن تنمية مصالح المتروبول وصونها. لم يجد مؤرخو الاستعمار كذلك بدًا من مجاراة الإخباريين المسلمين في كتابة التاريخ. فبعد محاولات أولى رامت الإسقاط واللا
تاريخانية، وجدوا أنفسهم مضطرين إلى اعتماد منطق تعاقب السلالات الحاكمة، وأولوا الملوك والأمراء والوزراء أهمية قصوى، وراموا تغليب حركية الصراع بين الحواضر والقرى، والجبل والسهل، والصحراء والواحات. وعلى الرغم من أنهم عملوا على التقليل من شأن المقاومات المحلية وتبيان أن دوافعها وتجلياتها لم تسمُ إلى درجة "الاستنفار الوطني"، فإنهم أقرّوا بأن المقاومات الانقسامية أدّت أدوارًا في الحفاظ على مقعدات الشخصية المميزة (مثلً مقاومة أهالي المغربين الأوسط والأقصى "للزحف العربي").
وفي سعيهم إلى إضفاء الشرعية على الوجود الفرنسي في مجالات بعينها، أولوا الوجود الروماني في الضفة الجنوبية للحوض أهمية
خاصة، خاصة في شمال أفريقيا. وقد تم تخصيص حيّز مهم داخل برامج البحث للأركيولوجيا، وإيلاء المواقع الأثرية الرومانية أهمية. نالت الجزائر نصيب الأسد من هذا الاهتمام، ولكنّ بلدانًا أخرى من قبيل المغرب وتونس ودول الشرق العربي حازت بدورها اهتمامًا لافتًا. والواضح أن الهدف كان هو إعطاء الرومنة إطارًا معرفيًا يرمي إلى إسعاف الاستعمار والمستعمرة في الآن نفسه: عدّ الفرنسيون أنفسهم ورثة الرومان، و"القبائل البربرية" سليلة الشعوب التي وفدت من مناطق مختلفة. إنها ترى في الشمال الأفريقي استمرارية "ماضٍ مسترسل" يجعل منها مجالً يتعامل وفق قوانين "الغيرية" والقرب Proximité. وتأسيسًا عليه، تبدو الفترة الزمنية التي تفصل نهاية الوجود الروماني عن الحضور الفرنسي، وهي بالتمام اثنا عشر قرنًا، كلها "قرونًا قاتمة" و"غير مفهومة"، ومن واجب المؤرخين توضيح ميكانيزماتها، ومن حق فرنسا أن تضع حدًا لهذه السلسلة المسترسلة.
ولا يجد المتفحص للكتابات التاريخية الاستعمارية، خاصة تلك التي اهتمت بالأقاليم العربية، بدًا من الوقوف على جملة من مكامن
الضعف والخلل فيها، وأهمها اثنان. الأول كونها سردية لا تروم البحث عن كنه التاريخ وحركيته، وهو خلل حصل نظرًا للتركيز على الحوادث والحروب والتوسع والانكماش، وإخضاع التحليل لمسوغات مسبقة ترمي إلى التقزيم وتأكيد قيم التسيب والفوضى والانفلات. فليس مهمًا العناصر المؤسسة للشخصية المحلية، بل المهم هو كيف يمكن استغلال تلك العناصر لبسط الهيمنة وتأكيدها وترسيخها في المجال والزمان؛ وهو ما دفع شارل أندري جوليان إلى القول بأن "التاريخ الكولونيالي هو انتصار السير الشخصية". ويتمثّل ثاني مكامن الضعف، وهو نتيجة للأول، بنظمها على خط واحد سمته الرئيسة غياب الأبطال والبطولات. وقد انتبه كثير منهم لهذه المسالة، وشدد عليها بعضهم.
خلاصة: يف حسن التعامل مع هذا الإنتاج
من الشطط العلمي والمنهجي الانسياق كليًا وراء مقولات إدوارد سعيد المنددة بالمعرفة الاستعمارية، وعدّها مجرد تعبير "جمالي"
للإمبريالية، وكونها أدت دور المرافق للهيمنة بغرض تسلية المجتمعات الأوروبية وإثارة إعجابها وغرائبيتها؛ إنّ الأمر أبعد من ذلك. والواقع أنه لا يمكن للمرء التشكيك في "حسن نيات" صانعي هذا الخطاب، والجزم بأنّ مسوغاتهم كانت مجرد تبريرات؛ إن الكثيرين منهم كانوا يؤمنون حق الإيمان بإنسية المشروع الاستعماري، ويرون أنّ "الله" أو "منطق التطور الطبيعي" سخرهم للقيام بما كانوا يظنون أنه مهمة "نبيلة" أنيطت بالرجل الأبيض. ولقوة إيمانهم بهذه المسلمة؛ فقد كانوا يعدّون العمل العسكري ضرورة ومن صميم "المهمة الإنسانية"؛ لما له من منافع مباشرة على المستعمَرين الذين لا يدركون مصلحتهم نظرًا لتخلفهم الشامل، ولما له كذلك من أثر إيجابي وحاسم في التوازنات داخل القارة العجوز، وهي كما لا يخفى على العارفين لازمة للحفاظ على السلم العالمي.
ويبقى السؤال الجوهري هو: هل يمكن عمليًا وضع العلوم الاستعمارية داخل محكمة، ومحاكمتها كما يعامل أي متهم؟ وعلى
أي أساس أخلاقي، أو أيديولوجي؟ إن الانجرار وراء المقاربة الأخلاقية يؤدي بالضرورة إلى السقوط في فخ التبسيط والرؤية من خلال منطق الثنائيات المتضادة: المركز ضد الهامش، والتقدم نقيضًا للتأخر، والصراع بين الشر والخير، والتنافر بين الأخلاق واللا أخلاق، والتنافي بين الاستغلال والتبعية من جهة، والاستقلال والسيادة من جهة أخرى؛ ذلك إنه منحى يحوّل البحث التاريخي إلى محكمة ومحاكمة، ويفقد حتمًا كنهه ووظيفيته.
ومن نافلة القول إنّ الموضوع برمته حساس، بل وعلى قدر عال من الحساسية؛ إنّ كل المواضيع من هذا القبيل تتطلب مقاربة خاصة
تقرن بين الموضوعية العلمية والنأي عن التبسيط والتنميط. وهو ما يستوجب التفاعل مع الإنتاج الاستعماري بصرف النظر عن مقاصده وغاياته، والتعامل معه بصفته مادة وثائقية، والاهتمام بالمعلومات في حد ذاتها. إنه من حيث المعلومات والمعطيات والإحصائيات إنتاج "عالم" و"معارفي" بالمعنى التقليدي للمفهومين، أساسًا لأنه يستند إلى مصادر كلاسيكية (مناقبية، وإخبارية، وفقهية، وجغرافية رحالة، وغيرها)؛ ما يكسبه قيمة وضعية بعيدة عن التقليعات الكبرى التي عرفتها الكتابة التاريخية في النصف الأول من القرن العشرين (الماركسية والحوليات، وغيرهما). وبناء عليه، فلا يمكن أن نتغافل عنه أو أن نزدريه؛ لكونه في كثير الأحيان يمثّل المصدر الأول والأساسي، بل والأكثر وثوقًا. إنّ هذا العلم اكتشف "الدرر والنفائس" الكثيرة ورد إليها الاعتبار، ورفع من قيمتها بعد أن أخضعها لمناهج التحقيق والدراسة وقام بنشرها.
وقد ازدادت قيمته بعد نهاية الاستعمار؛ فعلى الرغم من جميع المحاولات التي سعت إلى النيل منه (التاريخ الوطني والقومي
والعالمثالثي وما بعد الاستعمار Postcolonialisme)، والتي سعت إلى البناء على نقيضه، فإنها في واقع الأمر استسلمت لمنطق الاستمرارية وتتمة ما بدأ في عهد الاستعمار؛ ما أدى إلى محصلة إيجابية يحكمها منطق التراكم.
إنّ هذا الإنتاج الغزير والمتنوع والقيم في غالبه هو في الوقت الراهن أهم مصدر لكتابة التاريخ المعاصر والراهن للبلدان المستعمرة.
وهو وإن اقتضى من الباحثين، على اختلاف جنسياتهم وانتماءاتهم الفكرية وميولهم الأيديولوجية، الحذر والحيطة ووضع المعطيات في سياقاتها الزمنية والاجتماعية، فلا يمكن رفضه كليًّا، أو التشكيك منهجيًا في كثيره. وفضلً عن كل هذا، إنّ العلوم الاستعمارية في جزء منها تعبّ عن الثقافة الفرنسية، وعن تطور الذهنيات في الميتروبول في مرحلة معيّنة من تكوين شخصيته متعددة الروافد والمكونات.
العظم، جلال صادق. الاستشراق والاستشراق معكوسًا. بيروت: دار الحداثة للطباعة والنشر، 1981.
• Abdel-Malek, Anouar. "Orientalism in Crisis." Diogenes. no. 44 (Hiver 1963).
• Alazard, Jean et al. (eds.). Histoire et historiens de l'Algérie. Paris: Editions Félix Alcan, 1931.
• Blanchard, Pascal, Sandrine Lemaire & Nicolas Bancel. Culture coloniale en France: De la révolution française
à nos jours. Paris: CNRS Editions/ Autrement, 2008.
• Bonnemaux, Henri. Rapport général , Congrès de l'enseignement colonial, Outre-mer (Septembre 1931).
• Canstantini, Dino. Le rôle de l'histoire coloniale dans la construction de l'identité politique française. Paris: La
Découverte, 2008.
• Chassigneux, Edmond. Histoire de la colonisation: Leçon d'ouverture. Alençon: Imprimerie Alençonnaise, 1939.
• De l'Estelle, Benoit. "Science de l'homme et domination rationnelle: savoir ethnologique et politique indigène
en Afrique coloniale française." Revue de Synthèse , no. 3 - 4 (Juillet-Décembre 2000).
• Ferro, Marc (dir). Le livre noir du colonialisme: XVI°-XXI° siècles, de l'extermination à la repentance. Paris:
Robert Laffont, 2000.
• Froidevaux, Henri. Les études d'histoire coloniale en France et dans les pays de colonisation française. Paris:
Honoré Champion, 1913.
• Hardy, Georges. "Afrique occidentale française, le mouvement historique en AOF." Bibliographie de l'histoire
coloniale (1932).
• Hardy, Georges. Les éléments de l'histoire colonial. Paris: La Renaissance du livre, 1921.
• Jean Copans et al. (eds.). L'anthropologie: Sciences des sociétés primitives? Paris: Denoël, 1971.
• Julien, Charles-André. les techniciens de la colonisation (XIXe-XXe siècles). Paris: PUF, 1946.
• Leclerc, Gérard. Anthropologie et colonialisme: Essai sur l'histoire de l'Africanisme. Paris: Fayard, 1972.
• Nicolas, Bancel, Blanchard Pascal & Sandrine Lemaire. La fracture coloniale: La société française au prisme
de l'héritage colonial. Paris: la découverte, 2006.
• Saaidia, Oissila & Laurick Zarbini (dir). La construction du discours colonial: L'Empire français au XIX° et
XX° siècles. Paris: Karthala, 2011.
• Said, Edward. Culture et impérialisme. Paris: Fayard-Le Monde Diplomatique, 2000.
• Sibeud, Emmanuelle. Une science impériale pour l'Afrique? La construction des savoirs impérialistes en
France 1878 - 1930. Paris: Editions de l'EHESS, 2002.
• Singaravélon, Pierre. Professer l'Empire: Les "sciences coloniales" en France sous la III° République. Paris:
Publications de la Sorbonne, 2011.
• Sophie Dulucq, Jean-François Klein & Benjamin Stora (dir). Les mots de la colonisation. Toulouse: PUM, 2007.
غاندي المهتار*Ghandi Mohtar |
من مرج دابق إىل سايكس – بيكو
العثمنيون والعرب يف مؤتمر ببيروت
From Marj Dabiq to Sykes-Picot
Report on the Fourth ACRPS Annual Conference on Historical Studies
مقدمة
عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مؤتمره السنوي الرابع للدراسات التاريخية في بيروت، بعنوان "العرب: من مرج دابق
إلى سايكس – بيكو (1916 - 1516): تحولات بُنى السلطة والمجتمع، من الكيانات والإمارات السلطانية إلى الكيانات الوطنية"، وذلك يومَي 21 و 22 نيسان/ أبريل 2017.
وتناول المؤتمر ثمانية محاور؛ الأول: التاريخ العثماني والتواريخ المحلّية، والثاني: الإصلاح والتنظيمات، والثالث: مسألة الخلافة
وسايكس – بيكو، والرابع: التغلغل الغربي ومسالكه، والخامس: جدل العلاقة بين الاستقلال والتغريب والعثمنة، والسادس: السلطنة العثمانية ومسائل من المجتمع الأهلي العربي، والسابع: مآلات جديدة ما بعد العثمانية، والثامن: علاقات سياسية وثقافية. وقد شارك في هذا المؤتمر نخبة من المؤرخين والباحثين العرب.
وقد وصل إلى إدارة المؤتمر 125 مقترحًا بحثيًا و 42 بحثًا محكمًا، وشارك في المؤتمر 130 باحثًا وطالبًا ومهتمًا بالحقبة العثمانية من
دول العالم العربي، 25 منهم من حملة شهادة الدكتوراه. وتحدث فيه 40 متكلمًا في أربع محاضرات عامّة و 11ً جلسةً نقاشية.
في مستهل الجلسة الافتتاحية، ألقى الأستاذ صقر أبو فخر كلمةً ترحيبيةً، فقال إنّ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات
اختط، منذ تأسيسه، سياسةً تقوم على تنظيم مؤتمرات دورية في شتى حقول المعرفة، ولا سيما التاريخ وعلم الاجتماع وفلسطين وقضايا الأمة العربية؛ كالتحول الديمقراطي، ودول الجوار، وغيرها من الموضوعات الجارية والحيوية. وأضاف قائلً: "ليست غاية هذه المؤتمرات تجميع بحوث لإصدارها لاحقًا في كتب، بل الغاية الأساسية والأهمّ هي إيجاد حقل مشترك للباحثين العرب يتفاعلون في نطاقه، ويتبادلون الأفكار ويناقشون معًا القضايا الكثيرة التي تعصف بالفكر العربي اليوم وتجلياته المتشعبة". وأكد أبو فخر أنّ المركز يطمح إلى أن تشكّل مؤتمراتُه محورًا للتواصل الفكري والعلمي، "لا أن تتحول تلك المؤتمرات إلى مجرد مناسبة سنوية ينفضُّ بعدها سامرُ الباحثين فلا يلتقون إلا بعد حول كامل. ولعل المجلات التي يصدرها المركز، وهي خمس، مرصودة لتعميق ذلك التواصل وتفعيله على مدار العام"، ليختم مرحبًا بالمشاركين.
العثمنيون والغرب
ألقى الدكتور خالد زيادة، مدير فرع بيروت في المركز، كلمة الافتتاح وهي بعنوان " الدولة العثمانية وأوروبا"، قال فيها إنّ الدولة
البيزنطية أُزيلت خلال الفترة 1453 - 1493، بعد سقوط القسطنطينية في أيدي العثمانيين التي جعلوها عاصمتهم السلطانية، ما أدّى إلى إنهاء إمبراطورية عاشت أكثر من ألف سنة. وأضاف زيادة: "حدث التطور اللاحق المتعلق بتعديل الخرائط السياسية حول البحر المتوسط مع توجه الجيوش العثمانية صوب سوريا ومصر وإزالة الدولة المملوكية. وحلّت ثنائية أوروبية - عثمانية مع بدايات القرن السادس بعد أن أُزيل التنوع السياسي حول المتوسط. وساهمت السيطرة العثمانية - خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر - على أقاليم تتوزع بين ثلاثة قارات تحيط بأوروبا الغربية، في ولادة ثنائية فريدة في التاريخ وجوار غير مسبوق بين الإسلام والمسيحية. وفي وقتٍ كانت فيه أوروبا تؤسس عصورًا حديثةً في الفلسفة والعلم، وتكتشف قارات جديدةً وطرقًا بحريةً عبر المحيطات وحضارات مجهولةً أو شبه معروفة، كانت الدولة العثمانية تمعن في ترسيخ النظرة التقليدية إلى صراعها مع دول أوروبا.
في عهد السلطان سليمان القانوني، أكملت الدولة العثمانية بناءها الإداري والقانوني والعسكري، بحسب زيادة، وبلغت أوج
امتدادها وقوتها، وصاغت قوانينها المستمدة من التراث السلجوقي، وأعدّت تراتبيتها المستمدة من التقاليد البيزنطية. وتابع قائلً: "في وقتٍ كان فيه العثمانيون يرسخون أسس الدولة السلطانية، كانت أوروبا الغربية الكاثوليكية تشهد تطورات حاسمةً نحو العصور الحديثة، تمثّل التطوّر الأول باكتشاف قارة جديدة في عام سقوط غرناطة، وهو أمرٌ سيفتح مدى قاريًّا أمام أوروبا محاصرة في مساحتها الضيقة. وفي عام 1520، وهو العام الذي صعد فيه سليمان القانوني إلى العرش، كان مارتن لوثر يرفض طلب البابا ليون العاشر بالتراجع عن نقاطه الخمس والتسعين، ما أدى إلى انشقاق داخل الكنيسة الكاثوليكية، وأفضى إلى حروب دينية استمرت ما يزيد على مئة سنة. وعندما كانت أوروبا الغربية مشغولةً بحروبها الدينية، كانت الدولة العثمانية تتقدم حتى حدود فيينا، بل إنّ الصراعات بين الممالك الأوروبية أفضت إلى تحالف فرنسي- عثماني في عام 1538، واستمر هذا التحالف حتى الحملة الفرنسية على مصر في عام 1798. وهو تاريخ يحمل دلالات كثيرةً، من احتلال إقليم بارز من الأقاليم الواقعة تحت حكم العثمانيين، إلى انفتاح العالم العربي على الحداثة". ورأى زيادة أنّ الخوف من الإسلام الذي تبدد بعد حصار فيينا الثاني لم يؤدّ إلى عودة الأوروبيين إلى التمسك بالمسيحية، إذ
أصبحت الحروب الصليبية جزءًا من الماضي، وقال إنّ الجوار الفريد بين عالمين مغايرين وضع الإسلام في مواجهة مباشرة مع الحداثة، "ما أورثنا صراعًا عقيمًا ندفع أثمانه إلى اليوم. من هنا، فإنّ التعويل في هذا المؤتمر إنّما هو على إعادة النظر في هذه العلاقة وتحليلها وتفكيكها؛ للخروج من المآزق التي تجعلنا في عداء مع العالم، ومن أجل مغادرة التاريخ للوصول إلى الحاضر والانخراط في قضايا المعاصرة والحداثة".
السلطان - الخليفة
ابتدأت أعمال اليوم الأول من يومَي المؤتمر بجلسة عامة ضمت محاضرتين. ألقى الدكتور وجيه كوثراني، مدير الإصدارات في
المركز، المحاضرة الأولى، وعنوانها " إشكالية نسبة الخلافة إلى السلطنة العثمانية: بين التاريخ والأسطورة"، انطلق فيها من إشكالية البحث في الخلافة الإسلامية بوصفها مؤسسةً دينية - سياسيةً تاريخيةً، أي إنّها تمثلت في التاريخ بظواهر وواقعات يمكن أن تدرس بمنهج وضعاني (أي تجريبي ونقدي)، بمعزل عن معيار الشرعية الدينية وشروط هذه الشرعية؛ أي بمعزل عن "طوبى الفقيه" السُني الذي يرى تحقق هذه الشروط في "الخلافة الراشدة"، أو طوبى "الفقيه الشيعي" الذي يرى تحقق شروطها في "الإمامة المعصومة". وقال كوثراني إنّ الخلافة الإسلامية تحولت إلى "مُلك عضوض"، وهذا معطى يقرّه الفقهاء أنفسهم حتى بالنسبة إلى الخلفاء الأمويين والعباسيين الأوائل، ويُسوّغونه بحكم الضرورة والأمر الواقع. ومع نفوذ أمراء الجند وسيطرة البويهيين في القرن العاشر والسلاجقة، ثمّ الزنكيين والأيوبيين والمماليك في المشرق، أضحت الخلافة بلا حول ولا قوّة، بل صورة باهتة فقدت حتى رمزيتها الدينية أو الروحية، ولا سيما بعد كارثة المستعصم على يد هولاكو في عام 1258.
كما تناول كوثراني قصة تنازل آخر خليفة عباسي للسلطان سليم عن حقه في الخلافة، فرأى أنها لا تصمد أمام النقد التاريخي،
ذلك أنّ المصادر التاريخية المعاصرة "للحدث المفترض" لا تذكر البتة خبرًا عنه، سواءً كان ذلك تصريحًا أو تلميحًا (مثال ابن إياس الذي أرّخ لتفاصيل حملة سليم وتحركاته وسكناته). بدأت رواية هذا الحدث في أواخر القرن الثامن عشر (بعد معاهدة كيتشوك كاينارجي في عام 1774)، وهو أمرٌ يشير إلى أنّ هذه الرواية وضعت في سياق تاريخي شهد ضعفًا وتقهقرًا لموقع السلطان ودوره وحاجة للتماهي أوروبيًا مع البابوية، في حين أنّ السلاطين الأقوياء، كسليم وسليمان، لم يكونوا في حاجة إلى هذا اللقب الذي لم يكن ليضيف شيئًا إلى جبروتهم العالمي وقوتهم ك "سلاطين للعالم" كما كانوا يحبذون أن يوصفوا، وإن وردت الصفة أحيانًا بين أوصافهم عند استخدمها من كتّاب وفقهاء؛ تملقًا وتقربًا ك "ورثة" لذاكرة الخلفاء.
أسطرة الخلافة
جرى التشديد على لقب الخليفة في القرن التاسع عشر، كما بيّ كوثراني، وعلى نحوٍ أكثر تحديدًا وإلحاحًا في أواخر هذا القرن؛
في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، لأغراض سياسية ارتبطت آنذاك بمشروع "الجامعة الإسلامية". قال في هذا السياق: "عندما بادر مصطفى كمال إلى التفريق بين الخلافة والسلطنة في عام 1922، وبناءً على دراسة تاريخية فقهية معمقة عنوانها 'الخلافة وسلطة الأمة'، وهي وثيقة سبقت كتاب علي عبد الرازق، كان يعبّ عن الحقيقة الآتية: السلطنة أي الحكومة، أضحت بيده وبيد المجلس الوطني (ممثل الشعب)، وتخلى الخليفة – السلطان عن دوره باعتباره حاكمًا، بل خان شعبه الذي يقاوم الاحتلال والتقسيم. وكان هذا مقدمةً لإلغاء الخلافة في عام 1924 ".
بحسب كوثراني، تؤكد دراسة السياق التاريخي للخلافة عبر مراحلها التاريخية وتمثلاتها كأدوار ووظائف حكم، وحلول
السلطنات العديدة محلها على امتداد قرون، أنّ "أسطرة" الخلافة أمر جديد بل حديث كلّيًا في التاريخ العربي والإسلامي عمومًا، وأنّ دراستين كشفتا هذه "الأسطرة" وفكّكتاها في عشرينيات القرن العشرين: الأولى، وثيقة تركية هي رسالة التفريق بين الخلافة والسلطنة (عام 1922) وعنوانها " الخلافة وسلطة الأمة"، نجحت في كشف الأسطرة، لأنّ شروطًا تاريخيةً تركيةً ساعدت فانبنت ذاكرة تاريخية تركية استعادت التاريخ العثماني، كتاريخٍ سلطنة ودولة وليس كتاريخ خلافة. أمّا الثانية، فهي وثيقة عربية متمثّلةً بكتاب علي عبد الرازق الإسلام وأصول الحكم (عام 1925)، لكنها لم تنجح، لأنّ شروطًا تاريخيةً عربيةً، أيضًا، ساهمت في عدم نجاحها، فظلّت مسألة الخلافة، في الذاكرة التاريخية العربية، موضوعًا ملتبسًا حتى اليوم.
القومي والإسلامي
ألقى الدكتور نور الدين ثنيو المحاضرة الثانية، وكان عنوانها " سقوط الخلافة وبداية إشكالية القومي والإسلامي"، قال فيها
إنّ الأثر البالغ الذي تركه سقوط الخلافة الإسلامية في مطلع عشرينيات القرن العشرين لم يقتصر على تركيا وحدها، بل طال ولاياتها العربية وأقاليمها الأوروبية، فضلً عن مسار العلاقات الدولية الجديدة. قال: "استمدّ حدث سقوط الخلافة قوته من السياق الدولي الذي خلفته الحرب الكبرى (1918 - 1914) التي شهدت هزيمةً مدويةً للإمبراطورية العثمانية، برمتها. فالإمبراطورية العثمانية بما هي نظام سياسي ينطوي على مركز طوراني وأطراف عربية وبلقانية، لقيت مصير تحلل الإمبراطوريات الأوروبية وتفككها: الجرمانية والنمساوية – المجرية، والروسية والإنكليزية، والفرنسية. ومن ثمّ، فإنّ مصير الدولة العثمانية لقيَ مصير الدول الأوروبية وسَى عليها التاريخ الحديث نفسه الذي قضى ضرورةَ الانتقال من الحكم الإمبراطوري إلى حكم الدولة القومية".
أضاف ثنيو: "يسمح تاريخ الأفكار والتحليل التاريخي بقراءة التجربة التركية في صلتها بالعالم المتَقدم والمُتمَدّن، إنْ على صعيد
الصراع أو على مستوى الحوار والاحتكاك؛ ومن ثمّ يمنح نوعًا من الشرعية لدراسة سقوط الإمبراطورية العثمانية على أنها سقوط لعائلة آل عثمان وسقوط لنظام الخلافة الإسلامية أيضًا. وبناءً على ذلك، تمكّنت تركيا من تأسيس كيانها الحديث بعد أن تخلصت من الكيان الملَلِ والعائلي العشائري، ومن النظام الديني الثيوقراطي؛ وهو أمرٌ لم يتوافر للعرب الذين تأهبواِ - كقومية ومجموعات إثنية ودينية - للتخلص من الوجود العثماني، ليجدوا أنفسهم في دائرة الحماية الاستعمارية".
وبحسب رأيه، عبّ سقوط الخلافة الإسلامية، أو فكّ الارتباط التاريخي بين العرب والأتراك، عن نهاية أنموذج الحكم الديني
وصعوبة بناء الجمهورية العربية الحديثة، إذ حاول بعض العائلات العربية ملء شغور منصب الخلافة على خلفية الانتساب إلى آل هاشم وقبيلة قريش وآل البيت وشرف الحماية والرعاية للحرمين الشريفين، إلى جانب محاولة مؤتمرات إسلامية التوصل إلى صيغة إجماع لفكرة الوحدة الإسلامية (مؤتمر الخلافة في القاهرة عام 1926، والمؤتمر الإسلامي في القدس عام 1931، ومؤتمر المسلمين في أوروبا في جنيف عام 1935).
تواريخ محلية – عثمنية
بعد انتهاء المحاضرتين، عقد المؤتمر جلساته في قاعتين. فكانت الجلسة الأولى في القاعة الأولى بعنوان " التاريخ العثماني والتواريخ
المحلية (1)"، برئاسة الدكتور عبد الرحيم بنحادة، ومشاركة الدكتور ناصر الدين سعيدوني الذي قدّم بحثًا بعنوان " الجزائر العثمانية في الذاكرة التاريخية: إشكالية السيادة الجزائرية في العهد العثماني"، رادًّا أهمية إشكالية السيادة الجزائرية قبل الاحتلال الفرنسي إلى الدور الذي أدّته في تشكّل الإحساس الجزائري المعادي للسياسة الاستعمارية، وتبلور الوعي الوطني عند النخب والحركة الوطنية. مضيفًا إلى ذلك قوله: "دار النقاش بين من يرى أنّ الجزائر كانت تابعةً للدولة العثمانية؛ تحكمها أقلية تركية، ومن يرى أنّ الجزائر كانت دولةً مستقلةً لا تتعدى روابطها بالدولة العثمانية البعد الأدبي والمصلحة المشتركة والرابط الروحي، ومن يسلم باستقلالية الجزائر من دون إنكار مظاهر الارتباط بالباب العالي". ورأى أنّ الجزائر اكتسبت أهميةً خاصةً في البناء السياسي والجغرافي العثماني، بسبب بُعدها عن مركز الدولة ووقوعها في خط المواجهة الأول، وقال: "كان التحاق الجزائر بالدولة العثمانية فعلً تأسيسيًا بإرادة النخب المحلية وفي إطار رابطة الجهاد الدينية، لينشأ نظام حكم رسّم الحدود القُطرية للجزائر حتى قبل الاستعمار الفرنسي".
وقدّم الدكتور لطفي بن ميلاد ورقةً بعنوان " الغرب الإسلامي وموقفه إزاء صعود السلطنة العثمانية وحضورها في المتوسط
856 ه - 942 ه / 1453 م - 1535 م: قراءة جديدة في جذور الاتصال ومواقف السلطة والنخبة"، فقال إنه ينبغي عدم العودة بالعلاقات بين العثمانيين والمغاربة إلى مرحلة متأخرة تصبّ في جانب عدائي، بل يعود الأمر إلى السيطرة النهائية العثمانية على آسيا الصغرى وتراقيا وفتح القسطنطينية؛ إذ سارعت السلطنة الحفصية إلى إرسال وفود ربما تضمنت تهنئةً من الانتصارات على القسطنطينية العظمى، "ولم تسعفنا حروب البندقية - العثمانية في تتبع مسار العلاقات الحفصية العثمانية التي تواصلت مع المماليك الجراكسة، والدليل التوافق المملوكي - العثماني على توسيط الحفصيين لحلّ الصراع الحدودي بينهما. وأضاف قائلً: "من اللافت للنظر استمرار حكم الأمير أبي عبد الله الحفصي في تونس 30 عامًا من دون اتصاله بالسلطنة العثمانية؛ فالسلطنة الحفصية كانت المتضرر الأساسي من الحروب العثمانية – البندقية".
أما الدكتور عبد الحي الخيلي فقدّم بحثًا عنوانه "أزمة المركز العثماني وإرهاصات تأسيس الدول المستقلة في البلدان المغاربية
بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر". وبحسبه، اتضحت معالم أزمة السلطة المركزية في بداية تراجع العلاقة بين الباب العالي والولايات المغاربية، في الفترة الممتدّة بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر. فتلك العلاقة كانت "موجودة الاسم معدومة الجسم"، أي إنّها متعلّقة ببداية الاتجاه نحو الاستقلال عن السلطة العثمانية. وأضاف الخيلي أنّ الأرشيفين التونسي والمغربي يزخران بوثائق تؤرخ للعلاقات المتميزة بين البلدين؛ في عهد المولى سليمان والمولى عبد الرحمان بن هشام (في المغرب)، وحمودة باشا وحسين باي الثاني (في تونس)، وأنّ العلاقات المغاربية البينية وارتباطها بالسياسة العثمانية المركزية إبّان فترة الأزمة تطرح مجموعةً من القضايا الشائكة المتعلقة بالولاء والسيادة، والتبعية والاستقلال، والصراع والتعاون. وبإقرار عهد الأمان في عام 1857، وإعلان أول دستور في العالم الإسلامي في عام 1861، نجحت تونس في تشكيل الدولة الوطنية الحديثة، غير أنّ التدخل الفرنسي كسر هذه التجربة الدستورية الفتيّة. وتكلّم الدكتور محمد المريمي على " البلاد التونسية والمرحلة الانتقالية خلال الفترة 1637 - 1574 "، فقال إنّ بعض الدارسين
اختزل المرحلة الانتقالية في تونس في الصراع بين الأتراك والإسبان في منطقة الشمال الأفريقي، وهو صراع أخذ صبغةً دينيةً طاغيةً، ومنهم من قال إنها مرحلةُ عثمنةٍ للشمال الأفريقي، في حين قال آخرون إنها مرحلة إزالة العثمنة عن المنطقة. وبحسب رأيه، كانت أفعال الأشراف كلّها مردودةً إلى مرجعية سياسية، هي المرجعية الحفصية. فالفكر الانتقالي يحتاج إلى فكر مرجعي. وأضاف قائلً: "شهدت المرحلة الانتقالية وفادة الأندلسيين إلى تونس، وصاروا يُعَدّون من أهل البلاد؛ إذ إنّهم اندمجوا في المجتمع، ومثّلوا سندًا سياسيًا للأعيان. وكان الانتقال السياسي يحمل توجهًا معينًا، فلا يمكن الحديث عن دولة في تونس بل عن سلطة وولاية".
تفصيلات إصلاحية
عُقدت الجلسة الأولى في القاعة الثانية بعنوان " الإصلاح والتنظيمات"، برئاسة الدكتور أنطوان سيف، وكان أول المتكلمين فيها
الدكتور مهند مبيضين متحدثًا عن " الإصلاح العثماني للبلاد العربية في أدب اللوائح: لائحة عبد الرحمن بن إلياس المدني أنموذجًا"، فقال إنّ الإصلاحات العثمانية لم تبدأ بخط شريف گلخانه في عام 1839، بل سبقها جهد مصلحين ورجال دولة حاولوا أن يأتوا بأفكار تُعيد للسلطنة العثمانية تماسكها وأَلقها المفقود، منذ توقيعها معاهدة كارلوفيتس في عام 1699، وهي معاهدة تخلّت فيها عن أجزاء من أراضيها. بحسب رأيه، شكّل أدب الرسائل واللوائح جزءًا من التفكير في شؤون الدولة، بدأ مع جهد حسن بن عبد الله الكافي الآقحصاري في رسالته أصول الحكم في نظام العالمالتي عُدّت جهدًا مبكرًا في سبيل إصلاح الحكم وضبط إدارة الدولة. ومهد هذا الأدب لصدور خط شريف گلخانه ثمّ خط همايون، ثمّ خط التنظيمات الجديدة في عهد السلطان عبد العزيز الثاني، وتضمن حاجة الدولة إلى الإصلاح. أضاف مبيضين: "لم يوقف إصدار الخطوط الإصلاحية أدب اللوائح الإصلاحية والرسائل. ومن الجهد العربي في هذا المجال، لائحة عبد الرحمن المدني 'إصلاح أحوال جزيرة العرب' التي جاءت لتشخيص أحوال البلاد التي زارها مبعوثًا من الدولة العثمانية إلى إمام اليمن، ومرّ بالعراق ونجد والحجاز وساحل بحر عُمان، فدوّن ما رأى أنه سبيلٌ لجمع قلوب الناس حول عرش السلطنة، وقدّمها إلى الصدر الأعظم".
تحدث الدكتور يحيى بولحية متناولً "أصداء التنظيمات العثمانية وتجربة محمد علي في المغرب الأقصى في فترة ما قبل
الحماية الفرنسية 1912 م"، فقال إنّ المشرق العربي بتجاربه النهضوية مثّل ملاذًا معنويًا، ضمن مختلف الرؤى الإصلاحية المحلية التي أنتجتها الدولة وقراراتها التحديثية من ثنايا كتابات الأنتلجنسيا في الميادين السياسية والاجتماعية والدينية والفكرية. وأضاف أنّ البعثات العلمية إلى أوروبا أبرز ركن تنموي راهنت عليه تجربة محمد علي في الرد على الهجمة الغربية، لكنّ البعثات التعليمية نحو مصر لم تحقق الأهداف المنشودة. أمّا المخزن الذي أدرك أخطاءه السابقة، فقرر الاتجاه بطلبته نحو الدول الغربية كبريطانيا وفرسا وألمانيا. ولم يتأسس الانفتاح على المشرق في تكوين الكفاءات على نظرة واعية ومتفحصة بقدر ما كان ردة فعل على ضغوط أجنبية جعلت النخب السياسية والفكرية تفضل وجهة المماثل الثقافي. وبرأي بولحية، تمثل سياقُ الانفتاح المغربي على التجارب الصحافية والدستورية المشرقية من خلال الضغوط الكبيرة التي تعرض لها المخزنُ في أثناء تعامله مع الصحافة الغربية التي كانت مستقرةً بمدينة طنجة.
وختمت الدكتورة نجلاء مكاوي هذه الجلسة بتقديمها بحثًا عنوانه " التوظيف السياسي للدين والقانون في مشروع محمد
علي"، رأت فيه أنّ محمد علي باشا صاحب تجربة تحديثية، يعُدّها بعضهم مؤسِسةً في تاريخ مصر، وفريدةً في تاريخ الدولة العثمانية. ونقف على حداثة هذه التجربة من خلال دراسة دور الدين والقانون في مشروع محمد علي، ووظيفة القانون، وكيفية استخدام الدين، وطبيعة المشروع وأهداف وتصورات صاحبه، وسياقه التاريخي؛ سواء كان مشروعًا إصلاحيًّا عثمانيًّا إمبراطوري الهدف أضحى تحديثًا "تغريبيًّا" على حساب الشريعة الإسلامية، أو مشروعًا خاصًا بحكم مصر، جاء طابعه مزدوجًا "إسلاميًا - حداثيًّا". وأكدت مكاوي ضرورة الحفاظ على الطابع الإسلامي للحكم كأحد مقتضيات وصول محمد علي إلى السلطة، ثمّ استقراره فيها، قائلةً إنه لم يغادر حالة العنف والعشوائية التي ميزت سلطة الحكام والولاة العقابية بمقتضى الشريعة، فكانت أشكال العقاب قروسطيةً قاصرةً على صيغ مفرطة في العنف والإذلال والانتقام.
إشكالية التجاور والحدود
عُقدت الجلسة الثانية في القاعة الأولى، وكانت بعنوان " التاريخ العثماني والتواريخ المحلية (2)"، ترأّسها الدكتور عبد الحميد
هنية، وقدّم فيها الدكتور أنيس القيسي ورقته البحثية "العلاقات السياسية بين الدولة العثمانية والمغرب السعدي: دراسة في إشكالية ' التجاور – التبعية – الاستقلال ' "، فكان أول المتكلمين، وقال: "لم يكن للدولة العثمانيّة نيّة لضمّ المغرب، بل سعت لتحقيق أحد أمرين: إخضاع المغرب السعدي لسلطتها طوعًا، أو إقامة تحالف يضمن ولاء المغرب لسلطتها". كان الصدام العثماني - السعدي أحد إفرازات "التجاور" الذي مثَّل تحديًّا بين هاتين القوّتين الإسلاميتين. وبحسبه، لم تفكر الدولة العثمانية في إخضاع المغرب بالقوّة، بل أرادت أن يخضع لها طوعًا، أو أن تحصل على ولاء سلاطين المغرب، أو أن تحيدهم في صراعها مع أعدائها. وأسفر رفضُ الدولة السعديّة المستمرُّ والعنيفُ لمحاولاتِ إخضاعها أو احتوائها عن نجاحها في انتزاعِ اعترافِ الدولةِ العثمانيّةِ باستقلالها وعدم تبعيتها للباب العالي. وتحدث القيسي عن حالات اتّفاق مرحليّ بين العثمانيين والمغرب لقبول التبعيّةِ للسُّلطانِ بفعلِ مصالح سياسيّة فرضتها ظروفُ الصراعِ الأُسريِّ على السلطةِ، لا نتيجةَ قناعة سياسيّة أو قدرةٍ للعثمانيين على فرضِ سيطرتهم على المغرب. كما تناول التسوية السياسية والدبلوماسيّة الواضحة باعتبارها الحلقة المفقودة في مسار العلاقات بين الدولة العثمانيّة والمغرب السعدي؛ إذ شكل الصراع والتآمر والتنافس عوامل منعت توصّلهما إلى علاقات سلميّة طبيعية.
تناول الدكتور نهار محمد نوري في بحثه "النزعات العراقوية ومدلولاتها في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين:
دحض فرضية الدولة المصطنعة " تمظهر البزوغ الهويَّاتي الجنيني الذي رافق حقبة الإدارة العثمانية لولايات العراق تأريخيًا، والذي تنوعت تجلياته ضمن إطار نزعات عراقوية راسخة، انبثقت مع ما كرَّسته الإدارة العثمانية من توظيفات في فترات متعددة من حكم الولايات العراقية. قال: "من أبرز ملامح هذا البزوغ الهوياتي الإقرار بوحدة الإدارة المركزية للولايات العراقية الثلاث تحت قيادة ولاية بغداد، بالتزامن مع الاندماج السوسيو اقتصادي بين الولايات الثلاث". وبحسبه، حصلت محاولات جديَّة لتقديم اسم "العراق" في خرائط هذه الولايات، لتعكس تجاوزًا لأطر التوصيفات المناطقية، تجلى مع استخدام مصطلح "الخطة العراقية" في التقارير والوثائق العثمانية. عجَّل هذا الأمر في تبني بريطانيا اسم "المملكة العراقية" وحدودها الجديدة باستلهام الإرث العثماني الكثيف المتعلق بالجغرافيا العراقية. أضاف قائلً: "نرى في منشورات غير رسمية استخدام 'ملجأ الولاية البغدادية ومصلح الخطة العراقية' على غرار ما كان متداولً رسميًا كألقاب جامعة؛ مثل وزير العراق، ووالي العراق، ومفتش العراق. وربما استطاعت بريطانيا إنشاء نظام ملكي في العراق، لكنها لم تستطع رسم حدوده وتجاوز سياق الإرث التاريخي - الجغرافي وأسبقياته العثمانية".
في دراسته "الدولة الوطنية العراقية 1921: جذور التأسيس العثماني "، رأى الدكتور جميل موسى النجار أنّ مملكة العراق
الممتدة على جغرافيا الولايات العثمانية، بغداد والموصل والبصرة، استمدت اسمها من اسم الإقليم الجغرافي الذي يضم ولايتَي بغداد والبصرة، وهو إقليم العراق، أو السواد، أو عراق العرب. وكانت جغرافية ولاية الموصل العثمانية تتشكّل، حينما خضعت للحكم العثماني، من جزء من إقليم الجزيرة الجغرافي، وجزء أصغر منه من إقليم الجبال، أو عراق العجم. وبحسب رأيه، يشير توحيد العثمانيين لتلك الولايات إلى إدراكهم لأهمية ممتلكاتهم في هذه الأقاليم الجغرافية، وضرورة جمعها في منطقة حاجزة مع إيران. أضاف النجار أنّ تشكيل البريطانيين الدولة الوطنية العراقية، بوصفه إفرازًا لاتفاقية سايكس – بيكو، لم يأتِ عملًاصطنع حدودًا سياديةً وطنيةً وهميةً، بل أتى مخاضًا لولادة الدولة التي أبصرت النور في عام 1921.
تغلغل غربي يف مسألة شرقية
ترأّس الدكتور عصام خليفة الجلسة الثانية في القاعة الثانية، وهي بعنوان " التغلغل الغربي ومسالكه"، وشارك فيها الدكتور محمد
مرقطن بورقة بحثية عنوانها " جواسيس في الأرض المقدسة: الرحالة الغربيون والاكتشافات الأثرية في فلسطين والتمهيد للمشروع الصهيوني 1914 - 1800 ". في هذه الورقة، قال إنّ فلسطين صارت، منذ بداية القرن التاسع عشر، قِبلةَ رحلاتٍ استكشافية أوروبية وأميركية كان هدفها دينيًا، وتركّز في بيئة الأرض المقدسة وجغرافيتها، وتاريخ العبرانيين، ونشأة المسيحية. وذكر أنّ العلاقة الروحية بين أوروبا وفلسطين لم تنقطع بعد الحروب الصليبية، إذ استمر توافد الحجّاج على فلسطين، ووصلت البعثات التبشيرية والرحالة وعلماء الكتاب المقدس الذين كانوا يتباكون على ضياع الأرض المقدسة. ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، بدأ النشاط الأوروبي في فلسطين يتخذ طابعًا مؤسساتيًا. وبحسب مرقطن، فإنّ كُتب الرحالة الغربيين وتقارير الاكتشافات الأثرية في المشرق العربي، ولا سيما فلسطين، من أهمّ ما يقرؤه الغرب، وقال إنّ المادة التاريخية في كتب الرحالة تشكّل مصدرًا مهمًا لدراسة تاريخ فلسطين في القرن التاسع عشر.
تناول الدكتور ليث مجيد حسين "خط سكة حديد برلين - بغداد: المطامع الاقتصادية والعلمية لألمانيا القيصرية في العراق "
فقال إنّ مدّ خط سكة حديد برلين – بغداد كان من أعقد التحديات التي واجهت الاستعمار الأوروبي في تصدّيه لسياسة "الاندفاع نحو الشرق" الألمانية، والمحافظة على امتيازات فرنسا وبريطانيا في الدولة العثمانية. وشكّل تقرّب ألمانيا من الإمبراطورية العثمانية تهديدًا لمصالح بريطانيا وفرنسا، ولا سيما بالنسبة إلى الطرق التجارية والمواقع الإستراتيجية التي كان الأوروبيون يتحكمون فيها؛ كالبحر الأبيض المتوسط، والبحر الأحمر، والخليج العربي، والمحيط الهندي. وأضاف حسين أنّ الألمان تمكّنوا عن طريق شركة سكة حديد برلين – بغداد المملوكة من البنك الألماني من الحصول على حقّ إنتاج النفط في شريط عرضه أربعون كيلومترًا، على امتداد الخط الحديدي الذي تقوم بإنشائه، وأنّه تمّ اقتسام قيمة الإنتاج مناصفةً بين الحكومة الألمانية والشركة. وأتاح مشروع مدّ سكة الحديد برلين - بغداد فرصةً لكثير من علماء الآثار للكشف عن بعض المواقع الأثرية المنتشرة على طول الخط التي لا يُعرف عنها إلا القليل. وأضاف حسين قائلً: "كان طموح الألمان هو الوصول إلى مياه الخليج العربي، فكانت فكرة مدّ سكة حديد برلين – بغداد الحل الأمثل؛ لتكون ألمانيا صاحبة الريادة في الشرق الأوسط، ولتحجيم الهيمنة البريطانية". وكان مشروع خط برلين - بغداد – البصرة عاملً غير مباشر لاندلاع الحرب العالمية الأولى؛ إذ زرع الشك بين أطراف الاستعمار الأوروبي الجديد المشتركة في هذه الحرب".
ختم الدكتور أمجد الزعبي الجلسة ببحثه "التغلغل الألماني في الدولة العثمانية من خلال الاستشراق: دراسة في الوظائف
والأدوار في الربع الأخير من القرن التاسع عشر" الذي بين فيه أنّ علاقة التغلغل الاستعماري بالاستشراق جدلية، استندت إلى الدور الرسولي المتعالي للأمة الألمانية وحقها الطبيعي في بناء الدولة القومية وقيادة العالم. أضاف قائلً: "تداخل مفهوم التغلغل الذي أعني فيه إستراتيجيًا الدولة الألمانية الاستعمارية الممنهجة والبطيئة لاختراق الدولة العثمانية اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا مع مفهوم الاستشراق التقليدي. وخضع الغرب لوهم الدور الرسولي المتفوق للحضارة الغربية على حساب الشرق النائم، واعتقد الألمان أنهم ورثة الحضارة الهيلينية القادرة على الانبعاث من خلال الأمة الألمانية الفتية". وسعى دعاة الحق الألماني إلى بناء إمبراطورية استعمارية من أجل البحث في ما يسمى "الماضوية"؛ أي إنّهم لم يحاولوا إحياء الماضي بالعودة إلى الهيلينية الإغريقية، بل بالعودة إلى الحملات الصليبية. وبحسب الزعبي، تناول الأدب الاستعماري الألماني منذ القرن الثامن عشر فكرة الإمبراطورية الاستعمارية الألمانية بصورة الفارس في مقابل الفتاة الغارقة في سباتها وعذريتها. وهذا الأمر كان مسؤولً عن التطلعات الاستعمارية الألمانية. ودفع بطء الصحوة العثمانية المؤرخين المعاصرين إلى إطلاق مصطلح "المسألة الشرقية" الذي دخل مكونًا أساسيًا في الأمن القومي الألماني.
عثمنة... فتغريب
عُقدت ثالث جلسات اليوم الأول في قاعة واحدة، وضمت محورين: " جدل العلاقة بين الاستقلال والتغريب والعثمنة"،
و" التاريخ العثماني والتواريخ المحلية (3)"، برئاسة الدكتورة نجلاء مكاوي ومشاركة الدكتورة فدوى عبد الرحمن علي طه التي تناولت " السياسة البريطانية في السودان في الفترة 1914 - 1821: أساليب محاصرة وتصفية الحضور العثماني والنفوذ المصري بالسودان"، فقالت إنّ الدولة العثمانية لم تبسط نفوذًا فعليًا على السودان، واكتفت بسيادة اسمية عليه، وأخفقت في إقامة حكم راسخ فيه. ووجدت بريطانيا الطريق ممهدًا أمامها لفرض سيطرتها على السودان؛ إذ كانت الإمبراطورية الأقوى بدبلوماسية حاذقة. وأضافت قائلةً: "لم تشمل بنود اتفاقية سايكس - بيكو السودان، فوضعه حسم سلفًا بتوقيع اتفاقية الحكم الثنائي بين بريطانيا ومصر، التي جعلت بريطانيا الشريك الأكبر في إدارة السودان". وطالبت مصر بسيادتها على السودان في مفاوضاتها مع بريطانيا، ورفعت شكوى إلى مجلس الأمن، لكن ثورة 1952 اعترفت بحق الشعب السوداني في تقرير مصيره.
قدّم الدكتور قيصر موسى الزين بحثه " التحولات بين التعريب الثقافي والتتريك العثماني في سياق سياسي متغير في أطراف العالم
العربي: حالة السودان 1885 - 1504 م "، وقال إنّ التأثيرات التركية الثقافية والاجتماعية نتجت من الاحتكاك السياسي- العسكري قبل غزو أسرة محمد علي باشا للسودان في عام 1821، في حين ارتبطت في الفترة الثانية بالحكم التركي المباشر، فكانت التأثيرات التركية أوسع وأعمق. في فترة الحكم التركي – المصري، بدأ تحديث السودان من خلال منظور التنظيم الاقتصادي والإداري، ودخول التقنية الحديثة بمنظور القرن التاسع عشر. تزامن ذلك مع مظاهر التأثير الغربي الأوروبي في المفاهيم، وفي السلوك الاجتماعي. وبحسب الزين، كان التتريك الثقافي محدودًا في السودان، ف "وجود الأتراك كان سطحيًا محكومًا بالرغبة في استغلال السودان اقتصاديًا وتجنب الاحتكاك بالسكان، استعلاءً أو تخوفًا. وحدّت الأسلمة والتعريب في السودان من آثار التتريك، كما حدّ قيام دولة سنار القوية في وسط السودان من التمدد العسكري التركي من الشرق الساحلي، أو من الشمال".
ثم تحدثت الدكتورة أمل غزال مقدمةً بحثها "شمال أفريقيا من حرب طرابلس إلى الحرب العالمية الأولى: بين الاستقلال
والاتحاد العثماني، وادي ميزاب مثالً"، فرأت ضرورة إيجاد سردية واحدة تربط بين الاحتلال الإيطالي لطرابلس الغرب، في عام 1911، ومجريات الحرب العالمية الأولى في شمال أفريقيا. نجم عن الاحتلال الإيطالي لطرابلس الغرب إنشاء شبكات مقاومة بين طرابلس وتونس والجزائر، وبين الساحل والصحراء، مرتبطة بالإدارة العثمانية مباشرةً. وبحسب رأيها، وثّق الاحتلال الإيطالي التفاف الناشطين السياسيين المغاربة حول الاتحاد العثماني بوصفه "عصَا نجاةٍ"، "إذ خافوا أن يُنهي احتلال طرابلس الوجود العثماني في الشمال الأفريقي ويقضي عليهم في مساندة عثمانية لاستعادة السيادة من الاحتلال الأوروبي. وتبلورت فكرة وحدة المغرب تحت مظلة الاتحاد العثماني حركةً سياسيةً مناهضةً للاستعمار. ويبرز سعي الميزابيين إلى الاستقلال عن الجزائر - ضمن الوحدتين العثمانية والمغاربية - وجود بدائل للسرديات النمطية السائدة عن الحرب العالمية الأولى".
أنهى الأستاذ ناصر السعدي هذه الجلسة ببحثه "نشأة الدولة في عُمان عام 1034 ه / 1624 م: دراسة في التحولات السياسية
والاجتماعية في العهد العثماني "، قال فيه إنّ عُمان كانت أول دولة في المشرق العربي تواجه الموجة الاستعمارية الأولى المتمثلة في البرتغاليين الذين سيطروا على السواحل العمانية نحو مئة عام. ووجد السعدي أنّ العامل الثقافي (المذهب الإباضي) والسياسي أثّر في مواقف أهل عُمان تجاه المواجهات البرتغالية العثمانية، على الرغم من أنّ السواحل العمانية كانت مسرحًا للمواجهات البرتغالية والعثمانية. ولم تنجح محاولات العلماء في إعادة "أمر عمان إلى علمائها"، فكانت النتيجة خروج هؤلاء العلماء من المشهد، واحتلال القبيلة الفعل السياسي، فظهرت إمارات قبَلية متناثرة مرتبطة بالسلطة برابط غير ثابت هو الولاء والحلف". ختم قائلً إنّ هذا المشهد القبلي بقيَ مسيطرًا على الحياة السياسية في عُمان حتى قيام سلطنة عُمان، ودولة الإمارات العربية المتحدة بعد عام 1970، على الرقعة الجغرافية التي عُرفت سابقًا بعُمان.
تاريخهم وتحولاتنا
استُهل اليوم الثاني لمؤتمر "العرب: من مرج دابق إلى سايكس – بيكو (1516 - 1916): تحولات بُنى السلطة والمجتمع، من الكيانات
والإمارات السلطانية إلى الكيانات الوطنية"، في بيروت، بجلسة برئاسة الدكتورة فهمية شرف الدين، ألقى فيها الدكتور سيار الجميل محاضرةً أولى عنوانها "كيف نقرأ تاريخ العرب الحديث 1916 - 1516؟ إعادة الرؤية في أبعاد التكوين"، قال فيها إنّ قصة تاريخ العرب الحديث معقدة ومتشابكة، "وهي في حاجة إلى أجيال مقبلة من المؤرخين العرب والأجانب من أجل إغنائها بالتحليلات والمقارنات وتحقيق المعلومات المختفية للاستفادة منها، ومن تجاربها المهمة". فالعرب – بحسبه - كانوا من أكبر تكوينات العثمانيين التي تفككت في إثر مؤتمر فرساي في عام 1919. وكان لا بدّ من معالجة التسمية، ومعرفة سبب تسمية هذا التكوين "تاريخ العرب الحديث"، والانتقال بعد ذلك لتأكيد حقيقة مفادها أنّ "هذا هو تاريخنا لا تاريخ غيرنا، والرد على من يدعي أنه تاريخ العثمانيين؛ إنه تاريخ العرب الذين احتفظوا بشخصيتهم الاجتماعية والحضرية والثقافية عندما خضعوا للعثمانيين". ولم يكن العرب مسؤولين عما جرى على أرضهم وبحارهم على امتداد 400 عام، "فالعثمانيون هم المسؤولون الحقيقيون عن تاريخنا من خلال التعايش مع الملل الأخرى في ظل السلطنة". كما أنّ تأثيرات العثمانيين في القرن الثامن عشر لم تتبلور من خلال التبعية للمركزية العثمانية، بل من خلال أنماط حكومات محلية أوجدوها في البيئات العربية، متمثلة بأُسر سلالية محلية؛ كآل العظم في دمشق، وآل الجليلي في الموصل، أو بحكم باشوات مماليك في بغداد وبكوات مماليك في مصر، أو من خلال الإثنيات، كالمعنيين والشهابيين في لبنان، أو أوليغارشيات عسكرية، كظاهر العمر في فلسطين، أو حكم بايات تونس أو دايات الجزائر، أو القرمانليين في طرابلس الغرب. أضاف الجميل أنّ العرب كانت لهم مدنهم الحضرية التي تميزت بالدينامية والحيوية التي تعايشت فيها القوى الاجتماعية الفاعلة المختلفة، متناولً مرتكزات الدولة العثمانية: "العثمنة أولًالتي تمثلت بالسلالة العثمانية في المكانة الأولى، ثمّ الملّة العثمانية، ثمّ كانت دولة سلطنة لا دولة خلافة، وطبيعة السلطنة، ثمّ تمذهبها بالمذهب الحنفي، ثمّ تطور الوقفيات فيها كتعاقد الدولة وتكافل المجتمع، ثمّ تحليل التنوع السوسيولوجي والثقافي".
ثم ألقى الدكتور محمد جمال باروت، مدير البحوث في المركز، محاضرةً ثانيةً عنوانها "من اتفاقات سايكس- بيكو إلى معاهدة لوزان:
عقد التحولات الكبرى وآثاره البنيوية في نشوء الدولة في المشرق العربي"، فوصف المرحلة الفاصلة بين توقيع اتفاقات سايكس- بيكو السرية (في عام 1916) بشأن اقتسام المشرق العربي قبل انهيار الدولة العثمانية، مرورًا بتوقيع معاهدة سيفر (في عام 1920)، حتى توقيع معاهدة لوزان (في عام 1923)، ب "الحاسمة في التحول العالمي من نظام الإمبراطوريات في العالم إلى نظام الدول الذي يستوحي نظام الدول - الأمم الأوروبي". فقد انهارت في هذه المرحلة ثلاث إمبراطوريات متعددة القوميات: العثمانية، والنمساوية – المجرية، والروسية القيصرية. وفي وقت حوّل فيه البلاشفة الإمبراطورية الروسية القيصرية إلى إمبراطورية سوفياتية شيوعية، فإنّ الإمبراطوريتيَن النمساوية – المجرية، والعثمانية، تفككتا إلى نظام الدول الذي يستوحي في شكله الأساسي القومي للدولة أو شكل الدولة - الأمّة الأوروبي التي شكّلت الوحدة الأساسية للنظام الدولي الذي أرسته معاهدة وستفاليا (عام 1648) في نهاية حرب الثلاثين عامًا (1648 - 1618).
بالنسبة إلى باروت، وسم انهيار هذه الإمبراطوريات الكبرى نهاية العصر الوسيط النهائية وميلاد عصر الدولة - الأمة، "حيث كان
كل منها مركزًا لكرسي رسالي إمبراطوري ديني كوني: إمبراطورية آل هابسبورغ وريثة السيادة الكونية للكنيسة الرسولية الكاثوليكية التي شكّلت معالم أوروبا العصر الوسيط، وإمبراطورية آل رومانوف في روسيا وآل عثمان وريثَتي الإمبراطورية اليونانية - الرومانية الشرقية القديمة، من زاوية انتماء روسيا القيصرية إلى كنيسة القسطنطينية البيزنطية، إضافةً إلى وراثة الإمبراطورية العثمانية مركز العالم الإسلامي، فتكريس السلطان/ الخليفة في مرحلة السلطان عبد الحميد الثاني خليفةً للمسلمين في العالم يضاهي منصب البابا بالنسبة إلى الكاثوليك". وكان من ثمار المواجهة بين الإمبراطورية والدولة في الإمبراطورية الرومانية المقدسة في الغرب معاهدة وستفاليا، وانبثاق أنموذج الدولة الحديثة ذات السيادة، ونشوء أساس نظام دولي جديد تُشكّل الدولة - الأمّة وحدةً أساسيةً له، ستجد تتمتها النهائية في تعميم الصراع بين الدول القومية الأوروبية والإمبراطوريات كلّها. ويصب باروت اهتمامه على معاهدة سيفر التي تحدتها حركة مصطفى كمال، وأرغمت الحلفاء على إحلال معاهدة لوزان محلها التي أُنشأت نتيجةً لها جمهورية قومية تركية وفق نمط الدولةالأمة.-
محليّ أو قبليّ أو عثمينّ...
عُقدت أولى جلسات اليوم الثاني وعنوانها " السلطنة العثمانية ومسائل من المجتمع الأهلي العربي"، برئاسة الدكتور أحمد مفلح،
مدير قسم التحرير في المركز، ومشاركة الدكتور فاضل بيات الذي قدّم رؤيته التاريخية "الزعامات المحلية العربية وتعامل الدولة العثمانية معها: رؤية جديدة في ضوء الوثائق العثمانية "، فقال إنّه بسبب تجاهل هذه الوثائق والمصادر العثمانية، "غدا تاريخ الزعامات المحلية في البلاد العربية وعلاقة الدولة العثمانية بها مجهولً، أو شابته الأخطاء والمغالطات والتناقضات، وقد كانت توجد زعامات تحظى باستقلال ذاتي أُزيل بعضها من الوجود، وبقي بعضها الآخر يصارع من أجل البقاء بخضوعه للدولة حين تقوى، أو بتمرده عليها حين تضعف، وثمة زعامات اتخذت طابعًا دينيًا - سياسيًا اضطرت الدولة العثمانية إلى مجاراتها لمكانتها بين الطوائف الدينية، كما أنّ هناك زعامات عشائريةً بدويةً، لم يستقر لها مقام، واعتادت الترحال من مكان إلى آخر، وأخرى أُجبرت على الاستيطان في مناطق معينة حددتها لها الدولة".
بحسب بيات، لم تكتفِ الدولة العثمانية بتعيين أحد الزعماء في إدارة شؤون الزعامة المحلية، بل أعطته دورًا في نظامها الإداري أو
الاقتصادي وفق أسس وشروط خاصة، وأجبرت الدولة العثمانية بعض العشائر البدوية الرحّل على التوطّن وربطتها بالأرض، بزراعتها والاستفادة من خيراتها، لكبح جماحها ولاستيفاء رسم العشُر ممّا تنتجه.
قدّمت الدكتورة فاطمة الزهراء قشي بحثها "السلطة العثمانية والزعامات القبلية والحضرية في إيالة الجزائر (القرن السادس
عشر - القرن التاسع عشر) "، فقالت: "لم يطالب أهل الجزائر بالانفصال عن السلطنة العثمانية، لكنهم عبّوا مرارًا عن رفضهم لأسلوب الحكام في التعامل معهم، واستنجد أمراء المدن الساحلية بالإخوة بربروسة للذود عن الإسلام في مواجهة الإسبان، إلا أنّ الزعماء المحليين رفضوا التنازل عن نفوذهم وسلطانهم للوافدين الجدد، فكانت المواجهة عنيفة؛ إذ وصلت إلى حدّ التصفية الجسدية". وأضافت قائلةً: "تقرّب العثمانيون من الأولياء الصالحين بحثًا عن تزكية مشروعهم الجهادي وحرصًا على استتباب الأمن، فمنحوهم الإعفاءات الجبائية وطالبوهم بالمساندة العلنية لتهدئة الثائرين على الدولة العثمانية"، مؤكدةً أنّ العثمانيين لم يتمكنوا من تأسيس دولة حديثة في الجزائر تستوعب الزعامات القبلية والدينية المحلية بصهرها في مشروع قُطري وحدوي.
ثمّ قدّم الدكتور جوزيف أبو نهرا ورقته، وكانت بعنوان " مسيحيّو المشرق من مرج دابق إلى سايكس- بيكو: بين نظام الملل
وحماية السلطان ونظام الامتيازات والحماية الأوروبية"، ورأى أنّ مرج دابق نقطة تحول بالنسبة إلى مسيحيي المشرق الذين عاشوا قرونًا في ظلّ نظام الملل، منذ فتح القسطنطينية. فقبْل مرج دابق، اعترف السلطان محمد الفاتح لأهل الذمّة بثلاث ملل (الروم والأرمن واليهود). وبعد مرج دابق، ارتفع عدد الملل المسيحية إلى 16 ملّةً في القرن التاسع عشر، بعد إنشاء كنائس جديدة معلنة اتّحادها مع روما، وقد حصلت على فرمانات اعتراف. وأضاف قائلً: "واجه مسيحيّو المشرق تحدّيات سياسيةً نتيجة حماية الأقليات الدينية في الشرق: روسيا حامية الأرثوذكس، وفرنسا حامية الكاثوليك والموارنة، وإنكلترا حامية البروتستانت والدروز. ولم تنتج المضايقات التي تعرّض لها المسيحيون من مواجهة مع السلطة الحاكمة أو من نزاعات طائفية مع غير المسيحيين فحسب، بل من النزاع بين القسطنطينية وروما أيضًا". وبحسبه، ارتفعت نسبة زيادة عدد المسيحيين في منطقة الهلال الخصيب من 7 % في عام 1517، إلى 4. 26 % في عام 1914.
وختم الجلسة الدكتور علي درويش ببحثه " الصراع العثماني - الصفوي وتأثيره في الشيعة في البلاد الخاضعة للعثمانيين"،
فقال إنّ العثمانيين والصفويين تجاوروا في بدايات قيام دولتيهما، وانطلقوا من رحم الحركات الصوفية التي نظرت بإجلال إلى آل البيت، واتخذوا من علي بن أبي طالب مثالً للزهد. وعندما أنشأ الصفويون دولتهم، اتخذوا المذهب الإمامي الإثني عشري مذهبًا رسميًا، في حين أخذ العثمانيون جانب مذاهب أهل السُنة، وقدّموا المذهب الحنفي. واتخذ الصراع السياسي بين العثمانيين والصفويين سمة النزاع المذهبي بين السنة والشيعة، فكان تتمةً للصراع الذي زخر به التاريخ الإسلامي. وناصر الصفويون الأمراء العثمانيين المنافسين للسلطان لإضعاف حكمه. فرد العثمانيون بقتل رعاياهم الشيعة وتشريدهم في فترات الصراع، في حين تراجعت حدة الظلم في فترات المهادنة والصلح.
كلام وثائق
استدعت مسألة الوثائق العثمانية التي تناولها بيات نقاشًا مطولً بعد انتهاء المتكلمين من تقديم أوراقهم. وقدّم الدكتور عصام خليفة
مداخلةً مطولةً في هذا الأمر، قال فيها - متوجهًا إلى بيات - إنّ العالِم يقرأ الوثيقة وينتقدها، فيأخذ منها ما يخدم موضوعيته وصدقيته بعد ما يتبين موضوعيتها وصدقيتها. وأضاف أن الدولة العثمانية - على غرار الدول الأخرى كلّها - فيها السلبي، وفيها الإيجابي، وأنّها كانت تضرب العشائر بعضها ببعض كي تكون لها السيادة عليها، "لكن عندما يأتي الجزار ويدمر مكتبات الجنوب، ويفرض الضرائب على النساء، فإنّ ذلك لم يكن ذلك عملً جيدًا باسم الدولة العثمانية. صحيح أننا لا يمكننا مقارنة الدولة العثمانية في عهد السلطان سليمان القانوني بالدولة في أواخر القرن الثامن عشر".
وتابع خليفة مثيرًا مسألة تحريض العثمانيين الموارنة والدروز على الاقتتال في عهد القائمقاميتين، ومعترفًا بوجود عوامل أخرى
أذكت هذا الاقتتال؛ كالتدخل الفرنسي – الإنكليزي، وهشاشة الوضع الداخلي.
وتوجه خليفة إلى أبو نهرا قائلً إنّ المجازر الأرمنية وتجويع لبنان لا يُجملان سياسة الدولة العثمانية كلها، وإنّ المسيحيين تزايدوا
في أيام العثمانيين، "لكن لا بدّ من تناول أسباب ذلك الثقافية والاجتماعية والسياسة والاقتصادية. صحيح أنّ الغرب تدخّل، لكن الغرب أرسل المدارس". وختم خليفة، داعيًا الجامعات العربية والدول العربية إلى تصوير الأرشيف العثماني، وحضّ الباحثين العرب على الاطلاع عليه، مثل الطابو دفتري وغيره، لِما فيه من معلومات موثقة، تسلط الضوء على عدة أمور خاصة بالأراضي العربية التي وقعت تحت الحكم العثماني".
أسئلة ما بعد عثمنية
في الوقت نفسه، عُقدت جلسة أولى أخرى في القاعة الثانية، كان محورها " مآلات جديدة ما بعد العثمانية"، ترأّسها الدكتور عصام
نصار، وقدّم فيها الدكتور ياسر جزائرلي بحثه " لورنس وبريمون وإستراتيجية سايكس – بيكو "، فقال إنّ اتفاقية سايكس- بيكو تمثّل إستراتيجيةً استعماريةً، لا معاهدةً فحسب، بوضعها في سياق السياسات التي اتبعتها الدول الاستعمارية منذ بدء سيطرتها على أجزاء من العالم العربي، وفي سياق الخطاب الاستشراقي الذي طُوّر في القرن التاسع عشر. أضاف قائلً: "عندما ندرس المجريات التاريخية والسياسية التي أدت إلى سايكس – بيكو، يجب دراسة الخطاب الذي نتج من هذه السياسات وجعلها ممكنةً. فسايكس - بيكو هي امتداد للخطاب الأوروبي، بعد ما اتضح ضعف الإمبراطورية العثمانية إثر حملة نابليون بونابارت على مصر، ودخول جيش محمد علي إلى سوريا". وبالنسبة إلى جزائرلي، نتجت مذكرة لورنس السرية "سياسة مكة" من التغير في موازين القوى مع نهاية القرن التاسع عشر، وعكست الإستراتيجية التي دعا إليها المستشرقون الفرنسيون، بما فيهم بريمون، واتبعتها فرنسا في الجزائر. وفي تقويمه دور هؤلاء المستشرقين، قال جزائرلي إنهم ساعدوا الشريف حسين على محاربة العثمانيين، "وما كان دورهم إقامة دولة عربية كما يدعي لورنس، بل لاستخدامه في تحقيق سيطرة القوتين العظميين على الشرق الأوسط".
ثم قرأ نصار ورقة الدكتور بلال شلش وكانت بعنوان " بين الواقع والمسوّدة! ' سايكس - بيكو ' الاتفاقية، ومآلها فلسطينيًا:
' إعلان بلفور ' بعيون نُخب ' فلسطين ' (1948 - 1918)"، بسبب تغيبه عن المؤتمر. ورد في هذه الورقة أنّه تمّ تجاوز "سايكس - بيكو" بوصفها اتفاقيةً مسودةً للمشروعات الاستعمارية البريطانية في فلسطين لمصلحة مشروع استعماري جديد أساسه "وعد بلفور". فقد حضر إعلان بلفور في كتابات نُخَب فلسطين ومواقفها، بوصفه استمرارًا لحضور "سايكس – بيكو"، وأنموذجًا للغدر والخيانة والظلم والعدوان. وكان هذا الوعد مدخلً لكتابة احتجاجية مقاومة للسلطات الاستعمارية ومحرضة عليه، واستخدم في التأكيد على مركزية الاستعمار البريطاني أصل البلاء، في ظل السعي لربط قضية فلسطين بالصهيونية وحدها.
أمّا الدكتورة مونية آيت كبورة فقدّمت بحثها "الهوية واليوتوبيا: المشروع الإسلاموي والمشروع القومي ما بعد سايكس – بيكو"،
فقالت إنّ الفكر القومي والإسلام السياسي صنعا من لحظة سايكس – بيكو لحظة تآمر وغدر، ومرجعيةً لتفسير الهزائم والاختلالات السياسية والاجتماعية. ف "إعادة قراءة هذه اللحظة التأسيسية قراءةً تاريخيةً وإبيستيمولوجيةً ضرورة لتفسير الراهن السياسي العربي، بعيدًا عن الجدل الأيديولوجي البراغماتي. ويَعُدّ القوميون العرب ما بعد الربيع العربي لحظةً ثانيةً لسايكس - بيكو، ومؤامرةً غربيةً جديدةً لإعادة تفتيت المنطقة العربية من خلال الداعشية التي تعمل على اجتثاث أشلاء القومية العربية. أضافت قائلةً: "إنّ المشروعين القومي والإسلاموي اللذين يجعلان من سايكس- بيكو لحظةً مرجعيةً هما مشروعان يوتوبيان. سعى الأول إلى تأسيس الذات العربية على مبدأ الهوية الإثنية، وسعى الثاني إلى تأسيس الذات العربية على مبدأ الهوية الدينية، والقول إنّ عام 1916 يشكّل بداية الوعي القومي الذي سيتحدى سايكس - بيكو مع الوحدة القومية الناصرية - البعثية وجامعة الدول العربية، يحتاج إلى مراجعة إبيستيمولوجية؛ إذ يتجاهل أنْ لا قوميةَ واحدةً في الرقعة الجغرافية من الحجاز إلى المغرب". ورأت أنّ حصر هذا التعدد والاختلاف داخل هوية مفارقة متخيلة أدى إلى إخفاق مشروع التحرر القومي، مثيرةً مسألة الهوية المغلقة.
نقاش الهوية
أثارت هذه المسألة نقاشًا، خصوصًا حين تناول الكلام الهوية المغلقة للثورة الفرنسية التي نادت بها آيت كبورة، فقال جزائرلي إنّه
من الخطأ القول إنّ النخب هي التي قامت بالثورة وإنّه لا دور فيها للشعب. "أمّا بشأن القوميات، فكلّها ذات هويات مغلقة، وهيغل لا ينظر إلى تاريخ آسيا والحضارات الآسيوية على أنها أدت دورًا في تقدّم التاريخ، فهي هويات مغلقة؛ ومن ثمّ فإنّ الاستناد إلى هيغل في دراسة الهويات أمرٌ غير مُجدٍ. ومسألة تعدد الثقافات وجدت في جميع الإمبراطوريات، وهي ليست مشكلةً عثمانيةً أو إسلاميةً على نحوٍ حصريّ، ومن الإنصاف أن نقارن بين ثقافتنا وثقافة أخرى؛ وليس ذلك للتهرب من مشكلاتنا، بل من أجل فهمٍ أفضل لما نواجهه في الحاضر".
سألها الدكتور محمد مرقطن: "ماذا نقصد بالهوية التاريخية أو الهوية الثقافية؟ أين تقف وكيف نحللها؟" أضاف قائلً: "تبقى هذه
المسألة مسألةَ اجتهاد ومعضلةً أيضًا، وهنا أتفق معها في ضرورة تطوير الأدوات لفهم التاريخ والواقع والمستقبل".
أمّا الدكتور أحمد أبو شوك فرأى أنّ الإطار النظري يساعد على قراءة التاريخ قراءةً موضوعيةً، "لكنّ توظيف بعض المصطلحات
النظرية يخلق إشكاليةً في البحث؛ من ذلك مصطلح "الإسلاموي" الذي ينبئنا بأنّه ثمة مشروع إسلامي، وإذا رفضنا المشروع الإسلامي يجب رفضه كليًا. كما أنّ الهوية في حدّ ذاتها إطار مغلق إذا اعتقدنا أنّ المدخل الهيغلي مفتوح. وإذا نظرنا إلى مصطلح الهوية نفسه، فهو تخيلي في أيّ بلد كان، أي إنّه وعاء العقل الجمعي الذي يقوم على مفهوم ثقافي".
وكان ردّ آيت كبورة على النحو الآتي: "هناك الهوية المفتوحة، وأنا انتقدت الهوية المغلقة أو الأطروحة الوحدوية. ومن ثمّ، فعندما
نجد أنّ هيغل وضع هذا الديالكتيك على المستوى التاريخي لرسم فترة التاريخ، وقال إنّ الدولة الديغماتية هي أعلى ما يمكن أن تصل إليه الدولة، فمعنى ذلك أنّه أغلق الديالكتيك قبل أن يدخل السياسة؛ بمعنى آخر، الديالكتيك الإنكليزي أصله مغلق؛ أي عندما نقول إنّ هناك أطروحةً وأطروحةً نقيضةً، فلا بدّ أن يُفضيَ بنا ذلك إلى خلاصة؛ أي عندما نأتي بهذه النظرية ونطبقها على مستوى السياسة، فهي مغلقة، لا تناقض فيها ولا اختلاف". أضافت قائلةً: "إنّ المفكرين هم من أشعلوا فتيل الثورة الفرنسية، وحمل البرجوازيون هذه الفكرة بوصفهم طبقةً اجتماعيةً وشريحةً سياسيةً، والأساس في الثورات هو من يشعلها". ثمّ قالت: "المشروع الإسلامي هو مشروع ديني أو ثقافي، لكن عندما أقول 'إسلاموي' فأنا أتحدث عن الإسلام السياسي، أي عن الأيديولوجيا التي تأخذني إلى الإسلام؛ لهذا استخدمت كلمة 'إسلاموي'، بدلً من كلمة 'إسلامي' للتمييز في الخطاب السياسي، لأنّ الباراديغم الأخير لا يساعد في فهم الخطاب الإسلاموي. فالإسلام السياسي في السلطة مختلف عن الحال التي يكون فيها خارج السلطة".
يف الثقافة والسياسة
عُقدت الجلسة الثانية في القاعة الأولى بعنوان " علاقات سياسية وثقافية"، وقد ترأّسها الدكتور مهند مبيضين، وشارك فيها
الدكتور محمد أحميان متحدثًا عن " القرصنة بساحل الريف وانعكاسها على أوضاع المغرب الأقصى الاقتصادية وعلاقاته الخارجية أثناء القرن التاسع عشر"، فقال إنّ محاور التجارة تحولت من المتوسط إلى الأطلسي بعد الاكتشافات الجغرافية، فانتقل مركز الثقل الاقتصادي نحو المحيط، وانكمشت موانئ حوض المتوسط. وبعد شقّ قناة السويس، عادت الحياة إلى المتوسط، على الرغم من تهديد قراصنة الساحل الأفريقي للبواخر الأوروبية. وقد جرّمت مقررات مؤتمر فيينا (1815 - 1814) القرصنة، وأجازت ملاحقة سفن القراصنة، لكنّ قبائل الريف استمرت في القرصنة كنوع من الجهاد الشعبي ضد الأطماع الأوروبية. وساهمت القرصنة الريفية في تأسيس العلاقات السياسية بين المغرب والقوى الأوروبية. وشهد منتصف القرن التاسع عشر مشروعات أوروبيةً لضرب معاقل القراصنة في ساحل الريف، إلا أنّ تلك المخططات العسكرية نجحت جزئيًا فحسب.
قدّم الدكتور أحمد السعداوي بحثه في " العمارة الرسمية في الإيالات المغاربية العثمانية: دراسة في صلة المركز بالأطراف "، فرأى
أنّ المنجزات المعمارية المغاربية في الفترة العثمانية بقيت وثيقة الارتباط بالتراث المحلي الوسيطي في أبعاده الأفريقية والمغاربية والأندلسية، وأنّ التأثير العثماني اقتصر على بعض التفصيلات أو العناصر الجزئية التي نجدها في المباني الرسمية، أو بعض المباني الدينية الخاصة بالجالية العثمانية التي كانت تحكم البلاد. وتفوّق التأثير الأوروبي على التأثير العثماني في مجال استخدام الرخام ونحته، وكان الرّخام يورَّد من البلدان الأوروبية، بخاصّة من إيطاليا. كما ساهمت الأعراق المختلفة المستوطنة في الإيالات المغاربة؛ من محلّيين، وأتراك، ومشرقيين، وأندلسيين، وأوروبيين، ويهود سفارديم، في إنتاج فنون مغاربية متميزة ومنفتحة على الأقاليم المجاورة.
تكلم الدكتور شير علي خان متناولً " الترجمة من العربية واللغات الأخرى إلى التركية وعكْس هذه الترجمة في العهد العثماني
الأول (عهد الازدهار) والعهد الثاني (عهد الانحطاط): دراسة تاريخية مقارنة "، فرأى أنه بتلاقح العرب مع الأتراك، بدأت اللغة التركية تتأثر بالعربية وتترك أثرها القوي فيها، وبدأ الأتراك يترجمون ميراثهم الثقافي إلى العربية، وينقلون الشعائر الدينية الإسلامية والآيات وكتب التفسير وجميع الفنون الأدبية والإسلامية إلى التركية. أمّا دور الترجمة في العصر العثماني فهو متمثّل بالترجمة من العربية إلى التركية، والترجمة من اللغات الرومانية والفارسية والتركية بلهجاتها إلى العربية، والترجمة من التركية وإليها.
إشكالية الخلافة
ترأّس الدكتور أحمد دلاّل ثاني جلسات اليوم الثاني في القاعة الثانية، وهي بعنوان " في مسألة الخلافة "، وشارك فيها الدكتور
أحمد أبو شوك ببحث عنوانه "الخلافة العثمانية في نصف قرنها الأخير 1874 - 1924 م: صراع السلطة وجدل المصطلح"، فقال: "بدأ التحدي السياسي للخلاقة العثمانية بظهور الثورة المهدية في السودان التي نادى مؤسسها بقيام الإمامة المهدوية الكبرى، بدلً من الخلافة العثمانية، وبالثورة العربية في الحجاز التي سعت إلى تأسيس خلافة عربية تهدف إلى تصفية الوجود العثماني في العالم العربي". وبحسب رأيه، تنامى نفوذ الكماليين في تركيا وخطوا بجرأة تجاه فصل السلطنة عن الخلافة، ما ولّد جدلً فقهيًا واسعًا بين معارضي الفصل ومؤيديه، وكان في مقدمة المعارضين الشيخ محمد رشيد رضا الذي تصدى لأطروحة الشيخ علي عبد الرازق، واصفًا كتابه الإسلام وأصول الحكمبأنه هدْم لحُكم الإسلام وشرعه من أساسه.
ثمّ تحدث الدكتور صاحب عالم الندوي متناولً " موقف مسلمي الهند من حركة الجامعة الإسلامية وتأثيرها في حركة الخلافة
في الهند: دراسة تاريخية في ضوء المصادر الهندية والوثائق البريطانية "، فرأى أن نضال الخلافة السياسي والديني أثار جدلً واسعًا في الأوساط العلمية؛ إذ قال العديد من النقاد إنها كانت تحريضًا سياسيًا قام على أساس مبادئ الأصولية في الدول الإسلامية، وإنها لم تبالِ بقضية استقلال الهند. وأضاف قائلً: "أخفقت حركة الخلافة في جبهاتها الدينية والسياسية في الهند، لكنها تمكنت من نشر التوعية السياسية بين المسلمين وتشكيل قيادتهم السياسية، وتركت نمطًا معينًا من النظريات السياسية التي حاول مسلمو الهند السير عليها قبل استقلال الهند وبعده".
ختم الدكتور عبد الرزاق السعيدي الجلسة ببحثه " مسألة الخلافة العثمانية وانعكاسها على علاقة الإمبراطورية بالمغرب
الأقصى (دراسة في جدلية الديني والسياسي في صيرورة تاريخ المغرب الأقصى الحديث)"، فقال: "بمنطق جيوسياسي تنافسي مع أوروبا، سيطرت الدولة العثمانية على جزء من شمال أفريقيا لتقتسم البحر المتوسط، موظّفةً المسوغات السياسية والدينية للحفاظ على مصالحها. وتنافست القوتان العثمانية والسعيدية في مصادر الاقتصاد المغاربي والمتوسطي العالمي، على الرغم من عدم التكافؤ بينهما". ورأى السعيدي أنّ هذا التنافس تعبير عن اختلاف بين مرجعيتين مختلفتين في النمط السياسي: الأنموذج العثماني القائم على دولة الجهاد ومفهوم الأمة، والأنموذج المغربي والمغاربي القائم على مفاهيم محلية تقليدية مرتبطة بالقبيلة وتراث الدول الإسلامية. وكُبح تطور المجتمع المغاربي فبقيَ، بوصفه تشكيليةً اقتصاديةً واجتماعيةً، متسمًا بسمات التقهقر والركود.
السيايس والفقيه
قدّم الدكتور وجيه كوثراني مداخلةً في موضوع الإصلاحيين الإسلاميين، فقال: "ينبغي أن نقرأ تمايزات بين جمال الدين الأفغاني
ومحمد عبده ورشيد رضا، وألّ ندمجهم جميعًا ضمن مشروع إصلاحي إسلامي واحد. فيغلب على جمال الدين التوجه نحو الجامعة الإسلامية والقليل من الخلافة، إذ لم يكن يرى على نحوٍ صريح أنّ الجامعة تتجسد في خلافة. وهنا، يجب التمييز حتى ضمن أفكار جمال الدين؛ فهو مع الجامعة الإسلامية، لكنه لم يكن مع الخليفة الواحد، أي إنّه لم يَدْعُ إلى خلافة واحدة. أمّا محمد عبده، فينطبق عليه أكثر توجهه نحو الإصلاح الداخلي التربوي والدستوري، فهو حمل لواء إصلاح الأزهر. لذا، فهو إصلاحي وطني إلى حدّ ما، وهذا ما غلب عليه بعد ثورة عرابي حتى وفاته".
أضاف كوثراني قائلً: "كان رشيد رضا إصلاحيًا على طريقة محمد عبده حتى عام 1907، وتنطبق عليه ثنائية الفقيه والسياسي،
والمفارقة أنّ حيّز الفقه في جهة وحيز السياسة في جهة أخرى؛ فهو فقيه وطوباوي بدأ يدعو إلى الخلافة بعد عام 1920. وعندما سقطت الخلافة، تحوّل إلى البحث عن دولة إسلامية، أيّ دولة إسلامية. فلما برز عبد العزيز بن سعود تحول إلى سلفي يدعو إلى دولته. وعلى مستوى الخلافة، فإنّ رضا أجّل هذه المسألة بعد أن ألغاها أتاتورك، وبعد أن اجتمع الأزهريون في مؤتمر القاهرة في عام 1926 وقرروا تأجيل الخلافة، وطرح بديلً في سياق التأجيل مفاده أن تتمأسس مدرسة مجتهدين لعلها تنتج خليفة على المدى البعيد، كما طرح فكرةً ثانيةً طبّقها حسن البنا هي الدعوة إلى تأسيس حزب إسلامي. هكذا، انتهى رضا الفقيه في عملية التأجيل ومدرسة المجتهدين والحزب. سياسيًا، كان رضا براغماتيًا أكثر منه سياسيًا. فقد كان مع جمعية الاتحاد والترقي اتحاديًا ترقيًا. وعندما تحوّل الاتحاديون إلى أتراك شوفينيين، تحول إلى الشريف حسين وأيّده بقوة، ثمّ أيّد فيصل في سوريا، ثمّ انقلب على الهاشميين وأيّد مشروع آل سعود، فكان براغماتيًا في السياسة، طوباويًا في الفقه، لكنه لم يكن فقيهًا سياسيًا، ولم يربط الفقه بالسياسة؛ كان سياسيًا في جهة، وفقيهًا في جهة أخرى. فكان الثنائية اللامتوازنة بين السياسي والفقيه".
خاتمة
كانت جلسة المؤتمر الختامية برئاسة الدكتور ناصر الدين سعيدوني، ومشاركة الدكتور صالح علواني ببحث عنوانه " بلاد المغارب
ما بين 1518 و 1920: مجال فريد لتقاطعات المحورين مشرق - مغرب وشمال - جنوب وتأثيراتها الاجتماعية والسياسية والثقافية"، والدكتور مسعود ديلمي بدراسة عنوانها "تبلور الدولة - الأمّة في تركيا والدولة القُطرية في المشرق العربي نتيجة للحرب العالمية الأولى "، والدكتور محمد الأزهر الغربي الذي قدّم بحثه "خير الدين التونسي والمسألة الاقتصادية"، والدكتور سيمون بدران الذي تناول "المملكة الدستورية العثمانية وتداعياتها على طلائع الفكر الدستوري العربي".
قال علواني إنّ الدول المغاربية تشكّلت في نهاية القرن السادس عشر من رحم الصراعات مع الضفة الشمالية للمتوسط، من دون
إغفال الحضور الفاعل للسلطنة العثمانية وتأثيره في تشكّل التاريخ الحديث للإيالتين التونسية والجزائرية، في حين بقيَ المغرب الأقصى خارج النفوذ العثماني. وتتجانس البلاد المغاربية في التركيبة الاجتماعية، فالمنظومة القبلية تسيطر هناك، وتكون القبيلة خاضعةً لسلطة "القايد"، ممثلً للسلطة المركزية. وبحسبه، لم تمسّ المسألة الشرقية شمال أفريقيا، لكنها بينت أنّ نظام إسطنبول أصبح عاجزًا عن الدفاع عن نفسه. ومنذ احتلال فرنسا الجزائر، ظهر مصطلح شمال أفريقيا عوضًا عن المغرب الإسلامي أو بلاد المغرب. وأراد المستعمر إلغاء كل خصوصية للمنطقة وضمّ الضفة الجنوبية للمتوسط إلى الضفة الشمالية، متحكمًا في الحوض الغربي للمتوسط بكامله. ولفت الانتباه إلى أنّ المستعمر الفرنسي قضى على الريع العيني، ونموّ الريع النقدي في الجزائر، وظهور نمطين من الإنتاج الفلاحي: رأسمالي كولونيالي وتقليدي مع شي.
قال ديلمي إنّ النظام العثماني خسر الحرب الأولى، وإنّ حكومته استسلمت، موقعةً معاهدة سيفر التي حلّت الجيش العثماني،
وسمحت بقيام دولة أرمينية، ووعدت بدولة للأكراد. ومع مقاومة مصطفى كمال، تأسست الجمهورية التركية بوصفها دولة - أمّة وفق مبدأَي العلمانية والقومية، وأُلغيت الخلافة الإسلامية. وكانت الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين تعبيرًا ميدانيًا عن هذه الوطنية العربية، لكنها كانت وفق مناورات بريطانيا للحفاظ على مصالحها، وكسب مناطق نفوذ جديدة. واستطاع الأتراك تشكيل الدولة - الأمة التركية على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، في حين وجد العرب أنفسهم أمام خيار الدولة القطرية التي سترسخ الحدود التي رسمتها سايكس.- بيكو
رأى الغربي أنّ خير الدين التونسي ينتمي إلى فئة المماليك التي كان لها دورٌ سياسي في بلاط باردو مؤثّرٌ في مسار الدولة الحسينية في
القرن التاسع عشر، وقد تميّز من غيره من المماليك بدوره التنظيري للإصلاحات التي رأى من الضروري القيام بها لحسن "حال الأمة الإسلامية". وكان ذلك ضمن كتابه أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالكالذي كتبه في بداية ستينيات القرن التاسع عشر.
أمّا سيمون بدران فقال إنّ طلائع الفكر الدستوري العثماني على الساحة السياسية ظهرت مع حراك العثمانيين الجدد خلال
الحقبة الأخيرة من مرحلة "التنظيمات"، وأنّهم أقاموا "ثقافةً دستوريةً للإسلام"، بصبغهم المبادئ الدستورية الأوروبية بمصطلحات عثمانية إسلامية في الحكم. ورأى أنصار جمعية الاتحاد والترقي في تكريس نهج الدسترة حجر الزاوية لتشييد حُكم قوي وفاعل، وأسلوب حُكم ناجح لمؤسسات الدولة وإداراتها الرسمية، يقوم على أسس علمية وفنية. وانتهت تعديلات جمعية الاتحاد والترقي إلى تدعيم صلاحيات البرلمان والباب العالي، مقابل تقليص سلطات القصر السلطاني. ووصف بعض الفقهاء هذه التعديلات الدستورية بأنّها "ثورية".