العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مصنفات الآداب السلطانية الساسانية في بلاط العباسيين الأوائل وسؤال الانتقال ومسوغاته

مصنفات الآداب السلطانية الساسانية في بلاط العباسيين الأوائل وسؤال الانتقال ومسوغاته

Sassanid Sultanic Literature in the Early Abbasid Court and the Question of its Transfer

نصير الكعبي

الملخّص

يتناول البحث سؤالًا أساسيًا يتعلق بالعوامل العميقة لانتقال الأدبيّات السلطانية الساسانية من محيطها الأوَّلِ (الفارسي /الزرادشتي) إلى محيط آخر مغاير لها (العربي/ الإسلامي). ويركز على العوامل الاجتماعية في عملية الانتقال تلك، محاولًا إعادة فحص العوامل التقليدية؛ فعالج البحث الموضوعات الأساسية الآتية: أسباب نشوء الأدبيات السلطانية الساسانية في سياقها الأول، ثم دراسة حاجات الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور الشرعية ومواجهة المعارضة وأهمية ترجمة الآداب السلطانية الساسانية في تلك التحديات. وبيّن البحث كيف وظف الخليفة المأمون الآداب السلطانية الساسانية لاحقًا في الحرب الأهلية؛ إذ كانت تلك الآداب جزءًا من أيديولوجيته من أجل ترميم صورة الخليفة. وتوصل البحث إلى نتائج أساسية منها: أن العامل الذي سرع انتقال التراث الساساني السلطاني إلى العباسيين يتجلى في تماثل التجربتين السياسية والاجتماعية على مستوى طريقة الحكم وفلسفته، وواقع المعارضة التي واجهتها الدولة. وقد ركز المحتوى الأساسي للآداب السلطانية في العصر العباسي على معاني الطاعة للسلطان والحاكم بوصفه امتدادًا للسلطان الشرقي القديم.

Abstract

This paper deals with the transfer of Sassanian "Sultantic" literature—that is, literature on governance and the appropriate forms of government—from its original, Persian/Zoroastrian environment to the Arab-Islamic sphere. The work focuses on social factors in the process of transfer and tries to examine traditional factors. The sections of the paper deal with the key subjects as follows: reasons for the emergence of Sassanian sultanic literature in its original context, followed by a study of Abbasid Caliph Al-Mansour's need for political legitimacy, and the importance of translating Sasanian sultanic literature to meet these challenges. It then explains how later Caliph Al-Maamoun subsequently relied on Sassanian sultanic sources during the wars of succession within an Abbasid civil war. The paper's findings are that the transfer of the Sassanian sultanic heritage to the Abbasids was accelerated by the political and social experience in terms of the method and philosophy of government, and the opposition confronting the state. The key contents of sultanic literature in the Abbasid period concentrated on the meanings of obedience to the Sultan and the ruler in his capacity as an extension of the ancient oriental sultan.

الكلمات المفتاحية:
  • الدولة الساسانية
  • الآداب السلطانية
  • الترجمة
  • الدولة العباسية
Keywords:
  • Sultanate literature
  • Sassanid State
  • Abbasid State
  • translation
نصير الكعبي| Al-kaabi *Nasir
نصير الكعبي | kaabi Al Nasir
مصنفات الآداب السلطانية الساسانية في بلاط
العباسيين الأوائل وسؤال الانتقال ومسوغاته
Sassanian Sultanic Literature in the Early Abbasid
Court and the Question of its Transfer

يتناول البحث سؤالً أساسيًا يتعلق بالعوامل العميقة لانتقال الأدبيّات السلطانية الساسانية من محيطها الأوَّل (الفارسي/ الزرادشتي) إلى محيط آخر مغاير لها (العربي/ الإسلامي). ويركز عى العوامل الاجتمعية في عملية الانتقال تلك، محاولً إعادة فحص العوامل التقليدية؛ فعالج البحث الموضوعات الأساسية الآتية: أسباب نشوء الأدبيات السلطانية الساسانية في سياقها الأول، ثم دراسة حاجات الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور الرعية ومواجهة المعارضة وأهمية ترجمة الآداب السلطانية الساسانية في تلك التحديات. وبيّ البحث كيف وظف الخليفة المأمون الآداب السلطانية الساسانية لاحقًا في الحرب الأهلية؛ إذ كانت تلك الآداب جزءًا من أيديولوجيته من أجل ترميم صورة الخليفة. وتوصل البحث إلى نتائج أساسية منها: أن العامل الذي سرع انتقال التراث الساساني السلطاني إلى العباسين يتجى في تماثل التجربتن السياسية والاجتمعية عى مستوى طريقة الحكم وفلسفته، وواقع المعارضة التي واجهتها الدولة. وقد ركز المحتوى الأساسي للآداب السلطانية في العصر العباسي عى معاني الطاعة للسلطان والحاكم بوصفه امتدادًا للسلطان الرقي القديم. كلمت مفتاحية:  الآداب السلطانية، الدولة الساسانية، الدولة العباسية، الترجمة.

This paper deals with the transfer of Sassanian "Sultantic" literature—that is, literature on governance and the appropriate forms of government—from its original, Persian/Zoroastrian environment to the Arab-Islamic sphere. The work focuses on social factors in the process of transfer and tries to examine traditional factors. The sections of the paper deal with the key subjects as follows: reasons for the emergence of Sassanian sultanic literature in its original context, followed by a study of Abbasid Caliph Al-Mansour's need for political legitimacy, and the importance of translating Sasanian sultanic literature to meet these challenges. It then explains how later Caliph Al-Maamoun subsequently relied on Sassanian sultanic sources during the wars of succession within an Abbasid civil war. The paper's findings are that the transfer of the Sassanian sultanic heritage to the Abbasids was accelerated by the political and social experience in terms of the method and philosophy of government, and the opposition confronting the state. The key contents of sultanic literature in the Abbasid period concentrated on the meanings of obedience to the Sultan and the ruler in his capacity as an extension of the ancient oriental sultan.

أستاذ في قسم التاريخ، كلية الآداب، جامعة الكوفة، العراق، مدير المركز الأكاديمي للأبحاث. Professor in the History Department, Faculty of Arts, University of Kufa, Iraq and Director of the Academic Research Center.

المقدمة

تزاحمت مرجعيتان خارجيتان رئيستان على مجمل مراحل تبلور العلوم والفنون العربية في المرحلة الكلاسيكية، بوصفها روافد استقى منها التراث العربي كثيرًا من ملامحه الأساسية وشكله النهائي. أما الأولى، فهي المرجعية اليونانية بكل حمولاتها المعرفية وثقلها

الفلسفي الذي حققته1. وأما الثانية فهي المرجعية الفارسية التي نافست الأولى، وتبارت معها في الحضور والتمثيل والتأثير، من خلال الترجمة والتأليف والتلخيص في أبواب عديدة2، لعل من أبرزها " الآداب السلطانية الساسانية " التي تلحظ في تبني تصنيفاتها كثافة واضحة، وكذلك في استعارات مفاهيمها، وتوظيفها في المجال العربي على الرغم من الفروقات البينية الأولية اللغوية والدينية الفارقة بين التراثين (الفارسي/ الزرادشتي)، و (العربي/ الإسلامي)، وتأثيرها العميق في تكوين ما عرف لاحقًا في الثقافة العربية ب  " الآداب السلطانية " (مرايا الأمراء)، والتي اختصت بنصائح الملوك وتشكيل فلسفة الحكم وإدارته. يصوغ البحث ضمن هذا المعنى سؤاله الرئيس: ما العوامل العميقة لانتقال الأدبيات السلطانية الساسانية من محيطها الأول إلى آخر مغاير لها من خلال تلك الترجمات الكاملة أو الجزئية بهذه الوفرة؟ ثم ما مستويات التلقي و لاقتباس والتوظيف في الممارسة العملية والنظرية في بلاط العباسيين الأول؟ تسعى الدراسة لتجاوز العوامل التقليدية في عملية لانتقال التي تداولتها الدراسات السابقة؛ من قبيل عوامل الشعوبية، و لانفتاح الحضاري للمسلمين، وإغداق الخلفاء المال من أجل الترجمة3؛ إذ لا يمكن أن تكون تلك العوامل إلا مظاهر وتجليات لعوامل أعمق منها، وكذلك لا تستغرق المحاولة كثيرًا في السؤال عن المنقول من الفارسية إلى العربية في الأدبيات السلطانية، وإنما تحاول

أن تتابع مقتضيات ذلك لانتقال والإرسال، وضرورات لاستقبال والتلقي لهذا الكم من التراث السلطاني الشرقي؛ من خلال فحص قنوات انتقاله. وقد يستلزم كل هذا المسعى دراسة السياقات السوسيولوجية والتاريخية والأيديولوجية لانبلاج أدب مثل هذا، مصنف ضمن مجاميع "مرايا الأمراء" في دائرته الأولى (الفارسية الساسانية)، ومخاضاتها التاريخية الطويلة، ثم مقايسة ظروفه السياقية في دائرته الثانية (العربية) المنقول إليها، وما حققه فيها من تفاعل وحضور مؤثرين في مجاله في العصر العباسي الأول الذي شهد تحولً عميقًا في بنية الدولة وعناصرها.

أولً: الأدبيات السلطانية الساسانية: مبررات نشوئها وحضورها المبكر

تبدو مفيدة جدًا تلك القائمة التي قدمها ابن النديم، بوصفها قاعدة بيانات أوليةً عن حجم المنقول في عصر الدولة العباسية من تراث الآداب السلطانية الساسانية؛ فقد خصص أحد أبواب الفهرست ل "الكتب المؤلفة في المواعظ والآداب والحكم للفرس، والهند،

1 لتفاصيل عن العوامل لاجتماعية والأيديولوجية لانتقال التراث اليوناني إلى الثقافة العربية في العصر العباسي، انظر:

D. Gutas, Greek Thought, Arabic Culture, The Graeco-Arabic Translation Movement in Baghdad and Early 'Abbasid Society (2 nd – 4 th / 8 th – 10 th centuries) , (New York: Routledge, 1998).

2 راجع عن أبواب انتقال التراث الساساني إلى الثقافة العربية:

Shaul Shaked, "From Iran to Islam: Notes on Some Themes in Transmission," Jerusalem Studies in Arabic and Islam , vol. 4 (1984), pp. 31  -  67.

3 عن تلك الدراسات التقليدية، انظر: ناجي معروف، أصالة الحضارة العربية، ط 3 (بيروت: دار الثقافة، 1975)؛ حسين أمين، "الترجمة في بغداد أيام العصر العباسي

الأول"، مجلة، مج المورد 3، العدد 3 (1974)؛ رشيد الجميلي، حركة الترجمة في المشرق الإسلامي في القرنين الثالث والرابع للهجرة (بغداد: دار الحرية، 1986.)

  1. لتفاصيل عن العوامل لاجتماعية والأيديولوجية لانتقال التراث اليوناني إلى الثقافة العربية في العصر العباسي، انظر: D. Gutas, Greek Thought, Arabic Culture, The Graeco-Arabic Translation Movement in Baghdad and Early 'Abbasid Society (2 nd – 4 th / 8 th – 10 th centuries) , (New York: Routledge, 1998).
  2. راجع عن أبواب انتقال التراث الساساني إلى الثقافة العربية: Shaul Shaked, "From Iran to Islam: Notes on Some Themes in Transmission," Jerusalem Studies in Arabic and Islam , vol. 4 (1984), pp. 31  -  67.
  3. عن تلك الدراسات التقليدية، انظر: ناجي معروف، أصالة الحضارة العربية، ط 3 (بيروت: دار الثقافة، 1975)؛ حسين أمين، "الترجمة في بغداد أيام العصر العباسي الأول"، مجلة، مج المورد 3، العدد 3 (1974)؛ رشيد الجميلي، حركة الترجمة في المشرق الإسلامي في القرنين الثالث والرابع للهجرة (بغداد: دار الحرية، 1986.)

والعرب، مما يعرف مؤلفه أو لا يعرف"4؛ فمن مجموع أربعة وأربعين كتابًا في هذه القائمة ظهر من عناوينها أربعة عشر كتابًا هي

ترجمات لمصنفات ساسانية سلطانية، وقد يكون بعضها الآخر، باحتمال قوي، متأثرًا بها، أو قد تكون ترجمتها بدأت منذ العصر الأموي،

ويحتمل، بقوة، أن تكون تلك المصنفات موجودة في القرن الرابع الهجري، زمان تأليف ابن النديم فهرسه؛ فقد أشار المؤلف نفسه في مقدمته إلى أن الكتب التي تداولها كانت موجودة، وأنه شاهد بعضًا من ترجماتها باللغة العربية5. خاضت قائمة ابن النديم في موضوعات متباينة6، هي مصنفات في العهود والوصايا العملية7، ومصنفات سياسية بين الفرس والروم8، ومصنفات نصائح حكمية للموابذة إلى رجال الدولة9، ومصنفات السياسة السلطانية المنسوبة إلى الملوك الساسانيين10، وقد اشتمل القسم الأخير على كتب سلطانية متفرقة11. وعلى الرغم من فقدان مجمل أصول الكتب الواردة عند ابن النديم ومترجماتها، ووصول بعضها عن طريق الرواية الثانية بوساطة المصنفات العربية التي اقتبست قطعًا منها، فقد أصبحت المعين الأساس للتعرف إليها ومعاينة محتوياتها. ويبدو هذا مهمًا في متابعة

طبيعة التلقي للأدبيات الساسانية السلطانية؛ فإن من الممكن عند لحظ القائمة المذكورة تشخيص الجيل الأول من الأدبيات السلطانية التي ترجمت بالكامل بصورة مستقلة، بوصفها نوعًا جديدًا من التصنيف في اللغة العربية، استحضرته ثقافتها لضرورات كثيرة، لعل أبلغها

تأثيرًا حاجات السلطة الماسة إلى ترسيخ حضورها وتمتين نفوذها أيديولوجيًا. فقد هيأت هذه المترجمات المتناوبة والمتنوعة في الحقل ذاته

قاعدة وأمثلة أنموذجية للاقتداء والمسايرة، فقد دخلت نصوصها على نحو جلي في مراحل لاحقة وهيمنت على صنف الآداب السلطانية. وعلى الرغم من أهمية قائمة ابن النديم السابقة، فإنها لم تمثل كل المنقول في حقل الأدبيات السلطانية الساسانية! وإنما أشار المؤلف نفسه في فصول ومواضع أخرى من فهرسه إلى عدد آخر من الكتب المترجمة من الفارسية في المجال ذاته، لعل أبرزها مجاميع كتب تاج نامهوآيين نامهالساسانية12. وقد يكون الجاحظ من أوائل المصنفين العرب، وهو من دشن المثاقفة بين الأنموذجين الفارسي والعربي؛ فبنى مصنفه التاج في أخلاق الملوكعلى مجاميع كتبتاج نامه الساسانية. ذلك أنه صنفه في العصر العباسي إبان ذروة التداخل مع الثقافات الأخرى، والحاجة

4 محمد بن إسحاق بن النديم، الفهرست، تحقيق شعبان خليفة ووليد محمد العودة (القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، 1991)، ص 634  -  636. 5 يذكر المسعودي: "رأيت بمدينة إصطخر من أرض فارس في سنة 303 عند بعض من أهل البيوتات المشرفة من الفرس كتابًا عظيمًا يشتمل على علوم كثيرة من علومهم

وأخبار ملوكهم وأبنيتهم وسياساتهم، لم أجدها في شيء من كتب الفرس كخداى نامه وآئين نامه وكهناماه وغيرها، مصور فيه ملوك فارس من آل ساسان سبعة وعشرون

ملكًا، منهم خمسة وعشرون رجلً وامرأتان قد صور الواحد منهم يوم مات؛ شيخًا كان أو شابًا، وحليته وتاجه ومخط لحيته وصورة وجهه، وأنهم ملكوا الأرض أربعمئة سنة

وثلاثًا وثلاثين سنة وشهرًا وسبعة أيام، وأنهم كانوا إذا مات ملك من ملوكهم صوروه على هيئته ورفعوه‏". انظر: أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي، التنبيه والإشراف،

تحقيق عبد الله إسماعيل الصاوي (قم: انتشارات سيد الشهداء، د. ت.)، ص 92. 6 من أوائل الباحثين الذين قاموا بدراسة هذه القائمة الباحث الروسي كانستاين إينا سترانستيف، تحقيقات درباره ساسانيان، ترجمة كاظم كاظم زاده (تهران: انتشارات

علمى فرهنگى، 1384)، ص 14؛ ثم قام بدراستها مرة أخرى محمد محمدي ملا يري، فرهنگ ايرانى بيش از اسلام وآثار آن در تمدن اسلامى وأدبيات عربى، چاپ

چهارم (تهران: انتشارات دانشگاه تهران، 1385)، ص 262 وما بعدها. 7 والكتب التي ذكرها هي: كتاب عهد كسرى إلى ابنه هرمز يوصيه حين اصطفاه الملك وجواب هرمز إياه، وكتاب عهد كسرى إلى من أدرك التعليم في بيته، كتاب و

عهد أردشير بابكان إلى ابنه سابور، كتاب عهد كسرى أنوشروان إلى أبيه الذي يسمى عين البلاغة و. 8 وقد أشار إلى الكتب الآتية: كتاب المسائل التي أنفذها ملك الروم إلى أنوشروان على يد بقراط الرومي، كتاب إرسال ملك الروم الفلاسفة إلى ملك الفرس ليسأله و

عن أشياء من الحكمة. 9 وقد ذكر الكتب الآتية: كتاب مهر آذر جشنس الموبذان إلى بزرك جمهر بن البختكان، كتاب موبذان موبذ في الحكم والجوامع والآداب و. 10 وأشار فيه إلى الكتب الآتية: كتاب ما كتب به كسرى إلى المرزبان وإجابته إياه، كتاب ما أمر أردشير باستخراجه من خزائن الكتب التي وصفها في التدبير و،

وكتاب سكر بن مرجود لهرمز بن كسرى ورسالة كسرى إلى جواسب وجوابها، كتاب كسرى إلى زعماء الرعية في الشكر و. 11 وورد فيه: كتاب زاد انفروخ في تأديب ولده، وكتابسيرة نامهتأليف هوزاد بن فقراط أحد كتب الأخبار والأحاديث. 12 ابن النديم، ص 214؛ محمد محمدي، الترجمة والنقل عن الفارسية في القرون الإسلامية الأولى (تهران: منشورات توس، 1995)، ص 229.

  1. محمد بن إسحاق بن النديم، الفهرست، تحقيق شعبان خليفة ووليد محمد العودة (القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، 1991)، ص 634  -  636.
  2. يذكر المسعودي: "رأيت بمدينة إصطخر من أرض فارس في سنة 303 عند بعض من أهل البيوتات المشرفة من الفرس كتابًا عظيمًا يشتمل على علوم كثيرة من علومهم وأخبار ملوكهم وأبنيتهم وسياساتهم، لم أجدها في شيء من كتب الفرس كخداى نامه وآئين نامه وكهناماه وغيرها، مصور فيه ملوك فارس من آل ساسان سبعة وعشرون ملكًا، منهم خمسة وعشرون رجلً وامرأتان قد صور الواحد منهم يوم مات؛ شيخًا كان أو شابًا، وحليته وتاجه ومخط لحيته وصورة وجهه، وأنهم ملكوا الأرض أربعمئة سنة وثلاثًا وثلاثين سنة وشهرًا وسبعة أيام، وأنهم كانوا إذا مات ملك من ملوكهم صوروه على هيئته ورفعوه‏". انظر: أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي، التنبيه والإشراف، تحقيق عبد الله إسماعيل الصاوي (قم: انتشارات سيد الشهداء، د. ت.)، ص 92.
  3. من أوائل الباحثين الذين قاموا بدراسة هذه القائمة الباحث الروسي كانستاين إينا سترانستيف، تحقيقات درباره ساسانيان، ترجمة كاظم كاظم زاده (تهران: انتشارات علمى فرهنگى، 1384)، ص 14؛ ثم قام بدراستها مرة أخرى محمد محمدي ملا يري، فرهنگ ايرانى بيش از اسلام وآثار آن در تمدن اسلامى وأدبيات عربى، چاپ چهارم (تهران: انتشارات دانشگاه تهران، 1385)، ص 262 وما بعدها.
  4. والكتب التي ذكرها هي: كتاب عهد كسرى إلى ابنه هرمز يوصيه حين اصطفاه الملك وجواب هرمز إياه، وكتاب عهد كسرى إلى من أدرك التعليم في بيته، كتاب و عهد أردشير بابكان إلى ابنه سابور، كتاب عهد كسرى أنوشروان إلى أبيه الذي يسمى عين البلاغة و.
  5. وقد أشار إلى الكتب الآتية: كتاب المسائل التي أنفذها ملك الروم إلى أنوشروان على يد بقراط الرومي، كتاب إرسال ملك الروم الفلاسفة إلى ملك الفرس ليسأله و عن أشياء من الحكمة.
  6. وقد ذكر الكتب الآتية: كتاب مهر آذر جشنس الموبذان إلى بزرك جمهر بن البختكان، كتاب موبذان موبذ في الحكم والجوامع والآداب و.
  7. وأشار فيه إلى الكتب الآتية: كتاب ما كتب به كسرى إلى المرزبان وإجابته إياه، كتاب ما أمر أردشير باستخراجه من خزائن الكتب التي وصفها في التدبير و، وكتاب سكر بن مرجود لهرمز بن كسرى ورسالة كسرى إلى جواسب وجوابها، كتاب كسرى إلى زعماء الرعية في الشكر و.
  8. وورد فيه: كتاب زاد انفروخ في تأديب ولده، وكتابسيرة نامهتأليف هوزاد بن فقراط أحد كتب الأخبار والأحاديث.
  9. ابن النديم، ص 214؛ محمد محمدي، الترجمة والنقل عن الفارسية في القرون الإسلامية الأولى (تهران: منشورات توس، 1995)، ص 229.

الماسة إلى بناء مدونة سلطانية تؤسس للعلاقة بين الحاكم وبلاطه والحاكم ورعيته على طريقة الدولة الإمبراطورية الشرقية؛ إذ فضل التراث الفارسي الساساني السلطاني في لاستحضار و لاستعمال، وأشار إلى ذلك في ديباجة كتابه حيث يقول: "ولنبدأ بملوك الأعاجم، إذ كانوا هم الأول في ذلك، وعنهم أخذنا قوانين الملك والمملكة، وترتيب الخاصة والعامة، وسياسة الرعية، وإلزام كل طبقة حظها، و لاقتصار على جبلتها"13. وبيّ الجاحظ في موضع آخر من كتابه جدواه ومصادره، وقدّم تخمينًا لطبيعة لانتقادات المحتملة لمحتوياته، وردود أفعال متلقيه، لا سيما أن الكتاب مشبع بفكرة الطاعة الملكية اللامتناهية، بوصفه يمثل بواكير المدونات العربية الأولى التي دونت التقاليد الشفاهية المتداولة، وحصرتها في قالب مقنن يأخذ صفة المراسيم والقواعد العملية. لكنّ الأهم في تلك الحوارية توقع الجاحظ طبيعة ردود أفعال

المتلقي، وكذلك إشارته إلى المنبع الأساس الذي استقيت منه أخلاق الملوك العملية في عصره "ولأن قائلً يقول إذا رآنا: قد نقلنا في كتابنا هذا بعضًا من أخلاق الملوك الماضين من آل ساسان [...]، وأولئك الملوك هم عند ملوكنا كالطبقة الوسطى عند النمط الأعلى، أنت تجد ذلك عيانًا وتشهده عينك بيانًا"14. فقد يعبر المغزى الرئيس لهذه الديباجة عن المرحلة التأسيسية ومخاضاتها الأولى في الربط بين أنموذجين يتماهيان في النظرة السلطانية إلى (الملك/ الخليفة)، وتنظيم العامة والخاصة في التعامل معهم، وأكثر ما يشار إليه فيها طابع لاستمرارية لتلك الآداب. وقد يتضح ذلك أكثر في الأهداف الرئيسة التي عرض لها الكاتب، بوصفها أسبابًا حدت به إلى التصنيف، فيذكر: "إن أكثر العامة

وبعضًا من الخاصة، لما كانت تجهل الأقسام التي تجب لملوكها عليها وإن كانت متمسكة بجملة الطاعة؛ فقد حصرنا آدابها في كتابنا هذا لنجعلها قدوة لها وإمامًا لتأدبها"15. ثم يضيف إلى ذلك هدفًا ثانيًا بقوله: "وأما الآخر، فلما يجب من حق الملوك علينا من تقويم

كل مائل عنها، ورد كل نافر إليها، ومنها أن سعادة العامة في تبجيل الملوك وطاعتها، كما قال أردشير بن بابك: سعادة الرعية في طاعة الملوك، وسعادة الملوك في طاعة الرعية"16. وقد يكون كتاب التاج في أخلاق الملوكمدخلً أنموذجيًا، ومثالً لفحص عمليات انتقال الأدب السلطاني الساساني من موطنه

الأول إلى محيطه الثاني في موضوع جوهري؛ يدور حول الملوك وتثقيفهم بشؤون سياسة الملك وتدبير المملكة، وقد اصطلح على تسمية هذا الباب ب "أدب الملك" أو "نصيحة الملوك" أو "الآداب السلطانية"17. فقد اهتم هذا الكتاب وأقرانه بنقل تلك النصوص والقواعد من مصنفات بهلوية، ووضعها في إطار عربي؛ ولذلك لم يكن لمؤلفه سوى محاولات التعريف بتلك النصوص18. وعند محاولة تحليل مضمونات الكتاب أو كتب الآداب السلطانية على وجه العموم، يلحظ أنها اعتنت في الغالب بالقوانين والقواعد السلطانية الساسانية التي

13 عمرو بن بحر الجاحظ، التاج في أخلاق الملوك، تحقيق أحمد زكي (القاهرة: المطبعة الأميرية، 1914)، ص 21. 14 المرجع نفسه، ص 21. 15 المرجع نفسه، ص 7، 21. 16 المرجع نفسه، ص 7. 17 ظهر هذا الأدب في الثقافة العربية حين أخذت الخلافة الإسلامية تتحول من زعامة دينية بسيطة إلى حكومة ملكية معقدة ذات نظم وتقاليد مدروسة وقواعد ودساتير

لإدارة شؤون الملك وإصلاح الرعية، وأصبحت تحتوي تعاليم عملية للذين يقومون بأعباء الملك من الوزراء والكتاب، وتشتمل على نصائح أخلاقية للملوك والحكام، وتتضمن

تقاليد وجبت رعايتها في البلاطات الملكية وما ينبغي للملك تجنبه أو التزامه للمحافظة على هيبة الملك ومكانته، انظر: محمد محمدي ملا يرى، تاريخ وفرهنك ايران بيش

در دوران انتقال از عصر ساسانى به عصر اسلامى، ج 4 (تهران: انتشارات توس، 1380)، ص 255 وما بعدها. 18 ولهذا يرى محقق الكتاب "لقد كانت وظيفة الجاحظ في هذا الكتاب أن ينقل ما راق من الآداب التي دونها الفرس في آينهم وقوانينهم، وأن يسطر ما تلقاه من شيوخه

أو سمعه من أقرانه أو تلقفه عن صحابته فيما يتعلق بأحوال الخلفاء والسادات، فكان عمله قاصرًا على ربط الأفكار بعضها ببعض، ولم يكن له مجال يتبسط فيه ويسرح أو

ميدان يتنشط فيه ويمرح". انظر مقدمة المحقق في: الجاحظ، التاج، ص 38.

  1. عمرو بن بحر الجاحظ، التاج في أخلاق الملوك، تحقيق أحمد زكي (القاهرة: المطبعة الأميرية، 1914)، ص 21.
  2. المرجع نفسه، ص 21.
  3. المرجع نفسه، ص 7، 21.
  4. المرجع نفسه، ص 7.
  5. ظهر هذا الأدب في الثقافة العربية حين أخذت الخلافة الإسلامية تتحول من زعامة دينية بسيطة إلى حكومة ملكية معقدة ذات نظم وتقاليد مدروسة وقواعد ودساتير لإدارة شؤون الملك وإصلاح الرعية، وأصبحت تحتوي تعاليم عملية للذين يقومون بأعباء الملك من الوزراء والكتاب، وتشتمل على نصائح أخلاقية للملوك والحكام، وتتضمن تقاليد وجبت رعايتها في البلاطات الملكية وما ينبغي للملك تجنبه أو التزامه للمحافظة على هيبة الملك ومكانته، انظر: محمد محمدي ملا يرى، تاريخ وفرهنك ايران بيش در دوران انتقال از عصر ساسانى به عصر اسلامى، ج 4 (تهران: انتشارات توس، 1380)، ص 255 وما بعدها.
  6. ولهذا يرى محقق الكتاب "لقد كانت وظيفة الجاحظ في هذا الكتاب أن ينقل ما راق من الآداب التي دونها الفرس في آينهم وقوانينهم، وأن يسطر ما تلقاه من شيوخه أو سمعه من أقرانه أو تلقفه عن صحابته فيما يتعلق بأحوال الخلفاء والسادات، فكان عمله قاصرًا على ربط الأفكار بعضها ببعض، ولم يكن له مجال يتبسط فيه ويسرح أو ميدان يتنشط فيه ويمرح". انظر مقدمة المحقق في: الجاحظ، التاج، ص 38.

تعد النواة الأصلية لتلك المجاميع من الكتب، والتي بنى الجاحظ عليها أصل كتابه19؛ إذ استحضر أمثلة وشواهد منقولة عن كيفية تنفيذ الملوك الساسانيين تلك القواعد والقصص الواردة عنهم20. أطلق الأدب الساساني البهلوي على هذا القسم مرادفات عديدةً، وقد يلمح هذا إلى مديات تطوره والأهمية التي نالها آنذاك؛ فمن الألفاظ البهلوية الفارسية المستعملة في هذا المجال Frahang فرنگ أو فرهنگ بالفارسية الحديثة، وتحمل اللفظة عديدًا من المعاني

الفرعية التي منها التعليم والثقافة والسلوك القويم21. وترادف هذا المعنى كلمة بهلوية أخرى هي: لفظة آيين ēwēn، وقد حملت المصنفات البهلوية المدونة فيها مصطلح آيين نامك nāmag ēwēn، وتعني مصنفات الرسوم والقوانين القويمة في الحكم22، وترجمتها العربية "كتاب الرسوم" مفردها رسم، وتستعمل غالبًا في البلاطات الملكية والأوامر (المراسيم) الصادرة منها. وقد قدم الأدب البهلوي مجاميع من الكتب

أو الرسائل حول رسوم البلاط ومضمونات العلاقة وتقنينها بقواعد عملية بينه وبين المراتب والمقامات العليا في الدولة23. وتداول الأدب البهلوي مصطلحًا آخر مرتبطًا بموضوع الآداب السلطانية الساسانية، هو بندنامه (رسائل المواعظ) أو اندرز

نامه (رسائل النصائح)، وهي مجموعة من المواعظ والنصائح (أدب الحكمة) المكونة لبدايات تصنيف المدونات الأخلاقية والسلطانية الساسانية؛ فلفظة "بند" في البهلوية لفظة مشهورة متداولة وتعطي معنى "راه" أي الطريق، وتحمل المعنى ذاته في الأدبيات المانوية والفرثية24. واللافت للانتباه أن هناك نوعًا من لارتباط المعنوي والصوغي بين تلك المرادفات البهلوية ولفظة "أدب" العربية في مراحلها

الدلالية الأولى، فلم يكن للمفردة حضور في اللغة العربية قبل الإسلام، ولم ترد في القرآن، وعدها ابن خفاجة من المفردات الدخيلة25. وفي المفردة أكثر من رأي؛ فمنهم من قال: إنها كلمة يونانية تنحدر من لفظ "أديبوس" وتعني "الكلم الطيب"، ورأى بعضهم أنها مشتقة

19 إذ حملت اقتباسات هذا القسم تعابير خاصة من الممكن تحديدها وبيان أصولها البهلوية الساسانية الأولى، بوصفها قواعد ورسومًا كانت تعبر عن قوانين ثابتة ونواميس

للملوك الساسانيين، ويدلل المؤلف على ذلك بكثير من الإشارات الصريحة؛ من ذلك قول المؤلف: "كذا وجدنا في كتب الأعاجم وملوكها"، أو قوله: "فذكرت الأعاجم في كتبها

وسير ملوكها". انظر: المرجع نفسه، ص 27. 20 المرجع نفسه، ص 15، 28، 29، 99، 138.

21  S. Shaked "Andarz," Encyclopaedia Iranica , Ehsan Yarshater (ed.), vol. II, Fasc. 1 (New York: Routledge/ Kegan Paul, 1985), pp. 11  -  22. 22  A. Tafażżolī "ēwēn nāmag," in: Encyclopaedia Iranica , Ehsan Yarshater (ed.), (New York: 2014), I/ 7 , pp. 691  -  692.

23 أحمد تفضلي، "آيين نامه"، دايرة بزرك معارف اسلامى، ج 2 (تهران، 1374)، ص 289  -  290. ويبدو أنه لأهمية هذا النوع من الأدب الملكي، تأثر عديد من المتون

البهلوية الأخرى القريب موضوعها منه بموضوعاته، فقد صور كتاب الشطرنج البهلوي آيين رسوم التعامل والأخلاق العملية في السياسة بين أطراف اللعبة والمتنافسين، انظر:

جاماسب جی آسانا، خسرو قبادان وریدگی، متون ﭘهلوى، ترجمة سعيد عريان (تهران: سازمان ميراث فرهنگى كشور، 1382)، ص 127  -  130. فقد أشار ابن النديم إلى

مجموعة من الكتب البهلوية التي ترجمت فيها لفظة "آيين" إلى آداب أو أدب وقد ذكر كتابين، كان عنوان الكتاب الأول هو تعبئة الحروب وآداب الأساورة، أما الكتاب

الآخر فهوأدب الحرب وفتح الحصون. انظر: ابن النديم، ص 633؛ وذكر المسعودي لفظة آيين ضمن ذكره مجموعة كتب آيين نامهالبهلوية في التراث العربي بعنوان كتاب

الرسوم، وقدم فيها توصيفًا عن حجمكاهنامه والأسباب التي دعت إلى تأليفه، ومحتوياته المتعلق أكثرها بإدارة الدولة الساسانية ومناصبها الفاعلة، إذ يقول المسعودي "فيه

مناصب للدولة الساسانية وتتجاوز عدد صفحاته ألف ورقة وأن النسخة الكاملة للكتاب موجودة عند الموابذة والعظماء"، وقد يكون ابن المقفع من ترجم هذا الكتاب. ويبدو أن

هذا النوع من الكتب قد أثر في عدد من المصنفات المرجعية والتأسيسية الأولى في الثقافة العربية ويبدو أن مصنفات عربية أخرى تأثرت بهذا النمط من التأليف ونحت العنوان

ومحتوياته. انظر: كتاب آداب الدرب، وأدب القاضي، وآداب المتعلم؛ وانظر في ذلك مصنفات مثل كتابرسوم دار الخلافة للصابئ، ومجموعة كتب نصائح الملوك أو سير

الملوك، أو كتاب المحاسن المساوئللبيهقي، أو المحاسن والأضدادللجاحظ.

24  S. Shaked "Andarz", vol. II, Fasc. 1 , pp. 11  -  22.

ويصاغ غالبًا هذا الأدب على هيئة أسئلة وأجوبة تعليمية مباشرة قصيرة لموضوعات لا تتجاوز عددًا من الصفحات، وأكثر مجاميع النصائح والمواعظ الأخلاقية العملية هي

قطعة كبيرة تتجاوز مئة صفحة مطبوعة في كتابدينكرد البهلوي. انظر: أحمد تفضلي، تاريخ ادبيات ايران بيش از اسلام (تهران: انشارات معين، 1373)، ص 180  -  182.

وقد تكون هذه الأسئلة والأجوبة حاصل التجربة التراكمية للكتاب والإداريين في الدولة، وقبل التدوين مر هذا النوع من الأدب بمراحل شفاهية تداخلت فيه أدبيات الأمم

الأخرى في بعض الأحيان. وقد يكون من ذلك النوع الحكم المنسوبة إلى الوزير بزرگمهر والملك كسرى أنوشروان، فمن الممكن تشخيص حضور حكم أخلاقية من الإسكندر

وأرسطو وصلت من الحضارة اليونانية. انظر: المرجع نفسه، ص  183. 25 شهاب الدين أحمد الخفاجي، شفاء الغليل في كلام العرب من الدخيل (القاهرة: مطبعة بولاق، 1865)، ص 27.

  1. إذ حملت اقتباسات هذا القسم تعابير خاصة من الممكن تحديدها وبيان أصولها البهلوية الساسانية الأولى، بوصفها قواعد ورسومًا كانت تعبر عن قوانين ثابتة ونواميس للملوك الساسانيين، ويدلل المؤلف على ذلك بكثير من الإشارات الصريحة؛ من ذلك قول المؤلف: "كذا وجدنا في كتب الأعاجم وملوكها"، أو قوله: "فذكرت الأعاجم في كتبها وسير ملوكها". انظر: المرجع نفسه، ص 27.
  2. المرجع نفسه، ص 15، 28، 29، 99، 138.
  3. S. Shaked "Andarz," Encyclopaedia Iranica , Ehsan Yarshater (ed.), vol. II, Fasc. 1 (New York: Routledge/ Kegan Paul, 1985), pp. 11  -  22.
  4. A. Tafażżolī "ēwēn nāmag," in: Encyclopaedia Iranica , Ehsan Yarshater (ed.), (New York: 2014), I/ 7 , pp. 691  -  692.
  5. أحمد تفضلي، "آيين نامه"، دايرة بزرك معارف اسلامى، ج 2 (تهران، 1374)، ص 289  -  290. ويبدو أنه لأهمية هذا النوع من الأدب الملكي، تأثر عديد من المتون البهلوية الأخرى القريب موضوعها منه بموضوعاته، فقد صور كتاب الشطرنج البهلوي آيين رسوم التعامل والأخلاق العملية في السياسة بين أطراف اللعبة والمتنافسين، انظر: جاماسب جی آسانا، خسرو قبادان وریدگی، متون ﭘهلوى، ترجمة سعيد عريان (تهران: سازمان ميراث فرهنگى كشور، 1382)، ص 127  -  130. فقد أشار ابن النديم إلى مجموعة من الكتب البهلوية التي ترجمت فيها لفظة "آيين" إلى آداب أو أدب وقد ذكر كتابين، كان عنوان الكتاب الأول هو تعبئة الحروب وآداب الأساورة، أما الكتاب الآخر فهوأدب الحرب وفتح الحصون. انظر: ابن النديم، ص 633؛ وذكر المسعودي لفظة آيين ضمن ذكره مجموعة كتب آيين نامهالبهلوية في التراث العربي بعنوان كتاب الرسوم، وقدم فيها توصيفًا عن حجمكاهنامه والأسباب التي دعت إلى تأليفه، ومحتوياته المتعلق أكثرها بإدارة الدولة الساسانية ومناصبها الفاعلة، إذ يقول المسعودي "فيه مناصب للدولة الساسانية وتتجاوز عدد صفحاته ألف ورقة وأن النسخة الكاملة للكتاب موجودة عند الموابذة والعظماء"، وقد يكون ابن المقفع من ترجم هذا الكتاب. ويبدو أن هذا النوع من الكتب قد أثر في عدد من المصنفات المرجعية والتأسيسية الأولى في الثقافة العربية ويبدو أن مصنفات عربية أخرى تأثرت بهذا النمط من التأليف ونحت العنوان ومحتوياته. انظر: كتاب آداب الدرب، وأدب القاضي، وآداب المتعلم؛ وانظر في ذلك مصنفات مثل كتابرسوم دار الخلافة للصابئ، ومجموعة كتب نصائح الملوك أو سير الملوك، أو كتاب المحاسن المساوئللبيهقي، أو المحاسن والأضدادللجاحظ.
  6. S. Shaked "Andarz", vol. II, Fasc. 1 , pp. 11  -  22. ويصاغ غالبًا هذا الأدب على هيئة أسئلة وأجوبة تعليمية مباشرة قصيرة لموضوعات لا تتجاوز عددًا من الصفحات، وأكثر مجاميع النصائح والمواعظ الأخلاقية العملية هي قطعة كبيرة تتجاوز مئة صفحة مطبوعة في كتابدينكرد البهلوي. انظر: أحمد تفضلي، تاريخ ادبيات ايران بيش از اسلام (تهران: انشارات معين، 1373)، ص 180  -  182. وقد تكون هذه الأسئلة والأجوبة حاصل التجربة التراكمية للكتاب والإداريين في الدولة، وقبل التدوين مر هذا النوع من الأدب بمراحل شفاهية تداخلت فيه أدبيات الأمم الأخرى في بعض الأحيان. وقد يكون من ذلك النوع الحكم المنسوبة إلى الوزير بزرگمهر والملك كسرى أنوشروان، فمن الممكن تشخيص حضور حكم أخلاقية من الإسكندر وأرسطو وصلت من الحضارة اليونانية. انظر: المرجع نفسه، ص  183.
  7. شهاب الدين أحمد الخفاجي، شفاء الغليل في كلام العرب من الدخيل (القاهرة: مطبعة بولاق، 1865)، ص 27.

من كلمة "دب" أو "ديب" الفارسية، وتعني بالفارسية القديمة "التربية السياسية والأخلاقية". وكان ابن المقفع من أوائل المصنفين الذين استعملوا لفظة "أدب" بالمعنى السياسي في كتابيه الأدب الكبير والأدب الصغير، وهي تعني الآداب السلطانية أو الأخلاق. فلا يوجد كتاب عربي قبله حمل هذا المعنى، ويبدو أنه قد تأثر بالمصنفات السلطانية الساسانية في صوغ عناوين كتبه، والذي مكنه في ذلك اشتغاله بترجمة الكتب البهلوية ونقلها إلى العربية؛ إذ تركزت اهتماماته عند ترجمة الكتب السلطانية والنصائحية والتاريخية الساسانية26. واختص إطلاق كلمة "أدب" في القرون الإسلامية الأولى على "آداب الفرس"؛ وهي إحالة على مجاميع الآداب الساسانية السلطانية. فقد كانت من التعبيرات المتداولة والمعروفة عند الكتاب وجمهور القراء بوصفها لفظةً لها مدلول محدد واضح متفق على حدود معناه. ومن الممكن فحص هذا الأمر في بعض من أقوال الجاحظ نفسه، وذلك عندما استحضر نقول ثقافة الحضارات الأخرى في عصره، فذكر أنه "قد نقلت كتب الهند وترجمت حكم اليونان، وحولت آداب الفرس، فبعضها ازداد حسنًا وبعضها ما انتقص شيئًا"27. وإن

الكلمة، على ما يبدو، بقيت تحمل تلك الدلالة حتى زمن مسكويه في القرن الخامس، فقد أفرد في كتابه الحكمة الخالدة فصلً كبيرًا

بعنوان "آداب الفرس"، ثم أفرد فصلً آخر بعنوان "آداب بزرك جمهر"، وهو يتحدث عن الأخلاق والآداب السلطانية الفارسية28. وقد ازدهر هذا النوع من الآداب في الربع الأخير من عمر الدولة الساسانية؛ أي منذ عصر الملك كسرى أنوشروان (501  -  579 م). وهو حاصل مجموعة من التحولات العميقة في بنية الدولة وركائزها المهمة في فلسفة الحكم، وقد يكون أبرز تلك التحولات موقفها من الدين الرسمي واستعاضتها عنه29. كما بدأ تغيير تركيبة (الدولة/ الملكية) وموقفها من الدين منذ القرن الرابع؛ إذ لم يعد الملك يحمل صفات القدسية، وإنما أصبح يحمل سمات بشريةً موازيةً لكل منافسيه. وقد كان ذلك التحول العميق بسبب نفوذ المؤسسة الدينية من جهة، وتحول الدولة عن الدين الرسمي الواحد إلى مجموعة أديان متنامية فيها، ولا سيما المسيحية من جهة أخرى. ورافق ذلك مجموعة من التحديات الجديدة، قد يكون أبرزها تنامي دور الأرستقراطية ومعارضتها ومنازعاتها الشديدة لمنصب "الشاهنشاه"، وصعود دور "رجال الحرب". فمنذ القرن السادس وما بعده، أخذ هؤلاء الرجال ينافسون الملك، وأصبح قتل الملوك أمرًا معتادًا30، ثم جاءت التحولات

لاجتماعية الكبيرة على أثر أحداث المزدكية، وإعادة تشكيل النظام الطبقي الحاد في الدولة منذ عصر كسرى أنوشروان31.

26 تابع للتفصيل عن المعنى اللغوي الأصح لكملة "أدب" في اللغة اليونانية والفارسية القديمة، ومديات ارتباطها بمعنى الآداب السلطانية: محمد محمدي، أدب وأخلاق

در إيران بيش از اسلام (تهران: انتشارات توس، 1388)، ص 30  -  32. 27 أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، ج 1 (القاهرة: مصطفى البابي الحلبي، 1965)، ص 38. 28 أحمد بن محمد مسكويه، الحكمة الخالدة (جاويدان خرد)، تحقيق عبد الرحمن بدوي (تهران: انتشارات دانشگاه تهران، د.ت.)، ص 26، 29. 29 استعاضت الملكية الساسانية عن الدين الذي مثل العنصر البارز في تثبيت شرعية الملك ومنحه عناصر التفوق منذ مرحلة التأسيس حتى تقريبًا القرن الرابع، فكان الملك

يحمل لقب "جهره از ايزدان دارم" أي: الملك الذي أصلي من الآلهة، وضربت هذه العبارات الدعائية لأيديولوجيا الدولة على النقوش والمسكوكات الساسانية المبكرة؛ وتحديدًا

بعد تتويج أردشير، إذ لم تظهر مسكوكات هذا الملك حيازته لهذا اللقب عندما كان ملكًا لإقليم فارس، وإنما ظهر بالتزامن مع لقب "شاهنشاه"، ولم يظهر توظيف الدين في

مجال الدولة السياسي بوضوح في العبارات المضروبة على السكة الأشغانية المتأخرة التي ينتمي إليها العهد الأول لأردشير ملك إقليم فارس، وهي المرحلة السابقة لتتويجه، فلم

يرد في المسكوكات العائدة إلى أردوان الخامس (216  -  224 م) ما يشير إلى توظيف أي من العناصر الدينية"، انظر: بيانىي ملكزاده، تاريخ سكه از قديم ترين زمانها تا دوره

ساسانيان، ج 2 (تهران: دانشگاه تهران، 1381)، ص 139؛ سعيد عريان، راهنماى كتيبه هاى إيرانى ميانه (تهران: سازمان ميراث فرهنگى 1382)، ص 38، 70. وأقر

بذلك التحول عديد من مصادر النقوش الدينية الزردشتية منها (KNRb سطر 1  -  2 () KKZ سطر 2  -  4 () KNRm سطر 3  -  5)؛ إذ ورد فيها ما يناظر الرؤية الملكية حيال الدين

والطبيعة الجديدة لشخصية الشاهنشاه الممتزجة بالعناصر الدينية. للاطلاع على نوع التحولات الدينية تجاه السياسة الملكية الساسانية انظر: أحمد تفضلي، "كرتير وسياست

اتحاد دين ودولت در دورهء ساسانى" بررسى في: يكى قطره باران (جشن نامه عباس زرياب خويى)، به كوشش أحمد تفضلي (تهران: فرهنگ نو، 1991)، ص  723  -  737. 30 تابع عن طبيعة النظام لاجتماعي الساساني ودور لارستقراطية وعلاقتها بالبلاط:

S. J. Bulsara, The Laws of the Ancient Persians as Found in the “Mātīkān ē Hazār Dātastān” or “The Digest of a Thousand Points of Law" (Bombay: H.T. Anklesaria, 1937); A. G. Perikhanian (trans.) Sasanidskiĭ sudebnik (Yerevan, 1973); Mansour Shaki, "class system iii. In the Parthian and Sasanian Periods," in: Encyclopaedia Iranica , Ehsan Yarshater (ed.), vol. V, Fasc. 6 (New York: Bibliotheca Persica Press, 1992), pp. 652  -  658

31 تابع عن هذه التحولات مجتمعة: نصير الكعبي، جدلية الدولة والدين في إيران العصر الساساني (بيروت: منشورات الجمل، 2010)، ص 331  -  347.

  1. تابع للتفصيل عن المعنى اللغوي الأصح لكملة "أدب" في اللغة اليونانية والفارسية القديمة، ومديات ارتباطها بمعنى الآداب السلطانية: محمد محمدي، أدب وأخلاق در إيران بيش از اسلام (تهران: انتشارات توس، 1388)، ص 30  -  32.
  2. أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، ج 1 (القاهرة: مصطفى البابي الحلبي، 1965)، ص 38.
  3. أحمد بن محمد مسكويه، الحكمة الخالدة (جاويدان خرد)، تحقيق عبد الرحمن بدوي (تهران: انتشارات دانشگاه تهران، د.ت.)، ص 26، 29.
  4. استعاضت الملكية الساسانية عن الدين الذي مثل العنصر البارز في تثبيت شرعية الملك ومنحه عناصر التفوق منذ مرحلة التأسيس حتى تقريبًا القرن الرابع، فكان الملك يحمل لقب "جهره از ايزدان دارم" أي: الملك الذي أصلي من الآلهة، وضربت هذه العبارات الدعائية لأيديولوجيا الدولة على النقوش والمسكوكات الساسانية المبكرة؛ وتحديدًا بعد تتويج أردشير، إذ لم تظهر مسكوكات هذا الملك حيازته لهذا اللقب عندما كان ملكًا لإقليم فارس، وإنما ظهر بالتزامن مع لقب "شاهنشاه"، ولم يظهر توظيف الدين في مجال الدولة السياسي بوضوح في العبارات المضروبة على السكة الأشغانية المتأخرة التي ينتمي إليها العهد الأول لأردشير ملك إقليم فارس، وهي المرحلة السابقة لتتويجه، فلم يرد في المسكوكات العائدة إلى أردوان الخامس (216  -  224 م) ما يشير إلى توظيف أي من العناصر الدينية"، انظر: بيانىي ملكزاده، تاريخ سكه از قديم ترين زمانها تا دوره ساسانيان، ج 2 (تهران: دانشگاه تهران، 1381)، ص 139؛ سعيد عريان، راهنماى كتيبه هاى إيرانى ميانه (تهران: سازمان ميراث فرهنگى 1382)، ص 38، 70. وأقر بذلك التحول عديد من مصادر النقوش الدينية الزردشتية منها (KNRb سطر 1  -  2 () KKZ سطر 2  -  4 () KNRm سطر 3  -  5)؛ إذ ورد فيها ما يناظر الرؤية الملكية حيال الدين والطبيعة الجديدة لشخصية الشاهنشاه الممتزجة بالعناصر الدينية. للاطلاع على نوع التحولات الدينية تجاه السياسة الملكية الساسانية انظر: أحمد تفضلي، "كرتير وسياست اتحاد دين ودولت در دورهء ساسانى" بررسى في: يكى قطره باران (جشن نامه عباس زرياب خويى)، به كوشش أحمد تفضلي (تهران: فرهنگ نو، 1991)، ص  723  -  737.
  5. تابع عن طبيعة النظام لاجتماعي الساساني ودور لارستقراطية وعلاقتها بالبلاط: S. J. Bulsara, The Laws of the Ancient Persians as Found in the “Mātīkān ē Hazār Dātastān” or “The Digest of a Thousand Points of Law" (Bombay: H.T. Anklesaria, 1937); A. G. Perikhanian (trans.) Sasanidskiĭ sudebnik (Yerevan, 1973); Mansour Shaki, "class system iii. In the Parthian and Sasanian Periods," in: Encyclopaedia Iranica , Ehsan Yarshater (ed.), vol. V, Fasc. 6 (New York: Bibliotheca Persica Press, 1992), pp. 652  -  658
  6. تابع عن هذه التحولات مجتمعة: نصير الكعبي، جدلية الدولة والدين في إيران العصر الساساني (بيروت: منشورات الجمل، 2010)، ص 331  -  347.

إن هذا الخليط المتوالي من العوامل لاجتماعية والسياسية، وضع الملكية في حالة احتياج كبير إلى أيديولوجيا أو خطاب مقنع في تفاصيله، تواجه به هذه التحديات، فكان لاعتماد على مؤسسة الكتاب الإدارية في صوغ قواعد وقوانين في الآداب السلطانية32، جزءًا

من محاولة ضبط إيقاع هذا التناقض والنزاع الداخلي الذي عاشته الدولة. وقد اعتمد مجمل تلك الأدبيات على قاعدة رئيسة هي مبدأ الطاعة من أجل ترسيخ قواعد السلطان، بدلً من اعتمادها السابق على العناصر المقدسة للمؤسسة الدينية من صفات قدسية داعمة لها ومبررة لحكمها، وكانت هذه على وجه التقريب أبرز الظروف الموضوعية والتاريخية لنشوء الأدب السلطاني الساساني في حاضنته الأولى. وعلى وجه الإجمال، لم تكن دوافع انتقال الآداب السلطانية الساسانية إلى البلاط العباسي على وتيرة واحدة. ويمكننا رصد تحولين رئيسين تزامنًا مع الخليفتين الأولين في الدولة العباسية هما المنصور والمأمون؛ إذ أثرت في كل واحد منهما ظروف اجتماعية وسياسية عامة حددت فواعل عنايته، ومن ثم نقله الآداب السلطانية الساسانية وتوظيفها في مجال الدولة العباسية. ومن أجل الدقة ومقايسة الظروف، سيتم تناول كل خليفة وظروفه المحيطة على حدة.

ثانيًا: المنصور وحاجات الدولة الرشعية ومواجهة المعارضة

تقدم مجمل الأدبيات التاريخية الإسلامية عن تأسيس الدولة العباسية صورةً محددةً الملامح عن المنصور بوصفه المؤسس الحقيقي، مقارنةً بالخليفة الأول أبي العباس السفاح33. إذ تكاد الأخبار تتناص عن هذا المعنى المقترن بتأسيس الدولة واعتماد أساليب محددة في فن الحكم وضبط قواعد السياسة في التعامل مع الخاصة والعامة. وقد قدم عديد من المصادر المعنية بالآداب السلطانية في هذا الشأن تقييمات عن المنصور، منها تقييم ابن الطقطقي في كتابه الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية الذي قدم تقييمًا

دقيقًا وشاملً لمرحلة التأسيس، عرضه في مرحلة أفول الدولة العباسية موازنًا ذلك مع نماذج دولة الخلافة المبكرة ومبانيها في الحكم، وبين دولة المغول المعاصرة له، فقد صنف أنموذج العباسيين ضمن المرحلة الوسطى لذلك34. قد يكون بعض من جذور تلك الصورة مبنيًا على واقعية في مرحلة الدعوة والثورة لدور كل من أبي العباس والمنصور، وتأسيس

عاصمة الخلافة، ومواجهة الخصوم و لاضطرابات المحتدمة التي واجهت الدولة إبان مرحلة التأسيس35. لكن أسهمت تباينات حادة بين لاثنين في صوغ ملامح تلك الصورة عن المنصور، وكان بعضها مرتبطًا مباشرة بتحدي واقع الدولة لاجتماعي المتنوع المتمثل في امتدادها على بقعة جغرافية، حوت خليطًا إثنيًا وفئويًا مختلف الميول والأفئدة، استثمرته المعارضة على نحو واضح في مواجهة الخلافة

الناشئة حديثًا، مس الكثير منها عنصر شرعية الدولة ومسوغاتها. ولذلك لم تعتمد استجابة المنصور لمواجهة تلك الأزمات على عنصر القوة فحسب، وإنما حاول توظيف الآداب السلطانية وأيديولوجيا الأخلاق السياسية وخطاباتها في الحكم؛ من أجل خلق قناعات

32 تابع عن مؤسسة الكتابة الساسانية:

A. Tafazzolı, Sasanian Society , Ehsan Yarshater Distinguished Lecture Series (New York: Bibliotheca Persica Press, 2000), pp. 18  -  34.

33 من الدراسات التقليدية الجامعة عن المنصور وعصره: فاضل زعين العاني، سياسة المنصور أبي جعفر: الداخلية والخارجية (بغداد: دار الرشيد للنشر، 1981.) 34 جاء تقييم ابن الطقطقي عن الآداب السلطانية للدولة العباسية والمنصور في سياق حديثه عن المؤثرات الفارسية في تشكيل صورة الخليفة من منظور الآداب السلطانية،

فذكر: "واعلم أن المنصور هو الذي أصل الدولة، وضبط المملكة، ورتب القواعد، وأقام الناموس واخترع الأشياء"، انظر: محمد بن علي بن الطقطقي، الفخري في الآداب

السلطانية (قم: منشورات الشريف الرضي، 1414)، ص 160. واللافت للانتباه أن سيرة أردشير مؤسس الدولة الساسانية قد ألمحت إلى هذا المعنى، فقد لخص الدينوري ذلك

بقوله: "وكان أردشير هو الذى أكمل آيين الملوك ورتب المراتب، وأحكم السير، وتفقد صغير الأمر وكبيره، حتى وضع كل شيء من ذلك على موضعه، وعهد عهده المعروف إلى

الملوك، فكانوا يمتثلونه، ويلزمونه، ويتبركون بحفظه والعمل به، ويجعلونه درسهم ونصب أعينهم"، انظر: أحمد بن داوود الدينوري، الأخبار الطوال، تحقيق عبد المنعم عامر،

مراجعة جمال الدين الشيال (قم: انتشارات مكتبة الحيدرية، د. ت.)، ص 45. 35 تابع عن خلفية الأزمات التي واجهت الدولة إبان التأسيس: غلام حسين صديقي، الحركات الدينية في إيران في القرون الإسلامية الأولى، ترجمة نصير الكعبي

(بيروت: المركز الأكاديمي للأبحاث، 2013)، ص 165 وما بعد.

  1. تابع عن مؤسسة الكتابة الساسانية: A. Tafazzolı, Sasanian Society , Ehsan Yarshater Distinguished Lecture Series (New York: Bibliotheca Persica Press, 2000), pp. 18  -  34.
  2. من الدراسات التقليدية الجامعة عن المنصور وعصره: فاضل زعين العاني، سياسة المنصور أبي جعفر: الداخلية والخارجية (بغداد: دار الرشيد للنشر، 1981.)
  3. جاء تقييم ابن الطقطقي عن الآداب السلطانية للدولة العباسية والمنصور في سياق حديثه عن المؤثرات الفارسية في تشكيل صورة الخليفة من منظور الآداب السلطانية، فذكر: "واعلم أن المنصور هو الذي أصل الدولة، وضبط المملكة، ورتب القواعد، وأقام الناموس واخترع الأشياء"، انظر: محمد بن علي بن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية (قم: منشورات الشريف الرضي، 1414)، ص 160. واللافت للانتباه أن سيرة أردشير مؤسس الدولة الساسانية قد ألمحت إلى هذا المعنى، فقد لخص الدينوري ذلك بقوله: "وكان أردشير هو الذى أكمل آيين الملوك ورتب المراتب، وأحكم السير، وتفقد صغير الأمر وكبيره، حتى وضع كل شيء من ذلك على موضعه، وعهد عهده المعروف إلى الملوك، فكانوا يمتثلونه، ويلزمونه، ويتبركون بحفظه والعمل به، ويجعلونه درسهم ونصب أعينهم"، انظر: أحمد بن داوود الدينوري، الأخبار الطوال، تحقيق عبد المنعم عامر، مراجعة جمال الدين الشيال (قم: انتشارات مكتبة الحيدرية، د. ت.)، ص 45.
  4. تابع عن خلفية الأزمات التي واجهت الدولة إبان التأسيس: غلام حسين صديقي، الحركات الدينية في إيران في القرون الإسلامية الأولى، ترجمة نصير الكعبي (بيروت: المركز الأكاديمي للأبحاث، 2013)، ص 165 وما بعد.

بالحكم وتسويغ فعل الخلافة لدى ذلك الخليط. ونملك في ذلك مجموعةً من الشهادات المباشرة التي يمكن من خلالها رصد التحولات لاجتماعية والسياسية، وأثرها في استحضار الأدب السلطاني الساساني واستقطابه عباسيًا. وقد قدمت تلك الشهادات بوساطة مجموعة

مختلفة من الكتاب في عهود مختلفة، وهي على النحو الآتي:

الشهادة الأولى

جاءت في واحد من مصنفات اليعقوبي المهتمة بتعقب الظواهر لاجتماعية في الخلافة الإسلامية منذ تبلورها حتى عصره. وقد شخص فيها تبدل ميول المجتمع والخليفة معًا؛ فذكر الآتي في مدار حديثه عن المنصور: "كان أول خليفة اتخذ المنجمين وعمل بالنجوم،

وكان أول خليفة ترجم كتب العجمية ونقلها إلى اللسان العربي، وترجم في أيامه كتاب كليلة ودمنة"36.

الشهادة الثانية

وهي شهادة مفصلة ومطورة قدمها المسعودي بعد نحو ستة عقود من الشهادة الأولى، منح فيها المنصور الصورة القيمية الآتية: "كان أول خليفة قرب المنجمين وعمل بأحكام النجوم، وكان معه نوبخت المجوسي المنجم، الذي أسلم على يديه، وهو أبو هؤلاء النوبختية [...] وهو أول خليفة ترجمت له الكتب من الألسن الأعجمية إلى اللسان العربي، منها: كتاب 'كليلة ودمنة' وكتاب 'السند هند' وترجمت له الكتب القديمة من الألسن الفهلوية، والفارسية، والسريانية، وأخرجت إلى الناس فنظروا فيها وتعلقوا إلى علمها، وكان أول خليفة استعمل مواليه وغلمانه في أعماله وصرفهم في مهماته، وقدمهم على العرب، فامتثل ذلك الخلفاء من بعده من ولده، فسقطت العرب وبادت، وزال بأسها، وذهبت مراتبها"37.

الشهادة الثالثة

كانت هذه الشهادة مستقلةً في مرجعيتها ومواردها؛ فقد ذكرها الفردوسي في باب حديثه عن كتاب كليلة ودمنة ونقله إلى اللسان البهلوي في العصر الساساني وإلى اللسان العربي في العصر الإسلامي؛ إذ قال: "نقل الكتاب بجمله البارعة وألفاظه الساحرة باللسان الفهلوي إلى البياض الخسروي، وبقي كذلك إلى زمان أمير المؤمنين المنصور ثاني الأئمة الهاشمية، فإنه أمر عبد الله بن المقفع فنقله إلى اللسان العربي"‏38. تصور الشهادتان الأولى والثانية السائد من أفكار ومزاج في المجتمع والبلاط أوائل العصر العباسي إزاء الموروث السلطاني الساساني. والملحوظة الأولية عليهما هي ذلك الترابط العضوي بين نقل تلك الأدبيات واعتماد الخليفة على التنجيم. والظاهر أنه ربط منطقي فرضته طبيعة الظروف السياسية المحتدمة التي واجهها المنصور في عصره الذي كان سلسلةً من الأزمات المعارضة لحكمه؛ إذ تزدهر، على الغالب، في ظروف مرتبكة مثل أعمال التنجيم هذه، إذ تعد وسطًا مثاليًا لشيوعها على المستويين الرسمي والشعبي، بوصفها إحدى

الوسائل الغيبية للمواجهة. وانتعش التنجيم السياسي أواخر العصر الساساني في ظروف مماثلة مضطربة تقريبًا39، لاسيما مع عصر كسرى أبرويز الذي أحاط

المنجمون بمجمل قراراته المهمة40، ولذلك فإنه ليس من المصادفة أن مجمل المنجمين الذين عملوا في البلاط العباسي كانوا من أصول

36 أحمد بن أبي يعقوب اليعقوبي، مشاكلة الناس لزمانهم وما يغلب عليهم في كل عصر، تحقيق وتقديم مضيوف الفرا (الدوحة: جامعة قطر، 1993)، ص 203. 37 أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي، مروج ‏الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق أسعد داغر، ج 4 (قم: دار الهجرة، 1404)، ص 223. 38 الفردوسي (أبو القاسم محمد)، الشاهنامه، ترجمها نثرًا الفتح بن علي البنداري، تصحيح وتعليق عبد الوهاب عزام، ج 2 (القاهرة: دار الكتب المصرية، 1932)، ص 152. 39 للاطلاع على التنجيم الساساني، انظر:

C. J. Brunner, "Astronomy and Astrology in the Sasanian Period," in: Ehsan Yarshater (ed.), Encyclopaedia Iranica, vol. II, Fasc. 8 (New York: 1987), pp. 858  -  871 ; D. Pingree, "Astronomy and Astrology in India and Iran,"  Isis , vol. 54 (1963), pp. 229  -  246.

40 انظر: محمد بن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ج 2 (القاهرة: دار المعارف، 1968)، ص 180  -  190.

  1. أحمد بن أبي يعقوب اليعقوبي، مشاكلة الناس لزمانهم وما يغلب عليهم في كل عصر، تحقيق وتقديم مضيوف الفرا (الدوحة: جامعة قطر، 1993)، ص 203.
  2. أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي، مروج ‏الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق أسعد داغر، ج 4 (قم: دار الهجرة، 1404)، ص 223.
  3. الفردوسي (أبو القاسم محمد)، الشاهنامه، ترجمها نثرًا الفتح بن علي البنداري، تصحيح وتعليق عبد الوهاب عزام، ج 2 (القاهرة: دار الكتب المصرية، 1932)، ص 152.
  4. للاطلاع على التنجيم الساساني، انظر: C. J. Brunner, "Astronomy and Astrology in the Sasanian Period," in: Ehsan Yarshater (ed.), Encyclopaedia Iranica, vol. II, Fasc. 8 (New York: 1987), pp. 858  -  871 ; D. Pingree, "Astronomy and Astrology in India and Iran,"  Isis , vol. 54 (1963), pp. 229  -  246.
  5. انظر: محمد بن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ج 2 (القاهرة: دار المعارف، 1968)، ص 180  -  190.

فارسية وزرادشتية! فهم على دراية تاريخية متراكمة بالتنجيم واستعانة البلاط به، وقد تكون الشهادة الثانية صريحةً في ذلك حول أسرة "آل نوبخت"41، وملازمتها أفراد الأسرة العباسية. وقد سعى المنصور بوساطة التنجيم إلى إظهار أن حكم العباسيين قائم على إرادة الله، وأن النجوم أوحت إليه بتلك الإرادة العليا، فكان الغرض من توظيف التنجيم بصورة متلازمة مع الآداب السلطانية وترجماتها صوغ أيديولوجيا سياسية للعباسيين الأوائل، تتحقق من خلالها غايتان: الأولى سياسية، إذ إنها تحاول ترسيخ سيادة الدولة العباسية التي كانت دورتها قد بدأت للتو على نحو ممارسة النجوم وبمباركة إلهية، والثانية رسالة تتضمن إنذارًا إلى جميع الخصوم المحتملين للحكم العباسي! وهكذا فإن أي نشاط سياسي لهم محكوم

عليه بالفشل42، لأنها أيديولوجيا أوحت إلى المجتمع أن الدولة العباسية من حيث المخطط الأعم قائمة على فكرة التنجيم، وأنها الوارث الشرعي الوحيد للإمبراطوريات القديمة في العراق وإيران. والمشترك الآخر الأهم في الشهادتين السابقتين، هو ترجمة كتاب كليلة ودمنة في عصر المنصور؛ إذ تضمن هذا الكتاب مجموعة متنوعة من القصص الرمزية والأدبيات السلطانية السياسية، قيل بعض منها على لسان الحيوان، فقد استعمل المؤلف الحيوانات والطيور شخصيات رئيسةً فيه، وهي ترمز إلى شخصيات بشرية واقعية، تركز الكثير من موضوعاتها على العلاقات بين الحاكم والمحكوم43. وعند معاينة السياق السياسي والأيديولوجي الساساني لترجمة نص كليلة ودمنة من السنسكريتية إلى البهلوية وتوظيفه؛ يلحظ تماثل في شروط لاستدعاء والتوظيف للنص في مجاله الثقافي و لاجتماعي العباسي. وقد وصف "برزويه" عملية لانتقال تلك في باب بعنوان "ذكر السبب الذي من أجله أنفذ كسرى أنوشروان رأس أطباء فارس إلى بلاد الهند لأجل كتاب كليلة ودمنة"44؛ فقد تركز السبب الرئيس في السعي نحو إيجاد مدونة سلطانية يستنبط منها شروط الحكم وإدارة الإمبراطورية الكبيرة للإسكندر، وكيفية ترسيخ أمر الطاعة فيها بعد الثورات التي واجهته. وظهر استحضار النص بوصفه أحد النصوص المقننة لطبيعة العلاقة السياسية بين الأطراف المتخاصمة على عرش الإمبراطورية أيضًا في "عصر الأزمة"45 الذي مر به كسرى الثاني؛ والمعارضة التي قادتها المؤسسة العسكرية بوساطة القائد الشهير "بهرام جوبين" ومحاولته إزاحة الشاهنشاه وادعائه الملك46، فحينما سأل الشاهنشاه عن أمر بهرام جوبين وما يفعله، قيل له: دعا بكتاب كليلة ودمنة فلا يزال منكبًا عليه طول نهاره. "فقال كسرى لخاليه بندويه وبسطام: ما خفت بهرام قط كخوفي منه الساعة، حين أخبرت بإدمانه النظر

في كتاب كليلة ودمنة، لأن كتاب كليلة ودمنة يفتح للمرء رأيًا أفضل من رأيه، وحزمًا أشد من حزمه، لما فيه من الآداب والفطن"47.

وضمن السياق الآنف، فإن مصطلح "آداب" الوارد في النص السابق، يحيل على مجموعة الآداب السلطانية وتوظيفها في المجال السياسي الساساني.

41 لمزيد من التفاصيل عن دور آل نوبخت في البلاط العباسي، انظر: عباس إقبال اشتيانى، خاندان نوبختى (طهران: انتشارات طهورى، 1966.) 42 لمزيد من التفاصيل عن تلك المضامين، انظر:

Gutas, p. 108. 43  Said Amir Arjomand, "ʿAbd Allah Ibn al-Muqaffaʿ and the ʿAbbasid Revolution,"  Iranian Studies , no. 27 (1994), pp. 9  -  36.

44 عبد الله بن المقفع، كليلة ودمنة، تحقيق عمر أبو النصر (بيروت: دار مكتبة الحياة، 1966)، ص 18.

45  J. Howard-Johnston, Witnesses to a World Crisis: Historians and Histories of the Seventh-Century Middle East (Oxford: Oxford University Press, 2010), pp. 70  -  99. 46  Ali Reza Shapūr Shahbazi, "Bahrām VI Čōbīn," in: Encyclopedia Iranica , Ehsan Yarshater (ed.), vol. III (New York: Bibliotheca Persica Press, 1988), pp. 514  -  522.

47 الدينوري، الأخبار الطوال، ص 86.

  1. لمزيد من التفاصيل عن دور آل نوبخت في البلاط العباسي، انظر: عباس إقبال اشتيانى، خاندان نوبختى (طهران: انتشارات طهورى، 1966.)
  2. لمزيد من التفاصيل عن تلك المضامين، انظر: Gutas, p. 108.
  3. Said Amir Arjomand, "ʿAbd Allah Ibn al-Muqaffaʿ and the ʿAbbasid Revolution,"  Iranian Studies , no. 27 (1994), pp. 9  -  36.
  4. عبد الله بن المقفع، كليلة ودمنة، تحقيق عمر أبو النصر (بيروت: دار مكتبة الحياة، 1966)، ص 18.
  5. J. Howard-Johnston, Witnesses to a World Crisis: Historians and Histories of the Seventh-Century Middle East (Oxford: Oxford University Press, 2010), pp. 70  -  99.
  6. Ali Reza Shapūr Shahbazi, "Bahrām VI Čōbīn," in: Encyclopedia Iranica , Ehsan Yarshater (ed.), vol. III (New York: Bibliotheca Persica Press, 1988), pp. 514  -  522.
  7. الدينوري، الأخبار الطوال، ص 86.

إن لاستعانة بالخلفية لاجتماعية والثقافية والسياسية التي مكنت الآداب السلطانية الساسانية لأن تبقى حية حتى عصر المنصور، قد يكون أمرًا حيويًا لاستيعاب الموجبات العميقة لذلك لانتقال الذي فرض على الخليفة ذلك التبني؛ فإن مجمل المعارضة

التي واجهها مطلع حكمه، كانت تستند إلى المرجعيات الفارسية القديمة في الدعاية والترويج لذاتها، نتيجة انحدار جماعاتها من موروث ثقافي لجماعات كانت تنتمي ديمغرافيًا وثقافيًا إلى ذلك الموروث. فقد أيقن المنصور أنه من اليسير القضاء على رؤوس المعارضة، لكن ما لم

يكن أمرًا ممكنًا ولا مرغوبًا فيه القضاء على خلفيات ثقافية بكاملها، ويبدو في هذا السياق أن قرار المنصور في اختيار الأدبيات السلطانية

الساسانية ونقلها إلى بغداد لم يكن يدل على درجة عالية من الحكمة فحسب، بل كان قرارًا واقعيًا وبراغماتيًا. إن التهديد الذي يمكن أن توجهه هذه الثورات لاستمرار الدولة العباسية إبان مرحلة تأسيسها كان من القوة بمكان، بحيث يزعزع حضورها، ويهدد استمرارها. فحركات "به آفريد" و"بابك الخرمي" و"سنباذ" و"استاد سيس"48 و"المقنع" كلها حركات مزجت بين إحيائية الموروث الساساني وبين محاولة التوليف بين الأديان الإيرانية القديمة من جهة، وبين الإسلام من جهة أخرى! وسعى قادة تلك الحركات إلىادعاء صفات قدسية من الربوبية والنبوة؛ ولذلك حققوا حضورًا مؤثرًا بين الجماعات المختلفة داخل المجتمع العباسي؛

إذ يذكر عن به آفريد أنه "استجاب له خلق كثير"49(، وفي رواية أخرى "تبعه خلق كثير من المجوس لما تنبأ"50. ويبقى الأهم في تلك الحركات موقف المنصور منها؛ إذ لم يكتف بالقضاء عليها سياسيًا على نحو حاسم، بل إنه طبق سياسة احتواء

أيديولوجي؛ فاحتضن الآداب السلطانية الساسانية التي اعتنقتها الحركات المؤيدة لأبي مسلم بوصفها عباسيةً بقصد إفراغها من جاذبيتها وأهميتها. وكان السبب الذي دفع المنصور إلى اتخاذ هذا القرار الواقعي محاولة الجمع بين القضاء السياسي و لاحتواء الأيديولوجي للحركات المعادية للعباسيين في المشرق لاسلامي. وهي الحقيقة التي استوعبها العباسيون الأوائل، وقد وجدوا أن الذين يحملون السلاح قلة لكن مريديهم هم الأكثر. ولا شك في أن المنصور كان يدرك أن هذا الأمر في أقاليم الدولة المختلفة، ولا سيما خراسان، وهي الولاية الواسعة وذات الأهمية لاقتصادية على مستويات مختلفة، والغالب على سكانها العنصر الفارسي والثقافة الساسانية، إذ استمرت

فيها تلك الأيديولوجيا، ولا سيما على ديموغرافيا سكانها في الدولة العباسية، فكانت مدينة مرو على الدوام معقلً للدعوة والثورة، ومن ثمّ الثقافة العباسية.

وتقدّم أسباب تأسيس مدينة بغداد والظروف التاريخية المحيطة بها فِكَرًا جوهريةً هي خليط من العناصر والخلفيات لاجتماعية

والأيديولوجية العميقة التي ساهمت في استدعاء الموروث الفارسي وتوظيفه. فقد أثرت بقوة في انتخاب الموضع وتخطيطه؛ إذ تشير السرديات أو الروايات العربية المبكرة عن نشأة المدينة إلى تواتر ملحوظ، فحْواه أن أبا جعفر المنصور كان باحثًا عن مركز حكم تتوافر فيه

مجموعة من الخصائص، تسهم في ترسيخ شرعيته وثبات وجهة حكمه الجديدة أمام تحديات المعارضة الداخلية والثورات و لاضطرابات المتوالية، ويتأكد هذا من خلال اختيار مواضع مؤقتة لم يستقر عليها كثيرًا51. لكن يبدو أن لاقتداء، عباسيًا، بالأنموذج الساساني في فن الحكم والسياسة، لم يكن خيارًا مباشرًا من دون تردد أو فحص لمديات

قبوله عند العامة والخاصة في المجتمع العباسي. وقد تحيل على هذا المعنى القصة الشهيرة لاستشارة المنصور خالدًا البرمكي في نقض إيوان

كسرى في المدائن، واستعمال مواده في بناء المدينة الجديدة، غير أن خالدًا لم يوافقه الرأي، وقد ورد عن المنصور رده: "هيهات يا خالد:

48  Patricia Crone, The Nativist Prophets of Early Islamic Iran: Rural Revolt and Local Zorostrianism (Cambridge: Cambridge University Press. 2012), pp. 31  -  46.

49 ابن النديم، الفهرست، ص 681. 50 أبو الريحان البيروني، الآثار الباقية عن القرون الخالية، تحقيق پرويزا ذكائي (تهران: ميراث مكتوب، 2001)، ص 257. 51 فاضطرابات الراوندية في الكوفة وعدم توافر الشروط اللازمة في موقع الهاشمية في الأنبار، تابع ذلك بالتفصيل، في: الطبري، ج 7، ص 650  -  651.

  1. Patricia Crone, The Nativist Prophets of Early Islamic Iran: Rural Revolt and Local Zorostrianism (Cambridge: Cambridge University Press. 2012), pp. 31  -  46.
  2. ابن النديم، الفهرست، ص 681.
  3. أبو الريحان البيروني، الآثار الباقية عن القرون الخالية، تحقيق پرويزا ذكائي (تهران: ميراث مكتوب، 2001)، ص 257.
  4. فاضطرابات الراوندية في الكوفة وعدم توافر الشروط اللازمة في موقع الهاشمية في الأنبار، تابع ذلك بالتفصيل، في: الطبري، ج 7، ص 650  -  651.

أبيت إلا الميل إلى أصحابك العجم. وأمر بنقض القصر الأبيض"52. لكن متممات القصة تشير إلى تراجع الخليفة عن أمر النقض، وأن السبب في ذلك ارتفاع تكاليف هدمه ونقله، ثم رأي خالد البرمكي بعدم العدول؛ لأن في ذلك منقصةً لقدرة الخليفة في إنفاذ أوامره أمام مجتمع الدولة53. وتكتنز هذه القصة الشهيرة التي تناصت في الكثير من مصنفات التاريخ والأدب، وأصبحت على وجه التقريب ديباجة مرافقةً لذكر تأسيس مدينة بغداد، إلى مجموعة من المضمونات الجوهرية، قد يكون من بينها أن الخليفة حاول صراحة أن يضمن أسس بناء مدينته الجديدة أجزاءً من عاصمة الساسانيين، ليظهر لمجتمع المدينة والدولة أنه امتداد لذلك التراث، بالضد من الأمويين

الذين تأثروا إلى حد بعيد بالتقاليد البيزنطية. كذلك فإن عدول الخليفة عن الهدم كان ذا رمزية كبيرة في الإبقاء على الأنموذج الساساني ماثلً أمام العاصمة الجديدة؛ لأن عدم إلحاق الضرر به يحيل على أنه أنموذج متعايش ومتصالح مع أنموذج العاصمة الجديدة، قد يعبر عن جزء من أيديولوجيا الخليفة بمحاكاته وعدم مخالفة مناصريه، لا سيما في مرحلة استطاع فيه المناوئ له (أبو مسلم الخراساني) كسب ود وسمعة عاليين عند الفرس في خراسان؛ ولتوقع حدوث ثورة عارمة في الشرق، فقد قرر نقل أبي مسلم إلى إقليم آخر، وعندما لم ينجح، استدعاه إلى مكان بالقرب من طيسفون حيث قضى عليه54. لم ينه قتل أبي مسلم أزمة الخليفة. بل، على الخلاف من ذلك، فتح الباب للعديد من الحركات الدينية و لاجتماعية مثل حركة سنباذ التي ادعت الثأر لأبي مسلم، وحملت شعارات أيديولوجيةً فيها تضمين للمشاعر الوطنية الإيرانية باستعادة الإمبراطورية الإيرانية القديمة، ووضع دين فارسي ملائم بموازاة الإسلام. وقد عبر كتاب سياسة نامهعن هذه الثنائية بصورة مباشرة؛ إذ وازن مؤلفه نظام الملك بوضوح بين الحركات الدينية و لاجتماعية التي ظهرت في إيران إبان حكم الساسانيين وموقفها منهم وبين العصر العباسي55. وبقيت ارتدادات هذا الحادث المركزي مؤثرة؛ فقد تم شعبيًا صوغ موت أبي مسلم على هيئة نبوة، ينتظر كثير من الجماعات عودته

بوصفه مهديًا موعودًا بعد انهيار حكم العرب. وتشير إحدى روايات تأسيس بغداد واختيار موضعها وتقسيمها، إلى رحلة بحث متفحصة، قام بها المنصور في عدد من الأماكن الملائمة، ويرد فيها استشارته دهقان بغداد56 الذي أشار على الخليفة باتخاذ موضع بغداد ذاته مكانًا للعاصمة؛ كونه يتوسط أربعة طساسيج، ويتحكم إداريًا وعسكريًا ولوجستيًا في الأقسام الأربعة للخلافة مترامية الأطراف. فأعجب المنصور هذا القول وشرع في

البناء57. ويبدو أن ذلك لاختيار كان عاملً حاسمًا في أن يكون لمدينة بغداد وسورها الخارجي أربعة أبواب متقابلة مع الأقاليم الأربعة

الرئيسة للدولة، أخذت تسميتها منها، وسارت منها طرق رئيسة قسمت الدولة أربعة أرباع متناظرة. فقد ذكر الطبري عن هذا الإجراء قوله: "وجعل أبوابها أربعةً على تدبيرالعساكر في الحروب"58. ويبدو أن رأي الدهقان الفارسي كان متأثرًا بقوة بنظرية الجغرافية الإدارية

للدولة الساسانية أواخر عهدها، وتحديدًا منذ عصر قباذ (449  -  531) فصاعدًا، وذلك عندما أعيد تقسيم الإمبراطورية أربعة أقسام

(كوستات) لعوامل اجتماعية وعسكرية تعرضت لها الدولة ممثلة بحوادث المزدكية، وإعادة تركيب الفئات لاجتماعية، وتوسع الثورة،

52 المرجع نفسه. 53 المرجع نفسه. 54 تابع عن تفاصيل ذلك في: أحمد بن أبي يعقوب اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 2 (بيروت: دار صادر، [1960])، ص 340  -  334؛ الدينوري، الأخبار الطوال، ص 343. 55 حسين الطوسى نظام الملك، سياست نامه (سير الملوك)، به اهتمام هيو برت دارك (تهران: انتشارات علمى وفرهنگى، 2005)، ص 54 وما بعدها. 56 عن أدوار الدهاقنة الفكرية والإدارية أواخر العصر الساساني وأوائل الإسلام، وموقف الفاتحين العرب منهم وطبيعة مشاركتهم في إدارة الدولة العربية في العصر العباسي،

انظر:

Tafazzolı, Sasanian Society , pp. 38  -  58.

57 محمد بن أحمد المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1991)، ص 119. 58 الطبري، ج 7، ص 651.

  1. المرجع نفسه.
  2. المرجع نفسه.
  3. تابع عن تفاصيل ذلك في: أحمد بن أبي يعقوب اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 2 (بيروت: دار صادر، [1960])، ص 340  -  334؛ الدينوري، الأخبار الطوال، ص 343.
  4. حسين الطوسى نظام الملك، سياست نامه (سير الملوك)، به اهتمام هيو برت دارك (تهران: انتشارات علمى وفرهنگى، 2005)، ص 54 وما بعدها.
  5. عن أدوار الدهاقنة الفكرية والإدارية أواخر العصر الساساني وأوائل الإسلام، وموقف الفاتحين العرب منهم وطبيعة مشاركتهم في إدارة الدولة العربية في العصر العباسي، انظر: Tafazzolı, Sasanian Society , pp. 38  -  58.
  6. محمد بن أحمد المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1991)، ص 119.
  7. الطبري، ج 7، ص 651.

وخروج أحداثها عن السيطرة في عهد الملك "قباذ" وانتقالها إلى عهد ابنه كسرى أنوشروان. وكذلك الأسباب العسكرية، وتعرض الدولة إلى هجمات من جهات أربع، رافقها تنامي تحكم قادة الجيش الذين أصبحت لهم سلطات في تلك الأرباع59. ومن المصادر البهلوية المباشرة التي نظّرت لهذا التقسيم، كتاب شهرستانهاي إيران شهر أي مدن الدولة الإيرانية، والذي قسم مدن الدولة أربعة أقسام رئيسة. والمثير للانتباه في إشارته إلى بغداد ومؤسسها قوله: "بنى أبو جعفر الملقب بالدوانيقي مدينة بغداد"60؛ إذ ذكرها آخر المدن، وهو ما يعني أن إعادة تأليف الكتاب وتحريره في العصر العباسي قد تمّا في مرحلة تأسيس بغداد. وقد يكون هناك اطلاع كبير على هذا الكتاب؛

لأن مجموعة من المصنفين أو الجغرافيين العرب تأثروا بالأنموذج الأخير لفكرة الدولة وإدارتها، إذ لم تلاق أصداءً مباشرة المصادر

البهلوية فحسب، وإنما في الثقافة العربية ومصادرها؛ إذ فصّلت الحديث عن هذه الطريقة في الحكم وإدارة دولة مترامية الأطراف. وظهر الكثير من ملامح تخطيط بغداد العامة والأسلوب الذي اتبعه المنصور إلى، حد بعيد، متأثرًا أو محاكيًا للأساليب الساسانية.

ففي الوصف الذي تقدمه رواية اليعقوبي المبكرة عن خطط بغداد، يلمح إلى رغبة شديدة في لاتجاه نحو المركزية في مجتمع كانت لديه رغبات متنافرة مع ذلك التوجه. كذلك كانت طبيعة العلاقة الفاصلة بين الحاكم/ الخليفة ومحيطه أو بلاطه؛ فح لات الفصل بين القصر الذي توسط المدينة وأصبح مركزها والمرافق الأخرى للمدينة، كذلك موقع المسجد الجامع إلى جامع القصر. كل هذه الملامح العامة التي تقدمها الروايات المبكرة عن بغداد61 فيها تماثل أو محاكاة لطبيعة مجتمع العاصمة طيسفون التي لا تبعد سوى ثلاثين كيلومترًا عن مركز العاصمة الجديدة. فقد أظهرت حفريات الباحثين ومعطياتهم أن مجتمع المدينة منظم على أسس طبقية متسلسلة يعلوها حكم فردي، ينعكس على تراتبية مجموعاته على البناء. فالأفكار والأشكال المعمارية هي تعبير مباشر عن أسلوب حكم مباشر وعلاقة رسمية بين السلطان ورعيته، كما أن الأسلوب الفخم للحكم الساساني والطرز الموظف في بناء مدينة بغداد، كلاهما يؤدي للمجتمع والسلطان وظائف مماثلةً. فموضع المسجد الجامع يماثل موضع الأبنية الدينية التي تسير على محور يمر من خلال إيوان القصر الساساني62. ومن ذلك ما يستنتجه عبد العزيز الدوري من الأثر الفارسي في تخطيط بغداد واختيار موقعها وتخطيطها كله؛ إذ يؤكد أن هذا الأثر "يشير إلى السلطة المطلقة المقتبسة من الفرس، التي تتعارض مع أرستقراطية العرب الأمويين ومع الديمقراطية الإسلامية على حد سواء"63. مثّل اختيار موقع العاصمة بغداد وتخطيطها المرحلة الأولى لاستجابة المنصور ومجاراته للأيديولوجيا الساسانية، بوصفها جزءًا

من محاولات احتواء المعارضة ونفوذها المتنامي اجتماعيًا بين الجماعات الناقمة؛ فلم تكن دوافعه كمالية بقدر تأديتها وظائف واقعية

وحاجات فعلية ملحة للدولة، تصنف ضمن مواجهة حركات المعارضة. ويبدو أن استثمار الآداب السلطانية الساسانية كان محكومًا بتلك

الآلية، وجاء في المرحلة اللاحقة والمكملة عند استقرار العاصمة لوجستيًا، فالشهادات الثلاث التي تجعل من بين أوائل أعمال المنصور

نقل كتاب كليلة ودمنة إلى اللسان العربي هي محاولة لتأديته وظائف حيويةً في لاجتماع السياسي لحاجات الدولة العباسية الملحة؛ بحيث تتقابل التجربة التاريخية للأنموذجين ومسعى تلك الأدبيات في تقديم التدابير والوسائل المعالجة نظريًا. ولم يكتف ابن المقفع مترجم النص من البهلوية (الفارسية الوسطى) بترجمته إلى اللسان العربي، وإنما أضاف أبوابًا يتواءم فكرها

مع حاجات المنصور الآنية في شرعية الدولة وبنائها، فاستحدث بابًا سماه "الفحص عن أمر دمنة" وألحق أربعة أبواب لم ترد في النص

59 للاطلاع على تلك النظرية، انظر:

Šahrestanı haı Eranšahr, A Middle Persian Text on Geography, Epic and History (Costa Mesa: Mazda Publishers, 2002). 60  Ibid., p. 21.

61 يذكر اليعقوبي: "وفي وسط الرحبة القصر الذي سمي بابه باب الذهب، والى جانب القصر المسجد الجامع، ليس حول القصر بناء، ولا دار أو مسكن لأحد"، انظر: أحمد

بن أبي يعقوب اليعقوبي، البلدان (بيروت: دار الكتب العلمية، 1422 ه)، ص 13.

62  R. McC. Adams, Land Behind Baghdad: A History of Settlement on the Diyalal Plain (Chicago: Chicago University Press, 1965), pp. 115  -  116.

63 عبد العزيز الدوري، العصر العباسي الأول: دراسة في التاريخ السياسي والإداري والمالي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2014)، ص 105.

  1. للاطلاع على تلك النظرية، انظر: Šahrestanı haı Eranšahr, A Middle Persian Text on Geography, Epic and History (Costa Mesa: Mazda Publishers, 2002).
  2. Ibid., p. 21.
  3. يذكر اليعقوبي: "وفي وسط الرحبة القصر الذي سمي بابه باب الذهب، والى جانب القصر المسجد الجامع، ليس حول القصر بناء، ولا دار أو مسكن لأحد"، انظر: أحمد بن أبي يعقوب اليعقوبي، البلدان (بيروت: دار الكتب العلمية، 1422 ه)، ص 13.
  4. R. McC. Adams, Land Behind Baghdad: A History of Settlement on the Diyalal Plain (Chicago: Chicago University Press, 1965), pp. 115  -  116.
  5. عبد العزيز الدوري، العصر العباسي الأول: دراسة في التاريخ السياسي والإداري والمالي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2014)، ص 105.

البهلوي، وقد تكون هذه الإضافات موهت على بعض من المصنفين في أن تكون أصول النص ساسانية، وأن أمر نسبته إلى الهند مشكوك فيه64. ويلحظ عند معاينة محتوى نص كليلة ودمنة ومعطياته الأساس، أن أبرز شخصياته المحورية هي الأسد الذي يأخذ دور الملك/ الخليفة، وأضيفت إليه أربعة أبواب أخرى هي: مقدمة الكتاب، وباب بعثة برزويه إلى بلاد الهند، وباب عرض الكتاب ترجمة عبد الله بن المقفع، وباب ترجمة برزويه بزرجمهر بن البختكان. وأهم ما في الكتاب ديباجته التي احتوت على موضوعات محورية، حاكى كثير منها أزمات الحكم والشرعية في عصر المنصور65. وجاءت الموضوعات الرئيسة لأبواب كليلة ودمنة ملبيةً، على وجه الإجمال، حاجات مرحلة المنصور الفعلية؛ ففي باب "الأسد والثور" خاض الكتاب في موضوع المؤامرات التي تحاك على الملك، وفي باب "حكاية الفحص عن أمر دمنة" برز المصير السيئ للمتآمر، وفي باب "البوم والغربان" حض الكتاب على عدم لاغترار بالعدو، مهما أظهر من لطف، وفي باب " الجرذ والسنور" دعا إلى الحيلة عند لحظ كثرة الأعداء66. ولذلك فقد صنفت مجمل أبواب كليلة ودمنة ضمن النصوص البراغماتية "النفعية" إذ راعت المصلحة الملكية، ولا سيما الأبواب الفارسية فيه التي صنفت أواخر العصر الساساني زيادةً على الأبواب العربية التي أضافها ابن المقفع، والتي ركزت على أمر طاعة المحكوم للحاكم. ويكتنز النص رمزيةً عاليةً؛ فتعامل الأسد/ الملك مع الحيوانات في الغابة يرمز إلى سلطان الخليفة وطبيعة علاقته بالرعية (مجتمع الغابة)؛ فالأسد يرمز إلى قوة لافتراس، وهو إلماح إلى طبيعة العلاقة الأولى بين الخليفة والمعارضة إبان مرحلة التأسيس والثورة العباسية. لكن الذي يبدو هو أن منطق القوة قد تبدل مع تغيير السياق؛ ولذلك فإن محاولة المنصور ممارسة أساليب الآداب السلطانية الساسانية وتوظيفها لدعم شرعيته كانت محكومةً بتلك التحولات العميقة، وسيادة منطق الدولة الإمبراطورية الممتدة على ديموغرافيات وإثنيات متنوعة. ولذلك يبدو من خلال الجزء الأخير من الشهادة الثانية أن المنصور "كان أول خليفة استعمل مواليه وغلمانه في أعماله وصرفهم في مهماته، وقدمهم على العرب. وقد امتثل لذلك الخلفاء من بعده من ولده، فسقطت وبادت العرب، وزال بأسها، وذهبت مراتبها"67. يؤشر هذا المتن إلى التحول الكبير للعباسيين في تعاملهم مع مجتمع الدولة وديموغرافيتها. وهي سياسة مخالفة كليًّا لما انتهجه

الأمويون مع الشعوب غير العربية، لكن يبقى الفاعل الأهم في تجريد كل الحركات المناوئة والمعتمدة في معارضتها على الإرث والثقافة الساسانيتين في أساليب الحكم. فالترابط الذي تضعه الشهادة الثانية بترجمة أنموذج مركزي من مجاميع الآداب السلطانية الساسانية، ومراعاة الواقع الديموغرافي للمجموعات السكانية المختلفة عرقيًا من غير العرب، يعدّان محاولة لإظهار المنصور وريثًا للإمبراطورية

الساسانية المنقرضة. وكان ذلك كله من أجل تأمين مبدأ ولاء الشعوب التي امتد حكم العباسيين على أراضيها، وتؤكد هذا المعنى بقوة الشهادة الثالثة التي قدمت لاستمرارية بين العصرين الساساني والعباسي في نقل الآداب السلطانية، وتحديدًا بين كسرى أنوشروان والخليفة المنصور.

64 تابع رأي ابن النديم، إذ قال: "فأما كتاب كليلة ودمنة، فقد اختلف في أمره - وخبر ذلك في صدر الكتاب - فقيل عملته ملوك الأشغانية ونحلته الهند، وقيل عملته الفرس

ونحلته الهند، وقال قوم: إن الذي عمله بزرجمهر الحكيم أجزاء، والله أعلم"، انظر: ابن النديم، ص 610. 65 لاحظ على سبيل المثال في المقدمة قصة بيدبا الفيلسوف الحكيم والملك دبشليم، والسبب الذي من أجله أسس الإسكندر المقدوني إمبراطوريته القديمة، وكيف حاول أن

يقتفي أسلوبًا ملائمًا للحكم فيها، انظر: ابن المقفع، ص 4  -  13.

66 تابع ذلك العرض الذي قدمه اليعقوبي عند أبواب كليلة ودمنة في: تاريخ اليعقوبي، ج 1، ص 88. 67 المسعودي، مروج ‏الذهب، ‏ج 4، ص 223.

  1. تابع رأي ابن النديم، إذ قال: "فأما كتاب كليلة ودمنة، فقد اختلف في أمره - وخبر ذلك في صدر الكتاب - فقيل عملته ملوك الأشغانية ونحلته الهند، وقيل عملته الفرس ونحلته الهند، وقال قوم: إن الذي عمله بزرجمهر الحكيم أجزاء، والله أعلم"، انظر: ابن النديم، ص 610.
  2. لاحظ على سبيل المثال في المقدمة قصة بيدبا الفيلسوف الحكيم والملك دبشليم، والسبب الذي من أجله أسس الإسكندر المقدوني إمبراطوريته القديمة، وكيف حاول أن يقتفي أسلوبًا ملائمًا للحكم فيها، انظر: ابن المقفع، ص 4  -  13.
  3. تابع ذلك العرض الذي قدمه اليعقوبي عند أبواب كليلة ودمنة في: تاريخ اليعقوبي، ج 1، ص 88.
  4. المسعودي، مروج ‏الذهب، ‏ج 4، ص 223.

ثالثًا: المأمون وحاجات ما بعد الحرب الأهلية

أخذت العوامل الفاعلة في نقل الآداب السلطانية الساسانية واستحضارها عباسيًا في عصر المأمون مسارًا يكاد يكون مغايرًا للمنصور،

من حيث الظروف التاريخية والحاجات الماسة للخلافة العباسية إلى التوظيف ومواجهة بعض من تحدياتها الضاغطة. ونحن نملك في ذلك أكثر من شهادة مباشرة تحيل على ذلك التحول، ومن الممكن أن تكون مجسات واقعيةً لفحص عوامل انتقال تلك الآداب من محيطها الأول إلى الثاني، ومنها الشهادتان الآتيتان.

الشهادة الأولى

جاءت من القرن الثالث الهجري، وتبدو مهمةً؛ لحديثها عن نظام تربية الخليفة العباسي وتعليمه وتنشئته الذهنية الأولى؛ فقد جاء الآتي في حث الخليفة المأمون على تعليم ابنه نقلً عن اللغوي المعروف أبي العباس المبرد: "يروى أن المأمون عندما سأله معلم الواثق بالله؛ عما يعلمه إياه، أمره أن يعلمه كتاب الله جل اسمه، وأن يقرئه عهد أردشير، ويحفظه كتاب كليلة ودمنة"68.

الشهادة الثانية

وردت هذه الشهادة المفصلة عن عصر المأمون عن طريق مسكويه، حينما أشار إلى سبب تأليفه كتابه جاويدان خرد (الحكمة الخالدة) الذي تظهر فيه شخصية المأمون، بوصفها لولبًا دارت عليه الفكرة الأساس لنقل الكتاب الساساني المذكور، بحيث يورد

مسكويه خبر قراءته في أيام الشباب أحد كتب الجاحظ المعروف ب استطالة الفهم والذي يذكر فيه كتاب جاويدان خرد، وكيف أن الجاحظ مدح الكتاب بطريقة فاقت إطراءه للكتب الأخرى، ثم يشير إلى حرصه على طلب الكتاب ثم حصوله على نسخة منه عند أحد الموابذة بفارس69. وذكر مسكويه سبب تأليف كتابه اعتمادًا على مصنف الجاحظاستطالة الفهم، وكيف أن زمن تأليف الكتاب رافق تلك الحوادث التي عاشها المأمون في نزاعه على منصب الخلافة مع أخيه الأمين وهو في خراسان. وتظهر في رواية الكتاب شخصية ذوبان الفارسية، بوصفها الشخصية المركزية التي قدمت النصح و لاستشارة إلى الخليفة المبتلى بمشكلات اجتماعية وسياسية تحف به من كل صوب، فأخذت شخصية ذوباندور الناصح أو المستشار المقرب في الأمور المصيرية التي اعترت الخليفة المأمون: "فلما أجمع على التوجه إلى العراق لقتال أخيه محمد، دعا بذوبان فسأله: ما ترى في التوجه إلى العراق لقتال محمد؟ فقال: رأي مصيب، وملك قريب، يناله أريب"70. ثم تظهر متممات هذه الشهادة تفاصيل عن لهفة الخليفة المأمون وحرصه الشديد على حيازة كتابجاويدان خرد الساساني ومطالعته71.

68 أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، الفاضل، تحقيق عبد العزيز الميمني (القاهرة: دار الكتب المصرية، 1956)، ص 4. ومن الإشارات المماثلة التي وصلت عن النقاش

الذي دار بين الرشيد والعالم الموسوعي اللغوي في عصره، الكسائي (119  -  189 ه/  737  -  805 م)، فقد أشرف على تعليم أولاد الخليفة، فطلب الرشيد منه مذاكرته بأدب الأخلاق

الساساني "يا علي بن حمزة [الكسائي]، قد أحللناك المحل الذي لم تكن تبلغه همتك، فروِّنا من الأشعار أعفها ومن الأحاديث أجمعها لمحاسن الأخلاق، وذاكرنا بآداب

الفرس"، انظر: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج 4 (بيروت: دار الكتاب العربي، 2007)، ص 137. 69 مسكويه، الحكمة الخالدة، ص 5. 70 المرجع نفسه، ص 19. 71 حينما استقر الأمر للمأمون وخلافته في العراق بحسب تلك الشهادة سأل الخليفة الحسن بن سهل عن أفضل كتب العرب والعجم فأجابه عن كتاب جاويدان خرد

(الحكمة الخالدة) وهو غير موجود في مكتبته؛ وحينما أمر بإحضار الكتاب ومطالعته وهو مقبل على الصلاة "انحرف عن القبلة وأخذ يقرأ الكتاب فكلما فرغ من فصل قال:

لا إله إلا الله. فلما طال ذلك قال: يا أمير المؤمنين الصلاة تفوت وهذا لا يفوت. فقال: صدقت، ولكني أخاف السهو في صلاتي لاشتغال قلبي. ثم صلى وعاود قراءته ثم قال:

أين تمامه؟ [...] فهذا والله الحكمة لما نحن فيه". المرجع نفسه، ص 22.

  1. أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، الفاضل، تحقيق عبد العزيز الميمني (القاهرة: دار الكتب المصرية، 1956)، ص 4. ومن الإشارات المماثلة التي وصلت عن النقاش الذي دار بين الرشيد والعالم الموسوعي اللغوي في عصره، الكسائي (119  -  189 ه/  737  -  805 م)، فقد أشرف على تعليم أولاد الخليفة، فطلب الرشيد منه مذاكرته بأدب الأخلاق الساساني "يا علي بن حمزة [الكسائي]، قد أحللناك المحل الذي لم تكن تبلغه همتك، فروِّنا من الأشعار أعفها ومن الأحاديث أجمعها لمحاسن الأخلاق، وذاكرنا بآداب الفرس"، انظر: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج 4 (بيروت: دار الكتاب العربي، 2007)، ص 137.
  2. مسكويه، الحكمة الخالدة، ص 5.
  3. المرجع نفسه، ص 19.
  4. حينما استقر الأمر للمأمون وخلافته في العراق بحسب تلك الشهادة سأل الخليفة الحسن بن سهل عن أفضل كتب العرب والعجم فأجابه عن كتاب جاويدان خرد (الحكمة الخالدة) وهو غير موجود في مكتبته؛ وحينما أمر بإحضار الكتاب ومطالعته وهو مقبل على الصلاة "انحرف عن القبلة وأخذ يقرأ الكتاب فكلما فرغ من فصل قال: لا إله إلا الله. فلما طال ذلك قال: يا أمير المؤمنين الصلاة تفوت وهذا لا يفوت. فقال: صدقت، ولكني أخاف السهو في صلاتي لاشتغال قلبي. ثم صلى وعاود قراءته ثم قال: أين تمامه؟ [...] فهذا والله الحكمة لما نحن فيه". المرجع نفسه، ص 22.

إن دراسة الخلفية لاجتماعية لعصر المأمون قد تعطي صورةً مباشرةً ودقيقةً عن طبيعة ميول البلاط والأمزجة السائدة يومذاك. وقد يكون استعمال الشعارات والألوان أبرز تلك المظاهر؛ إذ كان مظهر الخليفة العباسي ولباسه وألوانه التي حرص على الظهور بها أمام مجتمع الدولة، جزءًا حيويًا من شخصيته ومتبنياته الأيديولوجية أمام المجتمع العباسي. فرمزية اللون، ومرجعيتها التاريخية وتأثيراتها البصرية العميقة في العامة والخاصة، تحيل على معتقدات اجتماعية ومشتركات ميثولوجية، خلقت نوعًا من التمايز وفارقًا؛ فكل لون من الألوان فيه إح لات عميقة على الذاكرة الجماعية ورموزها المقدسة. وقد وظفت الدولة العباسية، تحديدًا منذ ظهورها، تلك اللغة البصرية في مجال دعوتها وبثها في الآفاق؛ إذ استعملت اللون الأسود في شعاراتها وراياتها من أجل كسب المؤيدين وإرسال رسائل بصرية ذات تأثير عميق في مجتمع الدولة، في أن هذه الدعوة مبنية على لانتماء الأسري إلى قريش أسرة النبي محمد، فهي في جذرها لا تشكل خرقًا شرعيًا لقواعد الخلافة، وإنما تأييدًا لها؛ إذ كان لواء الرسول في حروبه مع الكفار أسود اللون، لذلك صارت الراية السوداء رمز الحق والعدل، وأصبح من الضروري لمن يروم إزالة سلطان بني أمية أن يتخذ من الألوية السوداء شعارًا له72. وقد رصد هذا التوظيف مصدرًا سريانيًا مستقلً معاصرًا لثورة العباسيين؛ فقد ذكر عنهم "لم يقتصر السواد على وجوههم فحسب؛ وإنما امتد إلى ملابسهم؛ ولذلك كانوا يسمونهم بالعربية المسودة"73. ودخلت الراية ولونها الأسود لاحقًا ضمن تنبؤات وصول العباسيين إلى الحكم، وقد مكنها هذا بقوة في منافسة ومواجهة الدولة الأموية على المستوى الرمزي والأيديولوجي؛ فقد وظف الداعية أبو سلمة الخلال والسفاح والمنصور تلك المظاهر، واعتمدوا عليها بوصفها شعارات رمزيةً مؤثرةً في الجموع ومروضةً لهم أحيانًا، بوصفها تعبيرات إيحائيةً مختزلةً في الذاكرة الجمعية والشعبية74. وعند استقرار العباسيين وتجاوزهم مرحلة التأسيس، ومن ثم اختلاف حاجاتهم الرمزية باختلاف السياقات لاجتماعية والظروف التاريخية، لوحظ مع ذلك التغيير استدعاؤهم الرمزي لألوان أخرى. وقد اتضح ذلك أكثر مع عصر هارون الرشيد؛ إذ مال الخليفة إلى استعارة تلك اللغة البصرية، ولا سيما بعد التحولات الكبيرة لنفوذ الأسر ذات الأصول الفارسية في إدارة الدولة75، فاستعمل اللونين الأحمر والأخضر بوصفهما شعارات رمزيةً للخليفة ولباسه؛ ولا سيما اللون الأخضر، إذ كان اللون الأكثر ارتداءً بوصفه من الأزياء الرسمية للخليفة، فقد حرص حتى قبيل وفاته أن يلبس بزة تحمل ذلك اللون76.

72 فان فلوتن، السيادة العربية الشيعية والإسرائيليات في عهد بني أمية، ترجمه عن الفرنسية ونقده وعلق عليه حسن إبراهيم حسن ومحمد زكي إبراهيم (القاهرة:

مطبعة السعادة، 1934)، ص 125  -  126؛ الدوري، ص 44.

73  The Chronicle of Zuqnīn, Parts III and IV: A.D. 488  -  775 , Amir Harrak (trans.), (Toronto: Pontifical Institute of Mediaeval Studies, 1999), pp. 2  -  8 ; Amir Harrak, "Arabisms in Part IV of the chronicle of Zuqnin,"in: Rene Lavenant (ed.), VII Symposium (Rome: Pontifical Intitutum Studiorum Orientalium, 1998), pp. 469  -  498.

74 انظر في ذلك:

Tayeb El-Hibri, Reinterpreting Islamic Historiography: Harun al-Rashid and the Narrative of the Abbasid Caliphate (Cambridge: Cambridge University Press, 2011), pp. 95  -  144.

75 عن دور أسرة آل برمك في البلاط العباسي، انظر:

I. Abbas, "Baramakids," in: Encyclopaedia Iranica , Ehsan Yarshater (ed.), vol. III, Fasc. 8 (New York: Bibliotheca Persica Press, 1998), pp. 806  -  809.

76 أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المعارف، تحقيق ثروت عكاشة (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992)، ص 388؛ الطبري، ج 8، ص 345.

  1. فان فلوتن، السيادة العربية الشيعية والإسرائيليات في عهد بني أمية، ترجمه عن الفرنسية ونقده وعلق عليه حسن إبراهيم حسن ومحمد زكي إبراهيم (القاهرة: مطبعة السعادة، 1934)، ص 125  -  126؛ الدوري، ص 44.
  2. The Chronicle of Zuqnīn, Parts III and IV: A.D. 488  -  775 , Amir Harrak (trans.), (Toronto: Pontifical Institute of Mediaeval Studies, 1999), pp. 2  -  8 ; Amir Harrak, "Arabisms in Part IV of the chronicle of Zuqnin,"in: Rene Lavenant (ed.), VII Symposium (Rome: Pontifical Intitutum Studiorum Orientalium, 1998), pp. 469  -  498.
  3. انظر في ذلك: Tayeb El-Hibri, Reinterpreting Islamic Historiography: Harun al-Rashid and the Narrative of the Abbasid Caliphate (Cambridge: Cambridge University Press, 2011), pp. 95  -  144.
  4. عن دور أسرة آل برمك في البلاط العباسي، انظر: I. Abbas, "Baramakids," in: Encyclopaedia Iranica , Ehsan Yarshater (ed.), vol. III, Fasc. 8 (New York: Bibliotheca Persica Press, 1998), pp. 806  -  809.
  5. أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المعارف، تحقيق ثروت عكاشة (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992)، ص 388؛ الطبري، ج 8، ص 345.

واللافت أن هذا لاقتداء مبني على نماذج تاريخية ساسانية؛ ففي مقاطع فريدة ينقلها حمزة الأصفهاني من كتاب صور ملوك بني ساسان77 أشار بدقة إلى شعارات كل ملك ساساني وألوان ملابسه ورموزه المستعملة. فكان اللون المشترك الجامع ما بين ألوان التيجان للملوك وألبستهم هو اللون الأخضر الذي هيمن على مظهرهم أمام العامة والخاصة78. فاللون الأخضر الذي اعتاد الملوك الساسانيون على ارتدائه والظهور به أمام الشعب، بوصفه لونًا يرمز حصريًا إلى السلالة الملكية المقدسة في إيران، حمل معه داللت الخصب والنماء

الملكي في مجتمعات تصنف زراعيةً في أنماط تفكيرها ونظرتها إلى الأشياء79. فقد اختزل اللون الأخضر مضامين وجوديةً ورمزيةً عميقة عند الفرد والجماعة، وظهرت فيه هبة الحياة واستمراريتها؛ فتحول إلى رمز مختزل لمعطيات الحياة تلك. ولذلك، فإن تبني الملكية الساسانية إنما جاء من أجل توظيف تلك المضامين واستمراريتها وتوسيع هالة قدسيتها اجتماعيًا. وقد أعاد بعض من الحركات لاجتماعية والدينية استعمال اللون الأخضر في العصر الإسلامي، فأصبح اللون جزءًا من شعارات

بعض من حركات المعارضة السياسية و لاجتماعية لبني أمية والعباسيين؛ ذلك أن في التمثل بهذا اللون إيحاءات عميقةً في لانتماء الشرعي و لانحدار من السلالة المقدسة. ولذلك، فإنه ليس من الغريب أن نجد الحركات ذات لادعاءات الإلهية أو الربوبية قد وظفت هذا اللون في مظاهرها ورموزها، فالمقنع الذي ادعى الربوبية تبرقع بقناع من الحرير الأخضر وكذلك "به آفريد"80. لوحظ في عصر المأمون تركيزٌ واضح على توظيف الأهمية لاجتماعية والأيديولوجية للألوان ورمزيتها. وقد رصد بعض المصادر تلك المؤثرات لاجتماعية التي وظفها المأمون في مجاله السياسي؛ إذ ورد أن "من اختراعاته: نقل الدولة من بني العباس إلى بني علي عليه السلام، وتغيير الناس السواد بلباس الخضرة، وقالوا: هو لباس أهل الجنة"81. وجاء في رواية أخرى أن المأمون "أمر الناس بخلع لباس السواد، ولبس الخضرة"، وقد جرت هذه الحوادث إبان حسم النزاع مع الأمين لصالحه وهو في خراسان، إلا أنه حين "سمع العباسيون ببغداد بما فعل المأمون من نقل الخلافة من البيت العباسي إلى البيت العلوي، وتغيير لباس آبائه وأجداده بلباس الخضرة، أنكروا ذلك وخلعوا المأمون من الخلافة غضبًا من فعله"82. وتختزل رواية للطبري ذلك النزاع مع المأمون بالقول: "وفيها سئل أن يطرح لباس

الخضرة ويرجع إلى لبس السواد زي دولة الآباء"83. قد يكون هذا التحول والتغيير الرمزي لشعار الدولة من الأسود إلى الأخضر أداةً لقياس التلقي لاجتماعي والسياسي للتراث الساساني السلطاني، إبان الحرب الأهلية بين الأمين والمأمون، والنتائج التي أفضت إليها. ذلك أن استبدال شعارات الدولة ورموزها

77 شاهد المسعودي الكتاب، وقدم فيه توصيفًا دقيقًا جاء فيه: "ورأيت بمدينة إصطخر من أرض فارس في سنة 303 عند بعض أهل البيوتات المشرفة من الفرس كتابًا

عظيمًا يشتمل على علوم كثيرة من علومهم وأخبار ملوكهم وأبنيتهم وسياساتهم، لم أجدها في شيء من كتب الفرس 'كخداى نامه' و'آئين نامه' و'كهناماه' وغيرها مصور فيه

ملوك فارس من آل ساسان سبعة وعشرون ملكًا منهم خمسة وعشرون رجلً وامرأتان قد صور الواحد منهم يوم مات شيخًا كان أو شابًا وحليته وتاجه ومخط لحيته وصورة

وجهه وأنهم ملكوا الأرض أربعمائة سنة وثلاثًا وثلاثين سنة وشهرًا وسبعة أيام، وأنهم كانوا إذا مات ملك من ملوكهم صوروه على هيئته ورفعوه"، انظر: المسعودي، التنبيه

والإشراف، ص 92. 78 انظر في ذلك: حمزة بن الحسن الأصفهاني، تاريخ سني ملوك الأرض والأنبياء عليهم الصلاة والسلام (بيروت: مكتبة دار الحياة، 1961)، ص 44  -  56. 79 عن عناصر الملكية الساسانية المقدسة، انظر:

Richard Nelson Frye, "Notes on the early Sassanian State and Church," Studi Orientalistici in onore di Giorgio Levi Della Vida (Rome: 1956), pp. 314  -  335 ; Richard Nelson Frye, "The Charisma of Kingship in Ancient Iran," in: Opera Minora (Shiraz: Asia Institute of Pahlavi University, 1976), pp. 110  -  127.

80 البيروني، ص 257  -  258. 81 ابن الطقطقي، ص 212. 82 وتشير تتمة هذه الرواية إلى تفاصيل أخرى حيث إن المأمون لما هم بالتوجه إلى بغداد من أجل القضاء على تلك الفتنة التي أثارها إبراهيم بن المهدي والفضل بن الربيع

كانت من مطالب زينب بنت سليمان وهي من الأسرة العباسية، وذات حظوة كبيرة هي أن يعدل المأمون عن لباس الخضرة والعودة إلى السواد، انظر: المرجع نفسه، 217  -  219. 83 الطبري، ج 8، ص 575.

  1. شاهد المسعودي الكتاب، وقدم فيه توصيفًا دقيقًا جاء فيه: "ورأيت بمدينة إصطخر من أرض فارس في سنة 303 عند بعض أهل البيوتات المشرفة من الفرس كتابًا عظيمًا يشتمل على علوم كثيرة من علومهم وأخبار ملوكهم وأبنيتهم وسياساتهم، لم أجدها في شيء من كتب الفرس 'كخداى نامه' و'آئين نامه' و'كهناماه' وغيرها مصور فيه ملوك فارس من آل ساسان سبعة وعشرون ملكًا منهم خمسة وعشرون رجلً وامرأتان قد صور الواحد منهم يوم مات شيخًا كان أو شابًا وحليته وتاجه ومخط لحيته وصورة وجهه وأنهم ملكوا الأرض أربعمائة سنة وثلاثًا وثلاثين سنة وشهرًا وسبعة أيام، وأنهم كانوا إذا مات ملك من ملوكهم صوروه على هيئته ورفعوه"، انظر: المسعودي، التنبيه والإشراف، ص 92.
  2. انظر في ذلك: حمزة بن الحسن الأصفهاني، تاريخ سني ملوك الأرض والأنبياء عليهم الصلاة والسلام (بيروت: مكتبة دار الحياة، 1961)، ص 44  -  56.
  3. عن عناصر الملكية الساسانية المقدسة، انظر: Richard Nelson Frye, "Notes on the early Sassanian State and Church," Studi Orientalistici in onore di Giorgio Levi Della Vida (Rome: 1956), pp. 314  -  335 ; Richard Nelson Frye, "The Charisma of Kingship in Ancient Iran," in: Opera Minora (Shiraz: Asia Institute of Pahlavi University, 1976), pp. 110  -  127.
  4. البيروني، ص 257  -  258.
  5. ابن الطقطقي، ص 212.
  6. وتشير تتمة هذه الرواية إلى تفاصيل أخرى حيث إن المأمون لما هم بالتوجه إلى بغداد من أجل القضاء على تلك الفتنة التي أثارها إبراهيم بن المهدي والفضل بن الربيع كانت من مطالب زينب بنت سليمان وهي من الأسرة العباسية، وذات حظوة كبيرة هي أن يعدل المأمون عن لباس الخضرة والعودة إلى السواد، انظر: المرجع نفسه، 217  -  219.
  7. الطبري، ج 8، ص 575.

لم يحمل معنى التقرب إلى الفرع العلوي لبني هاشم بحسب التصوير الظاهري للروايات، وإنما كان في عمقه محاولةً لمكافأة الكتلة أو الحزب الفارسي ومواكبته؛ وهو الذي ناصر المأمون في صراعه على منصب الخلافة، وحسم الأمر لصالحه مقابل الأمين الذي اعتمد على العرب في دعمه وإسناده84. وقد كان حزب المأمون الذي تمركز في خراسان طامحًا بقوة إلى إحياء التراث "الكسروي " الساساني وتقاليده

في الحكم وأساليبه. وتتأكد سياسة المأمون نحو هذا الحزب في تلك المجادلة التي دارت بين نعيم بن خازم والفضل حين استشاره الخليفة في أمر البيعة للرضا، فاعترض وقال للفضل: "إنك تريد أن تزيل الملك عن بني العباس إلى ولد علي! ثم تحتال عليهم، فتصير الملك كسرويًا؛ ولولا أنك أردت ذلك لما عدلت عن لبسة علي وولده؛ وهي البياض إلى الخضرة؛ وهي لباس كسرى والمجوس"85. ساهمت هذه الخلفية لاجتماعية والسياسية في استحضار الأدب السلطاني الساساني على أثر تولية المأمون في ظروف هزت الدولة العباسية في الأعماق، وارتجت صورة الخليفة عند الناس، وأصبحت جدارته في العالم الإسلامي في حرج؛ لذلك وجد المأمونُ نفسه، بعد

أن تولّ الخلافة في أعقاب تلك الحرب الأهلية بين الأخوين، عمليًا وبراغماتيًا، ومضطرًا إلى لاتكاء في سياسته العامة وبناء أيديولوجيته

الجديدة، على الآداب السلطانية الساسانية في تسويغأفعال الخليفة وشرعنتها؛ لأن هذه الخلفية ساهمت في مساندته، ورجحت كفته؛ إذ يذكر عنه أنه عندما أفضى الأمر إليه ذهب "مذهب من سلف من ملوك ساسان كأردشير بن بابك وغيره، وقد اجتهد في قراءة الكتب القديمة، وأمعن في درسها، وواظب على قراءتها، فافتتن في فهمها، وبلغ دراستها"86. إن ارتباط قرار المأمون الشخصي بالأيديولوجيا الساسانية هو جزء من الحلول التي مكنته من مواجهة التحديات الكبيرة. وقد ساعدت على ذلك عوامل أخرى ممثلة في نشأته الأولى وأصله الأسري من أم تحدرت من أصول فارسية، ومكوثه مدةً طويلة في خراسان87. ويظهر بهذا أن الشهادة الأولى للمأمون نتيجة مباشرة للمجال لاجتماعي والسياسي العباسي؛ إذ يشير ظهور الخليفة وهو يأمر معلم ولده بأن "يقرئه عهد أردشير ويحفظه كتاب كليلة ودمنة"88، إلى طابع لاستمرارية في استحضار الآداب السلطانية الساسانية وتوظيفها. وهكذا حاكت مطالب كليلة ودمنة مجمل الأزمات التي واجهها المنصور في المعارضة الخارجية ذات المرجعية الفارسية. ويبدو أنه بسبب أهمية قيمة الكتاب العملية، استمر البلاط في اعتماده بوصفه أحد مناهج إعداد الخليفة أو العاهل القادم. لكن الإضافة المهمة في الشهادة الأولى، هي كتاب عهد أردشير؛ فالفارق بين تعبير الحفظ لكتاب كليلة ودمنة وتعبير "يقرئه عهد أردشير "89 أن الأول يحيل على أن الكتاب دخل ضمن مرحلة التلقين والتكرار، إلا أن معنى القراءة في التعبير الثاني يلمح إلى التفهيم والتدريس والتدريب

84 عن أقطاب الحزبين الفارسي والعربي وطبيعة الموضوعات التي خاضوا فيها، انظر: محمد بن عبدوس الجهشياري، الوزراء والكتاب، تحقيق محمد السقا وآخرون

(القاهرة: مصطفى البابي، 1938)، ص 266؛ الدوري، ص 188. 85 الجهشياري، ص 313. 86 المسعودي، مروج الذهب، ص 227.

87  Tayeb El-Hibri, Reinterpreting Islamic Historiography: Harun al-Rashid and the Narrative of the Abbasid Caliphate (Cambridge: Cambridge University Press, 2011), pp. 95  -  144.

88 المبرد، ص 4. 89 حاز عهد أردشير أهمية كبيرة في أدب المرايا الإسلامية وقد أشار ابن النديم إليه أكثر من مرة على مستوى ترجمته نثرًا ونظمه شعرًا، وينتمي العهد إلى مجموعة مختصة

بوصايا أخلاقية عملية براغماتية في الحكم وإدارة الدولة يقدمها الملك الأب إلى ابنه أو ولي عهده. وينسب قولها في بعض من الأحيان إلى المؤسس - كما في عهد أردشير - الذي

تكرر حضور مقولاته الأساسية في مجمل ذلك النوع من الآداب، فقد نال شهرة كبيرة بين طبقات الكتاب، إذ كان جزءًا أساسيًا من المادة الثقافية التي يتعلمون من خلالها

أدب الكاتب وأدواته في مجال الآداب السلطانية، حتى إن الجاحظ هجا ذلك لاتكال في رسالته في ذم الكتاب، إذ قال: "وروي لبزجمهر أمثاله، ولأردشير عهده [...] ظن

أنه الفارق الأكبر في التدبير"، انظر: الجاحظ، الرسائل، ج 2، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1964)، ص 191. ويبدو، لأهمية العهد

وشيوعه بين الناس، أنه تم نظمه وأدرج كاملً في الكثير من المصنفات العربيةوقد نظمه البلاذري شعرًا، انظر: ابن النديم، ص 303، ودخل كاملً في: مسكويه، تجارب الأمم

وتعاقب الهمم، ج 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2003)، ص 97.

  1. عن أقطاب الحزبين الفارسي والعربي وطبيعة الموضوعات التي خاضوا فيها، انظر: محمد بن عبدوس الجهشياري، الوزراء والكتاب، تحقيق محمد السقا وآخرون (القاهرة: مصطفى البابي، 1938)، ص 266؛ الدوري، ص 188.
  2. الجهشياري، ص 313.
  3. المسعودي، مروج الذهب، ص 227.
  4. Tayeb El-Hibri, Reinterpreting Islamic Historiography: Harun al-Rashid and the Narrative of the Abbasid Caliphate (Cambridge: Cambridge University Press, 2011), pp. 95  -  144.
  5. المبرد، ص 4.
  6. حاز عهد أردشير أهمية كبيرة في أدب المرايا الإسلامية وقد أشار ابن النديم إليه أكثر من مرة على مستوى ترجمته نثرًا ونظمه شعرًا، وينتمي العهد إلى مجموعة مختصة بوصايا أخلاقية عملية براغماتية في الحكم وإدارة الدولة يقدمها الملك الأب إلى ابنه أو ولي عهده. وينسب قولها في بعض من الأحيان إلى المؤسس - كما في عهد أردشير - الذي تكرر حضور مقولاته الأساسية في مجمل ذلك النوع من الآداب، فقد نال شهرة كبيرة بين طبقات الكتاب، إذ كان جزءًا أساسيًا من المادة الثقافية التي يتعلمون من خلالها أدب الكاتب وأدواته في مجال الآداب السلطانية، حتى إن الجاحظ هجا ذلك لاتكال في رسالته في ذم الكتاب، إذ قال: "وروي لبزجمهر أمثاله، ولأردشير عهده [...] ظن أنه الفارق الأكبر في التدبير"، انظر: الجاحظ، الرسائل، ج 2، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1964)، ص 191. ويبدو، لأهمية العهد وشيوعه بين الناس، أنه تم نظمه وأدرج كاملً في الكثير من المصنفات العربيةوقد نظمه البلاذري شعرًا، انظر: ابن النديم، ص 303، ودخل كاملً في: مسكويه، تجارب الأمم وتعاقب الهمم، ج 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2003)، ص 97.

على مطالب هذا النص. والأهم فيه أن إعداد الخليفة من منظور المأمون بعد خرقه القاعدة العامة وقتل أخيه؛ لم يعد يتكئ كثيرًا على

الموروث الإسلامي، ويشي بذلك كثير من النصائح المنظمة للدولة والمجتمع، والمنسوبة إلى المأمون90. إن استقدام الأدبيات الساسانية والتشجيع على ترجمتها وتداولها إنما جاء استجابةً لمواجهة تلك التحديات التي عاشها المأمون، ولا سيما مسألة ولاية العهد التي كانت أحد أبرز أسباب الحرب الأهلية ومضاعفاتها الأخرى من توظيف المقدس ورمزية الألوان وشعاراتها في تلك الولاية. وكان باب ولاية العهد أهم بنود كتاب عهد أردشير؛ إذ قدم فيه تحذيرًا شديدًا من ملابسات هذا الأمر وآثاره

الجسيمة في الملكية؛ نتيجةً للتجارب التاريخية المكرورة في أزمة ولاية العهد التي ظهرت بوصفها أبرز إشكاليات الحكم منذ تأسيس الدولة الساسانية؛ إذ كان الصراع بين الأبناء والأخوين حاضرًا تقريبًا مع مجمل مراحل استبدال السلطة وتداولها؛ لذلك فقد طالبت

بنود العهد بالتعامل بحزم شديد مع ولاية العهد، لأنه من دواعي النزاع الشديد على سدة الحكم في الدولة، وجاء فيه على لسان أردشير: "اعلموا أنه ليس منكم ملك إلا كثير التذكر لمن يلي الأمر من بعده، ومن فساد الملك نشر أمور ولاة العهود، فإن في ذلك من الفساد أن أوله دخول عداوة معضلة بين الملك وولي عهده"91. فقد أعطى العهد للملك حق تعيين خلفه وولي عهده، خشية حدوث اضطراب ومنافسة. وقد تؤشر هذه الفقرة وامتداداتها الطويلة إلى أن لاهتمام بهذه المعضلة التي انتابت الدول الشرقية في مراحل انتقال السلطة وتداولها بين الحكام؛ غالبًا ما تحضر بقوة في البلاطات الإسلامية التي اقتبست منذ العصر العباسي تلك النماذج في فكرة الحكم وتسلم

العاهل الأكبر من الأبناء السلطة. ونلحظ تبنيًا واضحًا في التعامل مع تلك المقولات، بوصفها جزءًا من محاولة الحل لأزمة ولاية العهد وامتداداتها العملية عند

المأمون؛ وذلك حينما نصب علي بن موسى الرضا؛ إذ امتزجت هذه الفكرة مع توظيف رموز المقدس (اللون الأخضر)، وكان التعامل مع تلك العناصر براغماتيًا، إذ خصص العهد الفقرة الرابعة التي تعد من فقراته المهمة كونها مقولةً تواترت في مجمل مصنفات الآداب

السلطانية العربية. فقد ورد على لسان أردشير: "واعلموا أن الملك والدين أخوان توأمان لا قوام لأحدهما إلا بصاحبه، لأن الدين أس الملك وعماده، ثم صار الملك بعد حارس الدين، فلا بد للملك من أسه، ولا بد للدين من حارسه، لأن ما لا حارس له ضائع، وما لا أس له مهدوم"92. تبدو هذه الفقرة عند قراءتها للوهلة الأولى واضحةً وغير معقدة93، على الرغم من وجود بعض من أشكال لاستعارة المتداخلة فيها، كمرادفة الدين بالأس، أو الأساس بالملك، وإعطاء وظيفة الحراسة له، وكذلك استعارة القرابة المتمثلة في كونهما أخوين توأمين؛ وإن لم يكونا على هذا الشكل من التواؤم ذي المنافع المتبادلة بينهما، فإن النتائج الوخيمة ستحل بهما، وهي " الهدم والضياع"94. ويبدو أن الحرص على سياق هذه المقولة ومحاولة إعادة فهمها في ضوء الواقع الذي تبلورت فيه، قد يسهم كثيرًا في استيعابها

وإدراك غاياتها الفعلية، فمتون العهد من حيث المتلقي موجهة إلى المؤسسة الملكية؛ إذ يلحظ على أغلب فقراتها الحرص الشديد على

90 لاحظ قول المأمون في التنظيم لاجتماعي والمساواة بين الأفراد: "الرتبة نسب تجمع أهلها، فشريف العرب أولى بشريف العجم من شريف العرب، وشريف العجم أولى

بشريف العرب من شريف العجم بوضيع العجم، فأشراف الناس طبقة كما أن أوضاعهم طبقة"، انظر: محمد بن الحسن بن محمد بن حمدون، التذكرة الحمدونية، تحقيق

إحسان عباس وبكر عباس، ج 2 (بيروت: دار صادر، 1996)، ص 71. 91  عهد أردشير، تحقيق إحسان عباس (بيروت: دار صادر، 1967)، ص 69. 92 المرجع نفسه، ص 53. 93 قدمت قراءات متعددة في معنى هذه الفقرة ودالالتها لبعض الكتاب العرب. للاطلاع على ذلك انظر: ناصيف نصار، منطق السلطة (بيروت: دار أمواج، 1995)،

ص 161؛ كمال عبد اللطيف، في تشريح أصول الاستبداد (قراءة في نظام الآداب السلطانية) (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1999)، ص 233. 94  عهد أردشير، الفقرة (4)، ص 53.

  1. لاحظ قول المأمون في التنظيم لاجتماعي والمساواة بين الأفراد: "الرتبة نسب تجمع أهلها، فشريف العرب أولى بشريف العجم من شريف العرب، وشريف العجم أولى بشريف العرب من شريف العجم بوضيع العجم، فأشراف الناس طبقة كما أن أوضاعهم طبقة"، انظر: محمد بن الحسن بن محمد بن حمدون، التذكرة الحمدونية، تحقيق إحسان عباس وبكر عباس، ج 2 (بيروت: دار صادر، 1996)، ص 71.
  2. عهد أردشير، تحقيق إحسان عباس (بيروت: دار صادر، 1967)، ص 69.
  3. المرجع نفسه، ص 53.
  4. قدمت قراءات متعددة في معنى هذه الفقرة ودالالتها لبعض الكتاب العرب. للاطلاع على ذلك انظر: ناصيف نصار، منطق السلطة (بيروت: دار أمواج، 1995)، ص 161؛ كمال عبد اللطيف، في تشريح أصول الاستبداد (قراءة في نظام الآداب السلطانية) (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1999)، ص 233.
  5. عهد أردشير، الفقرة (4)، ص 53.

تحقيق المكاسب لها بمحاولة صوغ وصايا وعهود مستندة إلى التجربة العملية، وتقديمها على هيئة نصائح سياسية لملوك المستقبل95؛ لذلك يلحظ في أقوالها في أحايين متعددة المباشرة والصراحة العالية، ويستشف من نصوص العهد أنها لا تراعي إلا المصلحة الملكية96. وقد تساعد لاستعانة بفقرات الأخرى في العهد في إيضاح المعنى الحقيقي لما تعنيه التوأمة مع الدين؛ إذ ورد في عبارة ذات سمة تحذيرية واستشرافية في الوقت ذاته عن الملك أردشير نفسه: "واعلموا أنه لن يجتمع رئيس في الدين مسر ورئيس في الملك معلن في مملكة واحدة قط إلا انتزع الرئيس في الدين ما في يد الرئيس في الملك، لأن الدين أس، والملك عماد، وصاحب الأس أولى بجمع البنيان من صاحب العماد"97. إن استدعاء الشهادتين الأولى والثانية، للأدبيات السلطانية الساسانية في عصر المأمون، فيه رغبة واقعية في الإفادة من التجارب والأزمات المناظرة لأنموذج دولة يماثل إلى حد بعيد في مجتمعه وهيكلته السياسية مجتمع الدولة العباسية؛ وذلك أن ظهور شخصية

"ذوبان" في الشهادة الثانية واستشاراته المقدمة إلى الخليفة هي ظهور وتعبير رمزي مختزل ومتأخر لمديات حاجة العباسيين الأ وَلُ

للتجربة الساسانية أو أدبياتهم السلطانية في مواجهة بعض من مشكلات الحكم.

رابعًا: نتائج ختامية

لم تكن الصورة القيمية الرفيعة للآداب السلطانية الساسانية في بلاط الخلفاء العرب التي مثلت الأنموذج الأعلى لسياسة الرعية وتدبير الملك في جوهرها مبنيةً فقط على رغبة ترفيهية أو كماليةللبلاط، وإنما مثل استحضارها مراعاةً كبيرةً للجماعات الإثنية وموروثها الثقافي؛ ولذلك فإن الذي تداولته المصنفات العربية من التلقي العريض الإيجابي لاجتماعي98 نابع في جوهره من تلك الرغبة الجماعية العريضة، وقد جاء تبني البلاط للموروث الساساني نتيجةً مباشرةً لتلك الحاجات المجتمعية، فاستثمرها البلاط العباسي وتقمص أدوارها، ووظفها في مواجهة خطاب المعارضة الأيديولوجي. ويلحظ عند تجريب سؤال لاستمرارية والقطيعة على عمليات انتقال الآداب السلطانية الساسانية إلى الثقافة العربية وطبيعة تفاعله معها، أن الفواعل العميقة التي ساهمت في الحضور هو التماثل الكبير في الظروف التاريخية المحيطة بين أنموذجي الدولتين الساسانية والعباسية، ولا سيما في أساليب الحكم وفلسفته العامة وطبيعة التحديات. وتبدو الدورة التاريخية للدولة العباسية، إلى حد بعيد، مقاربةً للدورة التي مرت بها الدولة الساسانية. كذلك تبدو العوامل المؤثرة في نشوء الآداب السلطانية في دائرتها الساسانية الأولى، وموازنة ذلك بالمتغيرات العميقة في بنية الدولة العربية الإسلامية في مرحلة التحول الكبير من العصر الأموي إلى العباسي، مؤثرةً تأثيرًا بليغًا

في تعجيل نقل الموروث السلطاني الساساني.

95 ورد عن أردشير قوله: "اعلموا أن الذي أنتم لاقون بعدي هو الذي لقيته من الأمور، وأن الأمور بعدي واردة عليكم بمثل الذي وردت به علي فيأتيكم السرور والأذى

في الملك من حيث أتياني". انظر: المرجع نفسه، الفقرة (2)، ص 50. 96 محمد محمدي ملا يرى، تأريخ وفرهنگ إيران، در دوران انتقال از عصر ساسانى به عصر اسلامى، ج 5 (تهران: انتشارات توس، 1382)، ص 203  -  220. 97 المرجع نفسه، الفقرة (4)، ص 53. 98 تابع بعضًا من الأمثلة لدى الجاحظ عندما حاول وصف عمر بن الخطاب باليقظة والتدبير في أمور الخلافة ذكر أنه قد "ساس الرعية سياسة أردشير بن بابك في الفحص

عن أسرارها خاصة"، انظر: الجاحظ،، ص التاج 168  -  169. وقال أيضًا في موضوع آخر: "ومن ثم قال الرشيد: وهو من بين خلفاء بني العباس من جعل للمغنين مراتب وطبقات

على نحو ما وضعهم أردشير بن بابك وأنوشروان". انظر: المرجع نفسه، ص، 37  -  38؛ ويبدو أن هذه الصورة قد تركزت لاحقًا بقوة ليس في المشرق الإسلامي فحسب وإنما في

مغربه. ففي التقييم الذي قدمه صاعد الأندلسي للعلوم ومديات تفوق كل أمة من الأمم فيها، كانت الصورة المشكلة عن الساسانيين الآتية: "وأعظم فضائل ملوك الفرس

التي اشتهروا بها حسن السياسة وجودة التدبير لا سيما ملوك بني ساسان منهم، فكان منهم ملوك لم يكن في سائر الأعصار وسالفها مثلهم رجاحة أحلام وكرم سيرة واعتدال

مملكة وبعد صيت". انظر: أبو القاسم صاعد بن أحمد الأندلسي، طبقات الأمم، تحقيق وتعليق حسين مؤنس (القاهرة: دار المعارف، 1998)، ص 160.

  1. ورد عن أردشير قوله: "اعلموا أن الذي أنتم لاقون بعدي هو الذي لقيته من الأمور، وأن الأمور بعدي واردة عليكم بمثل الذي وردت به علي فيأتيكم السرور والأذى في الملك من حيث أتياني". انظر: المرجع نفسه، الفقرة (2)، ص 50.
  2. محمد محمدي ملا يرى، تأريخ وفرهنگ إيران، در دوران انتقال از عصر ساسانى به عصر اسلامى، ج 5 (تهران: انتشارات توس، 1382)، ص 203  -  220.
  3. المرجع نفسه، الفقرة (4)، ص 53.
  4. تابع بعضًا من الأمثلة لدى الجاحظ عندما حاول وصف عمر بن الخطاب باليقظة والتدبير في أمور الخلافة ذكر أنه قد "ساس الرعية سياسة أردشير بن بابك في الفحص عن أسرارها خاصة"، انظر: الجاحظ،، ص التاج 168  -  169. وقال أيضًا في موضوع آخر: "ومن ثم قال الرشيد: وهو من بين خلفاء بني العباس من جعل للمغنين مراتب وطبقات على نحو ما وضعهم أردشير بن بابك وأنوشروان". انظر: المرجع نفسه، ص، 37  -  38؛ ويبدو أن هذه الصورة قد تركزت لاحقًا بقوة ليس في المشرق الإسلامي فحسب وإنما في مغربه. ففي التقييم الذي قدمه صاعد الأندلسي للعلوم ومديات تفوق كل أمة من الأمم فيها، كانت الصورة المشكلة عن الساسانيين الآتية: "وأعظم فضائل ملوك الفرس التي اشتهروا بها حسن السياسة وجودة التدبير لا سيما ملوك بني ساسان منهم، فكان منهم ملوك لم يكن في سائر الأعصار وسالفها مثلهم رجاحة أحلام وكرم سيرة واعتدال مملكة وبعد صيت". انظر: أبو القاسم صاعد بن أحمد الأندلسي، طبقات الأمم، تحقيق وتعليق حسين مؤنس (القاهرة: دار المعارف، 1998)، ص 160.

وإن اختلاف الظروف التاريخية التي واجهها المؤسس أبو جعفر المنصور مع ظروف المأمون ساهم في تنوع المنقول وتحديثه باستمرار في الثقافة العربية. وقد انطلق المنصور من موضع القوة، على خلاف المأمون الذي واجه تحديًا أيديولوجيًا وتبريريًا كبيرًا في مجال

الشرعية داخل الفرع الحاكم ذاته، كما ألحق إعدام الأمين، وهو أول قتل ملكي في التاريخ العباسي، أذىً بصورة الخليفة ومؤسسة

الخلافة بوجه الإجمال. وقد سار المنصور على جذر امتداده الأسري المنتمي إلى السلالة الهاشمية، إلا أن فعل المأمون مع أخيه الأمين قد خرق هذا المبدأ بطريقة فاقعة. ولم يعد لاستمرار على النهج القديم للمؤسس مفيدًا، على الرغم من محاولة توليته ولاية العهد أحد

أبناء الأسرة العلوية. وكان هذا التحول الكبير مدعاةً إلى استحضار نماذج جديدة من الأدبيات السلطانية، والزج بها في المجال السياسي العباسي من أجل توظيفها. إن من نتائج عملية انتقال التراث الفارسي الساساني واستقراره في الحاضنة العربية الإسلامية أن المنقول مثّل جزءًا حيويًا من

ملامح التفكير السياسي الذي انتظمت على أساسه قواعد الحكم ونظريته. وهذا ما يمنح مصادر التراث العربي السلطاني أهميةً مضاعفةً؛ إذ أصبحت لاحقًا مرجعًا للعديد من النصوص المهمة التي فقدت أصولها وترجماتها الكاملة؛ لذلك صارت المعين الأول لاستيعاب

التجربتين الفارسية والعربية في الآداب السلطانية خلال تلك المثاقفة التاريخية الطويلة. وإن المقولة الرئيسة التي دارت عليها تفاصيل هذه الآداب السلطانية كلها هي مقولة الطاعة. فقد روجت الآداب السلطانية الساسانية المنتقلة إلى البلاط العباسي نظامًا خاصًا في القيم، بحيث احتل السلطان وطاعته موقع القيمة المركزية فيه99. فقد تركز مجمل

النصوص، كنص كليلة ودمنة والعهد الأردشيري والنصوص السلطانية الأخرى في محيطها العربي الجديد، على الطاعة؛ بحيث خضعت العلاقة بين المجتمع وسلطاته لهذا المبدأ، وكذلك لم تخرج العلاقة مع المؤسسة الدينية، على الرغم من التوأمة و لاحتواء، عن مبدأ الترويض والطاعة بجعلها منقادةً إلى رئاسة دينية وسياسية واحدة. وكان الحذر والتوجس من المجتمع والسلطات المتنوعة فيه حاضرين بقوة في التفكير السياسي، ولذلك فإن الحلول السياسية تكمن في الطاعة وتبريرها أيديولوجيًا100.

99 الحظ تلك النصوص التي أوردها العامري نقلً عن المصنفات الساسانية الأخلاقية: "قال أنوشروان: الملك والعبودية اسمان يثبت كل واحد منهما الآخر، فكأنهما

اسمان يثبتان معنى واحدًا فإن الملك يقتضي العبودية والعبودية تقتضي الملك، فالملك محتاج إلى العبيد والعبيد محتاجون إلى الملك". انظر: أبو الحسن محمد بن يوسف

العامري، السعادة والإسعاد في السيرة الإنسانية، دراسة وتحقيق أحمد عبد الحليم عطية (القاهرة: دار الثقافة، 1991)، ص 208. وذكر في موضع آخر: "أفضل محامد الملك

أنها هو بعد الفكر في عواقب الأمور وأفضل محامد العبيد لاستقامة على الطاعة في المنشط والمكره"، انظر: المرجع نفسه، ص 209. 100 تابع عن ذلك النصوص المركزية التي احتواها العهد ومنها: "واعلموا أن سلطانكم إنما هو على أجساد الرعية إنما لا سلطان للملوك على القلوب، واعلموا أنكم إن

غلبتم الناس على ذات أيديهم فلا تغلبونهم على عقولهم، واعلموا أن العاقل المحروم سال عليكم لسانه وهو أقطع سيفيه وأشد ما يضركم به من لسانه ما صرف إلى الحيلة في

الدين"، انظر: عهد أردشير، ص 56. وكذلك في موضع آخر ورد: "واعلموا أن دولتكم تؤتى من مكانين، أحدهما غلبة بعض من الأمم المخالفة لكم، والآخر في فساد أدبكم"،

ص 58. ويذكر في موضوع آخر: "واعلموا أن ذهاب الدول يبدأ من قبل إهمال الرعية بغير أشغال معروفة ولا أعمال معلومة، فإذا فشا فراغ تولد منه النظر في الأمور والأفكار

في الأصول فإذا نظروا في ذلك نظروا فيه بطبائع"، ص 61.

  1. الحظ تلك النصوص التي أوردها العامري نقلً عن المصنفات الساسانية الأخلاقية: "قال أنوشروان: الملك والعبودية اسمان يثبت كل واحد منهما الآخر، فكأنهما اسمان يثبتان معنى واحدًا فإن الملك يقتضي العبودية والعبودية تقتضي الملك، فالملك محتاج إلى العبيد والعبيد محتاجون إلى الملك". انظر: أبو الحسن محمد بن يوسف العامري، السعادة والإسعاد في السيرة الإنسانية، دراسة وتحقيق أحمد عبد الحليم عطية (القاهرة: دار الثقافة، 1991)، ص 208. وذكر في موضع آخر: "أفضل محامد الملك أنها هو بعد الفكر في عواقب الأمور وأفضل محامد العبيد لاستقامة على الطاعة في المنشط والمكره"، انظر: المرجع نفسه، ص 209.
  2. تابع عن ذلك النصوص المركزية التي احتواها العهد ومنها: "واعلموا أن سلطانكم إنما هو على أجساد الرعية إنما لا سلطان للملوك على القلوب، واعلموا أنكم إن غلبتم الناس على ذات أيديهم فلا تغلبونهم على عقولهم، واعلموا أن العاقل المحروم سال عليكم لسانه وهو أقطع سيفيه وأشد ما يضركم به من لسانه ما صرف إلى الحيلة في الدين"، انظر: عهد أردشير، ص 56. وكذلك في موضع آخر ورد: "واعلموا أن دولتكم تؤتى من مكانين، أحدهما غلبة بعض من الأمم المخالفة لكم، والآخر في فساد أدبكم"، ص 58. ويذكر في موضوع آخر: "واعلموا أن ذهاب الدول يبدأ من قبل إهمال الرعية بغير أشغال معروفة ولا أعمال معلومة، فإذا فشا فراغ تولد منه النظر في الأمور والأفكار في الأصول فإذا نظروا في ذلك نظروا فيه بطبائع"، ص 61.

المراجع

العربية

أمين، حسين. "التّجمة في بغداد أيّام العصر العبّاسيّ الأوّل." المورد. مج 3. العدد 3 (1974.) البيرونيّ، أبو الريحان. الآثار الباقية عن القرون الخاليّة. تحقيق پرويزا ذكائئ. تهران: ميراث مكتوب، 2001. الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر. التّاج في أخلاق الملوك. تحقيق أحمد زكيّ. القاهرة: المطبعة الأميريّة، 1914.. الحيوان. تحقيق عبد السلّام هارون. القاهرة: مصطفى البابي الحلبي، 1965.. الرسائل. تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون. القاهرة: مكتبة الخانجي، 1964. الجميلي، رشيد. حركة التّجمة في المشرق الإسلاميّ في القرنين الثّالث والرّابع للهجرة. بغداد: دار الحريّة، 1986. الخفاجيّ، شهاب الدّين أحمد. شفاء الغليل في كلام العرب من الدّخيل. القاهرة: مطبعة بولاق، 1865. ابن أبي الحديد المعتزلي.ّ شرح نهج البلاغة. تحقيق محمد إبراهيم. بيروت: دار الكتاب العربي، 2007. ابن حمدون، محمد بن الحسن بن محمد. التذكرة الحمدونية. تحقيق إحسان عباس وبكر عباس. بيروت: دار صادر، 1996. الدينوري، أحمد بن داوود. الأخبار الطّوال. تحقيق عبد المنعم عامر. مراجعة جمال الدين الشيال. قم: انتشارات مكتبة الحيدرية، د.ت. الدوري، عبد العزيز. العصر العباسي الأول: دراسة في التاريخ السياسي والإداري والمالي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2005. الطبري، محمد بن جرير. تاريخ الرسل والملوك. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. القاهرة: دار المعارف، 1968. ابن الطقطقي، محمد بن علي. الفخري في الآداب السلطانية. قم: منشورات الشريف الرضي، 1414 ه. العامري، أبو الحسن محمد بن يوسف. السعادة والإسعاد في السيرة الإنسانية. دراسة وتحقيق أحمد عبد الحليم عطية. القاهرة: دار الثقافة، 1991. العاني، فاضل زعين. سياسة المنصور أبي جعفر: الداخلية والخارجية. بغداد: دار الرشيد للنشّر، 1981. عهد أردشير. تحقيق إحسان عبّاس. بيروت: دار صادر، 1967. غلام، حسين صديقي. الحركات الدّينيّة في إيران في القرون الإسلاميّة الأولى. ترجمة نصير الكعبي. بيروت: المركز الأكاديمي

للأبحاث، 2013. الفردوسي، أبو القاسم محمد. الشّاهنامه. ترجمها نثرًا الفتح بن علي البنداري. تصحيح وتعليق عبد الوهاب عزّام. القاهرة: دار الكتب المصريّة، 1932. ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم. المعارف. تحقيق ثروت عكاشة. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992.

References

الكعبي، نصير. جدلية الدولة والدين في إيران العصر السّاساني. بيروت: منشورات الجمل، 2010. ابن المقفّع، عبد الله. كليلة ودمنة، تحقيق عمر أبو النصّر. بيروت: دار مكتبة الحياة، 1966.

المبرّد، أبو العباس محمد بن يزيد. الفاضل. تحقيق عبد العزيز الميمنيّ. القاهرة: دار الكتب المصرية، 1956. محمدي، محمد. التّجمة والنّقل عن الفارسيّة في القرون الإسلاميّة الأولى. تهران: منشورات توس، 1995.

. مروج الذّهب ومعادن الجوهر. تحقيق أسعد داغر. بيروت: دار الأندلس، 1965. المقدسيّ، محمّد بن أحمد. أحسن التّقاسيم في معرفة الأقاليم. القاهرة: مكتبة مدبولي، 1991.

. تجارب الأمم وتعاقب الهمم. بيروت: دار الكتب العلمية، 2003. معروف، ناجي. أصالة الحضارة العربيّة. ط 3. بيروت: دار الثقافة، 1975.

تحقيق ونشر شعبان خليفة ووليد محمد العودة. القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، 1991. نصّار، ناصيف. منطق السّلطة. بيروت: دار أمواج، 1995. اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب. البلدان. بيروت: دار الكتب العلمية، 1422 ه.

. تاريخ اليعقوبي. بيروت: دار صادر، [1960.]

الفارسية

اشتيانى، عبّاس إقبال. خاندان نوبختى. طهران: انتشارات طهورى، 1966. بيانى، ملكزاده، تاريخ سكه از قديم ترين زمانها تا دوره ساسانيان. تهران: دانشگاه تهران، 1381. تفضلى، أحمد. تاريخ ادبيات ايران بيش از اسلام. تهران: انشارات معين، 1373. عريان، سعيد. راهنماى كتيبه هاى إيرانى ميانه. تهران: سازمان ميراث فرهنگى، 1382. ملايرى، محمد محمدي. أدب وأخلاق در إيران بيش از اسلام. تهران: انتشارات توس، 1388.

عبد الّلطيف، كمال. في تشريح أصول الاستبداد (قراءة في نظام الآداب السّلطانيّة.) بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1999.

المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين. التّنبيه والإشراف. تحقيق عبد الله اسماعيل الصّاوي. قم: انتشارات سيّد الشّهداء، د.ت.

مسكويه، أحمد بن محمّد. الحكمة الخالدة (جاويدان خرد). تحقيق عبد الرّحمن بدوي. تهران: انتشارات دانشگاه تهران، د.ت.

ابن النّديم، محمّد بن إسحاق. الفهرست لابن النديم: دراسة بيوجرافية ببليوجرافية ببليومترية وتحقيق ونشر كشافات.

. مشاكلة النّاس لزمانهم وما يغلب عليهم في كلّ عصر. تحقيق وتقديم مضيوف الفرّا. الدوحة: جامعة قطر، 1993.

آسانا، جاماسب جی. خسرو قبادان و ریدگی. متنهای ﭘهلوى. ترجمة سعيد عريان. تهران: سازمان ميراث فرهنگى كشور، 1382.

. تاريخ وفرهنك ايران بيش در دوران انتقال از عصر ساسانى به عصر اسلامى. تهران: انتشارات توس، 1380.

. فرهنگ ايرانى بيش از اسلام وآثار آن در تمدن اسلامى وأدبيات عربى. تهران: انتشارات دانشگاه تهران، 1385. نظام الملك، حسين الطّوسى. سياست نامه (سير الملوك). به اهتمام هيو برت دارك. تهران: انتشارات علمى وفرهنگى، 2005. يكى قطره باران (جشن نامهء عباس زرياب خويى). به كوشش أحمد تفضلى. تهران: فرهنگ نو، 1991.

الأجنبية

• Arjomand, Said Amir. "ʿAbd Allah Ibn al-Muqaffaʿ and the ʿAbbasid Revolution."  Iranian Studies. no. 27 (1994). • Bulsara, S. J. The Laws of the Ancient Persians as Found in the "Mātīkān ē Hazār Dātastān" or "The Digest of a

• Crone, Patricia. The Nativist Prophets of Early Islamic Iran: Rural Revolt and Local Zorostrianism. Cambridge:

• El-Hibri, Tayeb. Reinterpreting Islamic Historiography: Harun al-Rashid and the Narrative of the Abbasid

• Frye, Richard Nelson. "Notes on the early Sassanian State and Church." Studi Orientalistici in onore di Giorgio

• Gutas, Dimitri. Greek Thought, Arabic Culture, The Graeco-Arabic Translation Movement in Baghdad and Early

• Harrak, Amir. "Arabisms in Part IV of the chronicle of Zuqnin." in: VII Symposium. Rene Lavenant (ed.). Rome:

• Howard-Johnston, J. Witnesses to a World Crisis: Historians and Histories of the Seventh-Century Middle East.

• R. McC, Adams. Land Behind Baghdad: A History of Settlement on the Diyalal Plain. Chicago: Chicago

• Shaked, Shaul. "From Iran to Islam: Notes on Some Themes in Transmission." Jerusalem Studies in Arabic and

• Tafazzolı, A. Sasanian Society. Ehsan Yarshater Distinguished Lecture Series. New York: Bibliotheca Persica

• The Chronicle of Zuqnīn, Parts III and IV: A.D. 488  -  775. Amir Harrak (trans.) Toronto: Pontifical Institute of

Thousand Points of Law." Bombay: H.T. Anklesaria, 1937.

Cambridge University Press, 2012.

Caliphate. Cambridge: Cambridge University Press, 2011.

Levi Della Vida. Rome: 1956.

'Abbasid Society (2 nd – 4 th / 8 th – 10 th centuries). New York: Routledge, 1998.

Pontifical Intitutum Studiorum Orientalium, 1998.

Oxford: Oxford University Press, 2010. • Perikhanian, A. G. (trans.). Sasanidskiĭ sudebnik. Yerevan, 1973. • Pingree, D. "Astronomy and Astrology in India and Iran."  Isis. vol.  54. (1963).

University Press, 1965.

Islam. vol. 4. 1984.

Press, 2000.

Mediaeval Studies, 1999.

في كتابه دولة الخلافة: التقدم إلى الماضي («داعش» والمجتمع المحلي في العراق)، الصادر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (464 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا)، ينطلق الباحث العراقي فالح عبد الجبار من تحليل الدولة «العراقية» الفاشلة وتيار دولة الخلافة، بتوصيفه مُفتتَحًا لتركيز البحث عى تحليل المجتمع المحل العراقي في تمثُلّاته لصورته الذاتية ومحنته، وتحوُلّات هذه التَّمثُّت قبل صعود داعش وبعده، والتفاع ت بن المجتمع المح وأجهزة دولة الخلافة، من المحاكم الرعية إلى أجهزة الحسبة وديوان بيت المال، وهي الأجهزة الأكثر تَاسًا بالحياة اليومية.في الكتاب مقدمة وعرة فصول وخاتمة. تُعرّف المقدمة بمروع دراسة مِخيال المجتمع المحل تحت سيطرة داعش في العراق تحديدًا، وتنقد التصوُّرات عن المجتمع المح بتوصيفه حاضنة لهذا التنظيم، فهذا التصور مغلوط بتوصيفه مفهومًا يشخِّص الواقع الفعلي في المجتمعات المحلية، ومغلوط بسبب تجزئته في تحليل الظاهرة. يقول عبد الجبار إن داعش ليس نتاج قبول المجتمع المحلِّ، لكنه يُحال إلى إخفاق الدولة في بناء مجتمع تعددي وفي قبولها الفعلي - المؤسساتي بالتعدد، وإلى وجود تيار اجتمعي يحمل أيديولوجيا الخلافة في المجتمعات العربية الإسلامية - ومنها العراق - منذ أمد بعيد.

فالح عبد الجبار

دولة الخلافة: التقدم إلى المايض

«داعش» والمجتمع المحلي يف العراق