التجديد في مجال علم التاريخ في البلاد التونسية بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر ميلاديًا
Manifestations of Renewal in the Field of History in Tunisia between the 17th and 19th Centuries
الملخّص
تمكِّن المعطيات الواردة في هذا البحث من تحديد الملامح الكبرى لصورة المؤرخ وعلم التاريخ في البلاد التونسية خلال الفترة العثمانية. ويتضح أن هذه المعطيات تداخلت فيها الجوانب الفكرية والمعرفية والمنهجية. فكريًا، أصبح المؤرخ منخرطًا في مروع مجتمعي قوامه بناء الدولة المجالية في كل تجلياتها. لذلك فهو يدافع بكل ما أُوتِيَ من قوة عن الدولة ورموزها. وهو في ذلك يخلق المعنى الذي يجعله مندمجًا مع الطلب الاجتماعي. بهذه الصورة يبرز بمنزلة المثقف العضوي. فنفهم الحظوة التي لقيها لدى النخب السياسية ولدى الفئة العالمة الواسعة على حد سواء. كان المؤرخ خال هذه الفترة عصاميًا في تجربته لكتابة التاريخ، لم يشرف على تكوينه أي أحد، ولا توجد مؤسسة علمية تحتضنه وتحتضن علمه. ومع ذلك صاغ معرفة جديدة تقطع في جوانب عديدة مع التجارب التاريخية السابقة. بذلك يعرف علم التاريخ في البلاد التونسية نقلة نوعية في مواضيعه وفي مناهجه. فبعد أن كان يحشر ضمن "علم الأدب"، أصبح له وجود مستقل بذاته. وتحصل في الوقت نفسه "مَهنَنَة" المؤرخ الذي أصبح يتميَّز مستقبلً بعلم خاص به.
Abstract
This paper provides insight on the role of the historian and history in Tunisia during the Ottoman period. Intellectually, historians became involved in a social project based on the construction of the territorial state in all its aspects. Historians fiercely defended the state and its symbols, creating a product which responded to its own societal need. With this image, they emerged as akin to organic intellectuals. Tunisian historians of this era were self-reliant: there were no academic institutions to oversee their efforts, but they managed to break new ground in creating new historical knowledge which in many respects broke with tradition. It was during this period that the academic study of history acquired its own unique character, independent from literature and literary forms.
- شخصية المؤرخ
- الإستغرافيا
- "مهننة" المؤرخ
- مأسسة تعليم التاريخ
- Historian
- Historiographie
- Institutionalization of teaching history
| عبد الحميد هنية| Hénia *Abdelhamid | |
|---|---|
| عبد الحميد هنية | Hénia Abdelhamid | |
| التجديد في مجال علم التاريخ في البلاد التونسية ب ني القرنين السابع ع رش والتاسع ع رش ميلاديًا Manifestations of Renewal in the Field of History in Tunisia between the 17 th and 19 th Centuries |
تمكِّن المعطيات الواردة في هذا البحث من تحديد الملامح الكبرى لصورة المؤرخ وعلم التاريخ في البلاد التونسية خلال الف ةرر العثمنية. ويتضح أن هذه المعطيات تداخلت فيها الجوانب الفكرية والمعرفية والمنهجية. فكريًا، أصبح المؤرخ منخرطًا في مروع مجتمعي قوامه بناء الدولة المجالية في كل تجلياتها. لذلك فهو يدافع بكل ما أ وتَِ من قوةُ عن الدولة ورموزها. وهو في ذلك يخلق المعنى الذي يجعله مندمجًا مع الطلب الاجتمعي. بهذه الصورة يبرز بمنزلة المثقف العضوي. فنفهم الحظوة التي لقيها لدى النخب السياسية ولدى الفئة العالمة الواسعة عى حد سواء. كان المؤرخ خ لاا هذه الفترة عصاميًا في تجربته لكتابة التاريخ، لم يرف عى تكوينه أي أحد، ولا توجد مؤسسة علمية تحتضنه وتحتضن علمه. ومع ذلك صاغ معرفة جديدة تقطع في جوانب عديدة مع التجارب التاريخية السابقة. بذلك يعرف علم التاريخ في البلاد التونسية نقلة نوعية في مواضيعه وفي مناهجه. فبعد أن كان يحر ضمن "علم الأدب"، أصبح له وجود مستقل بذاته. وتحصل في الوقت نفسه "مَهننَة" المؤرخ الذي أصبح يتميَّز مستقبلً بعلم خاص به. كلمت مفتاحية: شخصية المؤرخ، الإستغرافيا، "مهننة" المؤرخ، مأسسة تعليم التاريخ.
This paper provides insight on the role of the historian and history in Tunisia during the Ottoman period. Intellectually, historians became involved in a social project based on the construction of the territorial state in all its aspects. Historians fiercely defended the state and its symbols, creating a product which responded to its own societal need. With this image, they emerged as akin to organic intellectuals. Tunisian historians of this era were self-reliant: there were no academic institutions to oversee their efforts, but they managed to break new ground in creating new historical knowledge which in many respects broke with tradition. It was during this period that the academic study of history acquired its own unique character, independent from literature and literary forms.
Professor of History, Doha Institute for Graduate Studies, Qatar.
مقدمة
لقد ظهر حدثان مميزان في الحقل المعرفي والثقافي التونسي خلال القرن التاسع عشر. فالحدث الأول ظهر في المرة الأولى خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر متمثلً في تصنيف " المؤرخ " (بوصفه مختصًا في تدريس التاريخ)1 في القاموس الثقافي التونسي2.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت كلمة " المؤرخ " متداولة، وتدخل ضمن زمرة العبارات الجديدة التي ما فتئت تثري القاموس الثقافي العربي بداية من منتصف القرن التاسع عشر3. أما الحدث الثاني، فهو يخص تدريس التاريخ، على أنّ التاريخ لم يُدرج - بوصفه مادة تدريس
في البرامج التعليمية - إلا خلال القرن التاسع عشر، ولم تكن البلاد التونسية في ذلك تختلف كثيرًا عمّا هو معروف في فرنسا في الفترة
نفسها4، ومن المعلوم أن التاريخ لم يكن يُدرَّس في جامع الزيتونة ولا في غيره من المؤسسات التعليمية الأخرى؛ ذلك أن التاريخ،
كالأدب والشعر، يعدّه علماء الزيتونة من الأسباب التي تشغل المسلمين عن العلوم الشرعية، خصوصًا أن علم التاريخ عرف تغييرًا كبيرًا
في مضمونه، تشكّل في التخلي عن خدمة الموضوعات ذات الصبغة الدينية، كما سنبين ذلك لاحقًا. ومع ذلك نجد بعض لاستثناءات التي بقيت محدودة ولم تكن علنية. مثال ذلك، كان أبناء البايات يَدرسون التاريخ مع مدرسيهم الخصوصيين خلال النصف الثاني من
القرن الثامن عشر، وكان حمودة بن عبد العزيز (ت. 1788) قد علّم حمودة باشا (1782 - 1814) التاريخَ5. ويكتب محمد بن سلامة.(ت 1849) أن محمود باي (ت. 1824) "كانت له معرفة بشيء من التاريخ "6. كان ذلك كله غير رسميٍّ، ثم أدرج تدريس التاريخ
العسكري بمدرسة باردو الحربية التي تأسست سنة 1840، إلى جانب مواد أخرى جديدة كالجغرافيا وعلم الخرائط وغيرها من العلوم
1 نلاحظ أنّ الأمر نفسه – تقريبًا - حدث أيضًا في فرنسا، مع فارق زمني طفيف. فالمؤرخ في فرنسا لا يصنف نفسه بصفته تلك، إلى حدود نحو منتصف القرن التاسع عشر، إذ
يصنف نفسه بوصفه ال "مؤلف" (écrivain)، أو ال "فيلسوف" (philosophe، انظر:)
Gérard Noiriel, "Naissance du métier d'historien," Genèse , Les voies de l'histoire , vol. 1 , no. 1 (1990), p. 58 , 59 - 85 , accessed on 13 / 11 / 2017 , at: http://bit.ly/ 2 ABSjXG
تأسست في فرنسا شهادة التبريز في مادتي التاريخ والجغرافيا سنة 1830. وميزة هذه الشهادة الجامعية أنها تؤهل مختصين في تدريس التاريخ والجغرافيا في المعاهد الثانوية. انظر:
Christian Delacroix et al. (sous la direction de), Historiographies, concepts et débats , 2 tomes (Paris: Gallimard, 2010), t. 1 , p. 125.
2 ورد ذكر كلمة "المؤرخ" في كتاب خير الدين التونسي الذي أنجزه سنة 1860، انظر: خير الدين التونسي، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تمهيد وتحقيق المنصف
الشنوفي (قرطاج: بيت الحكمة–قرطاج، 1990)، ثم في كتاب أحمد بن أبي الضياف الذي أنجزه خلال الستينيات من القرن التاسع عشر. انظر: أحمد بن أبي الضياف، إتحاف
أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، ط 2 (تونس: الدار العربية للكتاب، 2004.) 3 من بين الكلمات الجديدة الأخرى التي أثرت القاموس السياسي والثقافي العربي "المثقف"، و"النخبة"، و"الشعب"، و"الحرية"، و"الوطن"/ "الوطنية"، وغيرها. انظر
في هذا الصدد:
Iman Farag, "Intellectuel-muthaqqaf: champ sémantique, champ conceptuel et champ historique," Etudes politiques du monde arabe , Dossier du CEDEJ (La Caire 1991), p. 158 ; Abdelhamid Henia, "Le pouvoir entre "notables" et "élites": les cycles de la notabilité," in: Michel Camau & Vincent Geisser (coord.), Tunisie dix ans déjà… D'une république à l'autre , Numéro spécial de la revue du Monde arabe: Maghreb-Machrek , no. 157 (juillet-septembre 1997), pp. 90 - 100.
4 عند لاطلاع على الإستغرافيا الفرنسية يتبين لنا أن مأسسة تدريس التاريخ (بوصفها مادة مستقلة عن الفلسفة) يرجع إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ويكتب
فرنسوا هارتوغ في هذا الصدد ما يلي: "أصبح التاريخ مادة مستقلة في التدريس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر". انظر:
François Hartog, "L'histoire s'est constituée en discipline dans la seconde moitié du XIXe siècle," Evidence de l'histoire. Ce que voient les historiens , "Cas de figure 5 " (Paris: Editions EHESS, coll. 2005), p. 203.
انظر أيضًا: جيرار نواريال Noiriel Gérard الذي يكتب ما يلي: "إلى حدود سنوات 1880، لا يدرس التاريخ بوصفه مادة مستقلة، فهو يدرج ضمن مادة الأدب والفلسفة". انظر:
Noiriel, p. 59.
وهو الأمر نفسه الذي نلاحظه أيضًا في مجال المكتبات وترتيبها في البلاد التونسية خلال القرن التاسع عشر؛ فالكتب التي تتناول الجوانب التاريخية تدرج في خزانة خاصة
بالمؤلفات الأدبية، انظر: "كشوفات مكتبة حمودة باشا"، الأرشيف الوطني التونسي، دفتر عدد 2352، تاريخ (1814 - 1815)، ص 14 - 19 (أشكر الباحثة حياة الماجري التي
أطلعتني على هذه الوثيقة الأرشيفية.) 5 ابن أبي الضياف، ج 7، ص 23. 6 محمد بن سلامة، العقد المنضد في أخبار المشير الباشا أحمد، المكتبة الوطنية بتونس، مخطوط رقم 18618، الورقة 50 "أ". ذكرته حياة الماجري. انظر:
"مأسسة التعليم في مدينة تونس خلال القرن التاسع عشر ميلادي بين التمثلات الأكاديمية وغير الأكاديمية واستعم لاتها"، أطروحة دكتوراه، كلية العلوم الإنسانية
و لاجتماعية، جامعة تونس، 2017، ص 126 - 127.
الصحيحة والتقنية المرتبطة بالتعليم العسكري7. وكَتب محمد الباجي المسعودي في هذه المناسبة سنة 1840 كتابًا مدرسيًا في التاريخ
عَنونهالخلاصة النقية في أمراء إفريقية8، وهو كتاب ذو صبغة تعليمية يلخص فيه صاحبه مراحل تاريخ "إفريقية". ثم أ درج بعد ذلك
ضمن البرنامج التعليمي في المدرسة الصادقية بداية من سنة 1874، وأخيرًا في التعليم الزيتوني عندما جرى إدخال الإصلاحات الجديدة
في برامجه بداية من سنة 18759. هذان الحدثان الجديدان، هما في الحقيقة نتاج مخاض تواصل - على الأقل - طيلة قرنين من الزمن، أي بداية من النصف الثاني من القرن السابع عشر إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فما دلالة مأسسة التاريخ بداية من سنة 1840؟ ثم ما دلالة ظهور تصنيف "المؤرخ" لأول مرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؟ كيف تبلورت الصورة لاجتماعية للمؤرخ؟ وما موقعه في الحقل السياسي؟ وأي مهمة أسندت إليه على المستوى الثقافي والمعرفي؟ تكون الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال التعرف إلى أصناف المؤرخين وانتماءاتهم، والشروط لاجتماعية والسياسية والثقافية لظهور شخصية المؤرخ، ثم من خلال الكشف عن كل الممارسات الإستغرافية الجديدة التي تبلورت في المصنفات التاريخية خلال الفترة الممتدة بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر.
أولً: المؤرخ يف موضعه
كان لاهتمام بالتاريخ مختلفًا من موضع إلى آخر، ويمكن أن نقسم الكتابات التاريخية التي خصت هذه الفترة إلى صنفين بحسب طبيعة المعرفة التي تتضمنها و لانتماء الجغرافي لمؤلفيها: مؤرخي الأطراف والنواحي الداخلية، ومؤرخي المركز.
1. مؤرخو الأطراف والنواحي الداخلية
يتكون الصنف الأول من المؤرخين المستقرين في النواحي والمدن الداخلية، وهي مناطق هامشية بالنسبة إلى المركز الذي تمثله العاصمة تونس. واهتمت كتاباتهم، في الدرجة الأولى، بالأخبار المحلية الخاصة بالمدينة أو الجهة التي ينتمون إليها فحسب. وفي المقابل أهملوا، تقريبًا، المركز السياسي والأخبار المتصلة به؛ فهي تقتصر على التعريف بتراجم رج لات الجهة وصلحائها وأنساب بيوتها. ونجد
من بين هؤلاء المؤرخين من ينتمي إلى جزيرة جربة المتسمة بمذهبها الإباضي، وهم سليمان الحيلاتي صاحب علماء جربة (كتب في نهاية القرن السابع عشر)10، ومحمد أبو راس صاحب مؤنس الأحبة في أخبار جربة11، وسعيد بن تعاريت الذي ترجم لعلماء الجزيرة وذكر أمراءها (فرغ من تأليفها في صفر 1274 ه-أيلول/ سبتمبر 1857)12، وسالم بن يعقوب صاحب تاريخ جزيرة جربة ومدارسها
7 الماجري، ص 200. 8 محمد الباجي المسعودي، الخلاصة النقية في أمراء إفريقية، ط 2 (تونس: مطبعة بيكار وشركائه، 1906.) 9 الأرشيف الوطني التونسي، الحافظة عدد 63، الملف 723، أوامر علية ومراسلات متعلقة بالمدرسين وبتنظيم الدراسة في الجامع الأعظم والصادقية (1874 - 1898:). انظر
الوثيقة رقم 5، المؤرخة في 28 ذي القعدة 1292 ه/ 25 كانون الأول/ ديسمبر 1875، الفصل 2 - 5 (ذكرته الماجري، ص 272، الهامش رقم 1301.) 10 سليمان الحيلاتي، علماء جربة: المسمى رسائل الشيخ سليمان بن أحمد الحيلاتي الجربي، تحقيق محمد قوجة (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1998)، يتألف
الكتاب من ثماني رسائل تستعرض تاريخ جزيرة جربة في الفترة 525 ‑ 1099 ه/ 1134 ‑ 1689 م. 11 محمد أبو راس الجربي، مؤنس الأحبة في أخبار جربة، تحقيق محمد المرزوقي (تونس: المعهد القومي للآثار والفنون، 1960). ساد نقاش حول انتماء محمد أبو راس
إلى جربة من عدمه بين محمد علي الحبيب. انظر: "نبأ الإيوان لأبي راس الناصري المعسكري الجزائري مصدر جديد حول القيروان"، في: مجموعة مؤلفين، معسكر المجتمع
والتاريخ (الجزائر: منشورات مخبر البحوث لاجتماعية والتاريخية -جامعة معسكر، 2014)، ص 49 - 93؛ وانظر: محمد المريمي، "المعرفة التاريخية والدولة لدى مؤرخي
الأطراف في البلاد التونسية خلال العصر الحديث"، أسطور للدراسات التاريخية، العدد 7 (2017.) 12 سعيد بن تعاريت، رسالة في تاريخ جربة وتراجم علماء الجزيرة وذكر أمرائها من بني السمومني وبني الجلود، المكتبة البارونية، حومة السوق، جربة (مخطوط.)
انظر: المريمي.
العلمية13. ونجد في مدينة صفاقس محمود مقديش (1742 - 1813) صاحب نزهة الأنظار14. ونذكر في القيروان محمد عيسى الكناني صاحب كتابتكميل الصلحاء والأعيان15. وفي قفصة المنتصر بن المرابط بن أبي لحية القفصي صاحب كتاب نور الأرماش16. وفي توزر بمنطقة الجريد نجد محمد الشريف الطلقي صاحببيان عشائر توزر17. لم يقع التعريف بهؤلاء المؤرخين من طرف الكتب التاريخية المعاصرة للفترة الحديثة، فبقوا مجهولين على الساحة العلمية والثقافية إلى فترة متأخرة من طرف الإستغرافيا التونسية عمومًا. ولم يقع التعرف إليهم ودراستهم من طرف المؤرخين إلا في الفترة الأخيرة18،
فكيف نفسر هذا النسيان، أو لنقل هذا الإهمال؟ هم مهمشون جغرافيًا - طبعًا من منظور المركز أي العاصمة - وسياسيًا أيضًا. وكأن
هنالك في تلك الفترة شبه تعتيم تام على الكتابة التاريخية التي تُعنى بالدواخل، بخلاف الكتابات التي تخدم المركز السياسي، أي الدولة.
2. مؤرخو المركز
اهتم الصنف الثاني من المؤرخين في كتاباتهم، بالمركز السياسي (أي بالدولة في كل تجلياتها)، وأهملوا كل ما ليس له علاقة مباشرة بخصوصيات النفوذ المركزي. فالحديث عن البلاط، وعن الحروب التي تشنها السلطة ضد القبائل المناوئة لها، وعن الأولياء والعلماء الذين يدورون في فلكها ويقدمون الدعم الأيديولوجي لتحركاتها، ذلك كلّه ألّف محاور اهتمام هذا الصنف من المؤرخين، لذلك نصنف المعرفة التاريخية التي ينتجونها ضمن التاريخ السياسي؛ بما أنها تهتم - في الدرجة الأولى - بموضوعات الدولة. وهؤلاء المؤرخون هم ابن أبي دينار (ت. 1699) صاحب كتاب المؤنس (انتهى من تأليفه سنة 1681 - 1682)19، ومحمد الوزير السراج الأندلسي صاحب الحلل السندسية (انتهى من تأليفه سنة 1730)20، وحسين خوجة صاحب ذيل بشائر أهل الإيمان (انتهى من تأليفه سنة 1730)21، ومحمد سعادة صاحب كتاب قرة العين، (فرغ من تأليفه سنة 1723)22، ومحمد الصغير بن يوسف صاحب المشرع الملكي
(ألّفه خلال السنوات 1760)23، وحمودة بن عبد العزيز صاحب الكتاب الباشي24، والباجي المسعودي (ت. 1880) مؤلِّف الخلاصة النقية، ومحمد بن سلامة صاحب العقد المنضد (ألّفه قبل سنة 1841)، وأحمد بن أبي الضياف صاحب إتحاف أهل الزمان (ألّفه في الفترة 1862 - 1870). هؤلاء المؤرخون جميعًا معروفون لدى النخب السياسية ولدى النخب الحضرية، تحديدًا في مدينة تونس، ومعترف
لهم أيضًا بعلمهم، ولهم علاقة من قريب أو من بعيد بأصحاب السلطة، ما عدا - ربما - محمد الصغير بن يوسف، وهو فلاح مستقر في
13 سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلمية (تونس: سراس للنشر، 2006.) 14 محمود مقديش، نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار، تحقيق علي الزواري ومحمد محفوظ (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1988، وانظر:)
Ahmed Abdesselem, Les historiens tunisiens des XVIIe, XVIIIe et XIXe siècles: Essai d'histoire culturelle (Tunis/ Paris: Klincksieck, 1973), p. 273 ; Sami Bargaoui, "Entre institution et historiographie: articulation de l'identité locale à Sfax vers 1800 ," Insaniyat: Revue algérienne d'anthropologie et de sciences sociales , vol. VII, 1 - 2 , no. 19 - 20 (janvier 2003), pp. 41 - 64.
15 محمد عيسى الكناني، تكميل الصلحاء والأعيان لمعالم الأيمان في أولياء القيروان (تونس: مطبعة الوسط، 1970.) 16 المنتصر بن المرابط بن أبي لحية القفصي، نور الأرماش في مناقب أبي الغيث القشاش، حققه وقدم له حسين بوجرة ولطفي عيسى (تونس: المكتبة العتيقة، 1998.) 17 محمد الشريف الطلقي، بيان عشائر توزر وتاريخ قدومهم إليها، مخطوط في صفحتين وردت نسخة منه في أطروحة الدكتوراه لمنصر الرويسي. انظر:
Moncer Rouissi, "Une oasis du sud tunisien, le Jarîd: essai d'histoire sociale," thèse de 3 ème cycle, Université de Paris, Paris, 1973 , 2 tomes, Cf. T. 1 , p. 44 bis et ter.
18 بالنسبة إلى مؤرخي جزيرة جربة، انظر: محمد المريمي، إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث (تونس: كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، 2005.) 19 ابن أبي دينار محمد الرعيني، المؤنس في أخبار إفريقية وتونس، تحقيق وتعليق محمد شمام، ط 2 (القيروان: المكتبة العتيقة، 1967.) 20 محمد بن محمد الوزير السراج الأندلسي، الحلل السندسية في الأخبار التونسية، تقديم وتحقيق محمد الحبيب الهيلة (بيروت: نشر دار الغرب الإسلامي، 1984.) 21 حسين خوجة، ذيل بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان، تحقيق وتقديم الطاهر المعموري (تونس: الدار العربية للكتاب، 1975.) 22 محمد سعادة، قرة العين بنشر فضايل الملك حسين الممجّد ونجله الأمير ابن الأمير الباي سيّدي محمّد، المكتبة الوطنية بتونس، مخطوط رقم 21730.
23 محمد الصغير بن يوسف، المشرع الملكي في سلطنة أولاد علي تركي، تقديم وتحقيق أحمد الطويلي (تونس: المطبعة العصرية، 1998.) 24 حمودة بن عبد العزيز، الالكتاب الباشي، تحقيق وتقديم محمد ماظور (تونس: د. ن، 1970.)
مدينة باجة في شمال البلاد التونسية، وكثيرًا ما كانت كتبهم مطلوبة من أصحاب السلطة: إذ كان الباي حسين بن علي (1705 - 1735)،
على سبيل المثال، يغدق العطايا على محمد الوزير السراج كلما قدم له جزءًا من تاريخه (الحلل السندسية)25. كما نلاحظ أنّ أحمد
باي (1837 - 1855) يُولي التاريخ أهميةً كبرى، فقد كان هو نفسه وراء كتابة الباجي المسعودي ل الخلاصة النقية في منتصف القرن
التاسع عشر26. وفي الظروف نفسها كُتب العقد المنضد من طرف محمد بن سلامة27. لكن هذا لا يعني أن هؤلاء المؤرخين كانوا مرتزقة لأصحاب السلطة، فاهتمامهم بالسلطة المركزية ودفاعهم عن سياساتها هو أمر تلقائي بالنسبة إليهم28، إذ يندرج الدفاع عن الدولة وعن المركزة السياسية في المشروع المجتمعي الذي انخرطوا فيه، كما كانت تفعل ذلك، تقريبًا، أطياف المجتمع الحضري جميعها، في
مدينة تونس على الأقل، فقد كانت الظروف لاجتماعية والسياسية والثقافية مناسبة للإقبال على المعرفة التاريخية ولتشجيع المعتنين بها.
ثانيًا: الر شوط الاجتمعية والسياسية والثقافية لظهور شخصية المؤرخ
كان الوسط لاجتماعي والسياسي والثقافي وراء ظهور المؤرخ كرجل علم ومعرفة مفضّل خلال الفترة العثمانية؛ بوصفه يبني معرفة ذات معنى بالنسبة إلى النخبة السياسية والمجتمع الحضري عمومًا في ذلك الوقت، ولا شك في أن التحولات التي عرفتها البلاد التونسية،
غداة انتصاب الأتراك سنة 1574، كانت أساسية في إعادة بناء الهيكلة السياسية والحياة الثقافية عمومًا. تمثلت أولى الإرهاصات السياسية في الهاجس العارم لإعادة بناء المركزة السياسية بعد أن تفككت على أيدي الحفصيين خلال القرن السادس عشر. وكانت مسألة تحييز المجال والعباد من الضروريات الأكيدة لبناء سيادة الدولة الناشئة. ويشترك في إنجاز هذا المشروع السياسي الحكام الجدد من الأتراك والمجتمعات الحضرية على حد سواء. وكانت المدن تعاضد الجهد العسكري التركي عن طريق أعيانها والفئات المتعلمة فيها، فأمّنت هذه الفئات الجهاز البيروقراطي للدولة الناشئة. وأمّنت لها كذلك - عن طريق علمائها - الدعم
الأيديولوجي ببناء معارف مساندة، فنشطت الحياة الثقافية عمومًا، بعد أن كانت في بداية القرن السابع عشر في حالة متردية29. وفي
خضم هذه التحولات السياسية والثقافية تبرز الحاجة إلى علم التاريخ. ولم يكن هذا العلم مطلب الحكام فحسب، بل كان أيضًا مطلبًا
مجتمعيًا. إذ أصبحت المعرفة التاريخية إحدى المكونات الأساسية لثقافة المجتمع المديني في ذلك الوقت.
1 ي. سياق ثقاف جديد واهتمم بعلم التاريخ
كانت الظروف مواتية في تلك الفترة (خاصة خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر) للإقدام على طلب المعرفة التاريخية ومعارف أخرى30، وهو ما له علاقة بالحراك الجديد الذي عرفته حركة التعليم خصوصًا في الأوساط لاجتماعية الوسطى. وكان أغلب البايات
25 Abdesselem, p. 17. 26 Ibid. 27 Ibid., p. 18.
28 فاطمة بن سليمان، "الكتابة التاريخية في القرن التاسع عشر في تونس أو كيف يشرّع التاريخ لدولة الإصلاح"، أسطور للدراسات التاريخية، العدد 7 (2017.)
29 يذكر حسين خوجة في هذا الصدد متحدثًا عن بداية القرن السابع عشر أن "تونس إذ ذاك خاوية من العلم"، انظر: خوجة، ص 167؛ وانظر:
Abdesselem, p. 40 ; M. H. Chérif, "Hommes de religion et pouvoir dans la Tunisie de l'époque moderne," Annales, E. S. C. , no. 3 - 4 (mai-août 1980), p. 580.
30 أبرزتها المؤرخة المصرية نللي حنا الظاهرة نفسها بالنسبة إلى الفئات الوسطى في مصر العثمانية خلال الفترة نفسها. انظر: نللي حنا، ثقافة الطبقة الوسطى في مصر العثمانية ق (16 م - 18 م)، ترجمة رؤوف عباس (القاهرة: الدار المصرية-اللبنانية، 2003)، ص 98 وما بعدها.
المراديين، ثم الحسينيين من بعدهم، يعملون على تحسين صورتهم لدى الأهالي، بإبراز أنفسهم كداعمين ومشجعين للعلم والتعلّم. فأنشؤوا المدارس في العاصمة وفي المدن الداخلية31، وأصبح موضوع التعليم يستقطب اهتمام الناس في ذلك الوقت32. وكان مرد اهتمام النخبة السياسية بالتعليم هو حاجتها المتزايدة إلى أعوانٍ في الجهاز البيروقراطي الذي انطلق تأسيسه في الإدارة المركزية بقصر باردو على يد المراديين خلال القرن السابع عشر. وبالتوازي مع ذلك، عرفت هذه الفترة رواجًا للثقافة الكتابية بالنظر إلى علاقة وطيدة بسعر الورق المنخفض، مقارنة بما كان عليه في الفترات السابقة للقرن السابع عشر، فانتشرت حركة النسخ مع تزايد عدد المتعلمين. وتُمكِّنُنا كشوفات قسم المخطوطات في المكتبة الوطنية بتونس من معاينة نسق حركة النسخ في تلك الفترة، وكذلك التعرّف إلى أنواع الكتب وأعدادها التي تستقطب اهتمام الناس. واللافت للنظر أن الكتب ذات الطابع الديني والفقهي ليست وحدها هي التي تستقطب اهتمام القراء، بل نجد موضوعات جديدة يمكن أن ننعتها إجمالً بالعلمانية؛ لأنها تُعنى أساسًا بالوضع العام33. ومن بينها نجد – على نحو خاص - الكتب التاريخية.
2. اقتناء الكتب التاريخية والتفاعل معها
حققت المعرفة التاريخية تقدمًا في مج لات عدة، من خلال العلاقة باتساع رقعة المهتمين بعلم التاريخ، من ذلك؛ جمع الكتب التاريخية بأنواعها المختلفة من طرف أصحاب المال والجاه خصوصًا. كما نلمس نوعًا من المنافسة في اقتناء الكتب ونسخها34، ونجد في الوثائق الأرشيفية عددًا من الكشوفات لمحتويات بعض المكتبات الخاصة35. فهي تكشف عن أصناف العلوم وطبيعة المعارف الرائجة في تلك الفترة. وتكشف - خصوصًا - عن وضع كتب التاريخ في هذه المكتبات، وتوضح مسار بروز علم التاريخ في سياق الحركة المعرفية التي اهتمّت بها النخب السياسية وفئة المتعلمين في هذه الفترة. من ذلك نلاحظ أن كشوفات المكتبات تدرج كتب التاريخ ضمن خزانات "الأدب"36. وقد كان مصطلح "الأدب" - في الواقع - يتضمن إلى حدود منتصف القرن التاسع عشر، معارف عدّة، من ضمنها التاريخ37 على خلاف "العلوم" ذات المنحى الديني. والعلاقة بين الأدب والتاريخ حوارية منذ الفترة الإسلامية الكلاسيكية38. وفي فرنسا، كان التاريخ والفلسفة متلازمين في مجالي الكتابة والتدريس إلى حدود منتصف القرن التاسع عشر39.
31 الماجري، ص 14 - 30. 32 يمكن أن نسوق في هذا الصدد مثالً، من خلال مؤلَّف أحمد برناز (1663 - 1726) في بداية القرن الثامن عشر. تضمّن المخطوط معطيات مهمة جدًا حول القضايا
العلمية والتعليمية، وهو ذو صبغة بيداغوجية واضحة. انظر: أحمد بن مصطفى برناز، إعلام الأعيان بتخفيفات الشرع عن العبيد والصبيان، دارالكتب الوطنية بتونس،
مخطوط رقم 6242. انظر: الماجري، ص 9. وهي بصدد تحقيق المخطوط قصد نشره. 33 يتبين ذلك بوضوح من خلال العمل الذي أنجزته الباحثة سماح بوزراعة. انظر: سماح بوزراعة، "الإنتاج الفكري بتونس العثمانية (كتب الفقه، وفقه الفرائض، وعلم
الكلام، والتوحيد، وعلم الفلك والميقات، وعلم القراءات)"، أطروحة دكتوراه، كلية العلوم الإنسانية و لاجتماعية، جامعة تونس، 2017، ص 371 - 412.
34 Lucette Valensi, Mardochée Naggiar, Enquête sur un inconnu (Paris: Stok, 2008), p. 283.
35 نذكر على سبيل المثال كشفًا لمكتبة الوزير حسين خوجة في دفتر يعود تاريخ تدوينه إلى سنة 1840:. انظر الأرشيف الوطني التونسي، السلسلة التاريخية، الصندوق 3،
الملف 35، الوثيقة رقم 1، 1256 ه/ 1840 - 1841 م. وانظر: الماجري، ص 141. 36 المرجع نفسه.
37 قسم ابن أبي دينار "علم الأدب" في مؤلَّفه هداية المتعلمإلى أربعة عشر علمًا: "علم لاشتقاق، والقوافي، والخطب، والصرف، والمعاني، والبديع، والبيان، واللغة، والشعر،
والعروض، والإنشاء، والقراءة، والمحاضرة، ومنها التاريخ والنحو". انظر: ابن أبي دينار محمد الرعيني، هداية المتعلم في آداب التعلم، المكتبة الوطنية بتونس، مخطوط رقم
16219، الورقتان 2 و 3.
38 وهو ما يبرزه الباحث أحمد بوحسين في مؤلَّفه: العرب وتاريخ الأدب: نموذج "كتاب الأغاني" (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2003)، ذكره وقدم له عبد الأحد السبتي
في: الماضي المتعدد: قراءات ومحاورات تاريخية (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2016)، ص 157.
39 Hartog; Noiriel; Delacroix et al.
ومهما يكن من أمر، فإن الساحة الثقافية خلال العهد العثماني تكشف عن وجود تفاعل مع الكتابات التاريخية بالقراءة أحيانًا وبالنقد و"التذييل" أو "التكميل" أحيانًا أخرى؛ فكان "التذييل" مع حسين خوجة عندما ذيّل لكتاببشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان40.
أما "التكميل"، فكان مع محمد الصغير بن يوسف الذي كمّل تاريخ عبد الرحمن بن خلدون41، وكان تاريخ ابن خلدون محط اهتمام
عدد كبير من القراء الذين ينتمون إلى النخب السياسية42، وكذلك الفئة الوسطى من المتعلمين عمومًا.
3 ي. إعادة اكتشاف تاريخ ابن خلدون وتأثيره ف المعرفة التاريخية
بما أن الكتابة التاريخية في تلك الفترة كانت تندرج في صلب الآداب السلطانية، فقد شكّل تاريخ ابن خلدون منذ بداية القرن الثامن عشر مدرسة يُحتذى بها في هذا المجال، وأصبحت ال مقدمة موضع اهتمام المتعلمين والسياسيين على حد سواء، وصار يُدفع
النفيس من أجل الحصول على نسخة من تاريخ ابن خلدون، وإن لزم الأمر تُستجلب من الأقاصي البعيدة43. ورأينا آنفًا كيف أن
محمد الصغير بن يوسف، الذي هو ليس ب "العالم" (بالمعنى المتعارف عليه في ذلك الوقت)، يؤلف التكميل، مواصلً فيه تاريخ ابن خلدون. وحمودة بن عبد العزيز، الوزير الكاتب، يوظف في تأليفه (الكتاب الباشي) أفكار ابن خلدون بشيء من لاستقلالية الفكرية،
فيتجاوز مثلًالنظرة الحلقية للزمن عند ابن خلدون، وذلك قصد إبراز "أفكاره التقدمية"44، وخصوصًا تثمين الزمن الحاضر45، وهو
زمن حكم مخدومه، ويتواصل لاهتمام بتاريخ ابن خلدون خلال القرن التاسع عشر؛ فيؤسس ابن أبي الضياف، نظريته الإصلاحية معتمدًا على الأفكار الواردة في مقدمة ابن خلدون، مستخدمًا مصطلحاته بعد إعادة استنباطها46. ومن الواضح أن قراءة تاريخ ابن
خلدون و لاستفادة منه لم تقتصر على عملية نقلٍ فحسب، بل هي تتعدى ذلك. وفي مثل هذا الحراك الثقافي نفهم كيفية بروز محمد الصغير بن يوسف صاحب كتاب المشرع الملكي في المجال الثقافي خلال القرن الثامن عشر، وهو فلاح بباجة مولع بعلم التاريخ وبجمع الكتب التاريخية في مكتبته. وعندما نلقي نظرة على أسلوبه في الكتابة نلاحظ أنه يكتب بلغة بسيطة جدًا، أقرب إلى العامية؛ لعلها
موجهة أساسًا إلى عامة الناس. كما يبدو أنه تاريخ كُتب ليُوى في السهرات الليلية من طرف "حكواتي"، أو ما كان يعرف في البلاد
التونسية آنذاك ب "الفداوي". ولعل هذا دليل على أن المعرفة التاريخية أصبحت تستقطب عامة الناس في المدن. ويمكن القول: إن المعرفة التاريخية أصبحت بمنزلة "موضة" الوقت، وإن المؤرخ أصبح من أبرز شخصيات المعرفة التي تصنع "المعنى". فهو "المثقف" العضوي قبل ظهور هذا التعبير.
40 إن كتاب بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمانهو في الأصل ترجمة لكتاب المولى مصلح الدين لاري أفندي. أضاف حسين خوجة إلى هذا الكتاب بابًا أخيرًا أطلق
عليه "ذيل البشائر"، تناول فيه تاريخ إفريقية من قدوم الأتراك العثمانيين إلى تونس سنة 1574 إلى عهد حسين بن علي، وخصص لحسين بن علي فصلً بعنوان "فصل في
ذكر الأمير الأعظم والباي الأكرم أبي الخيرات المولى حسين بن علي دامت معاليه وحسنت أيامه ولياليه." 41 محمد الصغير بن يوسف، التكميل المشفي للغليل على كتاب العبر لعبد الرحمن بن خلدون، المكتبة الوطنية بتونس، مخطوط رقم 5264. 42 ويذكر أحمد بن أبي الضياف أن حمودة باشا باي كان مولعًا ب مقدمة ابن خلدون. انظر: ابن أبي الضياف، ج 3، ص 12.
43 نعرف أنّ علي باشا (1735 - 1756) بعث إلى المغرب الأقصى لاستقدام نسخة من تاريخ ابن خلدون:، انظر
Mohammed Seghir Ben Youssef, Mechra El-Melki: Chronique tunisienne (1705 - 1771), (ou Târîkh al-Mashra' al-Mulkî fî Saltanati 'Awlâd 'Alî at-Turkî) , V. Serres & Med Lasram (trad.), 2 ème ed. (Tunis: Bouslama, 1978), p. 235.
44 محمد الهادي الشريف، "حمودة بن عبد العزيز وأفكاره التقدمية"، المجلة التاريخية المغاربية، العدد 57 - 58 (1990)، ص 211 - 219. 45 يمثل تثمين الزمن الحاضر (وما يقابله من تحقير للزمن الماضي) أحد المظاهر الأساسية للحداثة. ويمكن أن نعدّ حمودة بن عبد العزيز أول من أسس لهذه النظرة
الجديدة إلى الزمن. وسينسج على منواله المؤرخون اللاحقون خلال القرن التاسع عشر، مثل أحمد بن أبي الضياف صاحب الإتحاف، ومحمد بن سلامة صاحب العقد
المنضد، وغيرهم. انظر في هذا الصدد: عبد الحميد هنية، "حول التحقيب التاريخي"، أسطور للدراسات التاريخية (2016)، ص 224 - 227 انظر:.
Abdelhamid Henia, "Les catégories temporelles de l'historiographie tunisienne à l'époque moderne," in: Fatma Ben Slimane & Hichem Abdessamad (coord.), La périodisation dans l'écriture de l'histoire du Maghreb , DIRASET, Actes de deux tables rondes, 27 - 28 / 5 / 2005 (Marrakech), 21 - 23 / 11 / 2005 (Tunis) (Tunis: Editions Arabesques, 2010), pp. 64 - 84. 46 Béchir Tlili, "Note sur la notion d'Etat dans la pensée de Ahmad Ibn Abi Ad-Dhiyaf, réformateur tunisien du XIXe siècle (1804 / 5 - 1874)," Revue de l'Occident musulman et de la Méditerranée , no. 8 (1970), pp. 141 - 170.
عشر بوظيفته الأصلية: ӵ ӵ فهو " القاضي" و" الفقيه" بالنسبة إلى ابن أبي دينار47. ӵ ӵ وهو " الكاتب" بالنسبة إلى الوزير السرّاج الأندلسي. ӵ ӵ وهو " الخوجة" بالنسبة إلى حسين خوجة. وهو "الوزير الكاتب" بالنسبة إلى حمودة بن عبد العزيز. وهو "وزير القلم" بالنسبة إلى أحمد بن أبي الضياف... إلخ.
ما سنتناوله في نقطة لاحقة من هذا البحث.
4. بناء الدولة والمجال: مشروع مجتمعي
47 ينعت ابن أبي دينار من طرف معاصره محمد سعادة ب "أديب زمانه". انظر: سعادة، الورقة 6، الوجه "ب."
49 انظر: ابن أبي دينار، هداية المتعلم. والسابع عشر.
هكذا، إذًا، تشكّل القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر فترة بروز شخصية المؤرخ على الساحة الثقافية في البلاد التونسية. وهي تمثل، أيضًا، العصر الذهبي لهذه الشخصية. فلا غرابة أن يجري خلالها إعادة اكتشاف ابن خلدون وتاريخه الذي بقي مجهول في تونس إلى بداية القرن الثامن عشر. ومع ذلك لم يبرز بعد "المؤرخ" الذي يُعرَّف باختصاصه. فهو يُنعَت إلى حد منتصف القرن التاسع
وعلى الرغم من ذلك، حظي من يتعاطى الكتابة التاريخية بمكانة كبيرة لدى الحضر: فهو بالنسبة إليهم يُنتج المعنى. فمنحوه
وضعًا متميّزًا، وأصبح المؤرخ تدريجيًا شخصية محورية على الساحة الثقافية والسياسية. بحيث يستطيع الفرد أن يحظى في تلك الفترة
بمكانة مرموقة لدى الحكام والمجتمع المديني بواسطة "علم التاريخ"48، فلم تبرز شخصية ابن أبي دينار مثلً خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر بعلم الفقه ولا بمهنة القضاء، ولا بتعاطي الشعر، إذ كان ابن أبي دينار ينظم الشعر لمدح البايات المراديين حينما يتردد على بلاطهم بقصر باردو، ولم تبرز شخصية ابن أبي دينار أيضًا بتأليف كتاب في موضوع "آداب التعلُّم"49، وإنما برزت واشتهرت بعلم التاريخ، والملاحظة نفسها نسوقها أيضًا بالنسبة إلى المؤرخين الذين انتصبوا "كتّابًا" بالإدارة المركزية في قصر باردو خلال القرنين الثامن
عشر والتاسع عشر. فلم يبرزوا على الساحة بالعمل الإداري وتسلق سلم الجهاز البيروقراطي، وإنما بالإقدام على كتابة التاريخ. ومع ذلك لم تتحقق مهننة المؤرخ إلا عندما حصلت مأسسة تعليم التاريخ في المؤسسات التعليمية المستحدثة خلال القرن التاسع عشر. لكن أساس
هذا التحول هو ما حصل من تراكم لتجارب مستحدثة أَثْرَت المعرفة التاريخية في البلاد التونسية خلال الفترة المعنية بالدراسة. وهو
من أبرز مميزات الدولة بالمعنى الحديث للكلمة، المركزة السياسية واستعمال التقنيات الإدارية والسياسية والعسكرية الجديدة. ويواكب ذلك نتاج فكري يثمن المركزة السياسية، جاعلً منها القيمة السياسية الأولى50. وكانت كتب التاريخ المعاصرة للفترة الحديثة في البلاد التونسية تنحو لاتجاه نفسه. ومن بينها نذكر كتاب المؤنس لابن أبي دينار الذي تضمن في ثناياه نظرة إلى الكون تعكس تصورات سياسية واضحة من مهمّاتها العمل على ترسيخ فكرة مركزة النفوذ وتدعيم احتكاره من طرف فئة اجتماعية وسياسية معيّنة. وعمومًا
خدم العلماء الدولة، ونخص بالذكر منهم من كتب في تاريخ الدولة ودعم مؤسساتها، ومَكّنوها أيضًا من جهاز بيروقراطي أمّن تمفصل
48 ظهرت عبارة "علم التاريخ" على نحو متواتر خلال القرن الثامن عشر، خصوصًا في كتاب المشرع الملكي، للصغيّ بن يوسف. لكن استعمالها يصبح أكثر تواترًا خلال
القرن التاسع عشر. فتبرز جليًّا في كتاب خير الدين التونسي. انظر كتابه: أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، ج 1، ص 179؛ وانظر أيضًا: ابن أبي الضياف، ج 1، ص 2 - 3. 50 وأبلغ مثال على ذلك - بالنسبة إلى البلاد الأوروبية - كتاب ماكيافيل، الأمير، في بداية القرن السادس عشر، وكتابات أخرى ظهرت لاحقًا خلال القرنين السادس عشر
هياكلها مع مجمل أجزاء التركيبة لاجتماعية والسياسية. ومن جهة أخرى، عززت النخب العالمة جانب الدولة بمعارف تقنية ضرورية شتّى (مثل الإحصاءات للتعرّف إلى القدرة الدفوعية للأفراد والجماعات، وغيرها) لتمكينها من تحييز العباد والتراب51.
وكان الكُتّاب في الإدارة المركزية في قصر باردو هم الذين يتعهدون هذه المعارف، وتصدَّر عدد منهم - أيضًا - مهمة الكتابة التاريخية،
على غرار محمد الوزير السراج، وحسين خوجة، وكلاهما من كُتّاب قصر باردو في عهد الباي حسين بن علي، وحمودة بن عبد العزيز
صاحبالكتاب الباشيوهو "وزير القلم" و"رئيس الكتبة" في عهد علي باي (1759 - 1782)، وابن أبي الضياف صاحب كتاب ال إتحاف، وهو "الوزير الكاتب" الذي رافق أحمد باي في إحداثاته الإصلاحية. وبذلك يكون العمل على بناء الدولة بمنزلة القاسم المشترك بين أعضاء الفئة العالمة كلّها، كلّ من موقعه، وكان المتطوعون لكتابة تاريخ الدولة يقومون بالدور الأساس في هذا المجال. وفي المقابل، كانت الدولة ومؤسساتها تخدم بدورها هذه الفئة العالمة. بدأت هياكل الدولة في البلاد التونسية في شكلها البيروقراطي تتركز منذ العهد الحفصي (القرون 13 - 15 م). وكشفت الكتابات التاريخية التي تركها ابن خلدون52 والرصاع53 وابن الشماع54 والزركشي55 عن المراحل الأولى التي قطعتها الدولة في هذا المجال. أما الكتابات اللاحقة التي ظهرت بداية من القرن السابع عشر، فهي تكشف عن الأوضاع الجديدة التي مرت بها الدولة في الفترة العثمانية مقارنة بالفترة الحفصية، فأصبح الهاجس المجالي طاغيًا لدى الحكام الأتراك56، مع العلم أنه لا وجود، لدى الحكّام الحفصيين،
لما يُسمّى "هاجس المجالية"، فلم يتعاملوا مع مفهوم الحدود الفاصلة والواضحة، بل إنّ كل ما نجده آنذاك هو ظاهرة "التخوم"
والمناطق الطبيعية التي لا تشكّل حدودًا في ذاتها، وتُحدَّدُ هذه التخوم بالجموع التي تأمها وتحتلها، وقد تتحرك هذه التخوم بتنقل هذه
الجموع؛ لذا نقول إنّ السلطة الحفصية لا تحيّز ترابًا ولا تحكم أفرادًا، وإنما جمعًا من الجموع المتموجة والمتحركة أحيانًا. فإفريقية هي
مجال السلطة الحفصية، لكنها ليست رقعة جغرافية ثابتة في ذلك التاريخ. إنها تتقلص وتتوسع بحسب خريطة العلاقات التبعية المتبادلة والولائية وبحسب علاقات لاستزلام clientélisme المتصلة بالمركز. وقد وقع تجاوز ذلك كلّه بصفة تدريجية في العهد الحديث، فجاءت الكتابات التاريخية مواكبة لهذه التحولات ومترجمة لها من خلال بناء معرفة من شأنها أن تكرس الديناميكية التي آلت إليها الأمور على مستوى البناء السياسي وتضفي عليها كذلك شرعية.
ركز مؤرخو الفترة الحديثة كتاباتهم في الحديث عن المؤسسات السياسية، ومن ثمّ لم تأت هذه الكتابات إلّ من أجل الإعلام
بالجوانب السياسية؛ كالبلاط والحاشية والمؤسسات والنخب (المدينية) التي تحيط بالمركز السياسي، وفي ذلك دلالة على الهاجس القوي لدى النخب السياسية والعالمة الحضرية لبناء الدولة المجالية. ومن ثمّ نفهم أهمية الدور الذي كان يؤمنه هؤلاء المؤرخون لدى
السلطة المركزية، وكذلك الحظوة التي يلقونها من لدن النخبة السياسية والنخب الحضرية. فإذا كان المراديون (1628 - 1702) ومن بعدهم الحسينيون، بداية من سنة 1705، يبنون الدولة المجالية بالسيف كما يقال، فإن هؤلاء المؤرخين يبنونها بالقلم. فكل كتاباتهم اشتغلت تباعًا بمشروع واحد مسترسل ألا وهو بناء ذاكرة الدولة: ذاكرة مجالها الترابي "إفريقية"، وذاكرة مؤسسة الباي، وذاكرة العائلات
51 Abdelhamid Henia, "Techniques fiscales et pratiques des scribes (kâtib) pour une maîtrise du territoire en Tunisie aux XVIIIe et XIXe siècles," in: Hassan Elboudrari & Daniel Nordman (dir.), Les savoirs de l'administration. Histoire et société au Maghreb du XVIe au XXe siècle (Casablanca: Edition Fondation du Roi Abdul-Aziz, 2015), pp. 75 - 97.
52 عبد الرحمن بن خلدون، تاريخ ابن خلدون: العبروديوان المبتدأ والخبرفي أيامالعربوالعجم والبربر ومن عاصرهممن ذوي السلطانالأكبر (الرياض:
دار الأفكار الدولية، د.ت.). 53 محمد الأنصاري الرصاع، فهرست الرصاع، تحقيق محمد العنابي (تونس: المكتبة العتيقة، 1967.) 54 أحمد بن الشماع، الأدلة البينة النورانية في مفاخر الدولة الحفصية، تحقيق وتقديم الطاهر بن محمد المعموري (تونس: الدار العربية للكتاب، 1984.) 55 محمد بن إبراهيم الزركشي، تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية (تونس: نشر المكتبة العتيقة، 1966.) 56 فاطمة بن سليمان، الأرض والهوية: نشوء الدولة الترابية في تونس، 1574 - 1881 (تونس: كلية العلوم الإنسانية و لاجتماعية، 2009)، ص 110 وما بعدها.
الحاكمة (المرادية أولً ثم الحسينية)... إلخ57. بحيث يمكن القول: إن الإستغرافيا في البلاد التونسية خلال الفترة الحديثة تطورت في محاور اهتمامها ومواضيعها من خلال علاقة وطيدة بصيرورة بناء ذاكرات الدولة خلال العهد الحديث. يمكن، إذًا، أن نتحسس مسار هذه الديناميكية والمعرفة التاريخية التي صيغت لتدعيمها من خلال تحقيق يقوم على مدخلين
أساسييَن: يُعنى الأول بالكشف عن الجهاز المفاهيمي الذي ص يغ تدريجيًا حول البناء السياسي في مختلف مراحله. ويخص الثاني بناء
ذاكرة لمجال الدولة الترابية الناشئة، بداية من القرن السابع عشر، وكذلك ذاكرات لمؤسساتها السياسية (مثل الباي والحكم العائلي.)
ثالثًا: المؤرخ يبني الجهاز المفاهيمي للدولة
كان المؤرخون خلال الفترة المعنية بالدراسة (أمثال ابن أبي دينار ومحمد الصغير بن يوسف ومن جاء بعدهما) يبنون الدولة، على نحو ما ذكرنا سابقًا، بأقلامهم في كلّ تجلياتها، تمامًا مثلما كان يبنيها البايات المراديون، ثم من بعدهم الحسينيون، بأدوات سياسية
وعسكرية. ويُعدّ ابن أبي دينار مؤسس هذا لاتجاه الإستغرافي، بحيث إنه يمكن القول إنّ كل المؤرخين الذين جاؤوا من بعده قد اقتفوا
أثره في لاتجاه نفسه. فقد كان المؤرخ يقوم بدوره مثل عالِم موالٍ للسلطة المركزية، مسخرًا طاقاته كلّها لخدمتها. فهو بذلك يقدم
الدعم الأيديولوجي الذي تحتاج إليه الفئة الحاكمة آنذاك لتبرير سياستها الهادفة إلى إخضاع دواخل البلاد التي كانت إلى حد ذلك التاريخ تحت سيطرة القبائل المحاربة، فكان يبرر السياسة القمعية التي اتبعها المراديون ضد القبائل ويجعل منها أمرًا عاديًا، ويقلّل من
حدّة شناعتها، إضافة إلى أنه يقدم هذه الحملة القمعية على أنها "جهاد" في سبيل الله، فيُبَي ابن أبي دينار أن الوريث الشرعي للدولةِ
الحفصية (ذلك العهد الذي يرمز إليه بإبراز شخصية السلطان أبي عمرو عثمان المتوفى سنة 1488) هو الحكم المرادي، وهو أسلوبه الخاص للدفاع عن المشروع السياسي الرامي إلى تدعيم مركزة النفوذ وتحييز مجال الدولة وسيادتها. بذلك يبتدع ابن أبي دينار شكل جديدًا في صياغة معرفة تاريخية تخدم المشروع السياسي للمجتمع المديني، أي بناء الدولة ذات مركزة سياسية عالية تحيّز في الوقت ذاته
التراب والعباد. فهو ليس بالتاريخ الذي يمكن أن ينعت بالرسمي؛ لأنه لم يُكتب عمومًا تحت طلب جهة سياسية معينة. وإنما نتيجة
انخراط المؤرخ في المشروع المجتمعي، المتمثل في بناء مركزة سياسية عتيدة تخدم مصلحة المجتمع المديني في الدرجة الأولى، وكذلك نتيجة انبهاره ب لانتصارات التي كان قد حققها الحكم المرادي خلال القرن السابع عشر، خصوصًا في حربه لإخضاع القبائل العاصية. نفهم،
إذًا، أهمية الدور الذي كان يؤمنه المؤرخون للسلطة المركزية. ونفهم أيضًا الحظوة الكبرى التي يجدها المؤرخ من لدن أصحاب السلطة و لامتيازات التي يحصل عليها، ولكنه يجد أيضًا حظوة من لدن المجتمع المديني. ويمكن القول: إن ظهور شخصية المؤرخ لا أساس لها خارج نطاق الدولة الصاعدة، إذ تبلورت بعلاقة متينة مع الدولة، أي في ظل الدولة، بحيث يمكن القول أيضًا إن المعرفة التاريخية اقترنت بالتطور الذي عرفته الدولة ومؤسساتها في العهد الحديث، ولهذا السبب كانت هذه الكتابات التاريخية تتضمن في طياتها جهدًا تنظيريًا
بالغ الأهمية، تجسّم أساسًا في تلك لاستنباطات التي خصّت الجهاز المفاهيمي والتصنيفات المعرفية التي من شأنها تعزيز بناء الدولة
في ذلك الوقت، وهي تشي بنظرة أصحابها إلى المشروع المجتمعي الذين ينشدون تدعيمه. ويبقى أساس كلّ ذلك، انبهار هؤلاء المؤرخين بما يحدث حولهم من تحولات سياسية جديدة، إلى حد أنهم - على الأقل في غالبيتهم - لم يوجهوا نظرهم إلى غير هذا الموضوع، بحيث يمكن القول: إن التاريخ أصبح في تلك الفترة بمنزلة العلم الذي يخدم الدولة بدرجة أساسية. فهو علم الدولة بامتياز.
57 Abdelhamid Henia, "Historiographie moderne en Tunisie et mémoire de l'Etat (XVIIe-XIXe siècles)," in: Abdelhamid Henia & Abderrahmane Elmoudden & Abderrahim Benhadda (coord.), Ecritures de l'histoire du Maghreb: identité, mémoire et historiographie , Actes de deux tables rondes organisées à Marrakech le 27 - 28 / 5 / 2004 et à Tunis le 1 - 3 / 10 / 2004 , Série colloques et séminaires, no. 138 (Rabat: la Faculté des Lettres et des Sciences Humaines, 2007), pp. 59 - 80.
على الرغم من لاختلافات والفوارق التي نجدها بين مؤرخي الفترة العثمانية، فإنهم ركزوا اهتمامهم في مواضيع مشتركة: بناء ذاكرة الدولة ومجالها، وذاكرة مؤسسة الباي قصد تدعيم نفوذها على حساب المؤسسات التركية الأخرى المنافسة، ثم ذاكرة الحكم العائلي، وركزوا اهتمامهم أيضًا في التعريف بأعوان الدولة من كتاب وعلماء58، وعرّفوا أيضًا بمنشآتها اللوجستية والتعليمية. نستنتج الجهاز المفاهيمي المبتكر في الكتابات التاريخية خلال الفترة الحديثة؛ انطلاقًا من التصنيفات السياسية المختلفة التي كان يعتمدها المؤرخون آنذاك على نحو متداول للتعبير عن البناء السياسي المركزي المتجدد باطّراد. ونذكر من بين هذه التصنيفات: "المخزن"، و"السلطنة"، و"البايليك"، و"الدولة". فما هي دلالة هذه التصنيفات السياسية أولً؟ وما هي، كذلك، دلالة تداولها في القاموس السياسي التونسي خلال الفترة العثمانية؟
1. "المخزن"
نجد، أولً، تصنيفًا سياسيًا قديمًا - نسبيًا - يرجع إلى العهد الحفصي (1228 - 1574). وقد برزت ظاهرة "المخرن" للمرّة الأولى، على نحو
جليّ، في العهد الموحدي (1121 - 1269)59، إذ جرى اعتماد الكلمة من طرف الفاعلين في تلك الفترة، كاستعارة للتعبير عن مركزة المداخيل الجبائية واحتكارها، ومن خلال ذلك كان تأكيد استقرار البناء السياسي ومركزته، وهي كلمة مستحدثة تقطع مع العبارات السياسية السائدة إلى حد هذا التاريخ60. وأغلب الظن أنها معتمدة أساسًا في القاموس السياسي إلى ذلك الوقت، وربما لهذا السبب بقي استعمالها محصورًا
في مجال اللغة العربية الدارجة61. وواصل ابن أبي دينار صاحب المؤنساستعمال كلمة "المخزن" للتعبير عن البناء السياسي القائم في تونس مع الحضور العثماني إلى حدود القرن السابع عشر. وفي واقع الأمر، جرى تبنّي كلمة "المخزن" من طرف الهيئة التركية الحاكمة منذ السنوات
الأولى من انتصابها في مدينة تونس62، ثم تكشف الكتابات التاريخية عن تطور في مؤسسات المركز السياسي بدايةً من القرن الثامن عشر، فلم تعد كلمة "المخرن" مناسبة للواقع السياسي الجديد الذي تجاوزها. ويبدأ المؤرخون والفاعلون السياسيون خلال القرن الثامن عشر بتحسس إمكان استعمال مفهوم جديد يعبّ بدقة عن الواقع السياسي المستحدث. فتمّت تجربة كلمتين: " السلطنة "، و " البايليك."
58 انظر على سبيل المثال: ابن أبي الضياف، ج 7 و 8. 59 ظهرت الكلمة في المغرب الأقصى مع الموحدين، وانتشرت بعد ذلك في البلاد المغاربية كاملة. وبحسب عبد الله العروي "كانت الكلمة تطلق [...] على هيئة إدارية،
وتراتيب اجتماعية وعلى سلوك ومراسم، أو بعبارة جامعة، كان المخزن سيفًا وقلمًا". انظر: عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب، ج 2 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،
1992)، ص 208 - 209. 60 يكتب المؤرخ محمد القبلي حول كلمة "المخزن" التي يقترن ظهورها زمنيًا بحسب قوله بظهور "مجال المغرب الأقصى": "لقد أصبحت هذه التسمية بمعناها التقني
الخاص أمرًا راسخًا على مستوى الكتابة ابتداء من مطلع القرن الثالث عشر للميلاد. أما على مستوى المشافهة، فمما لا شك فيه أنها قد ظهرت بنفس المعنى قبل بداية هذا
القرن بطبيعة الحال. وإذا كان لهذا التقارب من معنى معقول، فالظاهر أنه قد يدل على أن هنالك ارتباطًا وثيقًا بين توحيد مجال المغرب الأقصى وتبلور الصيغة المركزية
للحكم، أي في النهاية بين قيام الدولة الممركزة للمجال وبروز هوية المجال نفسه". انظر: محمد القبلي، الدولة والولاية والمجال في المغرب الوسيط: علائق وتفاعل (الدار
البيضاء: دار توبقال للنشر، 1997)، ص 75؛ وانظر أيضًا للمؤرخ نفسه:
Mohamed Kably, "A propos du makhzen des origines: cheminement fondateur et contour cérémonial," Maghreb review: Majallat al- Maghrib , vol. 30 , no. 1 (2005), pp. 2 - 23.
وقد تناولت دراسات عديدة في المغرب الأقصى ظاهرة "المخزن"؛ نذكر آخر ما صدر منها كتاب محمد جادور، مؤسسة المخزن في تاريخ المغرب (الدار البيضاء: سلسلة أبحاث
لمؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، 2011.) 61 نلاحظ أن ابن خلدون لم يستعمل في تاريخه كلمة "المخزن"، وخيَّ أن يستنبط مفهومًا جديدًا للتعبير عن هذا البناء السياسي الجديد الذي ظهر للعيان بصورة جلية
خصوصًا مع الموحدين، وهو مفهوم "الدولة" (المعرّفة). وهو - في تقديري - أول من نظَّر لظاهرة "الدولة" بالمعنى الحديث للكلمة (سنعود لاحقًا إلى هذا الموضوع.)
62 في الواقع، ليست كلمة "المخزن" وحدها التي استقتها الهيئة الحاكمة التركية من القاموس السياسي المحلي الحفصي. بل نجد "ترسانة" كاملة من العبارات السياسية
مثل "القايد"، و"الشيخ"، و"المحلة"... إلخ. كما تبنّت أيضًا النظام الجبائي المحلي الحفصي. كل ذلك يندرج في إطار سياسة الهيئة الحاكمة التركية المحلية من أجل تحقيق
استقلالية (فعلية ولارسمية) عن الباب العالي. انظر:
Abdelhamid Henia, "Fiscalités et politique fiscale dans la Régence de Tunis au début de la conquête ottomane," in: A. Témimi (éd. et présentation), Les Provinces arabes à l'époque ottomane , Actes du VIe Congrès du C.I.E.P.O, Cambridge, juillet 1984 (Zaghouan: Centre d’Études et de Recherches Ottomanes et Morisco-Andalouses, 1987), pp. 139 - 152.
2. "السلطنة"
نجد هذه الكلمة موظفة أساسًا من طرف محمد الصغير بن يوسف كما يظهر في عنوان كتابه المشرع الملكي في سلطنة أولاد
علي التركي، الذي كتبه خلال السنوات 1760 فالكلمة مستحدثة في القاموس السياسي في البلاد التونسية خلال القرن الثامن عشر، استقاها المؤرخ من القاموس السياسي العربي المستعمل خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط، على غرار اليمن الرسولي منذ القرن الثاني
عشر ميلادي63. إذا كان الموحدون استنبطوا مفهوم "المخزن" للتعبير عن البناء السياسي المستحدث في عهدهم، فإن الرسوليين في اليمن وجدوا أنفسهم أيضًا أمام بناء سياسي مماثل لكنهم عبّوا عنه بكلمة "السلطنة"64، وكان اعتماد مفهومي "السلطنة" (من طرف
الرسوليين مثلً) و"المخزن" في المغرب الإسلامي (من طرف الموحدين)، سابقًا للجهد التنظيري الذي أنجزه ابن خلدون؛ المتمثل- كما ذكرنا من قبلُ - باستنباط كلمة "الدولة"، ولكن محمد الصغير بن يوسف في سياق بحثه عن كلمة مناسبة تعكس واقع البناء السياسي
في شكله الجديد خلال القرن الثامن عشر، لم يعتمد كلمة "الدولة" ل عنونة كتابهالمشرع الملكي، علمًا أن المؤلف يعرف جيّدًا تأليف ابن
خلدون65، إذ فضّل كلمة " السلطنة "، لكن جهده التنظيري لم يلقَ، فيما يبدو، رواجًا كبيرًا66، فكانت الغلبة – على الظاهر - خلال
القرن الثامن عشر لاستعمال الكلمة الجديدة " البايليك."
3. "البايليك"
أصبحت كلمة " البايليك " متداولة على نحو متواتر في وثائق الأرشيف التي يسهر على وضعها "الكُتّاب" أعوان الإدارة المركزية
بباردو67. ويبرز ذلك بوضوح في الوثائق الأرشيفية التي وضعت بدايةً من منتصف القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن الموالي68. وقد اعتُمدت هذه الكلمة من المؤرخين منذ القرن الثامن عشر وتواصلت إلى منتصف القرن التاسع عشر: بدءًا من محمد الوزير السراج
الأندلسي في مؤلفه الحلل السندسية، مرورًا بحسين خوجة في ذيل بشائر أهل الإيمان، والوزير الكاتب حمودة بن عبد العزيز في
الكتاب الباشي، إلى أن نصل إلى ابن أبي الضياف في إتحاف أهل الزمان. فكل هؤلاء المؤرخين اشتغلوا، على نحو أو آخر، بالكتابة في الإدارة المركزية بباردو. كل هؤلاء المؤرخين ثبّتوا استعمال كلمة "البايليك" وتخلوا تدريجيًا عن التصنيف السابق (أي " المخزن "). فتبعًا
لذلك، أصبح هذا التصنيف تصنيفًا تحقيريًا69. أما أساس المسعى التنظيري لكلمة " البايليك " الذي أسس له أولًالكُتّاب في الإدارة
63 Éric Vallet, L'Arabie marchande: État et commerce sous les sultans rasūlides du Yémen (626 - 858 / 1229 - 1454) , (Paris: publications de la Sorbonne, 2010).
64 من المفيد أن نذكر في هذا الصدد أن كلمة "السلطنة" كانت معتمدة عمومًا في المشرق. وكأن هناك تخصصًا بين المشرق الإسلامي ومغربه في هذا المجال: المشرق يعتمد
كلمة "السلطنة"، والمغرب يعتمد كلمة "المخزن"، وذلك للتعبير - في الحالتين كلتيهما - عن بناء سياسي مركزي مستحدث، ذي نزعة ترابية/ مجالية.
65 عندما نعود إلى مؤلَّف محمد الصغير بن يوسف (التكميل المشفي)، نلاحظ أن المؤلف استعمل أكثر من مرة كلمة "الدولة"، انظر مثلً: الورقة 211 وجه، والورقة 217
وجه. أشكر، في هذه المناسبة، الزميل الدكتور محمد فوزي المستغانمي الذي أمدنّي بنسخة من هذا المخطوط.
66 فيالكتاب الباشيالذي انتهى من تأليفه حمودة بن عبد العزيز سنة 1777، نجد استعمال الكلمات الثلاث: "المخزن"، و"السلطنة"، و"الدولة". انظر: حمودة بن
عبد العزيز، الالكتاب الباشي، المكتبة الوطنية بتونس، مخطوط رقم 351. 67 لا نجد ذكرًا لكلمة "البايليك" في كامل الدفتر رقم 1 منالأرشيف الوطني التونسي، الذي يرجع تاريخه إلى سنة 1676. وهو أقدم دفتر جبائي بالأرشيف. حول هذا الدفتر،
انظر: كراسات الأرشيف، الدفتر الجبائي رقم 1 (تونس: منشورات الأرشيف الوطني التونسي، 2010.) 68 نجد ذكرًا لكلمة "البايليك" في الدفاتر المتعلقة أساسًا ب "أرض البايليك" (انظر الدفتر رقم 2066، في الأرشيف الوطني التونسي، الذي يرجع تاريخه إلى سنة 1759،
وكذلك الدفتر رقم 20 الذي يرجع تاريخه إلى سنة 1834) مع العلم أن هذه الأملاك نفسها كان يطلق عليها تسمية "أرض الباي" خلال النصف الأول من القرن الثامن
عشر. حول هذه المسألة، انظر:
Abdelhamid Henia, Propriété et stratégies sociales à Tunis (XVIe-XIXe siècles) , (Tunis: la Faculté des Sciences Humaines et Sociales, 1999), pp. 136 - 137 , 143 , 202 , 418.
69 أصبحت كلمة "مخزن" في التعبير العامي مقترنة ب "الخزي" و"العار". فحافظت الذاكرة الجمعية في مدينة تونس على هذه الظاهرة من خلال المثل الشعبي الرائج إلى
يومنا هذا الذي يقول: "خدمة المخزن خزاية."
المركزية، ثم روّج له (المؤرخون-الكتّاب) المذكورون، أو على الأقل أكسبوه صبغة اصطلاحية في الأوساط العالمة، فيعود أولً إلى ما تحقق
من احتكار للنفوذ لصالح مؤسسة الباي على حساب المؤسسات السياسية الأخرى المنافسة، مثل: مؤسسة الباشا ومؤسسة الداي، وذلك على يدَي الباي حسين بن علي70. لكن هذا البناء السياسي يعرف مرة أخرى تغييرًا جذريًا في بنيته في منتصف القرن التاسع عشر. فيقع
التخلي تدريجيًا عن كلمة " البايليك " لتحلّ محلّها كلمة " الدولة."
4. "الدولة"
كانت كلمة "دولة"71 تفيد - كما يبين ذلك ابن منظور في مؤلفه لسان العرب (1292 م) - التداول عمومًا72. ففي معنى التداول
في ممارسة الحكم مثلً، نقول: دولة العباسيين أو دولة الأمويين، وهو يعني دور العباسيين أو الأمويين في ممارسة الحكم. لأول مرة في منتصف القرن التاسع عشر يجري تكريس استعمال كلمة "الدولة" (المُعرَّفة) في الكتابات التاريخية؛ وذلك في معنى ما أصبح متداول
في تلك الفترة في البلاد الأوروبية لكلمة " Etat ". ولا شك في أن هذا لاستعمال الجديد مستوحى من كتابات ابن خلدون؛ إذ هو أول
من نظَّر لمفهوم "الدولة" (المُعرَّفة) بالمعنى الحديث للكلمة73، لكنّ هذا المفهوم بقي شبه منسيٍّ بعده، وإن اعتمده أيضًا ابن الشماع
والزركشي كما يظهر ذلك في عنوانَ كتابيهما المذكورين من قبلُ، إلى أن استعادته الكتابات التاريخية التونسية في الفترة الحديثة عبر
عملية إعادة اكتشاف أثَر ابن خلدون بدايةً من القرن الثامن عشر، وتبنّت هذه الكتابات، في الوقت ذاته، كثيرًا من التصنيفات المعرفية الخلدونية التي وظفتها لتجديد المعرفة التاريخية وخلق المعنى في العديد من المج لات. كان منطلق هذا التحول المفاهيمي تلك "الإصلاحات" السياسية التي أدت إلى الإعلان عن "عهد الأمان" سنة 1857 وبعث "دستور" (قانون الدولة) سنة 186174. وفي إطار هذا السياق يتحول لفظ "البايليك" إلى مرادف ل "الحكم المطلق"؛ وذلك بحسب الوصف للنظام السياسي الذي قدمه ابن أبي الضياف في كتابه ال إتحاف75. وتصبح كلمة "البايليك" في الخطاب السياسي السائد آنذاك معبّة عن تصنيف تحقيري. هكذا إذًا، تتغير طبيعة البناء السياسي المركزي في البلاد التونسية باطّراد. وتعهدت الكتابات التاريخية هذه التحولات بإنتاج التصنيفات السياسية المناسبة وترويجها، مع إضفاء صبغة علمية عليها. وهكذا يُكَرِّس المؤرخون بعلمهم الحراك الذي يعرفه البناء
السياسي المركزي التونسي خلال العهد الحديث. ومن ثمّ فإنهم يخلقون المعنى المؤسس للشرعية السياسية في المراحل المتتالية. وإلى
جانب هذا الجهد التنظيري، كان المؤرخون يَبنون، أيضًا، ذاكرة تاريخية لرموز هذه الدولة في أطوارها وجميع تجلياتها76.
70 M. H. Chérif, Pouvoir et société dans la Tunisie de H'usssein Ben 'Alî (1705 - 1735) , (Tunis: l'Université de Tunis, 1982 - 1986). 71 Rosenthal F., " Dawla ," in: Encyclopédie de l'Islam , 2 nd ed., t. 2 (Paris: Brill Maisonneuve et Larose, 1993), pp. 183 - 184.
72 جمال الدين بن منظور، لسان العرب، ج 5 (بيروت: دار صادر، 2000)، ص 327 - 328.
73 أعاد ابن خلدون استنباط مفهوم "الدولة" انطلاقًا مما عايشه في عهده من تحول في البناءات السياسية؛ سواء في بلاد المغرب أو في بلاد المشرق، ذلك أن كلمة "الدولة"
(المعرّفة) نجدها مستعملة أيضًا في لسان العربلابن منظور (ج 5، ص 327 - 328). لكننا نلاحظ أن ابن خلدون يعمّم استعمال المفهوم المستنبط، لا للفترة التي عاصرها
فحسب، بل نجده يوظفه أيضًا لنعت البناءات السياسية في الفترات التاريخية القديمة (الحضارات اليونانية، والرومانية، وغيرها). انظر: ابن خلدون، ص 416 وما بعدها.
74 عبد الحميد هنية، تونس العثمانية، بناء الدولة والمجال، ط 2 (تونس: منشورات أوتار-تبر الزمان، 2016)، ص 197 - 213.
Abdelhamid Henia, Le frère, le sujet et le citoyen. Dynamique du statut politique de l'individu en Tunisie (Tunis: l'Or du temps , 2015), pp. 101 - 113.
75 ابن أبي الضياف، ج 1، ص 11 وما بعدها.
76 Henia, "Historiographie moderne en Tunisie," pp. 59 - 80.
رابعًا: المؤرخ يبني ذاكرة لرموز الدولة
يمثل بناء ذاكرة لرموز الدولة إحدى الطرق المعتمدة لتدعيم المركزة السياسية، ولم تكن الذاكرة في الكتابة التاريخية تقنية جديدة في ذلك الوقت. إنّ التاريخ والذاكرة مقترنان منذ زمن بعيد، وذلك وفق النموذج العربي الإسلامي الذي أسسته أعمال مشهورة، مثل كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي77. وهو تاريخ يخدم النخب الدينية وضبْط هوية السلالات. لكن الجديد في العهد الحديث هو
أن الذاكرة أصبحت توظف أيضًا لبناء الدولة بالمعنى الحديث للكلمة ومؤسساتها، وهو أمر يشير في حدّ ذاته إلى ولادة نموذج جديد في الكتابة التاريخية. إذ اعتنى مؤرخو الفترة العثمانية ببناء ذاكرة المجال (إفريقية)، أي مجال الدولة، وذاكرة مؤسسة الباي الصاعدة، وذاكرة الحكم العائلي (المرادي ثم الحسيني) الذي أمّن احتكار النفوذ المركزي لصالح سلالة عائلية معيّنة طيلة العهد العثماني في البلاد
التونسية وبعده.
1. ذاكرة المجال
كان هاجس بناء المجال حاضرًا بقوة في المشاريع السياسية لدى الحكام الأتراك والنخب الحضرية منذ بداية الحضور العثماني في تونس سنة 1574، لكن هذا المجال بقي مدةً طويلة ضبابيًا وغير واضح بالنسبة إلى النخب الحضرية، وكذلك بالنسبة إلى الحكام الأتراك
الذين بدؤوا يستقلون شيئًا فشيئًا (فعليًا وليس رسميًا) عن الباب العالي منذ السنوات العشر الأولى بعد مغادرة سنان باشا تونس إلى
إسطنبول78. وجاءت الكتابات التاريخية عاكسة بوضوح هذا الهاجس، فأنجزوا ذاكرة تاريخية تكرس مختلف التوجهات السياسية في هذا المجال. ويُعدّ ابن أبي دينار مؤسسًا لهذا لاتجاه الجديد في الكتابة التاريخية الموظفة على نحو مكثّف للذاكرة التاريخية. وأغلب
الكتابات التاريخية التي جاءت بعده واصلت النهج نفسه تقريبًا. سخّر ابن أبي دينار تاريخهالمؤنسلبناء ذاكرة لمجال الدولة الترابية الصاعدة الذي يُنعت في عهده ب "إفريقية". فالهاجس الرئيس
عند ابن أبي دينار في هذا الكتاب ليس تعاقب الدول التي حكمت المنطقة، بل بناء ذاكرة لمجال إفريقية على الصورة التي هي عليها في النصف الثاني من القرن السابع عشر. فهو لا يكتب تاريخ إفريقية كما كانت عبر التاريخ، وإنما بنى تاريخًا لإفريقية التي يعيشها في حاضره. إذ عرَّفها في كتابه على النحو الآتي: "إفريقية من بلاد المغرب، وعند أهل العلم إن أطلق اسم إفريقية فإنما يعنون به بلد القيروان
وأما أهل السير فيجعلونه إقليمًا مستقلً وله حدود ولهم اختلاف فيه. وإفريقية أوسط بلاد المغرب وخير الأمور أوسطها. وقيل إنما
سميت بإفريقية لأنها فرقت بين المشرق والمغرب ولا يفرق بين لاثنين إلا أحسنها [...] قلت في زماننا هذا لا يعبر بإفريقية إلّ من واد الطين إلى بلد باجة"79. فهو يسقط مجال " إفريقية " (أي مجال الدولة) في حاضره على الماضي مهما تغير. وفي الأحوال كلّها، لا علاقة لهذا المجال بما كان عليه في الماضي. ومن المعروف أن " إفريقية "(" أفريكا " في العهدين الروماني والبيزنطي) عرفت "تموجًا" مطردًا في مساحتها؛ وذلك
بحسب الفترات؛ من برقة شرقًا إلى طنجة والأندلس غربًا.
77 أبو بكر أحمد الخطيب البغدادي، تاريخ مدينة السلام وأخبار محدثيها وذكر قطانها العلماء من غير أهلها ووارديها، تحقيق بشار عواد معروف (بيروت: دار الغرب
الإسلامي، 2001.) 78 هنية، تونس العثمانية، ص 95 - 128؛ فاطمة بن سليمان، "مجال خمير والسلطة المركزية بتونس في القرن التاسع عشر: من التخوم إلى الحدود ومن المخزن إلى
الدولة"، روافد، العدد 5 (1999 - 2000)، ص 7 - 42. 79 ابن أبي دينار، المؤنس، ص 19 - 20.
ومن المفيد أن نلاحظ أيضًا، أن ابن أبي دينار لم يتوقف بهذه الذاكرة التاريخية عند بداية الإسلام، كما هو معمول به في كثير من الكتابات التاريخية السابقة وحتى اللاحقة80، وإنما رجع بها إلى أبعد الحدود عندما أشار إلى أسطورة تأسيس "قرطاجنة" البونية على يد ديدون Didon، أو إلى ذكر غزوات حنبعل القرطاجي ضد روما، معتمدًا في ذلك على "تواريخ النصارى"81 وهم أدرى بهذه الأحداث بحسب قوله. فليس الإسلام في حد ذاته هاجسه، وإنما ذاكرة مجال الدولة قبل كل شيء، وإن تخطت التحقيب الإسلامي. بهذا تتخطى الكتابة التاريخية عند ابن أبي دينار المقدس، لتتميز بنزعة "علمانية" واضحة82. ويعدّ التأريخ للمجال من طرف ابن أبي دينار من أبرز علامات التجديد أيضًا في الإستغرافيا التاريخية في ذلك الوقت. فابن خلدون
لم يتقيد بمجال معيّ في كتابته التاريخية ولا الشماع ولا الزركشي من بعده ممّن كانوا يكتبون في عهد الدولة الحفصية83؛ ذلك أن
الهاجس المجالي مفقود أيضًا لدى الحكام الحفصيين كما ذكرنا سابقًا؛ فكأن هناك انسجامًا بين الهواجس السياسية الجديدة وبناء
المعرفة التاريخية. أما على مستوى تسمية المجال، فقد اتخذ الحكام الأتراك منذ البداية تسمية جديدة هي "إيالة تونس"، لنعت المجال التابع لمدينة تونس، معوضين بذلك كلمة "إفريقية" التي كانت تُعتمد في العهد الحفصي وقبله. لكن المنحى لاستقلالي الذي سلكه الأتراك بمساندة من الأهالي الحضر، أدى إلى إعادة إحياء تسمية "إفريقية" الحفصية، إلى جانب إحياء مؤسسات حفصية أخرى على غرار "المخزن"،
و"المحلة"، و"القايد"، وكذلك ضرائب ترجع إلى العهد نفسه كما بينَّا ذلك من قبلُ84، ما يدل على أن هناك إرادة واضحة لإعادة بناء
المركزة السياسية بالرموز الحفصية، مع شيء من لاستقلالية عن الباب العالي. وكان كتاب المؤنسيرشح بالإيحاءات التي تعيد ذاكرة العهد الحفصي في فترات الأوج، خصوصًا عندما يذكّر ابن أبي دينار من حين إلى آخر بعهد السلطان أبي عمرو عثمان، وهو الذي يمثل في
الذاكرة الجمعية آنذاك أوج الدولة الحفصية85.
2. ذاكرة مؤسسة الباي
إن تاريخ الذاكرة الذي صاغه ابن أبي دينار والمؤرخون الذين اقتفوا أثره من بعده لا يخص المجال فحسب، بل يشمل أيضًا كل ما من شأنه أن يساهم في تدعيم بناء الدولة ومركزتها السياسية؛ من ذلك بناء ذاكرة لمؤسسة الباي في العهد المرادي (1628 - 1702) ثم في العهد الحسيني (بداية من عام 1705.)
80 لم يتخطَّ محمد بن محمد الوزير السراج الأندلسي في تاريخهالحلل السندسية بداية الإسلام، مع أنه كان يكتب خمسين سنة بعد إنهاء ابن أبي دينار لكتابالمؤنس،
ونجد التمشي نفسه في المغرب الأقصى عند المؤرخين إلى بداية القرن العشرين. فالمؤرخ أحمد بن خالد الناصري (1835 - 1897) - على سبيل المثال - كتب تاريخ المغرب الأقصى
من دخول الإسلام إلى نهاية القرن التاسع عشر. انظر: أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، ط 1 (القاهرة: بولاق، 1894)، (4 أجزاء)/ ط 2 (الدار
البيضاء: دار الكتاب، 1954)، (9 أجزاء.) 81 ابن أبي دينار، المؤنس، ص 21. 82 لم يكن ابن أبي دينار أول من تخطى التحقيب الإسلامي من خلال الرجوع إلى الفترة السابقة عن بداية الإسلام. فابن خلدون قبله فعل ذلك في إطار كتابة تاريخ كوني-
عالمي؛ نجده يرجع أيضًا إلى "اليونانيين" و"اللاطينيين" وغيرهم من الشعوب والحضارات التي شاهدها العالم قبل ظهور الإسلام. انظر: ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون،
ص 416 وما بعدها. لكن لا أظن أن ابن أبي دينار قد اطلع على تاريخ ابن خلدون. فالمعروف أن أول نسخة من هذا التاريخ كانت قد ظهرت في البلاد التونسية في بداية القرن
الثامن عشر؛ أي في عهد الباي حسين بن علي (1705 - 1735). انظر في هذا الصدد:
Valensi, p. 283 et suiv.
تبيّ لوسات فلانسي في هذا الكتاب كيفية استنساخ تاريخ ابن خلدون في تونس بطلب من الباي حسين بن علي، ما يدل على الأهمية التي أصبح يحظى بها علم التاريخ
عمومًا، وتاريخ ابن خلدون خصوصًا.
83 ابن خلدون؛ ابن الشماع؛ الزركشي. 84 بن يوسف، التكميل المشفي، ورقة 211 وجه، ورقة 217 وجه. 85 ابن أبي دينار، المؤنس، ص 170.
تبين الأحداث خلال القرن السابع عشر أنّ ظهور مؤسسة الباي مع المراديين كان على نحو تدريجي86، وكان نتاجًا لعمليّة بناء
تضافرت فيها جهود عناصر فاعلة متعدّدة الأطراف لا يشكّل المراديون في ذلك سوى أحد أطرافها. وكان دور المؤرخين مهمًّا في عملية
البناء هذه، وذلك بصياغة ذاكرة ترسّخها. فما هي المعطيات التاريخية التي كانت وراء بناء مؤسسة الباي؟ منذ العشرية الثانية من القرن السابع عشر، تذكر المصادر رمضان باي (ت. 1613) الذي اختص بقيادة المحلة التي تجوب البلاد صيفًا نحو الشمال، وشتاءً نحو الوسط والجنوب، من أجل جمع الضرائب. ثم خلفه في مهمة قيادة المحلة أحد مماليكه مراد كورسو باي
.(ت 1631)، وهو مؤسس العائلة المرادية، وانحصرت مهمة قيادة المحلة بعده في سلالته، وشيئًا فشيئًا أصبح قائد المحلة يتقاسم النفوذ
في الإيالة التونسية مع الداي، فكان الباي يدير قضايا دواخل البلاد، وكانت المدن التي تتركّز فيها حاميات عسكرية ومؤسسة الديوان من اختصاص الداي، ثمّ تقلص بعد ذلك مجال نفوذ الداي واقتصر على مدينة تونس، ويعزى التفوّق التدريجي لنفوذ قائد المحلة
(الذي أصبح يختص بلقب الباي)، إلى ما كان يُؤمّنه للفئة الحاكمة من موارد مادية داخلية (ريوع جبائية وعقارية)، قصد تصديرها
إلى الخارج عن طريق الشركات التجارية الأوروبية؛ أي إلى ما كان يؤمّنه من إمكانات التكيّف مع المعطيات العالمية والمحلية. استطاع
المراديون، فعلً، أن يسيطروا على دواخل البلاد وأن يخضعوا القبائل الطرفية المحاربة والقوية، وأن يؤمّنوا بذلك موارد مادية مهمة
تعوض النقص الحاصل من تراجع موارد التجارة الصحراوية وتغني عن التبعية للموارد المتأتية من نشاط القرصنة. وشيئًا فشيئًا، تتحول كلمة "الباي" التي أصبح ينفرد بها قائد المحلة من "تكبرة لمن ينادى بها" فحسب، إلى كلمة تنعت مؤسسة سياسية قائمة بذاتها. وجاءت الكتابة التاريخية لتكرس بدورها عملية البناء هذه؛ من خلال صياغة ذاكرة تبرر صعود مؤسسة الباي. وكانت البوادر الأولى لبناء هذه الذاكرة مع تاريخ المؤنسلابن أبي دينار؛ وذلك عندما كانت المنافسة على أشدها بين مؤسسة
الباي ومؤسستَي الديوان والداي. وكان ابن أبي دينار يدافع بكل ما أ وتي من قوة عن البايات المراديين، إذ كان يتردد على بلاطهم ويمدحهم بشعره87. ولم تحسم المنافسة نهائيًا لصالح مؤسسة الباي إلا في بداية القرن الثامن عشر مع إرساء حكم الباي حسين بن علي. دأب المؤرخون
خلال القرن الثامن عشر وخصوصًا خلال القرن التاسع عشر، وعلى رأسهم ابن أبي الضياف، في ترسيخ شرعية مؤسسة الباي؛ وذلك
بإسناد تأسيسها إلى سنان باشا سنة 1574 قبل مغادرته تونس إلى إسطنبول. وهو تحريف صارخ للواقع التاريخي. وتُعدّ رمزية تاريخ 1574
أساسًا لتبرير شرعية أي مؤسسة من مؤسسات النفوذ التركي في البلاد التونسية عمومًا. نفهم، إذًا، أنّ بناء الذاكرة لمؤسسة الباي متعلق
بإكسابها المرجعية الضرورية. هكذا تكون الذاكرة التي بنتها الإستغرافيا التونسية لمؤسسة الباي غير مختلفة في بنيتها مقارنةً بأي ذاكرة تاريخية أخرى؛ فهي أيضًا تحريفية، وانتقائية، وتبريرية.
3. ذاكرة الحكم العائلي
من أجل تدعيم المركزة السياسية وتحقيق لاحتكار لممارسة النفوذ كان على الفاعلين السياسيين عدم لاكتفاء بتدعيم نفوذ مؤسسة الباي على حساب المؤسسات السياسية الأخرى المنافسة لها مثل مؤسسات "الباشا"، و"الديوان"، و"الداي"، بل وجب كذلك تدعيم
86 لم تكن كلمة "باي" في البداية سوى "تكبرة لمن ينادى بها" بحسب تعبير ابن أبي دينار (انظر: المؤنس، ص 200). كان الأتراك ذوو المكانة المرموقة يُنادَون بها في
بدايات القرن السابع عشر. من ذلك نجد خبرًا مفاده أنّ عثمان داي (1598 - 1610) قتل محمد باي، ابن الباشا حسين، رايس البحر. وموجبه بحسب ما أورده محمد بن محمد
الوزير السراج الأندلسي "أنّ عثمان داي بلغه أنّ محمد باي المذكور له إرب في مرتبته". ويضيف المؤرخ نفسه: "وكان عمر محمد باي المذكور ثماني وعشرين سنة. وكان له ذكر
في آذان النصارى عظيم أهلكهم رعبًا، ورزق الظفر في البحر أينما توجّه". انظر: الوزير السراج الأندلسي، ج 2، ص 349.
87 Abdesselem, pp. 157 - 171.
فكرة تحقيق احتكار النفوذ السياسي وحصره في سلالة الباي الحاكم. فبرزت البوادر الأولى للحكم العائلي مع المراديين (1628 - 1702.) أما لانطلاقة الحقيقية لبناء ذاكرة للحكم العائلي فكانت، أساسًا، مع بداية عهد حسين بن علي، وبالخصوص عندما وصل أبناؤه إلى
الحكم بداية من عام 1756. لم تكن تجربة الحكم العائلي جديدة في البلاد التونسية. كانت القاعدة في ممارسة النفوذ خلال العهد الحفصي. ورأينا أن ابن أبي دينار كان يشيد، في أكثر من موضع في كتابه المؤنس، بالحكم الحفصي، وخاصة بحكم السلطان أبي عمرو عثمان الذي يمثل عهده في الذاكرة الجمعية أوج الدولة الحفصية. وجاء تاريخ ابن أبي دينار ليثبت هذه الذاكرة. فإلى جانب إرادة إحياء المؤسسات السياسية الحفصية، كان لاتجاه العام لدى الفاعلين السياسيين هو ترسيخ فكرة الحكم العائلي على المنوال الحفصي؛ قصد تحقيق احتكار ممارسة النفوذ لصالح مؤسسة الباي، ما يساعد أكثر فأكثر على تدعيم المركزة السياسية التي تُعد حينها القيمة السياسية الأولى. لم تنجح تجربة الحكم العائلي على نحو كامل مع المراديين، وأعيد إحياؤها مع بدايات حكم الباي حسين بن علي الذي قرر أن يعيّ ابنه محمد الرشيد باي الأمحال ووليًا للعهد، مزيحًا من هذه الرتبة ابن أخيه عليًّا الذي طلب له تعويضًا لما فقد لقب الباشا. وعمل المؤرخون، وأخص بالذكر منهم محمد
سعادة الذي عنون كتابه قرة العين بنشر فضايل الملك حسين الممجّد ونجله الأمير ابن الأمير الباي سيّدي محمّد، بطريقة تضفي
شرعية على التوجه نحو إرساء نظام حكم عائلي. لكن الحكم العائلي الحسيني لم يبدأ التحقق فعليًا إلّ مع وصول ابنَي حسين بن علي إلى الحكم سنة 1756، أي بعد لانتصار الذي
تحقق لهما على مغتصب حكم أبيهما، أي علي باشا (1735 - 1756)، بمساعدة عسكر الجزائر. وتجند المؤرخون الذين كتبوا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر وخلال القرن التاسع عشر لبناء ذاكرة تاريخية تدعم الحكم العائلي الحسيني، وتفرض في المقابل خطابًا
منددًا بعهد علي باشا، وتعتيمًا يكاد يكون كليًّا بشأن الأخبار التي تتعلق به. فلا نكاد نجد في كتابات هؤلاء المؤرخين سوى المعلومات التي
تشين سمعة علي باشا وأتباعه، وتبرّر ساحة أبناء حسين بن علي. ولا نجد مصدرًا واحدًا وُضع في عهد علي باشا، فما كتب جميعه عنه كان
في ظل الحكم الحسيني. وهي طريقة غير مباشرة لتغييب صورة علي باشا من المشهد السياسي، ما يوهم بفكرة تواصل الحكم في سلالة حسين بن علي. في السياق نفسه، نجد أنّ محمد الصغير بن يوسف، الذي أنهى تأليفه المشرع الملكي في سلطنة أولاد علي التركي، خلال الستينيات من القرن الثامن عشر، يؤكد من خلال صياغة عنوان كتابه أحقية أبناء حسين بن علي في ممارسة الحكم، مساهمًا بذلك في تكريس
الحكم العائلي في سلالة الباي حسين بن علي. ونفهم أهمية ذلك، خصوصًا إذا عرفنا أن المعارضة لحكم أبناء حسين بن علي قد اشتدت
أكثر بعد وفاة الباي محمد الرشيد بن حسين بن علي سنة 175988. ومن تبعات ذلك أيضًا لانتفاضة التي قادها حفيد علي باشا (إسماعيل بن يونس) بجبل وسلات في الشمال الغربي لمدينة القيروان خلال الفترة 1759 - 1762؛ قصد استرجاع الحكم لصالح سلالة جدّه. نفهم الرهانات التي نسجت حول رواية تاريخ هذا الحدث لتدعيم الحكم العائلي الحسيني وتبريره. وفي هذا الإطار نستحضر الذاكرة التاريخية التي صاغها هؤلاء المؤرخون حول هذه لانتفاضة، فهي تكشف لنا عن الدور المهمّ الذي قاموا به لتدعيم الحكم العائلي الحسيني على
88 نجد في وثيقة سجنية عددًا من المساجين بتهمة عدائهم للسلطة. انظر: الأرشيف الوطني التونسي، "وثيقة سجنية"، دفتر رقم 83، تشرين الأول/ أكتوبر 1762،
ص 117 - 129. حول هذه الوثيقة ونتائج البحث فيها، انظر:
Abdelhamid Henia, "Prisons et prisonniers à Tunis vers 1762: Système répressif et inégalités sociales," in: Les provinces arabes et leurs sources documentaires à l'époque ottomane , actes du 7 ème Symposium du Comité International d'Études Pré-ottomanes et Ottomanes (C.I.E.P.O.), Tunis, 13 - 18 / 9 / 1982 , 10 ème année, no. 31 - 32 (Tunis: centre d'étude et de recherches sur les provinces arabes à l'époque ottomane, 1984), pp. 223 - 252.
نحو غير مباشر. وبمثل هذه الكتابات التاريخية، مع إجراءات سياسية أخرى، استطاع الحسينيون أن يثبتوا حكمهم العائلي الذي تواصل إلى سنة 1957. جاءت انتفاضة جبل وسلات بوصفها تتويجًا للاضطرابات السياسية المتتالية التي ميّزت السنوات الأولى بعد وصول أبناء حسين
بن علي إلى الحكم سنة 1756. لم تكن الطريقة التي استرجع بها أبناء حسين بن علي الحكم "مشرّفة" لهم. فقد كان ذلك مقابل الغنائم
الكبرى التي حصل عليها الجيش التركي الجزائري من الأهالي، بعد أن استباحوا مدينة تونس، فكان الثمن باهظًا. ومضت سنوات قبل أن يستتب الأمن. وتشير الوثائق إلى أن هناك محاولات قتل عديدة استهدفت محمد باي وعلي باي في تشرين الأول/ أكتوبر 1756، ونيسان/ أبريل وحزيران/ يونيو وتموز/ يوليو 1757، وشباط/ فبراير 175989. ولا يمكن فهم مثل هذه المحاولات المتتالية إلا في مناخ أصبحت فيه الدولة الحسينية ضعيفة وذات هيبة متدنية، فأطلق علي باي سنة 1762 حملة قمعية واسعة النطاق استهدفت، أساسًا،
جبل وسلات، ثم بدرجة أقل جبل عمدون شمال البلاد التونسية ومناطق أخرى. كما اتخذ علي باي قرار إخلاء جبل وسلات من سكانه في السنة نفسها. وعلى الرغم من ضخامة الكارثة الإنسانية التي نتجت من عملية الإخلاء، فقد وقع التعتيم على فظاعتها ووطأتها على الأهالي من المؤرخين الذين ساهم كلٌّ منهم بطريقته في بناء ذاكرة تاريخية عملت على تبريرها. فالصغير بن يوسف الذي يكتب مباشرة بعد وقوع الحدث، قدّم الإجراء على أنه نتيجة لمعارضة الجبل الدائمة للسلطة المركزية، وأن
الجبل يشكّل قوة عسكرية ضاربة لا مثيل لها، وأنه يمثل مركز ثقل الحياة السياسية في البلاد، ويجعل من الجبل موطن قبائل محاربة، مع أن المجموعات التي تقطن الجبل بمنزلة مجموعات قروية كبرى، إن لم نقل إنها تشمل أيضًا مجموعات حضرية بالمعنى التام
للكلمة90. يريد الصغير بن يوسف، بمثل هذه القراءة لأحداث جبل وسلات، أن يؤجّج النعرة القبليّة المتأصلة لدى قرّائه الحضريين،
وأن يضخم قوّة جبل وسلات العسكرية والإستراتيجية حتى يبين مناعته، فيكون الإجراء الذي اتخذه علي باي ضد أهالي جبل وسلات
انتصارًا عظيمًا على أكبر عدو اعترضه. أما حمودة بن عبد العزيز فيقدم قراءة مختلفة لهذا الحدث في الكتاب الباشي (سنة 1776)؛ إذ يرى أنّ الجبل "نافق" (أي انتفض ضد الدولة)، وعندما أدركه الفشل بعد هروب إسماعيل بن يونس نزل منه "الوسلاتية"91 إلى السهل عن طواعية وبمحض إرادتهم؛ فما كان من علي باي إلّ أن قرر عدم عودة الوسلاتية إلى جبلهم. وبقي الجبل خاليًا. الواضح، إذًا، أن هنالك إرادة لبناء ذاكرة
متعددة لتبرير الحدث الذي بدا هو الآخر متعددًا92، وجاءت الذاكرة في الحالتين كلتيهما بوصفها عملية انتقاء وتحريف لغاية التبرير. ومن خلال بناء هذه الذاكرة نلمس إرادة واضحة لدى هؤلاء المؤرخين المذكورين لتدعيم الحكم العائلي الحسيني. ويبرز ذلك، خصوصًا، عند ابن أبي الضياف أثناء تناوله الظروف التي اعتلى فيها حسين بن على الحكم سنة 1705، وهي فترة تأسيسية للحكم
89 Eugène Plantet, Correspondance des Beys de Tunis et des consuls de France avec la cour (1577 - 1830) , vol. 2 (Paris: 1893 - 1899), pp. 522 , 536 , 538 , 557 , 561 - 562 ; Ben Youssef, p. 408.
90 توحي الشواهد الأثرية التي نجدها اليوم على عين المكان بأنّ المنطقة كانت تعرف حياة حضرية عريقة؛ فالجبل لا يختلف كثيرًا في نمط عيشه واقتصاده عن منطقة
"الساحل" التونسي في الوسط الشرقي. 91 أي سكان جبل وسلات.
92 هذه الوضعية تذكّرنا بذلك النقاش الحاد بين من ينفي وجود الحدث في حد ذاته (أي بشكله الصافي) مثل هيدن وايت White Hayden لأنه دائمًا رهين الطريقة التي
يُؤوَّل بها، فهو رواية fixion لا أكثر، وبين من يرى عكس ذلك، مثل كارلو كنزبور Ginzburg Carlo انظر:.
Carlo Ginzburg, Le fil et les traces: vrai faux fictif , M. Rueff (trad.), (Lagrasse: Verdier, 2010), (Il filo e le tracce. Vero falso finto, Milano: Feltrinelli, 2006); Carlo Ginzburg, Rapports de force: Histoire, rhétorique, preuve, Hautes études Jean-Pierre Bardos (trad.), (Paris: Gallimard/ Seuil, 2003), (Hanover:History, Rhetoric & Proof, 1999); Françoise Lavocat, Fait et fiction , Poétique (Paris: Seuil, 2016); Hayden White, "Poétiques de l'histoire," Labyrinthe, vol. 2 , no. 33 (2009); Hayden White, "Patates chaudes," Labyrinthe, vol. 2 , no. 33 (2009).
العائلي الحسيني؛ لذلك فإنّ لها رمزية ذات دلالة كبرى على تدعيم نفوذ الحكم الحسيني. وفي الحقيقة، تعسر قراءة أحداث هذه الفترة الدقيقة من عهد الدولة الحسينية. فالمصادر التي وصلت إلينا بخصوصها صيغت جلها في ظل الدولة الحسينية؛ منها ما هو معاصر للأحداث، نحو كتاب الوزير السراج الحلل السندسية في الأخبار التونسية الذي ألفه في الفترة 1725 - 1735، ومنها ما لم يعاصرها. فابن أبي الضياف، مثلً، يروي أحداث وصول حسين بن علي إلى الحكم، إذ كان يكتب ال إتحاف خلال الستينيات من القرن التاسع عشر. كيف تعاملت هذه المصادر مع أحداث وصول حسين بن علي إلى الحكم؟ لم تكن أهدافها بالوتيرة نفسها، بل كانت تتطور مع تطور الظروف التي تحياها الفئة التي ربطت مصلحتها بالنظام الذي يمثله الحكم العائلي الحسيني. فالذاكرة التي يرويها الوزير السراج حول أحداث وصول حسين بن علي إلى الحكم لم تكن مطابقة تمامًا للذاكرة التي يرويها ابن أبي الضياف، ويؤكد ابن أبي
الضياف أنه " وقع اتفاق الملأ على ولايته [أي حسين بن علي]، وأعين عليها، إذ لم يطلبها[...]ولا سفك لغرضه دماء المسلمين في طلبها "93. ويؤكد ابن أبي الضياف الطابع الأهلي للحكم العائلي الحسيني منذ الفترة التأسيسية، ويحاول أن يبرز حسين بن علي أنه "من أبناء البلاد"94، بينما تنسبه المصادر في بداية القرن الثامن عشر إلى الأتراك، ولا نرى أن حسين بن علي ينسب نفسه إلى غير الأتراك، بل إنه كان يلقب نفسه "التركي"، علمًا أنّ لانتساب إلى الأتراك بقي إلى فترة متأخرة مؤسسًا للنفوذ ومشرعًا له.
وعلى الرغم من ذلك، فإن أحمد بن أبي الضياف يؤكد أن حسين بن علي يقوم في نفوذه على العنصر الأهلي فحسب، وهو الذي قاد المقاومة سنة 1705 لصد هجوم عسكر أتراك الجزائر على مدينة تونس بإعانة أهالي المدينة، وكأن العناصر التركية لم تشارك البتة في هذه المقاومة. والمرجّح أن ابن أبي الضياف يسقط حاضره في قراءته للماضي، أو أنّ الذاكرة التي يبنيها كانت مشحونة بأحداث
حاضره، ومتأثرة بها، فجاءت تحريفية. ولعل الباعث على ذلك التحريف قضية كانت قائمة لما كان أحمد بن أبي الضياف بصدد التأليف حول موضوع استقلالية الإيالة التونسية عن الباب العالي التي أصبحت مهددة؛ بعد أن أعادت الدولة العثمانية سيطرتها على إيالة طرابلس، وأزاحت العائلة القرمانلية نهائيًا من الحكم سنة 1835. وكان حكم هذه العائلة معاصرًا تقريبًا للحكم العائلي الحسيني في تونس. وبناء على ما سبق، نرى أنّ سبب
بناء ذاكرة تاريخية تؤكد الطابع الأهلي للحكم العائلي الحسيني إنما هو بناء الخطاب الذي تبرر به الهيئة الحاكمة استقلاليّة الحكم
العائلي الحسيني عن الباب العالي. وفي السياق نفسه، نفهم سبب تأكيد ابن أبي الضياف في عنوان كتابه "ملوك تونس"؛ ذلك أنّ كلمة "ملوك" توحي، ولو على نحو غير مباشر (وخصوصًا عندما تكون في الجمع)، بفكرة الحكم الوراثي الذي يرجع إلى أمد طويل. ساهمت الكتابات التاريخية، إذًا، في تحقيق أمرين أساسييَن دعمَا أسس الدولة الحديثة الترابية. أوّلهما تحقيق احتكار
النفوذ نهائيًا لصالح مؤسسة الباي على حساب المؤسسات التركية الأخرى. وثانيهما إرساء أسسٍ لحكم عائلي حسيني من شأنه أن
يدعم أكثر فأكثر احتكار ممارسة النفوذ ومركزته. ولا ننسى أن احتكار النفوذ ومركزته يشكلّان في تلك الفترة الأدوات الأساسية لترسيخ الدولة الترابية الحديثة95، وكل ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كانت الدولة تشكّل فعلً، في ذلك الوقت، مشروعًا
مجتمعيًا بأتم معنى الكلمة.
93 ابن أبي الضياف، ج 2، ص 107. 94 المرجع نفسه. 95 لكنه أمر لم تختص به الدولة في البلاد التونسية. نجد التمشي نفسه والظاهرة نفسها في بلدان أخرى من العالم خلال تلك الفترة. نذكر على سبيل المثال، بناء الدولة
الحديثة في فرنسا في عهد لويس الرابع عشر (ملك الشمس) في النصف الثاني من القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر.
خامسًا: التجارب الإستغرافية ومأسسة علم التاريخ
كانت الكتابة التاريخية منذ العهود الإسلامية الأولى عبارة عن علم مساعد للفقه والحديث والشرف. وتجسّم ذلك في أنماط أدبية
مثل علم الطبقات (طبقات العلماء والأنساب)96. والسؤال هو: كيف تخلصت المعرفة التاريخية في البلاد التونسية من هذا العبء؟ وكيف استقلت عن التبعية للعلوم الدينية (الفقه والحديث)؟ وإلى أي حدّ تخلّت عن المقدس، وتحققت "علمنتها"؟
1. ابتعاد التاريخ عن العلوم الدينية ليصبح "علم الدولة"
ظهرت البوادر الأولى لابتعاد التاريخ عن العلوم الدينية قبل الفترة التي تعنينا في هذه الدراسة، إذ ظهر ذلك مثلً مع التاريخ الذي وضعه ابن خلدون في النصف الثاني من القرن الرابع عشر. وابتداءً من القرن السابع عشر، نلمس مع كتاب المؤنس، لابن أبي دينار، تطورًا
أكبر في هذا لاتجاه، وقد رأينا أنه لا يتقيد بالتحقيب الإسلامي، على عادة أغلب الكتابات التاريخية السابقة في العالم الإسلامي، بل إنه يخترقه ليصل إلى فترات قديمة قبل الإسلام. فهو لم يربط ذاكرة إفريقية التاريخية بالعهد الإسلامي فقط، بل رجع بها إلى العهد
القرطاجي. فَع لم التاريخ عند ابن أبي دينار، وكذلك عند المؤرخين الذين جاؤوا من بعده واقتفوا منهجه، لا يخدم المقدس في الدرجة الأولى بقدر ما يخدم الدولة في كلّ تجليتها، وهنا يكمن التدرج نحو علمنة المعرفة التاريخية. لكن هذه العلمنة لا تعني أنها انفصلت كليًا عن
القدسي. فلم يقع، مثلًالتخلي عن ذكر العلماء ورج لات التصوف الديني، إلّ أنّ ذكرهم أصبح يوظَّف لإبراز صلاح الحاكم، ولتلميع
صورته وإضفاء شرعية على حكمه؛ بحيث يمكن القول إن المعادلة انقلبت تمامًا. فبعد أن كان التاريخ يُوظَّف لخدمة القدسي، أصبحت
الكتابات التاريخية توظّ ف القدسي لخدمة الدولة؛ وهي أبرز علامة على أن التاريخ أصبح علمًا يخدم الدولةِ.
2 ي. الواقعية ف الكتابة التاريخية
نلمس كذلك أسلوبًا جديدًا في الكتابة التاريخية، خصوصًا بداية من القرن السابع عشر. أصبحت هذه الكتابة تتجه أكثر فأكثر نحو
الواقعية في صياغة المواضيع. ويُعدّ المؤرخ ابن أبي دينار ومحمد الصغير بن يوسف الباجي خاصةً رائدين في هذا المجال، وقد رأينا تأسيس ابن
أبي دينار لأسلوب جديد في تناول المواضيع التي لها اتصال وثيق بالدولة وممارسة النفوذ. ونسج على منواله أغلب الذين كتبوا من بعده تاريخًا يهتم بالمركز السياسي. ونلاحظ لدى المؤرخ محمد الصغير بن يوسف أيضًا، إرادة واضحة للانعتاق من الأسلوب السائد في الكتابة التاريخية إلى حد ذلك التاريخ، خصوصًا فيما يتعلق ب لابتعاد عن الجوانب الدينية والقدسية وحتى السياسية أحيانًا، فنراه يتجه أكثر فأكثر إلى معاينة
المظاهر المادية بواقعية لا مثيل لها قبل الفترة التي كان يكتب فيها، ويظهر ذلك في الأرقام الدقيقة التي يعطيها في مؤلفه المشرع الملكيحول الأسعار ومظاهر أخرى لها علاقة بمعيشة الناس العادية. ويظهر ذلك أيضًا في الوصف الدقيق الذي يقدمه حول انتصاب "سوق بوسديرة" السنوية غربي مدينة باجة في شمال البلاد التونسية97، أو عند وصفه لجبل وسلات قبل إخلائه من السكان سنة 176298. ونجد التوجه نفسه لدى المؤرخين الذين جاؤوا بعد الصغير بن يوسف، وإن كانوا يعتمدون أسلوبًا مختلفًا، نسبيًا، عن أسلوبه. ونذكر من بينهم حمودة بن
عبد العزيز صاحبالكتاب الباشيالذي يصف فيه بدقة ما جدّ في عهده من تغييرات في الواقع المادي في المدن والأرياف على حد سواء99.
ونجد في كثير من مواضع ال إتحافلابن أبي الضياف وصفًا دقيقًا للحياة اليومية؛ سواء كان ذلك في المدينة أو في الريف.
96 Abdelahad Sebti, "Tradition culturelle et genres historiographiques," in: El Moudden & Henia & Ben Hadda (coord.), Ecriture de l'Histoire du Maghreb, pp. 29 - 31.
97 محمد الصغير بن يوسف، المشرع الملكي في سلطنة أولاد علي التركي، المكتبة الوطنية بتونس، مخطوط، رقم 3537، ص 9 - 11. 98 المرجع نفسه. 99 بن عبد العزيز.
وتتبين أيضًا هذه الواقعية في اللغة المعتمدة من طرف هؤلاء المؤرخين، فقد كتب ابن أبي دينار تاريخه بلغة اعتبُرت من طرف أحد معاصريه، محمد سعادة (1677 - 1757)، أقرب إلى العامية؛ إذ قال فيه متهكمًا: "ما أتى به الأديب في زمانه أبو دينار مما لا يساوي درهمًا
فضلً عن دينار فإنه ساق وقائع من تقدّم في تاريخه مساق كلام العامة في المحاورة وما حلّه بأدب يستملح ولا نادرة، وفي الحقيقة هو معذور بعاميته مشتغل بحرفته وصناعته وقد أوهنني الدهر بكلكاله وقابلني منه ببلباله ورمقني من العيش ببلالة علمت أني لست من قبيله وآله ولا ممّن في العماية عن الهوى كابن كلاله حتى أحظى منه بنواله أو يسمح لي مع إعراضه بوصاله وحملني الفكر الفاتر على
تأليف هذه الرسالة"100. وكتب الصغير بن يوسفالمشرع الملكيبلغة أقرب إلى اللهجة العامية أيضًا، وربما كان ذلك من أجل أن يُروى في المجالس الليلية.
وكان ابن أبي الضياف يجتهد، كذلك، في كتابته ال إتحافوينتقي عباراته حتى تكون أقرب إلى أذهان القراء، إذ يقول صراحة: "ملتزمًا
بقدر الطاقة توضيح العبارة وتقريبها للأفهام بحسب اصطلاح التخاطب والأسماء والألقاب الجارية في عرف البلد"101. ونجد الواقعية نفسها في استعمال الدارجة أيضًا عند كتّاب الإدارة المركزية في قصر باردو في ذلك الوقت. وتشهد مئات الدفاتر
الجبائية المودعة الآن فيالأرشيف الوطنيبذلك. وكثير ممن كانوا يشرفون على الإدارة المركزية أي "الكتّاب" ألَّفوا في التاريخ، ومن
هؤلاء محمد الوزير السراج، وحسين خوجة، ومحمد سعادة، وحمودة بن عبد العزيز، وأحمد بن أبي الضياف، والمناعي102. وقد قيل الكثير في هذه اللغة؛ من قبيل أنها "مبتذلة"، وأنها "تعوزها الصفات الفردية المتميزة"103. وجرى تأويل اعتماد هذه اللغة البسيطة بأنه مؤشر دالّ على تدني المستوى اللغوي، وقد يجد هذا الرأي سندًا فيما قيل حول الوضع الفكري والثقافي لذلك العصر؛ إذ وُصف ب "عصر لانحطاط" و"الركود"، ونجد صدى لذلك في الدراسات التاريخية التي تمّ تناولها بالبحث في هذه الفترة104. والحال أن
الواقع يختلف عن ذلك تمامًا، فهذه القراءة لواقع اللغة لا تؤخذ مأخذ الجد فيما ذهب إليه هؤلاء المؤرخون الذين تعمّدوا الكتابة بلغة
مبسطة أقرب إلى العامية، وكذلك الكتبة في الإدارة المركزية بباردو في اختيارهم هذه اللغة لتحرير الدفاتر الجبائية وغيرها، علمًا أن ذلك
كان اختيارًا منهم وليس من قبيل العجز. لا نستطيع تحسس صورة المؤرخ وصورة الكاتب في الإدارة المركزية بقراءة سطحية للغة المستعملة. لكن عندما نحاول استكشاف البعد الفكري والمعرفي للآثار التي تركوها، وقراءة ما ورد في الكتب التاريخية وفي الدفاتر الجبائية في حدّ ذاته على أنه يعكس إنتاجًا فكريًا
معينًا مميزًا في ذلك الوقت، وعندما نعود أيضًا إلى مصادر أخرى تكشف النقاب عن هذه الفئة المتعلّمة التي يعيش أغلبها في فلك السلطة والإدارة المركزية بقصر باردو، تتغير الرؤية تمامًا. إن المادة التي تركها هؤلاء المؤرخون والكتّاب تشتمل في طياتها على إبداع معرفي وتقني متطور جدًا بالنسبة إلى ذلك الوقت105،
إذ كيفوا تصنيفاتهم السياسية والجبائية مع متطلبات الوقت، وقد رأينا من قبلُ نماذج من إبداعات المؤرخين. أما بالنسبة إلى الكتّاب في
100 سعادة، الورقة 6، الوجه "ب"، في: الماجري، ص 77. 101 ابن أبي الضياف، ج 1، ص 3.
102 Abdesselem.
103 المنصف الفخفاخ، موجز الدفاتر الإدارية والجبائية بالأرشيف الوطني التونسي (تونس: منشورات الأرشيف الوطني التونسي، 1990)، ص 27. 104 انظر ما كتبه – خصوصًا - أحمد عبد السلام ومحمد الهادي الشريف متأثرين بما أورده حسين خوجة في هذا الصدد في ذيل بشائر أهل الإيمان، عندما ذكر متحدثًا
عن بداية القرن السابع عشر أن "تونس إذ ذاك خاوية من العلم". انظر: خوجة، ذيل بشائر أهل الإيمان، ص 167؛
Abdesselem, p. 40 ; Chérif, "Hommes de religion et pouvoir dans la Tunisie," p. 580. 105 Henia, "Techniques fiscales," pp. 75 - 97.
الإدارة المركزية، فنجد أنهم يعتمدون تصنيفات جبائية متكيّفة مع كل ناحية من نواحي البلاد ومع خصوصية كل مجموعة في دواخل
البلاد، وهو ما يعبّ عن معرفة دقيقة بهذا الواقع، وعن قدرة على التكيف معه. ويعبّ ذلك كلّه عن الكفاءة المعرفية والتقنية التي يمتاز
بها هؤلاء الكتبة. ويمكن أن نسوق التحليل نفسه أيضًا بالنسبة إلى المؤرخين الذين تميزوا بالواقعية. أما المصادر الأخرى التي ترشدنا إلى واقع هذا الصنف من المتعلمين (أعوان الإدارة المركزية في باردو والمؤرخين)، فهي المصنفات التاريخية عمومًا وما تفيدنا به؛ خصوصًا فيما يتعلق بالأسماء التي اشتهرت في الوقت ذاته بتعاطيها خطة الكتابة في الإدارة المركزية
للبايليك وبكتابة التاريخ، وهذه الشخصيات كثيرة - كما ذكرنا - خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر106. فالكتبة – من خلال منظور ذلك الوقت - هم في أغلب الأحيان من "العلماء" الذين اجتازوا أقصى مراحل التعلُّم، لكنهم لم يبرزوا في الميادين المعرفية السائدة في عصرهم، ومع ذلك نجد من بينهم من برز وترك أثرًا معرفيًا (تاريخيًا) خلّد به اسمه. فكل هؤلاء المؤرخين، وأخص بالذكر منهم الصغير بن يوسف، وكل هؤلاء الكتبة كذلك، من اشتهر منهم ومن لم يشتهر، يتقنون اللغة العربية بحكم درايتهم بها، ومع ذلك كانت اللغة التي كتبوا بها هي لغةُ عامّة الناس، وكانت التصنيفات المعتمدة هي تصنيفات
عامّة الناس، متكيفة مع كل ناحية من النواحي في دواخل البلاد. فالمؤرخون والكتبة التزموا كلّهم - على غرار ما أفصح عنه ابن أبي
الضياف - ب "توضيح العبارة وتقريبها للأفهام بحسب [...] عرف البلد." كل ذلك، إذًا، لا يكشف عن "انحطاط" أو "تدهور" فكري وثقافي لدى هذه الفئة المتعلمة، وإنما عن عكس ذلك تمامًا107،
فالتكيف مع الواقع واستنباط العبارات المناسبة لمعالجة القضايا المختلفة، إنما يعكس مدى وعي الفئة المتعلمة المهتمة بالمعرفة التاريخية، وكذلك مدى تطور الجهاز الإداري للدولة في ذلك التاريخ. ويعتبر كلّ ذلك - في تقديري - من أبلغ مظاهر التحديث في المجتمع وفي أجهزة الدولة في ذلك الوقت. ومن المفيد أن نذكر هنا أن ظاهرة اعتماد اللهجة العامية في الكتابة عمومًا، و لاقتراب أكثر من عامة الناس خلال
الفترة العثمانية لم تختص بها البلاد التونسية، بل نجد أنها رائجة أيضًا في مصر في الفترة نفسها108، كما أنها راجت خلال الفترة نفسها، أيضًا، في البلاد الأوروبية عمومًا109.
3 ي. تطور ف منهج الكتابة التاريخية: من المعرفة القائمة على الثقة إلى المعرفة القائمة على الوثيقة
لا يكفي أن نستخرج المعلومات من المصنفات التاريخية التي وصلت إلينا من الفترة العثمانية، بل يجب أن نفكر أيضًا في كيفية صياغتها وبنائها من طرف المؤرخين، وأن نتساءل: من أين أخذوا المعطيات التي قدموها في مؤلفاتهم؟ وكيف كان ذلك أيضًا؟
106 انظر التراجم التي وردت في المصنفات التاريخية الراجعة إلى تلك الفترة، نذكر من ذلك على سبيل المثال: حسين خوجة، ذيل بشائر أهل الإيمان؛ ابن أبي الضياف،
ج 7 و 8. 107 انتهت الباحثة سماح بوزراعة إلى لاستنتاجات نفسها في أطروحتها. انظر: بوزراعة. 108 وهو ما أوضحته المؤرخة المصرية نللي حنا في كتابها: ثقافة الطبقة الوسطى، ص 177 وما بعدها، ص 195 وما بعدها.
109 في هذا الإطار نشير إلى ذلك التخلّ التدريجي عن اللغة اللاتينية في أوروبا الغربية خلال الفترة نفسها تقريبًا، ما أسفر عن ظهور لهجات محلية؛ مثل: الفرنسية
والإيطالية والإسبانية... إلخ. وفي إنكلترا، حصلت ظاهرة مشابهة تمثلت في إصرار ويليام شكسبير (1564 - 1616) (Shakespeare William) على تبني لغة عامة الناس عند
كتابة مسرحياته الشهيرة. وهي مسرحيات، موجهة بحسب النقاد، إلى الأوساط الشعبية أساسًا، وأصبحت هذه اللغة في آخر المطاف مسيطرة على الساحة البريطانية، لذلك
نُعتت بكونها "لغة شكسبير". مع أن هذه اللغة (الشعرية) وصفت من طرف معاصري شكسبير - خصوصًا من بين الأرستقراطية - بالوضاعة والتدني. وعُدَّت مفتقرة إلى أيّ قيمة
أدبية، بل نُعت شكسبير ب "الجاهل" أيضًا. انظر:
Laffont Bompiani, Dictionnaire des auteur s (Paris: Robert Laffont, 1990), p. 303.
عند تَفحُّص الكتابات التاريخية خلال الفترة العثمانية، نلاحظ تطورًا تدريجيًا على مستوى الأدوات والتقنيات المعتمدة في مجال
كتابة التاريخ، بدءًا من ابن أبي دينار خلال القرن السابع عشر، وصولً إلى ابن أبي الضياف خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر،
فكان المؤرخ يعتمد على الشهادات ب "السماع" و"المشاهدة". فيكتب ابن أبي دينار: "سمعت من يقول"110، ويؤكد ابن أبي الضياف بقوله: "شاهدت ذلك بنفسي"، و"المشاهدة أقوى دليل"111. ويعتمد ابن أبي دينار، أيضًا، في كتابة المؤنسعلى "النقل"، فيشير إلى: "النقل الذي قيده الزركشي"112(. ويكتب أيضًا: "حكى بعض المؤرخين عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم أنه قال كانت إفريقية"113. ومن الطريف في هذا الصدد أن نرى كيفية تكييف ابن أبي دينار لمصادره بحسب الإمكانات المتوافرة لديه لكتابة تاريخ الفترة الممتدة من بدايات القرن السادس عشر إلى الفترة التي كان يكتب فيها أي حوالى سنة 1681؛ إذ لم تتوافر لديه بالنسبة إلى هذه الفترة كتابات تاريخية ينقل منها، فيذكر ما يلي: "ولما تولى [السلطان الحفصي الحسن] رفع المكوسات كلها وأجرى العادة العثمانية، وهنا انتهى النقل الذي قيده الزركشي114، ولم أطلع على ما سواه إلا ما تلقيته من أهل الحاضرة، ولهذا نأتي به جملة ولا تفصيلً ولم أقيد نفسي بتأريخ الوقائع لقلة الضبط ولم أجد من له اهتمام بهذا الأمر. فأقول وبالله المستعان، سمعت من يذكر من أهل تونس"115. وكان ابن أبي دينار ينقل من المصادر التاريخية حتى إن كانت غير إسلامية، فيذكر أنه بحث في "تواريخ النصارى" للغور في تاريخ "قرطاجنة"116، كما أنه يخترق التحقيب الإسلامي ليبحث في أخبار فترة ما قبل الإسلام؛ وهو بذلك يجدد، ويسعى للابتعاد عن المسالك المعبّدة، وإن لم يكن الأول الذي يتجاوز التحقيب الإسلامي. فقد سبقه ابن خلدون في هذا الشأن. لكن بحسب ما هو معروف،
بقي ابن خلدون غير معروف لدى الفئة العالمة في البلاد التونسية إلى بداية القرن الثامن عشر؛ كما بينّا ذلك سابقًا. وبداية من القرن الثامن عشر، عرفت الكتابة التاريخية تطورًا تمثّل في اعتماد المؤرخين أكثر فأكثر على الوثائق الأرشيفية، وقد
ظهر ذلك لأول مرة (بعد خمسين سنة من كتابة المؤنسلابن أبي دينار) مع محمد الوزير السراج الأندلسي الذي يتفرّد بتوظيفه الوثائق
الأرشيفية، فينقل في تاريخه الحلل السندسية، وثيقة أرشيفية نادرة تخصّ لاتفاق الحدودي الذي حصل بين إيالة تونس وإيالة
الجزائر في سنة 1628117. ويورد في كتابه نص الوثيقة لتدعيم ما قدمه من حقائق تاريخية. والواضح أن في ذلك دلالةً على حصول وعي لدى المؤرخ بربط الكتابة التاريخية ب لاستناد إلى وثائق ذات صبغة رسمية، ويمثل ذلك منعرجًا حقيقيًا في الكتابة التاريخية في البلاد
التونسية. لا شك في أن الوزير السرّاج استفاد من وجوده بالإدارة المركزية بباردو، بوصفه كاتبًا فيها، في لاطلاع على أرشيف الدولة
وانتقاء هذه الوثيقة للاستدلال بها، وكأننا بهذه المبادرة ننتقل في الكتابة التاريخية من طور تُقدم فيه المعلومة على أساس الثقة، إلى طور
110 يعتمد ابن أبي دينار في كتابة تاريخ إفريقية خلال القرنين (16 - 17) الميلادييَن على الذاكرة الشفوية التي انتقاها من أهالي مدينة تونس، فكتب: "وسمعت من أهل
الحاضرة من يقول سبب مجيء العمارة إلى هذه الديار أن السلطان سليم رأى في منامه الشيخ الولي الصالح سيدي محرز بن خلف يستنجده على بلاده." ابن أبي دينار،
المؤنس، ص 178. 111 ابن أبي الضياف، ج 1، ص 72. وانظر أيضًا: بن سليمان.
112 ابن أبي دينار، المؤنس، ص 161. 113 المرجع نفسه، ص 17. 114 هو محمد بن إبراهيم الزركشي صاحب كتابتاريخ الدولتين الموحدية والحفصية. 115 ابن أبي دينار، المؤنس، ص 161. 116 المرجع نفسه، ص 21. 117 الوزير السراج الأندلسي، ج 2، ص 360، وما يليها. ونجد الوثيقة نفسها في المكتبة الوطنية التونسية (في الدفتر رقم 3397 المحفوظ في قسم المخطوطات). حول
موضوع هذه الوثيقة، انظر: بن سليمان، الأرض والهوية، ص 117.
تُقدم فيه المعلومة التي تستند إلى وثيقة. فهل يعني ذلك أننا ننتقل من ثقافة "الثقة" إلى ثقافة "الوثيقة"؟ من المفيد أن نذكر أن ثقافة الأرشفة عريقة في البلاد التونسية، وقد ترجع إلى العهد الحفصي118. ومع بداية الفترة العثمانية، أصبحت الدولة مؤسِّسة لذاكرتها عبر
أرشفة الوثائق، وإن كان لهذا الجهد حدود119. وسيبرز اعتماد المؤرخ على الوثائق الأرشيفية على نحو جليّ، خصوصًا مع المؤرخ أحمد
بن أبي الضياف الذي أنهي كتابة ال إتحاف خلال الستينيات من القرن التاسع عشر. أصبح المؤرخ يحرص، عمومًا، على لاطلاع على
المصادر الأصلية، وجمع المعطيات، والتحقق منها، والتأكد من ثبوت ما يُعرض من وقائع وأحداث. وفي الحصيلة، مهّد كلّ ذلك للتاريخ
لكي يصبح، تدريجيًا، علمًا مستقلً بذاته خلال القرن التاسع عشر، بعد أن كان يُحشر ضمن باب "علم الأدب"، وكل هذه العلامات
تنبئ بولادة "تاريخ جديد."
خاتمة
تُمكّن المعطيات الواردة في هذا التحليل من تحديد الملامح الكبرى لصورة المؤرخ وعلم التاريخ في البلاد التونسية خلال الفترة العثمانية. ويتضح أن هذه المعطيات تداخلت فيها الجوانب الفكرية والمعرفية والمنهجية. فكريًا: المؤرخ منخرط في مشروع مجتمعي قوامه بناء الدولة المجالية في تجلياتها كلّها. لذلك فهو يدافع بكل ما أوتي من قوة عن
الدولة ورموزها، وهو بذلك يخلق المعنى الذي يجعله مندمجًا فكريًا وعاطفيًا مع الطلب لاجتماعي. بهذه الصورة يبرز بمنزلة المثقف
العضوي؛ ومن ثمّ نفهم الحظوة التي لقيها لدى النخب السياسية ولدى الفئة العالمة الواسعة على حد سواء.
معرفيًا: صاغ المؤرخ معرفة جديدة تقطع، في جوانب عديدة، مع التجارب التاريخية السابقة. فالتاريخ الذي أُنجز هو نتاج جهد
معرفي متفرد، فقد كان المؤرخ خلال هذه الفترة عصاميًا في تجربته في كتابة التاريخ، لم يشرف على تكوينه أي أحد، ولم يكوّن تلاميذ
له، ولا مؤسسة علمية تحتضنه وتحتضن علمه. فالتاريخ لم يُدرّس في المؤسسات التعليمية إلى حدود سنة 1840، وكل ما نجده هو تراكم
تجارب في إطار حركة تأثير وتأثر لا أكثر. منهجيًا: يعرف علم التاريخ نقلة نوعية في مواضيعه وفي مناهجه. فبعد أن كان يحشر (أو يصنف) ضمن "علم الأدب"، أصبح له
وجود مستقل بذاته، ومن الطبيعي أن تحصل في الوقت نفسه "مهننة" المؤرخ الذي أصبح يتميُّز مستقبلً بعلم خاص به.
118 عبد الحميد هنية، "عندما يخترق دفتر جبائي الأجيال"، في: كراسات الأرشيف، ص 5 - 12. وانظر أيضًا:
Abdelhamid Henia: "Archives ottomanes en Tunisie et histoire régionale," in: Abderrahmane El-Moudden & Abderrahim Benhadda (coord.), Les Ottomans au Maghreb à travers les archives locales et méditerranéennes (Rabat: Publications de la Faculté des Lettres et des Sciences Humaines, 2005), pp. 241 - 255. 119 Ibid.
المراجع
العربية
ابن أبي الضياف، أحمد. إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان. ط 2. تونس: الدار العربيّة للكتاب، 2004. ابن تعاريت، سعيد. رسالة في تاريخ جربة وتراجم علماء الجزيرة وذكر أمرائها من بني السمومني وبني الجلود. المكتبة البارونية. حومة السوق. جربة. ابن الشماع، أحمد. الأدلة البينة النورانية في مفاخر الدولة الحفصية. تحقيق وتقديم الطاهر بن محمد المعموري. تونس: الدار العربية للكتاب، 1984. ابن خلدون، عبد الرحمن. تاريخ ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. الرياض: دار الأفكار الدولية، د.ت. الأرشيف الوطني التونسي. وثيقة سجنية. دفتر رقم 83. تشرين الأول/ أكتوبر 1762.. السلسلة التاريخية. الصندوق 3. الملف 35. الوثيقة رقم 1. 1256 ه/ 1840 - 1841 م.. الحافظة عدد 63. الملف 723. أوامر علية ومراسلات متعلقة بالمدرسين وبتنظيم الدراسة في الجامع الأعظم والصادقية
الوزير السراج الأندلسي، محمد بن محمد. الحلل السندسية في الأخبار التونسية. تقديم وتحقيق محمد الحبيب الهيلة. بيروت: نشر دار الغرب الإسلامي، 1984. برناز، أحمد بن مصطفى. إعلام الأعيان بتخفيفات الشرع عن العبيد والصبيان. دارالكتب الوطنية بتونس. مخطوط رقم 6242. البغدادي، أبو بكر أحمد الخطيب. تاريخ مدينة السلام وأخبار محدثيها وذكر قطانها العلماء من غير أهلها ووارديها. تحقيق بشار عواد معروف. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2001. بن سلامة، محمد. العقد المنضد في أخبار المشير الباشا أحمد. المكتبة الوطنية بتونس. مخطوط رقم 18618. بن سليمان، فاطمة. "الكتابة التاريخية في القرن التاسع عشر في تونس أو كيف يشرّع التاريخ لدولة الإصلاح." أسطور للدراسات التاريخية. العدد 7 (2017.). "مجال خمير والسلطة المركزية بتونس في القرن التاسع عشر: من التخوم إلى الحدود ومن المخزن إلى الدولة." روافد. العدد 5 (1999 - 2000.). الأرض والهوية: نشوء الدولة الترابية في تونس، 1574 - 1881. تونس: كلية العلوم الإنسانية و لاجتماعية، 2009. بن عبد العزيز، حمودة. الكتاب الباشي. المكتبة الوطنية بتونس. مخطوط رقم 351.. الكتاب الباشي. تحقيق وتقديم محمد ماظور. تونس: [د. ن]، 1970.
References
بن يعقوب، سالم. تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلمية. تونس: سراس للنشر، 2006.
. المشرع الملكي في سلطنة أولاد علي التركي. المكتبة الوطنية بتونس. مخطوط، رقم 3537.. المشرع الملكي في سلطنة أولاد علي تركي. تقديم وتحقيق أحمد الطويلي. تونس: المطبعة العصرية، 1998. بوحسين، أحمد. العرب وتاريخ الأدب: نموذج "كتاب الأغاني". الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2003.
القراءات"). أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه، كلية العلوم الإنسانية و لاجتماعية، جامعة تونس 2017.
والعلوم الإنسانية، 2011. الجربي، محمد أبو راس. مؤنس الأحبة في أخبار جربة. تحقيق محمد المرزوقي. تونس: المعهد القومي للآثار والفنون، 1960.
الإسلامي، 1998.
الرصاع، محمد الأنصاري. فهرست الرصاع. تحقيق محمد العنابي. تونس: المكتبة العتيقة، 1967. الزركشي، محمد بن إبراهيم. تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية. تونس: نشر المكتبة العتيقة، 1966. السبتي، عبد الأحد الماضي المتعدد: قراءات ومحاورات تاريخية. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2016.
مخطوط رقم 21730. الشريف، محمد الهادي. "حمودة بن عبد العزيز وأفكاره التقدمية." المجلة التاريخية المغاربية. العدد 57 - 58 (1990.) العروي، عبد الله. مجمل تاريخ المغرب. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1992.
القبلي، محمد. الدولة والولاية والمجال في المغرب الوسيط: علائق وتفاعل. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1997.
تونس: المكتبة العتيقة، 1998.
بن يوسف، محمد الصغير. التكميل المشفي للغليل على كتاب العبر لابن خلدون. المكتبة الوطنية بتونس. مخطوط رقم 5264.
بوزراعة، سماح. "الإنتاج الفكري بتونس العثمانية (كتب الفقه، وفقه الفرائض، وعلم الكلام، والتوحيد، وعلم الفلك والميقات، وعلم
التونسي، خير الدين. أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك. تمهيد وتحقيق المنصف الشنوفي. ج 2. قرطاج: بيت الحكمة–قرطاج، 1990. جادور، محمد. مؤسسة المخزن في تاريخ المغرب. الدار البيضاء: سلسلة أبحاث لمؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية
الحيلاتي، سليمان. علماء جربة: المسمى رسائل الشيخ سليمان بن أحمد الحيلاتي الجربي. تحقيق محمد قوجة. بيروت: دار الغرب
خوجة، حسين. ذيل بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان. تحقيق وتقديم الطاهر المعموري. تونس: الدار العربية للكتاب، 1975.
سعادة، محمد. قرة العين بنشر فضايل الملك حسين الممجّد ونجله الأمير ابن الأمير الباي سيّدي محمّد. المكتبة الوطنية بتونس.
الفخفاخ، المنصف. موجز الدفاتر الإدارية والجبائية بالأرشيف الوطني التونسي. تونس: منشورات الأرشيف الوطني التونسي، 1990.
القفصي، المنتصر بن المرابط بن أبي لحية. نور الأرماش في مناقب أبي الغيث القشاش. حققه وقدم له حسين بوجرة ولطفي عيسى.
القيرواني، ابن أبي دينار محمد الرعيني. المؤنس في أخبار إفريقية وتونس. تحقيق وتعليق محمد شمام. ط 2. القيروان: المكتبة العتيقة، 1967. كراسات الأرشيف. الدفتر الجبائي رقم 1. تونس: منشورات الأرشيف الوطني التونسي، 2010. كشوفات مكتبة حمودة باشا. الأرشيف الوطني التونسي. دفتر عدد 2352. تاريخ (1814 - 1815.) الكناني، محمد عيسى. تكميل الصلحاء والأعيان لمعالم الأيمان في أولياء القيروان. تونس: مطبعة الوسط، 1970. الماجري، حياة. خلال القرن التاسع عشر ميلادي بين التمثلات الأكاديمية وغير الأكاديمية مأسسة التعليم في مدينة تونس واستعمالاتها. أطروحة دكتوراه. كلية العلوم الإنسانية و لاجتماعية، جامعة تونس 2017. مجموعة مؤلفين. معسكر المجتمع والتاريخ. الجزائر: منشورات مخبر البحوث لاجتماعية والتاريخية -جامعة معسكر، 2014. المريمي، محمد. إباضية جزيرة جربة خلال العصر الحديث. تونس: كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، 2005.. "المعرفة التاريخية والدولة لدى مؤرخي الأطراف في البلاد التونسية خلال العصر الحديث." أسطور للدراسات التاريخية. العدد 7 (2017.) المسعودي، محمد الباجي. الخلاصة النقية في أمراء إفريقية. ط 2. تونس: مطبعة بيكار وشركائه، 1906. مقديش، محمود. نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار. تحقيق علي الزواري ومحمد محفوظ. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1988. الناصري، أحمد بن خالد. الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. ط 1. القاهرة: بولاق، 1894 / ط 2. الدار البيضاء: دار الكتاب، 1954. نللي. حنا، ثقافة الطبقة الوسطى في مصر العثمانية ق (16 م - 18 م). ترجمة رؤوف عباس. القاهرة: الدار المصرية-اللبنانية، 2003. هنية، عبد الحميد. "حول التحقيب التاريخي." أسطور للدراسات التاريخية. العدد 3 (2016.)
الأجنبية
• Abdesselem, Ahmed. Les historiens tunisiens des XVIIe, XVIIIe et XIXe siècles: Essai d'histoire culturelle.
• Ben Slimane, Fatma & Hichem Abdessamad (coord.). La périodisation dans l'écriture de l'histoire du Maghreb. DIRASET. Actes de deux tables rondes. 27 - 28 / 5 / 2005 (Marrakech). 21 - 23 / 11 / 2005 (Tunis). Tunis: Editions
• Ben Youssef, Mohammed Seghir. Mechra El-Melki: Chronique tunisienne (1705 - 1771), (ou Târîkh al-Mashra' al-Mulkî fî Saltanati 'Awlâd 'Alî at-Turkî). Victor. Serres & Med Lasram (trad.). 2 ème ed. Tunis: Bouslama, 1978.
• Camau, Michel & Vincent Geisser (coord.). Tunisie dix ans déjà… D'une république à l'autre. Numéro spécial
Tunis/ Paris: Klincksieck, 1973.
Arabesques, 2010.
• Bompiani, Laffont. Dictionnaire des auteur s. Paris: Robert Laffont, 1990.
de la revue du Monde arabe: Maghreb-Machrek. no. 157 (juillet-septembre 1997).
• Chérif, M. H. "Hommes de religion et pouvoir dans la Tunisie de l'époque moderne." Annales. E. S. C. no. 3 - 4 (mai-août 1980). •. Pouvoir et société dans la Tunisie de H'usssein Ben 'Alî (1705 - 1735). Tunis: l'Université de Tunis,
• Delacroix, Christian et al., Historiographies, concepts et débats. tome 1. Paris: Gallimard, 2010. • Elboudrari, Hassan & Daniel Nordman (dir.). Les savoirs de l'administration. Histoire et société au Maghreb du XVIe au XXe siècle. Casablanca: Edition Fondation du Roi Abdul-Aziz, 2015. • El-Moudden, Abderrahmane & Abderrahim Benhadda (coord.). Les Ottomans au Maghreb à travers les archives locales et méditerranéennes. Rabat: Publications de la Faculté des Lettres et des Sciences Humaines, 2005. • Encyclopédie de l'Islam. 2 nd ed. Paris: Brill Maisonneuve et Larose, 1993. • Farag, Iman. "Intellectuel-muthaqqaf: champ sémantique, champ conceptuel et champ historique." Etudes politiques du monde arabe. Dossier du CEDEJ (La Caire 1991). • Genèse , Les voies de l'histoire. vol. 1. no. 1 (1990). accessed on 13 / 11 / 2017 , at: http://bit.ly/ 2 ABSjXG • Ginzburg, Carlo. Rapports de force: Histoire, rhétorique, preuve, Hautes études. Jean-Pierre Bardos (trad.). Paris: Gallimard/ Seuil, 2003. •. Le fil et les traces: vrai faux fictif. M. Rueff (trad.). Lagrasse: Verdier, 2010. • Hartog, François. "L'histoire s'est constituée en discipline dans la seconde moitié du XIXe siècle." Evidence de l'histoire. Ce que voient les historiens. "Cas de figure 5 ". Paris: Editions EHESS. Coll. 2005. • Henia, Abdelhamid & Abderrahmane Elmoudden & Abderrahim Benhadda (coord.). Ecritures de l'histoire du Maghreb: identité, mémoire et historiographie. Actes de deux tables rondes organisées à Marrakech le 27 - 28 / 5 / 2004 et à Tunis le 1 - 3 / 10 / 2004. Série colloques et séminaires. no. 138. Rabat: la Faculté des Lettres et des Sciences Humaines, 2007. • Henia, Abdelhamid. Propriété et stratégies sociales à Tunis (XVIe-XIXe siècles). Tunis: la Faculté des Sciences Humaines et Sociales, 1999. •. Le frère, le sujet et le citoyen. Dynamique du statut politique de l'individu en Tunisie. Tunis: l'Or du temps , 2015. • Kably, Mohamed. "A propos du makhzen des origines: cheminement fondateur et contour cérémonial." Maghreb review: Majallat al-Maghrib. vol. 30. no. 1 (2005). • Lavocat, Françoise. Fait et fiction. Poétique. Paris: Seuil, 2016. • Les provinces arabes et leurs sources documentaires à l'époque ottomane. actes du 7 ème Symposium du Comité International d'Études Pré-ottomanes et Ottomanes (C.I.E.P.O.). Tunis. 13 - 18 / 91982. 10 ème année. no. 31 - 32. Tunis: Centre d'étude et de recherches sur les provinces arabes à l'époque ottomane, 1984. • Plantet, Eugène. Correspondance des Beys de Tunis et des consuls de France avec la cour (1577 - 1830). Paris:
• Rouissi, Moncer. "Une oasis du sud tunisien, le Jarîd: essai d'histoire sociale." thèse de 3 ème cycle. Université de Paris. Paris, 1973 , Cf. T. 1. • Bargaoui, Sami. "Entre institution et historiographie: articulation de l'identité locale à Sfax vers 1800." Insaniyat: Revue algérienne d'anthropologie et de sciences sociales. vol. VII. 1 - 2. no. 19 - 20 (janvier 2003). • Témimi, A. (éd. et présentation). Les Provinces arabes à l'époque ottomane. Actes du VIe Congrès du C.I.E.P.O. Cambridge. juillet 1984. Zaghouan: Centre d’Études et de Recherches Ottomanes et Morisco-Andalouses, 1987. • Tlili, Béchir. "Note sur la notion d'Etat dans la pensée de Ahmad Ibn Abi Ad-Dhiyaf. réformateur tunisien du XIXe siècle (1804 / 5 - 1874)." Revue de l'Occident musulman et de la Méditerranée. no. 8 (1970). • Valensi, Lucette. Mardochée Naggiar. Enquête sur un inconnu. Paris: Stok, 2008. • Vallet, Éric. L'Arabie marchande: État et commerce sous les sultans rasūlides du Yémen (626 - 858 / 1229 - 1454). Paris: publications de la Sorbonne, 2010. • White, Hayden. "Poétiques de l'histoire." Labyrinthe. vol. 2. no. 33 (2009). • ".Patates chaudes." Labyrinthe. vol. 2. no. 33 (2009).
صدر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب دور المثقف في التحولات التاريخية (687 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا)، جامعًا بين دفتيه أوراقًا بحثية محكمة طُرحت في المؤتمر السنوي الرابع للعلوم الاجتمعية والإنسانية الذي عقده المركز في مراكش– المغرب بن 91 و 21 آذار/ مارس 5201)، وتناولت أنماط المثقف العربي الحديث، والمثقف والتاريخ والتاريخانية، ودور المثقف في التحولات العربية الاجتمعية والسياسية والاقتصادية، وإشكاليات علاقة هذا المثقف بالسلطة وبالثورة على هذه السلطة. يستهل عزمي بشارة الكتاب بكلمة افتتاحية عنوانها مقاربات نقدية للرائج عن المثقف يميز فيها بين المثقف وبين الخبير والمتعلّم، وبين المثقف والمثقف الديني. يقول بشارة: «إن سلف المثقف؛ بمعنى الوظيفة العمومية التي تكتسب شرعيتها من مكانة متعلقة بالعمل في مجالات الإشارات والمعاني والرموز، ك ام في العلم والثقافة، ليس الشاعر والأديب وكاتب السلطان، بل هو نمط نقدي من عل امء الدين أسس له تقليد يقوم على اجت امع المعارف والسلطة الأخلاقية، ويتلخص ب 'أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر'، في مقابل تقليد آخر يتلخص بطاعة ولي الأمر، وشرعنة ما يقوم به من ظلم، والتمسك بالوضع السائد؛ وهو ما تعبر عنه مقولة: 'سلطان غشوم خير من
المتخصصّ والمثقف العضوي الغرامشي والمثقف النقدي والمثقفين المغتربين والمنفيين داخليًا أو خارجيًا.
مجموععة مؤلفن
دور المثقف يف التحولات التاريخية
فتنة تدوم'». يعرض بشارة التبلور التاريخي لظاهرة المثقف، مع الإنتليجنسيا الروسية والإنتيلكتويل الفرنسي والأكاديمي