العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الذاكرة الجمعيّة موضوعًا للبحث التاريخي دراسة في نماذج مختارة من مؤرّخي الجيل الثالث لمدرسة الحوليّات

الذاكرة الجمعيّة موضوعًا للبحث التاريخي دراسة في نماذج مختارة من مؤرّخي الجيل الثالث لمدرسة الحوليّات

Collective Memory as a Subject of Historical Research: A Study of Selected Historians from the Third Generation of the Annales School

ياسين اليحياوي

الملخّص

تسعى هذه المقالة لدراسة تطوّر الأبحاث حول "الذاكرة الجمعيّة"؛ كونها موضوعًا تاريخيًّا فرض أهميّته في عديد من أدبيّات المدرسة التاريخية الفرنسية. وقد استندنا في ذلك إلى ثلاث مقاربات، تعود الأولى إلى بير نورا التي ضمّنها مقاله المنشور في كتاب التاريخ الجديد (1978)؛ والثانية إلى جاك لوغوف في فصل من كتابه التاريخ والذاكرة (1988)؛ والثالثة إلى فيليب جوتارد في العمل الموسوعي الذي حرّره فرونسوا دوس بمعيّة مؤرخين آخرين (2010). تهدف المقارنة إلى تتبع التطوّرات التي شهدتها دراسة الذاكرة الجمعيّة، بوصفها موضوعًا معرفيًّا جديدًا يدخل حيّز البحث التاريخي، وإلى تعرف مدى مساهمة مدرسة التاريخ الفرنسية في إرساء منهج علمي في دراستها، وتحديدًا الجيل الثالث من مدرسة الحوليات الذي أرسى معالم التاريخ الجديد.

Abstract

This article seeks to study the evolution of research on "collective memory", a subject of great significance to the academic tradition of history in the Francophone sphere. Three approaches are given close detail. The first is rooted in Pierre Nora's article in The New History (1978); the second is by Jacques Le Goff in a chapter of his book History and Memory (1988); and the third by Phillippe Joutard in the encyclopedic work edited by Francois Dosse with other historians (2010). The aim is to follow the developments in the study of collective memory as a new subject of knowledge under the rubric of historical research, and the extent to which French historians, and particularly those in the third generation of the Annales school, contributed to a novel, academic and methodical approach to the study of history.

الكلمات المفتاحية:
  • ذاكرة جمعية
  • مدرسة الحوليات
  • التاريخ الجديد
  • بيير نورا
  • جاك لوغوف
  • فيليب جوتارد
Keywords:
  • Collective Memory
  • Annales School
  • New History
  • Pierre Nora
  • Jacques Le Goff
  • Phillippe Joutard
ياسين اليحياوي| Yahyaoui *Yassin
ياسين اليحياوي | Yahyaoui Yassin
الذاكرة الجمعيّة موضوعًا للبحث التاريخي
دراسة في نماذج مختارة من مؤرّخي الجيل الثالث لمدرسة الحوليّات
Collective Memory as a Subject of Historical Research
A Study of Selected Historians from the Third Generation of the Annales School

تسعى هذه المقالة لدراسة تطوّر الأبحاث حول "الذاكرة الجمعيّة"؛ كونها موضوعًا تاريخيًّا فرض أهميّته في عديد من أدبيّات المدرسة التاريخية الفرنسية. وقد استندنا في ذلك إلى ث ث مقاربات، تعود الأولى إلى بير نورا التي ضمّنها مقاله المنشور في كتاب التاريخ الجديد (9781)؛ والثانية إلى جاك لوغوف في فصل من كتابه التاريخ والذاكرة (9881)؛ والثالثة إلى فيليب جوتارد في العمل الموسوعي الذي حرّره فرونسوا دوس بمعيّة مؤرخن آخرين (2010). تهدف المقارنة إلى تتبع التطوّرات التي شهدتها دراسة الذاكرة الجمعيّة، بوصفها موضوعًا معرفيًّا جديدًا يدخل حيّز البحث التاريخي، وإلى تعرف مدى مساهمة مدرسة التاريخ الفرنسية في إرساء منهج علمي في دراستها، وتحديدًا الجيل الثالث من مدرسة الحوليات الذي أرسى معالم التاريخ الجديد. كلمت مفتاحية:  ذاكرة جمعية، مدرسة الحوليات، التاريخ الجديد، بير نورا، جاك لوغوف، فيليب جوتارد.

This article seeks to study the evolution of research on "collective memory", a subject of great significance to the academic tradition of history in the Francophone sphere. Three approaches are given close detail. The first is rooted in Pierre Nora's article in The New History (1978); the second is by Jacques Le Goff in a chapter of his book History and Memory (1988); and the third by Phillippe Joutard in the encyclopedic work edited by Francois Dosse with other historians (2010). The aim is to follow the developments in the study of collective memory as a new subject of knowledge under the rubric of historical research, and the extent to which French historians, and particularly those in the third generation of the Annales school, contributed to a novel, academic and methodical approach to the study of history.

باحث في التاريخ، حاصل على الدكتوراه في تاريخ الأديان من جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس، المغرب. Researcher in History with a PhD in the History of Religions, Sidi Mohamed Ben Abdallah University, Fez, Morocco.

مقدمة

يصعب إعطاء تعريف واضح ننطلق منه، لمفهوم غامض وإشكالي، قديم وحديث في الآن معًا؛ فقد جرى استعمال "الذاكرة" في

أقدم الكتابات بحمولة دينية ميثولوجية؛ إذ تبرز معه في الميثات اليونانية كما دوّنها هزيودوس نحو القرن الثامن قبل الميلاد، في كتابه

أنساب الآلهة، بوصفها إلهة وابنة أورانوس وغايا وزوجة زيوس1، وأمّ ربّات الفنون التسعة، والتي من بينهنّ كليو إلهة التاريخ2. ثم

جاء أفلاطون (ت. 347 ق.م) ليتحدّث عن الذاكرة في بُعد ميتافيزيقي، وذلك في نظرته عن عالم المثل السابق لعالم الح سّ، وقوله

بإمكانية التحصيل الذاتي للمعرفة عن طريق التذكّر واستعادة معرفة حجبها النسيان3؛ ولم يحِد أوغسطين (ت. 430 م) عن هذا التوظيف، مع إضافة جوهرية تكمن في جعله إيّاها طريقًا سالكة إلى معرفة الله4. وعلى الرغم من لاستعم لات المُتعدّدة لمصطلح الذاكرة، فإنّ تتّبع تطوّرات المفهوم يُظهر علاقته الوطيدة بالبُعد الجماعي من

جهة، وبالتاريخ من جهة أخرى؛ الأمر الذي يؤدّي إلى اختلاط الذاكرة بالتاريخ داخل بوتقة قصّة جماعية، من دون وجود مسافة

نقدية5. فإن كان مفهوم التاريخ يُحيل على مجموع وقائع الماضي، وعلى المعرفة التي تشكَّلت عن تلك الوقائع6؛ فإنَّ مفهوم الذاكرة

يُحيل على "آليات تمثّل الماضي واستحضاره، ومسارات تشكّل هذا التمثّل من الناحية لاجتماعية والسياسية والثقافية"7، أو بحسب

تعبير أليساندرو بورتيلي: الذاكرة ليست مستودعًا خاملً لأحداث الماضي، بل هي عملية نشطة لخلق المعنى8. وهو ما سبق أن أشار إليه

وجيه كوثراني عند تأكيد دور الذاكرة في تحوير الماضي بناءً على رهانات الحاضر9، أيْ ترميز الماضي وصناعة الميثة. يتشابك داخل هذا السياق التاريخ والذاكرة على نحو علائقي وإشكالي10؛ إذ لا تبدأ الكتابة التاريخية التي تسعى إلى تمثّل الماضي

مع التاريخ بل مع الذاكرة11. فيكون من ثمَّ المؤرّخ أو الباحث في العلوم لاجتماعية والإنسانية في مواجهة ضرورية لمشكلة الذاكرة قبل

أن ينتقل إلى إنتاج معرفة تاريخية. لقد مثّل الوعي بهذا لارتباط نقطة مهمّة في التحوّل المعرفي لدراسة العلاقة بين الذاكرة والتاريخ؛ ما جعل من هذا الموضوع إشكاليّة

تاريخية حديثة مرتبطة بتطوّر مناهج العلوم لاجتماعية والإنسانية. على أنّ البتّ في هذه الإشكالية لم يكن من نصيب المؤرّخين بادئ

1 يقول هزيودوس: "بنات زيوس ذي الدرع وُلدنَ في بياري بعد أن اضطجعت منيموزين [Mnémosyne] سيّدة روابي ألوثير، مع الأب كرونيد (زيوس)". انظر: هزيودوس،

أنساب الآلهة، ترجمة صالح الأشمر (بيروت: دار الجمل، 2015)، ص 34. 2 يقول هزيودوس: "هذا ما كانت تغنيه ربّات الفنون، الساكنات في الأولمب، البنات التسع اللواتي وُلدنَ من زيوس الرائع: كليو وأوترب وتالي وملبومين وتربسيكور وإراتو

وبوليمني وأوراني وكاليوب". انظر: المرجع نفسه، ص 36  -  37.

3 يقول أفلاطون في سياق نقله محاورات سقراط مع مينو: "الروح، إذن، كونها خالدة وقد وُلدت ثانية مرّات عديدة، ورأت كلّ الأشياء التي توجد، سواءً أكانت في هذا

العالم أو في العالم السفلي، لها معرفة عنها كلّها. ولا عجب في أنّها ستكون قادرة كي تستدعي إلى الذاكرة كلّ ذلك الذي عرفته عن الفضيلة، وعن كلّ شيء"، انظر: أفلاطون،

المحاورات الكاملة، ترجمة شوقي داود تمراز، ج 3 (بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 1994)، ص 215؛

Plato, Complete Works , John M. Cooper (ed. & trans.), (Cambridge: Hackett Publishing, 1997), p. 880.

4 أوغسطينوس، اعترافات القديس أوغسطينوس، ترجمة الخوري يوحنا الحلو، ط 4 (بيروت: دار المشرق، 1991)، ص 200  -  214.

5  Philippe Joutard, "Mémoire collective," in: François Dosse et al. (eds.), Historiographies concepts et débats (Paris: Gallimard, 2010), p. 780.

6 عبد الله العروي، مفهوم التاريخ، ط 5 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012)، ص 33؛ عبد الأحد السبتي، الماضي المتعدد قراءات ومحاورات تاريخية (الدار

البيضاء: دار توبقال، 2016)، ص 69. 7 محمد حبيدة، بؤس التاريخ مراجعات ومقاربات (الرباط: دار الأمان، 2015)، ص 153.

8  Alistair Thomson, "Memory and remembering in oral history," in: The Oxford Handbook of Oral History (Oxford: Oxford university press, 2011), p. 77.

9 وجيه كوثراني، تاريخ التأريخاتجاهات مدارس مناهج، ط 2 (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص 39. 10 أحمد خواجة، "إشكاليات المرور من نص السلطة في الكتابة التاريخية في المغرب العربي إلى سلطة النص: مساءلات لروابط الذاكرة بالتاريخ"، في: عبد الرحمان المودن وعبد الحميد

هنية وعبد الرحيم بنحادة (محررون)، الكتابة التاريخية في المغارب: الهوية، الذاكرة والإسطوغرافيا (الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 2007)، ص 81  -  82. 11 بول ريكور، "التاريخ والذاكرة"، في: الكتابة التاريخية، ترجمة محمد حبيدة (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2015)، ص 92، 113.

  1. يقول هزيودوس: "بنات زيوس ذي الدرع وُلدنَ في بياري بعد أن اضطجعت منيموزين [Mnémosyne] سيّدة روابي ألوثير، مع الأب كرونيد (زيوس)". انظر: هزيودوس، أنساب الآلهة، ترجمة صالح الأشمر (بيروت: دار الجمل، 2015)، ص 34.
  2. يقول هزيودوس: "هذا ما كانت تغنيه ربّات الفنون، الساكنات في الأولمب، البنات التسع اللواتي وُلدنَ من زيوس الرائع: كليو وأوترب وتالي وملبومين وتربسيكور وإراتو وبوليمني وأوراني وكاليوب". انظر: المرجع نفسه، ص 36  -  37.
  3. يقول أفلاطون في سياق نقله محاورات سقراط مع مينو: "الروح، إذن، كونها خالدة وقد وُلدت ثانية مرّات عديدة، ورأت كلّ الأشياء التي توجد، سواءً أكانت في هذا العالم أو في العالم السفلي، لها معرفة عنها كلّها. ولا عجب في أنّها ستكون قادرة كي تستدعي إلى الذاكرة كلّ ذلك الذي عرفته عن الفضيلة، وعن كلّ شيء"، انظر: أفلاطون، المحاورات الكاملة، ترجمة شوقي داود تمراز، ج 3 (بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 1994)، ص 215؛ Plato, Complete Works , John M. Cooper (ed. & trans.), (Cambridge: Hackett Publishing, 1997), p. 880.
  4. أوغسطينوس، اعترافات القديس أوغسطينوس، ترجمة الخوري يوحنا الحلو، ط 4 (بيروت: دار المشرق، 1991)، ص 200  -  214.
  5. Philippe Joutard, "Mémoire collective," in: François Dosse et al. (eds.), Historiographies concepts et débats (Paris: Gallimard, 2010), p. 780.
  6. عبد الله العروي، مفهوم التاريخ، ط 5 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012)، ص 33؛ عبد الأحد السبتي، الماضي المتعدد قراءات ومحاورات تاريخية (الدار البيضاء: دار توبقال، 2016)، ص 69.
  7. محمد حبيدة، بؤس التاريخ مراجعات ومقاربات (الرباط: دار الأمان، 2015)، ص 153.
  8. Alistair Thomson, "Memory and remembering in oral history," in: The Oxford Handbook of Oral History (Oxford: Oxford university press, 2011), p. 77.
  9. وجيه كوثراني، تاريخ التأريخاتجاهات مدارس مناهج، ط 2 (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص 39.
  10. أحمد خواجة، "إشكاليات المرور من نص السلطة في الكتابة التاريخية في المغرب العربي إلى سلطة النص: مساءلات لروابط الذاكرة بالتاريخ"، في: عبد الرحمان المودن وعبد الحميد هنية وعبد الرحيم بنحادة (محررون)، الكتابة التاريخية في المغارب: الهوية، الذاكرة والإسطوغرافيا (الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 2007)، ص 81  -  82.
  11. بول ريكور، "التاريخ والذاكرة"، في: الكتابة التاريخية، ترجمة محمد حبيدة (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2015)، ص 92، 113.

الأمر؛ فقد كان أوّل المجيبين عنه علماء لاجتماع والنفس والفلسفة. وكان من أبرزها محاولة السوسيولوجي موريس هالفاكس؛ إذ قدّم

سنة 1925 دراسة مرجعية بعنوان "الأطر لاجتماعية للذاكرةُ"12. يُمكن أيضًا الحديث عن بعض المحاولات المنفردة من طرف المؤرّخ مارك

بلوخ الذي استفاد من أبحاث موريس، وقبلهما شارل بيگي في كتابه "كليو: حوار التاريخ مع الروح الوثنية"13 حيث يؤكّد من خلاله أن الذاكرة والتاريخ يشكلّان تقاطعًا قائمًا (زاوية قائمة)، بحيث إنّ التاريخ لمّا كان يسير بالتّوازي مع الحدث، فإنّ الذاكرة تتقاطع مع كليهما. ولم تصبح الذاكرة موضوع بحث من طرف المؤرّخين بآليّات ومناهج جديدة إلا مع ثمانينيات القرن الماضي، وتحديدًا مع مؤرّخي

الجيل الثالث من مدرسة الحوليّات، وسنسعى في هذه الورقة إلى تتبّع المقاربة التاريخية للذاكرة الجمعيّة في ثلاث محاولات أساسية لكل

من بيير نورا وجاك لوغوف وفيليب جوتارد.

أولً: بدايات المقاربة المنهجية مع بيير نورا

يُعدّ مقال "الذاكرة الجمعيّة"14 لِنورا من بين النصوص المُؤسِّسة في خطاب تجديد الكتابة التاريخية15، حاول من خلاله المُؤلِّف

لفت اهتمام الباحث في التاريخ إلى ضرورة تبنّي مقاربة جديدة، تأخذ بالحسبان مفهوم الذاكرة وطريقة تشكّلها. إنَّه نصّ مُؤسِّس؛ كونه

يندرج ضمن المشروع الطموح الذي قاده الجيل الثالث من مدرسة الحوليات، رفقة لوغوف وفيليب أرييس وجورج ديبي وغيرهم الذين حاولوا إنشاء "التاريخ الجديد" تتويجًا لتطوّر الكتابة التاريخية التي برزت مع مارك بلوخ ولوسيان فيفر. ويُعدّ نورا أوّل من تطرّق إلى البعد

المنهجي في تناول موضوع الذاكرة الجمعية. تجدر الإشارة إلى أنّ نورا في مقاله لم يضع تعريفًا محددًا للذاكرة، فقد كان مقاله محاولة لإبراز ما يُميِّز الذاكرة الجمعية، والدّاعي

إلى إدراجها مبحثًا تاريخيًا. واستمر هذا اللبس في التعريف مع الكتاب الجماعي الذي أشرف عليه بعنوان "أماكن الذاكرة"، فمع صدور

الجزء الأوّل الذي ظهر سنة 1984، انتقد روسو هنري، في مراجعته للكتاب16، غياب تعريف محدّد للذاكرة الجمعيّة، كما انتقد أيضًا

انتقائيّة الدراسة أماكن محدّدة من الذاكرة الجمعيّة وتغييب أماكن أخرى، ولعلّ هذا القصور في التعريف نتيجة لج دَّة الموضوع بصفته

مبحث تاريخي. وقد أبدى بيير استغرابه من عدم خوض المؤرّخين مجال البحث في الذاكرة، مع أنّهم أوّل المعنيين بها17. فقد صدر

بدءًا من ثلاثينيات القرن الماضي كثير من الكتابات لعالم النفس الفرنسي موريس هالفاكس الذي اهتم اهتمامًا بارزًا بموضوع الذاكرة

12  Maurice Halbwachs, Les cadres sociaux de la mémoire (Paris: F. Alcan, 1925). 13  Charles Péguy, Clio: Dialogue de l'histoire et de l'âme païenne (Paris: La Nouvelle revue française, 1917).

14 يندرج المقال ضمن الإصدار الأول للعمل الموسوعي الذي أشرف عليه جاك لوغوف، يُنظر:

Jacques Le Goff et al. (eds.), La Nouvelle Histoire (Paris: Retz, 1978).

وقدّم محمد حُبيدة ترجمة عربية للمقال في كتابه "الكتابة التاريخية" الذي ضمَّنه أيضًا عددًا من مق لات مؤرخين ينتمون لمدرسة التاريخ الجديد، يُنظر: بيير نورا، "الذاكرة

الجمعية"، في: الكتابة التاريخية، ص 85  -  91.

15 سبق أنْ أصدر لوغوف مجموعة مق لات بين سنوات 1977 و 1982 باللغة الإيطالية، عالج فيها موضوعات تتعلّق بالتاريخ والذاكرة، وهي المق لات نفسها التي سيُعاود

تحريرها وترجمتها إلى اللغة الفرنسية لينشرها في كتابهالتاريخ والذاكرة، ويُضيف إليها مداخل جديدة من ضمنها الفصل الذي تحدّث عن الذاكرة، ليصدر الكتاب في فرنسا

سنة 1988. ويبدو أنّ الفصل المُخصّص في كتابه عن الذاكرة جرى تحريره بعد إصدار كتاب التاريخ الجديد سنة 1987، ولا سيّما أنّ مقال بيير نورا "الذاكرة الجمعية"، قد

أحال عليه لوغوف في كتابالتاريخ والذاكرة، كما أحال أيضًا على الكتاب الذي حرّره نورا سنة 1984 بعنوان "أماكن الذاكرة "؛ وهو الأمر الذي يجعلنا نؤكّد أنّ أوّل تأسيس

منهجي أنجزه روّاد "التاريخ الجديد" لدراسة الذاكرة الجمعية بصفتها موضوعًا تاريخيًا جاء مع نورا ثم تبعه لوغوف.

16  Rousso Henry, "Nora Pierre (sous la direction de), Les lieux de mémoire, La nation," Vingtième Siècle, revue d'histoire , Dossier: Quatre visages d'une modernisation française, no. 15 (juillet-septembre 1987), p. 152.

17 نورا، ص 85.

  1. Maurice Halbwachs, Les cadres sociaux de la mémoire (Paris: F. Alcan, 1925).
  2. Charles Péguy, Clio: Dialogue de l'histoire et de l'âme païenne (Paris: La Nouvelle revue française, 1917).
  3. يندرج المقال ضمن الإصدار الأول للعمل الموسوعي الذي أشرف عليه جاك لوغوف، يُنظر: Jacques Le Goff et al. (eds.), La Nouvelle Histoire (Paris: Retz, 1978). وقدّم محمد حُبيدة ترجمة عربية للمقال في كتابه "الكتابة التاريخية" الذي ضمَّنه أيضًا عددًا من مق لات مؤرخين ينتمون لمدرسة التاريخ الجديد، يُنظر: بيير نورا، "الذاكرة الجمعية"، في: الكتابة التاريخية، ص 85  -  91.
  4. سبق أنْ أصدر لوغوف مجموعة مق لات بين سنوات 1977 و 1982 باللغة الإيطالية، عالج فيها موضوعات تتعلّق بالتاريخ والذاكرة، وهي المق لات نفسها التي سيُعاود تحريرها وترجمتها إلى اللغة الفرنسية لينشرها في كتابهالتاريخ والذاكرة، ويُضيف إليها مداخل جديدة من ضمنها الفصل الذي تحدّث عن الذاكرة، ليصدر الكتاب في فرنسا سنة 1988. ويبدو أنّ الفصل المُخصّص في كتابه عن الذاكرة جرى تحريره بعد إصدار كتاب التاريخ الجديد سنة 1987، ولا سيّما أنّ مقال بيير نورا "الذاكرة الجمعية"، قد أحال عليه لوغوف في كتابالتاريخ والذاكرة، كما أحال أيضًا على الكتاب الذي حرّره نورا سنة 1984 بعنوان "أماكن الذاكرة "؛ وهو الأمر الذي يجعلنا نؤكّد أنّ أوّل تأسيس منهجي أنجزه روّاد "التاريخ الجديد" لدراسة الذاكرة الجمعية بصفتها موضوعًا تاريخيًا جاء مع نورا ثم تبعه لوغوف.
  5. Rousso Henry, "Nora Pierre (sous la direction de), Les lieux de mémoire, La nation," Vingtième Siècle, revue d'histoire , Dossier: Quatre visages d'une modernisation française, no. 15 (juillet-septembre 1987), p. 152.
  6. نورا، ص 85.

الجمعيّة وسبر أغوارها18؛ ثمّ تبعه بعد ذلك الكثير من علماء لاجتماع المنتمين إلى مدرسة دوركايم، قبل أنْ ينتقل البحث إلى ميدان

المؤرّخين. ولعلّ النص الذي بين أيدينا، هو أوّل مقاربة تعتمد منهجية مدرسة الحوليّات في دراسة الذاكرة الجمعيّة؛ ثمّ تلاه بعد ذلك،

كتاب جماعي بإشراف بيير نورا، بعنوان "أماكن الذاكرة"19، وهو مرجع أساسيّ للتاريخ الثقافي لفرنسا في العصر الحديث، كما أنه أ لْهَم

العديد من المؤرّخين الأوروبيين للنسج على منواله من أجل معالجة قضايا تخصّ بلدانهم.

أصناف الذاكرة الجمعيّة

أكّد نورا في مقاله "الذاكرة الجمعيّة" أنّ التاريخ يُكتب تحت ضغط الذاكرات الجمعيّة20 التي تسعى من خلال هذا لاستذكار

لتعويض لاستئصال التاريخي للواقع لاجتماعي المعيش، وإعادة رسم الماضي واختلاقه خوفًا من المستقبل. وقد حدّد نورا خصائصها في التالي21: ذاكرة واعية أو غير واعية؛ وذاكرة قوامها هوية جمعيّة تستعيد الماضي إلى الحاضر؛ وذاكرة شفوية أو منقولة بالكتابة أو الفعل؛

وذاكرة إرادية خاضعة لاستعم لات المؤسَّسات والطقوس والكتابة التاريخية المرتبطة بالسلطة والسياسية، حاملة لمُتخيّل مُرتّب كالأمّة

والعائلة والكنيسة والحزب؛ وذاكرة مستعادة زمن الأزمة و لاضطراب الهويّاتي؛ وذاكرة مفارقة للتاريخ. تشترك كلّ خصائص الذاكرة هذه في كونها إنتاج جماعة بشريّة، فهي من ثمَّ ذاكرة جمعيّة.

الذاكرة الجمعيّة والذاكرة التاريخية

وحتى يتمكّن من التفريق بين الذاكرة الجمعيّة كما تناقلتها الأجيال وفي الكتابات التاريخية التقليديّة، والذاكرة الجمعيّة بصفتها

موضوع بحث المؤرّخ، أعطى مجموعة من المُميِّزات لكلّ صنف. فالأولى (أي الذاكرة الجمعيّة) هي تمثلّات ل مَا تبقّى من الماضي في

معاش الجماعة، تمتاز بالإجمالية، والتداخل، واللاحدود، وهي أيضًا لانقدية، ذاتية وصدامية (ذاكرة إسرائيل وذاكرة فلسطين)؛ أمّا الذاكرة التاريخية فهي ثمرة تقليد معرفي وعلمي ونتاج للتحليل والنقد والعقلنة.

المراوحة بين الذاكرة والتاريخ

لا يمكن إدراك الذاكرة الجمعيّة في الكتابة القديمة إلا على مستوى المعالجة الإسطوغرافية؛ إذ من خلالها يظهر التاريخ من موقع

الذاكرة الجمعية للجماعة22، وهو ما عناه نورا عند حديثه عن ضغط الذاكرة أثناء كتابة التاريخ. وإن كانت الكتابة القديمة قد انطلقت من الذاكرة إلى التاريخ، فإنّ ما ميَّز تطوّرات الكتابة التاريخية إلى حدود القرن العشرين هو

انطلاقها من التاريخ إلى تشكيل ذاكرة جمعيّة جديدة. فتمّت عملية لاستذكار داخل قالب أيديولوجي معيّ؛ أي توظيف الذاكرة المُدوّنة

18  Maurice Halbwachs, Les Cadres sociaux de la mémoire (Paris: Alcan, 1925); Maurice Halbwachs, La Topographie légendaire des Évangiles en Terre Sainte: étude de mémoire collective (Paris: Presses Universitaires de France, 1941); Maurice Halbwachs, La Mémoire collective (Paris: Presses universitaires de France, 1950). 19  Pierre Nora (ed.), Les Lieux de Mémoire: tome. 1 , La République (Paris: Gallimard, 1984); Pierre Nora (ed.), Les Lieux de Mémoire: tome. 2 , La Nation (Paris: Gallimard, 1986); Pierre Nora (ed.), Les Lieux de Mémoire: tome. 3 , Les France (Paris: Gallimard, 1992).

20 نورا، ص 88. 21 المرجع نفسه، ص 85  -  86. 22 المرجع نفسه، ص 87.

  1. Maurice Halbwachs, Les Cadres sociaux de la mémoire (Paris: Alcan, 1925); Maurice Halbwachs, La Topographie légendaire des Évangiles en Terre Sainte: étude de mémoire collective (Paris: Presses Universitaires de France, 1941); Maurice Halbwachs, La Mémoire collective (Paris: Presses universitaires de France, 1950).
  2. Pierre Nora (ed.), Les Lieux de Mémoire: tome. 1 , La République (Paris: Gallimard, 1984); Pierre Nora (ed.), Les Lieux de Mémoire: tome. 2 , La Nation (Paris: Gallimard, 1986); Pierre Nora (ed.), Les Lieux de Mémoire: tome. 3 , Les France (Paris: Gallimard, 1992).
  3. نورا، ص 88.
  4. المرجع نفسه، ص 85  -  86.
  5. المرجع نفسه، ص 87.

من خلال الكتابة التاريخية لبناء ذاكرة جمعيّة مُتخيّلة تخدم أيديولوجيا معيّنة23. ليُصبح البحث التاريخي مُؤسِّسًا للهوية الجمعيّة:

"فمن التاريخ انتقلنا إلى الذاكرة، ومن التاريخ أيضًا نشأت هذه الذاكرة"24. فاقمت أزمة القرن العشرين سواءً في الحرب العالمية الأولى أو الثانية أو الحرب الباردة أو ظهور أنظمة وطنية وسيطرة العولمة على

لاقتصاد والمعرفة، مُشكلة المجموعات الهوياتيّة، ووسّعت الهُوّة بين الماضي والمستقبل؛ ما تسبّب في استرداد للذاكرة الجمعيّة على نحو

مُفرط، من أجل ترميم الهوية. يظهر هذا المسعى، بحسب بيير نورا25، من خلال مُحاولة اختلاق الهويات المحلّية وصياغة الأقليّات

المُهمّشة اجتماعيًّا لذاكرة جمعيّة.

الذاكرة موضوعًا للمؤرخ

من أجل مواجهة المشكلات المعاصرة، والتي من أبرزها مُشكلة الهويّات المُتقاتلة، كان من الضروري جعل الذاكرة موضوعًا

للمُؤرّخ. ولبلوغ هذا المرام، حاول نورا أن ينتقل من ذاكرة الأمكنة إلى أماكن الذاكرة26 على نحو يسمح له برصد الذاكرة في مستويات

مختلفة: بدءًا باللاشعور لاجتماعي، مرورًا بالوثيقة التاريخية، وانتهاءً بالتقاليد الحيّة في المعيش اليومي. وهذا ما يسمح بتحديد أماكن

جديدة للذاكرة لم تُدرَس من قبل: فمن الأماكن الأكثر مادية، من قبيل المتاحف والمواقع الأثرية والمقابر والمعمار والمواقع الجغرافية

ونصب الجندي المجهول التذكارية، إلى الأماكن الأكثر رمزية وتجريدًا كالأسطورة والطقوس والأعياد. كما حاول نورا من خلال عرض

استعم لات الذاكرة في الكتابة التاريخية تأكيد أنّ الذاكرة مشكلة تاريخية حديثة، وذلك حتى يتمكّن من التمييز بين الذاكرة والتاريخ

والحدّ من ترادف الكلمتين27، بعد أن أصبح المؤرّخ متأكّدًا من أنّ هذه الذاكرات الجمعيّة تُنشَأ وتُختَلق. ومن أجل تحديد الإطار المنهجي لجعل الذاكرة موضوعًا تاريخيًّا، حدّد نورا ثلاث خطوات أساسية28، تبرز الأولى في لانتقال

من التاريخ السردي إلى التاريخ الإشكالي، وهو ما يسمح بأن يجعل البحث مستقلًّ عن أيّ استذكار تستعمله أطراف أيديولوجية في

صراعاتها السياسية، أمّا الخطوة الثانية فيحدّدها في التخلّ عن المقاربة الخطيّة للزمن ونهج مقاربة أنثروبولوجية، أما الثالثة فتتجل

في إغفال زمن الأصول (التاريخ القديم والوسيط) و لاهتمام بالفترة الحديثة التي تحتوي على مصادر كمية كفيلة بتأطير عمل المؤرّخ،

وتسهيل عملية تناول الذاكرة الجمعيّة بالبحث والتمحيص. إن كان تطبيق الخطوة الأولى والثانية يتماشى مع مقاربة التاريخ الجديد التي حاولت إحداث قطيعة مع الكتابة التاريخية التقليدية، فإنّ الخطوة الثالثة التي حدّدها نورا قد تتوافق في بعض أوجهها مع التاريخ الأوروبي، لكنّها لا تنسجم مع التاريخ العربي الإسلامي. ذلك

أنّ الثورة الصناعية وهيمنة الرأسمالية قد أثَّرتا في البنيات لاجتماعية والذهنية لأوروبا، مُحدثةً تغيرات جوهرية بين الفترة الوسيطة والفترة

الحديثة، متمثّلةً بأهمّ حدث وهو عزل الكنيسة عن تسيير شؤون الدولة، ومن ثمّ تغيّ العديد من البنى المادية و لاقتصادية التي كانت

خاضعة للبنية الذهنية الدينية. غير أنّ التجربة الأوروبية لا يمكن إسقاطها على التجربة العربية الإسلامية. فالكتابة التاريخية العربية لا

23 كتب جاك بوسييي التاريخ الكوني بأسلوب مسيحي؛ وألّف فولتير محاولة عن الطبائع باسم تقدّم الحضارة ونظَّر كارل ماركس لصراع الطبقات، من خلال قراءة التاريخ

على أنه صراع للطبقات. 24 نورا، ص 88. 25 المرجع نفسه، ص 88. 26 المرجع نفسه، ص 90. 27 المرجع نفسه، ص 89. 28 المرجع نفسه، ص 89  -  90.

  1. كتب جاك بوسييي التاريخ الكوني بأسلوب مسيحي؛ وألّف فولتير محاولة عن الطبائع باسم تقدّم الحضارة ونظَّر كارل ماركس لصراع الطبقات، من خلال قراءة التاريخ على أنه صراع للطبقات.
  2. نورا، ص 88.
  3. المرجع نفسه، ص 88.
  4. المرجع نفسه، ص 90.
  5. المرجع نفسه، ص 89.
  6. المرجع نفسه، ص 89  -  90.

تزال ترزح تحت ضغط الذاكرة الجمعيّة التي تشكّلت في التاريخ الإسلامي منذ فترة التأسيس (القرن السابع الميلادي). وإن كان من

المُستَبعد أن تعرف أوروبا توظيفًا أيديولوجيًّا للذاكرة الجمعيّة، كما حصل في حرب الثلاثين سنة في القرن السابع عشر بين البروتستانت

والكاثوليك (1618  -  1648)، فإنّ الهويات الجمعيّة في العالم العربي تعيش تحت وقع لاستعمال الأيديولوجي للذاكرة الجمعيّة، المُستمدّة

من أحداث تاريخية (الصراع السنّي الشيعي)، والتي لا تزال تشكّل وتغذّي العقل العربي. ومن ثمّ فإنّ الخطوة التي وضعها نورا من أجل

جعل الذاكرة مبحثًا تاريخيًّا، تحتاج إلى مزيد من التحديد والتبيئة، لتتلاءم مع مقاربة تاريخية عربية، أو مقاربة ذات بعد كوني شمولي. ومهما يكن من هذه الملاحظات على مقال بيير نورا، فإنّه يظلّ من النصوص الأولى التي تناولت البعد المنهجي والنظري في دراسة الذاكرة الجمعية، على نحو يسعى لتكييف البحث التاريخي مع المستلزمات الجديدة وحاجيّات المجتمع المعاصر.

ثانيًا: المقاربة التأريخية لجاك لوغوف

أصدر لوغوف سنة 1988 كتابه "التاريخ والذاكرة"29، وهو تحيين مجموعة من المق لات التي كتبها ما بين 1977 و 1982 باللغة الإيطالية، وترجمها إلى الفرنسية، ثم أضاف إليها مداخل أخرى، ومن بينها الفصل الذي خصّصه للذاكرة30. لقد سعى لوغوف في

هذا الكتاب إلى إعادة مساءلة مجموعة من القضايا في ضوء التجديد المنهجي الذي عرفته الكتابة التاريخية. وتحضر من بين هذه الموضوعات ثنائيات الماضي/ الحاضر، والقديم/ الحديث، والذاكرة/ التاريخ، وهي الموضوعات التي تناولها في الفصول الأربعة من الكتاب. ويعدّ الكتاب من جهة تأريخ للنظريات التاريخية ومحاولة منهجية في الكتابة التاريخية. وداخل هذا السياق، عالج لوغوف موضوع الذاكرة في الفصل الثالث من كتابه31، بوصفها ذاكرة جمعيّة تدخل حيّز البحث التاريخي والأنثروبولوجي. واعتمادًا على الطريقة التأريخية في تناول موضوعات كتابه، ركّز لوغوف على التأريخ للذاكرة أكثر من اهتمامه بالمقاربة المنهجية. فكان من ثمّ التحقيب الزمني حاضرًا في هذه المقاربة، لنجده يُميِّز بين ثلاثة أقسام من الذاكرات32، القسم الأول هو الذاكرة الشفوية، أما

الثاني فهو الذاكرة الكتابية، والثالث هو الذاكرة التي تحتفظ بالشفوي والكتابي في الآن معًا. وداخل هذه الأقسام الثلاثة يُحدّد التطوّرات

التي طرأت على الذاكرة في مسيرتها الزمنية، بدءًا بدراسة وظائف الذاكرة الشفوية عند المجتمعات الإثنية، ثم انتقال الذاكرة من الشفوي

إلى الكتابي؛ أي من فترة ما قبل التاريخ إلى فترة العصور الإغريقية واللاتينية، ثمّ توازن ما هو شفوي وكتابي في الذاكرة، وذلك في العصر

الوسيط، ثم في أشكال التطور المهمّة للذاكرة الكتابية التي ارتبطت بالمطبعة والتعلّم، وذلك من القرن السادس عشر إلى الآن. سنحاول

التركيز على هذه التحقيبات التي ذكرها لوغوف، محاولين بذلك إبراز طريقة تناوله للذاكرة الجمعية في هذا المسار الزمني الطويل.

الذاكرة الإثنية

تتميّز الذاكرة الإثنية، إضافة إلى بعدها الجمعي، بمجموعة من الخصائص التي تميّزها عن باقي الذاكرات؛ إذ يذهب لوغوف

إلى أنّ ميّزة تناقلها شفويًا يجعلها حاضرة باستمرار في الحياة اليومية لأفراد الجماعة. إنَّها خزان لقصص البدايات، والأحداث البارزة

للأسر والعائلات الكبيرة، والطقوس التي تُمارَس يوميًا، مشكّلة بذلك أيديولوجيا33 تمزج بين التاريخ والأسطورة. تقوم الذاكرة

29  Jacques Le Goff, Histoire et mémoire (Paris: Gallimard, 1988). 30  Ibid., p. 9. 31  Ibid., pp. 105  -  176. 32  Ibid., p. 110. 33  Ibid., p. 112.

  1. Jacques Le Goff, Histoire et mémoire (Paris: Gallimard, 1988).
  2. Ibid., p. 9.
  3. Ibid., pp. 105  -  176.
  4. Ibid., p. 110.
  5. Ibid., p. 112.

بوظيفة أساسية داخل الجماعة الإثنية، تبرز في حماية ثقافة الجماعة وهويتها، وهو ما يبُرر المكانة التي تحظى بها مجموعة من الشخصيات داخل الجماعة الإثنية (كما يؤكّد ذلك لورا غورهان34؛ فإلى النسّابين وزعماء العائلة المسنيّن والكهنة تُردّ مهمّة حراسة الذاكرة الجمعية وحماية لاتساق الداخلي لأفراد الجماعة. إلا أنّ هذا الحفظ ليس نقلً حرفيًّا للذاكرة، بقدر ما هو إعادة استعمالها لرهانات اللحظة المعيشة للجماعة الإثنية. ينقل لوغوف في هذا السياق نتائج أبحاث جاك غودي التي أجراها على مجتمعات قديمة لا تعرف الكتابة35، فقد لاحظ في دراساته الإثنولوجية وجود اختلاف في الروايات المُتعدّدة للأسطورة نفسها؛ ما يُشير إلى أنّ مهمة الكهنة (حرّاس الذاكرة) لا تتجلّ فقط في التلقين الحرفي للذاكرة. إنّ الذاكرة الإثنية كما يُعبِّ عن ذلك لوغوف36 ذاكرة جمعيّة تتميّز بالحيوية الإبداعية.

الذاكرة الملكيّة

عند لانتقال إلى المجتمعات التي عرفت ظهور الكتابة، يرصد لوغوف اختلافاتها عن الذاكرة الإثنية الشفوية؛ إذ جرى لأوّل مرّة في تاريخ البشرية تحنيط الذاكرة الشفوية بعد إيداعها كتابة في الألواح الطينية، أو الحجر أو الجلد أو ورق البردي، إلى غيرها من آليات الحفظ. وكلّ هذه وسائل ارتبطت بنقل ذاكرة الملوك وحفظ السلالات المالكة ووضع النُصب التذكارية التي تؤرّخ لأحداث ملكية. لقد ساعد ظهور الكتابة في تغيّ وظيفة الذاكرة؛ إذ خلافًا للذاكرة الإثنية التي تربط بين جميع أفراد القبيلة، أصبحت الذاكرة المكتوبة مرتبطة بفئة نخبوية من المجتمع، هي التي تحدّد ما يجب تذكره واستذكاره. ولم يكن هذا التطوّر ليتم لولا لانتقال المديني الذي عرفته المجتمعات البشرية، و لازدهار السياسي والعسكري و لاقتصادي الذي شهدته المدن الناشئة آنذاك. وليس غريبًا أن تحتفظ الذاكرة المكتوبة كما يشير لوروا غوهان بالعمليات المالية والدينية وحفلات التدشين والأنساب والتقويم السنوي37. وهي جميعها مرتبطة بالأسر الملكية الحاكمة؛ الأمر الذي جعل لوغوف يطلق عليها اسم ذاكرة ملكية38؛ إذ جلّ النقوش المكتشَفة، والتي تعود إلى منتصف الألف الثانية ق.م، أي مع ظهور الكتابة، هي سجّل لقصص الملوك وانتصاراتهم وفضائلهم وشرائعهم. ومع الإغريق يمكن أنْ نلحظ ظهور أهميّة التأريخ الذي بدأ يزاحم الذاكرة الجمعية، مُطوّرًا إيّاها من دون إلغائها39. لتستمّر هذه المقابلة بين التاريخ والذاكرة عند فلاسفة اليونان؛ بحيث أصبح للذاكرة بعد روحي لاتاريخي وغير خاضع للزمن الدنيوي40.

34  André Leroi-Gourhan , Le Geste et la parole, vol. 1 , La Mémoire Et Les Rythmes (Paris: Albin Michel, 1965), p. 66 , cited in: Le Goff, p. 113. 35  Jack Goody, "Mémoires et apprentissage dans les sociétés avec et sans écriture: La transmission du bagre," L'homme , vol. 1 , no. 17 , vol. 1 (1977), pp. 29  -  52. 36  Le Goff, p. 115. 37  Leroi-Gourhan, p. 67  -  68 , cited in: Le Goff, pp. 118  -  119. 38  Le Goff, p. 119. 39  Ibid., p. 123. 40  Ibid., pp. 126  -  127.

  1. André Leroi-Gourhan , Le Geste et la parole, vol. 1 , La Mémoire Et Les Rythmes (Paris: Albin Michel, 1965), p. 66 , cited in: Le Goff, p. 113.
  2. Jack Goody, "Mémoires et apprentissage dans les sociétés avec et sans écriture: La transmission du bagre," L'homme , vol. 1 , no. 17 , vol. 1 (1977), pp. 29  -  52.
  3. Le Goff, p. 115.
  4. Leroi-Gourhan, p. 67  -  68 , cited in: Le Goff, pp. 118  -  119.
  5. Le Goff, p. 119.
  6. Ibid., p. 123.
  7. Ibid., pp. 126  -  127.

الذاكرة الدينية

عرفت الذاكرة الجمعيّة مع ظهور المسيحية وانتشارها بوصفها دينًا وأيديولوجيا، تحوّلً جديدًا ميَّزه احتكار الكنيسة للمجال

الفكري؛ إذ التعليم المسيحي هو ذاكرة، في حين أنّ الطقوس المسيحية هي احتفاء بالذكرى41. يرصد لوغوف أبرز هذه التحولّات التي

شهدها العصر الوسيط، ويمكن أن نحدّدها في ثلاث تحولّات مهمّة، بداية بهيمنة الذاكرة الليتورجية الدينية على الذاكرة الجمعيّة،

وسيتعمّق هذا الحضور الديني مع أعمال أوغسطين42 الذي بحث في الذاكرة عن الله. وتمثّل التحوّل الثاني بالمزج بين الشفوي والكتابي

في عمليات لاستذكار؛ بحيث ميّزت هذه الثنائية أغلب أدبيات العصر الوسيط بشأن الذاكرة، ليبرز لاهتمام الكبير بآليات الحفظ وتنشيط

الذاكرة. أمّا التحوّل الثالث فيتجلّ في خفوت الذاكرة الدُنيوية المرتبطة بالملوك والأمراء والتعويض عنها بذاكرة القديسين؛ فذاكرة الملوك

التي ميَّزت العصور السابقة لم يعد لها إلا حيّز ضيّق من الذاكرة الجمعيّة، ارتبط أساسًا بفئة النبلاء والأمراء الذين دوّنوا ما من شأنه أن

يُحافظ على امتيازاتهم لاجتماعية و لاقتصادية في ظلّ نظام فيودالي.

الذاكرة الجمعية بعد عصر النهضة

ستعرف الذاكرة ثورة معرفية مهمّة مع عصر النهضة إلى زمننا الراهن، وذلك إثر اختراع المطبعة. لقد ساعدت المطبعة في تقليص

دور الذاكرة الشفوية؛ إذ صار بمقدور القارئ أنْ يطّلع على ذاكرة جمعيّة هائلة من دون الحاجة إلى وسيط ينقلها إليه شفويًّا43. فاتسعت

مج لات المعرفة وتحرّرت الذاكرة الجمعيّة من هيمنة الشفوي ومن سيطرة الكهنة والكنيسة والدِّين. ومع القرن الثامن عشر، ستعرف الذاكرة الجمعيّة توظيفًا جديدًا ذا بُعد علماني، كان رهين ظهور الدولة الوطنية الحديثة، وسيعود

معه لاهتمام من جديد بذاكرة الأموات، لكن من منطلق دُنيوي؛ إذ لاحتفاء بالأموات ليس المقصود منه القديسين ورجال الكنيسة، وإنّما الأشخاص الذين ضحّوا بأنفسهم من أجل إنجاح الثورة الفرنسية وتأسيس الدولة الوطنية44. وخلال هذه الفترة، ظهر اهتمام

كبير بضرورة تذكّر الأحداث المُهمّة لهذه الثورة، وهي الموجة التي عمّت باقي بلدان أوروبا. يقول ريمون راسباي الذي أعاد لاحتفال

بالثورة بعد سقوط نظام نابليون: "إنّ تنظيم سلسلة من الأعياد الوطنية التي تجعل الشعب يستعيد ذكريات ترتبط بالمؤسسة السياسية القائمة هو ضرورة اعترفت بها جميع الحكومات وطبقاته"45، ولم يكن هذا لاستذكار رهين الأحداث الخاصّة بالثورة الفرنسية؛ إذ

يمكن رصد عودة لأحداث تاريخية قديمة، ومحاولة استعادتها من أجل بناء ذاكرة وطنية، كما هو الحال في شخصية جان دارك في فرنسا، والبطولات والملاحم الآريّة بالنسبة إلى الجرمان. لقد ظهرت هذه الذاكرة الجمعيّة بالتوازي مع ظهور الدولة الوطنية، فزاد لاهتمام بالأرشيف الوطني والأعياد الوطنية والعملات

والميداليات والطوابع البريدية، وأصبح للوحات الشوارع وأسماء الأزقّة بعد رمزي له وظيفة استذكارية46، تتمثل أساسًا ببناء وعي

تاريخي جديد مرتبط بالدولة الوطنية الحديثة، وتمّ انتقال مجموعة من أماكن الذاكرة، بحسب تعبير بيير نورا، من البُعد الديني إلى البُعد

العلماني، ولعلّ أبرز مثال على ذلك هو تمثال الجندي المجهول.

41  Ibid., p. 133. 42  Ibid., pp. 133  -  135. 43  Ibid., p. 149. 44  Ibid., p. 150. 45  Ibid., p. 158. 46  Ibid., p. 160.

  1. Ibid., p. 133.
  2. Ibid., pp. 133  -  135.
  3. Ibid., p. 149.
  4. Ibid., p. 150.
  5. Ibid., p. 158.
  6. Ibid., p. 160.

الذاكرة الجمعية في القرن العشرين

بهذا التسلسل الزمني يبرز التأريخ للذاكرة الذي يستعيره لوغوف من لورا غورهان، ليصل أخيرًا إلى الذاكرة الإلكترونية، وهو

تأريخ يمتدّ على خمس مراحل: "مرحلة النقل الشفوي، مرحلة النقل الكتابي مع جدول وفهارس، مرحلة الجذاذات البسيطة، مرحلة الميكانوغرافيا، مرحلة التسلسل الإلكتروني"47. لم يكن اختراع الحاسوب و لانتقال إلى ذاكرة إلكترونية وحده الذي غيّ فهمنا للذاكرة؛

إذ يذكر لوغوف أنّ البيولوجيا كان لها نصيب مهمّ في إعادة مساءلة تعريفاتنا للذاكرة، لا سيّما بعد اكتشاف البنية التنظيمية لنواة الخلية

التي تحتفظ بذاكرة الوراثة48. ومن علم الوراثة إلى الفلسفة والأدب وعلم النفس يُمكن رصد التحولات المهمّة لهذا المفهوم، في أعمال

هنري برغسون ومارسيل بروست وسيغموند فرويد. وتظلّ من بين أهم الدراسات السوسيولوجية التي تناولت الذاكرة الجمعية موضوعًا للبحث، كتاب "الذاكرات الجمعية" لموريس

هالفاكس الذي صدر سنة 1950، ولا ينكر لوغوف أثر هذا الكتاب في مدرسة الحوليّات في معالجتها لموضوع الذاكرة49. وإن كان

كلّ ما سبق أن تناوله في الفصل الثالث من كتابه هو عبارة عن تأريخ للذاكرة من دون تمييز منهجي بين الجانب الجمعي والفردي أو بين الجانب التقني والوظيفي، فإنّه بدءًا من الإحالة على كتاب موريس، سيشرع لوغوف في الحديث عن الذاكرة الجمعية بصفتها

موضوع بحث أكاديمي لاتجاه "التاريخ الجديد"، بعد أن أصبحت هذه الذاكرة موضوعًا حسّاسًا يستعمله تجّار الذاكرة، بحسب تعبيره،

والمتوجّسون من ضياعها50. ويبدو أنّه مدين للتقسيم الذي وضعه نورا بين الذاكرة الجمعيّة والذاكرة التاريخية51؛ فالأولى هي "ما تبقّى من الماضي في

الحياة التي تعيشها المجموعات، أو ما تفعله المجموعات بالماضي"52؛ أمّا الثانية فهي الذاكرة التاريخية التي لا تخضع في كتابتها

إلى ضغط الذاكرات الجمعيّة، أي بمعنى آخر، هي تاريخ علمي ينطلق من الذاكرة الجمعية ويسائل أماكن الذاكرة وذاكرة الأماكن.

كما عرض لوغوف ما قدّمه الروّاد الأوائل لمدرسة الحوليّات في أعمالهم، وهي وإن لم تُسائ ل الذاكرة على نحو منهجي، فإنّها تبقى

أعمالً مهمّة مهّدت لتطوير منهج يضع الذاكرة موضع بحث تاريخي، ومن ذلك ما قدّمه روبير فولز53 وجان تولار54 وجورج دوبي55

وفيليب جوتارد56. يبدو واضحًا أنّ رهان لوغوف لم يكن وضع منهج لدراسة الذاكرة الجمعيّة، بقدر ما كان شغله الشاغل هو إبراز دور مدرسة

الحوليّات والتاريخ الجديد في دراسة الذاكرة. إنّه في حقيقة الأمر امتداد لذلك الجدل القائم إلى حدود نهاية الثمانينيات، بين العلوم

لاجتماعية والإنسانية، في محاولة المُؤرخ إيجاد موضع قدم أكاديمي مع ثورة المعلومات.

47  Leroi-Gourhan, p. 65 , cited in: Le Goff, pp. 162  -  163. 48  Le Goff, p. 167. 49  Ibid., p. 169. 50  Ibid., p. 170.

51 نورا، ص 86.

52  Le Goff, p. 170. 53  Robert Folz, Le Souvenir Et La Légende De Charlemagne Dans L'empire Germanique Médiéval (Paris: Les Belles Lettres, 1950). 54  Jean Tulard, Le Mythe De Napoléon (Paris: A. Colin, 1971). 55  Georges Duby, Le Dimanche De Bouvines (Paris: Gallimard, 1973). 56  Philippe Joutard, La Légende des Camisards: Une Sensibilité Au Passé (Paris: Gallimard, 1977).

  1. Leroi-Gourhan, p. 65 , cited in: Le Goff, pp. 162  -  163.
  2. Le Goff, p. 167.
  3. Ibid., p. 169.
  4. Ibid., p. 170.
  5. نورا، ص 86.
  6. Le Goff, p. 170.
  7. Robert Folz, Le Souvenir Et La Légende De Charlemagne Dans L'empire Germanique Médiéval (Paris: Les Belles Lettres, 1950).
  8. Jean Tulard, Le Mythe De Napoléon (Paris: A. Colin, 1971).
  9. Georges Duby, Le Dimanche De Bouvines (Paris: Gallimard, 1973).
  10. Philippe Joutard, La Légende des Camisards: Une Sensibilité Au Passé (Paris: Gallimard, 1977).

ثالثًا: أزمة الهويات والذاكرات الجمعية من خلال مقاربة فيليب جوتارد

يؤكّد جوتارد صعوبة إعطاء تعريف واضح لمصطلح الذاكرة الجمعيّة57، وإذا كانت استعم لاته قد اختلفت على مر العصور، وهو ما

ذهب إليه لوغوف نفسه، فإنّ تتبع تطوّراته يظهر علاقته الوطيدة بالبعد الجماعي من جهة، وبالتاريخ من جهة أخرى؛ إذ يستعير جوتارد

من نورا مقولته بشأن اختلاط التاريخ بالذاكرة داخل بوتقة قصّة جمعيّة، من دون وجود مسافة نقدية58. فالذاكرة تقع في مجال المعيش

والحميمي والصورة والوجدان والدِّين؛ مُختلفًا بذلك عن البحث التاريخي الذي يتميّز بالحس النقدي والعقلاني. ضمن هذا السياق، يُرجع

جوتارد الفضل في جعل الذاكرة موضوع بحث تاريخي إلى نورا، وذلك في مقاله "الذاكرة الجمعية" الذي سبق الحديث عنه في الجزء الأول من هذه الورقة، وإليه أيضًا يعود الفضل في جعل مصطلح "ذاكرة جمعيّة" شائعًا في الكتابات التاريخية وموضوع بحث لدى المؤرخين.

الهوية والذاكرة الجمعية

تتجلّ الإضافة الأساسية في مقال جوتارد في ذلك الربط بين الذاكرة بصفنها موضع بحث والأحداث المُعاصرة التي شهدتها أوروبا59. إنّ هذا لاهتمام المُتزايد بالذاكرة، في العقود الثلاثة الماضية هو، بحسب جوتارد، تعبير عن أزمة هوياتية، تتجلّ في انتشار ظاهرة الهويات المحلية، نتيجة للحرب العالمية الثانية، ثمّ انقسام لاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين60. لقد شكّكت هذه الحروب الدامية في الثقة

والتفاؤل التي ألفها المجتمع الغربي في القرن التاسع عشر، معتقدًا وجود عقلانية متعالية تشتغل في بروز عالم أفضل، وأدّى تخلخل هذا

اليقين إلى إحداث فجوة بين الماضي والمستقبل، واسترداد للذاكرة استردادًا مفر طًا من أجل ترميم الهوية. يظهر هذا المسعى ظهورًا بارزًا في

محاولة اختلاق الهويات المحلية وصياغة ذاكرة جمعية من طرف الأقليات المُهمشة اجتماعيًّا، كما هو حال الأميركيين السود والأقليات

الإثنية في فرنسا، وكذلك الجماعات اليهودية في أوروبا؛ ما جعل التاريخ يُكتب تحت ضغط الذاكرات الجمعيّة، فتمّ تعويض التهميش

زمن الأزمة وتجاوز الخوف من المستقبل عبر عملية إعادة استحضار الماضي وتقويمه. كما يمكن رصد تنامي هذه الظاهرة في أدب الرواية، وانتشار الكتابات التي تتحدث عن السير الذاتية والذاكرات الجمعية لأصحابها؛ فالعديد من الروايات التي كُتبت في هذه المرحلة تعكس هاجس البحث عن ذاكرة جمعيّة وهويات محلّية. ولعلّ من أبرزها

كما يشير إلى ذلك جوتارد61، رواية "حصان الكبرياء" الصادرة سنة 1975 لبيير جاكيز إلياس، وهي سيرة ذاتية للمؤلف يحكي فيها طفولته في منطقة بريتون Breton بعد الحرب العالمية الأولى، والمآسي التي لحقت بأهل البلدة، وفي خضم سرده اعتمد اعتمادًا مباشرًا

على ما احتفظت به الذاكرة الجمعيّة لسكّان المنطقة. تُصنّف أيضًا رواية جذور الصادرة سنة 1977 لصاحبها أليكس هيلي على أنها أنجح

الروايات التي تعبّ عن انتشار ظاهرة استعادة الذاكرة الجمعية في ثمانينيات القرن العشرين؛ إذ تقصّ الرواية تاريخ عائلة أليكس هيلي،

الأميركي ذي الأصول الأفريقية، منذ أن جرى استقدام كونتا كونتي جدّ العائلة من بلده غامبيا للعمل "قنًّا" في أميركا إلى أن حصل أحفاده على الحرية، فيدمج أليكس خلال هذه الرواية ذاكرة عائلية جمعيّة تحتفظ بكلّ العادات الأفريقية، وما تعرّضت له من تغيّات ومعاناة

في أميركا من منتصف القرن الثامن عشر إلى القرن العشرين.

57  Joutard, "Mémoire collective," p. 779. 58  Ibid., p. 780. 59  Ibid., p. 782. 60  Ibid., p. 781. 61  Ibid.

  1. Joutard, "Mémoire collective," p. 779.
  2. Ibid., p. 780.
  3. Ibid., p. 782.
  4. Ibid., p. 781.
  5. Ibid.

مميزات الذاكرة الجمعية

يُحاول جوتارد أن يرسم مميّزات للذاكرة الجمعيّة من خلال اعتماده على الأدبيّات السابقة، سواءً عند المؤرّخين من مدرسة

الحوليّات أو عند الفلاسفة وعلماء لاجتماع، ويمكن أن نحصرها، بحسب ما قدَّمه في ثلاثة مميّزات: خلط الأزمنة: سواءً كانت الذاكرة فردية أو جمعية، فإنّها تعدّ تشوّهًا تاريخيًا أو خلطًا للأزمنة، بحيث تقوم باستجلاب الماضي

إلى الحاضر من دون مسافة نقدية، وهو ما عبّ عنه بول ريكور بمقولة "الماضي الحاضر"62. التحريف: تقوم الذاكرة أيضًا بتحوير الماضي بناءً على رهانات الحاضر، وأحيانًا إلى تضخيمه من أجل إعطاء معنىً للحظة

المعيشة63، ومن خلال هذا لاستحضار تتمّ عملية ترميز الماضي وصناعة الأساطير التي لا تُعدّ وصفًا خاطئًا للحقائق، بقدر

ما هي طريقة أخرى للتعبير عنه. الأمد الطويل: إذا كان جزء من الذاكرة يوجد في الحيّز الفردي، فإنّ الصيغ التي تتمثّل من خلالها الماضي هي صيغ

الجمع64، وأوّل سجل للذاكرة المُستَعادة يتأتى من خلال التكرار، سواءًالذي يتمّ بوعي أو من دونه، وهو الذي يجد تعبيرًا

له من خلال تقاليد اللباس والأكل والطهو و لاحتف لات والأدب الشفوي والحياة اليومية65. كما تسمح الذاكرة أيضًا برصد الماضي في أمده الطويل. وقد تعود أحيانًا إلى فترات سحيقة في القدم، إذ أظهرت الدراسات الأنثروبولوجية للفولكلور الأوروبي الخاص بالأرياف أنّ هذا النوع من لاحتفاليات يعود إلى فترة ما قبل المسيحية، بل يمكن عدُّه أول آثار استيطان الإنسان في هذه المناطق، واستطاعت الذاكرة أن تحتفظ بهذا التراث لأجيال مديدة من دون الحاجة إلى تدوينه، كما تأقلمت هذه الذاكرة الجمعيّة مع المُستجدّات الطارئة، بما فيها انتشار المسيحية في الأرياف الأوروبية في العصر الوسيط66. ولا تزال

الأعياد والتقاليد الفولكلورية التي تُقام في الأرياف سنويًا أو موسميًا تحمل عديدًا من الأفكار والمعتقدات التي تعود إلى

طقوس الخصوبة وإرضاء آلهة الأرض، المرتبطة بنمط إنتاج زراعي قديم.

الذاكرة الجمعية بين الديني والوطني

يعقد جوتارد مجموعة من المقارنات بين البعدين الديني والدنيوي في الذاكرة الجمعيّة، والكيفية التي من خلالها يستطيع المؤرّخ

أن يدرسها. إذ يُعدّ الدِّين مستودعًا لحفظ الذاكرة الجمعيّة أشدّ صلابة من الفولكلور والتراث الشعبي. فالقصص الملحمية والمؤسسة

جرى حفظها في النصّ الديني، وأغلب الطقوس الدينية هي عبارة عن نصُب سنوية ذات وظيفة تذكارية تعيش الماضي في الحاضر، وهو

62  Ibid., p. 783. 63  Ibid. 64  Ibid., p. 784.

65 إنَّ هذا المُستوى من الذاكرة عادة ما يهتم به الأثنولوجيون والأنثروبولوجيون والسوسيولوجيون أكثر من المؤرّخين، انظر:

Joutard, "Mémoire collective," p. 784

66 يُمكن أيضًا رصد هذه الوظيفة للذاكرة الجماعية في بلدان المغارب، فقد استطاعت الذاكرة الحفاظ على بنيتها من خلال الفولكلور الشعبي الذي تكيَّف مع المعتقدات

الإسلامية وأعاد إنتاج نفسه داخل الإسلام، من ذلك على سبيل المثال لاحتفاليات التي تصاحب عيدي الأضحى وعاشوراء. وهي احتفاليات يهيمن عليها اللعب والمضاحك

والضوضاء وخرق القواعد التي يقوم عليها العيدان الإسلاميان، مع استحضار شخصيات أسطورية لها جذور في الميثولوجيا الأمازيغية. وقد رصد الأنثروبولوجي عبد الله

حمودي مظاهر التشابه بين الفولكلور الأوروبي في الأرياف المسيحية والفولكلور الأمازيغي في البوادي المغربية، وهو ما يُعطي فكرة للمؤرّخ بشأن آليات الذاكرة الجمعيّة في

إعادة إنتاج بناها الذهنية داخل أمد طويل. انظر: عبد الله حمّودي، الضحيّة وأقنعتها: بحث في الذّبيحة والمسخرة بالمغارب، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي (الدار البيضاء:

دار توبقال، 2010)، ص 10.

  1. Ibid., p. 783.
  2. Ibid.
  3. Ibid., p. 784.
  4. إنَّ هذا المُستوى من الذاكرة عادة ما يهتم به الأثنولوجيون والأنثروبولوجيون والسوسيولوجيون أكثر من المؤرّخين، انظر: Joutard, "Mémoire collective," p. 784
  5. يُمكن أيضًا رصد هذه الوظيفة للذاكرة الجماعية في بلدان المغارب، فقد استطاعت الذاكرة الحفاظ على بنيتها من خلال الفولكلور الشعبي الذي تكيَّف مع المعتقدات الإسلامية وأعاد إنتاج نفسه داخل الإسلام، من ذلك على سبيل المثال لاحتفاليات التي تصاحب عيدي الأضحى وعاشوراء. وهي احتفاليات يهيمن عليها اللعب والمضاحك والضوضاء وخرق القواعد التي يقوم عليها العيدان الإسلاميان، مع استحضار شخصيات أسطورية لها جذور في الميثولوجيا الأمازيغية. وقد رصد الأنثروبولوجي عبد الله حمودي مظاهر التشابه بين الفولكلور الأوروبي في الأرياف المسيحية والفولكلور الأمازيغي في البوادي المغربية، وهو ما يُعطي فكرة للمؤرّخ بشأن آليات الذاكرة الجمعيّة في إعادة إنتاج بناها الذهنية داخل أمد طويل. انظر: عبد الله حمّودي، الضحيّة وأقنعتها: بحث في الذّبيحة والمسخرة بالمغارب، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي (الدار البيضاء: دار توبقال، 2010)، ص 10.

ما جعل موريس هالفاكس يولي الذاكرة الدينية أهميّة كبيرة في أبحاثه بشأن الذاكرة الجمعية67. وقد سمحت دراسة الذاكرة الدينية

بفهم عديد من آليات الذاكرة الوطنية ووظائفها؛ إذ تحضر فيها أيضًا الأحداث المؤسسة نفسها التي تُبنى من خلالها هوية الجماعة،

ويجري استعمالها ونقلها برهانات سياسية. إنّ عقد المقاربة بين نُصب الجندي المجهول والأوثان في المعتقدات الدينية يسمح برصد مدى

التشابه في الوظائف؛ فكلاهما يُعدّ مستودعًا يتمّ فيه تركيز الذاكرة تركيزًا مُكثّفًا، جاعلً إيّاها شديدة لارتباط و لالتحام بالهوية. إنّ هذه

الذاكرة التي يحافظ عليها ويروجها الدين والدولة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على عمل المؤرّخ الذي يشتغل بوعي أو من دون وعي من أجل

بناء الهوية الدينية والوطنية. وتقوم الجهة المُستفيدة باستثمار جهد المؤرّخ من أجل بناء ذاكرة جمعيّة، ترتدّ عكسيًا من التاريخ (التدوين)

إلى الذاكرة، لتظهر على نحو رمزي68 في معالم ونُصب تذكارية واحتفاليّات سنوية.

خاتمة

لقد حاولنا من خلال هذه الورقة إبراز أهميّة المساءلة التاريخية للذاكرة الجمعيّة، من خلال أعمال رواد اتجاه التاريخ الجديد،

بدءًا بِبيير نورا ثم جاك لوغوف وفيليب جوتارد. لقد كان الوعي بضرورة تطوير الإرث التاريخي الذي حققته مدرسة الحوليات مُحفّزًا

لأعمال المؤرخين الثلاثة، وأيضًا استجابة للأزمة التي تعيشها العلوم لاجتماعية بدءًا من ثمانينيات القرن الماضي69، وهي الأزمة

التي ساهمت في إعادة مساءلة التصنيفات القديمة، لا سيّما عن مدى ارتباط علم التاريخ بالعلوم لاجتماعية الأخرى. وقد أشار نورا إلى

هذه الأزمة في فاتحة مقالته، مُتحدّثًا عن الإشكاليات التي يُثيرها مصطلح "ذاكرة جمعيّة"70، شأنه في ذلك شأن مصطلحات جديدة

أخرى (من قبيل الذهنيات والبنى والمتخيل) اقتحمت البحث التاريخي. ولا تتمثّل الإشكالية فقط في الجانب المُصطلحي، فكلّ من

نورا ولوغوف وجوتارد يتفقون على خطورة المزج بين التاريخ والذاكرة الجمعيّة؛ ما يجعل من دراسة الذاكرة أمرًا لا محيص عنه للمؤرّخ،

ليس فقط من أجل فهم واقع معيش71 في الحالة التي تكون فيها الذاكرة لا تزال محفوظة تراثًا شفويًّا أو فولكلوريًّا أو شهادات لأناس

معاصرين، ولكن أيضًا لأنّ الذاكرة، بوصفها تمثلّات ذهنية للماضي، هي التي تقوم باختلاق التاريخ بحسب تعبير جوتارد72، فالمصادر

الأدبية هي في أصلها ذاكرة جرى تحويلها إلى نصّ مكتوب، وقد كان لانتقال من عصر ما قبل الكتابة إلى العصر القديم موازيًا لانتقال

الذاكرة من طور الشفاهة إلى طور التدوين (كما أشار إلى ذلك لوغوف)، وظلّت في عديد من الكتابات محافظة على الخصائص نفسها، من لانتقائيّة والسرد الرمزي والميثولوجي، والوظائف نفسها في بناء هوية الجماعة والحفاظ عليها. كما نجد أيضًا في الكتابات التاريخية

القديمة أو المعاصرة حضورًا للذاكرة ومحاولة للتحكّم فيها لأغراض سياسية؛ فالسلطة ومحيطها لطالما رغبا في التحكّم في الحاضر من

خلال إعادة رسم الماضي، ولا يكون ذلك إلا من خلال عملية انتقاء للذاكرة. لذلك يرى بيير نورا73 ضرورة الحدّ من ترادف مفهومي

الذاكرة والتاريخ، وأن يُكمل منهج التاريخ الجديد مسيرة مدرسة الحوليّات بوصفه ثورة في مجال دراسة الذاكرة، يهدف إلى التكيّف مع

المستلزمات الجديدة وحاجات المجتمع المعاصر.

67  Joutard, "Mémoire collective," p. 786. 68  Ibid., p. 787.

69 جاك لوغوف (محرر)، التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص 38. 70 نورا، ص 85.

71  Joutard, "Mémoire collective," p. 789. 72  Ibid.

73 نورا، ص 89.

  1. Joutard, "Mémoire collective," p. 786.
  2. Ibid., p. 787.
  3. جاك لوغوف (محرر)، التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص 38.
  4. نورا، ص 85.
  5. Joutard, "Mémoire collective," p. 789.
  6. Ibid.
  7. نورا، ص 89.

المراجع

العربية

أفلاطون. المُحاورات الكاملة. ترجمة شوقي داود تمراز. بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 1994. أوغسطينوس. اعترافات القديس أوغسطينوس. ترجمة الخوري يوحنا الحلو. ط 4. بيروت: دار المشرق، 1991. حبيدة، محمد (تحرير وترجمة.) الكتابة التاريخية. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2015.. بؤس التاريخ مراجعات ومقاربات. الرباط: دار الأمان، 2015. حمّودي، عبد الله. الضحيّة وأقنعتها بحث في الذّبيحة والمسخرة بالمغارب. ترجمة عبد الكبير الشرقاوي. الدار البيضاء: دار

توبقال، 2010. السبتي، عبد الأحد. الماضي المتعدد قراءات ومحاورات تاريخية. الدار البيضاء: دار توبقال، 2016. العروي، عبد الله. مفهوم التاريخ. ط 5. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012. كوثراني، وجيه. تاريخ التأريخ اتجاهات مدارس مناهج. ط 2. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013. لوغوف، جاك (محرر.) التاريخ الجديد. ترجمة محمد الطاهر المنصوري. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007. المودن، عبد الرحمان وعبد الحميد هنية وعبد الرحيم بنحادة (محررون.) الكتابة التاريخية في المغارب: الهوية، الذاكرة والإسطوغرافيا. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2007. هزيودوس. أنساب الآلهة. ترجمة صالح الأشمر. بيروت: دار الجمل، 2015.

الأجنبية

• Folz, Robert. Le Souvenir Et La Légende De Charlemagne Dans L'empire Germanique Médiéval. Paris: Les

• Goody, Jack. "Mémoires Et Apprentissage Dans Les Sociétés Avec Et Sans Ecriture: La Transmission Du Bagre."

• Henry, Rousso. "Nora Pierre (sous la direction de), Les lieux de mémoire, La nation." Vingtième Siècle revue

References

• Duby, Georges. Le Dimanche De Bouvines. Paris: Gallimard, 1973.

Belles Lettres, 1950. • François, Dosse et al. (eds.). Historiographies concepts et débats. France: Gallimard, 2010.

L'homme. vol. 1. no. 17. (1977). • Halbwachs, Maurice. La Mémoire collective. Paris: Presses universitaires de France, 1950. •. Les Cadres sociaux de la mémoire. Paris: Alcan, 1925.

d'histoire. Dossier: Quatre visages d'une modernisation française. no. 15 (juillet-septembre 1987). • Joutard, Philippe. La Légende des Camisards: Une Sensibilité Au Passé. Paris: Gallimard, 1977. • LeGoff, Jacques et al. (eds.). La Nouvelle Histoire. Paris: Retz, 1978.

• LeGoff, Jacques. Histoire et mémoire. Paris: Gallimard, 1988. • Leroi-Gourhan, André. Le Geste et la parole. vol. 1. La Mémoire Et Les Rythmes. Paris: Albin Michel, 1965. • Nora, Pierre (ed.). Les Lieux de Mémoire: tome. 1 , La République. Paris: Gallimard, 1984. •. Les Lieux de Mémoire: tome. 3 , La France. Paris: Gallimard, 1992. •. Les Lieux de Mémoire: tome. 2 , La Nation. Paris: Gallimard, 1986. • Péguy, Charles. Clio: Dialogue de l'histoire et de l'âme païenne. Paris: La Nouvelle revue française, 1917. • Plato. Complete Works. John M. Cooper (ed. & trans.). Cambridge: Hackett Publishing, 1997. • Ritchie, Donald A. (ed.). The Oxford handbook of oral history. New York: Oxford University Press, 2012. • Tulard, Jean. Le Mythe De Napoléon. Paris: A. Colin, 1971.

وجيه كوثراني

السلطة والمجتمع والعمل السياي س العربي أواخر العهد العثمي ن

وسائط السلطة يف بلاد الشام

في كتابه السلطة والمجتمع والعمل السياسي العربي أواخر العهد العثمني: وسائط السلطة في ب داا الشام، كان هدف وجيه كوثراني تبيان س ت السلطنة العثمنية وخصائص مجتمعها التقليدي، من خلال دراسة مفهوم الدولة السلطانية في التاريخ الإسلامي، ومدخل مفاهيمي لمعالجة إشكاليات ترتبت عى التقاطع بن صيغة الالتزام في النظام العثمني القديم والإدارة العثمنية الجديدة التي اعتمدت عى تنظي ت الجديدة، وعى التداخل والتميز بن نظام الملل والامتيازات الأجنبية، وأثر ذلك في المجتمع، وكذلك عى العمل السياسي العربي الحديث من خ لاا تقاطعه مع الإس اررتيجيات الغربية قبل الحرب العالمية الأولى. فهذا كله، بحسب كوثراني، شكّل حالة تاريخية مأزقية في تحولّات السلطة والمجتمع، يحاول تفسرها من خ لاا تكوّن وسائط السلطة بن الأطراف والمركز، وبن القديم والجديد. يتألف هذا الكتاب، الصادر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (352 صفحة، موثقًا ومفهرسًا)، من مدخل وأربعة فصول وخاتمة.