التاريخ الجزئي شيئان أو ثلاثة أشياء أعرفها عنه
Microhistory: Two or Three Things That I know about it
الملخّص
تعيد هذه المقالة بناء سلسلة النَّسب الفكري لمدرسة "التاريخ الجزئي" Microhistory وصولً إلى لحظتها لدى مؤرّخيها الإيطالين الذين ينتمي إليهم الكاتب. هكذا، تتقصّ هذه المقالة، عى نحوٍ راجع، أصول مصطلح "التاريخ الجزئي" لدى مختلف الباحثن والأدباء والمؤرّخن وصولً إلى استخدامه لدى المدرسة الإيطالية. وتكتشف، في سياق ذلك، ضروبًا من التشابه والتباين في هذه الاستخدامات تعود إلى ما يقف خلفها من مقاربات مختلفة، بل متضادة في بعض الأحيان. تبي المقالة، إذًا، ما يصل، وما يقطع، بن "التاريخ الجزئي" من جهة، و"التاريخ الحدثيّ" و"التاريخ المحلي" و"التاريخ القصر" و"التاريخ الجديد" وسوى ذلك، من جهة أخرى. ففي "التاريخ الجزئي" ثمة تضافر لمجموعة من الخصال والمزايا، منها اختزال نطاق الرصد والملاحظة، والتحليل الدقيق لوثائق محددة، ورفض الاختيار بن السرة الفردية والتاريخ المتسلسل، والاهت م بالسرد، وتحويل ما يواجه التوثيق من عقبات وفرضيات وشكوك وانعدام لليقن إلى جزء من السرد، وتحويل البحث عن الحقيقة إلى جزء من عَرْضِ الحقيقة المتحصّلة الناقصة بالضرورة، والوعي الواضح بأنّ جميع الأطوار التي يتكشّف من خلالها البحث هي أطوار مبنيّة بناءً وليست معطاةً أو مسبّقة، والإلحاح عى السياق سواء كان الموضوع ذا أهمية معترف بها أو من عوالم قليلة الشأن، بحيث تغدو العلاقة بن البعد الجزئي والبعد السياقي الأكبر المبدأ الناظم في السرد. كلمت مفتاحية: التاريخ الجزئي الإيطالي، التاريخ الحدثيّ، التاريخ المحلي، التاريخ القصر، التاريخ المتسلسل.
Abstract
This article explores the origins of the term "microhistory" and, particularly, its use by the Italian school. It shows the connection and the intersection with “microhistory” and a host of related themes in the development of the enterprise of history, such as the history of events, local history and new history. Microhistory is characterized by a very specific set of characteristic features: a reduced scope of focus, meticulous analysis of specific documents, a refusal to choose between autobiography and chronological history; interest in narration; being part of the narrative; transforming the search for truth into being part of exposing the truth; awareness that all stages through which the research unfolds are built and are not a priori true. Microhistory insists on the context, affirming whether the topic is of acknowledged importance or pertaining to insignificant worlds. In this way the relation between the micro dimension and the broader contextual dimension become the binding principle in narration
- التاريخ الجزئي الإيطالي
- التاريخ الحدثيّ
- التاريخ المحلي
- التاريخ القصير
- التاريخ المتسلسل
- Italian microhistory
- Event History
- Local History
- Short History
- Chronological History
تعيد هذه المقالة بناء سلسلة النَّسب الفكري لمدرسة "التاريخ الجزئي" Microhistory وصولً إلى لحظتها لدى مؤرّخيها الإيطالين الذين ينتمي إليهم الكاتب. هكذا، تتقصّ هذه المقالة، عى نحوٍ راجع، أصول مصطلح "التاريخ الجزئي" لدى مختلف الباحثن والأدباء والمؤرّخن وصولً إلى استخدامه لدى المدرسة الإيطالية. وتكتشف، في سياق ذلك، ضروبًا من التشابه والتباين في هذه الاستخدامات تعود إلى ما يقف خلفها من مقاربات مختلفة، بل متضادة في بعض الأحيان. تبي المقالة، إذًا، ما يصل، وما يقطع، بن "التاريخ الجزئي" من جهة، و"التاريخ الحدثيّ" و"التاريخ المحلي" و"التاريخ القصر" و"التاريخ الجديد" وسوى ذلك، من جهة أخرى. ففي "التاريخ الجزئي" ثمة تضافر لمجموعة من الخصال والمزايا، منها اختزال نطاق الرصد والملاحظة، والتحليل الدقيق لوثائق محددة، ورفض الاختيار بن السرة الفردية والتاريخ المتسلسل، والاهت
م بالسرد، وتحويل ما يواجه التوثيق من عقبات وفرضيات وشكوك وانعدام لليقن إلى جزء من السرد، وتحويل البحث عن الحقيقة إلى جزء من عَرْضِ الحقيقة المتحصّلة الناقصة بالضرورة، والوعي الواضح بأنّ جميع الأطوار التي يتكشّف من خلالها البحث هي أطوار مبنيّة بناءً وليست معطاةً أو مسبّقة، والإلحاح عى السياق سواء كان الموضوع ذا أهمية معترف بها أو من عوالم قليلة الشأن، بحيث تغدو العلاقة بن البعد الجزئي والبعد السياقي الأكبر المبدأ الناظم في السرد. كلمت مفتاحية: التاريخ الجزئي الإيطالي، التاريخ الحدثيّ، التاريخ المحلي، التاريخ القصر، التاريخ المتسلسل.
This article explores the origins of the term "microhistory" and, particularly, its use by the Italian school. It shows the connection and the intersection with "microhistory" and a host of related themes in the development of the enterprise of history, such as the history of events, local history and new history. Microhistory is characterized by a very specific set of characteristic features: a reduced scope of focus, meticulous analysis of specific documents, a refusal to choose between autobiography and chronological history; interest in narration; being part of the narrative; transforming the search for truth into being part of exposing the truth; awareness that all stages through which the research unfolds are built and are not a priori true. Microhistory insists on the context, affirming whether the topic is of acknowledged importance or pertaining to insignificant worlds. In this way the relation between the micro dimension and the broader contextual dimension become the binding principle in narration.
يجب أن أشكر باتريك فريدنسن الذي ناقشت معه هذه المقالة وأنا أكتبها. كم قرأها بيري أندرسن وانتقدها قبل أن تتخذ صيغتها النهائية، لذلك، مرّة أخرى، فإنّ دَيني له هو ذلك الدين الكبير. Researcher and deputy director of the book translation unit, Arab Center for Research and Policy Studies, Beirut Office, Lebanon.
لا بد أنّه كان عام 1977 أو 1978 حين سمعت، أول مرة، ب "التاريخ الجزئي" Microhistory من جيوفاني ليفي، فتبنّيتُ هذا التعبير
الذي لم يسبق أن سمعتُ به من دون أن أتساءل عمّا يعنيه حرفيًا؛ وأحسبُ أنني أقنعتُ نفسي من خلال ما تشير إليه صفة الجزئي،
السابقة Micro، من نطاق مصغّر. وأذكر، أيضًا، أننا كنا نتحدث عن "التاريخ الجزئي"، في تلك الحوارات المبكرة، كما لو كان ملصقًا
على إناء فارغ يُنتظَر ملؤه5.
لم يمض وقتٌ طويل حتى بدأتُ أنا وليفي وسيمونا شيروتي العمل على سلسلة تُدعى Microstorie لدار النشر إيناودي في تورينو.
وصدر نحو عشرين كتابًا لكُتّاب إيطاليين وأجانب؛ وتُرجمت بضعة أعمال إيطالية إلى لغات أخرى. وسرى في بعض الأوساط كلامٌ عن
مدرسة إيطالية في التاريخ الجزئي، لأكتشف مؤخّرًا، بفضل استقصاء رجعيّ بسيط للمصطلحات6، أنّ هذا التعبير الذي حسِبنا أنّه خالٍ
من الداللت الضمنية وظلال المعاني، سَبق أن استخدمه آخرون. على حد علمي، فإنّ أول شخص التقط تعبير التاريخ الجزئي بوصفه مصطلحًا مستقلً بذاته هو الباحث الأميركي جورج ر. ستيوارت، في
عام 1959. ولا بدّ أنّ ستيوارت الذي عاش من 1859 إلى 1980، وعمل بروفيسورًا في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، كان شخصًا استثنائيًا؛ إذ
تشتمل بيبليوغرافيا هذا الشخص الموسوعي المعطاء، علاوةً على عدّة روايات، لم أقرأها، على بيان إيكولوجي مبكر، بعنوان لستم أغنياء
كما تحسبون Think You as Rich So Not عام 1968؛ وموجز للتاريخ الكوني على هيئة سيرة ذاتية للجنس البشري، بعنوان الإنسان:
سيرة ذاتية Autobiography an: Man عام 1946؛ وتاريخ بعنوان عام القسَم: الكفاح من أجل الحرية الأكاديمية في جامعة
كاليفورنيا عام 1950، كتب بالتعاون مع آخرين، عن المقاومة التي أبداها ستيوارت وزملاء له، من بينهم إرنست كانتوروفيتز، حيال قسَم
الولاء الذي فرضته عليهم جامعة كاليفورنيا في الحقبة المكارثية7. وكرّس ستيوارت كتابيه الشهيرين أسماء على الأرض the on Names
Land عام [1945]، 1967؛ وأسماء الأماكن الأميركية Names - Place American، عام 1970، لأسماء الأماكن في الولايات المتحدة
الأميركية9. ويؤكّد ستيوارت في محاضرة تنطلق من أسماء الأماكن المذكورة في قصيدة غنائية هوراسيّة، أنّنا كي نفسِّ نصًّا أدبيًا لا بدّ، قبل
كلّ شيء، من أن نفكّ مغاليق ما تحتويه من إح لاتٍ تقف في خلفيتها، من: أماكن، ونباتات، وأحوال جوية10. كما أدى شغف ستيوارت بالتفاصيل المجهرية الدقيقة إلى إلهامه الكتابَ الذي يثير اهتمامي هنا: هجوم بيكيت: تاريخ جزئي للهجوم الأخير على غيتسبرغ، 3
تموز /يوليو، 1863، والذي يحلّل فيه ستيوارت بدقّة، بما يزيد على 300 صفحة، المعركة الحاسمة في الحرب الأهلية الأميركية، مع أن
العنوان يشير إلى حدثٍ لم يَدُم أكثر من عشرين دقيقة هو الهجوم اليائس الفاشل الذي شنّته كتيبة اتحادية يقودها اللواء إدوارد بيكيت.
1 يتذكّر جيوفاني ليفي أنّ النقاشات الأولى التي خاضها مع جوليو إيناودي ومعي، حول السلسلة التي ستحمل اسم "التاريخ الجزئي" Microstorie كانت في عام 1974 أو
1975 أو 1976، ربما هذا لاضطراب زلّة من زلّت الذاكرة، انظر:
"Il piccolo, il grande, il piccolo: Intervista a Giovanni Levi," Meridiana (September 1990), p. 229.
2 تمكّنت من القيام بهذا لاستقصاء بفضل موقع أخبار الطالب في جامعة ولاية كاليفورنيا، مدينة تشيكو ORION، وهو البرنامج الذي قام عليه دليل مكتبة جامعة
كاليفورنيا، لوس أنجلوس UCLA المحوسب (اسمها الآن مكتبة بحوث الشباب YRL.) 3 يَظهر كانتوروفيتز في رواية ستيوارت عن هذا الأمر ظهورًا خاطفًا من دون أن يُسَمّى لكنه يمكن تمييزه بسهولة، انظر:
George R. Stewart, The Year of the Oath: The Fight for Academic Freedom at the University of California (Garden City, NY: Doubleday, 1950), p. 90.
يقول كانتوروفيتز:"ليس المقصود من هذا العمل أن يكون تاريخًا ل 'عام القسَم'. فهذا الموضوع سبق أن اعتنى به البروفسور جورج ر. ستيوارت على نحوٍ مثير للإعجاب"،
انظر:
Ernst Kantorowicz, The Fundamental Issue: Documents and Marginal Notes on the University of California Loyalty Oath (San Francisco, CA: Parker Print, 1950), p. 1.
4 انظر، إضافةً إلى الكتابين أعلاه:
Madison S. Beeler, "George R. Stewart: Toponomyst," Names 24 (June 1976), pp. 77 - 85 (The fascicle is entitled Festschrift in Honor of Professor George R. Stewart); Joseph M. Backus, "Interview: George R. Stewart on Names and Characters," Names 9 (March 1961), pp. 51 - 57 ; John Caldwell, George R. Stewart (Boise, ID: Boise State University, 1981). 5 George R. Stewart, "The Regional Approach to Literature," College English 9 (April 1948), pp. 370 - 375.
تتكشّف الرواية ضمن إطار زمني ضيق، نحو أربع عشرة ساعة. وتصاحب الخرائط والمخططات المرفقة بالنصّ تعليقات مثل "القصف
(في الدقائق 10: 1 - 55: 2 بعد الظهر)". أمّا حصيلة معركة غيتسبرغ فتُعْرَض زمنيًا في ثوانٍ، وفي مكان بين أجمة أشجار وسور حجري11.
وضمن هذا الحيّز المضغوط زمانًا ومكانًا، يحلل ستيوارت، بتفصيل موسوس، ما يعرّفه بأنّه "ذروة الذروة: اللحظة المركزية في تاريخنا"، وما
يمثّل، إذًا، جزءًا من التاريخ الكوني. ويرى ستيوارت أنّه لو نجح هجوم جورج إدوارد بيكيت، لكان ثمة احتمال أن تنتهي معركة غيتسبرغ
على نحو مختلف، "ولكان من المحتمل أن يمنع وجودُ جمهوريتين متنافستين الولايات المتحدةَ من قلب الموازين في الحرب العالمية الثانية
والتحول إلى قوة عالمية"12(. ولعلّ هذا النوع الستيوارتي العنيد من التاريخ الجزئي يستحثُّ التفكير في أنف كليوباترا13. بعد بضع سنوات، وعلى نحوٍ مستقلٍّ تمامًا عن ستيوارت، أوردَ باحثٌ مكسيكي، هو لويس غونزاليس إي غونزاليس كلمة
Microhistory في العنوان الفرعي لدراسة نُشِت في مكسيكو سيتي في عام 1968 بعنوان: قريةٌ في اضطراب: التاريخ الجزئي لسان خوسيه دي غارثيا Gracia de José San de Microhistoria: vilo en Pueblo. يتقصّ الكاتب، على مدى أربعة قرون، التحول الذي
عاشته قريةٌ صغيرة "منسيّة". لكن الأبعاد المحدودة لهذه الدراسة تعوضها خصائصها التمثيلية. وهذا الأمر، مُضَافًا إلى أنّ غونزاليس وُل د
وعاش هناك، وهو ما يبرر اختيار سان خوسيه دي غراسيا من بين آلاف القرى المتشابهة. ونجد هنا أنّ التاريخ الجزئي مرادفٌ للتاريخ
المحلّ، المكتوب من منظور كيفيّ وليس من منظور كمّي، على نحوٍ يؤكّده غونزاليس، مستشهدًا ببول لويّليو14. عمل النجاح الذي
حقّقه كتاب قرية في اضطراب (إذ أُعيدت طباعته وتُرجِم إلى الإنكليزية والفرنسية) على إقناع صاحبه بأن ينظّر في شأن منهجيّته في
مقالتين، هما: "فنّ التاريخ الجزئي" " microhistoria la de arte El " و"نظرية التاريخ الجزئي" " microhistoria la de Teoria "، ضُمِّنَتا
في مجموعتين، وُسمتا، على التوالي، دعوة إلى التاريخ الجزئي microhistoria la a Invitación (1973) ودعوة جديدة إلى التاريخ
الجزئي microhistoria la a invitación Nueva (1982). وفي هذه الصفحات التي يمكن أن نتبيّ أصداءها في منشورات مكسيكية
أخرى تعود إلى تلك السنوات17، ميَّز غونزاليس بين التاريخ الجزئي والتاريخ القصير histoire Petite القصصي وغير الموثوق، وألصق
هويّته بما كان يُدعى في إنكلترا وفرنسا والولايات المتحدة باسم "التاريخ المحلّ " history local الذي سبق لنيتشه أن عرّفه بأنّه "تاريخ
العاديات أو تاريخ أركيولوجي". ولكي يردّ غونزاليس على لاعتراضات التي أثارها تعبير التاريخ الجزئي، أشار أخيرًا إلى بديلين: هما التاريخ
الماتريا الذي يثير "عالم الأم الصغير، الضعيف، الأنثوي، العاطفي" والذي يدور حول العائلة والقرية؛ وتاريخ اليِ، التعبير الطاوي الذي يستحضر كلّ ما هو "أنثوي، محافظ، أرضي، عذب، غامض ومؤلم"19. تَذكّر غونزاليس، حتى وهو ينسب إلى نفسه أبوّة تعبير التاريخ الجزئي، أنّه سبق لهذا التعبير أن ظهر في تقديم فرنان بروديل لكتاب
sociologie de Traité الذي حرّره جورج غورفيتش، ولكن "من دون دلالة ملموسة يمكن اعتبارها"20. والحال، أنّ التاريخ الجزئي
6 George R. Stewart, Pickett's Charge: A Microhistory of the Final Attack on Gettysburg, July 3 , 1863 (Boston, MA: Houghton Mifflin, 1959), pp. viii. 7 Ibid., p. ix.
8 الإشارة هنا إلى قولة بسكال الشهيرة "لو كان أنف كليوباترا أقصر قليلً لتغيّ وجه البسيطة"، لأنّ ذلك كان سيجعلها مفتقرةً إلى السيطرة وقوة الطبع اللتين كان يرمز
إليهما الأنف الطويل في زمنها. وقد اتّخذ قول بسكال هذا كتكثيف لدور المصادفة في التاريخ (المترجم.)
9 Luis Gonzalez y Gonzalez, Pueblo en vilo: Microhistoria de San José de Gracia (Mexico: El Colegio de Mexico, 1968), p. 2: "La pequenez, pero la pequenez tipica" (the reference to Leuilliot, p. 16); Luis Gonzalez, San José de Gracia: Mexican Village in Transition , John Upton (trans.), (Austin: University of Texas Press, 1974). 10 Luis Aboites, La revolucin mexicana en Espita , 1910 - 1940: Microhistoria de la formacin del Estado de la revolucin (Mexico: Centro de Investigaciones y Estudios Superiores en Antropologia Social, 1982). 11 Luis Gonzalez y Gonzalez, "El arte de la microhistoria," in: Invitacin a la microhistoria (Mexico: Sepsetentas, 1973), pp. 12 , 14. 12 Ibid., p. 13. Introduction was reprinted partially under the title: "Histoire et sociologie," in: Fernand Braudel, Écrits sur l′Histoire (Paris: Flammarion, 1969), pp. 97 - 122 (now in English: F. Braudel, On History , Sarah Matthews (trans.), (Chicago: University of Chicago Press, 1980).
عند بروديل كان له معناه الدقيق والسلبي في آن. إذ كان مرادفًا ل "التاريخ الحدثي" événementielle Histoire، ول "التاريخ التقليدي" الذي يرى أنّ "ما يُدعى تاريخ العالم" محكوم بأبطال يشبهون قادة الأوركسترا. ورأى بروديل أنّ هذا التاريخ التقليدي، ضمن حدود الزمن القصير والمضطرب، أقلّ إثارة من علم لاجتماع الجزئي من جهة، و لاقتصاد القياسي من جهة أخرى. من المعروف أنّ بروديل كان قد أعلن عداءه تجاه "التاريخ الحدثَي" المتماهي مع التاريخ السياسي، منذ وقت كتابه المتوسط Méditerranée عام 1949. وبعد عشر سنوات أبان مرّة أخرى عن امتعاضه. لكنه كان أذكى، وأشدّ جزعًا من أن يرضى بتكرار ما كان
قد غدا بالنسبة إلى كثيرين، بفضل سلطته هو نفسه، حقيقةً مقبولة. وفجأةً وضع جانبًا ما بدا له عند هذا الحدّ "سوء فهم قديم"، ليقول:
"توجد الواقعة (إن لم تكن الحدث، الدراما لاجتماعية) في تكرار، وانتظام، وتعدد، وما من طريقة للقول على نحوٍ مطلق ما إذا كان مستواها بلا أيّ قيمة أو واعدًا علميًا. ولا بدّ من تفحّصها تفحّصًا أوثق"21. وكان لا بد من مرور خمسة وعشرين عامًا قبل أن يجري
العمل على هذه الإشارة23. لقد استبعد بروديل إمكان المعرفة العلمية بما هو مفرَد وغريب: ولعلّ الواقعة divers Fait ما كانت لتجد
قبولً لولا أنّها اعتبُرت ذات صفة تكرارية، وهي الصفة التي ستغدو "نمطية" لدى غونزاليس. لكن التاريخ الجزئي بقي محلّ إدانة24. وهذا التعبير، المصوغ بوضوح على غرار لاقتصاد الجزئي وعلم لاجتماع الجزئي، بقي محاطًا بهالة تقنوية، كما يظهر في هذا المقطع من الأزهار الزرقاء bleues fleurs Les التي يعدّها بعضهم أجمل روايات ريمون كينو. هنا المتكلمان هما دوق منطقة أُوج وكاهنه: "ما الذي تريد أن تعرفه على وجه الدّقة؟" "ما تراه في شأن التاريخ الكوني عمومًا والتاريخ العام خصوصًا. كلّ آذان صاغية" "أنا متعبٌ حقًّا" قال الكاهن.
"يمكن أن ترتاح لاحقًا". قلْ لي، مثلً، هل مجمع بازل هذا تاريخ كونيّ؟ " "بالطبع: هو تاريخ كونيٌّ عمومًا." "وماذا عن مدافعي الصغيرة؟" "تاريخٌ عام خصوصًا." "وزواج بناتي؟" "لا يكاد أن يكون تاريخ حوادث. وهو في أفضل الأحوال، تاريخ جزئي."
13 Braudel, "History and Sociology," in: On History , Sara Matthews (trans.), (Chicago: The University of Chicago Press, 1980), pp. 74 - 75 ; Braudel, "Histoire et sociolgie," Écrits sur l'Histoire (Paris: Flammarion, 1969), pp. 97 - 122. "Le fait divers (sinon l'événement, ce socio- drame) est répétition, régularité, multitude et rien ne dit, de façon absolue, que son niveau soit sans fertilité, ou valeur, scientifique. Il faudrait y regarder de près". 14 See the section entitled: "Fait divers, fait d′histoire," with contributions by Maria Pia Di Bella, et al., Annales: Economics, Sociétés, Civilisations 38 (July-August 1983), pp. 821 - 919.
وفي تقديمه هذه المق لات، يقرّب مارك فيرو تحليل divers Fait من العمل في التاريخ الجزئي بوصفهما عمليتين متشابهتين ومتعاكستين لكنهما متكاملتان (ص. 825). وفي
العدد ذاته يشير بيرو، إلى المقطع الذي اقتبسناه من بروديل أعلاه، انظر مقالته:
Michelle Perrot, "Fait divers et histoire au XIXe siècle," p. 917.
15 لا يزال المصطلح إلى اليوم غير متحرر من معانيه الضمنية الساخرة، الأمر الذي يظهر، مثلً، في إشارة من:
Georges Charachidzé, La Mémoire indo-européenne du Caucase (Paris: Hachette, 1987), pp. 131 - 132. "Ce que j′avais voulu appeler, par jeu, 'microhistoire'."
"ما نوع هذا التاريخ؟" اهتاج دوق أوج. "ما نوع هذه اللغة الشيطانية؟ ما اليوم على أيّ حال؟ عيد العنصرة؟" "اعذرني، يا سيدي، أرجوك. إنّها آثار الإرهاق، كما ترى"25.
universelle محل التاريخ الجزئي، مع ما يترتّب على ذلك من آثار كوميدية غير مقصودة27.
وهي تأتي في بداية الفصل الموسوم "كربون" الذي يختتم به عمله الجدولالدوري Table Periodic The:
وانتصاراتها، وبؤسها، على نحو ما يريد كلّ امرئ أن يُخبر حين يشعر أنّه على وشك أن يُتمّ مسيرته، وتقترب الصنعة من نهايتها29.
16 على الرغم من وجود ترجمة إنكليزية ممتازة في: فإنّ ترجمة المقطع هذه هي ترجمة مباشرة من الأصل الفرنسي، في:
إن لم أكن مخطئًا، فإنّ النصوص البروديلية التي اقتبست هذا المقطع في: هي ذات صلة بالتاريخ الحدثي لا بالتاريخ الجزئي.
رواية مختصرة وجوهرية" - هو بالتأكيد غير وافٍ (ولكن انظر التذييل.)
لم يسبق لدوق أوج أن سمع بالتاريخ الجزئي، ربما مثل كثير من قرّاء كينو في عام 1965. ولهذا السبب، لم يتردد ناشر الترجمة
الفرنسية لكتاب غونزاليس قرية في اضطراب، عام 1977، في تجاهل تصنيف الكاهن الدقيق وإحلال تعبير التاريخ الكوني Histoire
Microhistoire , Microhistoria , Microhistory: من أيٍّ من التقاليد المستقلّة هذه اشتُقّت كلمة Microstoria الإيطالية؟ على
المستوى المصطلحي الدقيق الذي شغلَنا إلى الآن، يبدو الجواب واضحًا: من كلمة Microhistoire الفرنسية. تخطر في ذهني قبل كل
شيء الترجمة الرائعة التي قام بها إيتالو كالفينو ونشرتها دار النشر إيناودي الإيطالية في عام 1967 لرواية الأزهار الزرقاء blu Fiori I؛ ويخطر في ذهني ثانيًا مقطع لدى بريمو ليفي تظهر فيه كلمة Microstoria في الإيطالية أول مرّة، على حدّ علمي، بطريقة مستقلة30. سوف يكون القارئ، عند هذا الحدّ، قد أدرك منذ بعض الوقت أنّ هذه ليست دراسة كيميائية: لا يبلغ غروري هذا المبلغ؛ " profane peu un même et , faible est voix ma ". ولا هي سيرة ذاتية، علمًا أنّ ما من قطعة من الكتابة، وما من عمل إنساني في الحقيقة،
إلا وهما سيرة ذاتية ضمن حدود جزئية ورمزية؛ لكنها على نحوٍ ما تاريخٌ. إنّها - أو يروقها أن تكون - تاريخ جزئي، تاريخ حرفةٍ وهزائمها،
ليس ثمّة في هذه الكلمات الهادئة المكتئبة ما يشير إلى أنّ صاحبها سوف ينتحر بعد اثنتي عشرة سنة. ويتلاءم اختزال النطاق الذي
يشير إليه تعبير التاريخ الجزئي، مع لاعتراف بحدود الوجود، مع إحساس المرء بقدراته الخاصة الذي يحكم هذا المقطع. ولعل بريمو
Raymond Queneau, The Blue Flowers, Barbara Wright (trans.), (New York: Atheneum, 1967).
Raymond Queneau, Les fleurs bleues (Paris: Gallimard, 1965), pp. 84 - 85. "Que voulez-vous savoir au juste?" "Ce que tu penses de l′histoire universelle en général et de l′histoire générale en particulier. J′écoute". "Je suis bien fatigue, dit le chapelain". "Tu te reposeras plus tard. Dis-mois, ce Concile de Bâle, est-ce de l′histoire universelle?" "Oui-da. De l′histoire universelle en général". "Et mes petits canons?" "De l′histoire générale en particulier". "Et le mariage des mes filles?" "A peine de l′histoire événementielle. De la microhistoire, tout au plus". "De la quoi? hurle le duc d'Auge. Quel diable de langage est-ce là? Serait-ce aujourd′hui ta Pentecôte?" "Veuillez m'excuser, messire. C'est, voyez-vous, la fatigue".
Ruggiero Romano, "Un modèle pour l'histoire," in: Raymond Queneau , Andrée Bergens (ed.), (Paris: Éditions de lHerne, 1975), p. 288.
17 See: L. Gonzales [sic], Les Barrières de la solitude: Histoire universelle de San José de Gracia, village mexicain , Anny Meyer (trans.), (Paris: Plon, 1977).
18 يشير المعجم أدناه إلى هذا المقطع في المدخل " Microstoria " (المعرَّف بوصفه " dotta voce "، أي "مدخل علمي"). والتعريف الذي يلي ذلك - "تاريخٌ موجز ومقتضب،
The Grande dizionario della lingua italiana, ed. Salvatore Battaglia, 10 vols. (Turin: UTET, 1961 - 1978), 10: 365. 19 Primo Levi, The Periodic Table , Raymond Rosenthal (trans.), (New York: Schocken Books, 1984), p. 224.
ليفي وجد هذا التعبير في ترجمة كالفينو الإيطالية التي لعلّه قارنها بنصّ كينو الأصلي. فمعرفة ليفي بنسخة كالفينو من الأزهار الزرقاء
تبدو مؤكّدةً نظرًا إلى وثاقة الصلة بين الرجلين؛ بل إنّ الصفحة الأخيرة من "كربون" في الجدول الدوريتتصادى بدقّة مع الصفحة
الأخيرة من عمل كالفينوالبارون فوق الأشجار rampante barone Il31. وثمّة التقاء أجدّ بين كالفينو وبريمو ليفي، من خلال كينو،
وقع بعد بضع سنوات بسبب الترجمة الإيطالية لديوان كينوالكونيات الموجزة المحمولة portative cosmogonie Petite32. بعد فترة قصيرة من ظهور تعبير التاريخ الجزئي فيالجدول الدوري، دخل حيّز لاستخدام التاريخي الإيطالي، فاقدًا، كما يحصل
في العادة، معناه السلبي الأصلي. وكان جيوفاني ليفي (وهو قريب بعيد لبريمو ليفي) بلا شكّ وراء هذا النقل33. وسرعان ما حلّ التاريخ الجزئي محلّ التحليل الجزئي الذي كان يستخدمه في ذلك الحين إدواردو غريندي، بالمعنى ذاته إلى هذا الحدّ أو ذاك34. ثمة أمر لا يزال في حاجة إلى تحديد؛ فمن الواضح أنَّ تاريخَ تعبير لا يُحدَّد تطبيقه الممكن إلا جزئيًا. وهذا ما تثبته بصورة غير
مباشرة "محاضرة زَهروف" التي ألقاها ريتشارد كوب وأهداها إلى ريمون كينو في 1976: ضَ بٌ من بيان تأريخي لا يتلاءم مع أيّ من
لاستخدامات التي ناقشناها إلى الآن. بدأ كوب بما يشعر به كينو من تعاطف ينطوي على مفارقة ساخرة حيال الشخصيات الفَز، عة والمتواضعة، والريفية في رواياته. واتّخذ كلام هذه الشخصيات كي يضع أخبار المجريات المحلية - وهي المجريات الوحيدة ذات الأهمية - قبالة الحوادث السياسية؛ ثم اختتم بأن اتّخذ، شعارًا له، الشتيمة الفاقعة التي انهال بها زاسي، أحد أبطال كينو، على نابليون35. وهذا،
في الأساس، تعظيمٌ لتأريخ صغير (لا يستخدم كوب مصطلح التاريخ الجزئي) مقابل التأريخ العظيم والمقتدر. لكنّ سذاجة هذا التأويل
تبقى واضحة. فكينو لا يتماهى بأيّ حال من الأحوال مع شخصياته. والتعلّق الذي يشعر به حيال الحياة الريفية في منطقة اللوهافر
يتعايش لديه مع شغف أكّال وموسوعي بالمعرفة الأشد عشوائية. وفضوله الساخر حيال الوقائع لا يحول بينه وبين اقتراح دواء عنيف لطبيعة التأريخ ما قبل العلمية، وإحكام نموذج رياضي صارم ليأسر فيه مسار الأفعال البشرية المضطربة37. لكن كينو، مؤلِّف كتاب نموذج تاريخي modèle histoire Une، وكينو، المُصغي والمُحرِّر اللاحق لمحاضرات ألكسندر كوجيف عن كتاب هيغل فينومنولوجيا
20 See: Italo Calvino, Il barone rampante (Turin: Einaudi, 1957). Now available in English, entitled: The Baron in the Trees, Archibald Colquhoun (trans.), (San Diego, CA: Harcourt Brace Jovanovich, 1959).
ولا يفوت التشابهُ سيزار كاز في تقديمه كتاب ليفي:
Opere , 3 vols. (Turin: Einaudi, 1987 - 1990), I: xvii.
وفي ما يتعلّق باهتمام كالفينو بليفي، الكاتب المتدرّب، انظر:
Calvino, I libri degli altri: Lettere, 1947 - 1981 , ed. Giovanni Tesio (Turin: Einaudi, 1991), pp. 382 - 383 ;
وكذلك الرسالة (المكتوبة بنبرة مختلفة كثيرًا) حول مراجعة:
Il sistema periodico (p. 606);
انظر أيضًا:
Severino Cesari, Colloquio con Giulio Einaudi (Rome: Theoria, 1991), p. 173. 21 See: Queneau, Piccola cosmogonia portatile, Sergio Solmi (trans.), (Turin: Einaudi, 1982), followed by Calvino′s "Piccola guida alla Piccola cosmogonia ," p. 162 ; See also: Levi, L′altrui mestier e (Turin: Einaudi, 1985), pp. 150 - 154 (trans. R. Rosenthal as: Other People's Trades [New York: Summit Books, 1989]), and the declaration by Carlo Carena in: Cesari, Colloquio con Giulio Einaudi , p. 172.
22 كان الأمر، على أيّ حال، ضربًا من الصدى غير الواعي: فحين سُئل جيوفاني ليفي "ممَّ اشتُقَّ مصطلح "التاريخ الجزئي"؟" (مقابلة خاصة في 29 كانون الأول/ ديسمبر
1991) قال إنه لا يعلم سوى أن كينو استخدم هذا المصطلح. والجزء الأخير من مقطع كينو الذي اقتبسناه أعلاه استُخدِم عبارةً افتتاحيةً في:
Raul Merzario, Il paese stretto: Strategie matrimoniali nella diocesi di Como nei secoli XVI-XVIII (Turin: Einaudi, 1981).
وهو واحد من أوائل الكتب التي نشُرت في سلسلة Microstorie.
23 See: Edoardo Grendi, "Micro-analisi e storia sociale," Quaderni storici 35 (August 1977), pp. 506 - 520. 24 Richard Cobb, Raymond Queneau , [The Zaharoff Lecture for 1976] (Oxford: Clarendon, 1976). 25 R. Queneau, Une histoire modèle (Paris: Gallimard, 1966) [but written in 1942]; R. Queneau, Bâtons, chiffres et lettres , enlarged edition (Paris: Gallimard, 1965), pp. 170 - 172 , an article that had appeared in the Front National, 5 January 1945.
الروح، لا يظهران في الصورة المبسّطة إلى حدّ التشويه التي يرسمها كوب. ويغيب كلّيًا ذلك التوتر الذي يسري في جميع أعمال كينو بين
دفء نظرة السارد الحميمية وبرود ملاحظة العالِم الحياديّة38. لا غرابة في هذا. فكوب هو تجريبي يدّعي أنّه أرفع من الأسئلة النظرية؛ وليس استخدام كينو بالنسبة إليه سوى ذريعة، في النهاية39. لكنّ اقتراح تأريخٍ أصغري باسم كينو هو بمنزلة العرَض الدالّ الذي سيكون كوب، الراعي الأكيد لما لديه من غرابة الأطوار،
أوّل من يرفضه. ولعل التعارض بين التأريخ Historiography (بالتشديد أو بالحرف الكبير H) والشتيمة "نابليون مؤخّرتي" التي أطلقها زاسي، يشير، بغض النظر عن لاختلاف الواضح في النبرة، إلى التعارض بين التاريخ الأبوي patria Storia والتاريخ الأمومي Storia matria كما رسم معالمه غونزاليس. ومن المؤكد أنّ التاريخ الجزئي لدى غونزاليس يركّز على ظواهر نمطية، في حين يركّز التاريخ القصير لدى كوب على الوقائع التي لا يمكن التنبؤ بها ولا يمكن أن تتكرر. لكنّ اختيار منظور محدود وقريب في الحالتين يكشف عن عدم رضا (صريح وعدواني في حالة كوب، ولبق ولا يكاد يكون محسوسًا في حالة غونزاليس)40 حيال النموذج الواسع والكمي الذي هيمن على المشهد التأريخي العالمي بين أواسط خمسينيات القرن العشرين وأواسط سبعينياته، من خلال نشاطات بروديل ومؤرّخي مدرسة
الحوليّات Annales في المقام الأوّل. ما من واحدٍ في هذه المجموعة غير المتجانسة نسبيًا من الباحثين الإيطاليين في التاريخ الجزئي عرّف نفسه، على أساس "تاريخ
الحوادث" القريب لدى جورج ستيوارت، أو التاريخ المحلي لدى غونزاليس، أو التاريخ القصير لدى ريتشارد كوب. لكن لا مجال لإنكار أنّ التاريخ الجزئي الإيطالي أيضًا، على الرغم من اختلافه الشديد (بدءًا من أهدافه النظرية)، نشأ في تعارض مع النموذج التأريخي الذي
ذكرته للتوّ. وكان هذا الأخير قد قُدِّمَ في أواسط سبعينيات القرن العشرين، بدعم من بروديل، بوصفه ذروة المقاربة البنيوية - الوظيفية،
والإطار المفهومي (أو البارادايم) التأريخي الأرفع؛ ثالث الأ طر المفهومية التي عرُِفَت خلال ما يزيد على الألفي سنة التي بدأت مع هيرودوت41. لكن لاحتفال، قبل بضع سنوات، بمناسبة نشر مساهمات تكريمًا لفرنان بروديل de l'honneur en Mélanges Braudel Fernand (1973) كشف عن توترات وضروب قلق خفيّة في لحظة لاحتفال ذاتها. ويبدو مفيدًا بعد عشرين عامًا القيام
بقراءة متوازية لمقالتين نشُرتا في تلك المناسبة، هما "حقل جديد للتاريخ المتسلسل: الكميّ على مستوى ثالث" " champ nouveau Un
niveau troisième au quantitatif Le: sérielle histoire ' l pour " لبيير شونو، و"التاريخ والإثنولوجيا" " ethnologie et Histoire "
26 انظر، بدلً من ذلك، المقدمة البديعة التي قدم بها كالفينو عمل كينو:
Segni, cifre e lettere e altri saggi (Turin: Einaudi, 1981), especially pp. xix-xx (a different and larger collection than the French edition of the same title). 27 See: Cobb, A Sense of Place (London: Duckworth, 1975), about which see Grendi, "Lo storico e la didattica incosciente (Replica a una discussion)," Quaderni Storici 46 (April 1981), pp. 338 - 346.
28 يبدو لاستياء من مزاعم التأريخ العلمي أوضح في دراسة لغونزاليس إي غونزاليس الذي تردد صداه منذ عنوان الجزء الثاني من كتاب نيتشه: تأملات في غير أوانها، انظر:
Gonzalez y Gonzalez, "De la multiple utilizacion de la historia," in: Carlos Pereyra (ed.), Historia? para qué? (Mexico: Siglo XXI Editores, 1990), pp. 55 - 74. 29 See: Traian Stoianovich, French Historical Method: The "Annales" Paradigm (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1976),
مع مقدمة لبروديل الذي يدعو الإطارين المفهوميين السابقين، على التوالي، ب " لاقتدائي" و"التطوري" (ص. 25)؛ وحول التاريخ الجزئي بوصفه ارتكاسًا حيال أزمة
"المنظومات الماركسية والوظيفية الكبرى"، انظر:
Giovanni Levi, "On Microhistory," in: Peter Burke (ed.), New Perspectives on Historical Writing (University Park: Pennsylvania State University Press, 1992), pp. 93 - 113 , especially pp. 93 - 94 ; See also: Levi, Inheriting Power: The Story of an Exorcist , Lydia G. Cochrane (trans.), (Chicago: University of Chicago Press, 1988).
لفرانسوا فوريه وجاك لوغوف. ففي كلتا الحالتين، ثمّة برنامج تأريخي يُقدَّم ويُبَّر من خلال شيء من التأمّل التاريخي العام42. يتحدث
شونو عن نهاية الحروب المناهضة للاستعمار (مشيرًا إلى فرنسا فحسب) وإلى الثورات الطلابية (في أميركا وأوروبا)؛ وعن كنيسة رومانية
مشوشة بعد الفاتيكان الثاني؛ وعن أزمة اقتصادية في البلدان الأكثر تقدمًا وضعت فكرة التقدم ذاتها موضع التساؤل؛ وعن تحدٍّ لمثُل
التنوير الذي لطالما فسّه على أنّه إبدال مثال علمانيّ بمثال أخرويّ. ويلاحظ فوريه، بكلام يمكن أن نفترض أنّه يقتسمه مع لوغوف،
أنّ ظاهرة تصفية لاستعمار العالمية النطاق وضعت تأريخ القرن التاسع عشر العظيم، بطبعتيه المانشسترية والماركسية، وجهًا لوجه مع
اللاتاريخ؛ حيث كان التقدم والتغيير قد انتهيا إلى عطالة وركود. وما تشترك فيه هاتان المقالتان هو الرفض الواضح لنظريات التحديث
(مثل نظرية و. و. روستو التي كانت رائجة حينئذ، وأشار إليها فوريه ولوغوف)، ذلك الرفض الذي اقترن لدى شونو بنبذ الحداثة نبذًا تامًّا. وتتنوع المشاريع البحثية التي تقترحها هاتان المقالتان أشدّ التنوّع. إذ اقترح شونو تحليل مجتمعات النظام القديم التقليدية، ولاحظ
أنّ " لاستمرارية العظيمة للعالم المسيحي اللاتيني الذي تحوّل من دون وعي... إلى أوروبا الغرب" كانت "أكثر جاذبية بما لا يُقَاس من
النامبيكوارا أو الدوغون"، في قول، يَجمع بازدراء، شعبين من قارتين مختلفتين درسهما إثنولوجيان (هما كلود ليفي شتراوس ومارسيل
غريول، على التوالي) ينتميان إلى عالَمين فكريين مختلفين أشدّ لاختلاف43. في المقابل، اقترح فوريه ولوغوف إعادة وصل ما انقطع
من روابط قديمة بين التاريخ والإثنولوجيا من خلال تبنّي منظور مقارن عمومًا يقوم على الرفض الصريح، لا سيما عند لوغوف، للمقاربة
المركزية الأوروبية. لكنّ الموقفين راحا يتقاربان عند هذا الحدّ: إذ يهدف شونو وفوريه إلى "تاريخ متسلسل" يقوم على تحليل ظواهر
"تُختار وتُبنى بسبب طابعها المتكرر"، بحسب فوريه44. في حين يوافق لوغوف على رفض الإثنولوجيين للحادث المفرد وتركيزهم بدل
من ذلك على "الحوادث المتكررة أو المنتظرة"؛ اعتُب تحليل لو روا لادوري للكرنفال عند الرومان، على الرغم من الإشادة به، نوعًا من
لاستثناء. وأصر شونو على أن الوقت قد حان، بعد دراسة لاقتصادات والمجتمعات، للعناية بالمستوى الثالث، هو الحضارات، باستخدام مناهج مماثلة؛ وتحدث باستحسان كبير عن تفحّص ميشال فوفيل الوصايا في بروفنس. وأكد لوغوف أنّ ما اقترحته الإثنولوجيا من
اهتمام بالإنسان اليومي "يؤدي بطبيعة الحال إلى دراسة العقليات التي يُنظر إليها على أنّها "أقلّ الأشياء تغيًّا" في التطور التاريخي"45.
وتنتهي المقالتان إلى صحّة النموذج البروديلي، وإلى توسيع نطاق قابليته للتطبيق في الوقت ذاته. ليس أمرًا بسيطًا تقويم فحوى هذه ال "في الوقت ذاته"؛ ففي جميع المؤسسات، وبينما كانت ضروب التجديد تقطع مع الماضي، كانت
تحرز تقدمًا من خلال إعادة تأكيد استمرارية معينة مع ما جرى من قبل. وفي السنوات التي تلت، وتحديدًا حين كان عمل بروديل يُتجَم
إلى كثير من اللغات (بدءًا بالإنكليزية) ويصل إلى جمهور أبعد من عالم المتخصصين بكثير، كان الإطار المفهومي (البارادايم) الذي
دعوته للسهولة باسم الإطار المفهومي البروديلي، يتدهور بسرعة. فبعد إعلان لو روا لادوري أنّ على المدرسة التاريخية الفرنسية التي
30 See: Mélanges en l'honneur de Fernand Braudel , vol. 2 , Méthodologie de l'histoire et des sciences humaines (Toulouse: Privat, 1973), pp. 105 - 125 , 227 – 243.
ينقسم نصّ فوريه ولوغوف إلى قسمين أُعِدّا بالتعاون، وحملا العنوانين، على التوالي:
" L'histoire et 'l'homme sauvage" & "L'historien et l'homme quotidien".
في الأول يرسم فوريه معالم صورة عامة؛ وفي الثاني يقترح لوغوف برنامجًا للبحث مع أمثلة مستمدة من مجال الدراسات القروسطية. وأنا أفترض، حتى لو ميّزت بين النصيّن
في مناقشتي، أنّ ثمّة اتفاقًا أساسيًا بين مؤلّفيهما، كما عبّا، ما عدا في الح لات التي يعلنان فيها العكس. ويمكن العودة، في شأن شونو ولوغوف إلى الصورة الذاتية التي
رسمها كلاهما لنفسه في:
Pierre Nora (ed.), Essais d'ego- histoire (Paris: Gallimard, 1987). 31 Pierre Chaunu, "Un nouveau champ pour l'histoire sérielle," p. 109.
بالفرنسية، مصطلح الإثنولوجيا أوسع استخدامًا من مرادفه الأنثروبولوجيا.
32 Ibid., p. 231. 33 Ibid., p. 237.
أسسها بلوخ وفيفر، أن تقبل التحدي الأميركي وتتحول إلى الحاسوب، نشر كتابه مونتايلو Montaillou الذي حقق نجاحًا باهرًا، وهو
بحث أُجري بطريقة الحِرفَي على قرية قروسطية، لا يزيد عدد سكانها على المئتين47. كما كرّس فوريه، أيضًا، جهده لموضوعات التاريخ
السياسي وتاريخ الأفكار التي سبق أن حكم عليها بأنّها تبدي مقاومة جوهرية للتاريخ المتسلسل48. وكانت الأسئلة التي اعتُب ت هامشية تزحف صوب مركز هذا الفرع المعرفي، والعكس بالعكس. وحفّت بصفحات الحوليّات (وبمجلات نصف العالم) موضوعات اقترحها
لوغوف في عام 1973 عن الأسرة، والجسد البشري، والعلاقات بين الجنسين، والفئات العمرية، والشِّيع، والكاريزميّة. أمّا الدراسات في
تاريخ تقلبات الأسعار فاتجهت صوب تدهور شديد49. في فرنسا، على المرء أن يتحدث عن تاريخ جديد histoire Nouvelle كي يصف هذا التغيير في المناخ الفكري الذي يتزامن، على نحو له دلالته، مع نهاية فترة طويلة من التنمية لاقتصادية كانت قد بدأت في عام 194550. وهذا المصطلح محلّ نقاش، لكن الخصائص الأساسية للظاهرة تبقى واضحة. ففي سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، تعززت أهمية تاريخ العقليات الذي لم ينسب إليه بروديل سوى أهمية هامشية، وغالبًا ما كان ذلك تحت اسم "الأنثروبولوجيا التاريخية"51. ولا شكّ في أنّ " لالتباس" الأيديولوجي الذي
أكّده لوغوف في عام 1974 ساهم في هذا النجاح58. وكرّس فيليب أرييس لهذا الموضوع بعض الكلمات الموحية، فقال: "انتقل انتقاد
التقدم من يمين رجعي تخلّ عنه، إلى يسار، أو بالأحرى إلى يسارية حدودها غير واضحة، وتقريبية، لكنها نشطة. وأنا أعتقد فعلً (على سبيل الفرضية) أنّ هناك صلة بين التحفظ الجديد في الستينيات حيال التنمية والتقدم والحداثة، وبين شغف المؤرّخين الشباب بدراسة
المجتمعات ما قبل الصناعية وعقلياتها"60. كانت هذه الكلمات، ضمنيًا، من النوع السِّيَي الذاتي؛ ففي شبابه كان أرييس أحد أتباع شارل موراس وناشطًا في صفوف حركة
"الأكسيون فرانسيز" اليمينية المتطرفة. وبدءًا من سبعينيات القرن العشرين، راح "مؤرّخ الأحد" dimanche du Historien هذا، كما
وصف أرييس نفسه ساخرًا، يغدو تدريجيًا جزءًا من مجموعة مؤرّخي الحوليّات؛ حتى إنه تم انتخابه للمدرسة التطبيقية للدراسات
34 Emmanuel Le Roy Ladurie, "L'historien et l'ordinateur," 1968 (), in: Ladurie, Le territoire de l'historien (Paris: Gallimard, 1973), p. 14 ; now in English as: "The Historian and the Computer," in: Ladurie, The Territory of the Historian, Ben Reynolds and Siân Reynolds (trans.), (Chicago: University of Chicago Press, 1979); Le Roy Ladurie, Montaillou, village occitan de 1294 à 1314 (Paris: Gallimard, 1975 ; reprinted 1982); and in English as: Montaillou, the Promised Land of Error (New York: Vintage Books, 1979). 35 See: Furet, "L'histoire et 'l'homme sauvage'," p. 232.
36 في شأن هذه الطفرة التأريخية، ومن منظور مختلف جزئيًا عن المنظور الذي نقدمه هنا، انظر:
Jacques Revel, "L'histoire au ras du sol," introduction to G. Levi, Le pouvoir au village: Histoire d'un exorciste dans le Piémont du septième siècle , Monique Aymard (trans.), (Paris: Gallimard, 1989), pp. i-xxxiii.
وهي مقالة طُوِّرَت على نحو أكمل في:
J. Revel, "Micro-analyse et reconstitution du social," in: Ministère de la Recherche de la Technologie: Colloque “Anthropologie contemporaine et anthropologie historique ,” no. 2 , pp. 24 - 37 , text prepared for the Marseilles colloquium, 24 - 26 September 1992. 37 See: La nouvelle histoire , Jacques Le Goff, Roger Chartier & Jacques Revel (eds.), (Paris: Retz, 1978); See also: the introductory essay by Peter Burke to New Perspectives on Historical Writing , pp. 1 - 23. 38 See: Georges Duby, Le dimanche de Bouvines, 27 Juillet 1214 (Paris: Gallimard, 1985), pp. 7 - 8 (1 st ed., 1973): "L'histoire... qu'on devait dire, plus tard et abusivement, 'nouvelle' (je dis abusivement, car la plupart des interrogations que nous fumes si fiers de forger, nos prédécesseurs, avant que ne s'appesantisse la chape du positivisme, les avaient formulées dans le second tiers du XIXe siècle)." See, in this regard, the extremely instructive book by: Charles Rearick, Beyond Enlightenment: Historians and Folklore in Nineteenth- Century France (Bloomington: Indiana University Press, 1974). 39 See: J. Le Goff , "Les mentalités: Une histoire ambigüe," in: J. Le Goff & P. Nora (eds.), Faire l'histoire , 3 vols. (Paris: Gallimard, 1974),
40 Philippe Ariès, "L'histoire des mentalités," in: Le Goff, Chartier & Revel, La nouvelle histoire , p. 411.
العليا61. وهو حدث أكاديمي يمكن اعتباره عرَضًا من أعراضٍ كثيرة لتحوّل أكبر بكثير لم يكن فرنسيًا فحسب ولا أكاديميًا أيضًا. ويُعد
الرجوع المتكرر إلى موضوعات المعارضة الرومانسية للرأسمالية من طرف التيارات الإيكولوجية اليسارية واحدًا من مكوناته62. أمكن ل "التحفظ الجديد" الذي ألمع إليه أرييس أن يتحول إلى مواقف متباينة. ويمكن أن نتذكر أنّ فوريه كان قد اقترح مقارعة
التجريد المركزي الأوروبي في نظريات التحديث بجرعة من الإثنولوجيا63. وكان شونو قد اقترح أن تُرمى جانبًا المثُل العليا للحداثة
المرتبطة بالتنوير مع نظريات التحديث. وهذا البديل الأخير، الأكثر راديكالية من وجهة النظر الأيديولوجية، رفض أن توضع أدوات بحث المؤرّخ موضع نقاش. وكان البديل الأول يتحرك في هذا لاتجاه لكنه توقف في منتصف الطريق. ويمكن القول، بأثر رجعي،
وانطلاقًا من تجربتي الشخصية في المقام الأول، إنّ البحث الإيطالي في التاريخ الجزئيّ بدأ من تشخيص يتفق جزئيًا مع تشخيص
فوريه، ولكن وصل إلى إنذار أو توقّعٍ لسير المرض مختلف تمامًا. يكمن عنصر لاتفاق في رفض المركزية الإثنية والغائية اللتين رأى فوريه أنهما وسمتا التأريخ المنقول من القرن التاسع عشر.
فالتأكيد على كيان قومي، ومجيء البرجوازية، ورسالة العرق الأبيض الحضارية، والتنمية لاقتصادية، وفّر جميعها للمؤرّخين مبدأً
موحّدًا للنظام المفهومي والنظام السردي، تبعًا لوجهة النظر ودرجة الملاحظة المعتمدَتين. أمّا التاريخ الإثنوغرافي المُتصوّر على طول خطوط
متسلسلة مُقترَحة فقطع مع هذا التقليد. وهنا يتباعد المساران اللذان يتخذهما التاريخ المتسلسل والتاريخ الجزئي، لا فكريًا فحسب، بل
سياسيًا أيضًا. أن تقتصر في اختيار موضوع المعرفة على ما هو متكرر، أي على ما تمكن سَلْسلَتُه، يعني أن تدفع ثمنًا معرفيًا باهظًا. أولً وقبل كل
شيء، على مستوى التسلسل الزمني، يحول التاريخ القديم، كما لاحظ فوريه نفسه، دون مثل هذه المعالجة65؛ أمّا التاريخ القروسطي
فيجعلها عسيرة (تعدّ وثائقُ كثير من الموضوعات التي اقترحها لوغوف وثائق متشظية ومجزّأة). ثانيًا، على مستوى الموضوعات، تروغ
مج لات مثل تاريخ الأفكار والتاريخ السياسي (كما يشير فوريه مرّة أخرى) بحكم تعريفها، من هذا النوع من لاستقصاء. لكن محدودية
التاريخ المتسلسل الأخطر تظهر على وجه الدقّة من خلال ما يُفتَض أن يكون هدفه الأساس: "مساواة الأفراد في أدوارهم كفاعلين
اقتصاديين أو اجتماعيين ثقافيين". تنطوي فكرة المساواة هذه على خداع مضاعف. فهي، من جهة، تشوّه عنصرًا واضحًا: ترتبط شروط
النفاذ إلى إنتاج الوثائق في أيّ مجتمع بوضع السلطة، الأمر الذي يولّد انعدامًا متأصّلً للتوازن. وهي، من جهة أخرى، تلغي كثيرًا من
التفاصيل والجزئيات في التوثيق الموجود لمصلحة ما هو متجانس وقابل للمقارنة. وسبق لفوريه أن أكّد، بشيء من تفاخر الباحث، أنّ: "الوثيقة، أي "الوقائع"، لم تعد موجودة في حدّ ذاتها، وإنّما بالعلاقة بالسلاسل التي تسبقها وتليها؛ فقيمتها العلائقية النسبية هي
التي تغدو الهدف، لا علاقتها بمادة "واقعية" لا يمكن القبض عليها"66. ولا غرابة، إذًا، أن تغدو البيانات المنقّاة على نحو مضاعف في السلسلة "غير مفهومة" في علاقتها بالواقع.
41 P. Ariès and Michel Winock, Un historien du dimanche (Paris: Seuil, 1980). 42 Alf Lüdtke (ed.), Alltagsgeschichte: Zur Rekonstruktion historischer Erfahrungen und Lebensweisen (Frankfurt am Main: Campus Verlag, 1989); Geoff Eley, "Labor History, Social History, Alltagsgeschichte: Experience, Culture, and the Politics of the Everyday-A New Direction for German Social History?" Journal of Modern History 61 (June 1989), pp. 297 - 343. 43 Furet, "L'histoire et 'l'homme sauvage'," p. 230: 'Il n'ya rien d'étonnant à ce que, en même temps qu'elle [la grande histoire du XIX siècle] cherche désespérément à sauver son impérialisme comme porteuse de la 'modernisation,' elle retourne à l'ethnologie comme consciente de ses échecs". 44 Ibid., p. 233. 45 Ibid., p. 232.
من الواضح أنّ المعرفة التاريخية تنطوي على بناء سلسلة وثائقية. أمّا الأقل وضوحًا فهو الموقف الذي يجب أن يتّخذه المؤرّخ في ما
يتعلق بح لات الخروج على القياس التي تعتري التوثيق67. وهي ح لات اقترح فوريه تجاهلها، ملاحظًا أنّ اللفظة الفريدة، Hapax، (التي هي توثيق فريد من نوعه) ليست صالحة للاستعمال من منظور التاريخ المتسلسل. لكنها، بالمعنى الدقيق، لا وجود لها. ويمكن أيّ وثيقة، بما فيها الأشدّ خروجًا على القياس، أن تُدرج في سلسلة، لكن الأمر لا يقتصر على ذلك؛ إذ يمكن، إذا ما تم تحليلها تحليل
صحيحًا، أن تسلط الضوء على سلسلة وثائقية أوسع. في أوائل الستينيات من القرن العشرين، بدأتُ دراسة محاكم التفتيش، آملً ألّ أعيد بناء مواقف القضاة فحسب، بل مواقف أولئك الرجال والنساء الذين اتُّهموا بالسحر أيضًا. وسرعان ما أدركتُ أنّ هذه المقاربة الإثنية غير المركزية تقتضي مقارنةً بعمل أنثروبولوجيين، كان أوّلهم كلود ليفي شتراوس. لكنّ المؤدّيات التأريخية والمفهومية والسردية لمثل هذا لاختيار لم تتضح لي إلا تدريجيًا، خلال السنوات
التي تفصل بين كتابالبيناندانتي benandanti I (1966) وكتاب تاريخ الليل notturna Storia (1989)68. ففي هذه الفترة كتبت
كتابًا حاولت فيه أن أعيد بناء أفكار طحّانٍ فريوليّ من القرن السادس عشر ومواقفه، إذ حوكم وأدين في محاكم التفتيش، وهذا
الكتاب هو الجبن والدّيدان vermi i e formaggio Il (1976). لم يأت بي رفض النزعة المركزية الإثنية إلى التاريخ المتسلسل، بل إلى
عكسه: التحليل الدقيق لوثائق محددة، مرتبطة بشخص كان سيبقى مجهولً لولا ذلك. وقد عارضتُ في المقدمة مقالة فوريه المنشورة في
الحولياتحيث يؤكّد أنّ دراسة تاريخ الطبقات التابعة في المجتمعات ما قبل الصناعية لا يمكن أن تتم إلا من وجهة نظر إحصائية69. رفض ميشال فوفيل مؤخّرًا أن يختار بين السيرة الفردية والبحث المتسلسل، معتبرًا مثل هذا الخيار خيارًا زائفًا70. وأنا أوافق على
ذلك، من حيث المبدأ. لكنّ هذا الخيار مهم في الممارسة؛ فهو مسألة تقويم للمخاطر والمزايا على مستوى عملي، بل أكثر من ذلك على
مستوى فكري. كتب روجر شارتييه عن الجبن والدّيدانأنّه "على هذا النطاق المختزل، وعلى هذا النطاق وحده بلا شكّ، يمكن أن
نفهم، من دون اختزال حتمي، العلاقة بين نظُم لاعتقاد، والقيم، والتمثيلات من جهة، و لانتماءات لاجتماعية من جهة أخرى"71. حتى الشخص غير المهيّأ لتقبّل مثل هذا لاستنتاج المتشدد لا بد أن يقرّ بأنّ التجربة لم تكن مشروعة فحسب، بل مفيدة أيضًا، ولو في
تحليل النتائج فقط. باختزال نطاق الملاحظة، تحوّل إلى كتاب، ما كان يمكن لباحث آخر أن يكتفي في شأنه بحاشية بسيطة في دراسة افتراضية عن
الإصلاح البروتستانتي في منطقة الفريولي. ليست الدوافع التي دفعتني في حينه إلى اتخاذ هذا الخيار بالواضحة تمامًا بالنسبة إليّ. وأنا
46 ناقشت هذا الموضوع في مقالتي:
"Clues: Roots of an Evidential Paradigm," in: Clues, Myths, and the Historical Method , John Tedeschi & Anne C. Tedeschi (trans.), (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1989), pp. 96 - 125. 47 Now available in English: The Night Battles: Witchcraft and Agrarian Cults in the Sixteenth and Seventeenth Centuries , John Tedeschi & Anne Tedeschi (trans.), (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1983); Ecstasies: Deciphering the Witches' Sabbath , Raymond Rosenthal (trans.), (New York: Pantheon, 1991). 48 Now available in English: Cheese and the Worms: The Cosmos of a Sixteenth- Century Miller , John Tedeschi & Anne Tedeschi (trans.), (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1980), p. xx.
في التقديم لكتابيمعارك الليل The Night Battles سبق أن ألححت، على الضد من فكرة "العقلية الجمعية" غير المتمايزة، على أهمية تطوير الأفراد قناعات وعقائد خاصة.
49 See: Michel Vovelle, "Histoire sérielle ou 'case studies': vrai ou faux dilemme en histoire des mentalités," in: Histoire sociale, sensibilités collectives et mentalités. Mélanges Robert Mandrou (Paris: Presses Universitaires de France, 1985), pp. 39 - 49. 50 R. Chartier, "Intellectual History or Sociocultural History? The French Trajectories," in: Dominick La Capra and Steven L. Kaplan (eds.), Modern Europe an Intellectual History: Reappraisals and New Perspectives (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1982), p. 32 ; the emphasis is mine.
أشتبه بتلك التي تخطر في الذهن اليوم (وهي كثيرة بالطبع) لأنني لا أود أن أُسقِط على النوايا الماضية تلك التي نضجت على مرّ السنين.
إذ رحتُ أدرك تدريجيًا أنّ كثيرًا من الحوادث والروابط التي كنت أجهلها تمامًا أثّرت في القرارات التي كنت أحسب أنني اتخذتها على
نحو مستقل؛ وهذه واقعة مبتذلة في حدّ ذاتها، لكنها مدهشة على الدوام، لأنّها تناقض تهويماتنا النرجسية. إلى أيّ مدى يدين كتابي
(كي نأخذ مثالً واضحًا) للمناخ السياسي في إيطاليا في أوائل السبعينيات؟ ربما بالكثير؛ لكني أظنّ أنه يجب البحث عن دوافع اختياراتي
في غير مكان. لاكتشاف هذه الدوافع، جزئيًا على الأقل، سأبدأ بتبيان ما قد يكون غير واضح تمامًا. لا يقتصر كتاب الجبن والديدانعلى إعادة
بناء حدث فردي؛ بل يسرده أيضًا. كان فوريه قد رفض السرد، لا سيما السرد الأدبي، بوصفه تعبيرًا غائيًا في العادة، عن "تاريخ حوادث"،
يتكوّن زمنه "من سلسلة من لانقطاعات التي توصَف بطريقة المُتّصِل: مادة السرد الكلاسيكية [الحكاية "]72. يضع فوريه قبالة هذا
النوع من السرد "الأدبي" تفحّص التاريخ الإثنوغرافي المتسلسل، مشكلةً إثر مشكلة. وهو بهذا يتبنى فكرة شائعة لا تزال اليوم تطابق
ضمنيًا شكلً محددًا من السرد، قائمًا على روايات أواخر القرن التاسع عشر الواقعية، مع السرد التاريخي مطابقةً تامةً74. لا شكّ في
أنّ شخصية المؤرّخ – السارد، كلّ المعرّفة الذي يكشف أدقّ تفاصيل حدث من الأحداث أو الدوافع الخفية التي تلهم سلوك الأفراد أو
المجموعات لاجتماعية أو الدول، قد ترسّخت تدريجيًا. لكنها ليست سوى إمكان واحد بين إمكانات كثيرة، الأمر الذي يعلمه جيدًا قرّاء
مارسيل بروست وفيرجينيا وولف وروبرت موزيل76. قبل أن أبدأ كتاب الجبن والديدانكنت قد تفكّرتُ مليًّا في العلاقة بين فرضيات البحث وإستراتيجيات السرد. وعملتْ قراءة
كتاب كينو تجارب في الأسلوب79style de Exercices على شحذ رغبتي في التجريب شحذًا قويًا81. وشرعت في إعادة بناء العالم
الفكري والأخلاقي و لاستيهامي للطحّان مينوكيو على أساس مصادر أنتجها أشخاصٌ أرسلوه إلى الحرق على الخازوق. وهذا من ناحية
معينة مشروعٌ متناقض كان يمكن أن يتطور إلى رواية تملس الفجوات في الوثائق وتخفيها83. كان ذلك ممكنًا، لكنه بدا لي أنّه ما كان ينبغي أن يحصل، لأسباب معرفية وأخلاقية وجمالية. فالعقبات التي تداخلت مع البحث كانت عناصر لا غنى عنها في التوثيق، وبذلك كان لا بدّ أن تصبح جزءًا من الرواية؛ الأمر الذي يصحّ أيضًا على تردد الشخصية الرئيسة وصمتها أمام أسئلة مضطهِديها، أو
أسئلتي. هكذا غدت الفرضيات والشكوك وح لات انعدام اليقين جزءًا من السرد؛ وغدا البحث عن الحقيقة جزءًا من عَرْض الحقيقة
51 Furet, "L'histoire et 'l'homme sauvage'," p. 231.
52 هذه المطابقة المسكوت عنها تنطوي عليها ضمنًا المقالة الشهيرة أدناه، وهذا لم يدفع النقاش التالي قدُمًا:
Lawrence Stone, "The Revival of Narrative: Reflections on a New History," Past and Present , no. 85 (November 1979), pp. 3 - 24.
53 أنا أُحْكِمُ هنا بعض ملاحظات صغتها في مراجعتي ل:
J. Le Goff, Pour un autre Moyen Age , Critique , no. 395 (April 1980), pp. 345 - 354.
54 هذا العمل مجموعة قصصية مؤلفة من 99 إعادة كتابة للقصة ذاتها، بأسلوب مختلف في كلّ مرّة (المترجم.)
55 أدرك ريتشارد كوب في الفترة ذاتها ما ينطوي عليهتجارب في الأسلوبمن مغازٍ منهجية: "علاوةً على ألمعيته بوصفه محاكاة ساخرة وحوارًا أعيد التقاطه كاملً، يمكن
وصفه أيضًا بأنه مقالة في القيمة النسبية لتصارع الأدلة التاريخية أو تداخلها وفي تأويل ذلك"، انظر:
Raymond Queneau , p. 7.
56 أتحدث عن فجوات بمعنى نسبي، وليس مطلقًا (فالأدلة التاريخية هي أدلة فيها فجوات بالتعريف). لكن أسئلة البحث الجديدة تخلق فجوات جديدة. 57 حول صمت مينوكيو، انظر:
The Cheese and the Worms , pp. 110 - 112.
هذه الكلمات الختامية تُلمح إلى الفصل الموسوم " Anthropologist as Inquisitor The " في كتابي:
Clues, Myths and the Historical Method , pp. 156 - 164 , 220 - 221.
وكذلك، فإنَّ الصلة بين "نطاق التحليل" " analyse ' d échelle " و"كتابة التاريخ" " histoire ' l de écriture " تلتقطها بألمعية شديدة المادة الموسومة:
"Histoire et sciences sociales: Un tournant critique?" Annales: Economics, Sociétés, Civilisations 43 (March-April 1988), pp. 292 - 293.
المتحصلة الناقصة بالضرورة. هل يمكن النتيجة أن تظلّ تُعرَّف بأنّها "تاريخ سرديّ"؟ بالنسبة إلى القارئ الذي لديه أي إلمام بقَصّ القرن العشرين، يكون الردّ هو نعم واضحة لا لبس فيها. لكنّ الزخم تجاه هذا النمط من السرد (وعمومًا تجاه إشغال نفسي بالتاريخ) جاءني من شيء أبعد؛ من رواية تولستوي الحرب والسلام، من اقتناع تولستوي أنّ ظاهرةً تاريخية لا يمكن أن تُفهَم إلا بإعادة بناء نشاطات جميع الأشخاص الذين ساهموا فيها. هذه الفكرة، والمشاعر التي ولدتها (الشعبوية، و لازدراء الشديد لتاريخ المؤرّخين الفارغ والتقليدي)، تركا لديّ انطباعًا لا يُمحى منذ اللحظة الأولى لقراءتي الرواية. ويمكن اعتبار الجبن والديدان- وهي قصة طحّان صدر مرسوم موته من بعيد، عن رجل (هو البابا) لم يكن قد سمع باسمه قط حتى قبل دقيقة من ذلك - نتاجًا صغيرًا محرّفًا من مشروع تولستوي الكبير وغير القابل للتحقق في جوهره: إعادة بناء التداعيات الكثيرة التي تربط زكام نابليون قبل معركة بورودينو بجاهزية قواته، وبحياة جميع المشاركين في المعركة، وصولً إلى أبسط جندي. في رواية تولستوي يسير العالم الخاص (السلام) والعالم العام (الحرب) في خطين متوازيين حينًا، ويتقاطعان حينًا آخر؛ إذ يشارك الأمير أندريه في معركة أوسترليتز، ويشارك بيير في معركة بورودينو. هكذا يتّخذ تولستوي السبيل الذي شقّه له ستاندال على نحو رائع في وصفه معركة واترلو التي يراها بعينَي فابريزيو ديل دونغو. وتسلّط الشخصيات، المُضفَى عليها الطابع الرومانسي، الضوء على القصور الذي تعامل به المؤرّخون مع حدث تاريخي بامتياز (أو يُفترَض أنّه ذلك). كان ذلك تحديًا فكريًا هائلً بدا أنّه يتعلّق بماضٍ كان قد اختفى، تمامًا كما هو حال معركة تاريخية والجدل عليها. لكن التأمّل في المعركة بوصفها موضوعًا تأريخيًا يمكن أن يبقى مفيدًا. إذ تنبع منه على نحوٍ غير مباشر مشكلةٌ أساسية من مشكلات حرفة المؤرّخ. في اللوحة الموسومة: المعركة بين ألكسندر وداريوس عند نهر إيسوس، اختار الفنان ألبرخت ألتدورفر، لتمثيل المعركة، مطلًّ شاهقًا وبعيدًا، وكأنه نسر محلّق. ورسم بعين الطائر المحدقة الضوءَ المتألق على الدروع، والزينات، والعتاد، وألوان الرايات الزاهية والرِّيَش البيضاء المتمايلة على خوذات المحاربين، وجحافل الفرسان برماحهم المرفوعة، مثل قنفذ هائل، ثم تراجع تدريجيًا نحو الخلفية، صوب الجبال خلف ساحة المعركة، والمخيمات، والمياه والسديم، والأفق المقوَّس متّخ ذًا هيئة المجال الأرضي، والسماء الهائلة التي تسطع
58 See: Isaiah Berlin, "The Hedgehog and the Fox: An Essay on Tolstoy's View of History," in: Henry Hardy and Aileen Kelly (eds.), Russian Thinkers (London: Hogarth Press, 1978), pp. 22 - 81.
59 كان تولستوي مدركًا هذا الدَّين تمام الإدراك، انظر:
Paul Boyer, chez Tolstoï: Entretiens à Iasnaïa Poliana (Paris: Institut d'Études Slaves, 1950), p. 40 ; quoted also in Berlin, "The Hedgehog and the Fox," p. 56 ; Nicola Chiaromonte, Credere o non credere (Bologna: Il Mulino, 1993). I am grateful to Claudio Fogu for the reference. 60 Duby, Le dimanche de Bouvines.
| الشكل(1) | |||
|---|---|---|---|
| الشكل (1) لوحة ألبرخت ألتدورفر: المعركة بين ألكسندر وداريوس عند نهر إيسوس (ميونيخ: متحف ألت بيناكوثيك، 1929) | |||
| 140 | |||
فيها الشمس الغاربة والقمر المشتدّ. ما من عين بشرية سوف تنجح يومًا، كما نجح ألتدورفر، في أن تلتقط في الوقت ذاته الخصوصية
التاريخية (الواقعية أو المفترضة) لمعركة وضآلة شأنها الكونية (الشكل 1). إنّ معركةً من المعارك، بالمعنى الدقيق للكلمة، لا تكون مرئية، كما ذكّرتنا الصورُ التي بثّتها التلفزة خلال حرب الخليج الأولى (ولم
يكن ذلك بفضل الرقابة العسكرية وحدها). ولا يمكن إلا لمخطَّط مجرد أو لخيال رؤيوي كخيال ألتدورفر أن ينقل صورةً شاملة لمثل هذه المعركة. ويبدو من المناسب أن نوسّع نطاق هذا لاستنتاج بحيث يشمل أيّ حدث، وخصوصًا أيّ سيرورة تاريخية. إذ تتيح لنا النظرة
المقرّبة أن نلتقط ما يروغ النظرة الشاملة، والعكس بالعكس. هذا التناقض هو في صميم الفصل الموسوم "بنية العالم التاريخي" في كتاب سيغفريد كراكَور الأخير الذي نشر بعد وفاته مع تقديم لبول أوسكار كريستيلرالتاريخ: الأشياء الأخيرة قبل الشيء الأخير Last the before Things Last The: History. وعلى الرغم من إقرار كريستيلر أنّه أكثر تفاؤلً من صديقه كراكور في هذا الشأن، فإنه كان لا بدّ أن يعترف بأنّ "التباين بين التاريخ العام والتاريخ
الخاص، أو بين التاريخ الكلّ والجزئي، كما يسميهما، يمثّل معضلة خطيرة". وتعود رواية كينو الأزهار الزرقاء إلى عام 1967؛ بعد
عام على وفاة كراكور. ولعلّنا في هذه الحالة إزاء ابتكار يجترحه أكثر من شخص على نحوٍ مستقل. لكنّ المهم ليس مصطلح التاريخ
الجزئي؛ بل الدلالة التي اتّخذها تدريجًا في عقل كراكور. بالنسبة إلى كراكور أولً، يبدو التاريخ الجزئي مرادفًا للبحث المونوغرافي. لكن المقارنة بين "التاريخ الجزئي" والتقريب السينمائي
(وهذا شيء واضح لدى مؤلِّف من كاليغاري إلى هتلر Hitler to Caligari From ونظرية الفيلم Film of Theory) تُدخ ل عناصر
جديدة. يلاحظ كراكور أنّ بعض البحث ذو طابع خاص، كبحث هوبرت ج يدين حول مجمعَي كونستانس وبازل، يقدر أن يعدّل الرؤى
الشاملة التي رسمها التاريخ الكلي. هل نحن مضطرون إلى أن نستنتج، إذًا، مع آبي واربورغ، أنّ "الله يكمن في التفاصيل"؟ هذه هي
الأطروحة التي يدعمها "مؤرّخان عظيمان"، تولستوي في الحرب والسلاموالسِيّر لويس نيمير (لاقتران الذي اقترحه كراكور هو
اقتران مهم). لكن كراكور يدرك، على الرغم من تعاطفه مع هذه المواقف، أنّ بعض الظواهر لا يمكن فهمها إلا من خلال منظور كلّ.
وهذا يشير إلى أنّ التسوية بين التاريخ الكلي والتاريخ الجزئي ليست بالبديهية على الإطلاق (كما اعتقد توينبي مخطئًا). وهي تحتاج
من ثمّ إلى السعي وراءها. وبحسب كراكور، فإنّ مارك بلوخ هو الذي قدّم الحلّ الأفضل في كتابه المجتمع الإقطاعي؛ من خلال التقدّم
والتراجع المتواصلين بين التاريخ الجزئي والتاريخ الكلّ، وبين اللقطات المقرّبة واللقطات الطويلة البعيدة، بحيث تتواصل العودة إلى
مناقشة الرؤية الشاملة للسيرورة التاريخية من خلال لاستثناءات الظاهرة والح لات قصيرة الدوام. وما تفضي إليه هذه الوصفة المنهجية
61 See: Otto Benesch, Der Maler Albrecht Altdorfer (Vienna: Scholl, 1939): "Makrokosmos und Mikrokosmos werden eins" (p. 31).
وأنا أدرك أنه سبق لي أن طرقت هذا الموضوع عند الكلام عن منظر طبيعي لبروغليوم مظلموعن المعركة التي يختتم بها فيلم روبرتو روسيللينيبايسا Paisà، انظر على التوالي:
Ginzburg, Spurensicherungen: Über verborgene Geschichte, Kunst und soziales Gedächtnis , trans. from the Italian by Karl Friedrich Hauber (Berlin: Verlag Klaus Wagenbach, 1983), pp. 14 - 15 ; "Di tutti i doni che porto a Kaisàre... Leggere il film scrivere la storia," Storie e Storia 5 1983 (), pp. 5 - 17.
حول خاتمة، انظر أيضًا: الطُرفة التي يرويها فيديريكو فيلليني الذي عمل مخرجًا مساعدًا لروسيلليني، في بايسا:
Federico Fellini, Comments on Films , Joseph Henry (trans.), Giovanni Grazzini (ed.), (Fresno: California State University Press, [1983] 1988), p. 66.
وحول لوحة ألتدورفر، المعركة بين ألكسندر وداريوس، انظر أيضًا المقالة المكتوبة من وجهة نظر مختلفة تمامًا عن تلك التي أجملناها هنا والتي هي المقالة لافتتاحية في:
Reinhart Koselleck, Vergangene Zukunft: Zur Semantik geschichtlicher Zeiten (Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1979). 62 Paul Oskar Kristeller, "foreword," in: Siegfried Kracauer, History: The Last Things before the Last 1969 (), (Princeton, NJ: Markus Wiener Publishers, 1995), p. xiv.
التشديد لي. انظر خصوصًا، الفصل الخامس الموسوم "بنية العالم التاريخي"، ص 104 - 138، وهو فصل تركه كراكور غير منتهٍ.
هو تأكيد طبيعة كيانية (أنطولوجية) حاسمة لواقع متفاصل جوهريًا ومتغاير العناصر. وإذًا، ما من نتيجة مستخلصة تناسب مجالً محددًا
يمكن أن تُنقَل تلقائيًا إلى مجال أعمّ (ما يدعوه كراكور "قانون المستويات)". لا تزال صفحات كراكور هذه المنشورة بعد وفاته تمثّل، في رأيي، أفضل مدخل إلى التاريخ الجزئي، مع أنّ الرجل لم يكن مؤرّخًا
محترفًا. وعلى حدّ علمي، فإنّه لم يكن لهذه الصفحات أيّ تأثير في ظهور هذا التيار التأريخي. ومن المؤكّد أنّه لم يكن لها أيّ تأثير
في نفسي، لأنني لم أعلم بوجودها إلا مؤخّرًا للأسف، منذ بضع سنوات. لكني عندما قرأتها بدت لي مألوفةً إلى حدّ بعيد، وذلك لسببين.
أولهما، هو أنّ صدى لها غير مباشر كان قد وصلني منذ زمن طويل من خلال لقائي الحاسم برائعة تيودور أدورنو الأخلاق الصغرى
moralia Minima، التي عبّ فيها ضمنيًا، وعلى الرغم من إيمانه الذي لم يتخلّ عنه قطّ بفكرة الكلّية، عمّا يدين به إلى التقليد
الذي يُعنى بجزئيات الأمور ودقائقها، وهو تقليد افتتحه جورج سيمل، وقام به صديق أدورنو (ومعلمه، بمعنى ما) سيغفريد كراكور.
وثانيهما، هو أنّ أفكار هذا الأخير عن التاريخ، بدءًا بفكرته الحاسمة عن تفاصل الواقع أو تقطّعه، هي تطور صريح وواعٍ لظواهر رئيسة
في ثقافة هذا القرن، من بروست إلى السينما. وما تشير إليه واقعة انتشار فكرة معينة في الجوّ هو، في النهاية، أنّ من الممكن التوصّل إلى
لاستنتاجات ذاتها على نحو مستقلّ إذا ما جرى لانطلاق من المقدمات ذاتها. غالبًا ما يكون من الصعب الكشف عن وجود التقارب الفكري وعن غياب الصلة المباشرة في الوقت ذاته. ولذلك، إن لم أكن مخطئًا، فإن
فائدة سلسلة النَّسب الفكري التي حاولتُ أن أعيد بناءها إلى الآن (تلك الفائدة التي تتخطى بكثير أهمية الموضوع) هي فائدة حقيقية في جزء
منها، ومتخيَّلة في جزء آخر؛ واعية في جزء منها، وغير واعية في جزء آخر. وإذ أنظر إلى الأمور عن بعد، أدركُ أنّ أبحاث مجموعتنا للتاريخ الجزئي
كانت جزءًا من اتجاه أعمّ، فاتتني معالمه في ذلك الحين بصورة تكاد تكون تامةً. ولعلّه ليس محض مصادفة أنّ تعبير التاريخ الجزئي استُخدم
أوّل مرّة في عنوان عمل يصف معركةً على نحوٍ تفصيلي حدّ الهوَس (على الرغم من أنّ خاتمة كتاب ستيوارت عن معركة غيتيسبرغ يبدو أنّها
تشير إلى كونراد وليس إلى تولستوي). والأبعد عن المصادفة أيضًا هو حقيقة مطابقة كراكور بعد بضع سنوات، بصورة مستقلة بلا شكّ، بين التاريخ الجزئي وتولستوي؛ ولا بدّ أن أعترف بأنّ قرأت هذا بمتعة يشوبها شيء من خيبة الأمل (فمقاربتي لم تكن استثنائية كثيرًا في النهاية.)
ثمّة صعوبة أدركها. تبدو قدرة تولستوي غير العادية على أن ينقل إلى القارئ حقيقة الواقع المادية الملموسة غير متوافقة بالمرّة
مع فكرة القرن العشرين التي اعتبرتُها في صميم التاريخ الجزئي؛ فكرة أنّ العقبات التي تتداخل مع البحث على هيئة فجوات أو
ضروب من سوء التمثيل في المصادر يجب أن تغدو جزءًا من الرواية. ففي الحرب والسلاميحدث العكس تمامًا. فكلّ ما يسبق فعل
السرد (من الذكريات الشخصية إلى تذكارات العهد النابليوني) يُستوعَب ويُصهَر كي يتيح للقارئ الدخول في علاقة حميمية خاصة مع
63 Ibid., p. 134.
64 لم يكن لهذه الصفحات، في الواقع، كثير من الصدى العام؛ لكن انظر التحليل الثاقب الذي يقدمه مارتن جَي الذي يبيّ على نحو مقنع أنّ "كتاب التاريخ هو، من
نواحٍ عديدة، واحد من أشدّ كتب كراكور سحرًا وأصالة، ويستحقّ أن'يُفْتدَى'، كي نستعير كلمة كراكور، من نسيانٍلا يستحقه"، انظر:
Martin Jay, "The Extraterritorial Life of Siegfried Kracauer," Salmagundi , nos. 31 - 32 (Fall 1975 -Winter 1976), p. 87. 65 Jay, "The Extraterritorial Life," p. 62 , on Minima moralia ; p. 63 , on Kracauer's diffidence toward the category of "totality"; and p. 50 , on the connection, in Kracauer's thought, between "wholeness and death."; See also, Jay, "Adorno and Kracauer: Notes on a Troubled Friendship," Salmagundi , no. 40 (Winter 1978), pp. 42 - 66 ; Marxism and Totality: The Adventures of a Concept from Lukacs to Habermas (Berkeley and Los Angeles: University of California Press, 1984), pp. 245 - 246 , passim.
قرأ أدورنو الشاب كانط بإشراف كراكور، انظر:
Remo Bodei, introduction, in: Theodor W. Adorno, Il gergo dell'autenticità [Jargon der Eigentlichkeit: Zur deutschen Ideologie] , (Turin: Bollati Boringhieri, 1989), p. vii.
وأنا أعترف بديني لكتاب أدورنو Minima moralia في مقدمة كتابي:
Clues, Myths, and the Historical Method , p. ix.
ولقد لفت هانز ميديك انتباهي إلى أنّ أدورنو، في الصفحة الأخيرة من كتابه النفي الديالكتيكي Dialettica negativa، يعزو وظيفةً حاسمة إلى "النظرة المجهرية."
الشخصيات ومشاركتهم حياتهم مشاركةً مباشرة. ويقفز تولستوي فوق الفجوة المحتومة بين الآثار المتشظية والمشوَّهة لحدث من
الأحداث (معركة، مثلً) والحدث ذاته. لكن هذه القفزة، هذا لاتصال المباشر مع الواقع، لا يمكن أن تجري إلا في ميدان الإبداع. وهي محرومة، بالتعريف من المؤرّخ الذي ليس في متناوله سوى شظايا الأشياء والوثائق. وما تفعله اللوحات التأريخية الضخمة التي
تسعى لأن تنقل إلى القارئ، من خلال ذرائع هزيلة غالبًا، وَهْمَ واقعٍ متلاشٍ، هو أنّها تزيل ضمنًا هذه المحدودية التكوينية التي تَسِمُ
مهنة التاريخ. أمّا التاريخ الجزئي فيختار المقاربة المعاكسة. فهو يقرّ المحدودية في الوقت الذي يستكشف مغازيها المعرفية ويحوّلها إلى
عنصر سردي. كان الناقد الإيطالي ريناتو سيرا قد توقّع هذه المقاربة من بعض النواحي، في مقالة قصيرة لكنّها مهمة كتبها في عام 1912 ونشُرت بعد وفاته هي "مجموعة من الجنود تغادر إلى ليبيا" " Libia la per soldati di gruppo un di Partenza ". وفي رسالة إلى بينيديتو كروتشه، أوضح سيرا أنّه كان قد بدأ من أفكار تولستوي حول التاريخ كما عبّ عنها في الحرب والسلام. وفي مقالة لاحقة تضمّنها
كتابالتاريخ: نظريته وممارسته Practice and Theory Its: History، رفض كروتشه موقف تولستوي، ووصفه بأنّه عبثي وتشكيكي
بقوله "نحن نعرف في كلّ لحظة جميع التاريخ الذي نحتاج إلى معرفته"؛ وهذا يعني أنّ التاريخ الذي لا نعرفه يطابق "الشبح الأبدي للشيء ذاته". واعترف سيرا لكروتشه بأنّه إذ يعتبر نفسه "عبدًا للشيء ذاته"، يشعر أنّه أقرب إلى تولستوي بكثير، وأضاف "إنّ مصاعبي هي أعقد فحسب، أو تبدو على أنّها كذلك". تعود مقالة سيرا، في الواقع، إلى أفكار تولستوي (من دون أن تسمّيه) لكنها تأخذ تلك الأفكار في اتجاه مختلف تمامًا. فرسائل
الجنود الفظّة إلى عائلاتهم، والمق لات الصحافية المكتوبة لإمتاع جمهور بعيد، وروايات الأعمال العسكرية التي خربشها على عجل قائد
متعجّل، وإعادة العمل على هذه الوثائق من لدن مؤرّخين يجلّون كل وثيقة منها إجلالً خرافيًا، جميع هذه السرديات، بصرف النظر عن
طابعها المباشر إلى هذا الحدّ أو ذاك، تربطها بالواقع علاقة إشكالية للغاية (كما يشرح سيرا). وهو يسجّل بعبارات تغدو متعجّلة بل محمومة
باطّراد إيقاعَ فكر يدور حول التناقض غير المحلول بين حقيقة وجود "الشيء ذاته" وعدم الثقة بإمكان الإحاطة به من خلال الأدلة: ثمّة أناس يتصورون بحسن نيّة أنّه يمكن لوثيقةٍ أن تكون تعبيرًا عن الواقع. كما لو أنّه يمكن أن تعبّ وثيقة عن شيء يختلف عنها
هي ذاتها. إنّ وثيقة لهي واقعةٌ من الوقائع. وإنّ المعركة لواقعةٌ أخرى (إلى ما لا نهاية من الوقائع الأخرى). ولا يمكن أن نجعل هاتين
الواقعتين واقعة واحدة. من يفعل هو واقعة. ومن يسرد هو واقعة أخرى. وكلُّ جزء من الأدلّة إنّما يوفّر شهادة على ذاته فحسب؛ على لحظته هو، على أصله هو، على نهايته هو، وليس على أيّ شيء آخر. جميع الأحكام النقدية التي نخضع لها التاريخ تنطوي على مفهوم
التاريخ الحقيقي؛ مفهوم الواقع المطلق. ومن الضروري أن نتصدى لمسألة الذاكرة؛ لا بقدر ما تكون نسيانًا، بل بقدر ما تكون تذكّرًا.
وجود الأشياء في حدّ ذاتها.
66 Viktor Shlovskii [Sklovskij], Materiali e leggi di trasformazione stilistica: Saggio su 'Guerra e Pace,' Monica Guerrini (trans.), (Parma: Pratiche, 1978). 67 Renato Serra, Scritti letterari, morali e politici , Mario Isnenghi (ed.), (Turin: Einaudi, 1974), pp. 278 - 288. Here I am returning to ideas I expressed in "Just One Witness" (chap. 12 in this volume). 68 R. Serra, Epistolario , Luigi Ambrosini, Giuseppe De Robertis & Alfredo Grilli (eds.), (Florence: Le Monnier, 1934), pp. 453 - 454. 69 B. Croce, History: Its Theory and Practice , Douglas Ainslie (trans.), (New York: Russell & Russell, [1915] 1960), p. 55. 70 Serra, letter to Croce, 11 Nov. 1912 , Epistolario di Renato Serra , p. 459. Serra's differences with Croce have been noted in Eugenio Garin, "Serra e Croce," in: Scritti in onore di Renato Serra: Per il cinquantenario della morte (Florence: Le Monnier, 1974), pp. 85 - 88. 71 Serra, Scritti letterari , pp. 286 - 287.
لم أقرأ عمل سيرا إلّ في بداية الثمانينيات من القرن الماضي. لكنّ خلاصته وصلتني قبل أكثر من عقدين من خلال تدريس أرسينيو
فروغوني له في بيزا. ففي كتابه أرنالدو بريشيا في مصادر القرن الثاني عشر XII secolo del fonti nelle Brescia da Arnaldo (1954) كان قد بيّ كيف يعمل المنظور الخاص بكلّ مصدر سردي على تقديم الشخصية ذاتها في ضوء مختلف، ومتبدّل. وأشعر اليوم أن
سخرية فروغوني من جهود المتبحّرين الوضعيين الساذجة الرامية إلى ملاءمة الأجزاء معًا تتخذ نقطة انطلاقها جدالَ سيرا المناهض
للوضعية ("كلُّ جزء من الأدلّة إنّما يوفّر شهادة على ذاته فحسب؛ على لحظته هو، على أصله هو، على نهايته هو، وليس على أيّ شيء
آخر")، ذلك الجدال الذي تسعى تلك السخرية لتجاوز فحواه المتشككة. لست متأكدًا إذا كان فروغوني قد اطلع على مقالة سيرا "مجموعة من الجنود تغادر إلى ليبيا". لكن قراءة إيتالو كالفينو لها قديمًا
أو مؤخرًا تبدو واضحةً من مقالته "ذكريات معركة" " battaglia una di Ricordo (" 1974)، وهي كتابة من نوع مختلف تمامًا. كتب
سيرا يقول: "من الضروري أن نتصدى لمسألة الذاكرة". ويهتمّ كالفينو بالمسألة، وإن تكن معركته حدثًا في حرب أنصار يتذكرها بعد ما
يقرب من ثلاثين عامًا. يبدو كلّ شيء واضحًا له في البداية، وفي متناول يده: "ليس صحيحًا أنني لم أعد أتذكر أيّ شيء، ذكرياتي لا تزال
موجودة، مخبأة في مادة الدماغ الرمادية". لكن صيغة النفي "ليس صحيحًا" تُظهر أنّه سبق أن دهمه الشك، بأنّ الذكريات تتحطم ما
إن تخرجها الذاكرة إلى النور: "وخوفي الآن هو أنّه ما إن يتشكّل بعض التذكّر، حتى يسارع إلى الظهور مباشرةً في ضوء خاطئ، ومفتعل، وعاطفي، شأنه شأن الحرب والشباب على الدوام، ويغدو جزءًا من القصة بأسلوب ذلك الزمن، لا يقوى أن يخبرنا كيف كانت الأمور
حقًا، بل كيف حسبنا أننا رأيناها وفهنا بها ليس غير". هل يمكن الذاكرة أن تلغي توسّط أوهام الذات في ذلك الزمن المنصرم وتشويهاتها
كي تبلغ "الأشياء" ("الأشياء ذاتها")؟ ترددُ الخاتمة، بتحريف ساخر مرير، صدى الثقة الزائفة في البداية: "كلُّ ما كتبته إلى الآن يجعلني
أفهم أنني لا أكاد أتذكّر شيئًا من ذلك الصباح." تؤكّد الكلمات الأخيرة في "ذكريات معركة" ("معنى كلّ ما يظهر ويختفي") هشاشة علاقتنا بالماضي. ومع ذلك، فإن عبارة "لا أكاد" تشير إلى أن الماضي، على الرغم من كلّ شيء، ليس بالأمر الذي لا يُطَال. وهذه الخاتمة مهمّة بالنسبة إليّ شخصيًا، إذ تعلمت
كثيرًا من كالفينو، لكنها مهمة موضوعيًا أيضًا، إذ تنسف صورته الحالية (صورة كالفينو اللاحق) بوصفه كاتبًا ما بعد حداثي. يوفّر التأمّل
السيّري الذاتي المجهد والمؤلم الذي يبرز من "ذكريات معركة" صورةً مختلفة عن صورة الشكوكي المغتبط الرائجة الآن. في مقالة نشُرت مؤخَّرًا في مجلة theory and History، رأى ف. ر أنكرسميت، وهو دارس هولندي لنظرية التأريخ، أنّ الميل إلى تركيز
لانتباه على الفتات لا على الكيانات الأكبر هو التعبير النموذجي عن "التأريخ ما بعد الحداثي". وكي يوضح أنكرسميت ذلك، استخدم
72 See chap. 4 , "Proofs and Possibilities."
73 نشُرت قطعة كالفينو أولً في صحيفة Sera della Corriere، في 25 نيسان/ أبريل 1974 (ذكرى التحرير)، وتمكن قراءتها الآن في المجموعة:
La strada di San Giovanni (Milan: Mondadori, 1991), pp. 75 - 85 (trans. Tim Parks as The Road to San Giovanni [New York: Pantheon Books, 1993]).
طبعة إيناودي توقفت في 16 شباط/ فبراير 1974.
74 F. R. Ankersmit, "Historiography and Postmodernism," History and Theory 28 , no. 2 (1989), pp. 137 - 153 (esp. pp. 143 , 149 - 150).
انظر الردّ أيضًا في:
Perez Zagorin, "Historiography and Postmodernism: Reconsiderations," History and Theory 29 , no. 3 (1990), pp. 263 - 274.
وردّ أنكرسميت على هذا الرد، انظر:
" Reply to Professor Zagorin," pp. 275 - 296.
حيث نقرأ هذا القول المميّز (الذي يليق بمنظّري التأريخ البنائيين مثل م. أوكشوت، ول. غولدسميث، وم. ستانفورد): "ليس للماضي بوصفه المرجع المعقد للنصّ التاريخي ككل
أي دور يؤدّيه في الجدال التاريخي. وهذا الماضي المرجعي هو، من منظور الممارسة التاريخية، فكرة عديمة النفع معرفيًا (إيبيستيمولوجيًا)[...]النصوص هي كلّ ما لدينا ولا
يسعنا سوى مقارنة نصوص بنصوص (ص. 281)
استعارةً من عالم النبات (تعود في الواقع إلى لويس نيمير، وربما إلى تولستوي). كان المؤرّخون في الماضي منشغلين بجذع شجرة أو
فروعها؛ أمّا أخلافهم ما بعد الحداثيين فلا تشغلهم سوى الأوراق؛ أي شظايا الماضي الدقيقة التي يستقصونها على نحو معزول، بعيدًا
إلى هذا الحدّ أو ذاك عن السياق (الفروع، والجذع) التي هي جزء منه. وينظر أنكرسميت الذي يقرّ الأفكار المتشككة التي صاغها
هايدن وايت في أوائل السبعينيات من القرن العشرين، باستحسان كبير إلى هذا التحول نحو التشظي. ويرى أنه يعبّ عن موقف مناهض
للأسس أو الأصول يبُرز إلى النور (لا يخشى أنكرسميت التناقضات الشكلية) ما للتأريخ من "الطبيعة ما بعد الحداثية في الأساس:"
نشاط من نوعٍ فنّي ينتج سرديات لا تقبل القياس في ما بينها. لقد توانى الطموح إلى معرفة الماضي: أهمية الشظايا تُلْتمَس في الحاضر، في
الطريقة "التي يمكن بها تكييف نسقها مع أشكال الحضارة الأخرى القائمة اليوم". ويضرب أنكرسميت أمثلة على هذا التوجّه التأريخي
بكتابين فرنسيين (كتاب إيمانويل لو روا لادوري مونتايلو، وكتاب جورج دوبيأَحدُ بوفين Bouvines of Sunday)، وكتاب أميركي (كتاب ناتالي زيمون ديفيس عودة مارتن غوير Guerre Martin of Return The)، وكتاب لا وجود له هو تواريخ جزئية Microhistories، لي أنا نفسي. لم نكلّ أنا وجيوفاني ليفي في العقد الماضي عن المحاججة ضد المواقف النسبية، بما فيها الموقف الذي تبناه أنكرسميت بحماس،
تلك المواقف التي تختزل التأريخ إلى بُعْدٍ نصّ، مجرّدةً إيّاه من أيّ قيمة معرفية. وما من تناقض بين هذا السجال والدَّين الذي
أقررتُ به في هذه الصفحات لكالفينو، وعلى نحو أعمّ لرواية القرنين التاسع عشر والعشرين. فالموقف التجريبي الذي جمع معًا، في نهاية
سبعينيات القرن العشرين، مجموعةً من دارسي التاريخ الجزئي الإيطاليين (ذلك "التاريخ مع إضافات"، كما دعاه فرانكو فينتوري على نحوٍ ساخر) كان قائمًا على وعي واضح بأنّ جميع الأطوار التي يتكشّف من خلالها البحث هي أطوار مبنيّة وليست معطاة: تحديد
الموضوع وأهميته؛ وإحكام المقولات التي يُحلَّل من خلالها؛ ومعايير الإثبات؛ والأشكال الأسلوبية والسردية التي تُنقَل بواسطتها
النتائج إلى القارئ. لكنّ هذا التأكيد للحظة البناء المتأصّلة في البحث كان مقترنًا برفض صريح للآثار الشكوكية (ما بعد الحداثية، إذا
شئتم) الحاضرة بقوة في التأريخ الأوروبي الأميركي في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي. وما أراه هو أنّ الخاصية المميزة للتاريخ الجزئي الإيطالي يجب أن يُبحث عنها في هذا الرهان المعرفي. وأودّ أن أضيف أنّ عملي الخاص خلال هذه السنوات كان قد سار في
هذا المسار المزدوج، من حيث نواياي على الأقلّ، وإن كان قد استغرق جزءًا كبيرًا منه كتاب - وهو من حيث مقاربته - من كتب التاريخ
الكلّ على نحو حاسم. تُظهر هذه الأمثلة المختارة عشوائيًا مثل بييرو ديلا فرانشيسكا، وغاليليو، وجماعة من النساجين من بييمونتي القرن التاسع عشر،
ووادٍ في ليغوريا القرن السادس عشر أنّ البحث الإيطالي في التاريخ الجزئي اهتمّ بموضوعات ذات أهمية معترف بها، كما اهتم
75 يُعتقد أنّه سبق لنيمير القول: "أنا، يا توينبي، أدرس الأوراق المفردة، وأنت الشجرة. ويدرس بقية المؤرخين مجموعات من الأغصان، وكلانا نعتقد أنهم على خطأ" (أورده
كراكور في كتابه 110. p , History). ولكن انظر أيضًا المقطع في يوميات تولستوي الذي أورده إشعيا برلين في مقالته " Fox the and Hedgehog The "، ص 30. وثمة صيغة
مبكرة من برنامج نيمير لدراسة "الأوراق المفردة: (أعضاء مجلس العموم) في مقالته:
"The Biography of Ordinary Men," (1928) in: Skyscrapers and Other Essays (London: Macmillan, 1931), pp. 44 - 53. 76 By Levi, see "I pericoli del geertzismo," Quaderni Storici 58 (April 1985), pp. 269 - 277 ; and "On Microhistory." See also, in the present volume, "Proofs and Possibilities" (chap. 4); "Description and Citation" (chap. 1); "Just One Witness" (chap. 12); See also my "Checking the Evidence: The Judge and the Historian," Critical Inquiry 18 (Autumn 1991), pp. 79 - 92 ; as well as "The Inquisitor as Anthropologist" (cited in full at no. 55).
77 يلحّ بيتر بورك على النسبية الثقافية التي تسم "التاريخ الجديد"، وذلك في تقديمه لكتاب:
New Perspectives on Historical Writing , pp. 3 - 4.
بموضوعات سبق تجاهلها أو اعتبُرت من عوالم أقلّ شأنًا، مثل التاريخ المحلي. وما تشترك فيه جميع هذه لاستقصاءات برنامجيًا هو
الإلحاح على السياق، النقيض التام للتأمل المعزول في الشظايا الذي دافع عنه أنكرسميت. ولكن في حين أن اختيار غاليليو لا يتطلب أي تبرير مسبق، يبقى علينا أن نسأل أنفسنا: لماذا تلك الجماعة تحديدًا؟ ولماذا هذا الوادي على وجه الدقّة؟ وفي مثل هذه الح لات، تكون
الإشارة، الصريحة أو الضمنية، إلى بعد مقارَن أمرًا حتميًا. وسبق لفرانكو راميلا، في كتابه الأرض والأطرُtelai e Terra الصادر في عام
1984، ولأوزفالدو راجيو، في كتابه الحزازات والقرابة parentele e Faide الصادر في عام 1990، أن بيّنَا لنا أنّ دراسة الفال دي موسو
والفونتانابونا عن كثب تجبرنا على النظر بصورة مختلفة إلى مشكلات ما قبل التصنيع وولادة الدولة الحديثة. ولكن لإدراك ثراء النتائج فإنها لا تزال غير كافية. ويمكن أن يُختار موضوع، كما رأينا، لأنّه نمطي (غونزاليس) أو لأنّه متكرر، وتُمكن إذًا سَلْسلَتُه (بروديل، في
ما يخصّ الواقعة divers Fait). ولقد واجه التاريخ الجزئي الإيطالي مسألة المقارنة بمقاربة مختلفة، وبمعنى ما، معاكسة، من خلال ما
هو خارج على القياس، لا من خلال ما هو مماثل. فهو يفترض، أولً وقبل كلّ شيء، أنّ النوع الأبعد احتمالً من الوثائق هو الأشدّ غنى
على الأرجح: "العادي لاستثنائي" في طُرفة إدواردو غريندي الشهيرة بحقّ. وهو يبيّ، ثانيًا، كما فعل جيوفاني ليفي في كتابه التراث
غير المادي immateriale L'eredità وسيمونا شيروتي في كتابها المدينة والحِرَف métiers les et Ville La، أنّ أي بنية اجتماعية هي نتيجة تفاعل وإستراتيجيات فردية كثيرة، وهو نسيج لا يمكن أن يُعاد تكوينه إلا بالملاحظة الوثيقة. ومما له دلالته أنّ العلاقة بين هذا البعد الجزئي والبعد السياقي الأكبر بات في كلتا الحالتين، على الرغم من اختلافهما، المبدأ الناظم في السرد. وكما سبق لكراكور أن توقع بالفعل، فإنّ النتائج المستخلصة من مجال جزئي لا يمكن أن تُنقَل تلقائيًا إلى مجال كلّ (والعكس بالعكس). وهذا التغاير
الذي بدأنا للتوّ إدراك مؤدّياته، هو أعظم صعوبة تواجه التاريخ الجزئي وأعظم منفعة محتملة ينطوي عليها.
78 انظر، على التوالي:
Ginzburg, Indagini su Piero: Il Battesimo, il ciclo di Arezzo, la Flagellazione (Turin: Einaudi, 1981 ; new ed., 1994), (trans. Martin Ryle and Kate Soper as The Enigma of Piero della Francesca: The Baptism, the Arezzo Cycle, the Flagellation [London: Verso, 1985]); Pietro Redondi, Galileo eretico (Turin: Einaudi, 1983), (trans. Raymond Rosenthal as Galileo Heretic [Prince ton, NJ: Prince ton University Press, 1987]); Franco Ramella, Terra e telai: Sistemi di parentela e manifattura nel Biellese dell'Ottocento (Turin: Einaudi, 1984); Osvaldo Raggio, Faide e parentele: Lo stato genovese visto dalla Fontanabuona (Turin: Einaudi, 1990); Alberto M. Banti, "Storie e microstorie: l'histoire sociale contemporaine en Italie [1972 - 1989]," Genèses 3 [March 1991], pp. 134 - 147 , esp. p. 145.
يلحّ هذا الأخير على وجود اتجاهين في التاريخ الجزئي الإيطالي، يتركزان على تحليل البنية لاجتماعية والمغازي الثقافية. وهو يعزو إلى مقالتي " Clues " بعض المسؤولية عمّا
مُني به الإطار المفهومي للتاريخ الجزئي من فشل نهائي.
79 Grendi, "Micro-analisi e storia sociale," p. 512.
80 العنوانان الفرعيان لهذين الكتابين هما، على التوالي:
Carriera di un esorcista nel Piemonte del Seicento ; Naissance d'un langage corporatif (Turin 17 e- 18 e siècles).
ويمكن تبيان بعض المغازي والنتائج الفكرية والسياسية لهذا البحث بقراءة متوازية للحوار الذي نشُر أيضًا عام 1982 في سلسلةالتاريخ الجزئي، بين فيتوريو فوا وبييترو
مارشينارو بعنوان tempo Riprendere. وهذان ليسا مؤرّخين، بخلاف ما ذكره إدوارد موير في تقديمه كتاب:
Microhistory and the Lost Peoples of Europe (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1991), p. xxii n. 7.
مع أنّ فوا، السياسي والنقابي، هو أيضًا مؤلّف كتاب في التاريخ، انظر:
La Gerusalemme rimandata: Domande di oggi agli inglesi del primo Novecento (Turin: Rosenberg & Sellier, 1985).
ومارشينارو، بعد أن كان عاملً فترة من الزمن، عاد من جديد نقابيًا.
81 Cf. Revel, "L'histoire au ras du sol," p. xxxii; and "Micro-analyse et reconstitution du social," pp. 34 - 35.
82 يشدد مارتن جَي على هذه الصعوبة، مقتبسًا من:
Kracauer, "Of Plots, Witnesses and Judgments," in: S. Friedlander (ed.), Probing the Limits of Representation (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1992), p. 103.
وكان غوين برينس قد دعا "النطاق الصغير" بالفخّ"، إذ لاحظ أنه لا يوفّر "القوى الدافعة لنظريات المؤرّخين التفسيرية"، انظر:
Gwyn Prins, "Oral History," in: P. Burke (ed.), New Perspectives in Historical Writing , p. 134.
خلص جيوفاني ليفي، في حديث له مؤخّرًا عن التاريخ الجزئي، إلى القول: "هذه صورة ذاتية، لا صورة جماعية". وكنت قد اقترحت
فعل الشيء ذاته، لكني لم أنجح. ذلك أنّ حدود الجماعة التي أنتمي إليها وحدودي الذاتية الخاصة بدت متبدلة وبعيدة عن اليقين حين
عاودت النظر إليها. وما أدهشني هو اكتشافي كم كانت مهمة بالنسبة إليّ، من دون أن أدري، كتبٌ لم أقرأها قطّ، وأحداث وشخوص
لم أكن أعلم بوجودها. وإذا ما كانت هذه صورة ذاتية، فإنّ نموذجها هو لوحات أمبرتو بوتشوني التي يدخل فيها الشارعُ المنزل، والمنظر
الطبيعيُ الوجه، ويغزو الخارجُ الداخلَ، وتكون الأنا نفوذةً ذات مسام.
تذييل
لفت دومينيكو سكاربا انتباهي مشكورًا إلى أنّ التعبير Microhistory يظهر في كتابات أندريا زانزوتو التي يعود تاريخها إلى
الستينيات من القرن العشرين، وذلك على وجه التحديد في: المقطع الرابع من قصيدته "بلاغةٌ في: الكعب ومبدأ 'المقاومة"' '" esistenza ' principio il , sbandamento lo: su Retorica " التي
نشُرت في المجموعة الموسومة الجمال beltà La الصادرة في عام 1968 وتحتوي قصائد كُتبت بين عامي 1961 و 1967، "أكثرها من السنوات الأربع الأخيرة"، انظر:
Le poesie e prose scelet , Stefano Dal Bianco & Gian Mario Villalta (eds.), (Millan: Mondadori , 1999), p. 309.
يكتب زانزوتو في "ملاحظات المؤلِّف" (ص. 352): "وهذه طريقة للدخول في المعبد- الزمنلتاريخ هو في النهاية "صحيح"، لكنه، من منظور معين، يمكن أن يظهر خارج الزمن الأقصى، في ظلّ لاندثار الممكن لفكرة التاريخ ذاتها، اليوم الراهن. في هذا المجال الظليل
كلّ شيء يميل لأن يتسطح متحولً إلى تاريخ جزئي (حكاية). مصطلح الزمن-المعبد هو مصطلح من هايدغر، ويُستخدم هنا بحرية." يظهر "التاريخ الجزئي" بمعنى مشابه في مقالة زانزوتو، "بعض وجهات النظر بصدد الشعر اليوم" " sulla prospettive Alcune
oggi poesia "، المنشورة في: 1137): 1966 (35 Letterario approdo ' L "خلق العلم والتكنولوجيا عقبةً، اكتظاظًا ل "الوحي"
(لاختراع و لاكتشاف)، بما يكفي لتبرير جزء كبير من تسمية القياميّ التي تُطلَق على عصرنا. وفي النهاية يتحوّل الكشف الأخير، إزالة
الغموض- نزع الأساطير، ضد ما فهم بالأمس فقط على أنّه "تاريخ كلّ" (يوجّهه التعالي أو الديالكتيك)، ويتغيّ صوب "التاريخ الجزئي "
المتلاشي في اتجاه اللاتاريخية." استخدم زانزوتو تعبير التاريخ الجزئي في هذه المقاطع، كما نرى، بمعنى مختلف تمامًا عن ذلك الذي سيعطيه له المؤرّخون
الإيطاليون لاحقًا. لكنّ سكاربا يلاحظ أنّ زانزوتو منذ عام 1962، في مراجعته النقدية لمختارات سانغينيتي الموسومة novissimi I يعارض
"التاريخ البدئي" Archhistory لدى هذا الأخير، ذلك التاريخ الذي "مال في الواقع إلى اتخاذ شكل الحكايات، الطرائف، وديناميات المناطق المنكوبة" (1110. p , scelte prose e poesie Le). وأنا أتساءل إذا كان زانزوتو، بما قام به فترة طويلة من تأمّل واضح في فكرة
تحويل التاريخ الكبير إلى حكايات خيالية، قد أخذ تعبير التاريخ الجزئي من كينو (الزهور الزرقاء، 1965)، وهي فرضية لا يمكن التحقق منها في هذه اللحظة، كما تلطّف جيان ماريو فيلّلتا وأخبرني.
83 Levi, "On Microhistory," p. 111.
سوف يكون من المفيد أن نلمّ بطبعة الباحثين الآخرين المعنيين بهذا المشروع، بدءًا بإدواردو غريندي، لكن انظر الآن:
" Ripensare la microstoria?" Quaderni storici , n.s., vol. 86 [1994], pp. 539 - 49.