العودة إلى تفاصيل المؤلَّف من الدفاع عن الدولة والتحديث إلى نشر قيم المواطنة: قراءة في تحولات الكتابة التاريخية في تونس

من الدفاع عن الدولة والتحديث إلى نشر قيم المواطنة: قراءة في تحولات الكتابة التاريخية في تونس

“From Defending the State and Modernization to Spreading the Ideals of Citizenship: Transformations in Tunisian Historical Writing”

جمال بن طاهر

Jamel bentahar

الملخّص

على الرغم من الحشد الهائل من الكتابات والمنشورات والندوات التي تناولت موضوع "الأسطوغرافيا" ومجالات البحث التاريخي في تونس على وجه الخصوص، وفي المجال العربي الإسلامي بوجه عام، فإن موضوع علاقة الدولة بعلم التاريخ لا يزال وحده مثيرًا للجدل. ففي الكتابات التاريخيّة التونسيّة، على وجه التحديد، يطرح الموضوع ذاته مشكلات أشدّ تعقيدًا؛ بسبب الخصوصيات المحليّة التي من أهمها التحولات السياسيّة التي شهدتها البلاد منذ ثورة 14 جانفي 2011، وانعكاس ذلك رأسيًا على مجالات البحث ومناهجه في التاريخ. فقد نجم عن ذلك جدل فكري وسياسي حول طبيعة الدولة ونظام الحكم الجديد، وعلاقتهما بالفاعلين الاجتماعيّين، وبخاصة النخب. ولم يبق ذلك الجدل، وهو ما يزال متواصلًا، حبيس أروقة الجامعات أو مراكز البحث ومخابره، وإنما انتقل إلى وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، وإلى مؤسسات المجتمع المدني ومنظماته أيضًا. ولم يكتف المؤرّخ بصفته فاعلًا اجتماعيًّا، ومهتمًا بالماضي وأخباره انطلاقًا من الحاضر، بدراسة قضايا الدولة خلال القرن التاسع عشر، وإنما انخرط بدوره في الجدل الفكري والسياسي حول الدولة قبل الثورة وبعدها. وقد شغلت تلك القضايا قطاعًا عريضًا من المؤرخين، على اختلاف مشاربهم واختصاصاتهم، فأصبح الاهتمام بتاريخ الزمن الراهن على تعقيداته ملاذ الكثير من الدارسين. لقد كان الهاجس الذي شغل الإخباريين ومن بعدهم المؤرّخين هو البحث في أسباب أزمة "الدولة الترابية" خلال القرن التاسع عشر، والمطالبة بإرساء نموذج جديد؛ نموذج الدولة - الأمّة، والتي لم تَنْجُ، على الرغم مما قامت به دولة الاستقلال، من الانحراف نحو نموذج الدولة الاستبدادية التي نخرها الفساد وتتابع الأزمات الاقتصادية والاجتماعيّة، وما رافق ذلك من غيابٍ للحرّيات الفردية وانتهاكات لحقوق الإنسان. وهو ما أفضى إلى الدعوة مجدّدًا إلى إرساء دولة المواطنة، والانتقال من الدولة الوطنيّة والخطاب السياسي المصاحب لها إلى الخطاب الثقافي المرتبط بالدولة بعد عام 2011. فلماذا يتفحص المؤرّخون مختلف هذه الموضوعات؟ أيُعدّ هذا الأمر ضرورةً منهجيةً أم يُخفي تحولًا عميقًا في وظيفة المؤرخ ودوره في المجتمع؟ وهل يمكن الحديث عن تحولات إبستيمولوجية في بناء المعرفة التاريخية في تونس إلى حدّ تحوَّل فيه المؤرخ، على غرار عالِم الاجتماع، خارج الدولة وضدّها؟ ولماذا تزايد اهتمام المؤرّخين بأحداث الثورة وما نجَم عنها من تحوّلات سياسيّة ودستوريّة، لا يضاهيها في الأهمية سوى اهتمامهم بأزمة القرن التاسع عشر والإصلاحات الدستورية، أو بواكير التحديث في تونس؟ سيهتم هتمل و كس و جس كلينر عبر الإنترنت برمز الويب القذر. كلها برامج مجانية على الإنترنت.

Abstract

Professor of History, Faculty of Arts, Manouba University, Tunisia.

Abdelhamid Henia (coord), Itinéraire d'un historien et d'une historiographie. Mélanges de DIRASET offerts au professeur émérite M.H. Chérif (Tunis: Diraset–études maghrébines, CPU, 2008); Sami Bargaoui & Hassan Remaoun (coord.), Savoirs historiques au Maghreb. Construction et usages (Tunis/Oran: CERES/CRASC, 2006); Abdelhamid Hénia, Abderrahmane Elmoudden & Abderrahim Benhadda (coord.), Ecritures de l'histoire du Maghreb: Identité , mémoire et historiographie , Actes de deux tables rondes organisées à Marrakech 27  -  28  /  5  /  2004 , et à Tunis 1  -  3  /  10  /  2004 (Rabat: Publications de la faculté des lettres et des sciences humaines, 2007).

الكلمات المفتاحية:
  • المواطنة
  • الدولة
  • تونس
  • الكتابات التاريخية
Keywords:
  • Defending the State and Modernization
  • Spreading the Ideals of Citizenship
  • Transformations in Tunisian Historical Writing

قراءة في تحولات الكتابة التاريخية يف تونس

Transformations in Tunisian Historical Writing

مقدمة

على الرغم من الحشد الهائل من الكتابات والمنشورات والندوات التي تناولت موضوع "الأسطوغرافيا" ومج لات البحث التاريخي في تونس على وجه الخصوص، وفي المجال العربي الإسلامي بوجه عام، فإن موضوع علاقة الدولة بعلم التاريخ لا يزال وحده مثيرًا للجدل1. ففي الكتابات التاريخيّة التونسيّة، على وجه التحديد، يطرح الموضوع ذاته مشكلات أشدّ تعقيدًا؛ بسبب الخصوصيات المحليّة التي من أهمها التحولات السياسيّة التي شهدتها البلاد منذ ثورة 14 جانفي 2011، وانعكاس ذلك رأسيًا على مج لات البحث ومناهجه في التاريخ. فقد نجم عن ذلك جدل فكري وسياسي حول طبيعة الدولة ونظام الحكم الجديد، وعلاقتهما بالفاعلين لاجتماعييّن، وبخاصة النخب. ولم يبق ذلك الجدل، وهو ما يزال متواصلً، حبيس أروقة الجامعات أو مراكز البحث ومخابره، وإنما انتقل إلى وسائل الإعلام وشبكات التواصل لاجتماعي، وإلى مؤسسات المجتمع المدني ومنظماته أيضًا. ولم يكتف المؤرّخ بصفته فاعلًاجتماعيًّا، ومهتمًا بالماضي وأخباره انطلاقًا من الحاضر، بدراسة قضايا الدولة خلال القرن التاسع عشر، وإنما انخرط بدوره في الجدل الفكري والسياسي حول الدولة قبل الثورة وبعدها. وقد شغلت تلك القضايا قطاعًا عريضًا من المؤرخين، على اختلاف مشاربهم واختصاصاتهم، فأصبح لاهتمام بتاريخ الزمن الراهن على تعقيداته ملاذ الكثير من الدارسين. لقد كان الهاجس الذي شغل الإخباريين ومن بعدهم المؤرّخين هو البحث في أسباب أزمة "الدولة الترابية" خلال القرن التاسع عشر، والمطالبة بإرساء نموذج جديد؛ نموذج الدولة - الأمّة، والتي لم تَنْجُ، على الرغم مما قامت به دولة لاستقلال، من لانحراف نحو نموذج الدولة لاستبدادية التي نخرها الفساد وتتابع الأزمات لاقتصادية و لاجتماعيّة، وما رافق ذلك من غيابٍ للحرّيات الفردية

  1. أستاذ التاريخ في كلية الآداب، جامعة منوبة، تونس.
  2. لا يتسع المجال لذكر كلّ الدراسات وحسبنا الإشارة إلى بعض منها:

وانتهاكات لحقوق الإنسان. وهو ما أفضى إلى الدعوة مجدّدًا إلى إرساء دولة المواطنة، و لانتقال من الدولة الوطنيّة والخطاب السياسي المصاحب لها إلى الخطاب الثقافي المرتبط بالدولة بعد عام 2011. فلماذا يتفحص المؤرّخون مختلف هذه الموضوعات؟ أيُعدّ هذا الأمر ضرورةً منهجيةً أم يُخفي تحولً عميقًا في وظيفة المؤرخ ودوره في المجتمع؟ وهل يمكن الحديث عن تحولات إبستيمولوجية في بناء المعرفة التاريخية في تونس إلى حدّ تحوَّل فيه المؤرخ، على غرار عالِم لاجتماع، خارج الدولة وضدّها؟2 ولماذا تزايد اهتمام المؤرّخين بأحداث الثورة وما نجَم عنها من تحولّات سياسيّة ودستوريّة، لا يضاهيها في الأهمية سوى اهتمامهم بأزمة القرن التاسع عشر والإصلاحات الدستورية، أو بواكير التحديث في تونس؟4

دولة التحديث والإصلاح: الإصلاحات بين صريح العبارة وضمنيّاتها؟

ليس في نيتنا هنا أن نعيد النظر مرّةً أخرى في أزمة القرن التاسع عشر في البلاد التونسيّة، وفي تلك الإصلاحات التي ظهرت منتصف ذلك القرن ومختلف أبعادها لاجتماعيّة والسياسيّة والفكريّة؛ لأنها موضوعات أ شبعت بحثًا. ويكفي أن ينتبه المرء إلى المكانة المركزيّة التي تبوّأها موضوع الإصلاح، وبخاصة التحديث السياسي، في مصنّفات الإخباريين وعلى رأسهم أحمد بن أبي الضياف، وفي الكتابات التاريخيّة، حتى يتأكّد من أن هذا لاهتمام لا يفسَّ فقط بتوافر المادة المصدريّة، وبخاصة الوثائق الأرشيفيّة المتاحة حول القرن التاسع عشر، وإنّما أيضًا بانخراط أغلب المؤرّخين في بناء ذاكرة وطنيّة تونسيّة في مواجهة صريحة للذّاكرة لاستعماريّة التي خدمت المشروع الكولونيالي، بدءًا من تاريخ استعمار الجزائر عام 1830، حتى استقلال البلاد التونسيّة عام 1956 من لاستعمار الفرنسي الذي بدأ عام 18815. وبناء عليه، انصبّ قسط كبير من جهد الإخباريين أولً، ثم المؤرّخين المهتميّن بالعصور الحديثة والمعاصرة بعد ذلك، على معالجة إشكاليات أزمة الدولة والمجتمع، ومحاولات الإصلاح العسكري والإداري والسياسي التي قام بها "بايات" منتصف القرن التاسع عشر، ودعمهم في ذلك نخبةٌ من المصلحين من أمثال أحمد بن أبي الضياف، والوزير خير الدين، والجنرال حسين، ومحمد بيرم الخامس، ومحمد السنوسي وغيرهم. سنقتصر في هذه الدراسة على قراءة مقتضبة لكتابيْ مهميْ حول هذه المسائل التي نحن بصدد مناقشتها، أولهما عنوانه: تونس والتحديث: أوّل دستور في العالم الإسلامي، للمؤرّخ الهادي التيمومي6. أمّا الثاني فعنوانه أزمة الوعي التونسي في القرن التاسع عشر، للمؤرّخ توفيق البشروش8. ولسائل أن يسأل: لماذا وقع لاختيار على المؤرّخيْ اللّذيْن أرّخا للقرن التاسع عشر وقضايا الإصلاح

3  Michel Amiot, Contre l'Etat , les Sociologues: Eléments pour une histoire de la sociologie urbaine en France (1900  -  1980) (Paris: E.H.E.S.S.,

Kmar Ben Dan, Chronique d'une révolution (Tunis: script, 2012).

Ahmed Abdesselem, Les historiens tunisiens des XVIIe, XVIIIe et XIXe siècles. Essai d'histoire culturelle (Tunis: Pub. de l'Université de Tunis, 1973); Ahmed Jdey, Ahmad Ibn Abi Dhiaf. Son œuvre et sa pensée. Essai d'histoire culturelle (Zaghouan: F.T.E.R.S.I., 1996); Khalifa Chater, Mutations et dépendances précoloniales. La Régence de Tunis de 1815 à 1857 (Tunis: Pub. de l'Université de Tunis, 1984); Béchir Tlili, Les rapports culturels et idéologiques entre l'Orient et l'Occident en Tunisie au XIXè siècle (Tunis: Pub. de l'Université de Tunis, 1982).

Mohamed Lazhar Gharbi, "L'historiographie tunisienne de la période moderne et contemporaine et son espace," in: Bargaoui & Remaoun, pp. 65  -  80.

7  Tawfiq Bachrouch, La crise de la conscience tunisienne au XIXè siècle (Tunis, Atlas éditions, 2014).

  1. لم نتمكّن من القيام بجرد لكلّ الدراسات والأبحاث التي أنجزها المؤرّخون حول الثورة، ولكن جدّت طفرة في البحوث بدأت منذ أوائل سنة 2014، نذكر منها: الهادي التيمومي، تونس في التاريخ من جديد أو 14 جانفي 2011 (تونس: دار محمد على الحامي، 2011)؛ الأزهر الماجري، الثورة التونسية، 17 ديسمبر 2010. في جدلية التحرر والاحتواء (تونس: المغاربية للطباعة وإشهار الكتاب، 2011)؛ عميرة علية الصغير وآخرون، الثورة في تونس من خلال الوثائق (تونس: المعهد العالي للحركة الوطنية، 2012)؛
  2. حول القرن التاسع عشر، وحول أحمد بن أبي الضياف، انظر على سبيل المثال ما يلي: أما حول الأسطوغرافيا التونسيّة في العصور الحديثة والمعاصرة، فقد صدرت عدّة أعمال، نذكر منها: مقال محمّد الأزهر الغربي.
  3. الهادي التيمومي، تونس والتحديث: أوّل دستور في العالم الإسلامي (صفاقس: دار محمد علي للنشر، 2010.)

والتحديث في تونس؟ لكن من الممكن أن نتوسّع في هذه القراءات والكتابات التاريخيّة ونضيف مساهمات باحثين آخرين تناولوا موضوع الإصلاحات والدولة ومنهم المؤرّخون غير المحليين أو غير التونسيين9. لم نكن نفكّر في تقديم جرد كامل لهذه القراءات والمقاربات التاريخيّة حول هذا الموضوع الذي يتطلّب بحثًا مستقلً ومجالً واسعًا. كما لا نرمي أيضًا، من وراء هذا لاختيار، إلى لانتصار لمقاربة دون أخرى أو لمؤرّخ دون آخر، بقدر ما ينحصر مسعانا في تناول التاريخ الأكاديمي التونسي للإصلاحات والتحديث بعد انقضاء قرن ونصف القرن على هذه التجربة. فكيف يمكن تفسير عودة المؤرّخ إلى دراسة دولة التحديث والإصلاح؟ أتكون هذه العودة محاولة لفهم الظاهرة وتاريخها أم انتصارًا لنهج الحداثة والحداثيين أم تمثّلً للدولة الوطنية بعد لاستقلال؟ ولكن قبل تفصيل القول في المسألة التي تشغلنا، نود تقديم ملاحظة حول أزمة القرن التاسع عشر ومقارنتها بأزمة القرن السادس عشر في الكتابات التاريخية في تونس خاصة، وفي المغرب الكبير بصفة عامة. إذ بيّ عبد الرّحيم بنحادة أهميّة الأبحاث التاريخيّة، من حيث عددها، حول القرن السادس عشر في المغرب الأقصى، وقدّم تفسيرًا لذلك يشمل الدراسات المخصّصة للقرن التاسع عشر أيضًا. فقد اتسم القرنان بتأزّم الأوضاع والخطر الأجنبي واحتلاله للسواحل المغربية، انبرى على إثرها بعض المؤرخين لجعل كتابة التاريخ بحثًا في الهويّة وترسيخًا للذاكرة الجماعية، بل "قد تحولت الكتابة التاريخية في مثل تلك الموضوعات إلى كتابة نضالية، تتواتر فيها استعم لات من قبيل "الدفاع عن الوطن" و"العدو" وغيرها من المصطلحات التي تنتمي إلى حقول لا تاريخية"11. أما في تونس، فقد بيّ عبد الحميد هنية أن أزمة القرن السادس عشر هي من اختراع الأسطوغرافيا المعاصرة؛ وذلك في علاقة وطيدة بتمثّل المؤرخين للدولة الوطنية بعد لاستقلال. إذ إن تفكك الدولة الحفصيّة، وغياب الدولة في تلك الفترة هو ما استقطب الدارسين من أمثال محمد الهادي الشريف أو توفيق البشروش، بحيث جاءت أبحاثهما وأبحاث من جاء بعدهما مكرِّسةً فكرة أن المؤرّخ قد أصبح سجينًا للدولة وذاكرتها12. ومقابل ما عبّ عنه عبد الحميد هنية من حذر شديد وحيطة إزاء القرن السادس عشر وأزمته، فإننا نجده قد أجمع مع الأغلبية الساحقة من المؤرّخين والباحثين في العلوم الإنسانية على طابع الأزمة في تونس خلال القرن التاسع عشر، إذ استعرضوا جميعًا أهم الأحداث والأسباب التي عصفت ب لاقتصاد والمجتمع والدولة، وسعي البايات للتحديث والإصلاح13. من البديهي القول، إذًا، بوجود نقاط التقاء بين المؤرخين الذين اهتموا بالقرن التاسع عشر في تونس، والعثور على خيوط ترابط الفكر التاريخي، وإن اختلفوا في عديد النقاط. وهو اختلاف يعود إلى عدة أسباب، أهمها لاختلافات المنهجيّة، وأيضًا المنطلقات والمقاربات المختلفة للماضي ولقضايا الحاضر والمستقبل بوجه عام. ومهما يكن من أمر، فإذا كان الكلام على الكلام صعبًا، بحسب أبي

Jean Ganiage, Les origines du protectorat français en Tunisie (1861  -  1881) (Paris: P.U.F., 1959); Gerardus Samuel Van Krieken, Khayral-Din et la Tunisie (1850  -  1881) (Leiden: Brill, 1976).

Leon Carl Brown, The Tunisia of Ahmed Bey (1837  -  1855) (Princeton: Princeton University Press, 1974).

10  Abdelhamid Henia, "Quand l'historiographie tunisienne se fait prisonnière de l'Etat," in: Bargaoui & Remaoun, pp. 101  -  103.

  1. صدرت عدّة أعمال حول البلاد التونسيّة خلال العصور الحديثة والمعاصرة، بخاصة ما نشره المؤرّخون الفرنسيّون، نذكر منها على سبيل المثال: أمّا باللّغة الإنكليزية، فنذكر على سبيل المثال:
  2. عبد الرحيم بنحادة، "البحث التاريخي في الجامعة المغربية: العصور الحديثة نموذجًا"، في: الكتابات التاريخية في المغارب: الهوية، الذاكرة والإسطوغرافيا، تنسيق عبد الرحمان المودن وعبد الحميد هنية وعبد الرحيم بنحادة (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2007)، ص 18. ما فتئ عبد الحميد هنية يدافع عن هذا الرأي وينتقد بصفة موضوعية الكتابات التاريخية التي أعلت من شأن الدولة، داعيًا إلى دراسة الدولة بصفتها ظاهرة اجتماعية من دون أن يتحوّل المؤرّخ إلى عنصر فاعل فيها. انظر آخر ما ذ كر في الموضوع في: عبد الحميد هنية، "مظاهر التجديد في البحوث التاريخية في تونس: حالة فريق دراسات مغاربيّة"، أسطور، العدد 4 (تموز/ يوليو 2016)، ص 269  -  272.
  3. لقد خصّص هنية الفصل الثامن من كتابه: تونس العثمانية: بناء الدولة والمجال، سلسلة دراسات مغاربية (تونس: تبر الزمان، 2012) لأزمة القرن التاسع عشر. انظر: ص 207  -  228.

حيّان التوحيدي، فإن القراءة على القراءة أصعب، وإن كانت عمليةً لا بدّ منها؛ ذلك أنها لا تستوعب كل مضامين الكتاب، ولأنها قراءة تنصرف إلى وضع أمهات الأفكار كما نراها في علاقتها بموضوع البحث، وبصورة أخرى، إقامة علاقة بين الذات القارئة وموضوع القراءة. استهل الهادي التيمومي كتابه بتوطئةٍ جمعت بين الإيجاز والبلاغة، وضع فيها المقاصد الكبرى لمؤلَّفه والقضايا الأساسية التي يدور عليها، وكذا منهجية لاشتغال التي اعتمدها في تحليل ظاهرة التحديث في تونس بين عامي 1831 و 1877. والمتمعن في ما جاء في هذه المقدمة والفصول الستة، يلاحظ بيسر أن مقاربة التيمومي للتحديث والإصلاح في تونس خلال القرن التاسع عشر تلامس أحيانًا كثيرة جوانب من فكر ماركس وإنجلز حول المجتمعات ما قبل الرأسمالية14. وبناء عليه، يمثّل التيمومي وجهًا بارزًا من وجوه الدراسات التاريخية المختصّة في الفترة المعاصرة، مستندًا في ما كتبه إلى منهج تفكيكي تاريخي دقيق، قائم على تحليل البنى لاقتصادية و لاجتماعية، متوسلً بالماركسية والجدلية المادية من دون رفض سائر المناهج، أداةً للتحليل16. لا يملك أحد أن ينفي طرافة هذه المقاربة، والدور المهم الذي أدّاه المنهج الماركسي في إعادة النظر في مفهوم الدولة وعلاقتها بالمجتمع بوجه عام. غير أن ذلك لا يعني أن الأفق النظري الذي تحرك فيه التيمومي في كتابه: تونس والتحديث، استطاع تجاوز ما قيل حول الحركة الإصلاحية والتحديث في تونس، بل لا يعني أنه لم ينخرط، عن غير وعي، في بناء أسطورة الإصلاح التي بدأت مع الإخباريين الفاعلين في الحركة، من أمثال أحمد بن أبي الضياف، وخير الدين التونسي، ومحمد بيرم الخامس، ومن لفّ لفّهم. ثم تحوّلت أسطورة التحديث في المرحلة لاستعمارية إلى برنامج وسُنّة فكريّة وسياسيّة لدى زعماء الحركة الوطنية، بداية بعبد العزيز الثعالبي، وصول إلى الحبيب بورقيبة. وقد واصل بورقيبة، لمّا اعتلى الحكم، استحضار الحركة الإصلاحية التونسية والتماهي مع رموزها وخاصة الحداثيين منهم. وفي المقابل، كان الرئيس بورقيبة قد عرف بمعارضته الشديدة للمحافظين، ولا سيما الوسط الزيتوني18. وقد عدّ المؤرّخون ثم السياسيّون الوزيرَ خير الدّين أبًا للحركة الوطنيّة التونسيّة وللتحديث في تونس، خاصة بما أنجزه من إصلاحات إدارية وسياسية، دعمت نفوذ الدولة ومركزيتها. غير أن بناء أسطورة الإصلاح والتحديث تواصل بصفة معلنة ورسمية في تونس منذ وصول زين العابدين بن علي إلى السلطة عام 1987. وقد ظهر استحضار الحركة الإصلاحية ورموزها، وبخاصة خير الدين منذ الوهلة الأولى في الخطاب الرسمي، ولا سيما منذ إمضاء جميع الأحزاب السياسية "الميثاق الوطني" عام 1988. فمنذ تلك اللّحظة لم يتوقّف النظام عن إثارة موضوعات الإصلاح و لاحتجاج بالحركة الإصلاحية ورموزها، مساهمًا بصفة فعّالة في ترسيخ العلاقة بين الهوية التونسية والإصلاح19.

Béatrice Hibou, "Le réformisme, grand récit de la Tunisie contemporaine," Revue d'histoire moderne et contemporaine , no. 56  -  4 bis (2009), pp. 14  -  39. 15  Hibou, "Le réformisme…"

  1. يذكر الهادي التيمومي في هذا الصدد ما يلي: "ونظرية المعرفة التاريخية التي تبدو لي الأفضل الآن – رغم نقائصها وخاصة في مجال دراسة المجتمعات ما قبل الرأسمالية - هي المادية التاريخية القائلة إن الواقع المادي موجود في حدّ ذاته ومستقل عن وعي المؤرخ، وإن المعرفة هي نتاج لالتحام بذلك الواقع [...] إن الرأي عندي هو أن لاعتماد المرن على المادية التاريخية مع لانفتاح على النظريات المعرفية الأخرى واقتباس أحسن ما فيها". التيمومي، تونس والتحديث، ص 8، 9.
  2. يعد التيمومي من الذين كتبوا بإسهاب عن تاريخ تونس المعاصر ونشروا مصنفات عديدة حول موضوعات متنوعة. فقد بلغ عدد الكتب التي نشرها التيمومي خلال الفترة 1982  -  2010، عشرة عناوين نذكر من أهمها: انتفاضات الفلاحين في تاريخ تونس المعاصر: مثال 1906 (تونس: بيت الحكمة، 1994)؛ الجدل حول الإمبريالية منذ بداياته إلى اليوم (تونس/ بيروت: دار محمد علي/ دار الفارابي، 1994)؛ تاريخ تونس الاجتماعي (1956  -  1881)، (تونس: دار محمد علي، 1997)؛ الاستعمار الرأسمالي والتشكيلات الاجتماعية ما قبل الرأسمالية: الكادحون الخماسة في الأرياف التونسية (1943  -  1861)، جزآن (صفاقس، تونس: دار محمد علي وكلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1999)؛ تونس 1956  -  87 19 (تونس: دار محمد علي، 2006.)
  3. نتفق هنا تمامًا مع التحليل الذي قامت به هيبو حول الإصلاح في تونس، انظر ذلك في:

اعتمدت هيبو في بحثها على منهج تاريخاني Historicisme، وشدّدت على القبول الواسع والعريض لأسطورة الإصلاح في عهد بن علي. وقد قبل الجميع ذلك، بمن فيهم المؤرّخون أمثال علي المحجوبي، فضلً عن الأحزاب السياسيّة المعارضة، وكل الفاعلين السياسيين في الدّاخل والخارج20. واقتنعت المؤسسات الدولية المانحة للقروض بالنزعة الإصلاحيّة والحداثية لنظام بن علي. وهي ضاربة بجذورها، كما روّج ذلك الخطاب الرسمي، في بواكير الحداثة التي بلوَرها الفكر الإصلاحي وزعماؤه، ولا سيما الوزير خير الدين21. وعلى هذا النحو، يمكن القول إن حيوية الإصلاح والتحديث في تونس منذ القرن التاسع عشر قد بهرت العديد من الدارسين بمن فيهم التيمومي. وعلى الرغم من النقد الذي وجّهه التيمومي إلى الحداثيين ومشروعهم الإصلاحي؛ إذ بيّ محدودية النتائج ومواطن الفشل وخلفياته30، كما أشار إلى "فهم أغلبهم السطحي جدًّا للتحديث"31، فإنه لم يتخلّص تمامًا من النظرة التمجيدية المبالَغ فيها أحيانًا لبعض رموز الإصلاح، في مثل قوله: "الوحيدان اللّذان وقفا على جوهر التحديث هما خير الدين والجنرال حسين"32. إن محاولة التنسيب التي قام بها التيمومي للإصلاح ونتائجه لم تمنعه في نهاية المطاف من لانبهار بالحركة الإصلاحية، وبخاصة التحديث السياسي33. ونلمس ذلك في مواطن عديدة من الكتاب، ولكن خاصة في العنوان. فقد شدّد التيمومي كغيره من المؤرخين والدارسين على أسبقية البلاد التونسية في العمل بالدستور أو "قانون الدولة" الصادر سنة 1861. وعلى الرغم من أن أسبقية البلاد التونسية في ذلك لم تكن محل جدال، فإن هذا الأمر تحوّل إلى خطاب روّجت له السلطة السياسية، ثم تبنته الأوساط الأكاديمية والثقافية. وأصبح الجميع ينظر إلى هذا لاستثناء التونسي tunisenne exception ' L الذي تجلّ في المشروع السياسي الذي دشنه زعماء الإصلاح في أواسط القرن التاسع عشر، ليتواصل فيما بعد مع بورقيبة ومن جاء بعده34. إن القراءة المدحية للإصلاح والتحديث ولدور "الآباء المؤسسين" على حد عبارة التيمومي تقيم الدّليل على استعمال الدولة الوطنية التاريخَ، لإضفاء مشروعية على السلطة الحاكمة. ولا يتسع المجال هنا، لتناول مختلف الأبعاد ومظاهر لاتصال بين الخطاب السياسي الرسمي في تونس والكتابة التاريخيّة حول الحركة الإصلاحية. غير أن ذلك لا ينفي وجود كتابات تاريخية سعى أصحابها للابتعاد عن الخطاب التمجيدي للإصلاح، بل للتحرر من الخطاب الرسمي حوله، ولقد حاول توفيق البشروش، القيام بذلك سنة 1984 في مقال وسمه ب "الإصلاح في تونس: محاولة تأويلية نقدية"35. غير أنه عاد، بعد ثلاثين سنة إلى الموضوع نفسه متوسعًا في ذلك بإصدار كتاب خاص حول "أزمة الوعي التونسي في القرن التاسع عشر"36. ومن خلال العنوان، يعلن البشروش موقفه من الحركة لاصلاحية والمأزق الذي تردت فيه سياسة التحديث التي لم تكتمل يومًا في البلاد، إذ كرست الإصلاحات ولا سيما الدستورية منها التحالف بين النخبة والسلطة السياسية، وهمشت الناس، وكرّست في النهاية تواصل لاستبداد.

Ali Mahjoubi, Les origines du mouvement national en Tunisie, 1904  -  19 34 (Tunis: Pub. de l'Université de Tunis, 1982). 17  Ibid.

22  Béatrice Hibou, "Tunisie: d'un réformisme à l'autre," in: Jean François Bayart et al., Legs colonial et gouvernance contemporaine , vol. 1 (Paris, FASOPO, décembre 2005). 23  Tawfiq Bachrouch, "Le réformisme tunisien ; essai d'interprétation critique," Les Cahiers de Tunisie , no. 127  -  128 (1984), pp. 97  -  118. 24  Ibid., p. 8 , 9.

  1. لا مراء في أن أغلب من كتبوا عن التحديث والإصلاح قد تأثّروا بما وضعه الإخباريون وطرحوه حول الدّولة أواسط القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من تنويع المصادر و لاستعمال المكثف للوثائق الأرشيفية، فقد جاءت النتائج والكتابات متقاربةً لكلّ من خليفة شاطر، وكارل براون حول دولة أحمد باي وإصلاحاته. ثم انتقل التمشي نفسه تقريبًا مع الأستاذ علي المحجوبي. انظر ذلك في ما كتبه مثلً حول أصول الحركة الوطنية في تونس.
  2. التيمومي، تونس والتحديث، انظر خاصة الفصل السادس، ص 237  -  282.
  3. المرجع نفسه، ص 287.
  4. المرجع نفسه، ص 285.
  5. المرجع نفسه، ص 115  -  143. ويمكن كذلك الرجوع حول هذه المسألة إلى مقال: أحمد خواجة، "إشكاليات المرور من نص 'السلطة' في الكتابة التاريخية في المغرب العربي إلى سلطة النصّ: مساءلات لروابط الذاكرة بالتاريخ" في: الكتابات التاريخية في المغارب، ص 80  -  84.

وقد دفعت الظرفية الجديدة التي عاد فيها البشروش إلى قضية الإصلاح والتحديث إلى مساءلة المصلحين، والقيام بحصيلة للتجربة الإصلاحية. فقد أصبح من الممكن في نظره، بل من الواجب إنجاز هذه الدراسة إزاء الذاكرة التاريخية التونسية37، وفي هذا الصدد، يتحسر الأستاذ البشروش على غياب مؤسسة خاصة لجمع الذاكرة الإصلاحية، على غرار ما قامت به الدولة من إحداث معهد لتاريخ الحركة الوطنية42(. ومن البديهي القول، كما بيّ ذلك موريس هالفاكس، إن الذاكرة تتميز عن التاريخ43. وقد تصدّى البشروش بعد أحداث ثورة 14 جانفي 2011 لإعادة كتابة تاريخ الإصلاح والتحديث، معتمدًا في ذلك على تفكيك déconstruction La46 الظرفية التاريخية التي ظهر فيها الإصلاح والتحديث، متوخيًا الحياد إزاء الظاهرة الإصلاحية، على حد قوله، فلا هو مع المقاربة التمجيدية للإصلاحات، ولا هو مع المنتقدين لها. وبصدور هذا الكتاب للبشروش، لا نبالغ إنْ قلنا إنّ الكتابة التاريخية حول الإصلاح والتحديث نأت بنفسها عن الخطاب الرسمي الذي سعى إلى تحويل الظاهرة الإصلاحية إلى أسطورة، بل أصبح زمن بن علي شيئًا ماديًا، كما بيّنته هيبو في المقال المذكور آنفًا47. ومهما يكن من أمر، فإن هذه القراءة القلقة، إن صحّ التعبير، للإصلاح والتحديث لم تمنع البشروش من توجيه نقد لاذع إلى المصلحين والإصلاحات الدستورية، وبخاصة القضائية وما ارتبط بها من أحداث كانت انتفاضة 1864 تتويجًا لها. وقد امتد تحليل البشروش لهذه لانتفاضة على ما يناهز مئة صفحة. فلعلّ اهتمامه المتجدد ب لانتفاضة يشي بوطأة الذاكرة الجماعية من جهة، وأحداث الثورة التونسيّة والربيع العربي بوجه عام من جهة أخرى، إذا ما علمنا أن الكتاب الذي سبق للبشروش كتابته كان حول انتفاضة الأرياف التونسيّة49. يحيلنا هذا على التساؤل عن إمكانية لانتقال من ربيع "العربان" في تونس إلى الربيع العربي. فكيف تمّ هذا لانتقال من خلال نماذج من الكتابات التاريخية؟ وما أوجه لاتصال و لانفصال بين الحدثين؟ فإذا كانت الحداثة في بواكيرها قد أفرزت كتابات تاريخية يتماهى بعضها مع الدولة في خطابها التحديثي، ويقف بعضها الآخر موقف المنتقد أو المتبصر لتلك العلاقة الملتبسة والمركبة بين الإصلاح والدولة، فإن المنعطف الذي جاء بعد ثورة 14 جانفي 2011 أفرز بدوره كتابات تاريخية، واجتهادات علمية بأفق معرفي قد يتجاوز الآفاق المعرفية لمشاريع الكتابة التاريخية قبل الربيع العربي50.

25  Ibid. 26  Ibid., p. 10. 27  Halbwachs Maurice , Les Cadres sociaux de la mémoire (Paris, Felix, 1925); Halbwachs Maurice , La Mémoire collective (Paris: P.U.F., 1950).

28  Bachrouch, La crise , p. 31 , 47. 29 " Même s'il n'a pas émergé du néant, c'est cependant à partir de Ben Ali que le réformisme est réifié, sans cesse évoqué et invoqué." Hibou, "Tunisie: d'un réformisme…".

Geisser Vincent & Béchir Ayari Michaë, Renaissances arabes. Sept clés sur des révolutions en marche (Paris: Editions de l'atelier, 2011); Nicolas Beau & Dominique Lagarde, L'exception tunisienne (Paris: seuil,  2014); Jocelyne Dakhlia, Tunisie. Le pays sans bruit (Arles: Actes sud, 2011);

  1. توفيق البشروش، ربيع العربان: أضواء عن أسباب ثورة علي بن غذاهم سنة 1864 (تونس: بيت الحكمة، 1995)، ص 433.
  2. لا يتسع المجال لذكر كلّ الدراسات والأبحاث في جميع اللّغات التي تناولت موضوع الربيع العربي. لذلك نكتفي ببعض العناوين: الثورة التونسية القادح المحلي تحت مجهر العلوم الإنسانية، إشراف المولدي الأحمر (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)؛ وإلى جانب هذه العناوين، انظر: بقية ما جاء من دراسات في هوامش هذا البحث.

من ربيع العربان إلى الربيع العربي: الكتابات التاريخية المواطنية والملتزمة

إن الحشد الهائل من الندوات والكتابات والمنشورات التي بحثت موضوع الفكر الإصلاحي والتحديث في البلاد العربية الإسلامية لا يضاهيه في الأهمية العددية إلا ما كُتب ونشُر خلال الخمس سنوات الأخيرة حول الربيع العربي. فقد انصبّ قسط كبير من جهد المؤرخين، وإن كان يبدو قليلً مقارنةً بالمختصين في العلوم السياسية والحقوق، على دراسة الربيع العربي، وبخاصة الثورة التونسية بصفتها الأولى أو الشرارة التي انتقلت من تونس إلى مصر فليبيا وسورية واليمن. ولا يخفى على أحد انتعاش مثل هذا الموضوع لعدّة أسباب؛ لعلّ أهمها ارتفاع الطلب عليه داخليًا وخارجيًا، بعد انتعاش قاموسه المفاهيمي القائم على مفاهيم الديمقراطية والحرية والمواطنة وحقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة وغيرها من المفاهيم المشروطة بوجود الدولة الحديثة، والتي هي بدورها وليدة ظرفية تاريخية، بل هي من صنع التاريخ. فقد انهارت "دولة لاستبداد" كما انهار نظام الملك المطلق في تونس في القرن التاسع عشر. ولكن هل نجحت الثورة في إعادة "هيبة الدولة"؟ يتردد هذا السؤال على مسامعنا يوميًا وبتواتر مرتفع إلى حدّ ينقلب فيه الحديث عن الثورة إلى وجود بوادر ثورة مضادة. وهو ما يحيلنا مرة أخرى على علاقة علم التاريخ بالدولة. ومهما يكن من أمر، فلا مناص من الإقرار بوجود نوع من لافتتان الذي يتخلّل الكتابات حول الثورة التونسية لدى المؤرخين التونسيين. فقد عاش المؤرّخ طيلة السنوات الست الماضية أحداثًا متتالية غيّت، على ما يبدو، رؤيتَه للتاريخ، وزعزعت بعضًا من كيانه. وهو ما يحيلنا على التساؤل حول مواكبة المؤرّخين للأحداث، وأتكون للخطابات التاريخية ثوابت، أم تحولات جزئية أو عميقة في المقاربات والمناهج التاريخية؟ وما علاقة المعرفة التاريخية حول الثورة بالخطاب السياسي الذي تقوم عليه شرعية الجمهورية الثانية؟ قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، نود تقديم ملاحظة أولية تتمثّل في أنّنا لا ننوي إصدار أحكام تقييمية أو أخلاقية بشأن الرّبيع العربي بوجه عام، من قبيل المواقف المؤيدة له أو المعارضة، كما لا نعتزم دراسة الأسباب الكامنة وراءه، وهل تسمية الربيع العربي أو ثورة الياسمين لائقة؟ كما لم نبحث عن الإجابة عن هذه الأسئلة فيما اطلعنا عليه من كتابات تاريخية ودراسات متنوعة؛ ذلك أننا، نتفق تمامًا مع ما ذهب إليه بعض الدارسين من مآخذ منهجية واحترازات جوهرية على التاريخ "الساخن" أو تاريخ "الزمن الراهن"، وفي طليعة تلك المآخذ قضية غياب المسافة الزمنية51. ولئن كانت هذه المقاربة تعكس رأي فئة قليلة من المؤرّخين، فإن غالبيتهم قد انخرطت في مسارات البحث المتعددة، وفي مج لات بحثية وموضوعات مستحدثة، ولا سيما ما يتعلق منها بدراسات لانتقال الديمقراطي transitologie La52. ونتفق في هذا الصدد مع ما ذكره التيمومي في وصفه هذه البحوث أو بعضها على الأقل بأنها "كُتبت على عجل، وهي مفعمة بالرومنسية الثورية المبالَغ فيها، وتفتقد الكثيرَ من الموضوعية، وقد رسمت لوحة قاتمة جدّا لنظام بن علي"53. كما أن منزلقات كثيرة تتربص بالمؤرخ للثورة التونسية، وفي

Abdelhamid Henia, Le frère, le sujet et le citoyen: Dynamique du statut politique de l'individu en Tunisie (Tunis: L'or du temps, 2015), p. 8 , 9.

Guillermo O'Donnel & Philippe Schmitter, Transition from Authoritarian Rule. Tentative conclusions about uncertain Democratie , 2 nde ed. (Baltimore: The John Hopkins University Press, 1989).

Abdelkader Zghal, Abdelhamid Henia & fatma Ben Slimane (coord.), Révolution Tunisienne: Compromis historique et citoyenneté politique , Actes du colloque international organisé par le Laboratoire DIRASET et l'ATASC, Tunis, les 2  -  4 mai 2013 (Tunis: DIRASET, 2015).

  1. لقد دار جدل طويل بين أعضاء مخبر "دراسات مغاربية" حول هذه المسألة، واختلفت الآراء بين متحمسٍ لتناول موضوع الثورة التونسيّة بالدرس والتوثيق لها، بصفتهم مثقفين عضويين، وفريق أقلّ رفض الخوض في مثل هذه المسائل دفاعًا عن حرفة المؤرّخ واستقلاليته. انظر مثلً ما ذُكر حول هذه المسألة:
  2. ظهر هذا التخصص المتفرع عن العلوم السياسية في السبعينيات من القرن الماضي عقب الثورات والتحولات السياسية في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية. وقد ظهرت عدة دراسات حول المفهوم و لاختصاص نذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر: ويمكن الرجوع في ما يتعلّق ببعض الدراسات التي أُنجزت في إطار مخبر دراسات إلى المؤلَّف الجماعي:
  3. الهادي التيمومي، خدعة الاستبداد الناعم في تونس: 23 سنة من حكم بن علي، ط 2 (صفاقس: دار محمّد علي للنشر، 2013)، ص 212.

طليعتها غياب الموضوعية. وقد شغلت هذه المسألة جلّ المؤرّخين، وعالجتها مختلف المدارس التاريخية في العالم. ولئن انتبه التيمومي لهذه المسألة ونبّه إليها، فإنه لا ينفي أنه كان ضحيتَها نسبيًا عندما كتب حول حكم بن علي قائلً: "لقد كتبت هذه الدراسة وأنا في غَمرة لانتشاء بسقوط الرئيس الطاغية زين العابدين بن علي إثر انتفاضة شعبية كبرى ذات طابع ثوري"55. وليس في وسعنا، لضيق المجال، القيام بتقييم شامل لهذه الإسهامات وصلتها بعلم التاريخ، غير أنّنا نرى أن عددًا من المؤرخين قد استجابوا لإغراءات البحث في تاريخ الزمن الراهن56، مع الوعي بالمحاذير التي تتهدّد مهنة المؤرّخ وفي طليعتها الخضوع للطلب لاجتماعي، "ومن توظيف التاريخ ضمن استراتيجيات مذكراتية أو سياسية"57. وهذا التوجه يحيلنا على قضايا لانتقال الديمقراطي الذي شغل بعض المؤرخين، وعلى مسألة غاية في الأهمّية وهي التنافس والصراع على النفوذ بين المؤرّخين من جهة، والمختصين في العلوم السياسية والقانون بوجه عام، من جهة أخرى. ولقد أسهم عدد كبير من هؤلاء وعلى رأسهم حاتم مراد وعياض بن عاشور وغيرهما من أساتذة القانون الدّستوري بوجه خاص، علاوةً على المحامين والقضاة في تناول قضايا لانتقال الديمقراطي والربيع العربي. واكتسح هؤلاء المشهد الإعلامي بفضل ما لهم من خبرة في مجال القانون الدستوري، وانخراط بعضهم في الحراك الثوري والسياسي منذ 14 كانون الثاني/ يناير 2011. وفي هذا الصدد، نشير، باقتضاب شديد لضيق المجال، إلى ما جاء في آخر كتاب نشره عياض بن عاشور حول الثورة التونسية. فقد قام الأستاذ عياض بن عاشور، المتخصص في القانون العام والنظريات السياسية في الإسلام، ورئيس "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة" سابقًا، باستجواب المؤرخين، عادًّا مهمتهم تكمن في تقديم تعريف علميّ للثورة، والبحث في أسبابها إن وُجدت، وإن كان يَرى، بل هو على يقين تام، أن الثورة مصدر في حدّ ذاته، وسبب للتحولات التي سيكون لها صلة بالحاضر والمستقبل أكثر من صلتها بالماضي58. وعندما يقوم ابن عاشور باستجواب المؤرخين ومحاورتهم، فإنه يشير في الوقت نفسه إلى الجدل الذي يدور بينهم عادةً عند تناول مثل هذه القضايا المثيرة للاختلاف في وجهات النظر ومقاربة الحدث الثوري59. وعلى الرغم من أهميّة ما احتواه كتاب ابن عاشور من معلومات واستنتاجات، من أهمها عدُّ الظاهرتين الدينية والقانونية خاصية أساسيّة للثورة التونسيّة60، فإنه يركّز في أغلب فصول الكتاب على دور الدستور الصادر في 27 كانون الثاني/ يناير 2014 في إنقاذ البلاد والثورة معًا؛ وهو دستور لا يخرج عن التوجه الدستوري في الإصلاح، إذ هو امتداد لأوّل دستور صادر سنة 186161، فهو إذًا لا يختلف عن غيره من الدارسين في النظر إلى الدستور على أنه مدخل للإصلاح وشرط من شروطه. وعودًا إلى الكتابات التاريخيّة ومختلف المقاربات التاريخية حول الثورة، لا بد لنا من الإشارة إلى سعي بعض المؤرخين إلى الإدلاء بدلوهم وآرائهم في الثورة، وما عقبها من تحولات سياسيّة في إطار ما عُرف واصطُلح على تسميته ب "تاريخ الزمن الراهن"، نذكر في هذا

38 " J'appelle les historiens à examiner cette question: Une révolution a-t-elle forcément une cause?," in: Yadh Ben Achour, Tunisie. Une révolution en pays d'Islam (Tunis: Cérès éditions, 2016), p.  10. 39  Ibid., p. 11. 40  Ibid., p. 30. 41  Ibid., p. 251 , 257.

  1. المرجع نفسه، ص 8. لا يتسع المجال لتناول هذا الكتاب للتيمومي. ولكن على أهمية ما جاء فيه من دراسة وتحليل، فإنّه لا يخرج في النهاية عن لافتتان بالدولة والتحديث في تونس من بداية القرن التاسع عشر إلى اندلاع الثورة في كانون الثاني/ يناير 2011.
  2. من بين العناوين الجديدة، والتي ظهرت في خضم الجدل الفكري حول علاقة علم التاريخ بالثورة، نشير إلى كتاب: فتحي ليسير، تاريخ الزمن الرّاهن: عندما يطرق المؤرّخ باب الحاضر (صفاقس: دار محمد علي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية - جامعة صفاقس، 2012.)
  3. المرجع نفسه، ص 100  -  101.

الصدد كتابًا ذا عنوان طريف لفتحي ليسير62، وهو يؤرّخ للفترة الممتدّة من أواخر سنة 2011 إلى بداية سنة 2014، وما اتصفت به من انهيار للاقتصاد والدولة بوجه عام، في ظلّ تنامي الإرهاب و لاغتي لات السياسية وتواصل الحركات لاحتجاجيّة في الجهات الدّاخليّة أمام عجز مؤسستي الرئاسة في القصبة وقرطاج عن حلّ معظم الإشكاليات63. إن القراءة المتأنية لهذا العمل الأكاديمي والموثق، بما احتواه من معطيات وأرقام وإح لات، فضلً عن جهاز نقدي ومفاهيمي دقيق، لا يمكن إلا أن تدفعنا إلى القول بأن هذا التخصص في مجال تاريخ الزمن الراهن إنما هو تخصص واعد يبشر بانبلاج نظرة متحولة للتاريخ، قوامها قراءة تفكيكية للحدث من دون اعتبار الخطاب الرسمي للجمهورية الثانية، ولا تماه معه، وبخاصة خطاب الإسلام السياسي الذي سعى بمجرد وصوله إلى السلطة للبحث عن شرعية مستمدّة من النضال ضد نظام لاستبداد، ملتفتةً بذلك نحو الماضي. فهل مثّلت هذه الكتابة التاريخية التي قدّمها ليسير وغيره سلطةً مضادة؟ وهل تحوّل المؤرخون إلى معارضين للدّولة؟ أيمكن القول إنّ هذه الكتابة التاريخية كتابة نضالية أم كتابة مواطنية على حدّ عبارة عبد الحميد هنية أم هي لاثنتان معًا؟64لقد تعدّدت الكتابات التاريخية التي تدخل في إطار الكتابة المواطنية للتاريخ، ولا يتّسع المجال لذكر كلّ الأمثلة، وحسبنا الإشارة إلى مؤلَّفين اثنين. أوّلهما لمصطفى كريّم الذي بيّ فيه ما آلت إليه الثورة من انحرافات ونتائج مخيبة للآمال بسبب سيطرة النخبة السياسيّة وسطوتها على الثورة، وفي طليعة هذه القوى المضادة للثورة أومأ كريّم إلى دور الإسلاميين وحزب النهضة وحلفائهم في الحكم. وثانيهما الكتاب الذي وضعه المؤرّخ والجامعي عميرة علية الصّغير حول ظاهرة الإرهاب، وهو من الكتابات التاريخية المواطنية التي اتسمت بروح نضالية ضد انحرافات الثورة وأعدائها. وعلى الرغم من أن الخطاب حول هذه الظاهرة المعولمة خطاب سياسي بامتياز؛ إذ أعلنت مختلف الحكومات المتعاقبة في البلاد وأغلب الأحزاب في برامجها عن محاربة الإرهاب والتهريب، فإن المقاربة التاريخية التي قام بها عميرة علية الصغير تربط الإرهاب بالحركات الأصولية وبالإسلام السياسي، بما في ذلك التيارات التي ظهرت مع الإخوان المسلمين عام 1927، لتمتدّ إلى زمن التاريخ الراهن. هكذا، وفي خضم تموقع الإسلام السياسي، تكثّفت الحاجة إلى دراسة الحاضر أو "الزمن الساخن" وفق رؤية مواطنية، لفعل الكتابة والنشر، درءًا لما يتهدد الثورة من انتكاس قد يعيد البلاد والمجتمع إلى دولة لاستبداد. وفي هذا الصدد، تتنزل الكتابات التاريخية كذلك حول وضع المرأة خاصة، والحريات الفردية بوجه عام، ويحتاج مثل هذا الأمر إلى شيء من التمحيص ليس مجاله الآن، فلا بدّ لذلك من عودة في بحث آخر. وحسبنا الإشارة إلى أن مدار التفكير والتحليل الذي قام به هنية في مؤلفه الأخير هو دراسة انتقال الفرد من وضع الرعية إلى وضع المواطنة في تونس على المدى الطويل. وهي مفاهيم ظلّت مهمّشة في الدراسات التاريخية. غير أنّ الوقائع التاريخية، وبخاصة الثورة، حتّمت على الباحث رصد مسار ظهور الفرد وتحوله في ما بعد إلى مواطن، وهو مسار شديد لارتباط بوجود الدولة الحديثة.

44  Henia, Le frère, le sujet , p. 8. 45  Mustapha Kraiem, La révolution kidnappée (Tunis: Fondation Farhat Hached, 2014), pp. 49  -  78.

48  Henia, Le frère, le sujet , pp. 161  -  176.

  1. فتحي ليسير، دولة الهواة في تونس: سنتان من حكم الترويكا (صفاقس: دار محمّد علي للنشر، 2016)، ص 488.
  2. احتوى الكتاب على 4 أبواب قام خلالها فتحي ليسير بتمشيط كلّ الأحداث والحراك السياسي و لاجتماعي. وبطريقته المعهودة عنون أهم الأبواب والفصول بعناوين معبّة عن نظرته المتفحّصة إلى دولة الهواة، نذكر منها عنوان الباب الرّابع على سبيل المثال: "حكومتا الترويكا: الشارع الكاسح والحكومة الكسيحة"، المرجع نفسه، ص 392  -  461.
  3. حول هذه البرامج والسياسات، انظر على سبيل المثال: ليسير، دولة الهواة، ص 408، وما بعدها.
  4. عميرة علية الصغير، الإرهاب في تونس: الآباء والأبناء، دراسة في أسانيد الإرهاب وواقعه (تونس: [د. ن].، 2016.)
  5. المرجع نفسه.

ولا شك في أن مفهوم المواطنة قد ارتبط بمفاهيم أخرى كالديمقراطية، وما يتصل بها من قيم وحريات مدنية وحقوق سياسية ك لانتخاب وغيرها من الحقوق. ولا شكّ في أنّ الطرح الفرداني ذا المنحى والأفق الليبراليين ظهر أول ما ظهر في المجال الأوروبي على إثر الثورة الفرنسية. تكاد هذه الكتابة التاريخية أن تجعل من المؤرّخ مناضلً أشبه بالمناضل السياسي منه بالمثقف العضوي، وهو ما يحيلنا على طرح قضايا وإشكاليات أخرى ليس لها صلة بعلاقة المؤرخ والمثقف بوجه عام بالثورة فحسب، بل قد نضطر إلى لاستطراد والقيام بتصنيف المؤرخين على أنهم من المثقفين، كما فعل ذلك على سبيل المثال المفكر عزمي بشارة. فهل كان المؤرخون للثورة التونسية بمواقفهم النقدية لها وللنظام السياسي الذي أفرزته مثقفين ثوريين؟إن لانتقال من دولة التحديث والإصلاح إلى الدولة الديمقراطية في وضعية انتقال سياسي لم يمثِّل فيها المؤرخون فئةً اكتفت بإضفاء الشرعية على الإصلاحات الدستورية الجديدة، وعلى النظام السياسي الجديد فحسب - وهو نظام قد تمّ التفاوض حوله والتوافق بشأنه وحسمه في دوائر أخرى - بل حوّلت بعضهم إلى "مثقفين عموميين" بحسب عبارة عزمي بشارة. وأيضًا، بحسب ليسير "لم يعد مواتيًا اليوم، في ظلّ ما يجري أن يظلّ المؤرخ في وضع المراقب المتعالي، في انتظار اللّحظة المناسبة للشروع في كتابة التاريخ. بل أكثر من ذلك: إننا نحسب أن مثل هذه الكتابة مهمّة معرفية ترتقي إلى مرتبة الواجب". وفي هذا الصدد لا بدّ من التذكير بموقف ريادي لمؤرّخة تونسيّة - فرنسيّة هي جوسلين دخلية، والتي كانت سبّاقةً إلى الدعوة إلى كتابة تاريخية مواطنية ملتزمة ونضالية، عبّت عنها في ما نشَرت حول السلطة والنظام السياسي في تونس، وما أدّت إليه من تحولّات كانت الثورة تتويجًا لها. وقد تمّ ذلك في ظلّ عدم اهتمام الغرب بما يدور في ذلك "البلد الصامت" أو عدم انتباهه له، بل في ظل دعم مريب من بعض الدوائر الغربية لنظام دكتاتوري واستبدادي. ولم يقف هذا التوجه النضالي الملتزم في الكتابة التاريخية عند الثورة، وما تثيره من قضايا منها واجب المؤرّخ الإسهام فيها عند هذا النوع من الكتابة، بل توجَّه عدد من المؤرّخين ومنهم جوسلين دخلية وسامي البرقاوي وغيرهما إلى النشر الإلكتروني؛ لما يمكن أن توفره المواقع الإلكترونية والإنترنت عمومًا من وصول إلى القراء، وانتشار واسع وسريع للأفكار. وهذا الأمر من التوجهات الحديثة نسبيًا لدى المؤرّخين. فقد أصبحوا أكثر إقبالً وأشد اقتناعًا بالتقنيات الحديثة بصفتها مصدرًا للمعلومات أولً، ومجالً للنشر والتواصل مع القرّاء في الداخل والخارج ثانيًا. وقد تجلّت المواطنة وروح الدفاع عن قيمها وعن كلّ ما له صلة بخدمة أهداف الثورة وقيمها في نوع آخر من أشكال النضال، وهو العمل الجمعياتي. فقد تضخم عدد الجمعيات بجميع أنواعها في البلاد بعد 2011، إذ قُدّرت حينها بعشرات الآلاف. وفي هذا الصّدد، ظهر عدد من الجمعيات التي اهتمت بنشر المعرفة التاريخية من خلال تنظيم الندوات واللّقاءات العلميّة، وتبسيط المعرفة التاريخية والخروج بها من أسوار الجامعة. ولعلّ الجمعية التي أسّسها ثلة من المؤرّخين تعدّ أحسن مثال على هذا التوجه، فقد تأسّست سنة 2014 في رحاب

Ben Achour, pp. 227  -  230.

54  Dakhlia, pp. 76  -  78 , 86  -  87.

" Les artistes et la révolution: compliquer l'engagement," dans le cadre de la deuxième session du Festival de la révolution, 24 mars 2012 , Regueb, Tunisie.

  1. للمزيد من التوسّع حول هذه المفاهيم وظهورها راجع: يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة (القاهرة: دار المعارف، 1986)، ص 203  -  220.
  2. عزمي بشارة، "عن المثقّف والثورة"، تبي، العدد 4 (2013)، ص 127  -  142.
  3. حول التوافق السياسي والجدل حول دستور كانون الثاني/ يناير 2014 راجع:
  4. ليسير، دولة الهواة، ص 13. وإلى جانب هذا الكتاب، قامت جوسلين دخلية بإلقاء عدة محاضرات داخل تونس حول علاقة العلوم الإنسانية بالثورة بوجه عام، من ذلك محاضرة بعنوان:
  5. حول هذه المسألة انظر حوصلة للموضوع في: ليسير، تاريخ الزمن الراهن، ص 144  -  145.

دار المعلمين العليا "الجمعيّة التونسيّة للتاريخ والتربية على المواطنة". وما من شك في أن الجمع بين التاريخ والتربية على المواطنة يشير إلى الأبعاد التربوية والتعليمية، ويعكس الترابط الوثيق بين التاريخ والمواطنة. وهي مقاربة للمعرفة التاريخية ترمي إلى تأصيل الهوية التونسية، أو ما يمكن لاصطلاح على تسميته بترسيخ حب الوطن وقيم المواطنة، وبيان كيف يمكن لعلم التاريخ الموجّه خاصة إلى التلاميذ والطلبة أن يحقق النقلة النوعية المنشودة في وظيفته لاجتماعية من التربية المدنية إلى التربية على المواطنة. ولكن على الرّغم من التوافق السياسي المروّج له في الخطاب الرسمي وفي الخطاب السياسي للأحزاب، فإن المتتبع لمختلف أشكال المعرفة التاريخية حول الدولة في تونس يلاحظ بيسر وجود صراع خفيّ أحيانًا، ومعلن أحيانًا أخرى، داخل المجتمع التونسي. وهو صراع ثقافي بالأساس، تجسَّد في ثنائية وجهي الخطاب الفكري. أوّلهما خطاب سياسي وثقافي وفكري يسوده العنف والتشكيك، وتكفير أصحاب الخطاب الثاني الحدَاثي، ولكنه تغريبي في نظرهم. فقد رأى بعض الدارسين رؤية الثورة التونسية ومقاربتها على أساس أنها تتويج لمسار تشكل الدولة الوطنية في علاقة بالحداثة والعلمانية تحليلً أيديولوجيًا يختزل الأمر في الحداثة والدولة. ولقد انعكس هذا لاستقطاب الفكري الثنائي على الكتابات التاريخية كما صرح بذلك التيمومي قائلً: "ولوحظ كذلك في الكثير من المق لات الصادرة في الجرائد أن بعض المحلّلين السياسييّن والكتاب أخذوا – من باب الثأر التاريخي - يعيدون كتابة بعض جوانب تاريخ تونس منذ لاستقلال 1956 وهؤلاء هم إمّا إسلاميون سياسيون أو متشيعون لصالح بن يوسف". وقد ركز الإسلاميون على ما تعرّضوا له من تعذيب وتنكيل في عهد "المخلوع الأوّل" وكذلك في عهد "المخلوع الثاني". أمّا العروبيون فقد نادوا بإعادة كتابة التاريخ، وبخاصة تاريخ الحركة الوطنية، عبر التركيز على أحد رموزها وهو صالح بن يوسف. ومهما يكن من أمر هذا التجاذب الفكري والسياسي وهذا الصراع المجتمعي في تونس بعد ثورة 14 جانفي   2011، وهو في نظرنا صراع حول هوية الدولة والمجتمع، فإنه قد بدأ منذ أواسط القرن التاسع عشر ليستمرّ إلى اليوم. وعلى الرغم من أن قيام الثورة أفرز تصالحًا بين الدولة ونخبتها من جهة، وبينها وبين مجتمعها من جهة أخرى، فإنّه سرعان ما ظهر التجاذب و لاستقطاب من جديد في أغلب المحطّات الكبرى، عند الإعداد للدستور الجديد، وعلى إثر لانتخابات التشريعية والرئاسية... إلخ. وقد حاول المؤرخون، كما بيّنا، أن يؤرّخوا لهذا الصراع، بل انحاز الكثير منهم إلى الدولة العلمانية والحداثة. "فالحداثيون، الذين فهموا اتجاه التاريخ مصممون على المضي قدمًا في المسلك الذي شقه أجدادهم منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر، وهو مسلك الحداثة".

Dominique Shnapper, "Histoire citoyenneté et démocratie," Vingtième siècle , no. 3 (2001), pp. 97  -  103.

Ben Achour, pp. 245  -  304.

  1. يرأس الجمعية أستاذ التاريخ المعاصر نور الدين الدقي. وقد ضمت الهيئة التأسيسيّة عددًا مهمًا من المؤرّخين نذكر منهم: ليلى البليلي وفوزي محفوظ وحبيب البقلوطي وجمال بن طاهر وسلوى العايب وسلوى الهويدي وأسماء عمارة وبشير اليزيدي.
  2. للتوسع حول علاقة التاريخ بالمواطنة في المجال الأوروبي، انظر:
  3. التيمومي، خدعة الاستبداد، ص 212.
  4. المرجع نفسه.
  5. حول مختلف المحطات، انظر:
  6. التيمومي، خدعة الاستبداد، ص 219.

وغني عن البيان أن هذا التجاذب والصراع الفكريين والثقافيين، ولا سيما من خلال الكتابات التاريخية حول الزمن الراهن في تونس، لا يختلفان كثيرًا عما يدور في مصر بعد ثورة 25 يناير 2011. وإن كانت المقارنة بين البلدين والثورتين تتطلب لانتباه كذلك إلى نقاط لاختلاف الكبيرة، فإن من أهم نقاط لالتقاء بين الثورتين ذلك الصراع بين الإخوان والمعارضين لهم ولمشروعهم السياسي. فهل ما حصل في الوطن العربي بفعل الثورات لم يثمر سوى صراع بين من يريدون إعادة إنتاج الماضي بل وإسقاط التاريخ، ومن يحمل مشروعًا إصلاحيًّا يطمح إلى تحديث الدولة والمطالبة بنشر قيم الدستور والديمقراطية والحرية... إلخ؟ لكن، ينبغي لنا أن ندرك أن مهمة المؤرّخ كانت وما تزال مزدوجة، فقد كان في الآن عينه يدافع عن الدولة الحديثة؛ دولة الإصلاحات والتنظيمات، ويقف ضد تحول هذه الدولة إلى دولة استبدادية تنهض على تطبيق تعاليم الدين والشريعة بوصفها من وسائل السيطرة. لقد تعددت أنواع الكتابة التاريخية، وانتقلت بصفة عامة من الدّفاع عن دولة التحديث خلال الفترة الحديثة والمعاصرة إلى الدّفاع عن دولة المواطنة والحريات الفرديّة بعد عام 2011 خاصة. ومن الثوابت التي عالجتها مختلف الكتابات التاريخية، من خلال ما اطّلعنا عليه من نماذج، أهمّية المنهج التاريخاني Historiciste الذي يُنزل الأحداث ويربط الدولة الحديثة وبقية الأنظمة السياسية بسياقها التاريخي. فعلى الرغم من الإغراءات التي يمارسها تاريخ الزمن الراهن وتخصّص لانتقال الديمقراطي، فضلً عن أضواء الإعلام المرئي الذي نجح في استقطاب بعض المؤرخين، وتحوّل بعضهم إلى خبراء في مجال لانتقال الديمقراطي أو في مجال الإرهاب، فإن المؤرّخ في تونس اليوم ما يزال محافظًا على مسافة زمنية تفصله عن الحدث، وأخرى تفصله عن الدولة تضمنان له حدًّا من لاستقلالية. إن المتفحص للمؤرخين، وهم يعملون أو يشتغلون على الدولة في تونس من أواسط القرن التاسع عشر إلى ما بعد ثورة 14 جانفي 2011، لا يستطيع أن ينفي انخراط المؤرّخ في المجتمع وتلبيته للطلب لاجتماعي على التاريخ وعلى الذاكرة؛ وذلك باتخاذ مواقف علمية ومسؤولة تعكس الجانب المواطني، و لاهتمام المتزايد بالشأن العام. وهم من هذه الناحية لا يختلفون كثيرًا عن زملائهم من المؤرخين في عدة دول من العالم العربي والغرب.

Jean-Philippe Genet, "L'historien comme les autres doit vivre son temps," in: Jean-François Sirinelli, Pascal Cauchy & Claude Gauvard, Les historiens français à l'œuvre  1995  -  2010 (Paris: P.U.F, 2010), pp. 161  -  165.

  1. يتوافر فيض من الدراسات حول مصر بعد الثورة، انظر على سبيل المثال: علي الدين هلال ومازن حسن ومي مجيب، الصراع من أجل نظام سياسي جديد: مصر بعد الثورة (بيروت: الدار المصرية اللبنانية، 2013)؛ وقد نشر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عدة كتب حول الثورة في مصر. انظر على سبيل المثال: عزمي بشارة، ثورة مصر، ج 1 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016.)
  2. لقد تصدى عدد كبير من المفكرين إلى هذه القضية التي ميزت الفكر العربي الإسلامي، انظر على سبيل المثال كتاب: عبد الإله بلقزيز، من الإصلاح إلى النهضة، سلسلة العرب والحداثة 1، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2014)؛ علي أومليل، الإصلاحية العربية والدولة الوطنية (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 1985)؛ محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته، سلسلة نقد العقل العربي 3 (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1990.)
  3. انظر مواقف المؤرّخين الفرنسيين من قضايا التاريخ المعاصر والذاكرة في فرنسا في الكتاب القيّم حول الأسطوغرافيا الفرنسية، ولا سيما في مقال:

المراجع

العربية

أومليل، علي. الإصلاحية العربية والدولة الوطنية. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 1985.

بشارة، عزمي. "عن المثقّف والثورة." تبي. العدد 4 (2013.)

. ثورة مصر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016.

البشروش، توفيق. ربيع العربان: أضواء عن أسباب ثورة علي بن غذاهم سنة 1864. تونس: بيت الحكمة، 1995.

بلقزيز، عبد الإله. من الإصلاح إلى النهضة. سلسلة العرب والحداثة 1. ط 2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2014.

(1943  -  1861). صفاقس، تونس: دار محمد علي وكلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1999.

. الجدل حول الإمبريالية منذ بداياته إلى اليوم. تونس/ بيروت: دار محمد علي/ دار الفارابي، 1994.

. انتفاضات الفلاحين في تاريخ تونس المعاصر: مثال 1906. تونس: بيت الحكمة، 1994.

. تاريخ تونس الاجتماعي (1956  -  1881.) تونس: دار محمد علي، 1997.

. تونس 1956  -  87 19. تونس: دار محمد علي، 2006.

. تونس والتحديث: أوّل دستور في العالم الإسلامي. صفاقس: دار محمد علي للنشر، 2010.

. تونس في التاريخ من جديد أو 14 جانفي 2011. تونس: دار محمد على الحامي، 2011.

. خدعة الاستبداد الناعم في تونس: 23 سنة من حكم بن علي. ط 2. صفاقس: دار محمّد علي للنشر، 2013.

السياسات، 2014.

الصغير، عميرة علية وآخرون. الثورة في تونس من خلال الوثائق. تونس: المعهد العالي للحركة الوطنية، 2012.

الصغير، عميرة علية. الإرهاب في تونس: الآباء والأبناء، دراسة في أسانيد الإرهاب وواقعه. تونس: [د. ن].، 2016.

بنحادة. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2007.

كرم، يوسف. تاريخ الفلسفة الحديثة. القاهرة: دار المعارف، 1986.

References

التيمومي، الهادي. الاستعمار الرأسمالي والتشكيلات الاجتماعية ما قبل الرأسمالية: الكادحون الخماسة في الأرياف التونسية الثورة التونسية القادح المحلي تحت مجهر العلوم الإنسانية. إشراف المولدي الأحمر. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة الجابري، محمد عابد. العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته. سلسلة نقد العقل العربي 3. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1990. الكتابات التاريخية في المغارب. الهوية، الذاكرة والإسطوغرافيا. تنسيق عبد الرحمان المودن وعبد الحميد هنية وعبد الرحيم ليسير، فتحي. تاريخ الزمن الرّاهن: عندما يطرق المؤرّخ باب الحاضر. صفاقس: دار محمد علي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية - جامعة صفاقس، 2012.

. دولة الهواة في تونس: سنتان من حكم الترويكا. صفاقس: دار محمّد علي للنشر، 2016.

الماجري، الأزهر. الثورة التونسية، 17 ديسمبر 2010. في جدلية التحرر والاحتواء. تونس: المغاربية للطباعة وإشهار الكتاب، 2011. هلال، علي الدين ومازن حسن ومي مجيب. الصراع من أجل نظام سياسي جديد. مصر بعد الثورة. بيروت: الدار المصرية اللبنانية، 2013.

هنية، عبد الحميد. تونس العثمانية: بناء الدولة والمجال. سلسلة دراسات مغاربية. تونس: تبر الزمان، 2012.

. "مظاهر التجديد في البحوث التاريخية في تونس: حالة فريق دراسات مغاربيّة"، أسطور. العدد 4 (تموز/ يوليو 2016.)

الأجنبية

• Abdelkader, Zghal, Abdelhamid Henia & Fatma Ben Slimane (coord.). Révolution Tunisienne: Compromis

historique et citoyenneté politique. Actes du colloque international organisé par le Laboratoire DIRASET et

l'ATASC, Tunis, les 2  -  4 mai 2013. Tunis: DIRASET, 2015.

• Abdesselem, Ahmed. Les historiens tunisiens des XVIIe, XVIIIe et XIXe siècles. Essai d'histoire culturelle Tunis:

Pub. de l'Université de Tunis, 1973.

• Amiot, Michel. Contre l'Etat , les Sociologues: Eléments pour une histoire de la sociologie urbaine en France

(1900  -  1980). Paris: E.H.E.S.S., 1986.

• Bachrouch, Tawfiq. "Le réformisme tunisien; essai d'interprétation critique." Les Cahiers de Tunisie. no. 127  -  128 (1984).

•. La crise de la conscience tunisienne au XIXè siècle. Tunis, Atlas éditions, 2014.

• Bayart, Jean François et al. Legs colonial et gouvernance contemporaine. Paris, FASOPO, décembre 2005.

• Ben Achour, Yadh. Tunisie. Une révolution en pays d'Islam. Tunis: Cérès éditions, 2016.

• Ben Dan, Kmar. Chronique d'une révolution. Tunis: script, 2012.

• Brown, Leon Carl. The Tunisia of Ahmed Bey (1837  -  1855). Princeton: Princeton University Press, 1974.

• Chater, Khalifa. Mutations et dépendances précoloniales. La Régence de Tunis de 1815 à 1857. Tunis: Pub. de

l'Université de Tunis, 1984.

• Dakhlia, Jocelyne. Tunisie. Le pays sans bruit. Arles: Actes sud, 2011.

• ".Les artistes et la révolution: compliquer l'engagement." dans le cadre de la deuxième session

du Festival de la révolution, 24 mars 2012 , Regueb, Tunisie.

• Ganiage, Jean. Les origines du protectorat français en Tunisie (1861  -  1881). Paris: P.U.F., 1959.

• Henia, Abdelhamid (coord). Itinéraire d'un historien et d'une historiographie. Mélanges de DIRASET offerts au

professeur émérite M.H. Chérif. Tunis: Diraset–études maghrébines, CPU, 2008.

•. Le frère, le sujet et le citoyen: Dynamique du statut politique de l'individu en Tunisie. Tunis: L'or du

temps, 2015.

• Hénia, Abdelhamid, Abderrahmane Elmoudden & Abderrahim Benhadda (coord.). Ecritures de l’histoire du

Maghreb: Identité , mémoire et historiographie , Actes de deux tables rondes organisées à Marrakech 27  -  28  /  5  /  2004 ,

et à Tunis 1  -  3  /  10  /  2004. Rabat: Publications de la faculté des lettres et des sciences humaines, 2007.

• Hibou, Béatrice. "Le réformisme, grand récit de la Tunisie contemporaine." Revue d'histoire moderne et contemporaine.

no. 56  -  4 bis (2009).

• Jdey, Ahmed. Ahmad Ibn Abi Dhiaf. Son œuvre et sa pensée. Essai d'histoire culturelle. Zaghouan: F.T.E.R.S.I., 1996.

• Kraiem, Mustapha. La révolution kidnappée. Tunis: Fondation Farhat Hached, 2014.

• Mahjoubi, Ali. Les origines du mouvement national en Tunisie, 1904  -  19 34. Tunis: Pub. de l'Université de Tunis, 1982.

• Maurice, Halbwachs. La Mémoire collective. Paris: P.U.F., 1950.

•. Les Cadres sociaux de la mémoire. Paris, Felix, 1925.

• Nicolas Beau & Dominique Lagarde. L'exception tunisienne. Paris: seuil,  2014.

• O'Donnel, Guillermo & Philippe Schmitter. Transition from Authoritarian Rule. Tentative conclusions about

uncertain Democratie. 2 nde ed. Baltimore: The John Hopkins University Press, 1989.

• Sami Bargaoui & Hassan Remaoun (coord.). Savoirs historiques au Maghreb. Construction et usages. Tunis/

Oran: CERES/CRASC, 2006.

• Shnapper, Dominique. "Histoire citoyenneté et démocratie." Vingtième siècle. no. 3 (2001).

• Sirinelli, Jean-François, Pascal Cauchy & Claude Gauvard. Les historiens français à l'œuvre  1995  -  2010. Paris:

P.U.F, 2010.

• Tlili, Béchir. Les rapports culturels et idéologiques entre l'Orient et l'Occident en Tunisie au XIXè siècle. Tunis:

Pub. de l'Université de Tunis, 1982.

• Van Krieken, Gerardus Samuel. Khayral-Din et la Tunisie (1850  -  1881). Leiden: Brill, 1976.

• Vincent, Geisser & Béchir Ayari Michaë. Renaissances arabes. Sept clés sur des révolutions en marche. Paris:

Editions de l'atelier, 2011.

محمد المصباحي

الذات يف الفكر العربي الإسلامي

يبحث كتاب محمد المصباحي الذات في الفكر العربي

الإس مااي في صور الذات الفلسفية والصوفية، الفردية

والتاريخية، الأنطولوجية والعمرانية، وفي جملة مفاهيم

وقضايا متصلة بمفهوم الذات، كالعقل والحق والعدل

والدين والوجود والماهية. يتألف هذا الكتاب الصادر حديثًا

عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (480 صفحة

من القطع المتوسط، موثقًا ومفهرسًا)، من 6 1 فص.

وإشكاليته الأساس هي: هل كانت هذه الذات التي تتكلم

عنها الفلسفة العربية الإس مااية تشر حقًا إلى الهوية

الفردية «الأنا» أم إلى الماهيّة العامة «الإنسان بما هو

إنسان»؟ وما العلاقة التي تنسجها هذه الذات مع مفاهيم

متقابلة، مثل الماهيّة والجوهر والنفس والعقل والأنا

والهوية والوجود؟ وما صلتها بالجسم المُغري بأحاسيسه

وأهوائه وانفعالاته وقواه وغرائزه الجامحة، وبالذات

المطلقة الجاذبة بكملها التام وبهائها الغامر؟