جوانب من القرصنة المتأخرة في ساحل الريف خلال القرن التاسع عشر
Late Piracy off the Rif Coast in the 19th Century
الملخّص
أصبح حوض المتوسط خلال القرن التاسع عشر يعجّ بحركة الملاحة، وقد عملت القوى الأوروبية، عقب مؤتمر فيينا (1814-1815)، على توحيد جهودها لكبح جماح القراصنة بالبحر المتوسط، وتمكنت من خلق إطار قانوني قادر على حماية سفنها؛ فجرّمت مقررات المؤتمر القرصنة، وأجازت ملاحقة سفن القراصنة. ورغم هذه التحولات الدولية، فإن قبائل الريف في المغرب استمرت في نشاطها القرصني، باعتباره نوعًا من الجهاد الشعبي (جهاد بحري خارج مساندة السلطة المركزية)، ضد أطماع القوى الأوروبية وسطوتها. وقد تمكنت قوارب الريفيين "البسيطة"، من تهديد خطوط الملاحة الأوروبية في الحوض الغربي للبحر المتوسط، وتناقل العالم أخبارهم بوصفهم "قراصنة متوحشين". فكان "ملف القرصنة الريفية" يُثير ضجةً كبيرة في العالم الأوروبي؛ إذ شنت الصحافة الأوروبية حملة مسعورة ضد مقترفي هذه الأعمال، وعملت على تشويههم لدى الرأي العام الأوروبي بأسلوب محرّف ومجانب للصواب. فما خصوصيات هذه القرصنة؟ وكيف نظر المخزن إليها؟ وما مدى مساهمة "القوارب" الريفية في تهديد خطوط الملاحة الأوروبية خلال القرن التاسع عشر؟
Abstract
In the nineteenth century, the Mediterranean Basin was teeming with sea traffic. The European powers, following the Congress of Vienna, worked to unify their efforts to curtail piracy in the Mediterranean Sea and were able to create a legal framework capable of protecting their ships, since the decisions of the Congress criminalized piracy and enabled the pursuit of pirate ships. Despite these international changes, tribes from the Rif continued their pirate activity as a form of popular struggle (a maritime struggle without backing from the central authority) against the sway and aspirations of the European powers. The "primitive" boats of the Rifis threatened European shipping routes in the western Mediterranean, which led to the world referring to them as "savage pirates". The issue of Rifi piracy caused considerable fuss in Europe. The European press launched a frenzied campaign against the pirates and offered a distorted view of the situation to their readers. This article seeks to answer a number of related questions What defined these pirates? How did the Makhzen view them? How did Rifi boats serve to threaten European shipping routes in the 19 th century?
- الجهاد البحري
- المخزن
- أوروبا
- القرصنة
- البحر المتوسط
- Piracy
- Maritime Struggle
- Rif
- Makhzen
- Mediterranean Sea
| محمد أحميان| Ahmiane *Mohamed | |
|---|---|
| محمد أحميان | Ahmiane Mohamed | |
| جرروانب من القرصنة المتأخرة في ساحل الريف خال القرن التاسع ع Late Piracy off the Rif Coast in the 19 th Century |
مقدمة
شكلت القرصنة أقدم النشاطات البحرية في حوض البحر الأبيض المتوسط، وساهمت في بث الفزع والتوتر بين ضفتيه. ونظرًا إلى موقع قبائل الريف1 على الساحل المتوسطي للمغرب، فقد اعتبرت أبرز منشطيها. ويصعب وضع العمليات البحرية التي خاضتها قبائل ساحل الريف، خلال القرن التاسع عشر، ضد السفن الأوروبية، في خانة معينة؛ نظرًا إلى خصوصياتها، وهو ما يطرح مسألة مشروعيتها على المحك. وقد تضافرت عوامل مختلفة في تنشيط العمليات البحرية الريفية الموجهة ضد السفن الأوروبية، والتي مكنت القوارب الريفية من توجيه ضربات موجعة إلى حركة الملاحة الأوروبية، في الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط.
أولً: قبائل الريف تنشط القرصنة يف سواحلها
1. خصوصية القرصنة الريفية
تعدّ "القرصنة الريفية"، التي نشطت خلال القرن التاسع عشر في الساحل المتوسطي للمغرب امتدادًا لذلك النشاط البحري الذي انبرى لمواجهة الهجمة الإيبيرية خلال القرن الخامس عشر، التي انتهت بالسيطرة على مجموعة من الثغور (سبتة، ومليلية، وبادس، والنكور). ومنذ ذلك الحين، تكفلت قبائل الريف بمحاصرة الوجود الإيبيري برًا، وتشديد الخناق عليه بحرًا، عن طريق مهاجمة سفنه، وقطع الإمدادات عن معاقله. وكان الريفيون بمهاجمتهم السفن الأوروبية، يمارسون جهادًا بحريًا، وليس "قرصنة" بالمعنى الأوروبي؛ فقد مثلت عملياتهم أسلوبًا للجهاد والدفاع عن مجالهم الحيوي وترابهم، ضد أعداء الدين والوطن، وفي الوقت نفسه مثّلت أحد أهم الموارد المالية لهم ولخزينة الدولة2. ولأهمية النشاط "الجهادي" لأهل الريف، فقد حظي بدعم كبير من المخزن المغربي، لا سيما في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله3. لكن المتغيرات المحلية والدولية للقرن التاسع عشر، وما تمخض عنه مؤتمر فيينا (1814 - 1815) من قرارات، أفضت إلى توحيد الجهود الأوروبية لكبح جماح القرصنة في البحر الأبيض المتوسط، من خلال خلق إطار قانوني قادر على حماية سفنها المترددة على الحوض الغربي للمتوسط؛ وأصبحت مقررات المؤتمر مرجعية قانونية بالنسبة إلى الدول الأوروبية، التي صنّفت القرصنة جريمةً دولية؛ فأجازت ملاحقة سفن القراصنة4. وقد دفع مبدأ حرية الملاحة إلى إيجاد الآليات التي تحدد جنسيات السفن، للتمييز بين تلك التي يسمح لها القانون بالإبحار والأخرى المبحرة بطريقة غير مشروعة؛ من أجل حماية الأولى، ومنع وجود الثانية5، إضافة إلى تحول التوجه العام للدولة المغربية، من الانفتاح في عهد سيدي محمد بن عبد الله إلى الاحتراز في فترة حكم المولى سليمان؛ الذي جعل
المخزن يُحجم عن الجهاد في البحر سنة 1817، ويحل أسطوله ويوزعه على الإيالات المجاورة؛ مثل الجزائر وطرابلس6، نتيجة تعاظم الأساطيل الأوروبية وتفوقها التقني والعسكري. لقد فرض التفوق الذي أبانت عنه البلدان الأوروبية في المجال البحري تعديل العلاقة التقليدية القائمة بين ضفتَي المتوسط. ففي ظل غياب التكافؤ بين الطرفين، أصبح الجهاد البحري مصدر فتنة وتوتر للمغرب في علاقته بالقوى الأجنبية. ودفع ذلك السلطان المولى سليمان إلى إزالة كل ما من شأنه أن يكرس النزاع معها؛ فألغى استرقاق البحارة الأوروبيين، وأقدم على تفكيك وحدات أسطوله؛ لإدراكه أن الجهاد البحري أصبح متعذرًا في ظل التفوق المسيحي7. ويكون السلطان بموقفه هذا قد فهم واقع البحرية المغربية فهمًا عميقًا، وتيقّن أن العمل على بناء أسطول قوي لم يعد مُمكنًا؛ إذ غدت القرصنة، عقب مؤتمر فيينا، نقطةَ ضعف في علاقات المغرب بالخارج، بعدما كانت أداة للضغط، وذلك بسبب تعارضها مع "الشرعية الدولية". وقد عرفت "القرصنة الريفية" انتعاشًا مهمًا في عهد السلطان عبد الرحمن بن هشام (1822 - 1858)، نظرًا إلى الأهمية التي أولاها هذا السلطان للجهاد البحري8؛ بإحيائه للجهاد البحري الذي عطّله سلفه المولى سليمان. ولعل ما يظهر ذلك هو العمل على إعادة بناء الأسطول، إذ استأنفت عملية مطاردة السفن الأوروبية9، واستفاد الريفيون من هذا الدعم الرسمي لنشاطاتهم، نظرًا إلى ما كانت تقوم به "الفلايك الريفية"10 من دور في حماية الساحل المتوسطي من الأطماع الأجنبية. ففي رسالة وجّهها المولى عبد الرحمن إلى محمد أشعاش11 قائد تطوان، جاء فيها: "وبعد، فإن المجاهدين من أصحاب رباط الكرمة من قلعية قد طلبوا الاستعانة بمدفع، وألحّوا في ذلك، وذكروا أن عندهم من يعرف الضرب به. فبوصول كتابنا هذا إليك، انظر لهم مدفعًا من ثغر تطوان على 'الفرمة' التي يطلبون، ووجّهه لهم مع إقامته"12. وقد جاء تجاوب المخزن مع مطلب أهالي الريف في إطار الأخطار المحدقة بالمغرب، خاصة بعد احتلال فرنسا للجزائر، وتنامي الأطماع الإسبانية في الريف، وخشية السلطان من قيامهم بعمل مماثل لما قامت به فرنسا في الجزائر، ما جعل السلطان عبد الرحمن بن هشام يستجيب لطلب القلعيين لتحصين الجبهة الشمالية، بتنشيط "الجهاد الشعبي" للتقليل من سطوة الإسبان/ الأجانب. وأمام تمكن "أجناس" الدول الأوروبية من السيطرة التامة على الطرق البحرية العالمية، وتضايقها من "أعمال القرصنة" التي هدّدت مصالحها13، تزايد ضغطها على المخزن لمحاربتها. وقد أسهم الاهتمام البحري للسلطان عبد الرحمن بن هشام في جعل المغرب يدخل في مواجهات مع القوى الأوروبية، ومثّل هذا النشاط سببًا لتدخل عدد من القوات الأجنبية في المغرب. ومن ذلك مثلً إقدام إنجلترا سنة 1828 على حصار طنجة، وقصف مدن أخرى؛ كتطوان والعرائش
وأصيلا، وهو ما أدى إلى تأزم العلاقات المغربية - الإسبانية14. إن المشكلات التي أثارتها الأعمال البحرية الريفية ضد الأجناس الأجنبية، واستغلالها للضغط على المخزن، جعل السلطان عبد الرحمن بن هشام كما فعل سلفه المولى سليمان يُعرِض عن أمر البحر؛ لمصلحة البلاد15. تنم هذه المحاولات عن "عدم دراية" المخزن بالواقع الدولي؛ لكون نشاط القرصنة لم يعد مسموحًا به دوليًا، ولم يعد للمغرب القدرة على ضمان حماية سواحله من ردود فعل الأساطيل الأوروبية، وهذا ما تأكّد بعد القصف المدفعي للموانئ المغربية، وما ظهر جليًا بعد حرب تطوان؛ وهو ما أفسح المجال أكثر لنوع آخر من الممارسات والنشاطات البحرية. لقد كانت النشاطات الجهادية فردية وغير منظمة، ومحدودة جدًا في السابق، غير أن تواري العمل البحري المخزني فسح لها المجال وأصبحت المراكب المحلية تسيطر على المشهد البحري في شمال المغرب. ومثّل نشاطها مظهرًا من مظاهر المقاومة الشعبية التلقائية. هل استمرت القرصنة الريفية بلا انقطاع، على الأقل إلى غاية فرض صك الحماية؟ هل سيتَمكن منشطو العمليات "القرصنة الريفية" من فهم صيرورة التحولات العالمية؟ أم هل إنهم تشبثوا فقط بحقهم في المقاومة/ الجهاد؟ وهل توقف فعلً نشاط الأسطول المخزني عن الجهاد في البحر، مقابل استمرار نشاط القبائل الريفية؛ وجعل هذه العمليات تنتقل من جهاد إلى "قرصنة" رغم استمرار المنطلقات ذاتها؟ وهل كانت العمليات البحرية التي تمّت قبل إنهاء نشاط الأسطول المخزني ضمن نطاق الشرعية، وما تلا ذلك يعتبر غير شرعي؟
2. "القرصنة الريفية": جهاد شعبي أم لصوصية بحرية؟
لقد استمر الجهاد البحري في سواحل الريف، حتى بعد الإعراض التام للمخزن عن الجهاد البحري16، وبدعم ضمني أو علني من السلطة المركزية في بداية الأمر. ورغم ما مارسته القوى الأوروبية المتهافتة على البلاد من ضغوطات على المخزن ليتخلّ عن مساندة رعاياه المجاهدين، واعتبارهم قراصنة خارجين عن طاعته17، فإن السلطة المركزية وجدت في هذا النشاط، خلال بعض الفترات التاريخية، وسيلةً للضغط على الدول الأوروبية. كما كان المقابل "القرصنة الريفية" ورقة ضغط قوية للأوروبيين في أحيان كثيرة؛ لذلك حاول المخزن اقتلاع جذورها، لكن بلا جدوى أمام تمسّك قبائل الريف بحقها في القيام بواجبها الديني والوطني، المتمثل في الجهاد والدفاع عن ترابهم ضد التغلغل الإمبريالي، وكانت "القرصنة" وسيلة مُثلى لتحقيق ذلك. إن استماتة الريفيين، واستمرار نشاطهم في تسديد ضربات قوية لحركة الملاحة الأوروبية في الحوض الغربي للمتوسط، جعلا الأوروبيين خلال القرن التاسع عشر يتناقلون أخبارهم "كقراصنة متوحشين، يجرؤون على مهاجمة السفن الأوروبية، ويُوفّقون في نفس الوقت إلى الإفلات من عقوبتها"18. كان التصور الأوروبي "للقرصنة الريفية" ينطوي على كثير من الافتراءات؛ فقد جعلهم قراصنة متوحشين لا يترددون في الانقضاض على السفن الأوروبية بكل وحشية19. وقد قدّمتهم الصحافة الإسبانية بوصفهم عصابات إجرامية ومغامرين انفراديين لا يخضعون لقانون ولا يحترمون ميثاقًا، غاياتهم الأساسية هي الاغتناء على حساب الأساطيل التجارية التي تقترب من ساحلهم20. لقد
كانت العمليات البحرية للريفيين عمليات فردية، تمتاز بمبادرة تلقائية في مهاجمة سفن النصارى التي تجوب سواحل المتوسط، من دون أي اعتبار لطبيعة تلك السفن، ولا لجنسيات الرايات التي تمثلها21، ومن دون الأخذ في الحسبان إن كانت هذه الدول مرتبطة باتفاقيات/ معاهدات تجارة وصداقة تضمن لها حرية الملاحة في السواحل المغربية، من خلال منحها "الباسبورت" (تصريح الإبحار). إن التركيز على هذه الصفات لا يفسر الحكم المجاني الذي ينفي صفة "الجهاد البحري" عن العمليات البحرية الريفية؛ لأن الريفيين الذين كانوا يقومون "بجهاد شعبي" لم يكونوا ليستوعبوا هذه المتغيرات، فبالنسبة إليهم كل الأجانب/ الأوروبيين هم نصارى، لذلك تجب مهاجمتهم22. إن الكتابات الأجنبية التي روّجت لأطروحة "القرصنة الريفية" استهدفت بالأساس تشويه صورة المغرب والتحامل عليه لخرق سيادته23، مستغلة "القرصنة" لتبرير التحركات الأوروبية ضد الساحل المتوسطي للمغرب؛ على اعتبار أن "قراصنة الريف" خارجين عن القانون. وعمومًا "فالقرصنة الريفية" ظلت في حالة مد وجزر بين خطابين أساسيين:
أ. خطاب أجنبي
تستخدم الكتابات الكولونيالية كلمة اللصوصية Piraterie عندما تتحدث عن "القرصنة الريفية"، وحتى عندما تُوظف مصطلح Course (أي القرصنة) تجعله مرادفًا "للصوصية"، وذلك اعتمادًا على المرجعية القانونية الأوروبية التي أفرزها مؤتمر فيينا الذي حرّم نشاط القرصنة. وتماشيًا مع ذلك اعتبُر النشاط البحري الذي قامت به قبائل ساحل الريف، "لصوصية بحرية سافرة"، على حد وصف النصوص المعاصرة24، وذلك لكون الريفيين على استعداد دائم لسرقة السفن الأوروبية25. وترى نصوص أخرى أن من يمارس هذه اللصوصية أناس متوحشون26 وعصابات غير منضبطة27، لا تتردد في ذبح أسراها بدم بارد، كما أنها تتقن الخداع والمراوغة، فأفرادها يكشرون عن أنيابهم عندما يبصرون الغنيمة28. وتتحول المعارك البحرية بين الريفيين والنصارى إلى مجزرة حقيقية في حق الركاب وأفراد الطاقم؛ إذ يلقون جثثهم في عرض البحر، بعد الحرص على حلق رؤوسهم، وتشويه وجوههم29، فهم بذلك ليسوا إلا جبناء ومتوحشين30؛ فينتقل الريفي في نظر تلك الكتابات من صياد مسالم إلى لص بحري، يعيش على النهب مثل أجداده؛ فهم حفدة القراصنة القدماء الذين يهاجمون كل المراكب المبحرة في هذا الجزء من المتوسط31.
ومن ثم، فإن أصل البلاء كله يعود إلى الريفيين، فهم وحدهم من يتحمل مسؤولية التوتر الذي شهدته العلاقات المغربية - الأوروبية خلال القرن التاسع عشر. إن إلصاق هذه التهم ("اللصوصية"، و"النهب") بالريفيين، أعطى تبريرًا للتدخل الاستعماري في قبائل ساحل الريف لوقف "وحشيتها"، خصوصًا أن احتلال فرنسا للجزائر قد حَدّ من القرصنة في سواحلها32.
ب. خطاب وطني/ إسلامي
يمكن التمييز داخل هذا الاتجاه بين تيارين مختلفين اعتمد كل منهما خطابًا معينًا بناءً على معطيات أملتها عليه طبيعة مصالحه في المنطقة. التيار الأول: حاول التموقع في موقف الدفاع والرد على الاتجاه الأول، معتبرًا قضية "القرصنة الريفية" أطروحة مُزيفة، نسجت خيوطها الهيستوريوغرافيا الكولونيالية، قصد تشويه حقيقة الحركة البحرية الريفية، وضرب مشروعيتها. وقد حاول هذا الاتجاه أن يبرهن على صحة طرحه استنادًا إلى شواهد تاريخية، مفادها أن الحركة البحرية الريفية هي في عمقها امتداد للجهاد البحري الإسلامي ضد الغارات المسيحية33، وأن أهل الريف الذين تنعتهم الكتابات الأوروبية بالقراصنة هم في الواقع مجاهدون بحكم دفاعهم عن أرضهم ضد محتل أجنبي34. التيار الثاني: يستند إلى الوثائق المخزنية، التي تكاد تعيد الأوصاف والنعوت نفسها المفتراة على الريف والريفيين، شأنها في ذلك شأن الكتابات الاستعمارية35. فأهل الريف، في نظرها، "متعصبون خارجون عن الأحكام لا تحصل منهم استقامة مع العمال ولا تجري عليهم أحكامهم"36. كما أن هذه الأعمال التي يقوم بها "صعاليك أهل الريف إنما يجرون بها الخسارة للمسلمين"37، ويعملون على "إدخال المهانة على الإسلام "38. لذا وجب "قمع هؤلاء الظلمة حيث لم يرجعوا على ما هم عليه"39؛ ويعتبر هجومهم على مراكب الإنكليز والفرنسيس والإسبان "ظلمًا محضًا مذمومًا شرعًا "40. كما رأى هذا التيار أن أهالي الريف "ارتكبوا بسببها [القرصنة] نقض العهود والفساد في الأرض ومخالفة طاعة الله ورسوله"41. ومن ثمّ، فإن المخزن لا يتحمل مسؤولية ما "يرتكبه متمردو الريف الذين لا يخضعون للسلطان، وإذا أحب الإسبانيون أن يعاقبوا المعتدين عليهم، فإن عملهم ذلك لا يمسّ في شيء العلاقات الودية الحسنة القائمة بين الدولتين"42، ولا يشوش عليها
سوى "فساد الريف"43، الذي يترصد سكانه السفن الأوروبية، التي من سوء حظها، "تسقط في أيدي المتوحشين "44الريفيين. وبذلك تبرّأ المخزن من أعمال "القرصنة" التي يرتكبها رعاياه. خلاصة القول، إن العمليات البحرية التي خاضها الريفيون في ساحل المتوسط، من الصعب وضعها في خانة معينة، فهي في مد وجزر دائم، وهذا ما يجعلنا نُوظّف مصطلح "القرصنة الريفية" بتحفظ. فهي ليست من قبيل أعمال القرصنة الخاضعة لتنظيم محكم، وفي الوقت ذاته لم تكن تهاجم سفن النصارى قصد الاستيلاء عليها ونهب حمولتها والفتك ببحارتها، بل إنها كانت أسلوبًا للمقاومة التلقائية للأطماع الاستعمارية في مجالهم الحيوي، استنادًا إلى الحق المشروع في الدفاع عن النفس. وفي إطار المعاملة بالمثل نصرةً للأهالي الذين اعتدى عليهم الإسبان، فكان من الضروري أن ينتقموا لأنفسهم باعتراض السفن الأوروبية التي تقترب من سواحلهم، لا سيما في ظل ضعف المخزن، وتكبيل تحركاته بالضغوط الإمبريالية، ومن ثمّ لم يعد من المجدي بالنسبة إلى أهل الريف اللجوء إلى المخزن في ظروف كهذه. ولذلك، فالقصد من "القرصنة الريفية" يختلف تبعًا لاختلاف وجهات النظر؛ إذ اعتبرها الريفيون واجبًا مقدسًا ضد العدو الكافر الذي يتكالب على البلاد. بينما كانت تعني للأوروبيين والمخزن في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لصوصية فحسب. والحق أنه من الصعب تصنيفها في خانة "اللصوصية"، رغم تداخل أسبابها الاقتصادية، والدينية، والسياسية... إلخ.
ثانيًا: القوارب الريفية البسيطة تُهدد الملاحة الأوروبية يف ساحل المتوسط
تمكنت القوارب "البسيطة" للريفيين، المدعمة بالظروف الطبيعية، والمستفيدة من تقنيات تنفيذ عمليات "القرصنة" من تهديد خطوط الملاحة الأوروبية في ساحل المتوسط للمغرب. وقد أصبحت القبائل الريفية التي لم تكن تشكل سوى ساكنة متواضعة، ذات إمكانيات تقنية محدودة، موضوعًا للعديد من المراسلات والكتابات الأوروبية التي "تناقلت أخبارهم بوصفهم قراصنة متوحشين"45. وهو ما يجعلنا نتساءل عن حجم هذه الأعمال التي قام بها الريفيون وأهميتها، وكيف تمكّنوا من تهديد السفن الأوروبية الضخمة والمزودة بالأسلحة النارية، وهم لا يمتلكون سوى قوارب صغيرة "أغاربو" Carabo. وعن الإمكانيات التقنية التي توافرت لدى الريفيين ومكّنتهم من تهديد الملاحة المتوسطية؟
1. مميزات الوحدات البحرية الريفية
إن التكالب الإيبيري على ساحل الريف خلال القرن الخامس عشر وسيطرته على أهم موانئه (سبتة، والنكور، وغساسة، ومليلية)، وتعويض موانئ الرّسو المجهزة القادرة على استقبال السفن ذات الحمولات الكبيرة، بالخلجان الطبيعية، لم يساعد على قيام نشاط بحري مهم، باستثناء تطوان التي أدت دورًا خاصًا في القرصنة، أهّلها لذلك موقعها بصفته ميناءَ مصبّ. ورغم أهمية هذا الميناء، فإنه لم يكن مجهزًا تجهيزًا تامًا واقتصر الأمر فيه على وسائل الترميم والتموين46. لقد ظلّ نشاط "بناء السفن" في ساحل الريف يتسم بضعفه التقني، وهو ما أثّر في صنع المراكب والزوارق القادرة على مواجهة ظروف العمل، نظرًا إلى غياب قواعد بحرية قادرة على استيعاب هذه التحولات، والاستفادة من المتغيرات التقنية الأوروبية47،
رغم ما وفّرته غابات جبال الريف من المادة الأولية الضرورية لتحقيق ذلك؛ فقد كانت الصواري تصنع بالأساس من خشب الأرز، إضافة إلى خشب الفليّن الذي ينتشر في بني توزين48. وقد عرفت قبائل قلعية بصناعة القوارب، مستغلة في ذلك أخشاب الغابات المجاورة لها49. ولا تورد المصادر التاريخية سوى أسماء قليلة، عند تطرقها إلى "الوحدات البحرية" المستعملة في الريف، وهذا في حد ذاته يعتبر مؤشرًا قويًا على ضعفها. ومن بين الوحدات التي وُظفت من قبل "قراصنة الريف" نجد "مشيشو"50، وكذا "الشباك"، وهو نوع من القوارب الكبيرة يبلغ طوله نحو خمسة عشر مترًا، وعرضه يراوح بين متر ومتر ونصف51. وفي الوثائق المخزنية يرد اسم "الفلايك"، التي تتميز بقعرها الذي يتخذ شكلً مسطحًا، أقل عمقًا، وهو ما كان يُسميه الأهالي ب "أغاربو". وكانت هذه القوارب من الصنف الصغير ذات شراع ومجداف، وقد وُظّف هذا النوع من القوارب في الصيد وتجارة المساحلة والتهريب52، ولم يكن باستطاعته استيعاب حمولة كبيرة. وغالبًا ما كانت الفلايك تُزيّن، بحسب غابرييل ديلبريل، برسوم بدائية تمثل رؤوس وحوش البحر بعيون كبيرة ملونة باللون الأبيض والأزرق والأحمر على خلفية سوداء لأجسام نحيلة53. اتخذت القوارب الريفية شكلً حادًا، وكان شعاعها ضيقًا (انظر الصورة 1)، كما كانت سريعة، وتسير بالشراع والتجديف54. وقد ارتكزت على الخفة والسرعة في الإقلاع عند أدنى هبّة رياح؛ فقد "كان رجال القبائل يتركون مخابئهم، وينطلقون في سفنهم الشراعية ذات المجاديف، ويأسرون بحارة السفن التجارية"55. فهي ليست كالسفن "القرصانية" المغربية، التي كانت تتوفر على مقاعد للجدّافين، تراوح بين اثنيْ عشر وعشرين مقعدًا، كما تتسع لحمل عدد من القطع المدفعية، تراوح بين قطعتين إلى اثنتي عشرة قطعةً للسفن الصغيرة، وبين ستّ عشرةَ إلى أربعين قطعةً بالنسبة إلى السفن الكبيرة56. وقد ميّز القنصل الإنكليزي "ج. د. هاي" Hay. D. J57، اعتمادًا على رواية شفوية لأحد الأهالي، بين القوارب الصغيرة والكبيرة التي كان يمتلكها الريفيون، وفيما يخص القوارب الكبيرة فقد كانت تحت قيادة الرايس، وتتسع لعشرين مجدافًا، وتستوعب خمسين رجلً مسلحًا58. خلافًا لذلك، قدم "ج. ل. مييغ"، اعتمادًا على تقرير قنصل السويد في طنجة، توضيحات مفيدة حول "القرصنة" الريفية خلال القرن التاسع عشر، فهو يرى أن غابات الريف وفّرت للريفيين الأخشاب الملائمة لبناء قواربهم التي تمتاز بطولها وعمقها، إلا أنها كانت ضيقة، بحيث تتسع لثمانية إلى عشرة مجاديف فقط، ويمكن أن تستوعب ما بين خمسة عشر إلى أربعين رجلً، وسارية كبيرة، وشراعًا لاتينيًا مثلث الزوايا الشائع استخدامه في البحر الأبيض المتوسط (وتوضح الصورة (2) شكل هذه الأشرعة)، وقد استخدم الريفيون هذه القوارب في التجارة والصيد والقرصنة59.
| ة(1) ال ة(2) ال | |||
|---|---|---|---|
| الصورة (1) نموذج من القوارب الريفية التي استعملت خلال القرن التاسع عشر المصدر: “ Riff Pirates ,” Africa Resource , 17 / 9 / 2009 , accessed on 4 / 6 / 2018 , at: https:// goo. gl / u 8 eudM الصورة (2) نموذج من القوارب الشراعية الريفية المصدر: “ Los Cárabos Norteafricanos ,” Historias De La Melilla Marinera , enero 20 , 2013 , accessed on 4 / 6 / 2018 , at: https:// bit. ly / 2 JudxyD الصورة (3) توضح انسلال القوارب الريفية داخل النتوءات الصخرية | |||
| 68 المصدر: Ibid. | |||
وإذا كان موليراس يزعم أن الريفيين (قبيلة بقيوة) كانوا يتوفّرون على زوارق كبيرة، متسائلً عن مصدرها60، فقد سجّلنا وجود بعض "المراكب" الكبيرة لدى الريفيين، بفعل تمكّن بعضهم من السّيطرة على مراكب العدو وتحويلها لصالحهم؛ فمثلً في سنة 1794 اشترى سيدي البشير الكبداني سفينة من بني بوغافر، سبق أن استولى عليها "البوغافريون" (من أخماس قبيلة قلعية)، قصد استعمالها ضد مراكب الصيد الإسباني المتجولة في سواحل الريف61. كما وجدت بعض المراكب الكبيرة عند وجهاء الريفيين؛ مثل مركب الحاج شدي أحد "وجهاء" أجدير الذي كانت له صداقة مع الإسبان62، وآخر مشابه له كان يملكه سيدي محمد أحضري من قبيلة آيت سعيد ممثل المخزن وخديمه، وصديق الدول الأجنبية (إسبانيا، وفرنسا، وإنجلترا). لكن يبقى من البديهي أن هذه الفئة من "الأوغرشيين"، وإن توفّرت على هذه المراكب، التي كانت خصائصها ومميزاتها أحسن مما توافر لدى باقي إخوانهم، فلم يكن باستطاعتها استعمالها في نشاط "القرصنة"63. إن ارتباط مصالح هذه الفئة من الوجهاء، من مالكي هذه المراكب الكبيرة، بمصالح المخزن من جهة، والأجانب من جهة ثانية، لم يكن ليسمح لها بالدخول في تجاذبات سواء مع هذا الطرف أو ذاك. فضلً عن كون هذه الفئة ارتبطت بعلاقات تجارية مع تطوان ووهران؛ ما يعني أن أي تهديد منها للسفن الأجنبية يجعلها عرضة لتهديد مضاد. كما أن امتلاك السفن الكبرى كان يحتاج إلى مراسٍ مجهزة للانطلاق منها والعودة إليها، وهو الدور الذي قام به ميناء تطوان بالنسبة إلى "الجهاد البحري الرسمي"، إلى حدود سنة 1817. كما أن استخدام السفن الكبرى كان سيسهل عملية رصدها وملاحقتها من جانب الأوروبيين والمخزن معًا، هذا في الوقت الذي كان فيه النشاط البحري للريفيين يمثّل نوعًا من "حرب العصابات" قائمًا على الكر والفر. مارس الريفيون الذين ولّوا وجوههم نحو البحر، نشاطهم البحري باستعمال القوارب، من خلال تحويلها إلى مصدر قوة لصالحهم. فصغر حجمها كان ملائمًا تمامًا للطبيعة المورفولوجية لساحل الريف؛ حيث سمح لها بالاختباء جيّدًا في الخلجان والنتوءات الصخرية (انظر الصورة 3)، أو بالانسلال إلى مصابّ الأنهار، بعيدًا عن أنظار السفن الأوروبية، ونظيرتها المخزنية المكلفة بالحراسة لتأمين تنقّل السفن الأوروبية. إن تكيّف الإنسان الريفي مع المعطيات الطبيعية جعل نشاط "القرصنة" الريفية لا يرتكز على السفن الكبيرة، القادرة على المهاجمة في عرض البحر. وعلى الرغم من أن الريف كان يتوفّر على ثروة غابية مهمة يُحتاج إليها في الصناعة الملاحية، إضافة إلى احتضان الساحل المتوسطي للمغرب لعدة ورش لبناء السفن، لا سيما في باديس64، فإن السيطرة الإيبيرية على مراكزه الحيوية حالت دون تطور تقنيات هذه الصناعة. هذا في الوقت الذي عرفت فيه صناعة السفن الأوروبية تطورًا مطّردًا، وبدأ الأوروبيون في استعمال البواخر65. وعلى الرغم من تباين الإمكانيات بين الطرفين، فقد تمكن الريفيون من الإيقاع بالسفن الأوروبية الأكثر تجهيزًا وتطورًا، فكيف تم لهم ذلك؟
2. آليات تنفيذ عمليات "القرصنة"
أمام غياب الموانئ التي يمكن أن تمثّل قاعدة خلفية "للسفن القرصانية"/ لسفن القرصنة، اضطر "قراصنة الريف" إلى البحث عن طرق ووسائل لتحويل موازين القوى لصالحهم، وفقًا لمنطق الواقع المفروض عليهم، باعتماد الحيل للتقليل من قوة الخصم؛ فقد ابتكر الريفيون أساليب جديدة تمكّنهم من قطع الطريق على السفن الأوروبية المارة بسواحلهم.
وفي ظل ضعف المستوى التقني، وصغر قوارب الريفيين غير القادرة على مجاراة الأمواج العاتية، ومواجهة السفن الأوروبية في عرض البحر، والدخول معها في معارك بحرية، كان أهالي الريف يترقبون قذف الرياح القوية بالسفن الأوروبية إلى الساحل66، أو هدوئها فجأة67، حينها لن يكون بمقدور تلك السفن السير والإفلات من الهجوم. ما يجعلها في متناول أيديهم، رغم محدودية إمكانياتهم التقنية، من دون الحاجة إلى مطاردة السفن المستهدفة68. أو عند غرق مركب ما قرب الشاطئ69، فتصبح بذلك غنيمة سهلة المنال للقوارب الريفية، التي تترصدها انطلاقًا من الخلجان الضيقة70. وعند رصد أحد المراكب التي تقاذفتها الأمواج إلى الساحل، يطلق الأهالي صرخات إنذار من الجبال، وتندفع القوارب من الخلجان نحو هدفها المرصود71. وقد حال الحجم الصغير للقوارب الريفية بينها وبين الإبحار بعيدًا، على الأقل خارج فصلي الربيع والصيف. لكن رغم ذلك تجرأ الريفيون مرات عدة على ملاحقة السفن الأوروبية حتى عمق عشرة أو اثني عشر ميلً من الشاطئ72، لاعتراض المراكب القلاعية والمراكب الصغيرة الحاملة للسلع، فعندما يكون البحر هادئًا والرياح ساكنة، لا يسع تلك المراكب سوى الاستسلام وتمكين الأهالي مما يطلبونه من السلع73. والملاحظ أن عمليات "القرصنة الريفية" لم تعتمد على تسليح فعال من معدات مدفعية وغيرها، بل اقتصرت على الأسلحة الخفيفة والذخيرة، لغرض التهديد والإرغام على الاستسلام، وليس لخوض معارك بحرية74. صحيح أن السفن الأوروبية أصبحت مسلحة، لكنها لم تكن تستطيع ضمان الحماية لنفسها في هذه الحالة، لسببين: أن ربابنة السفن، في ظل وضعية هذه كانوا يبحثون عن النجاة بأنفسهم قبل التفكير في إنقاذ حمولة سفنهم. أن الريفيين أصبحوا مسلحين، خلال القرن التاسع عشر، ببنادق جيدة التصويب، حصلوا عليها بفضل التهريب. يتم تنفيذ علميات "القرصنة" هذه، في إطار فريق متكامل الوظائف؛ إذ بعد رصد "الغنيمة" يتحرك سرب من القوارب، التي كانت تستعمل إما الأشرعة أو التجديف75. وهنا تجدر الإشارة إلى أن تنفيذ مختلف العمليات البحرية التي تم رصدها، لم تكن تنفذ بقارب واحد. ففي 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 1854 مثلً، هاجمت ثمانية قوارب الزورق الإسباني سان خوسي José San القادم من مالقة، عند وصوله إلى رأس الفرشات الثلاث76. وتعرض، في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 1896، المركب الشراعي الفرنسي "بروسبير كورن" Corin Prosper، المتجه إلى "أرزيو" (الجزائر) قادمًا من قادس، لهجوم نفّذه العديد من القوارب77، حدد موراليس عددها في عشرة قوارب انطلقت من ساحل قبيلة بقيوة78.
وقد أحصى قنصل السويد في طنجة على شاطئ مسطاسة وحده أكثر من سبعين قاربًا، ويعتقد أن الساحل الريفي كله كان يضم ما بين مئتين وخمسين إلى ثلاثمئة وحدة، وقد كرّست قبائل "قلعية" وبنو ورياغل معظم قواربها للقرصنة. فعندما ترصد سفينة ما، يضعون، وبسرعة، ما بين ثمانية إلى عشرة من قواربهم في المياه، ثم يركب نحو خمسة عشر رجلً مسلحين بالبنادق في كل قارب لاقتحام السفينة المستهدفة79، وقد يصل عددها إلى أربعة وأربعين قاربًا80، بحسب ما تقتضي طبيعة العملية. عمومًا، ورغم تفاوت الأرقام، فإن عمليات الهجوم قد نفّذها عدد مهم من القوارب الريفية. وقد يفسر هذا التحرك الجماعي للقوارب الريفية بصغر حجمها، ما فرض عليها القيام بتنفيذ عملياتها في إطار مجموعة متكاملة المهمات. فعقب السيطرة النهائية على السفينة والصعود على ظهرها، كان الأهالي يحتاجون إلى نقل السلع المستحوذ عليها إلى الشاطئ. فاضطروا في حالات كثيرة إلى القيام بأكثر من رحلة، ما بين مكان جنوح السفينة والشاطئ، وحيث انتظار باقي الأهالي. ولذلك، كلما كثرت القوارب كانت عملية النقل أسرع، والعكس صحيح. وكان للعنصر البشري دور بارز في حسم العمليات؛ لكون كثرة العدد تجعل العملية تنفذ بسرعة. ولأهميتها، نجد القوارب الريفية (بقيوة) الخمسة التي هاجمت السفينة الإنكليزية "برخين دي لوس أنجلس" (أيلول/ سبتمبر 1895)، يلزمون بحارتها بمساعدتهم في نقل السلع إلى قواربهم81. ولأن أي تأخر في إنهاء العملية والانسحاب قد يمثّل خطرًا على حياة الأهالي، خاصة عندما تتلقى السفن المأسورة مساعدات من السفن الأوروبية الأخرى؛ كما حدث في تشرين الأول/ أكتوبر 1896، للمركب الشراعي "بروسبير كورن" الفرنسي، الذي أغاثته السفينة الإسبانية "إشبيلية" Sevilla؛ التي تمكّن ربانها من إلقاء القبض على بعض القوارب الريفية وأسر من كان على متنها82. وأحيانًا يمكن السفينة أن تتحرك نتيجة هبوب الرياح؛ كما حدث سنة 1895، للسفينة الهولندية "آنا" التي توقفت في خليج الحسيمة، قبل أن تتمكن من مواصلة سيرها نحو جبل طارق بعد هبوب الرياح83، فأصبح الريفيون الذين صعدوا على متنها في خطر. كما أن الهجوم الجماعي من جميع الجوانب كان يعوّض ضعف تسليح القوارب الريفية، ومن ثمّ يفرض نوعًا من الحصار على السفينة المستهدفة، ويجعلها غير قادرة على المقاومة.
خاتمة
صفوة القول، إن أعمال القرصنة الريفية التي شهدها المجال الغربي للمتوسط استطاعت تهديد خطوط الملاحة المتوسطية، وساهمت العمليات البحرية الريفية الموجهة ضد السفن الأوروبية، في التأثير القوي في العلاقات المغربية - الأوروبية. بينما جعلت أوروبا من هذا الملف ورقة للضغط على المخزن، للحصول منه على مجموعة من الامتيازات. وبذلك، كانت لهذه القرصنة نتائج وخيمة على مالية المخزن وهيبته.
المراجع
العربية
ابن زيدان، عبد الرحمان. العلائق السياسية للدولة العلوية. تقديم وتحقيق عبد اللطيف الشاذلي. الرباط: المطبعة الملكية، 1999.
أقضاض، محمد. الاحتراق والتوهج: الريف بين 1860 و 1920. وجدة: دار النشر الجسور، 2001.
أميلي، حسن. المغاربة والمجال البحري في القرنين 17 - 18. الرباط/ المحمدية: دار أبي رقراق للطباعة والنشر/ مختبر الأركيولوجيا والتراث الثقافي
الساحلي، 2011.
أونيا، محمد. "مفهوم الريف المغربي "، مجلة حوليات الريف. العدد 1 (1998).
بوطالب، إبراهيم. "أسس الاحتلال الإسباني لسبتة والجزر المغربية في البحر الأبيض المتوسط ". مجلة المشروع. العدد 7 - 8 (1986).
التمسماني، عبد العزيز خلوق. دراسات في تاريخ شمال المغرب المعاصر. طنجة: منشورات سليكي إخوان، 1996.
________. معلمة المغرب، ط 2. الرباط/ الدار البيضاء: دار الأمان/ الجمعية المغربية للنشر والتأليف، 2014.
• داود، محمد. تاريخ تطوان. الرباط: المطبعة الملكية، 1978.
الرايس، محمد. شهادات عن المقاومة في عهد الزعيم بن عبد الكريم الخطابي. إعداد وتقديم عبد الحميد الرايس. الدار البيضاء: مطبعة النجاح
الجديدة، 2011.
روجرز، ب. ج. تاريخ العلاقات الإنجليزية -المغربية حتى عام 1900 م. ترجمة يونان لبيب رزق. الدار البيضاء: دار الثقافة، 1981.
الزياني، أبو القاسم. البستان الظريف في دولة أولاد مولاي الشريف. القسم الأول من النشأة إلى نهاية عهد سيدي محمد بن عبد الله. تحقيق
رشيد الزاوية. الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 1992.
عياش، جرمان. دراسات في تاريخ المغرب. ترجمة محمد أمين البزاز وعبد العزيز خلوق التمسماني. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1986.
________. أصول حرب الريف. ترجمة محمد الأمين البزاز وعبد العزيز خلوق التمسماني. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الحديدة، 1992.
الفكيكي، حسن. المقاومة المغربية للوجود الإسباني بمليلية (1697 - 1859). الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1997.
القدوري، عبد المجيد. المغرب وأوروبا: ما بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر (مسألة التجاوز). ط 2. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012.
اللوه، آمنة. "حول إستراتيجية النبأ عند المغاربة". مجلة البحث العلمي. السنة 28. العدد 42 (1994 / 1995).
مجموعة مؤلفين. تطوان خلال القرن الثامن عشر (1727 - 1822). تطوان: مطبعة الهداية، 1994.
مجموعة مؤلفين. الجهاد البحري في التاريخ العربي الإسلامي. سلا: منشورات جمعية أبي رقراق، 1999.
المنصور، محمد. المغرب قبل الاستعمار: المجتمع والدولة والدين (1792 - 1822). ترجمة محمد حبيدة. بيروت/ الدار البيضاء: منشورات المركز
الثقافي العربي، 2006.
المنصوري، عثمان. العلاقات المغربية البرتغالية (1790 - 1844). المحمدية: مطبعة فضالة، 2005.
موليراس، أوجيست. المغرب المجهول: اكتشاف الريف. ترجمة عز الدين الخطابي. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2007.
مييج، جون لوي. "أنشطة تطوان البحرية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر". ترجمة مصطفى غطيس. مجلة كلية الآداب بتطوان.
العدد 7 (1994).
الناصر، عبد الواحد. التدخل العسكري الأجنبي في المغرب (قراءة في جيوستراتيجية المغرب خلال القرن 19 وأوائل القرن 20). الرباط: مطبعة
إلين، 1999.
الناصري، أحمد بن خالد. كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. تحقيق جعفر الناصري ومحمد الناصري. ط 2. الدار البيضاء: مطبعة النجاح
الجديدة، 2001.
• وثائق الخزانة العامة بتطوان، المغرب.
الأجنبية
• Alcaraz, Adolfo Llanos. La campaña de Melilla de 1893 - 18 94. Estudio preliminar de Francisco Saro Garandillas. Málaga:
Algazara, 1994.
• Becker Jerónimo. Historia de Marruecos (Apuntes para la Historia de la penetración europea, y principalmente de la
española, en el Norte de África. Madrid: Eds. Establecimiento Tipográfico de Jaime Ratez, 1915.
• Benjelloun, Abdelmajid. Fragments d'histoire du Rif oriental et notamment des Beni Said dans la deuxième moitié du XIXme
siècle (d'après les documents de Hassan Ouchen). Rabat: Impr. Al Maarif al jadida, 1995.
• Bono, Salvatore. Les corsaires en Méditerranée , Ahmed Somai (trad.). Rabat: éd. La Porte, 1998.
• Caillé, Jacques. La Petite histoire du Maroc (Troisième série: de 1850 à 1912). Rabat: Éd. Société de Librairie et d'Edition
Atlantique, 1954.
• Chaara, Ahmed. L'Agriculture et la pêche dans le littoral du Rif. Tétouan: Asmir, 1996.
• De Arteche, José Gomez & Francisco Coello. Descripción y Mapas de Marruecos. Madrid: Imp. Mellado, 1859.
• De Morales, Gabriel. Datos para la historia de Melilla (1497 - 1907). Granada and Melilla: Imp. Copistería la Gioconda/
Centro asociado UNED, 1992.
• Delbrel, Gabriel. Geografía general del Rif (1909 - 1911). Melilla: Eds. de la Consejería de Cultura, 2009.
• Deville, Amédée Sainte-Claire. Du crime de piraterie étude sur de la loi du 10 Avril 1825. Versailles: Imprimerie de E. Aubert,
• Diana, Manuel Juan. Un prisionero en el Rif: Memorias del ayudante Alvarez. 2 nd ed. Madrid: Imp. Manuel Gali, 1859.
• Díaz, Ramón Lourido diaz Lourido. Marruecos en la segunda mitad del siglo XVIIIe. Edición de la Instituto Hispano-Árabe
de Cultura. Madrid: Imp. IMNASA-Menorca, 1978.
• Drummond Hay, Jean. Le Maroc et ses tribus nomades (Excursion dans l'intérieur, chasses, détails de mœurs, superstitions,
coutumes, etc.). Louise SW.-Belloc (trad.). Paris: Ed. Arthus Bertrand, 1844.
• Et-tabyi, (Eduardo Maldonado Vàzquez). Retazos de historia marroquí. Publicación de Instituto General Franco de Estudios
e Investigación Hispano-Árabe. Tetuán: Editora Marroquí, 1955.
• Fillias, Achille Étienne. L'Espagne et le Maroc en 1860. Paris: Éd. Poulet-Malassis et de Broise, 1860.
• Gosse, Philip. Los corsarios berberiscos: Los piratas del norte (Historia de la piratería). 3 rd ed. Buenos Aires: Espasa-Calpe
Argentina S. A, 1954.
• Miege, Jean-Louis. Le Maroc et L'Europe (1830-1894). Paris: PUF, 1961.
• Pezzi, Rafael. Los presidios menores de África y la influencia Española en el Rif. Madrid: Impresor de la Real Academia de
la Historia, 1893.
• Rincón, Manuel Corchado. Relaciones entre España y Marruecos en el siglo XXe. Madrid: Edición de la Asociación Española
de Africanistas, 2000.
• Testa, Carlos. Le droit public international maritime principes généraux, règles pratiques. Ad. Boutiron (trad.). Paris: Ed.
G. Pedone-Lauriel, 1886.