قراءة في الترجمة العر بية لكتاب محمد الناجي
Reviews the Arabic translation of Mohammed al-Naji's Soldiers, Servants and Concubines: A History of Slavery in Morocco
الملخّص
المؤلف : محمد الناجي. عنوان الكتاب : جند وخدم وسراري: الرق في المغرب. المترجم : محمد الغرايب. الناشر : منشورات فاليا، بني ملال، المغرب. سنة النشر : 2018. عدد الصفحات : 286 صفحة. من الصعب تقديم قراءة جديدة لهذا الكتاب، الذي صدر لأول مرة باللغة الفرنسية، في سنة 1994، بعد زخم القراءات التي حظي بها، والإقبال الذي عرفه من طرف باحثين متخصصين في الموضوع، خاصة في المجتمعات الغربية، عقب ترجمته إلى اللغتين الإنكليزية والإسبانية، كما هي الحال مثلًا بالنسبة إلى قراءة جاك أنكان [1] المؤرخ المختص في التاريخ القديم، والذي اشتغل بظاهرة العبودية، والقراءة التقديمية للكتاب، التي أنجزها الأنثروبولوجي البريطاني الشهير إرنست غيلنر، باعتباره أحد أبرز المتخصصين في أنثروبولوجيا مجتمعاتنا العربية الإسلامية (ص 11-14). فضلًا عن قراءة المؤرخ المغربي الشهير عبد الله العروي في معرض كتابه مفهوم التاريخ [2] . لكن القراءة مع ذلك، تفرض نفسها اليوم، بمناسبة ترجمة هذا الكتاب المهم إلى العربية، و"استعادته"، أو بالأحرى رجوعه، إلى حضن اللغة العربية. إن ترجمة هذا الكتاب، من طرف الباحث محمد الغرايب، المتخصص في التاريخ الوسيط، هي أقرب إلى الكتابة الثانية المبدعة، منها إلى الترجمة بالمعنى الحرفي للكلمة، بحكم أن المادة المعرفية التي اعتمد عليها صاحب الكتاب مستقاة في غالبها من وثائق ونصوص وشهادات تاريخية، وقد وُفّق المترجم إلى حد كبير في مقصده، نظرًا إلى اطلاعه الواسع على تاريخ المغرب، وإلمامه الكبير بالجهاز المفاهيمي الخاص بظاهرة العبودية في الثقافة العربية الإسلامية، مع ما تتميز به في السياق المغربي.
Abstract
Reviews the Arabic translation of Mohammed al-Naji's Soldiers, Servants and Concubines: A History of Slavery in Morocco.
- اللغة العربية
- الترجمة
- القراءة
- المغرب
"جند وخدم وسراري: الرق يف المغرب"
Reviews the Arabic translation of Mohammed al-Naji's
Soldiers, Servants and Concubines: A History of Slavery in Morocco
مقدمة
من الصعب تقديم قراءة جديدة لهذا الكتاب، الذي صدر لأول مرة باللغة الفرنسية، في سنة 1994، بعد زخم القراءات التي حظي بها، والإقبال الذي عرفه من طرف باحثين متخصصين في الموضوع، خاصة في المجتمعات الغربية، عقب ترجمته إلى اللغتين الإنكليزية والإسبانية، كما هي الحال مثلً بالنسبة إلى قراءة جاك أنكان1 المؤرخ المختص في التاريخ القديم، والذي اشتغل بظاهرة العبودية، والقراءة التقديمية للكتاب، التي أنجزها الأنثروبولوجي البريطاني الشهير إرنست غيلنر، باعتباره أحد أبرز المتخصصين في أنثروبولوجيا مجتمعاتنا العربية الإسلامية (ص 11 - 14). فضلً عن قراءة المؤرخ المغربي الشهير عبد الله العروي في معرض كتابه مفهوم التاريخ2. لكن القراءة مع ذلك، تفرض نفسها اليوم، بمناسبة ترجمة هذا الكتاب المهم إلى العربية، و"استعادته"، أو بالأحرى رجوعه، إلى حضن اللغة العربية. إن ترجمة هذا الكتاب، من طرف الباحث محمد الغرايب، المتخصص في التاريخ الوسيط، هي أقرب إلى الكتابة الثانية المبدعة، منها إلى الترجمة بالمعنى الحرفي للكلمة، بحكم أن المادة المعرفية التي اعتمد عليها صاحب الكتاب مستقاة في غالبها من وثائق ونصوص وشهادات تاريخية، وقد وُفّق المترجم إلى حد كبير في مقصده، نظرًا إلى اطلاعه الواسع على تاريخ المغرب، وإلمامه الكبير بالجهاز المفاهيمي الخاص بظاهرة العبودية في الثقافة العربية الإسلامية، مع ما تتميز به في السياق المغربي.
أهمية الكتاب وراهنيته
تكمن أهمية الكتاب، ومن ثمّ راهنيته، في أهمية موضوعه من حيث تناوله ظاهرة الرق في مغرب القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، باعتبارها ظاهرة اجتماعية كلية، "تؤثر في كل مستويات الحياة العامة من سياسة وإنتاج وأسرة وعاطفة وجنس وتعبير"، بحسب تعبير العروي3، وفي تناول الكتاب لهذه الظاهرة في فترة بعينها من التاريخ، تضم في نظر المؤلف، رغم محدوديتها، ما يكفي لإبراز حقيقة الرق في ماضي المغرب (ص. 20). كما تبرز أهميته في كونه استطاع تغطية نقصٍ على مستوى التساؤل عن مكانة الرق في المجتمع، إذ يقول المؤلف محمد الناجي نفسه: "في المغرب، لا تتوفر عمليًا [على الأقل حتى زمن صدور هذا الكتاب سنة 1994] أي دراسات عن هذه المسألة، اللهم إلا من بعض المقالات عن تجارة الرقيق عبر الصحراء" (ص. 6). وتعود أهميته كذلك إلى تناوله إشكالية جوهرية، تتموقع مكانيًا وزمانيًا، في مغرب القرن التاسع عشر (ما قبل الحماية) وبدايات الألفية الثالثة (عقود الحماية)4. إن أهمية الكتاب تتجاوز ذلك أيضًا؛ لكونها ثمرة عدة تساؤلات مرتبطة بحاضر لا يزال حيًا. فالعبودية لم تختفِ بعد، على نحو ما، من عالمنا ومن مجتمعنا. ولا شك في أن مضمون الكتاب وعلاقته بالواقع يمنحانه أهميةً كبرى، وخصوصًا أن بعض أشكال الاستعباد لا تزال موجودة في المغرب، بحسب بعض التقارير الدولية والأممية، التي تشير إلى استمرار بعض مظاهر التعامل مع المغاربة على أنهم ضحايا للعبودية في العديد من مناطق المغرب. صحيح أنه تم التخلي عن ممارسة الاسترقاق والاتجار بالبشر بالمغرب منذ عام 1959، وأن المملكة صدقت الاتفاقية الدولية لمحاربة الرق عام 1926، لكن ذلك لا يعني اختفاء الاسترقاق بوصفه عقلية وعلاقات للناس فيما بينهم وبين السلطة.
ولعل ما يميّز هذا الكتاب أنه استطاع كشف حقيقة على غاية في الأهمية وهي: "أن التصرفات والمواقف وطرائق الإحساس والتفكير التي تكوّنت عبر قرون وتبلورت في الأخير لا يمكن أن تختفي بين عشية وضحاها" (ص. 20). والمؤكد أن مسألة الرق، لا تزال تفرض نفسها علينا، بوصفها موضوعًا لا غنى عنه لفهم مجتمعنا الحالي. فالمؤلف، من خلال هذا الكتاب وعبر كتاباته الأخرى التي تندرج ضمن إطار سوسيو-أنثروبولوجيا التاريخ، ما فتئ يشدّد على "جهلنا الكبير بمجتمعنا. وعلى أنها وحدها أبحاث متأنية، دقيقة، في ضوء إشكالات، يغلب عليها الشك أكثر من اليقين، هي التي يُمكنها أن تقدم توضيحات حاسمة، وعلى الأقل، توفر المواد الضرورية لفهم مجتمع مركب"5. وفضلً عما سبق، تعود أهمية هذا الكتاب في أحد جوانبها إلى الرهانات التي ينطوي عليها، خاصة على مستوى بناء رؤية جديدة حول واقع مجتمعنا، بالنظر إلى أنه يتناول بالنقد تمثلات المؤسسة الرقية في العالم الإسلامي ويحاول الكشف عن المعلومات المغلوطة والخرافات والنظرة المثالية، التي اقترنت بهذه المؤسسة في مجتمعنا، المغربي والعربي الإسلامي، من قبيل الاطمئنان الخادع إلى أفكار مثل: المعاملة الحسنة للعبيد في المجتمع الإسلامي، وتحرير الدين للعبيد وقضائه على الرق... إلخ. وبحسب المؤلف، فإن طريقتنا في النظر إلى تاريخنا وإلى مجتمعنا، الذي مضى، كانت في الغالب طريقة مغلوطة بسبب ثقتنا الكبيرة الاستوغرافيا التقليدية. "لقد كانت هذه الإستوغرافيا في رؤيتها للأمور، تمثل الصورة التي توحي بالأمان لمجتمع مسلم متخلص كليًا من طقوس ما قبل الإسلام" (ص. 194).
إشكالية الكتاب ومنهجيته
يصوغ المؤلف الأسئلة التي واجهته في رحلة استكشافه لمؤسسة الرق بمغرب القرن التاسع عشر وبداية الألفية الثالثة، كما يلي: ما هي الأدوار التي اضطلع بها العبيد؟ وما العلاقة التي أقامها هؤلاء مع أسيادهم؟ وكيف كانت تتم معاملتهم؟ وكيف كان المجتمع ينظر إلى العبودية؟ (ص. 16). ويوضح المؤلف في البداية أن طموحه ليس التنظير لظاهرة الرق في المجتمع المغربي، وإنما ينحصر طموحه بوصفه باحثًا متواضعًا جدًا في "معالجة مختلف مظاهر الرق كما كانت موجودة في مغرب القرن التاسع عشر حتى الحماية الفرنسية" (ص. 16). ويعكس تعامل المؤلف مع المصادر والمعطيات التي اعتمدها في معالجة أسئلته الرئيسة وضوح رؤيته وقدرته على استغلال المادة المصدرية، رغم ما يُظهره من تواضع، فهو يعترف بأنه سيحاول الإجابة عن هذه الأسئلة في حدود الإمكانيات التي تتيحها الوثائق التي تَمكّن من الاطلاع عليها. وتجدر الإشارة إلى أن مؤسسة الرق لا تُختزل، بالنسبة إلى المؤلف، في جانبها الرسمي كعلاقات اجتماعية منظمة بإجراءات قانونية وفقهية واقتصادية... إلخ، بل تشمل أيضًا التصرفات والمواقف والتفكير وطرائق الإحساس المقترنة بالظاهرة الضاربة بجذورها في التاريخ، والمستمرة في الزمن. ويوضح المؤلف ذلك بقوله: "ما نهدف إليه في هذا العمل ليس كتابة تاريخ لهذا الرق، بل تبيان، بوفاءٍ قدر الإمكان، ما عاشه العبد في القرن التاسع عشر. وإبراز كيف كانت الحياة اليومية للعبد مضبوطة بشكل دقيق على إيقاع حياة السيد وحاجاته واستقباله لضيوفه" (ص. 58)، وتتبُّع الحياة اليومية للعبيد في مختلف مظاهرها، كما تتجسد في حياتهم العائلية وحياتهم العاطفية ومعاملاتهم وإباقهم... إلخ.
ويشير المؤلف إلى أن الخوض في الحياة اليومية للعبد، لا يتأتى من خلال النصوص الرسمية، والمكتوبة فقط. فقد حاول معالجة هذا الموضوع من خلال أرشيفات الدولة المغربية في القرنين التاسع عشر والعشرين ومن خلال ما أورده الرحّالة، خاصة الأجانب منهم، فقراءة الرق من خلال النصوص الرسمية (القانون، والفتاوى... إلخ)، لا تسمح في نظر المؤلف، بإعطاء فكرة دقيقة عن السير الحقيقي لمؤسسة الرق؛ لأن الواقع لا يتناغم دومًا مع القانون، ومع النظرة الرسمية، وخاصة في مجتمعات تكون فيها الدولة أبعد من أن تسيطر تمامًا على المجال الذي يدخل نظريًا في نطاق اختصاصها. لهذا اعتمد المؤلف، علاوة على أرشيفات الدولة المغربية، على المصادر التقليدية، كما رجع إلى الفتاوى الفقهية التي قدّمت له عونًا لا يقدّر بثمن. فمن خلال استنطاقه لمختلف المصادر التاريخية، النوازل والفتاوى، أدرك المؤلف أن وثائق الأرشيفات - رغم كونها سمحت له باقتفاء أثر العلاقات بين السيد والعبد في تنقلاتهما اليومية - صمتت عن ذكر ما يجري عندما "ينقطع حديث النهار"، ويرخي الليل سدوله، ما دفعه إلى اللجوء إلى الأدب والفتاوى الفقهية التي تسمح بالاطلاع على خبايا الليل، وعلى ما يجري تحت جنح الظلام (ص. 82). وإضافة إلى النصوص التاريخية والفتاوى الفقهية، عمل المؤلف على استكشاف تضاريس الذاكرة الشعبية، وما علق بها من الحِكم والأمثال، وكذا الأقوال الساخرة، وأغاني المَلحون، وعبارات اللمز والتنابز بالألقاب. وقد وجد في الأماكنية (الطوبونيميا) ما يساعده على فك العديد من ألغاز تاريخ العبيد في المغرب. ومنهجيًا يستقي المؤلف المعلومات الضرورية من هذه المصادر المختلفة، إلا أنه ينزعها من التسلسلات العادية ليضعها في سياقات أخرى مستوحاة من مناهج علم الاجتماع، مستثمرًا في ذلك درسًا من دروس العروي في مفهوم التاريخ. فكتاب الناجي، هو من تلك البحوث التي "تصف الحياة الاجتماعية من منظور سوسيولوجي، لكن في عهد ماضٍ"6. ويلاحَظ في هذه الأعمال أسلوب جديد يعتمد منطق التساكن والتلازم عوض التتابع والتوالي الذي هو لبّ التأليف التاريخي. اعتمد المؤلف أسلوب التحليل والمقارنة، بالتسلسل والتجريد. وكما يوضح صاحب مفهوم التاريخ، يستعين المؤلف "بمعلومة مفردة يتيمة في رسالة سلطانية، مذكورة في سياق إداري أو سياسي، لا تحمل أي معنى من المعاني التي هو بصدد جمعها، ولكن عندما ينزعها من ذلك السياق الرسمي ويضعها في سياق آخر، وعندما يقارنها بمعلومة ثانية مأخوذة من فتوى فقهية وثالثة من شهادة شفوية ورابعة من ملاحظة ميدانية... إلخ، تعود ذات مغزى بالنسبة لموضوع دراسته"7. وقد أشار العروي إلى بعض المآخذ من قبيل أن المؤلف: يضع كل الوثائق في المستوى نفسه، ويقبل من دون أدنى تحفّظ كل وثيقة تحمل معلومة تمسّ موضوع الرق. يعتبر كل المؤسسات (دولة، أسرة، جماعة، حرفة) في مرتبة واحدة. يلغي الفوارق المكانية، وتأثيراتها المباشرة في معاملة الأسياد لعبيدهم. ينفي المنظور الزماني8. فالملاحَظ من خلال قراءتنا للكتاب، أن المؤلف يعي ذلك ويختاره عن قصد. فهو يعي أن "مؤلفي الفتاوى، لم يكتبوا التاريخ أو على الأقل لم يكونوا على وعي به"، بل يعتبر أن ذلك من حسن الحظ، لأنه يوفر مادة مهمة حول الحياة اليومية للناس، بعيدًا عن رقابة السلطة، ولا سيما أن الإخباريين والمؤرخين استهوتهم السياسة وشغلتهم عن مصائب الناس (ص. 171).
ورغم زخم الوثائق الذي استثمره المؤلف في كتابه، فإنه يدرك مع ذلك، أن إجابته عن أسئلته الموجّهة، هي في حدود الإمكانيات التي تتيحها الوثائق المتوافرة. وفي هذا الصدد، يشير على سبيل المثال، إلى أنه يأسف لعدم توفّره على معلومات كافية ودقيقة، تخص كل فئات مالكي العبيد.
دروس الكتاب أو دروس التاريخ
لا شك في أن هذا الكتاب يقدّم لنا جملة من الدروس، حول واقع مؤسسة الرق في مغرب القرن التاسع عشر. فالعمل، يكشف لنا، من خلال مدخله وفصوله التسعة، عن تعدد وجوه الرق وأشكاله في المغرب، واختلاف مصائر العبيد، بين البيع والإباق والخطف، بل بين الصعود والمجد أو السقوط والاندحار... إلخ. كما يبيّ لنا أن المجتمع لم يعرف خلال الفترة المدروسة حدًا فاصلً بين الحرية والعبودية، فقد عرف وجود عدد من الوضعيات التي يصعب فيها التمييز بين الرق وباقي الحالات القريبة منه (ص. 196). ويقف الكتاب أيضًا على تعدد طرق استعباد الأحرار وتنوعها، وتحويلهم إلى عبيد تحت ضغط الحاجة أو بسبب الجشع الزائد، مبرزًا أشد هذه الأسباب قسوة على الإطلاق، أي ذلك السبب الذي يُجبر الإنسان الذي لا مُعيل له، على اختيارٍ طوعي لوضعية العبودية. ويفضح الكتاب أيضًا مظهرًا من مظاهر المجتمع، يتمثل في استعباد أناس من البلد نفسه، حيث يبرز أن علاقة الاستعباد لم تكن علاقة تجمع بين أهل البلاد والغريب فقط، بل كانت قائمة بين أهل البلد الواحد أيضًا. صحيح أن غالبية العبيد كانوا من أصول أجنبية ويُستقدمون من أفريقيا السوداء الغربية، إلا أن ذلك لم يمنع استعباد أهل البلد أيضًا، بغض النظر عن قلتهم. ولم يفُت المؤلف، في خضمّ ذلك، تتبّع تعدد الألقاب التي تُطلق على العبيد وتنوعها (عبد، مملوك، أمة، جارية، خادم، وصيف وغيرها)، تبعًا لاختلاف السجلات والنصوص المرجعية (المصنفات الشرعية، أو عقود البيوع، أو المراسلات الرسمية... إلخ). إن أهم درس يمكن استخلاصه من قراءتنا للكتاب، هو أن وضع حد لظاهرة الرق لا يتحقق بإجراءات وتدابير قانونية فحسب (ظهير سلطاني أو نص قانوني في زمن الحماية)، أو فتوى فقهية (فتاوى الفقهاء)، ولا بتدابير عملية فحسب مثل إغلاق طرق التزود بالعبيد أو منع المتاجرة العلنية بالعبيد. ليس ذلك لأن الظاهرة مترسخة في شكل عادات وتقاليد عبر القرون فقط، وإنما أيضًا لأن وضع حد للظاهرة لا معنى له إن هو خلا من بدائل استقلال اقتصادي حقيقي، لذلك وجب انتظار فعل الزمن وتطور المجتمع نحو نموذج اقتصادي أكثر سيولة يمكن فيه لحركية المجتمع أن تعمل وتشتغل، وأن يزدهر الاقتصاد. وكما يقول المؤلف "إن إلغاء الرق في مجتمع كهذا هو مهمة موكولة للزمن ولا يمكن أن يحدث إلا بالمرور بتحول اقتصادي واجتماعي" (ص. 252)، خصوصًا في ظل مجتمع، يمعن في إنتاج كل أشكال التهميش والإقصاء والهشاشة وإعادة إنتاجها، ويدفع جحافل المهمشين والمقصيين إلى السقوط في شَك التبعية والخضوع، عند أول عاصفة تهبّ عليهم.